← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 8679

اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر

فهد الرومي

Полный текст (1 278 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

"خطر على عقلية الجماهير أن نخايلها بهذه الألفاظ المضخمة من بدع التأويلات العصرية العلمية، تمسخ عقليتهم ويختل بها منطقهم وتخدر وعيهم بغرور السبق إلى علوم العصر"١. وانظر ما قالته الدكتورة في تفسير قوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ عَلَق﴾ ٢ فقد أوردت تفسير الزمخشري: "إن في الآية تفخيما لخلق الإنسان ودلالة على عجيب فطرته" قالت: "وقد نقله الرازي ثم أضاف إليه في تأويل ﴿عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ كون الإنسان من علقة وهي أخس الأشياء ثم صيرورته عالما والعلم أشرف المراتب ثم أوردت الدكتورة عائشة قول أبي حيان وعقبت على هذه الأقوال بقوله: "وكل هذا مما يمكن أن يقال، وليس هو على أي حال بأبعد مما ابتدعه محدثون اتجهوا بهذه الآية إلى مجال البحث في علم الأجنة والتمسوا المراجع الأجنبية لعلماء الفسيولوجيا والبيولوجيا لفهم آية نزلت على النبي الأمي في قوم أميين لم يسمعوا قط ولا سمع عصرهم بعلم الأجنة، وغير متصور أن يكون القرآن الكريم قدم لهم من آيات ربوبية الخالق وقدرته ما لا سبيل لأحد منهم إلى تصوره فضلا عن فهمه وإدراكه. وإنما فهموا من العلق ما تعرفه لغتهم وبيئتهم وعصرهم، والعربية قد استعملت العلق ماديًّا في كل ما يعلق وينشب: كالدم، والمحور الذي تعلق عليه البكرة، وعلقت المرأة: حملت، ومعنويا في العلاقة تنشب بين إثنين حبًّا أو بغضًا وفي الصلة تربط بينهما. ولم يكونوا في حاجة إلى درس في علم الأجنة أو مراجعة كتاب في المكتبة الأميركية التي ظهرت بعدهم بقرون؛ ليفهموا آية خلق هذا الإنسان من علق في أرحام الأمهات وهم الذين ألفوا استعمال: علقت المرأة، بمعنى حملت. واستعمال العلق هنا، جمع علقة، إيذان بما ذهبنا إليه من إطلاق في عموم لفظ الإنسان.

стр. 982

ولا يشير السياق إلى أن القصد من: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ توجيه المصطفى ومن يؤمنون برسالته إلى النظر في علم الأجنة، وإنما هي آية الله في هذا الإنسان؛ خلقه من علق وخصه بالعلم، واحتمل أمانة التكليف، فازدهاه الغرور وأطغاه الشعور بوهم الاستغناء عن خالقه، فنسي أن إليه سبحانه الرجعى والمصير"١. وتصف الدكتورة عائشة التفسير العلمي بأنه "بدعة" عند تناولها بالتفسير لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه﴾ ٢ حيث تقول: "وجاء محدثون ببدعة التفسير العلمي فذهبوا إلى أنها الذرة التي اكتشف العلم سرها في القرن العشرين!! ثم علقت على هذا قائلة: "والواقع أن مثل هذا التحديد ليس مراد، القرآن ولا هو من مألوف بيانه. والعربية قد عرفت الذر في كل ما يمثل الضآلة والصغر وخفة الوزن؛ تقول: ذررت الملح والدقيق والفتات: نثرته بأطراف الأصابع والذر الهباء يُرى في شعاع الشمس وبولغ في وصف تناثر النمل الصغير المنبث فقيل: ذر، وفي لسان العرب نص صريح على أن "الذرة ليس لها وزن"؛ لفرط صغرها وخفتها. ونؤثر أن نفهمها في ضوء هذا الحس اللغوي وعلى هدى البيان القرآني دون تكلف لتقدير الأوزان والأحجام والألوان وما فهم العرب الذين بعث فيهم رسول منهم من قوله تعالى: ﴿مِثْقَالُ ذَرَّةٍ﴾ إلا أنه التناهي في الضآلة والخفة والصغر، حتى ليكون من الهباء الذي لا وزن له. وهو ما يتلاءم ماديًّا وفنيًّا مع جو الموقف ونسق السياق من الزلزلة والانفجار والتفتيت والتشتيت فهم يخرجون أثقالا ويصدرون أشتاتا ويرون أعمالهم مثقال ذرة من خير أو شر"٣.

стр. 983

ولعل فيما ذكرناه ما يظهر حقيقة موقفها من التفسير العلمي ترفضه كل الرفض وتذمه كل الذم؛ لأنه يخالف قواعد وأصول منهجها الأدبي ولا شك أنها وفَّقَها الله قد تطرفت في الرفض دفعها إلى ذلك فيما أحسب تطرف خصومها في التفسير العلمي والحق وسط بينها وبينهم، وقد أفردناه بدراسة خاصة في حديثنا عن المنهج العلمي التجريبي ولا نرى موجبا لإعادته هنا، فلينظر هناك. سابعًا- التفسير الموضوعي: لا شك أن الأسس -أي أسس- ليست على درجة واحدة دائما فقد يكون بينها تباين في القيمة، وإن استوت في النوع، وإذا نظرنا إلى أسس منهج التفسير البياني فإنا ولا شك نرى أن أهم هذه الأسس اثنان: ١- الاستقراء للمفردات. ٢- التفسير الموضوعي. وللتناول الموضوعي عند الدكتورة عائشة منزلته أيضا بل عدته في مقدمة تفسيرها الأصل الذي يقوم عليه المنهج في التفسير قالت: "والأصل في منهج التفسر الأدبي -كما تلقيته عن أستاذي- هو التناول الموضوعي الذي يفرغ لدراسة الموضوع الواحد فيه فيجمع كل ما في القرآن عنه، ويهتدي بمألوف استعماله لألفاظ والأساليب بعد تحديد الدلالة اللغوية لكل ذاك واتجه بمحاولتي اليوم إلى تطبيق المنهج في تفسير بعض سور قصار ملحوظ فيها وحدة الموضوع فضلا عن كونها من السور المكية حيث العناية بالأصول الكبرى للدعوة الإسلامية"١. لكن هل التزمت الدكتورة عائشة هذا الأصل الذي دعت إليه؟ سجل مخالفتها لهذا الدكتور عفت الشرقاوي ومن بعده الدكتور محمد إبراهيم شريف فقال الأول ونقل عنه الثاني: "ولقد نلاحظ أن المؤلفة قد خالفت أستاذها

стр. 984

فلم ترتبط بفكرة الموضوع التي طال دعوته إليها، ولو فعلت لكان أمامها فسحة من الدراسات المنتجة الخصبة ذلك أن التحديد الموضوعي يسعف على تنبُّه دقيق إلى الدلالات المستخدمة في الموضوع، وعلى كل حال فإن المؤلفة فسرت هذه السور القصار، فلم تبعد كثيرا عن التفسير الموضوعي؛ لأن الوحدة الموضوعية ملحوظة في كل سورة على حدة إلى حد ما، وفوق ذلك فإن تفسير السور يفتح مجالات أخرى أمام المفسر، قد تختلف عن الدراسة الموضوعية، ومن ذلك مثلا مسألة المناسبة بين الآيات وملاحظة السياق في السورة الواحدة"١. وكان من ذلك ما قدمته الدكتورة عائشة في تفسير سورة العاديات حيث قالت: وتبدأ بعرض صورة مثيرة لغارة عنيفة مفاجئة، تباغت القوم صبحا فلا ينتبهون إليها إلا وقد توسطت جمعهم فبعثرتهم وسط عاصفة من النقع المثار. وتقع هذه الصورة العنيفة بعد واو القسم لافتة إلى ما عهد القوم من مثل تلك الغارات المفاجئة المصبحة، وما تحدث من بعثرة وحيرة وارتباك ثم تأتي بعدها صورة أخرى لغيب غير مشهود، ولكنه واقع حتما ذلك هو البعث يفجأ على غير موعد فإذا هم في حيرة وبعثرة وارتباك، وقد لفظتهم القبور لليوم الآخر كالفراش المبثوث، وإذا كل ما في صدورهم قد حصل لم تفلت منه خافية مضمرة، مطوية في أعماق الصدور ومستكن الضمير. وفي كل لفظ من الصورة٢ بل في كل حرف منها سره البياني الرائع فيما قصد إليه القرآن من إحضار مشهد ليوم البعث شاخصا مجسما، وتأكيد وقوعه، والإنذار بما ينتظر الإنسان فيه من حساب دقيق عسير"٣. هذا مثل من الأمثلة القليلة لتطبيق التناول الموضوعي في التفسير عند الدكتورة عائشة.

