← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 8679

اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر

فهد الرومي

Полный текст (1 278 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

قام بها الأستاذ أمين الخولي في الجامعة دون أن يشير رحمه الله تعالى إلى تأثره بهذه القواعد واستفادته منها"١. ومن المعلوم كما أشرنا في ترجمته أن الأستاذ أمين الخولي عمل في المفوضية المصرية في برلين وأنه ألمَّ باللغة الألمانية. ويبقى السؤال حائرا يبحث عن إجابة: لِمَ لَمْ يذكر الأستاذ أمين الخولي تأثره بقواعد التفسير عند شلاير ماشر الألماني الجنسية؟. ومع هذه الملاحظات على هذا المنهج فإنه يبقى له وجه آخر مشرق حيث خط سبيلا بينا إلى الحقيقة القرآنية وأرشد إلى أسلوب أدبي صحيح في تذوق أساليب القرآن. وأهم من هذا كله أنه كشف عن آفاق جديدة للإعجاز في القرآن الكريم وجدد في الأدباء المعارضين الحس الفني حيث الإبداع في العرض وقوة الحق وجمال الأداء وهو حس كادت أن تنطفئ ناره في مجتمع ألهته تيارات المادة في العصر الحديث. وفوق هذا كله قدم بعض أرباب المنهج البياني نماذج أصيلة لتفسير المفردات حيث التتبع للفظة في القرآن الكريم واستخراج معناها من وحي السياق. وإذا ما ابتعد أصحاب هذا اللون في التفسير عن تلك المزالق والمتاهات التي أشرنا إلى بعضها فإنه يؤمل لهذا المنهج أن يحتل في العصر الحديث مكانة سامية. سدد الله الخطى وأصلح النوايا. إنه سميع مجيب.

стр. 1017

الفصل الثاني: منهج التذوق الأدبي في التفسير المراد به: لا أقصد بالتذوق الأدبي إطلاق العنان لكل قارئ لإعمال ذهنه الذاتي لاستخراج معاني النص؛ لأن هذا سيؤدي بنا حتما وعلى أحسن الأحوال إلى أن نجد في تفسير الآية الواحدة ما يساوي عدد القراء بل أكثر منهم. ولكن أقصد به الموازنة بين الذات والموضوع، فللذات حقها في جانب الاستغراق في النص والشعور به بحيث لا يصل إلى الاستغراق الصوفي التام الذي يطغى على النص وعلى جانب الجمال الاجتماعي فيه. وللموضوع حقه في التزام مدلوله اللغوي وحدوده الشرعية والتنبيه الدقيق إلى المعنى الصحيح السليم والتزام أبعاد معانيه ومدلولاته بحيث لا يتجاوزها فيشطح. إن الموازنة بين الذات والموضوع -في رأيي- هي التي تستقر بصاحبها في ميدان التذوق الأدبي وبقدر الموازنة يكون الاستقرار فيه، فإن طغت الذات على الموضوع خرج عن نطاقه إلى نطاق التفسير الصوفي الذي يعتمد على الأوهام أكثر مما يعتمد على الحقائق، وجنح بصاحبه إلى الخيال الجارف الذي لا يعتمد على قواعد ثابتة ولا أصول راسخة بل يموج ويضطرب كما تضطرب الريشة في الهواء، ومن هنا نفذ الباطنيون إلى الإلحاد في تفسير القرآن الكريم حيث لا ارتباط بالنص ولا بمدلوله بل انسلاخ منه!!.

стр. 1018

وإن طغى الموضوع على الذات خرج عن نطاق التفسير العلمي البحت وضاقت جوانب جذبات النفس وارتباطها بالنص وأصبح المفسر والنص كتلتين منفصلتين لا تمازج بينهما ولا تجاذب، وحينئذ يكاد المفسر أن يكون مجرد آلة لا تفاعل بينها وبين معمولها. إذًا فالتذوق الأدبي -عندي- يقوم على الموازنة بين الذات والموضوع.. هو وسط بينهما. والتذوق للقرآن الكريم حركة نفسية وانطباع ذاتي لا يملك الإنسان له ردا ولا يستطيع له منعا، بل لا بد أن يظهر أثره في خلجات سامعه وسكناته شاء ذلك أم أبى وقد أدرك المشركون ذلك ولذلك سعوا إلى حسم سماعه أوَّلًا: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ ١؛ وإنما فعلوا ذلك لإدراكهم أنهم لا يملكون دفعا للتأثر بل قد يأخذ منهم بالألباب ويؤدي بهم إلى ما لا يريدون وكل ما يملكونه أن يتداعوا إلى عدم سماعه واللغو فيه عند تلاوته حتى لا يصل إلى شغاف قلوبهم، فإن وصل فإنهم لا يملكون إلا أن يقولوا -حقيقة- إن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق ... إلخ، وقد يكابرون ويعاندون ويزعمون أنه سحر. حتى الجن كانت النزعة الانطباعية عندهم عند سماعهم له أن قالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ ٢. والنصارى عند سماعهم له تفيض أعينهم من الدمع: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ ٣. والذين يخشون ربهم تقشعر جلودهم عند سماعه ثم تلين وتلين قلوبهم

стр. 1019

معها: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ ١. هذه وتلك بعض مظاهر التأثر بالقرآن الكريم وتذوق نصوصه، ظهرت بين الناس على اختلاف أنواعهم بل والجن أيضا، واختلفت بين فيض الدمع وقشعريرة الجلد ولين القلوب وإظهار علامات الدهش والعجب. ولكن هذه المظاهر لم تتجاوز التأثر الذاتي فلم يترجمها أحد أحرفًا على الورق يفيض بها ذوقه السامي، ويسطرها قلمه الطاهر معالم يهتدي بها من قصر باعه وقلت بضاعته فلم يتذوق النص أو لم يستطع التعبير عنه. وحين تظهر عبارة صادقة معبرة عن مظاهر تذوقه، فإن الألسن حينئذ تتداولها وإن الرواة يتناقلونها كما يتناقل الصاغة الجوهرة الثمينة، حتى وإن كانت العبارة قصيرة حتى وإن كانت مجملة. وخذ مثلا عبارة قالها الوليد بن المغيرة حين استمع إلى آيات من القرآن وهو الكافر ما ملك من أمره إلا أن قال: "والله إن لقوله الذي يقول لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإنه لمثمر أعلاه ومغدق أسفله وإنه ليعلو وما يعلى وإنه ليحطم ما تحته"٢. تداول الرواة هذه العبارة لما فيها من تعبير صادق عن التذوق للنص القرآني وقدرة التعبير عنه، هذا والعبارة موجزة ومعناها مجمل. كيف الأمر إذا وفق الله عز شأنه رجلا يخرج تفسيرا شاملا للقرآن الكريم يحمل مثل هذه المعاني السامية ويترجم دقائق جذور التأثر من أصولها أحرفا نيرة على الورق تحكى قمة من قمم التذوق الأدبي للنص القرآني الكريم. لا أنكر بادئ ذي بدء أني وقففت طويلا وقفة شحيح ضاع في الترب

стр. 1020

خاتمه، وقفت أدقق النظر وأرجع البصر ملتمسا أثرا يبصر أو لا يكاد يبصر لمعالم هذا المنهج وآثار السائرين فيه. لم أكد أجد في الجادة إلا أثرا لقدمين هما لرجل واحد تمشيان فيه بعزيمة وثبات وكأنهما تسيران على خط شق لهما من قبل بل كأنهما تسيران على نور البصيرة والبصر. وعدت أسائل نفسي ايعد طريق يبس إلا من قدمين اثنتين! من مناهج التفسير؟ وكان جوابها -وأحسبه حقا- أن المناهج كلها تبدأ كذلك ثم يكثر سالكوها، وهي من أول أمرها تعد منهجا. إذًا فلا تثريب علي إن اعتبرت تفسير سيد قطب رحمه الله تعالى منهجا في تفسير القرآن الكريم وحده. ولعل لمعترض أن يقول: كيف تقدم النتيجة على المقدمة؟ زعمك أن انفراد سيد قطب رحمه الله تعالى في المنهج لا يمنع من اعتباره منهجا، زعمك هذا نتيجة لمقدمة تثبت انفراده رحمه الله تعالى، فهل حقًّا انفرد سيد قطب رحمه الله تعالى في هذا المنهج؟ وجواب هذا المعترض ليس بإيراد التفاسير كلها وعرضها حتى أثبت به ما أقول، فهذا أمر يطول ويشق ولكنه بالشهود وهم كثير. فهذا الدكتور محمد إبراهيم شريف يصف تفسير سيد قطب رحمه الله تعالى "في ظلال القرآن" بأنه "يمثل تيارا برأسه يجمع فيه بين الذاتية والذوقية، والفنية الجمالية"١. ويصفه في موضع آخر بالندرة من اعتبارات كثيرة٢.