стр. 985

رأيي في تفسيرها: ذكرت أثناء عرض أسس منهجها بعض المخالفات للمنهج أو الأخطاء التي أحسب أن الدكتورة عائشة قد وقعت فيها، ولعلي أذكر هنا الملاحظات العامة. فمنها ما سبق أيضا أن أشرت إليه وإلى صوره إجمالا ووعدت بضرب الأمثلة فيما بعد وهذا أوان إنفاذ الوعد. قلت هناك إن من عيوبها -وجلَّ من لا عيب فيه- اعتدادها الشديد بآرائها وذكرت له أربع صور: أولها: إنها تتيه بما وصلت إليه من معنى لكلمة قرآنية على المفسرين. والأمثلة على هذا كثيرة منها قولها: "هذا ما نطمئن إليه في التفسير البياني للقسم بالضحى والليل إذا سجى، ولا أعرف -فيما قرأت- أحدا من المفسرين التفت إلى هذا الملحظ التفاتا واضحا متميزا، وإن يكن بعضهم قد استشرف له من بعيد، لكن وسط حشد من تأويلات شتى، لا تخلو من تكلف وإغراب"١. وفي موضع آخر تقول: "ولا أعرف أحدا من المفسرين أو البلاغيين التفت إلى إطراد هذه الظاهرة الأسلوبية في القرآن مع وضوحها إلى درجة العمد والإصرار"٢ قالت هذا في طبعة تفسيرها الأولى ولما أعادت طبعه عدلت العبارة إلى: "وقد شغل أكثر المفسرين والبلاغيين بتأويل الفاعل عن الالتفات إلى اطِّراد هذه الظاهرة الأسلوبية في هذا الموقف مع وضوحها إلى درجة العمد والإصرار، وسرها البياني دقيق جليل"٣. وثانيها: أنها تقلل بصيغ شتى من شأن المفسرين السابقين وتفسيرهم

стр. 986

وتسوق عباراتها عنهم أحيانا بما يشبه السخرية؛ بل لم أجد كلمة "المفسرين" في كتابها إلا وسياقها كذلك وهو أمر خطير خطير. ولست بالأول ولا بالوحيد الذي أدرك ذلك منها، فهذا الدكتور محمد إبراهيم شريف يقول: "ما كان هناك من مبرر لحملتها السافرة على قدامى المفسرين واعتدادها الشديد بما تحقق من نتائج، ووصفها المفسرين بالدأب على إفساد البيان القرآني"١ ومن قبله الدكتور عفت الشرقاوي قال: "ولكن ما يلفت النظر في منهج المؤلفة حملتها السافرة على قدامى المفسرين واعتدادها الشديد بما تحقق من نتائج"٢. وتصف كثيرا نتاج المفسرين بصيغة الجمع بصفات تستغرب من ذلك قولها: "وأكثر المفسرين على أن "يصدر الناس" هنا بمعنى يخرجون من القبور. وتفسير يصدر بـ "يخرج أو ينصرف بعيد عن حس العربية ... "٣ وقالت: "ولكن كثيرا من المفسرين ذكروا في "أشتات" أقوالا بعيدة لا يعين عليها الحس اللغوي للمادة"٤ وتقول: "ولشد ما تكلف المفسرون في تأويل الساهرة"٥ وقالت: "وأيان: للبعد ولا أدري لم فات جمهرة المفسرين أن يلحظوا موقعها هنا على كثرة تعلقهم بما له اتصال بالصنعة النحوية"٦ وقالت: "وتدبر هذه الآيات يرينا ما في قول المفسرين من جور على المعنى القوي المثير"٧ وقالت: "لكن ما العقبة التي يتحدث عنها القرآن هنا؟ أتعب المفسرون أنفسهم في تأويلها. والواقع أننا في غير حاجة إلى شيء من هذا ومثله"٨، وقالت: "وليس بعجيب أن يفوت هذا السر البياني جمهرة المفسرين الذين كان جهدهم أن يجمعوا كل

стр. 987

ما يمكن أن يحتمله المدلول المعجمي للفظة، وكل ما قيل في تأويله دون أن يلتفتوا إلى الإيحاء الباهر للفظ "زرتم"١ وقالت: "فتأويل المفسرين -فيما قرأت- المقابر بالقبور ليس إلا أثرا لمنهجهم في تناول مفردات القرآن تناولا لفظيًّا معجميًّا مجردًا عن إيحاء سياقه وسره البياني معزولا عن الاستعمال القرآني"٢، وقالت: وليس النص القرآني في وضوح بيانه بمسئول عن هذا الخلاف؛ وإنما يسأل عنه منهجهم في التفسير وهو منهج لا يرى بأسا في تفسير الآية الواحدة بالنقيضين؛ كيلا تفوته الإحاطة بما قيل في الآية"٣، وتقول بلهجة ساخرة: "ثم يجيء المفسرون غفر الله لهم؛ فيقولون ... وفاتهم النذير العالي الصادع ... واعجبا؛ آثر القرآن أن يسكت عن ذكر السائل ويأبى المفسرون إلا أن يختلفوا فيمن يكون السائل لكن كيف يمكن إدخال المؤمنين مع الكفار في سؤال واحد؟ الجواب عند المفسرين حاضر"٤. معذرة إن أطلت فما ذكرت إلا القليل من عباراتها بل لم أجدها في أي موضع -فيما قرأت- تذكر المفسرين أو قولا لهم موضع الثناء والقبول اللهم إلا مرة واحدة قالتها في المقدمة؛ قالت هناك: "وما يجرؤ منصف على أن يجحد فضل أحد من هؤلاء جميعا، وهم الذين بذلوا في خدمة القرآن جهودا جليلة وتركوا آثارهم من بعدهم شاهدة بمقدار ما عانوا"٥. ولكن هل تشفع لها هذه الكلمة في المقدمة أن تقف هذه الوقفات الكثيرة في تفسيرها منهم وهل يشفع لها هذا أن تذكر أقوالهم دائما بصيغة الرفض والإنكار و ... و ... على كل حال -غفر الله لنا ولها- ولعلها تعيد النظر فيما قالت ما دام في العمر بقية وفي الأجل فسحة. ثالثها: جزمها بصحة ما توصلت إليه وتعين القول به ورفض ما سواه. حتى وإن كان لم يورده أحد من المفسرين من قبل وعلى هذا فكل من سبقها

стр. 988

وسبق عصرها لم يصل إلى الحق حتى قالته واقرأ معي قولها: "ولكن هذا المعنى المتعين، هو الوحيد الذي لم يذكره المفسرون -فيما قرأت- وهم يعدون كل ما يمكن أن يقال في تفسير "النعيم" ويذكرون فيه ذلك الحشد المختلط إلا نعيم الآخرة الذي يصر القرآن على تخصيص لفظ النعيم به، والذي يجب أن يحتكم وحده في توجيه آية التكاثر"١. والحق أن المفسر القديم كان أكثر حيطة منها حين وضع في اعتباره أن التفسير قول على الله وخشي دائما القطع بقول لا يعلم أنه مراد الله من قوله، فلم يكن يجرؤ على الجزم بتأويل واحد -يكون ما عداه خطأ- ما لم يرد في ذلك نص صريح وإنما فهم أن النص الذي يقبل التأويل هو طائفة من الإمكانات وقد يرجح بعضها مستعينا في ذلك بالسياق العام للنص، ولكنه لم يجزم بمعنى واحد يخطئ ما سواه كما فعلت الباحثة"٢، ولا يمكن -كما يقول الدكتور عفت الشرقاوي- أن يبلغ اعتزاز المفسر المنصف برأيه حدًّا يجعله يخطِّئ بصرامة وَحِدَّةٍ آراءَ الآخرين أمام هذا النص، إلا إذا كان صاحب نحلة أو هوى خاص"٣. رابعها: اعتدادها بنفسها إلى درجة أنها تذكر أقوالهم مقابل قولها فتقول مثلا: لا نستطيع أن نطمئن إلى تفسير "النازعات" بما اطمأن إليه أكثر المفسرين ... "٤ وكان الأولى أن تذكر رأيها بغير هذه الصيغة، وتقول في موضع آخر: "ونتفق مع المفسرين في ... "٥ وقالت: "ولا حاجة بنا بعد هذا إلى الوقوف عندما قاله بعض المفسرين في ... "٦. وقالت: "لكن المفسرين أجمعوا على ... إلى أن تقول: وعندي ...

стр. 989

وتقول: وحين نلوذ بكتاب العربية الأكبر ومعجزاته البيانية الخالدة نهتدي إلى هذا الملحظ الذي غاب عمن قيدهم جمود المصطلح النحوي، فطبقوه صنعة شكلية بعيدا عن ذوق العربية"١ وتقول أخيرا: "واختلفوا كذلك في ... وأمام هذا الاختلاف نلوذ بالقرآن الكريم هذا المعنى المتعين هو الوحيد الذي لم يذكره المفسرون"٢. هذه صور أربع لاعتدادها بتفسيرها وما توصلت إليه من آراء حبذا لو تخلصت منها الدكتورة عائشة حتى تظهر صورة تفسيرها أكثر جلاء وأكثر قبولًا وما أجملها من صورة. وإذا ما أردنا أن نقوم هذا التفسير في هذا المنهج فإن هذا يذكرنا بملاحظة سبق ذكرها إلا وهي تخلف النتائج عن المقدمات أعني قصور المحاولات التطبيقية عن الأسس الموضوعة والقواعد المرسومة لهذا المنهج؛ ذلكم أن هذا المنهج حتى ساعتنا هذه -فيما قرأت- لم يشهد تطبيقًا كاملًا في إحدى محاولات التفسير ذلكم أن بعضها يأخذ بشق ويأخذ بعضها بالآخر. "فعلى حين يركز بعضها على الموضوع ويختار كثيرا من آياتها نجده يتعثر في المعجم والاستعمال وتفتر جهوده في هذه المجالات، وعلى حين تنجح بعض المحاولات في الدراسة المعجمية والاستعمال القرآني والسياق تتعثر في الموضوع فلا تلتفت إليه أو تستغني عنه أصلا وهذا ما وقع فعلا من بنت الشاطئ، فلم ترتبط بفكرة الموضوع الذي طالت دعوة أستاذها إليها وتحمست هي كثيرا في الترويج لها"٣. لكنها والحق يقال جاءت بمنحىً آخر في هذا، فعندما لم تلتزم موضوعا بعينه اختارت سورا قصارا لاحظت فيها وحدة الموضوع إلى حد ما.