стр. 1021

ويصف الدكتورعدنان زرزور منحى سيد قطب رحمه الله تعالى بأنه "منحى خاص"١. أما الدكتور محمد المبارك، فيعترف لسيد بأن له "فضل كبير في السبق إلى الكتابة والنشر في هذه الموضوعات على أسلوب حديث"٢. بل إن الدكتور عفت الشرقاوي الذي تحاشى الحديث عن سيد قطب، وهو يكتب عن "اتجاهات التفسير في مصر في العصر الحديث" لم يجد بديلا لسيد قطب وحين اضطر لذلك وصفه بـ "أحد الدارسين"٣ وكتب دراسة لكتابه "التصوير الفني في القرآن الكريم" في عشر صفحات٤ ومع هذا تحاشى ذكره أيضا في المصادر والمراجع فلم يذكر اسم كتابه حتى لا يضطر لذكر اسمه. وهو مع هذا يذكر في نهاية حديثه عنه قوله: "لا يعثر الباحث على نماذج كثيرة في جهود المفسرين المحدثين تتخذ التذوق وحده رائدا في التفسير كما رأينا في المحاولة السابقة"٥، ولا نظنه وجد نماذج ولو قليلة ولو كان قد وجد لما ذكر سيد قطب مثلا وإنما وجد دراسة وصفها بأنها مماثلة إلى حد ماء"٥. ما قصدت من هذا أن أذكر موقف الدكتور عفت٦ ولكني قصدت مكانة سيد ﵀ حيث لم يجد من حاول أن يتحاشى ذكره بدًّا من الإشارة إليه إذ ليس في الساحة سواه. وأصرح من هذا كله وأوضح ما كتبه الدكتور صلاح دحبور في رسالته

стр. 1022

التي قدمها لنيل درجة الدكتوراه عن "في ظلال القرآن" حيث وضع عنوانا "سيد قطب يؤسس مدرسة جديدة في التفسير" قال فيه: "يعتبر الظلال لونا جديدا خاصا فريدا من التفسير، ويعتبر نقلة جديدة بعيدة في التفسير. وإن الظلال يعتبر مدرسة خاصة في التفسير. يمكن أن نعتبر سيد قطب مفسرا موهوبا ومؤسسا لمدرسة متميزة فريدة في التفسير. لقد كان سيد قطب مجددا في الظلال حيث سار على منهج خاص"١. ونحن نقول مثل قولهم إن سيد قطب رحمه الله تعالى صاحب مدرسة خاصة ومنهج خاص. ولهذا فلا تثريب علي إذ لم أقدم كعادتي في كل منهج دراسة عامة للمنهج وأهم المؤلفات فيه ثم اختيار تفسير أو تفسيرين كنموذج للمنهج أقف عندهما وقفة أطول. لا تثريب علي إذا كتبت عن "في ظلال القرآن" لسيد قطب رحمه الله تعالى مباشرة؛ لأنه يقف في الساحة وحده فهو والمنهج حتى الآن وجهان لعملة واحدة. فإذا برع من بعده أحد في المنهج شاركه فيه وتفرد سيد بالأقدمية أما الآن فلسيد الأقدمية والانفراد.

стр. 1023

في ظلال القرآن: أولا- المؤلف: ما زالت يدي تمسك بالقلم حينا وتتركه حينا ذلكم أني ترددت كثيرا ووقفت طويلا. ووقفت حائرا بين داعٍ يدعوني لكتابة ترجمة لسيد قطب رحمه الله تعالى كما ترجمت لغيره عند تناول تفاسيرهم. وبين داعٍ يدعوني أن لا أكتب شيئا عنه، وكيف أكتب في صفحة أو صفحتين عن رجل كتب عنه العلماء في أكثر من عشرة كتب بعضها في مجلدات ضخمة، دع عنك التراجم والدراسات التي لا يكاد يخلو منها مؤلف في العصر الحديث عن الدراسات الإسلامية والقرآنية. هل من اللائق لمثلي أن يكتب هذه الترجمة أمام هذه المؤلفات والدراسات الأصيلة عنه. وما الجديد فيما يقول شخص لم ولن يخرج عما قيل في هذه المؤلفات عنه رحمه الله تعالى. ما زلت بين هذا وذاك حتى قر قراري على وجوب الترجمة ولو كانت موجزة وحتى لو لم تأتِ بجديد وحتى لو كانت أقل درجة؛ لأن ما سأذكره يكاد أن يكون القاسم المشترك بين هذه المؤلفات كلها وما يضير أن أشترك معهم في مقام كهذا ولذا فقد اخترت أن أكتب هذه الترجمة الموجزة التي أحسبها سهما -مجرد سهم- يشير إلى المؤلفات الضخمة عنه وحتى هذه المؤلفات لا أحسبها إلا سهما -أيضا- لكنها سهم ضخم يرشد إلى رجل لا كالرجال. اسمه ونشأته: سيد بن الحاج قطب بن إبراهيم: ولد في قرية من قرى الصعيد تتبع محافظة أسيوط اسمها "موشة" التي قدم إليها جده الخامس من الهند. وكانت ولادته سنة ١٩٠٦م حيث نشأ في أسرة ليست عظيمة الثراء وإن

стр. 1024

كانت أقرب إليه، وكان والده مضيافا ولذا كان له مكانة مرموقة بين أهل القرية. انتهى سيد قطب من الدراسة في مدرسة القرية عام ١٩١٨م حيث انتقل للدراسة إلى القاهرة عام ١٩٢١ وإنما تأخر إلى هذا العام بسبب ثورة ١٩١٩م ضد الاحتلال البريطاني. فاستقر سيد قطب في بيت خاله في القاهرة وفي عام ١٩٢٥م التحق بمدرسة المعلمين الأولية ثم التحق عام ١٩٢٨م في "تجهيزية دار العلوم" وهي مدرسة خاصة بكلية دار العلوم وتؤهل الطالب فيها للدخول في الكلية، ثم التحق بكلية دار العلوم عام ١٩٣٠م وتخرج منها عام ١٩٣٣م وله من العمر ٢٧ سنة وحصل على شهادة الليسانس في الآداب. مع دبلوم في التربية. بعد تخرجه زاول مهنة التدريس مدة ست سنوات انتقل بعدها إلى وزارة المعارف موظفا من سنة ١٩٤٠ إلى ١٩٤٨م حيث أوفدته الوزارة إلى أميركا. وكانت رحلته تلك إلى أميركا نقطة تحول لحياته الفكرية حيث لم يكن إرساله إليها للدراسة للحصول على شهادة عالية كما يحسب بعض من كتب عنه وإنما كانت رحلة عملية ميدانية يقوم فيها بزيارة الجامعات والمعاهد العلمية في أميركا ويطلع على مناهجها التعليمية؛ ليعود فيطبقها على مناهج التعليم في بلاده. ولذا كانت رحلته تلك ذات مدة مفتوحة وكان أمر إنهائها بيده وتنتهي بانتهاء دراساته الميدانية. والأهم من هذا كله أن رحلته تلك ليست -حقا- للاطلاع على تلك المناهج وإنما للتخلص من سيد قطب وآرائه التي كان يطالب بها ويلح عليها، ولهذا فإن سيدا لم يوفق على الرحلة إلا بعد أن منع من الكتابة في الصحف، وأغلقت مجلة "الفكر الجديد" فلم يجد بدًّا من السفر. وعاد وقد وجد ذاته هناك ووجد الإجابة على استفساراته وعن غاية الحياة وهدفها السامي النبيل: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ

стр. 1025

لَهَا﴾ ١، ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ ٢. عاد وقد خبر الحياة الأميركية بل قل الحياة المادية وسجل ملاحظاته تلك في "أميركا التي رأيت" إلا أن مسودات هذا البحث كانت من ضحايا محنة الإخوان المسلمين عام ١٩٥٤م حيث أحرقت ولم ينج منها إلا حلقات ثلاث مختصرة نشرت في أعداد مجلة الرسالة "٩٥٧، ٩٥٩، ٩٦١". كانت طريقته في أميركا تختلف عن طريقة الآخرين عكسها تماما كانوا يتخذون موقف الدفاع والتبرير عن الإسلام أما هو فكان يتخذ موقف المهاجم للجاهلية الغربية لا يدع لهم مجالا للاستعلاء ولا يترك لهم فرصة لإشغاله عن الانطلاق كان يهاجم فيشغلهم بالرد ويتفرغ للدعوة ولا ينتظر منهم شبهة تشغله بالرد عنها. حتى هذه اللحظة لم يكن له كبير اتصال مع جماعة الإخوان المسلمين إلى أن تم اغتيال حسن البنا رحمه الله تعالى سنة ١٩٤٩م، وكان سيد وقتها في إحدى مستشفيات أمريكا حيث شاهد مظاهر الفرح والابتهاج بل والشماتة في كل شيء من حوله في الصحافة وفي جميع أجهزة الإعلام وفي كافة المنتديات كلها تهلل وتهنئ بعضها بعضا بالتخلص من أخطر رجل في الشرق، ولم يبق له عذر عند الله -كما يقول- إن لم أتبعها؛ فهذه أمريكا ترقص على جمجمة حسن البنا وهذه بريطانيا أيضا تسخر أجهزة مخابراتها حتى داخل أميركا لمحاربة الإخوان، فصمم في قرارة نفسه أن ينضم إلى الإخوان المسلمين. وعاد سيد قطب وهو يعتقد أن تاريخ ميلاده هو تاريخ انضمامه إلى الإخوان المسلمين وكان يردد دائما: "لقد ولدت عام ١٩٥١م وهو تاريخ انضمامه إليهم".

стр. 1026

عاد وهو أخطر على من أرسلوه من قبلُ، فصار يكتب المقالات التي أقضَّت مضاجعهم، وجرت عليه الكثير من المضايقات، ولم يحسب لها حسابا، فراح يعدُّ البحوث ويلقي المحاضرات ويعقد الندوات ويدير الجلسات وصار بيته موئلا للشباب ومهوى للقلوب. وقرن القول بالعمل، فدعا إلى قيام الكتلة الإسلامية كتلة ثالثة لا شرقية ولا غربية، وكان لسيد أثر كبير في قيام ثورة ٢٣ يوليو، وكان موضع احترام رجالها وهو المدني الوحيد الذي كان يحضر أحيانا جلسات مجلس قيادة الثورة". وحين طلبوا منه أن يلقي محاضرة في نادي الضباط في القاهرة غص النادي بالحضور من مختلف الفئات، وحرص على حضورها رئيس مجلس الثورة اللواء محمد نجيب بنفسه إلا أن عذرا طارئا منعه من ذلك، فحضرها نيابة عنه جمال عبد الناصر ولم يكتفِ بهذا بل أرسل رسالة مع أنور السادات يعتذر فيها عن الحضور، وقد تليت هذه الرسالة على الحضور وقد وصف سيد قطب فيها بأنه رائد الثورة ومعلمها وراعيها وقائد قادتها ورئيس رؤسائها١. وليس بغريب أن يقول هذا محمد نجيب وهو الذي يعترف في مذكراته التي أصدرها مؤخرًا بعنوان "كنت رئيسا لمصر": "إنني أعرف أن الإخوان كانوا أول من ساعدوا عبد الناصر في تنظيم الضباط الأحرار" في فترة لم أكن فيها قد عرفت عبد الناصر ولا التنظيم"٢. ولم يكن سيد رحمه الله تعالى في محاضرته تلك متملقا ولا متشدقا للثورة. ولكنه أعلنها أن الثورة قد بدأت حقا وليس لنا أن نثني عليها؛ لأنها لم تعمل بعدُ شيئا يستحق أن يذكر، فخروج الملك ليس غاية الثورة، بل الغاية منها العودة بالبلاد إلى الإسلام، وأعلن أنه يخشى من الثورة أكثر من

стр. 1027

ذي قبل: "لقد كنت في عهد الملكية مهيئا نفسي للسجن في كل لحظة وما آمن على نفسي في هذا العهد أيضا، فأنا في هذا العهد مهيئ نفسي للسجن ولغير السجن أكثر من ذي قبل"١!! وكان جمال عبد الناصر -كما قلنا- حاضرا فوقف وقال بصوته الجهوري: "أخي الكبير سيد؛ والله لن يصلوا إليك إلا على أجسادنا جثثا هامدة ونعاهدك باسم الله بل نجدد عهدنا لك أن نكون فداءك حتى الموت"، وكان من بين الحاضرين الأستاذ أحمد عبد الغفور عطار الذي كتب وصفا كاملا لهذا الحفل١. وعرضت عليه الثورة مناصب عديدة رفضها كلها إلا منصب السكرتير العام لهيئة التحرير وما رضي به إلا ليسعى للتخطيط للسياسة العليا وكان يستحثهم الإسراع بتطبيق الشريعة الإسلامية وكانوا يراوغون ويماطلون فاستقال بعد شهور وخلفه في منصبه جمال عبد الناصر نفسه١. وعندما وقع الصدام بين الإخوان مع قادة الثورة سنة ١٩٥٤م كان سيد قطب رحمه الله تعالى في مقدمة المعتقلين وحكم عليه بالسجن خمسة عشر عاما وتفرغ سيد رحمه الله تعالى في سجنه للدعوة؛ دعا بلسانه بين السجناء والجنود فكان يخطب فيهم العيدين والجمعة رغم مخالفة ذلك للتعليمات ودعا بقلمه فسطر أروع كتبه وأفضلها وأشهرها: في ظلال القرآن. ويشاء الله أن يكون هذا التفسير من أسباب خروجه من السجن فقد كتب له القبول بين المسلمين وحين زار الرئيس العراقي عبد السلام عارف مصر؛ وكان قد قرأ الظلال توسط عند الرئيس جمال عبد الناصر؛ لإخراجه من السجن بطلب من علماء العراق وصدر الأمر بالإفراج عنه أواخر عام ١٩٦٤م، وعرض عليه عبد السلام عارف أن يسافر معه إلى العراق ووعده بمنصب كبير لكنه ﵀ آثر البقاء في مصر.

стр. 1028

وخرج؛ ليواصل الدعوة ولكنهم في هذه المرة لم يمهلوه، فأعلنها جمال من عاصمة من عواصم الإلحاد، ونحمد الله أنها لم تعلن من عاصمة من عواصم الإسلام؛ أعلنها من موسكو. إن الإخوان المسلمين قد دبروا مؤامرة للاستيلاء على الحكم بالقوة؟! كان ذلك عام ١٩٦٥م، فنشطت أجهزته في إلقاء القبض على الإخوان المسلمين وأصدقائهم ومعارفهم وأقاربهم ونسائهم وأطفالهم. وأقيمت المذابح ونصبت المشانق ولم يترددوا في الإعدام والحرق والتعذيب في أبشع ألوانه وأشكاله تحت آلات أعدت له دونها محاكم التفيش في أوربا. وشرف الله آل قطب، فسجن سيد وأخوه محمد، وأخواتهما الثلاث نفيسة -ولم يمنعهم سنها من ذلك فهي الشقيقة الكبرى لسيد- وأمينة، وحميدة وسجنوا أبناء أخته نفيسة حيث لقي أحدهما حتفه تحت التعذيب وسجنوا أيضا أولاد أخواله ولاقى هؤلاء جميعا من الأهوال ما لا يوصف ولا أدري لم ترد على خاطري كلما قرأت عن هذه الأسرة كلمة رسول الله ﷺ لآل ياسر: "صبرا آل ياسر؛ موعدكم الجنة"١. كان سيد رحمه الله تعالى يحس هذه المرة إحساسا آخر كان يقول: "لقد عرفت أن الحكومة تريد رأسي هذه المرة"٢، وصدق رحمه الله تعالى، فقد صدر الحكم بإعدامه مع اثنين من الإخوان المسلمين هما محمد يوسف هواش وعبد الفتاح إسماعيل. وقامت الاحتجاجات والمظاهرات في مختلف أرجاء العالم الإسلامي، وتوسطت كثير من الشخصيات، لكن الأمر في هذه المرة لا يقبل مثل هذا؛ ولذا فلم يقبل وساطة عبد الرحمن عارف كما قبل وساطة أخيه من قبل٣. ولو لم يترك لنا التاريخ إلا تلك الكلمات التي قالها سيد باستعلاء المؤمن

стр. 1029

وعزة المؤمن لكفى بها، كلمات تخط ليس بالذ هب كما يقولون وإنما بالنور نور الإيمان الذي لا ينطفئ ولا يحجب. قال حين طلب منه أن يقدم التماسا إلى جمال عبد الناصر بالعفو عنه ووعد بالإجابة سلفا إن فعل: "لماذا أسترحم؟ إن سجنت بحق، فأنا أرضى حكم الحق، وإن سجنت بباطل فأنا أكبر من أن أسترحم الباطل"١. وقال: " ... إن أصبع السبابة الذي يشهد لله بالوحدانية في الصلاة ليرفض أن يكتب حرفا يقر به حكم طاغية". وقال حين طلب منه الاعتذار، فيصدر العفو عنه: لن أعتذر عن العمل مع الله١؟!! وحين سئل عن صراحته في الإجابة على أسئلة المحكمة قال: "لأن التورية لا تجوز في العقيدة، وأنه ليس للقائد أن يأخذ بالرخص"١. وأمام هذا كله صدر الحكم بإعدامه؛ أتدرون ما قال عند سماعه للحكم قال: الحمد لله لقد عملت خمسة عشر عاما من أجل الحصول على هذه الشهادة. أتدرون ماذا يعني بالخمسة عشر عاما؟! تلكم فترة انضمامه إلى جماعة الإخوان المسلمين فهو منذ أن انضم إليهم وهو يجعل الشهادة نصب عينيه وأحسبه إن شاء الله قد نالها، فهنيئا له. فقد نفذ فيه حكمهم قبل بزوغ فجر يوم الاثنين ٢٩/ ٨/ ١٩٦٦م الموافق ١٣ جمادى الأولى ١٣٨٦هـ.