стр. 990

فهي بذلك لم تخرج عن التفسير التقليدي بالتزامها للسورة إطارا لتفسيرها، وهي أيضا لم تبعد كثيرا عن التفسير الموضوعي؛ لمراعاتها وحدة الموضوع في كل سورة تناولتها بالتفسير. وبهذا يمكن أن نقول: إنها قد جمعت في محاولتها بين "التحديد" الموضوعي١ وبين التناول الأدبي التقليدي للسور التي فسرتها٢. ولا يفوتني في ختام حديثي عن هذا التفسير أن أبدي إعجابي بما بذلته الدكتورة عائشة، وبكثير مما توصلت إليه من آراء قيلت من قبل، فجاءت بما يدعمها أو كشفت وجها آخر في التفسير له أصالته وذلك عن طريق تتبع الأسلوب القرآني ومفردات القرآن حيث يجد القارئ حقا أن للقرآن الكريم قواعده، وأن له استعمالات ينبغي أن لا تغيب عن ذهن مفسر القرآن الكريم. وكم أتمنى أن تعاود الدكتورة عائشة النظر فيما قيل في تفسيرها من مآخذ وسقطات وتواصل من بعد هذا التفسير، سدد الله الخطى وعفا عنا الزلل. إنه سميع مجيب. وقد كنت وعدت أن أتبع هذه الدراسة بدراسة أخرى لكتاب آخر في هذا المنهج ذا لون آخر وهذا أوان الوفاء.

стр. 991

الدكتور محمد أحمد خلف الله الكتاب: الفن القصصي في القرآن أولا- المؤلف: هو الدكتور محمد أحمد خلف الله، أما حياته الشخصية فلا أعرف عنها شيئا ولم أجد لها ذكرا، أما فكره ونتاج قلمه فله عدد من المؤلفات والمقالات. وهو من الذين أرادوا الشهرة في فترة كان الإلحاد أقصر طريق إليها، فأصدر عددا من المؤلفات حشاها به حشوا. كان أولها -كما سيأتي- كتاب الفن القصصي في القرآن الكريم؛ زعم فيه أن قصص القرآن أساطير، وأنها لا تلتزم الحقائق وغير واقعة وغير ذلك. ومنها القرآن ومشكلات حياتنا المعاصرة، وكتاب القرآن والدولة، وكتاب هكذا يبنى الإسلام وشارك في كتاب "محمد والقوى المضادة" وغير ذلك من كتب الدراسات الأدبية واللغوية والتراجم. ولا أريد أن أسترسل في الحديث عن الرجل فليس هذا مقام محاكمته أو كشف زيف فكره وإنما هو مقام التعريف الموجز والإشارة السريعة. وكم وقفت مبتسما -ابتسامة أسى وأسف- وأنا أقرأ مقالة سطرها دكتور فاضل نقد فيها الكتاب الأخير للدكتور محمد أحمد خلف الله: "الأسس القرآنية للتقدم" ويبدو أن الدكتور الفاضل لا يعرف كثيرا الدكتور محمد أو أنه يحسن الظن أكثر من حد القبول؛ ذلكم أنه يقف أمام عبارة من عبارات الدكتور خلف الله المألوفة منه ويعتقد أنها من أخطاء المطبعة!! العبارة تلك تقول: "وهنا سؤال يطرح نفسه: ألا يزال العقل البشري مقيدا بسلطان الله الواحد الأحد

стр. 992

الذي يدعو الإسلام إلى عبادته واتقاء غضبه"؟ وينقل القارئ إلى إجابة من تفسر المنار ولكنه قبل أن ينقله إلى هذه الإجابة يقول: "وأنا حين أنقل عن هذا الكتاب إنما أرجو أن يطمئن القارئ إلى الأساس الذي بني عليه التوحيد، وكيف كان تحريرا للعقل البشري من سلطة الآلهة بما فيهم الله"١؟!!. أرأيتم إلحاد كهذا؟! لو نسب هذه الفكرة لنفسه لعد هذا إلحادا وأي إلحاد فكيف وهو يزعم أن هذا هو الأساس الذي يبنى عليه التوحيد في الدين الإسلامي؟!! قلت أني ابتسمت أسىً وأسفًا عند وصف الدكتور الفاضل كاتب النقد لهذا بأن المطبعة وحدها قد تكون مسئولة عن هذا الارتباك الفكري والأسلوبي الذي يجسد اتجاها غير إسلامي بالتأكيد١، ولو قرأ بقية مؤلفاته لوجد فيها نحو هذا وأشد منه. قصدت من هذا الذي أوردته أن المؤلف لا يزال حتى آخر ما صدر من مؤلفاته يبث الإلحاد، وما زال بعض المخدوعين يعده مفكرًا إسلاميًّا؟! نسأل الله له الهداية وأن يفتح قلبه للحق وأن يجعله سيفًا على الباطل فيما بقي من عمره. ثانيا- الكتاب: عانت مصر وعانى علماؤها في القرن الرابع عشر الهجري معاناة شديدة من فئة جعلت سبيل الإلحاد وسيلة لاشتهارها وباعت دينها بدنياها. عانت دعوة قاسم أمين حين أصدر كتابيه "تحرير المرأة" و"المرأة الجديدة" وكانت ضجة ثم سكون كسكون المقابر!!

стр. 993

وكانت دعوى طه حسين "في الشعر الجاهلي" مزمارًا من مزامير المستشرقين وجاء من بعده علي عبد الرازق وأظهر كتابه "الإسلام وأصول الحكم" ثم المدعو محمود أبو رية وأضواءه بل ظلماته على السنة المحمدية وفي عام ١٩٤٧ كتب محمد أحمد خلف الله كتابه "الفن القصصي في القرآن الكريم" وبعده بسنتين اثنتين أصدر محمد أبو زيد تفسيره "الهداية والعرفان في تفسير القرآن بالقرآن". بتنظيم عجيب وترتيب دقيق كأنه مرسوم توالت هذه المؤلفات وتتابعت ما إن يسترد العلماء الصالحون أنفاسهم في الرد على ملحد حتى يكون الآخر قد نشر ونثر ما في جعبته، فيبدأ أولئك المعركة من جديد وهكذا دواليك. وبين ملحد وآخر يخرج من لا يقل عنهم خبثا بما يشغل المجاهدين ويفت من عضدهم وهم كثير وكثير منهم المسلم نسبا ومنهم النصراني عقيدة، ومنهم من تاب من بعد ومنهم من ينتظر. وهذا الكتاب إذًا له قصة نحكيها قبل أن ندرسه. قصة الكتاب: في سنة ١٩٤٧م قدم محمد أحمد خلف الله، الطالب في كلية الآداب بجامعة فؤاد الأول رسالة للحصول على الدكتوراه عنوانها: "الفن القصصي في القرآن الكريم". قرر فيها أن القرآن أساطير وأن ورود الخبر في القرآن الكريم لا يقتضي وقوعه، ويخشى على القرآن من مقارنة أخباره بحقائق التاريخ ويقول: إن التاريخ ليس من مقاصد القرآن، إن التمسك به خطر أي خطر على النبي ﵇ وعلى القرآن. بل هو جدير بأن يدفع الناس إلى الكفر بالقرآن كما كفروا من قبل بالتوراة، وإن المعاني التاريخية ليست مما بلغ على أنه دين يتبع وليست من مقاصد القرآن في شيء ومن هنا أهمل القرآن مقومات التاريخ من زمان ومكان وترتيب للأحداث١، ويقول: إنا لا نتحرج من القول بأن القرآن

стр. 994

أساطير؛ لأنا في ذلك لا نقول قولا يعارض نصا من نصوص القرآن١، وقال ... وقال ... وقامت الاحتجاجات وكتبت الردود ورفعت البرقيات للمسئولين ورفضت الرسالة وطالب أولئك بتطبيق أحكام الردة على خلف الله ولكن ... وكان ما كان؛ يقوم الفينة بعد الفينة من سولت له نفسه بالخروج على الإسلام في ناحية من نواحيه الاعتقادية، فيثور احتجاجا عليه فئة من الغيورين على دينهم ويحميه منهم رجال من الوزراء، وفي مستقبل قريب ينال الرجل مكافأة خروجه أضعاف ما كان له من المراكز والمناصب، ويكون هذا المصير غبطة لآخرين، فتتكرر المهزلة في أيام أخرى على مسائل أخرى مماثلة٢. أما مصير الكتاب فقد طبع طبعته الأولى سنة ١٩٥٣ ثم توالت طبعاته بعد ذلك سنة ١٩٥٧، سنة ١٩٧٢. وإنا لله وإنا إلي راجعون. منهجه: نحمد الله أن المؤلف بيَّن بنفسه سبب سلوكه الدراسة الأدبية ومنهجه فيها. أما الأول فقال عنه: "أما الأسباب التي جعلتني أعنى بالدراسة الأدبية، وأجعل من القرآن ميدان ابحاثي، فترجع قبل كل شيء إلى نوع من الاستهواء عمل على إذاعته في نفسي درس أستاذنا الخولي عن المنهج الأدبي في فهم القرآن وتفسيره، فقد كانت تلك اللفتات تستقر في نفسي استقرارا يجعلني أتخيل تمثل هذا المنهج والسير عليه في تفسير كتاب الله"٣. أما صلة أمين الخولي بالرسالة بعد ذلك وحين قامت الاعتراضات عليها

стр. 995

فقد أعلنها بنفسه حين قال: "فلو لم يبقَ في مصر والشرق أحد يقول إنه حق لقلت وحدي وأنا أقذف في النار: إنه حق حق"١. أما صلته بالرسالة وصاحبها قبل ذلك، فقد بينها الأستاذ محمد سيد كيلاني حين تحدث عن الأستاذ أمين الخولي وقال: "بأنه كان يدرس مادتي التفسير والبلاغة وظل أمره مستورا إلى سنة ١٩٤٧، لا يدري أحد في خارج الكلية ما يلقنه أمين لتلاميذه من أنواع الكفر والضلال"٢. وأما الثاني -أعني منهجه في التفسير- فقد عدد خطواته حيث قال: أولا- جمع النصوص: إذا كانت معرفة نص ما تستلزم حتما وجوده كانت٣ أولى الخطوات، من غير شك، هي الوقوف على النصوص وجمعها، وإني لأعترف بأني لم أجد موضوعي٤ هذا من حيث هذه الناحية عناء يذكر ذلك؛ لأن القصص القرآني موجود في القرآن، ومن هنا لم يكن عملي في هذه المرحلة إلا الرجوع إلى المصحف. ثانيا- الترتيب التاريخي للنصوص: وهذا الترتيب يدل الباحثين على التطور في الفنون والآداب، ويستوي في ذلك عندهم التطور الداخلي، والتطور الخارجي. ونقصد بالأول أن يدلنا هذا الترتيب على تطور ذوق الكاتب وأفكاره أو ميادينه الفنية ونشاطه النفسي. ونقصد بالثاني: دلالة النص على التطور العام لتاريخ الآداب والفنون من حيث صلته بالسابق واللاحق والدور الذي لعبه النص في الحياة الأدبية ومجراها العام. وإني لأعترف هنا أيضا بأن هذه الخطوة -وإن تكن أشق من الأولى

стр. 996

وأعسر- إلا أني لم أبذل فيها جهدا يذكر؛ ذلك لأني اعتمدت في هذا الترتيب التاريخي للقصص القرآني على المصحف الملكي١، وإن كنت أعلم أنه ليس بالترتيب التاريخي الدقيق. لكن ليس في الإمكان أبدع مما كان. وعلى كل، فقد أفادني هذا الترتيب التاريخي فيما يخص القصص القرآني بدراسة التطور الداخلي لهذا القصص٢. أما التطور الخارجي فقد حالت بيني وبينه عقبات منها أن الوقوف على النصوص السابقة للقصص القرآني من أقاصيص الجاهليين لا سبيل إليها ومنها أن صلة القصص القرآني باللاحق يتوقف أولا على صلته بالمعاصر من أحاديث "الرسول ﷺ "، وهذه من الأمور التي سأفرغ لها بعد بحثي هذا إن شاء الله. وقفت من هذه الخطوة إذًا عند الفائدة التي نجنيها من التطور الداخل، وحسبي هذا في هذا الموضع. ثالثًا- فهم النصوص: وهنا لا بد من التفرقة بين نوعين من الفهم: الأول- الحرفي: وهو الذي يقوم على دراسة معنى الألفاظ والتراكيب والجمل، كما يقوم على توضيح العلاقات الغامضة والإشارات التاريخية وكل تلك أمور تتوقف إلى حد كبير على ثقافة الدارس، تلك الثقافة التي شرطها بالنسبة لموضوعنا هذا المفسرون في المفسر والتي حدد ميادينها الأصوليون في مقدمات كتبهم. وإني لأعترف هنا بأني قد وقفت على الكثير من هذه الأمور من كتب التفسير المختلفة، وكان الجهد الذي أبذله يقوم على المقارنة والترجيح والوقوف عند بعض اللمسات التي تفتح آفاقا واسعة أو تصحيح أخطاء بعض الأقدمين.

стр. 997

الثاني- الفهم الأدبي: وهو ذلك الفهم الذي يقوم على تحديد ما في النص من قيم عقلية وعاطفية وفنية، فنقف على ما في النص من صور وآراء ونبحث عما خلف هذه الصور وهذه الآراء من أخرى لم يشعر صاحب النص بالحاجة إلى التعبير عنها. إما لأنه كان يفهمها في نفسه، وإما لأن المعاصرين له كانوا يفهمونها عنه، وأعتقد أن هذا الصنيع في الفهم الأدبي كان جديدا بالنسبة لموضوعي هذان اللهم إلا في القليل النادر. رابعا- التقسيم والتبويب: ثم قال المؤلف: "عندما يصل الباحث إلى هذا الحد من الفهم الأدبي يكون قد أقام من العلاقات ما تسمح له بأن يقسم بحثه أبوابا وفصولا يقيم كل واحد منها على نوع من العلاقات التي يرجى بها المنهج أو القصد من الدراسة. فقد تجمع النصوص لما بينها من علاقات في الموضوع، وقد تجمع لما بينها من علاقات في الصياغة، وقد تجمع لما يتسلط عليها من مقاصد وأغراض. خامسا- الأصالة والتقليد: وهذه مسألة من أهم المسائل عند الدراسين لحياة العلوم والفنون وعند من يريدون الفهم الدقيق العميق للمسائل العلمية والأدبية؛ ذلك لأنها هي التي ستدلنا على المواد التي تكون منها النص وعلى كيفية تكوينه وعلى أي منها من عند الأديب وأيها سبق إليه.. لقد درست هذه المسائل وكانت لها نتائج قيمة. بعضها يخص إثبات التجديد في الحياة المكية الأدبية -وذلك كمسألة القصة الأسطورية ووجودها في القرآن الكريم، وبعضها الآخر يخص القوة القادرة على تحويل المواد من تاريخية إلى أدبية أو إلى قصصية حتى لتصبح سحرًا من السحر أو أشد تلك هي الخطوات المنهجية التي سرت عليها والتي انتهت بي إلى البحث"١. ولا شك أن هذه الخطوات التي قدمها المؤلف بنفسه هي قواعد التفسير

стр. 998

البياني في القرآن الكريم كما وضعها أستاذه أمين الخولي. إذًا؛ فلم يأتِ الدكتور خلف الله بما هو جديد في التأصيل وإن جاء بما هو جديد في الإنتاج. وما دام الأمر كذلك فلا أظن الأمر يحتاج إلى أن أضرب أمثلة من تفسيره أستخرج لها منهجه، بل يحتاج إلى التمثيل فحسب. أمثلة من تفسيره: ليس من السهل على باحث مثلي أن يتجه إلى دراسة موضوعية "ذات موضوع واحد"، ثم يقتطف منها أمثلة "وافية" في سطور قليلة كيف يفعل هذا وصاحب الدراسة لا يقرر الفكرة الواحدة إلا في فصل كامل، لا ريب علي بعد هذا إذا ما جاء ضرب الأمثلة هنا مختصرا "كما وكيفما"، فلم أوجه العناية لهذا الكتاب استيفاء دراسة ولا استيفاء نقد، وإن كنت أبذل وسعي في أن آتي بشيء من هذا وذاك. وإذا كان الأمر كذلك فإني أرى لزاما علي أن أبين مدلول كلمتين قبل أن ألج في ظلمات هذا الكتاب وصاحبه؛ أما أولاهما فهي "الحرية"، وأما الثانية فكلمة حملها زورا عنوان الكتاب "الفن". أذكر بيانهما هنا، وإن كان مكان ذلك آخر الدراسة كما جرت عادتي بذلك؛ لأن الأمر هنا يختلف؛ هنا ظلمة بل ظلمات، وهنا عدو متربص يتحين غفلة، فكان حمل السلاح واجبا وتأخيره تقصيرًا. أما الحرية -كما أرى- فكلمة ذات جانبين؛ جانب أصيل وجانب زائف، ونحن في عصرنا هذا نعاني من جانبها الزائف. لا أريد بالجانب الزائف جانب استعمالها المشلول فحسب، فحين تمسّ بعض المجلات والجرائد الذات الإلهية يقال: حرية، وحين تمس من بعيد بعض الذوات تقوم الدنيا ولا تقعد. لا أريد هذا الجانب فحسب، بل أريد جانبا زائفا آخر هو الأصل فيها ذلك الفهم السيء لمدلول الحرية، فكم من جريمة ارتكبت باسم الحرية وكم من ظلم ارتكب باسم الحرية وكم من رق ارتكب باسم الحرية؛ يا لها من حرية؟!

стр. 999

مدلول الحرية الصحيح لا يعني شيوعية امتلاكها وحوزها إلا لمن أقام شروطها وإلا فلا حرية. الحرية الأصيلة تحمل معها مبرراتها وحججها القوية التي تخوض بها في عباب البحار لا تخاف دركا ولا تخشى غرقا. أما الحرية الزائفة فهي التي لا تقوم على سند ولا على برهان إلا سند الهوى وانحراف الفكر عن جادة الصواب. وعلى درجات هذه الحرية يتربع هذا الكتاب "الفن القصصي في القرآن الكريم"؛ لأنه لا يحمل من الأدلة الصحيحة والبراهين القوية ما يؤهله للتحدث باسم الحرية الأصيلة. لست -والحمد لله- ممن يلقي التهمة جزافا ولكني رأيت شخصا ينظر في كتاب الله القرآن الكريم، ثم بغير حجة ولا برهان يجعله متهما ويحاكمه بغير حجة ولا برهان إلى كتب محرفة وتاريخ محرف ثم يحكم بغير حجة ولا برهان للثاني على الأول. دعوا -جدلا- ثبوت سلامة القرآن وتحريف التوراة والإنجيل، وسلموا كذلك أنها على درجة واحدة -وحاشا- فكيف تأتَّى له أن يحكم لهذا على ذاك أو لذاك على هذا إن لم يكن صاحب هوى أو انحراف فكر؟! كان عليه قبل أن يحاكم بينها أن يأتي بالدلالة على صحة وثبوت أحدهما وتحريف الآخر، ثم بعد ذلك يجعل من الصحيح حكما ومن المحرف متهما. أما إذا ارتد إليه طرفه وهو حسير ولم يستطع إثبات هذا ولا ذاك، فليحذر استعمال الحرية، فإنها ستكون حينئذ حدًّا في ظهره. أما الكلمة الثانية والتي استعملها بغير حق فكلمة "الفن" في عنوان كتابه. وقد بين هذا من قبلي من نرجو له الشهادة سيد قطب رحمه الله تعالى، حيث قال: "ويزيغ أناس فيزعمون أن هنالك خلقا للحوادث أو تصرفا فيها يقصد به إلى مجرد الفن، بمعنى التزويق الذي لا يتقيد بواقع"، ثم جلا رحمه الله تعالى الصواب، فقال: "والقرآن كتاب دعوة، ودستور نظام، ومنهج حياة، لا كتاب رواية ولا تسلية ولا تاريخ، وفي سياق الدعوة يجيء القصص