стр. 1030

مؤلفاته: مؤلفاته كثيرة بارك الله فيها ونفع بها الإسلام والمسلمين وهي أيضا مشهورة ومعروفة ولا أظن ذكري لها هنا يزيد القارئ معلومة أو معرفة توازي قيمة الإطالة في الحديث، لكني مع هذا أذكر ما يتعلق منها بالقرآن الكريم، وهي ثلاثة: ١- التصوير الفني في القرآن. ٢- مشاهد القيام في القرآن. ٣- في ظلال القرآن. وأخيرا: أعتذر عن الإطالة في الترجمة، فما علمت أني قد أطلت إلا بعد أن رفعت القلم، ولو يعلم القارئ من نفسي ما أعلم لعرف أن كابدت في اختصارها إلى درجة لا تقبل بعدها اختصارًا، ولو علم أيضا تلك المؤلفات المطولة التي سطرها أصحابها عن حياة سيد قطب رحمه الله تعالى لعلم أني قد قصرت١ غفر

стр. 1031

الله لي ولكم ولسيد قطب وآله وإخوانه المسلمين وجمعنا في مستقر رحمته. إنه سميع مجيب. ثانيا- في ظلال القرآن: لهذا التفسير مزايا داخلية ومزايا خارجية؟ تسألون عن الخارجية فأقول: إنها مزايا شيقة أيضا وأعني بها تلك الأطوار التي مر بها هذا التفسير منذ أن سطرته أصابع صاحبه إلى أن طبع طبعاته الشرعية الأخيرة. وليس هذا مقام الكتابة عنه مفصلا حتى أتناول تلك المزايا، وقد كفانا مؤنة ذلك الأستاذ صلاح الخالدي في كتابه سيد قطب الشهيد الحي، ويكفي أن أقول هنا: إن هذا التفسير أول ما أشرقت شمسه وبرقت جواهره كان في كتاب آخر سماه "التصوير الفني في القرآن"، ثم بدا لصاحبه أن يعرض القرآن كله على ضوء ذلك. ثم ترجم هذه الأمنية ليس في كتاب بل في مجلة كان يصدرها سعيد رمضان واسمها "المسلمون" فكتب مقالات شهرية تحت عنوان "في ظلال القرآن" ونشر في المجلة سبع حلقات تولدت عنده بعدها عزيمة أخرى أن يقوم بتأليف تفسير كامل على هذا النهج ويصدره في كتاب مستقل في ثلاثين جزءا يظهر كل جزء خلال شهرين، ووفى ﵀ بوعده بل كان أحيانا يصدر الجزء في أقل من شهرين وكفى أنه صدر ما بين أكتوبر ١٩٥٢م وبين يناير ١٩٥٤م "أي في سنة وأربعة أشهر" ستة عشر جزءا بمعدل جزء في كل شهر واحد. ودخل السجن وأصدر منه جزءين: السابع عشر والثامن عشر ثم خرج من السجن وعاد إليه أخرى فأصدر بقية الأجزاء ولم يكتفِ بذلك بل عاد ينقح الأجزاء الأولى ويطبعها منقحة فتضاعف حجمها إذ كان حجم الجزء منها يزيد على ضعف حجمه في الطبعة الأولى ووصل في التنقيح إلى الجزء العاشر. وأخرج من السجن، فواصل العمل وقام بتنقيح الأجزاء ١١، ١٢، ١٣، ودخل السجن ثالثة، ولكن الطغاة هذه المرة لم يمهلوه بل أعدموه ﵀ رحمةً

стр. 1032

واسعة، وطبع الكتاب بعد ذلك عدة طبعات من أهمها الطبعة اللبنانية في ثمانية مجلدات ضخمة ثم تولت طباعته بعد ذلك دار الشروق في ستة مجلدات وما زال يطبع كذلك.

стр. 1033

منهجه في التفسير مدخل ... منهجه في التفسير: لا شك أن الحديث عن سيد قطب رحمه الله تعالى حديث تنصت له القلوب قبل الآذان؛ لا لأنه سيد قطب ولكن لأنه مثال الداعية الذي أبى أن يخضع لجبروت الطاغية، فباع حياته ثمنا للدفاع عن عقيدته، نحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحدا. أما الحديث عن تفسيره فلا تمله القلوب بل تميل إليه ولا تمله الأفئدة بل تهفو إليه، ليس من ناحية واحدة فيه بل من شتى نواحيه وحين تتحدث عن ناحية واحدة منها فإنك تجد من لسانك إطنابا ومن قلمك سيلا ومن تلك الناحية عطاءا ومددا لا تكلُّفَ فيه ولا زيادة. لست أقول هذا وقد جعلت حاجز المحبة بيني وبين الواقع ولكني أقوله بلسان هذا الواقع فقد صدر عن هذا التفسير كثير من الدراسات والأبحاث وما زال نبعها فيضا وما زال عطاؤها متجددا. وما دام الأمر كذلك فلا تطمعن مني في هذا المقام أن أصب لك البحر في كأس. ولا أكتمك حديثا أني وقفت حائرا على شاطئ هذا التفسير؛ أيَّ جواهره التقط وأيها أدع. عن أي درره أتحدث وعن أيها لا يسعني الحديث؟ هل أتحدث عن الأهداف الأساسية أو الأغراض الرئيسة فيه أو أتحدث عن معالم الجمال فيه؟ أو أقصر حديثي عن التفسير الفكري أو أبسطه في الحديث عن التفسير الحركي العملي عنده؟ أو أتكلم عن سماته أو عن مميزاته أو عن واقعيته، أو عن عرضه البياني المشرق أو عن طريقته الخاصة في التفسير أو موضوعيته. هذا قليل من المداخل الواسعة لدراسة تفسير "في ظلال القرآن" فهل ترون من حقي أن أكتب عن كل هذه المعالم؟ إذًا فالأمر يحتاج لا أقول لبحث

стр. 1034

مستقل بل لأبحاث وما دام الأمر كذلك فلا بد من قصر الحديث على الجانب الذي يواجه دراستنا هذه منها أعني الحديث عن أسس منهجه في التفسير دون سواه، وعذركم أيها الأحبة أن دخلت فيها مباشرة فقد قدمت العذر١.

стр. 1035

الأساس الأول: الأسلوب الأدبي آتى الله سيد قطب رحمه الله تعالى موهبة أدبية رائعة وأسلوبا أدبيًّا ساميًا. لا يشك في ذلك اثنان وفي أنه استخدم هذه الموهبة في تفسيره خير استخدام، ولعل هذا من أسباب القبول الذي لقيه الكتاب بين المسلمين في عصرنا هذا. وقد انفرد سيد رحمه الله تعالى بهذا الأسلوب من بين كثير من المفسرين في القديم وفي الحديث، فلا تكاد مهما بلغ جهدك أن تجد أحدا يجاريه في أسلوبه الأدبي المميز، وإنك لتشعر إن كنت ممن يتذوقون الأساليب أن فيما يكتب سيد إشراقا وعذوبة وروحا، قلما تبدو فيما يكتبه الآخرون. ونحن نظلم تفسيره ونبخسه حقه إن اخترنا مثالا لذلك موهمين أن ما اخترنا هو المثل فكل تفسيره بلغ الرتبة، وكلها كانت له تلك المنزلة وحين نختار مثلا فليس لمزيد فضل فيه وإنما للتوضيح والبيان وضرب المثل فحسب. وإذا كان الأمر كذلك فهذا تفسيره لسورة الضحى أقتطف لك منه ما يوقفك على ما ذكرت. قال رحمه الله تعالى: "هذه السورة بموضوعها وتعبيرها ومشاهدها وظلالها، وإيقاعها، لمسة من حنان، ونسمة من رحمة، وطائف من ود، ويد حانية تمسح على الآلام والمواجع، وتنسم بالروح والرضى والأمل، وتسكب البرد والطمأنينية واليقين.

стр. 1036

إنها كلها خالصة للنبي ﷺ ، كلها نجاء له من ربه، وتسرية وتسلية وترويح وتطمين كلها أنسام من الرحمة وأنداء من الود، وألطاف من القربى، وهدهدة للروح المتعب، والخاطر المقلق، والقلب الموجوع. ورد في روايات كثيرة أن الوحي فَتَرَ عن رسول الله ﷺ ، وأبطا عليه جبريل ﵇، فقال المشركون: وَدَّعَ محمدًا ربُّهُ! فأنزل الله تعالى هذه السورة. والوحي ولقاء جبريل والاتصال بالله، كانت هي زاد الرسول ﷺ في مشقة الطريق وسقياه في هجير الجحود. وروحه في لأواء التكذيب، وكان ﷺ يحيا بها في هذه الهاجرة المحرقة التي يعانيها في النفوس النافرة الشاردة العصية العنيدة، ويعانيها في المكر والكيد والأذى المصبوب على الدعوة، وعلى الإيمان، وعلى الهدى من طغاة المشركين. فلما فتر الوحي انقطع عنه الزاد، وانحبس عنه الينبوع، واستوحش قلبه من الحبيب. وبقي للهاجرة وحده بلا زاد وبلا ري وبغير ما اعتاد من رائحة الحبيب الودود، وهو أمر أشد من الاحتمال من جميع الوجوه. عندئذ نزلت هذه السورة، نزل هذا الفيض من الود والحب والرحمة والإيناس والقربى والأمل والرضى والطمأنينية واليقين. ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى، وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى، وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ . ما تركك ربك من قبل أبدا، وما قلاك من قبل قط، وما أخلاك من رحمته ورعايته وإيوائه. ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى، وَوَجَدَكَ ضَالًا فَهَدَى، وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ . ألا تجد مصداق هذا في حياتك؟ ألا تحس مس هذا في قلبك؟ ألا ترى أثر هذا في واقعك؟ لا. لا. ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ وما انقطع عنك بره وما ينقطع