стр. 1000

المختار بالقدر وبالطريقة التي تناسب الجو والسياق، وتحقق الجمال الفني الصادق الذي لا يعتمد على الخلق والتزويق، ولكن يعتمد على إبداع العرض وقوة الحق، وجمال الأداء"١. إذًا؛ فالفن عند سيد رحمه الله تعالى هو إبداع العرض وقوة الحق وجمال الأداء ومعناه عند ذاك التزويق الذي لا يتقيد بواقع. وفي الحقيقة إنا لا نجد في قواميس اللغة إلا أن "الفن: واحد الفنون وهي الأنواع، والأفانين: الأساليب وهي أجناس الكلام وطرقه"٢. ولا نجزم أن اللغة مع هذا أو مع ذاك لكنا نجزم أن قدسية القرآن الكريم تشكل أقوى سياج عند المؤمنين يمنع وصف الفن فيه بالتزويق الذي لا يتقيد بالواقع. لكن هذا المفهوم للفن هو الذي قصده الدكتور محمد أحمد خلف الله، بل ولم يجد كلمة تماثل الكذب والاختلاق والأسطورة ومخالفة الواقع إلخ، إلا كلمة الفن فاختارها؛ ليزيف بها كتابه ويدلس بها. أقول هذا أولا حتى يدرك القارئ مدى شرعية "الحرية" العلمية التي يزعم امتلاكها خلف الله وأمثاله، ويدرك أيضا مفهوم الفن عنده، وليس عليه بعد هذا أن يخوض وإياي في لغو هذا الكتاب وباطله، فإلى ذاك. الحرية الفنية: ويقصد بها مسألة الخلق الفني أي أن للقاص أن يختار بعض الأحداث التاريخية دون بعض وأن يهمل مقومات التاريخ من زمان ومكان وترتيب للأحداث والقرب أو البعد من الواقع التاريخي وبعبارة أخرى تحري الصدق والصحة أو المجاوزة عن هذا التحري٣، يعني اختراع أو اختلاق الأحداث!!

стр. 1001

وزعم أنه قام -حسب المنهج الأدبي في التفسير- باستقراء قصص القرآن لمعرفة وجود هذه الظاهرة "الحرية الفنية" فيه أم لا، وتوصل إلى أنها موجودة قال: "يدلنا الاستقراء على أن ظواهر كثيرة من ظاهرات الحرية الفنية توجد في القرآن الكريم"١. ويعدد الدكتور خلف الله ما يحسبه أدلة لذلك ومنها: "إهمال القرآن حين يقص لمقومات التاريخ من زمان ومكان١. ونحن لا ننكر أن القرآن كثيرا ما يهمل في قصصه الزمان والمكان لكنا نرفض كل الرفض أن يكون إهمال ذلك؛ لاختلاق القصة، فليس بين هذا وذاك هذا التلازم إلا عند من عدم الحجة. وقل مثل ذلك فيما زعمه من أدلة أخرى عد منها: "اختيار القرآن لبعض الأحداث دون بعض، فلم يعنَ القرآن بتصوير الأحداث الدائرة حول شخص أو الحاصلة في أمة تصويرا تاما كاملا"٢. والغريب في هذا أن الدكتور خلف الله نفسه يعترف بأن القرآن كان يكتفي باختيار ما يساعده على الوصول إلى أغراضه، أي ما يلفت الذهن إلى مكان العظة وموطن الهداية"٢. وما دام المؤلف يعرف أن هذا غرض القرآن من القصة، فكيف يرتب على إهمال القرآن لا حاجة إلى الغرض به. إن هذا من الحرية الفنية التي تدل على اختراع القصة أو الحدث؟! ومما عده كذلك إهمال القرآن الترتيب الزمني أو الطبيعي في إيراد الأحداث وتصويرها"٢، وما قلنا هناك نقوله هنا. وعد منها إسناد القرآن بعض الأحداث لأناس بأعينهم في موطن، ثم إسناده نفس الأحداث لغير الأشخاص في موطن آخر. وضرب مثلا: "ومن ذلك قوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِن

стр. 1002

قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيم﴾ ١، إذ نراه في سورة الشعراء مقولا على لسان فرعون نفسه: ﴿قَالَ لِلْمَلأِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾ ٢، وكذلك نجد في قصة إبراهيم من سورة هود أن البشرى بالغلام كانت لامرأته بينما نجد البشرى لإبراهيم في سورة الحجر وفي سورة الذاريات"٣. وما رأيت من يجادل في عقيم مثله!! فما المانع في القصة أن يكون فرعون وقومه قد تبادلوا هذا القول في مجلسهم وقالوا به جميعا وهم في هرجهم ومرجهم. وما المانع في أن يكون فرعون قال ذلك وردده ملؤه من بعده وهل نسبة قول إلى شخص أو طائفة تدل على اختصاصهم به دون سواهم. خذ مثلا أوسع: حدثنا القرآن عن مواقف الأمم من أنبيائها: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ، أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ ٤، فإذا كانت الأمم تتفق على قول واحد ألا يتفق ملأ وملكهم على قول واحد يردده كل واحد منهم، أي اختلاف أو أي اختلاف في هذا. كبرت كلمة تخرج من أفواههم. ولا مانع أيضا أن تكون الملائكة قد بشرت إبراهيم وامرأته معا بإسحاق، أو أن تكون بشرت أحدهم أولا، ثم الآخر ثانيا، ثم جاء القرآن يخبر ببشراهم لإبراهيم في سورة ولامرأته في سورة أخرى، وهل يعد هذا دليلا على الاختلاق؟! واستدل أيضا لدعواه الزائفة بإنطاق القرآن في قصصه الشخص الواحد في الموقف الواحد بعبارات مختلفة حين يكرر القصة تصويره للموقف الواحد بعبارات مختلفة. وضرب مثلا للأول تصوير القرآن لموقف الإله من موسى حين رؤيته النار، فقد نودي في سورة النمل: ﴿أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ ٥،

стр. 1003

وفي سورة القصص: ﴿أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ١، وفي سورة طه: ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً﴾ ٢، ٣. يقول هذا وهو الذي لم يجف مداد قلمه، حيث قال قبل سطور: "إن القرآن لم يعن بتصوير الأحداث الدائرة حول شخص أو الحاصلة في أمة تصويرا كاملا"٤. إذا كان قال هذا قبل أسطر فكيف يستغرب أن يذكر في سورة النمل بعض نداء الله لنبيه موسى ﵇. وفي طه بعضه الآخر، وفي القصص بعضه الآخر أيضا لم لا يكون هذا وأكثر منه هو حديث الله سبحانه لموسى ﵇ في ذلك الموقف ذكر في كل سورة بعضه!! وضرب مثلا للثاني بقول الله تعالى لموسى، ﵇: ﴿خُذْهَا وَلا تَخَف﴾ ٥، ومرة أخرى: ﴿يَا مُوسَى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾ ٦. ولا شك أن القول في هذا كالقول فيما سبقه، لو كان يفقه؟! وضرب مثلا آخر بتعبير القرآن بالرجفة مرة وبالصيحة أخرى، وبالطاغية في غيرهما وتعبيره في انشقاق الحجر عن الماء في قصة موسى فانفجرت مرة وانبجست أخرى٧. والغريب أن هذا الذي يعده هذا الدكتور تناقضا واختلافا؟! يعده العلماء حقًّا وجهًا من وجوه الإعجاز في القرآن الكريم هو التكرار في القصص القرآني، حيث تتكرر القصة الواحدة بألفاظ وأساليب متعددة تحقق في كل مقام أسلوبا يتسق مع أسلوب القصة ونظمها من غير تنافٍ ولا تجافٍ، بل إن بينها من

стр. 1004

التناسق والترابط ما دعا علماء البلاغة إلى التحلق جثوا على الركب للتزود من هذه الأساليب الباهرة والتسلح بها في ميادينهم. والحديث عن هذه الشبهات والترهات التي قذفها الدكتور خلف الله طويل لا تخرج كلها عن دائرة قصور الفهم إن أحسنَّا به الظن. كل هذه الشبهات التي جاء بها أراد بها تقرير الحرية الفنية في القرآن الكريم وفهم أن وجود الحرية الفنية يعني الاختلاق للأحداث والوقائع. والذي يدعوه -في رأيي- لكل هذا الحرص على إثبات الحرية الفنية في القرآن بهذا المفهوم الخاص عنده أن كل ما ألصقه بالقرآن من شبهات واتهامات باطلة لا يثبت إلا بهذا وإلا لما أصبح له من مستمسك. حيث رتب على الحرية الفنية في القرآن أمورا عديدة لا يسعنا أن نذكرها مفصلة وهي إجمالا: ١- أن القرآن أساطير. تماما كما قال المشركون: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ ١. ٢- أن القرآن يجاري عقائد أهل الكتاب؟! فمن ذلك التردد في بيان عدد أهل الكهف؛ لأن القرآن لم يرد ذكر الحقيقة وإنما أراد مجاراة اليهود؛ لأن اليهود اختلفوا في أمر العدد، فنزل القرآن بهذه الأقوال حتى يكون التصديق من المشركين بأن محمدا ﵇ نبي، ومثله عدد السنين التي لبثوها في الكهف، وغير ذلك من الأحداث٣.

стр. 1005

٤- أن أخبار القرآن قابلة للنسخ١. ٥- أن في القرآن أخطاء تاريخية٢. ٦- إنكار الوحدة القصصية في القرآن الكريم. ولأن القصص عنده متضاربة مختلفة، فإنه لا ينظر للقصة المتكررة في القرآن على أنها قصة واحدة، بل: "على أنها أقاصيص مستقلة وليست من قبيل الأجزاء فهي عرض أدبي للحادث تختلف ألوانه باختلاف أغراضه٣. خلاصة الأمر أن المؤلف أراد أن يرد على شبهات المستشرقين والملاحدة، فسلم لهم كل ما قالوا وزاد عليه وزعم أن هذا كله لا يمس من قيمة القرآن ولا من مكانته؛ لأن القرآن كتاب هداية وإرشاد لا كتاب تاريخ، وعلى هذا فله أن يسلك الحرية الفنية، فيخترع من الأحداث ما يخترع وكأن القرآن كلام بشر عجز عن الإقناع والحجة بالواقع، فجنح إلى الخيال وعجزت مداركه عن الحق فمالت إلى الاختلاق. سبحانك هذا بهتان عظيم. ولا شك أن هذا أمر خطير يكشف ضعف عقيدة صاحبها وأنه أراد أن يعرف، فجاء بما لا يعرف وباع دينه بدنياه، أدعو الله سبحانه أن يهديه ويمن عليه بالتوبة والعودة إلى الإسلام. وكما قلت، فلست أقصد من هذا الحديث عن هذا الكتاب الدراسة المستوعبة له، ولكني قصدت بيان نوع من التفاسير الأدبية التي سلك صاحبها الاستقراء لنوع من آيات القرآن الكريم هي آيات القصص، فأخطأ الطريق وضل السبيل.

стр. 1006

رأيي في هذا المنهج: كأي منهج في التفسير لا شك أن لهذا اللون من التفسير محاسنه وله عيوبه. ولئن ذكرنا في بعض أسسه وقواعده ما قد نحسبه خللا، فإنه بحسابنا يغني عن إعادته كرة أخرى في هذا الموضع. ومع هذا فإني مورد هنا ما لم أورده هناك وسأرتبها هنا حسب ترتيبها المنهجي فمن ذلك مثلا: أولا- التفسير الموضوعي: ولنا في دعوة الأستاذ أمين إلى التفسير الموضوعي أكثر من وقفة؛ أولها: أن التفسير الأدبي وهو يدعو إلى سلوك سبيل التفسير الموضوعي لا يقدم خطة مثالية لسلوكه وإنما يكتفي بإبراز محاسن التفسير الموضوعي دون أن يخطو إلى رسم خطوات السير فيه. وإذا نظرنا إلى الدراسات الأدبية التطبيقية لهذا المنهج وجدناها تسلك التفسير الموضوعي حقيقة أو اعتقادا، ووجدناها أيضا لا تلتزم موضوعا واحدا بعينه، فيكتب أحدهم مثلا عن قصص القرآن وآخر عن جدله وآخر عن أمثاله أو اقسامه وآخر عن الأموال وعن القادة الرسل أو عن السلام في الإسلام أو عن الدولة ونظام الحكم في الإسلام وغير ذلك من الموضوعات. ولا شك أن هذا التفاوت والتباين والتعدد في الموضوعات يخدم المفسر الفرد في اختيار ما يلائم رغبته، فيختار من هذا البحر من الموضوعات ما يناسب رغبته، لكن وهنا المحك؛ كيف ستختار أو تكتب هيئة أو منظمة أو لجنة تسعى لتفسير القرآن الكريم كله -أكرر كله- تفسيرا موضوعيا. الملاءمة الشخصية والمناسبة للرغبة الفردية مفقودة فيها وهي مجموعة أفرادا؟! ولا يبقى من سبيل

стр. 1007

إلا سبيل واحد هو حصر الموضوعات التي تناولها القرآن الكريم وجاء بالحلول الصحيحة لها هنا يتسع الباب ولا أظن أن في درة إنسان أو لجنة أو هيئة أن تحصر كل هذه الموضوعات والقضايا التي عالجها القرآن الكريم لأن من الآيات وهي محدودة معدودة ما يعالج قضايا وموضعات شتى فتبقى كالدواء الواحد الذي يعالج به ألف مرض ومرض أو تبقى كالميزان الذي يوزن به ألف موزون وموزون فهل يستطيع هؤلاء أن يحصروا تلك الموضوعات التي عالجتها تلك الآيات المحدودة وإذا ما تجاوزوا هل سيفعلون في آيات أخرى ثم أخرى ثم أخرى. لست أقول هذا؛ تعجيزا ولا تثبيطا عن سلوك التفسير الموضوعي، لكني أردت أن أبين أن لا ننتظر تفسيرًا موضوعيًّا كاملا للقرآن الكريم؛ لأنه -في اعتقادي- ليس في قدرة أحد حصر كل الموضوعات التي عالجها القرآن في هذه الحياة. وأردت أيضا أن أبين أن دعاة المنهج الأدبي في التفسير لم يرسموا خطوطا عريضة ولا دقيقة لحصر هذه الموضوعات ولو من ناحية أبوابها العامة الواسعة الشاملة وهذا ولا شك يعد قصورا في تأسيس المنهج أحببت الإشارة إليه؛ لتلافيه ما أمكن. هذا من ناحية المنهجية في التفسير الموضوعي وموقف دعاة التفسير الأدبي منها وإذا ما نظرنا نظرة أخرى هي أعمق من الأولى، وتساءلنا عن الدافع لدعاة التفسير الأدبي إلى التزام التفسير الموضوعي وجدنا أنهم يفعلون ذلك لأمور عددت منها ثلاثة: أولها: اعتقادهم أن طريقة السلف في تفسيره مرتبا لا تمكن من الفهم الدقيق والإدراك الصحيح لمعانيه وأغراضه. وسبق لي إيراد هذا الاعتقاد عندهم ورددت عليه هناك بإيجاز. ثانيها: أن دعاة التفسير الأدبي أرادوا أن يتلافوا بالتفسير الموضوعي التلون المذهبي في التفسير أو الانجراف به من تفسير إلى مباحث في الفقه أو الإسرائيليات أو النحو أو العلوم التجريبية أو غير ذلك مما انتشر في التفاسير القديمة.

стр. 1008

وثالثها: أراد دعاة المنهج الأدبي من الدعوة إلى التفسير الموضوعي والتحذير من التناول المتفرق للموضوع الواحد مما يشتت الذهن فيه ولا يؤدي إلى الفهم الكامل لعلاج القرآن الكريم واستحضاره كاملا. هذه في اعتقادي أهم ثلاثة أمور أرادوا بدعوتهم للتفسير الموضوعي أن لا يقع فيها المفسر فهل أصابوا الحق في ذلك؟! أما أولها: فسبق بيان الرد عليهم فيما وصفوا فيه تفاسير السلف فقد بينت هناك أن السلف وإن لم يتناولوا التفسير الموضوعي تطبيقا فإنهم قد استفادوا منه نظريا، فلا يفسر أحدهم آية إلا ويستحضر إنْ في ذهنه أو في مقاله الآيات الأخرى المشابهة ويزيدون أيضا أنهم يستحضرون معها ما هو خارج عن كلماتها؛ أعني بذلك السنة النبوية وهذا هو مضمون التفسير الموضوعي. أما ثانيها: فإني أعتقد أن التفسير الموضوعي والالتزام به ليس هو الذي يمنع من التلون المذهبي والانحراف في التفسير عن الحق إلى الضلال والذي يمنع من ذلك إنما هو شيء بعيد عن القواعد المنهجية والأطر المحبوكة وإنما يكمن في سويداء القلب. والواقع كما يقول الدكتور الفاضل محمد إبراهيم شريف أن التفسير القرآني حديثا لم يشهد ما خرج به عن حده وطبيعته إلا من أشهر محاولات الاتجاه الأدبي؛ تمسكًا والتزامًا وعصمة بالموضوعية ولم يشهد تاريخ التفسير على طوله ما يزلزل يقين الاطمئنان إلى معطيات النص القرآني التاريخية مثلما شهد من هذه المحاولة"١. ونحمد الله أن هذه المحاولة لم يجفَّ مداد قلمي بعد من الحديث عنها تلكم هي "الفن القصصي في القرآن الكريم" للدكتور محمد أحمد خلف الله. أما ثالثها: فلقد وقع دعاة التفسير الأدبي فيما فروا منه ووقعوا في نفس الحفرة التي حذروا منها.