стр. 1037

أبدا ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾ وهناك ما هو أكثر وأوفى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ . ومع هذه الأنسام اللطيفة من حقيقة الأمر وروحه.. الأنسام اللطيفة في العبارة والإيقاع وفي الإطار الكوني الذي وضعت فيه هذه الحقيقة: ﴿وَالضُّحَى، وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ . "لقد أطلق التعبير جوا من الحنان اللطيف، والرحمة الوديعة والرضى الشامل، والشجى الشفيف: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى، وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى، وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى، أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى، وَوَجَدَكَ ضَالًا فَهَدَى، وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ . ذلك الحنان وتلك الرحمة وذاك الرضى وهذا الشجى: تنسرب كلها من خلال النظم اللطيف العبارة، الرقيق اللفظ، ومن هذه الموسيقى السارية في التعبير الموسيقي الرتيبة الحركات، الوئيدة الخطوات، الرقيقة الأصداء، الشجية الإيقاع، فلما أراد إطارًا لهذا الحنان اللطيف، ولهذه الرحمة الوديعة، ولهذا الرضى الشامل، ولهذا الشجى الشفيف، جعل الإطار من الضحى الرائق، ومن الليل الساجي. أصفى آنين من آونة الليل والنهار. وأشف آنين تسري فيهما التأملات وتتصل الروح بالوجود وخالق الوجود وتحس بعبادة الكون كله لمبدعه، وتوجهه لبارئه بالتسبيح والفرح والصفاء، وصورهما في اللفظ المناسب فالليل هو: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ ، لا الليل على إطلاقه بوحشته وظلامه.. الليل الساجي الذي يرق ويسكن ويصفو، وتغشاه سحابة رقيقة من الشجى الشفيف والتأمل الوديع. كجو اليتم والعيلة. ثم ينكشف ويجلى مع الحى الرائق الصافي فتلتئم ألوان الصورة مع ألوان الإطار ويتم التناسق والاتساق". إن هذا الإبداع في كمال الجمال ليدل على الصنعة؛ صنعة الله التي لا تماثلها صنعة، ولا يتلبس بها تقليد! ١.

стр. 1038

ومثل هذا الأسلوب تراه واضحا جليا عند تفسيره ﵀ لقوله سبحانه: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ١، قال: إن هذا النص ليشير إشارة سريعة إلى حالة تعجز الكلمات عن تصويرها، كما يعجز الإدراك عن تصويرها بكل حقيقتها؛ ذلك حين يعد الموعودين السعداء بحالة من السعادة لا تشبهها حالة. حتى لتتضاءل إلى جوارها الجنة بكل ما فيها من ألوان النعيم!. هذه الوجوه الناضرة، نضَّرَهَا أنها إلى ربها ناظرة. إلى ربها؟! فأي مستوى من الرفعة هذا؟ أي مستوى من السعادة؟ إن روح الإنسان لتستمتع أحيانا بلمحة من جمال الإبداع الإلهي في الكون أو النفس، تراها في الليلة القمراء، أو الليل الساجي أو الفجر الوليد، أو الظل المديد، أو البحر العباب، أو الصحراء المنسابة، أو الروض البهيج، أو الطلعة البهية، أو القلب النبيل، أو الإيمان الواثق، أو الصبر الجميل إلى آخر مطالع الجمال في هذا الوجود، فتغمرها النشوة، وتفيض بالسعادة، وترف بأجنحة من نور عوالم مجنحة طليقة، وتتوارى عنها أشواك الحياة، وما فيها من ألم وقبح، وثقلة طين وعرامة لحم ودم، وصراع شهوات وأهواء. فكيف؟ كيف بها وهي تنظر؛ لا إلى جمال صنع الله، ولكن إلى جمال ذات الله؟ ألا إنه مقام يحتاج أولا إلى مد من الله. ويحتاج ثانيا إلى تثبيت من الله. ليملك الإنسان نفسه، فيثبت، ويستمتع بالسعادة التي لا يحيط بها وصف، ولا يتصور حقيقتها إدراك! ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ . وما لها لا تتنضر وهي إلى جمال ربها تنظر؟

стр. 1039

إن الإنسان لينظر إلى شيء من صنع الله في الأرض؛ من طلعة بهية، أو زهرة ندية، أو جناح رفاف، أو روح نبيل، أو فعل جميل. فإذا السعادة تفيض من قلبه على ملامحه، فيبدو فيها الوضاءة والنضارة. فكيف بها حين تنظر إلى جمال الكمال مطلقا من كل ما في الوجود من شواغل عن السعادة بالجمال؟ فما تبلغ الكينونة الإنسانية ذلك المقام، إلا وقد خلصت من كل شائبة تصدرها عن بلوغ ذلك المرتقى الذي يعز على الخيال! كل شائبة لا فيما حولها فقط، ولكن فيها هي ذاتها من دواعي النقص والحاجة إلى شيء ما سوى النظر إلى الله. فأما كيف تنظر؟ وبأي جارحة تنظر؟ وبأي وسيلة تنظر؟ فذلك حديث لا يخطر على قلب يمسه طائف من الفرح الذي يطلقه النص القرآني في القلب المؤمن، والسعادة التي يفيضها على الروح، والتشوف والتطلع والانطلاق! فما بال أناس يحرمون أرواحهم أن تعانق هذا النور الفائض بالفرح والسعادة؟ ويشغلونها بالجدل حول مطلق لا تدركه العقول المقيدة بمألوفات العقل ومقرراته؟! إن ارتقاء الكينونة الإنسانية وانطلاقها من قيود هذه الكينونة الأرضية المحدودة، هو فقط مَحَطُّ الرجاء في التقائها بالحقيقة الطليقة يومذاك. وقبل هذا الانطلاق سيعز عليها أن تتصور -مجرد تصور- كيف يكون ذلك اللقاء١. وإن شئت أن تحلق مع سيد قطب رحمه الله تعالى في سماء الإبداع الأدبي وفضاء الألفاظ العذبة فاستمع أو اقرأ تفسير لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ ٢، حيث يقول: ومشهد النجوم في السماء جميل ما في هذا شك جميل جمالا يأخذ بالقلوب وهو جمال متجدد تتعدد ألوانه بتعدد أوقاته، ويختلف من صباح إلى

стр. 1040

مساء، ومن شروق إلى غروب، ومن الليلة القمراء إلى الليلة الظلماء. ومن مشهد الصفاء إلى مشهد الضباب والسحاب. بل إنه ليختلف من ساعة لساعة ومن مرصد لمرصد ومن زاوية لزاوية، وكله جمال، وكله يأخذ بالألباب. هذه النجمة الفريدة التي توصوص هنا، وكأنها عين جميلة، تلتمع بالمحبة والنداء!. وهاتان النجمتان المنفردتان هناك، وقد خلصتا من الزحام تتناجيان!. وهذه المجموعات المتضامة المتناثرة هنا وهناك، وكأنها في حلقة سمر في مهرجان السماء وهي تجتمع وتفترق كأنها رفاق ليلة في مهرجان!. وهذا القمر الحالم الساهي ليلة والزاهي المزهو ليلة، والمنكسر الخفيض ليلة. والوليد المتفتح للحياة ليلة، والفاني الذي يدلف للفناء ليلة!. وهذا الفضاء الوسيع الذي لا يمل البصر امتداده، ولا يبلغ البصر آماده. إنه الجمال، الجمال الذي يملك الإنسان أن يعيشه ويتملاه، ولكن لا يجد له وصفا فيما يملك من الألفاظ والعبارات"١. واقرأ إن شئت تفسيره لقوله تعالى: ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ ٢، حيث يقول: "تبصرة تكشف الحجب، وتنير البصيرة وتفتح القلوب وتصل الأرواح بهذا الكون العجيب وما وراءه من إبداع وحكمة وترتيب، تبصرة ينتفع بها كل عبد منيب، يرجع إلى ربه من قريب. وهذه هي الوصلة بين القلب البشري وإيقاعات هذا الكون الهائل الجميل، هذه هي الوصلة التي تجعل للنظر في كتاب الكون والتعرف إليه أثر في القلب البشري، وقيمة في الحياة البشرية"٣ ... إلخ.

стр. 1041

بهذا الأسلوب الذي يأخذ بالألباب كان سيد يعرض معاني الآيات القرآنية، وبهذه الألفاظ الأدبية والمعاني البليغة كان يفسرها حتى كان بحق التفسير الأدبي المميز.

стр. 1042

الأساس الثاني: تذوق النص القرآني ونقصد بهذا معنى دقيقا يشعر به كل من يواجه النصوص القرآنية ابتداء، وينسكب في حسه بمجرد الاستماع لهذا القرآن وقد يستطيع أن يترجمه إلى كلمات وقد لا يستطيع، فيبدو على قسمات وجهه عجبا ودهشة لروعة القرآن يسمى هذا تذوقا للنص ويسميه آخرون انطباعًا ذاتيًّا. واسمع إلى سيد قطب رحمه الله تعالى يقول: "إن في هذا القرآن سرًّا خاصًّا يشعر به كل من يواجه نصوصه ابتداء. قبل أن يبحث عن مواضع الإعجاز فيها إنه يشعر بسلطان خاص في عبارات هذا القرآن. يشعر أن هنالك شيئا ما وراء المعاني التي يدركها العقل من التعبير. وأن هنالك عنصرا ما ينسكب في الحس بمجرد الاستماع لهذا القرآن، يدركه بعض الناس واضحا ويدركه بعض الناس غامضا، ولكنه على كل حال موجود هذا العنصر الذي ينسكب في الحس يصعب تحديد مصدره: أهو العبارة ذاتها؟ أهو المعنى الكامن فيها؟ أهو الصور والظلال التي تشعها؟ أهو الإيقاع القرآني الخاص المتميز من إيقاع سائر القول المصوغ من اللغة؟ أهي هذه العناصر كلها مجتمعة؟ أم أنها هي وشيء آخر وراءها غير محدود؟! ذلك سر مودع في كل نص قرآني يشعر به كل من يواجه نصوص هذا القرآن ابتداء، ثم تأتي وراءه الأسرار المدركة بالتدبر والنظر والتفكير في بناء القرآن كله"١. ولعلك تدرك مكانة هذا السر عند سيد إذا علمت أن الأسرار المدركة بالتدبر والنظر ... إلخ، تأتي وراءه.