стр. 1009

فإذا كان دعاة المنهج الأدبي قد حذروا من التفسير المرتب؛ لأنه يؤدي إلى التناول المفرق للموضوع الواحد حسب وروده في السور مما يشتت الذهن، فإنهم قد تناولوا بالتفسير موضوعات ذات شعب شتَّتَ تناولهم لتلك الشعب الذهن أكثر مما شتته أولئك. وتفصيل ذلك وبيانه يطول ولعل في ضرب المثال ما يغني عن كثير من المقال، وإذا كان الأمر كذلك فإنا نضرب المثل بالدراسة الموضوعية لـ "الظلم في القرآن الكريم"، قد يبدو ظاهرا أنه موضوع منفصل بذاته لكنه كغيره من الموضوعات بينه وبينها تداخل وترابط لا تصل إلى الحق فيه إلا عبر مسالك وممرات الموضوعات الأخرى. فدراسة الظلم توجب بيان الشرك وهو في أبواب العقائد؛ لأن الشرك ظلم عظيم ولنفسك عليك حق ولجسدك عليك حق وإرهاقهما بالتكاليف ظلم فدخلت من هنا العبادات ولزوجك ولولدك ولجارك عليك حق والتقصير فيها ظلم فدخلت من ذلك المعاملات كما لا تنفصل عنها معانٍ أخرى؛ كعمل السوء، والافتراء، وتعدي حدود الله، والانحراف عن الصراط المستقيم. ومنع مساجد الله من أن يذكر فيها اسمه، وكتم الشهادة، والكذب على الله، والتكذيب بآياته، والإعراض عنها، واتباع الهوى، وأكل الربا، وأخذ مال الآخرين بغير حق، وأكل أموال اليتامى، وترك الحكم بما أنزل الله، وتولى الكفار، وخيانة الأمانة، واتهام البريء و ... و ... وغير ذلك كثير. كل هذه معانٍ تدخل تحت الظلم ولا تتم دراسته إلا ببيانها وبهذا يظهر جليًّا أن موضوع الظلم ليس مستقلا بذاته وليس منفصلا عن الموضوعات الأخرى وإنما هو موضوع متصل مترابط معها تحدث في داخله كل هذه الموضوعات وإن كانت صبغته الخارجية ذات موضوع واحد. ومن هنا فإن المفسر الموضوعي يخطئ حين يتصور أنه بدراسة الظلم في القرآن الكريم إنما يتناول موضوعا واحدا حقيقة بل الحق أنه يتناول موضوعات عدة ومن هنا أيضا يخطئ صاحب المنهج الأدبي إن اعتقد أنه بالدعوة إلى

стр. 1010

التفسير الموضوعي قد تحاشى تشتيت الذهن المزعوم هناك بل وقع فيما حذر منه. وبهذا نعتقد بأن الدعوة إلى هذا اللون من التفسير لهذا الهدف قد أصبحت غير ذات جدوى. ثانيا- الترتيب الزمني: يرى دعاة المنهج الأدبي في التفسير أن ترتيب آيات القرآن الكريم حسب تاريخ نزولها أمر ضروري للتفسير وخطوة لا بد منها قبل الإقدام عليه. ولي في هذا ملاحظتان أذكرهما هنا: الأولى: أن لا أحد ينكر ما لمعرفة ترتيب النزول من منزلة كبيرة ودرجة عالية في التفسير؛ إذ يترتب على ذلك أمور قد تقلب الحكم رأسا على عقب كيف لا والناسخ والمنسوخ إنما يعرف بهذا وسواه كذلك. لكن وما أصعب لكن هذه هل اتفق السلف أو الخلف على ترتيب معين لنزول آيات القرآن الكريم؟ قد نعرف تقدم آيات وتأخر أخرى لكنا لا نعرف يقينا ترتيبا كاملا لها. وإذا كنا نجزم بذلك جزما، فإن بناء المنهج الأدبي على أساس عُلِمَ يقينا فَقْدُه أمر يحتاج إلى إعادة نظر. الثانية: أن أحدًا من دعاة المنهج البياني أو الأدبي في التفسير لم يحل إلى ترتيب معين لا في القديم ولا في الحديث، ولم أر أحدا منهم قدم محاولة لهذا الترتيب، ولئن كان إهمالهم للخطة في التفسير الموضوعي قد يلتمس له عذر بأن النص موجود لكنه يحتاج إلى جهود وجهود، فإن الأمر هنا يختلف؛ إذ إن الجهود فيه مهما توافرت فإنها تفتقد السند والأدلة التي تأخذ بيدها إلى الصواب وإلا كانت كجهود من ينفخ في رماد. ثالثا- النظر في المفردات وتدرج دلالة الألفاظ: يَعتبر دعاة المنهج البياني في التفسير تتبع تدرج دلالة الألفاظ الأصل الأول في فهم دلالة ألفاظ القرآن وهم يقصدون من هذا الوصول إلى معناها في الوقت الذي تليت فيه أول ما تليت وتفسيرها به، ولنا في هذا وقفات:

стр. 1011

الأولى: أن العربي لا يفهم بعربيته كل ألفاظ القرآن الكريم؛ ذلكم أن القرآن الكريم خالق لمعناه في كثير من الأحايين وليس انعكاسا للعقل العربي أو الظروف التاريخية المحدودة١، فمن الألفاظ القرآنية ما يطابق كل المطابقة مدلولها في وقت نزولها، ومنها ما لا يطابقه كذلك فهذا عمر بن الخطاب ﵁ يقف -وهو العربي القح- حائرا في مدلول كلمة "أَبَّا" وهذا رجل عربي آخر يفهم الخيط الأبيض والخيط الأسود أنهما خيطان يلمسهما بيده ويضعهما تحت وسادته وعلى مستوى الجماعة أولئك الصحابة ﵃ لم يفهموا مدلول الظلم في إحدى الآيات حتى بينه المصطفى ﷺ : "إنه ليس الذي تعنون" ٢، ومن هذا وأمثلة أخرى كثيرة ندرك أن القرآن وإن كان نزل بلسان عربي مبين وإن كان العرب الخلص يفهمون ويدركون مراميه بمقتضى سليقتهم العربية إلا أن ألفاظه الكريمة ليست صماء خالصة؛ بل إن فيها من المعاني الجديدة ما يضفي على اللغة إشراقة أخرى من المدلول الصحيح بحيث لا تنكرها اللغة ولا يعافها الذوق، وهذه قد يقصر عنها أحيانا معناها وقت نزولها فلا يكفي وحده لجلاء معناها الصحيح، فيحتاج مع ذلك إلى النظر في المركبات واستِكْنَاه معنى هذه المفردة على ضوئها. خلاصة الأمر أن الاستعمال القرآني للمفردة قد يحمل معه معاني متجددة ليست مطابقة كل المطابقة لمدلولها الوضعي في وقت نزول القرآن الكريم. الثانية: إن تتابع العلماء في تفسير القرآن الكريم يشهد أنهم لم يقفوا في ألفاظ اللغة على معنى واحد لا يتجدد، ولو فعلوا لانقطع مسار التفسير ولما تسلسل إلى عصرنا هذا وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ولما أوردوا في الكلمة الواحدة معانٍ متعددة، ولما حرص كل واحد منهم أن يسوق مع رأيه آراء العلماء الآخرين.

стр. 1012

وهذا اعتراف منطوق حينا ومفهوم أن معاني الكلمات القرآنية غنية ومتجددة يضفي كل مفسر منهم ما يراه مناسبا ويروض ثقافته وتصوره للمعنى في حرية حتى يستخرج ما قد يستنبطه من معانٍ جديدة وإلا فلا فائدة فيما جاء به إلا التكرار والترديد. وإذا كان الأمر كذلك فإن التزام المنهج البياني لمدلول الكلمة ومعناها وقت نزول القرآن الكريم تعطيل لها عن معانٍ أخرى لم تظهر بعد تحمل معها مطابقة القرآن الكريم لمقتضى حال كل عصر من العصور معلنة إعجازا مستمرا متجددا لا ينقطع وداعية إلى زيادة التأمل والتدبر في آيات الله. وليس هناك ما يمنع أن تحتمل ألفاظ القرآن الكريم وهي كلام الله الذي لا يشابهه كلام بشر معاني لم تظهر بعد ادخرها الله لأهل العصور التالية؛ ليكون ما فيها من مفاهيم وحقائق إعجازا لهم وأي إعجاز"١. الثالثة: إن الدعوة إلى معرفة مدلول الألفاظ وقت نزول القرآن لا شك تعين على معرفة رأي صائب لكن هل الوصول إلى هذا من السهولة بمكان؟ لست أنكر أن تفسير الصحابة ﵃، والشعر الجاهلي مما يساعد على الوصول إلى شيء من هذا، لكنه حتما لن يفسر الكثير منها. لست أقول هذا تعجيزا ولا تثبيطا للهمم فالأستاذ أمين الخولي يعترف بهذا حين يقول: "وإذا كان هذا هو الأصل الأول في فهم دلالة الفاظ القرآن فمن لنا به مع أن معاجمنا لا تسعف عليه ولا تعين.. فليس أمام مفسر القرآن حين يبتغي المعنى الأول لألفاظه إلا أن يقوم بعمل في ذلك مهما يكن مؤقتا وقاصرا فإنه هو كل ما يمكن اليوم"٢.

стр. 1013

لكن الحق الذي أراه في هذا أن لا يجعل الوصول إلى هذا المعنى هو الأصل الأول في فهم الألفاظ القرآنية وإنما يعتبر معنيا للوصول إلى رأي صائب لا يمنع من معانٍ أخرى صائبة يحملها كلام حكيم خبير أنزل كتابه للأمة في عصر الرسول ولها في سائر العصور إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. ولئن كانت مطابقة النص القرآني لمقتضى الحال وقت نزول القرآن أمرا مطلوبا فإن مطابقتها لمقتضى أحوال الأمم والعصور التالية وهي مخاطبة به على حد سواء مع العصر الأول أمر أيضا مطلوب ومن الخير أن نسعى لبيان الأخير سعينا لبيان الأول. رابعا- قبول التفسير النفسي ورفض العلمي التجريبي: والحديث عن مطابقة الكلام لمقتضى الحال حديث عن البلاغة في القرآن الكريم، ومن هنا انطلق الأستاذ الخولي؛ ليقرر أمرا آخر على هذا سقنا نصه في حديثنا عن أسس المنهج ومنه قوله: "إن ما استقر من تقدير صلة البلاغة بعلم النفس قد مهد السبيل إلى القول بإعجاز القرآن النفسي للقرآن.. إلخ"١. ولأن أرباب المنهج البياني ينظرون إلى مفردات القرآن من زاوية معانيها وقت نزوله فإنهم يرفضون كل ما تفسر به من نظريات أو حقائق علمية حديثة؛ لأنها لم تكن من مدلول المفردة حينذاك. ومن هنا نرى ثغرة في منهجهم أو سمها إن شئت اضطرابا في المنهج كان الموقف الحق أن يرفضوا النظريات الحديثة لعلم النفس والنظريات العلمية الحديثة جميعا أو أن يقبلوها جميعا. إذ كيف يسوغون تفسير النص القرآني الكريم بنظريات علم النفس الحديثة التي لم تكن من مدلول المفردة وقت نزول القرآن الكريم في نفس الوقت الذي يرفضون تفسيرها تفسيرا علميًّا كذلك.