стр. 1043

ولقد اعترف رحمه الله تعالى في موضع آخر أنه من المحال عليه أن يترجم إيقاع القرآن الكريم في حسه بالألفاظ والتعبيرات فيقول: "إن إيقاع هذا القرآن المباشر في حسي محال أن أترجمه في ألفاظي وتعبيراتي ومن ثم أحس دائما بالفجوة الهائلة بين ما أستشعره منه وما أترجمه للناس في هذه الظلال١!. وهذا هو ما يطلق عليه الأدباء: الصلة بين القيم الشعورية والقيم التعبيرية في العمل الأدبي؛ أما كيف يعبر الأديب بالألفاظ للدلالة على تجاربه الشعورية الكامنة فيرى سيد قطب رحمه الله تعالى: "أن الانفعال بالتجربة الشعورية يسبق التعبير عنها وفي بعض الحالات يكون هذا الانفعال من التوهج والحرارة والإشراق بحيث يغمر إحساس الأديب ويجعله في شبه نشوة أو في نصف غيبوبة. وأغلب ما تصيب هذه الحالة الشعراء، وقد يُتِمُّ الشاعر عمله في هذه الحالة الفذة، ثم يراجعه فيعجب لنفسه كيف واتته القدرة على صوغ هذه العبارات. وقد يقف أمام بعضها معجبا متعجبا كما لو كان يشهدها أول مرة؛ لأنه لم يتنبه لها كل التنبه في أول مرة وقد عانيت بنفسي حالات من هذا النوع كثيرة وأنا أكتب "التصوير الفني في القرآن" وكذلك وأنا أكتب "في ظلال القرآن" في بعض الأحيان"٢. ولكنه أحيانا ينفعل مع النص ويحس به يملأ مشاعره ومع هذا لا يستطيع أن يعبر عنها تعبيرا كافيا. خذ مثلا لذلك ما قاله في تفسير قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْض﴾ ٣ الآيات، قال: إنهم جماعة خاصة ذات طبيعة خاصة، وإن كانوا بشرا من البشر فمن هم؟ وما الرسالة؟ ما طبيعتها؟ كيف تتم؟ لماذا كان هؤلاء وحدهم رسلا؟ وبماذا؟ أسئلة طالما أشفقت أن أبحث لها عن جواب! إن حسي ليفعم بمشاعر ومعانٍ لا أجد لها كفاء من العبارات ولكن لا بد من تقريب المشاعر والمعاني بالعبارات"٤.

стр. 1044

كان رحمه الله تعالى يتفاعل مع النص القرآني تفاعلا يجلو له كثيرا من المعاني ويوضح له حقيقة بعض الأحداث والوقائع. خذ مثلا لذلك ما قاله في تفسير قوله تعالى: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ ١، فقد سأل عن سبب سجود المشركين عند سماعها وأجاب على ذلك. "لقد بقيت فترة أبحث عن السبب الممكن لهذا السجود. ويخطر لي احتمال أنه لم يقع، وإنما هي رواية ذكرت لتعليل عودة المهاجرين من الحبشة بعد نحو شهرين أو ثلاثة وهو أمر يحتاج إلى التعليل. وبينما أنا كذلك وقعت لي تلك التجربة الشعورية الخاصة التي أشرت إليها من قبل. كنت بين رفقة نسمر حينما طرق أسماعنا صوت قارئ للقرآن من قريب، يتلو سورة النجم. فانقطع بيننا الحديث لنستمع وننصت للقرآن الكريم وكان صوت القارئ مؤثرا وهو يرتل القرآن ترتيلا حسنا. وشيئا فشيئا عشت معه فيما يتلوه. عشت مع قلب محمد ﷺ في رحلته إلى الملأ الأعلى. عشت معه وهو يشهد جبريل ﵇ في صورته الملائكية التي خلقه الله عليها. ذلك الحادث العجيب المدهش حين يتدبره الإنسان ويحاول تخيله! وعشت معه وهو في رحلته العلوية الطليقة. عند سدرة المنتهى، وجنة المأوى. عشت معه بقدر ما يسعفني خيالي وتحلق بي رؤاي، وبقدر ما تطيق مشاعري وأحاسيسي. وتابعته في الإحساس بتهافت أساطير المشركين حول الملائكة وعبادتها وبنوتها وأنوثتها إلى آخر هذه الأوهام الخَرِفَة المضحكة، التي تتهاوى عند اللمسة الأولى. ووقفت أمام الكائن البشري ينشأ من الأرض، وأمام الأجنة في بطون الأمهات. وعلم الله يتابعها ويحيط بها.

стр. 1045

وارتجف كياني تحت وقع اللمسات المتتابعة في المقطع الأخير من السورة: الغيب المحجوب لا يراه إلا الله والعمل المكتوب لا يند ولا يغيب عن الحساب والجزاء والمنتهى إلى الله في نهاية كل طريق يسلكه العبيد والحشود الضاحكة والحشود الباكية وحشود الموتى وحشود الأحياء، والنطفة تهتدي في الظلمات إلى طريقها، وتخطو خطواتها وتبرز أسرارها فإذا هي ذَكر أو أنثى. والنشأة الأخرى ومصارع الغابرين والمؤتفكة أهوى فغشاها ما غشى! واستمعت إلى صوت النذير الأخير قبل الكارثة الداهمة: ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى، أَزِفَتِ الْآزِفَةُ، لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾ . ثم جاءت الصيحة الأخيرة واهتز كياني كله أمام التبكيت الرعيب: ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ، وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ، وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾ ؟ فلما سمعت: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ كانت الرجفة قد سرت من قلبي حقا إلى أوصالي واستحالت رجفة عضلية مادية ذات مظهر مادي. لم أملك مقاومته فظل جسمي كله يختلج، ولا أتمالك أن أثبته، ولا أن أكفكف دموعا هاتنة، لا أملك احتباسها مع الجهد والمحاولة! وأدركت في هذه اللحظة أن حادث السجود صحيح، وأن تعليله قريب. إنه كامن في ذلك السلطان العجيب لهذا القرآن ولهذه الإيقاعات المزلزلة في سياق هذه السورة ولم تكن هذه أول مرة أقرأ فيها سورة النجم أو أسمعها، ولكنها في هذه المرة كان لها هذا الوقع، وكانت مني هذه الاستجابة وذلك سر القرآن، فهناك لحظات خاصة موعودة غير مرقوبة تمس الآية أو السورة فيها موضع الاستجابة، وتقع اللمسة التي تصل القلب بمصدر القوة فيها والتأثير؛ فيكون منها ما يكون! لحظة كهذه مست قلوب الحاضرين يومها جميعا ومحمد ﷺ يقرأ هذه السورة، يقرؤها بكيانه كله ويعيش في صورها التي عاشها من قبل بشخصه وتنصب كل هذه القوة الكامنة في السورة من خلال صوت

стр. 1046

محمد ﷺ في أعصاب السامعين فيرتجفون ويسمعون: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ ، ويسجد محمد والمسلمون فيسجدون١. وقد يقرأ سيد رحمه الله تعالى النص ويكرر قراءته مرات عديدة لكنه في كل هذه المرات لا يفهم النص كما يفهمه إذا تذوقه وإذا تفاعل معه، واقرأ تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ ٢. قال: "هذا النص الذي تلوته من قبل وسمعته ما لا أستطيع عده من المرات. وفي أثناء حفظي للقرآن وفي أثناء تلاوته، وفي أثناء دراسته بعد ذلك في أكثر من ربع قرن من الزمان هذا النص، حين واجهته في "الظلال" أحست أني أدرك منه ما لم أدركه من قبل في المرات التي لا أملك عدها على مدى ذلك الزمان"٣، ثم ذهب رحمه الله تعالى يجلو هذه المفاهيم التي لم يكن ليصل إليها لو لم يتفاعل مع النص ويتذوقه التذوق الحق. وتذوق النص والتفاعل معه لا يكون نتاجه الفهم الدقيق للمعاني، بل يظهر أثره على الجسد، فقد يبكي ويسجد كما فعل في آخر سورة النجم وقد يقشعر جسده حين يقرأ قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ ٤. قال رحمه الله تعالى: "ما قرأت هذه الآية والآية الأخرى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ ٥، ما قرأت هذه الآية أو تلك إلا وشعرت بقشعريرة من تصور الهول الذي يبلغ بالرسول هذا المبلغ. ومن تصور الهول الكامن في هذه الهواجس والكرب المزلزل الذي يرج

стр. 1047

نفس الرسول هذه الرجة وحالته النفسية في مثل هذه اللحظات، وما يحس به من ألم لا يطاق"١. وأخيرا اقرأ ما جاء في مقدمته لتفسير سورة الأنعام قال رحمه الله تعالى: "وهذه السورة -مع ذلك- تعالج موضوعها الأساسي بصورة فريدة، إنها في كل لمحة منها وفي كل موقف وفي كل مشهد تمثل الروعة الباهرة، الروعة التي تبده النفس، وتشده الحس، وتبهر النفس أيضا وهو يلاحق مشاهدها وإيقاعها وموحياتها مبهورا! نعم هذه حقيقة! حقيقة أجدها في نفسي وحسي وأنا أتابع سياق السورة ومشاهدها وإيقاعاتها"، إلى أن قال: "والحياة في جو القرآن لا تعني مدارسة القرآن وقراءته والاطلاع على علومه. إن هذا ليس "جو القرآن" الذي نعنيه؛ إن الذي نعنيه بالحياة في جو القرآن أن يعيش الإنسان في جو وفي ظروف وفي حركة وفي معاناة وفي صراع وفي اهتمامات كالتي كان ينزل فيها هذا القرآن، هذا هو الجو القرآني الذي يمكن أن يعيش فيه الإنسان فيتذوق هذا القرآن، فهو في مثل هذا الجو نزل، وفي مثل هذا الخضم عمل والذين لا يعيشون في مثل هذا الجو معزولون عن القرآن مهما استغرقوا في مدارسته وقراءته والاطلاع على علومه والمحاولة التي نبذلها لإقامة القنطرة بين المخلصين من هؤلاء وبين القرآن ليست بالغة شيئا إلا بعد أن يجتاز هؤلاء القنطرة ويصلوا إلى المنطقة الأخرى، ويحاولوا أن يعيشوا في جو القرآن حقا بالعمل والحركة، وعندئذ فقط سيتذوقون هذا القرآن ويتمتعون بهذه النعمة التي ينعم الله بها على من يشاء"٢. عفوا أيها الأحبة هل ينكر أحد بعد ذلك أثر التذوق القرآني في التفسير؟ وهذا سيد قطب رحمه الله تعالى يعلن مرارا أنه قرأ كثيرا من الآيات لكنه لم يدرك في كل قراءاته السابقة ما أدركه بعد ما عاش في الجو القرآن وتذوق القرآن.

стр. 1048

كان يتضح لسيد بعد ذلك كثير من المعاني وكثير من الأحداث التي استعصى عليه فهمها من قبل، وبهذا تميز تفسيره رحمه الله تعالى عن كثير من التفاسير المعاصرة والقديمة التي كانت تعني بالنص، بالنص وحده، من غير أن تعيش في جوه، ومن غير أن تتفاعل معه فيتولد العطاء. حقا إن هذا الأساس ميزة من مزايا تفسيره لا يعرف أثره ولا يدرك ما يفتح من المعاني إلا من قرأ في ظلال القرآن فليقرأه من لم يفعل.

стр. 1049

الأساس الثالث: الحركية ... الأساس الثالث: الواقعية الحركية يتميز "في ظلال القرآن" أن صاحبه لم يكتبه مرة واحدة، بل كتبه مرة تحت ظلال المنبر ومرة تحت ظلال السيوف كتبه مرة بمداد قلمه وأخرى بدماء قلبه!! قلت فيما سبق أن سيدا رحمه الله تعالى أصدر من الظلال ستة عشر جزءا ومن السجن أصدر باقية من أول أجزائه إلى الجزء السابع والعشرين منها، ثم وفقه الله إلى إدراك سمة من سمات هذا الدين وخصيصة من خصائصه واكتشف المنهج الحركي للقرآن الكريم، فالتزمه في الجزاء الأربعة الأخيرة ورأى أنه لا بد من إعادة النظر فيما كتب، وأن ينطلق في ذلك من إدراكه الجديد وقد كان له ذلك من الجزء الأول إلى نهاية الجزء الثالث عشر وأوائل الرابع عشر، ثم عاجله الطغاة. وما ظنكم أيها الأحبة في قاعدة دعته إلى أن يعيد كتابة تفسيره من أوله وأن يكتبه من جديد. إنها وربي لقاعدة هامة ولأساس متين، بل وكيف نسمح لأنفسنا باستكشاف منزلتها وسيد نفسه قد بين ذلك، حيث يقول: "ونحن نؤكد على هذه السمة في هذا القرآن سمة الواقعية الحركية؛ لأنها في نظرنا مفتاح التعامل مع هذا الكتاب وفهمه وفقهه وإدراك مراميه وأهدافه. إنه لا بد من استصحاب الأحوال والملابسات والظروف والحاجات والمقتضيات الواقعية العملية التي صاحبت نزول النص القرآني.

стр. 1050

لا بد من هذا لإدراك وجهة النص وأبعاد مدلولاته، ولرؤية حيويته وهو يعمل في وسط حي، ويواجه حالة واقعة، كما يواجه أحياء يتحركون معه أو ضده وهذه الرؤية ضرورية لفقه أحكامه وتذوقها، كما هي ضرورية للانتفاع بتوجيهاته كلما تكررت تلك الظروف والملابسات في فترة تاريخية تالية، وعلى الأخص فيما يواجهنا اليوم، ونحن نستأنف الدعوة الإسلامية. نقول هذه المقالة ونحن على يقين أنه لن يرى هذه الرؤية اليوم إلا الذين يتحركون فعلا بهذا الدين في مواجهة الجاهلية الحاضرة، ومن ثم يواجهون أحوالا وملابسات وظروفا وأحداثا كالتي كان يواجهها صاحب الدعوة الأولى صلوات الله وسلامه عليه، والعصبة المسلمة معه من الإعراض والتولي عن هذا الدين في حقيقته الكبيرة الشاملة، التي لا تتحقق إلا بالدينونة الكاملة لله وحده في كل شأن من شئون الحياة الاعتقادية والأخلاقية والتعبدية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية وما يلقونه كذلك من الإيذاء والمطاردة والتعذيب والتقتيل كالذي كانت تلك العصبة المختارة الأولى تُبتلى في سبيل الله به. إن هؤلاء الذين يتحركون بهذا الدين في مواجهة الجاهلية ويواجهون به مما كانت تواجهه الجماعة المسلمة الأولى هم وحدهم الذين يرون تلك الرؤية وهم وحدهم الذين يفقهون هذا القرآن، ويدركون الأبعاد الحقيقية لمدلولات نصوصه على النحو الذي أسلفنا، وهم وحدهم الذين يملكون استنباط فقه الحركة الذي لا يغني عنه فقه الأوراق في مواجهة الحياة المتحركة التي لا تكف عن الحركة"١. وكثيرا ما يؤكد رحمه الله تعالى على هذا المنهج في التعامل مع النص القرآني يقول: "ومرة أخرى نجد أن هذا القرآن لا يكشف عن أسراره إلا للذين يخوضون به المعركة ويجاهدون به جهادا كبيرا، إن هؤلاء وحدهم هم الذين يعيشون في مثل الجو الذي تنزل فيه القرآن، ومن ثم يتذوقونه ويدركونه؛ لأنهم

стр. 1051

يجدون أنفسهم مخاطبين خطابا مباشرا به ما خوطبت به الجماعة المسلمة الأولى، فتذوقته وأدركته وتحركت به"١. ويؤكد رحمه الله تعالى أن القرآن كان دائما في المعركة؛ سواء أكان ميدانها القلوب بين تصورات الجاهلية وتصورات الإسلام أو كان الجو الخارجي بين الجماعة المسلمة وأعدائها، ويؤكد أن تلك المعركة ما تزال قائمة؛ فالنفس البشرية هي النفس البشرية وأعداء الأمة المسلمة هم أعداؤها والقرآن حاضر وبيَّن أنه لا نجاة للنفس البشرية ولا للأمة المسلمة إلا بإدخال هذا القرآن في المعركة؛ ليخوضها حية كاملة كما خاضها أول مرة وأنه لا فلاح ولا نجاح ما لم يستيقن المسلمون بهذه الحقيقة٢. ويصف القرآن بأنه كائن حي متحرك يعمل ويتحرك في وسط الجماعة المسلمة ويواجه حالات واقعة، فيدفع هذه ويقر هذه ويدفع الجماعة المسلمة ويوجهها فهو في عمل دائب وفي حركة دائرة إنه في ميدان المعركة وفي ميدان الحياة وهو العنصر الدافع المحرك الموجه في الميدان٣. وكما أن تذوق النص القرآني وتعاطف القلب معه له أثره في فهمه فإن الظروف والأحداث الواقعة تطلق الطاقة المكنونة في النص وهذا سيد رحمه الله تعالى يقرر هذا بقوله: "إن القرآن ليس كتابا للتلاوة ولا للثقافة. وكفى إنما هو رصيد من الحيوية الدافعةن وإيحاء متجدد في المواقف والحوادث! ونصوصه مهيأة للعمل في كل لحظة، متى وجد القلب الذي يتعاطف معه ويتجاوب، ووجد الظرف الذي يطلق الطاقة المكنونة في تلك النصوص ذات السر العجيب"٤. وما قاله رحمه الله تعالى في التذوق وأثره وأنه يقرأ النص عدة مرات

стр. 1052

فلا يعرف منه ما يعرف إلا إذا تفاعل مع النص وتذوقه فإنه يقول هنا أيضا: "وإن الإنسان ليقرأ النص القرآني مئات المرات ثم يقف الموقف، أو يواجه الحادث، فإذا النص القرآني جديد، يوحي إليه بما لم يوح من قبل قط ويجيب على السؤال الحائر، ويفتي في المشكلة المعقدة، ويكشف الطريق الخافي، ويرسم الاتجاه القاصد، ويفيء بالقلب إلى اليقين الجازم في الأمر الذي يواجهه وإلى الاطمئنان العميق وليس ذلك لغير القرآن في قديم ولا حديث"١. وإذا كانت الواقعية الحركية سمة من سمات هذا القرآن لها الأثر الكبير في تفسيره وجلاء معانيه فإنها سمة من سمات الدين كله، وهذا سيد قطب -رحمه الله تعالى- يجلو لنا ذلك بقوله: "والسمة الثانية في منهج هذا الدين هي الواقعية الحركية فهو حركة ذات مراحل. كل مرحلة لها وسائل مكافئة لمقتضياتها وحاجاتا الواقعية وكل مرحلة تسلم إلى المرحلة التي تليها. فهو لا يقابل الواقع بنظريات مجردة. كما أنه لا يقابل مراحل هذا الواقع بوسائل متجمدة والذين يسوقون النصوص القرآنية للاستشهاد بها على منهج هذا الدين في الجهاد ولا يراعون هذه السمة فيه، ولا يدر كون طبيعة المراحل التي مر بها هذا المنهج، وعلاقة النصوص المختلفة بكل مرحلة منها، الذين يصنعون هذا يخلطون خلطا شديدا ويلبسون منهج هذا الدين لبسا مضللا ويحملون النصوص ما لا تحتمله من المبادئ والقواعد النهائية؛ ذلك أنهم يعتبرون كل نص منها كما لو كان نصا نهائيا يمثل القواعد النهائية في هذا الدين ويقولون -وهم مهزومون روحيا وعقليا تحت ضغط الواقع اليائع لذراري المسلمين الذين لم يبق لهم من الإسلام إلا العنوان: إن الإسلام لا يجاهد إلا للدفاع! ويحسبون أنهم يُسْدون إلى هذا الدين جميلا بتخليه عن منهجه وهو إزالة الطواغيت كلها من الأرض جميعا، وتعبيد الناس لله وحده وإخراجهم من العبودية للعباد إلى العبودية لرب العباد! لا بقهرهم على اعتناق عقيدته ولكن بالتخلية بينهم وبين هذه العقيدة بعد تحطيم الأنظمة السياسية الحاكمة، أو قهرها حتى تدفع

стр. 1053

الجزية وتعلن استسلامها والتخلية بين جماهيرها وهذه العقيدة تعتنقها أو لا تعنقها بكامل حريتها"١. ويبقى سؤال أو سؤالان عن الواقعية واقعية من؟ والحركية في مواجهة من؟ ويجيب سيد رحمه الله تعالى على هذا بقوله: "وإذا كان "البيان" يواجه العقائد والتصورات، فإن "الحركة" تواجه العقبات المادية الأخرى -وفي مقدمتها السلطان السياسي القائم على العوامل الاعتقادية التصورية، والعنصرية والطبقية والاجتماعية والاقتصادية المعقدة المتشابكة. وهما معا -البيان والحركة- يواجهان "الواقع البشري" بجملتهن بوسائل مكافئة لكل مكوناته وهما معا لا بد منهما لانطلاق حركة التحرير للإنسان في الأرض "الإنسان" كله في "الأرض" كلها، وهذه نقطة هامة لا بد من تقريرها مرة أخرى٢. ثم وجه سيد رحمه الله تعالى دعوة أشعر من حيث لا أدري بأنه يعتصرها من سويداء قلبه دعانا فيها نحن معشر المسلمين المعاصرين إلى إزالة الفجوة العميقة بيننا وبين القرآن وإلى إزالة الحاجب السميك بيننا وبين القرآن، وسيظل هذا وذاك طالما نحن نتلوه أو نسمعه كأنه مجرد تراتيل تعبدية مهومة لا علاقة لها بواقعيات الحياة البشرية اليومية التي تواجه الإنسان، والتي تواجه هذه الأمة بينما هذه الآيات نزلت لتواجه نفوسا ووقائع وأحداثا حية، ذات كينونة واقعية حية ووجهت بالفعل تلك النفوس والوقائع والأحداث توجيها واقعيًّا حيًّا، نشأ عنه وجود ذو خصائص في حياة الإنسان، بصفة عامة وفي حياة الأمة المسلمة بوجه خاص. ومن هنا فإن سيدا ﵀ دعا هذه الأمة أن تتعامل مع القرآن كما تعاملت معه الأمة التي خاض بها معركة كبرى حولت تاريخها وتاريخ البشرية

стр. 1054

كلها معها، وإن القرآن يملك أن يوجه الحياة الحاضرة وكأنما هو يتنزل اللحظة لمواجهتها في شئونها الجارية وفي صراعها الراهن مع الجاهلية من حولها بنفس الحيوية ونفس الواقعية التي كانت له هناك يومذاك١. وأنظر إلى الجباه فأكاد أقرأ في قسماتها سؤالا وأنظر إلى الشفاه، فأكاد أسمعه عن الواقعية والحركية هذه.. أقرأ هناك وأسمع هنا نقدا مختفيا في سؤال.. قرأنا ما كتبت عنهما في الصفحات السابقة لكنا نراك مرة تنقل نصًّا لسيد رحمه الله تعالى يجعل الواقعية والحركية سمة من سمات الدين ونراك أنت تجعلها سمة من سمات تفسيره فهل هذا تناقض منك؟ أو هل بينهما من صلة؟ وأقول جوابا: نعم إن بينهما صلة؛ صلة الفرع بالأصل فالواقعية والحركية في الدين ولَّدتا عند سيد قطب رحمه الله تعالى التزامهما في تفسيره، فجاء تفسيره التزاما لمنهج الدين فيهما. وإن شئت بعد هذا أن تلمسهما في تفسيره فاعلم أنهما أكثر ما يكونان فيه بل إن الواقعية عنده قد تولد عنهما قواعد أخرى برزت وعظمت حتى انفصلت. ومن أغراض القرآن الأساسية ومنهجه الحركي انطلق سيد قطب -رحمه الله تعالى- لبناء منهجه الحركي التربوي وصارت الحركية والعمل والتفاعل مع النص المحوَّر الذي يدور عليه تفسيره، فلا ثمرة لترديد ألفاظ القرآن أو ترتيله تراتيل مهومة ما لم يتحول ذلك إلى قوة دافعة وإلى طاقة محركة تقود الإنسان وينقاد لها. ونظرة عجلى لتفسير سيد قطب رحمه الله تعالى تظهر بلا شك أن وقفات سيد ونظراته وأفكاره ومناقشاته وعرضه وبيانه كلها تتحقق فيها الواقعية الجدية.

стр. 1055

وتبرز معالم هذه الحقيقة في صور شتى ومواضع عديدة فلم يتناول إلا الأمور الجادة النافعة، ورتب عليها آثارا عملية نتاجها الفوائد الجمة، أما تلك الأمور التي لا يترتب عليها حكم أو فائدة فإنه يعرض عن الخوض فيها. ولهذه القاعدة في التفسير عند سيد رحمه الله تعالى جاء تفسيره تحسبه -وقد استمده من القرآن- علاجا مفصلا دقيقا لقضايا العصر وكأنه إنما أنزل لهذا العصر ولعلاج أمراضه المختلفة. ولعل مصدر الواقعية الجدية قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ﴾ ١ وقد اهتم سيد رحمه الله تعالى بهذه الواقعية الجدية في هذه الآية فأورد ست روايات في سبب نزولها، وأحاديث ثلاثة في النهي عن كثرة الأسئلة وأربعة أقوال عن السلف في النهي عن ذلك ومنهج السلف الواقعي الجدي في السؤال والاستفتاء والفتوى الذي لا يجيب إلا على ما وقع من الأمور وترك ما لم يقع٢ ولذلك وصفه رحمه الله تعالى "بأنه منهج واقعي جادٌّ. يواجه وقائع الحياة بالأحكام المشتقة لها من أصول شريعة الله مواجهة عملية واقعية"٣. وخذ مثلا لتطبيقات سيد رحمه الله تعالى لهذا الأساس ففي تفسير قوله تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ ٤ لم يتناول رحمه الله تعالى إلا الآثار الدعوية والعملية لهذا النص وإيحاءاته الاعتقادية والدلالات الحركية له، وأعرض عن الخوض في تفصيل كيفية اشتراك الملائكة في المعركة وعن حصر قتلاها من المشركين، ولا كيف قتلتهم الملائكة، وهو ما خاض به بعض المفسرين ولم يخرجوا بنتيجة واقعية جادة ويصف
следующие страницы →