стр. 1014

خامسًا- بين النظرية والتطبيق: أبرز أسس المنهج البياني في التفسير هي النظر في المفردات ثم الدراسة الموضوعية. وإذا نظرنا إلى نتائج اتباع هذا المنهج وأصحابه وجدا بعضها يهتم بالموضوع وقد يجيد التطبيق لكنه يتعثر في أول درجات النظر في المفردات فلا يكاد يخطو فيها خطوة. وفي الجانب الآخر نجد دراسات نجحت في النظر في المفردات لكنها إذا حاولت -إن حاولت- التفسير الموضوعي تعثرت فيه ولم تكد تخطو خطوة واحدة!!. وبهذا يكون المنهج البياني في التفسير حتى ساعتنا هذه مجرد نظرية لم تطبق بعد تطبيقا كاملا وآتي على هذا بشاهدين: الأول الدكتور عفت محمد الشرقاوي حيث قال: "لكن الذي لا نفهمه أن آثار الشيخ أمين الخولي نفسه في التفسير لا تحتكم إلى هذا المنهج طويلا في استخراج الدلالة وهكذا ظل الفارق بعيدا بين الواقع والمثال في آثارهم جميعا"١. الثاني الدكتور محمد إبراهيم شريف الذي قال: "تجدر الإشارة إلى أن المنهج بهذه الصورة من القيود والمتطلبات لم يرَ النور في محاولة ما من محاولات أتباعه وإنما وقعت محاولاتهم موقعا بعيدا عن الأمل الطموح بصورة أو بأخرى"٢. وقال أيضا بـ "تخلف النتائج عن المقدمات العريضة في دعوة المنهج الأدبي الموضوعي وقصور محاولاته ووقوعها في منزلة أدنى بكثير من طموح أصحابها، فلم تشهد الدعوة تطبيقا كاملا في إحدى محاولات التفسير"٣.

стр. 1015

بل قال ما هو أشد: "وفي تصورنا الآن أن أمين الخولي إذا كان قد بدأ نظريته التفسيرية ليجدد منهج التفسير القرآني فلقد انتهى الأمر بالتفسير في نهاية نظريته إلى أن أصبح علما لم يبدأ بعد ولكن من الممكن له أن يبدأ بل أن ينمو وينضج إذا ما سار على ذلك الدرب الشاق بكل صعوباته ومسئولياته"١. بقي أمر ينبغي أن لا أغفله وإن كان حقه أن أذكره في أول حديثي عن المنهج.. كان حقه كذلك لو أن الأستاذ أمين الخولي صرح به، لكنه؛ لأمر لا أدريه كَتَمَه وأحسب هذا يخولني ذكره في الملاحظات على المنهج. ذلكم الأمر هو جانب التأثر ومصدره عند أمين الخولي في تقرير هذا المنهج حقيقة أن الأستاذ أمين الخولي تأثر -فيما أرى- بثلاثة أشخاص؛ الأول والثاني منهما كان جانب التأثر بهما غير كبير جدًّا، ولعله لهذا أشار أو لمح إليهما وهما: ١- الراغب الأصفهاني في كتابه "مفردات القرآن". ٢- الأستاذ الإمام محمد عبده في تفسير "المنار". لكنه لم يذكر الثالث ولم يشر إليه من قريب ولا من بعيد مع أنَّا كما يقول الدكتور السيد أحمد خليل -لا نكاد نظفر بجديد عنده يختلف عما دعا إليه "شلاير ماشر"٢. ويقول الدكتور في موضع آخر عن القواعد التي أصلها شلاير ماشر الألماني لتفسير أي نص: "وقد كان لهذه القواعد والأصول مكانها البارز في حركة مجددة

стр. 1016

قام بها الأستاذ أمين الخولي في الجامعة دون أن يشير رحمه الله تعالى إلى تأثره بهذه القواعد واستفادته منها"١. ومن المعلوم كما أشرنا في ترجمته أن الأستاذ أمين الخولي عمل في المفوضية المصرية في برلين وأنه ألمَّ باللغة الألمانية. ويبقى السؤال حائرا يبحث عن إجابة: لِمَ لَمْ يذكر الأستاذ أمين الخولي تأثره بقواعد التفسير عند شلاير ماشر الألماني الجنسية؟. ومع هذه الملاحظات على هذا المنهج فإنه يبقى له وجه آخر مشرق حيث خط سبيلا بينا إلى الحقيقة القرآنية وأرشد إلى أسلوب أدبي صحيح في تذوق أساليب القرآن. وأهم من هذا كله أنه كشف عن آفاق جديدة للإعجاز في القرآن الكريم وجدد في الأدباء المعارضين الحس الفني حيث الإبداع في العرض وقوة الحق وجمال الأداء وهو حس كادت أن تنطفئ ناره في مجتمع ألهته تيارات المادة في العصر الحديث. وفوق هذا كله قدم بعض أرباب المنهج البياني نماذج أصيلة لتفسير المفردات حيث التتبع للفظة في القرآن الكريم واستخراج معناها من وحي السياق. وإذا ما ابتعد أصحاب هذا اللون في التفسير عن تلك المزالق والمتاهات التي أشرنا إلى بعضها فإنه يؤمل لهذا المنهج أن يحتل في العصر الحديث مكانة سامية. سدد الله الخطى وأصلح النوايا. إنه سميع مجيب.

стр. 1017

الفصل الثاني: منهج التذوق الأدبي في التفسير المراد به: لا أقصد بالتذوق الأدبي إطلاق العنان لكل قارئ لإعمال ذهنه الذاتي لاستخراج معاني النص؛ لأن هذا سيؤدي بنا حتما وعلى أحسن الأحوال إلى أن نجد في تفسير الآية الواحدة ما يساوي عدد القراء بل أكثر منهم. ولكن أقصد به الموازنة بين الذات والموضوع، فللذات حقها في جانب الاستغراق في النص والشعور به بحيث لا يصل إلى الاستغراق الصوفي التام الذي يطغى على النص وعلى جانب الجمال الاجتماعي فيه. وللموضوع حقه في التزام مدلوله اللغوي وحدوده الشرعية والتنبيه الدقيق إلى المعنى الصحيح السليم والتزام أبعاد معانيه ومدلولاته بحيث لا يتجاوزها فيشطح. إن الموازنة بين الذات والموضوع -في رأيي- هي التي تستقر بصاحبها في ميدان التذوق الأدبي وبقدر الموازنة يكون الاستقرار فيه، فإن طغت الذات على الموضوع خرج عن نطاقه إلى نطاق التفسير الصوفي الذي يعتمد على الأوهام أكثر مما يعتمد على الحقائق، وجنح بصاحبه إلى الخيال الجارف الذي لا يعتمد على قواعد ثابتة ولا أصول راسخة بل يموج ويضطرب كما تضطرب الريشة في الهواء، ومن هنا نفذ الباطنيون إلى الإلحاد في تفسير القرآن الكريم حيث لا ارتباط بالنص ولا بمدلوله بل انسلاخ منه!!.

стр. 1018

وإن طغى الموضوع على الذات خرج عن نطاق التفسير العلمي البحت وضاقت جوانب جذبات النفس وارتباطها بالنص وأصبح المفسر والنص كتلتين منفصلتين لا تمازج بينهما ولا تجاذب، وحينئذ يكاد المفسر أن يكون مجرد آلة لا تفاعل بينها وبين معمولها. إذًا فالتذوق الأدبي -عندي- يقوم على الموازنة بين الذات والموضوع.. هو وسط بينهما. والتذوق للقرآن الكريم حركة نفسية وانطباع ذاتي لا يملك الإنسان له ردا ولا يستطيع له منعا، بل لا بد أن يظهر أثره في خلجات سامعه وسكناته شاء ذلك أم أبى وقد أدرك المشركون ذلك ولذلك سعوا إلى حسم سماعه أوَّلًا: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ ١؛ وإنما فعلوا ذلك لإدراكهم أنهم لا يملكون دفعا للتأثر بل قد يأخذ منهم بالألباب ويؤدي بهم إلى ما لا يريدون وكل ما يملكونه أن يتداعوا إلى عدم سماعه واللغو فيه عند تلاوته حتى لا يصل إلى شغاف قلوبهم، فإن وصل فإنهم لا يملكون إلا أن يقولوا -حقيقة- إن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق ... إلخ، وقد يكابرون ويعاندون ويزعمون أنه سحر. حتى الجن كانت النزعة الانطباعية عندهم عند سماعهم له أن قالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ ٢. والنصارى عند سماعهم له تفيض أعينهم من الدمع: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ ٣. والذين يخشون ربهم تقشعر جلودهم عند سماعه ثم تلين وتلين قلوبهم

стр. 1019

معها: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ ١. هذه وتلك بعض مظاهر التأثر بالقرآن الكريم وتذوق نصوصه، ظهرت بين الناس على اختلاف أنواعهم بل والجن أيضا، واختلفت بين فيض الدمع وقشعريرة الجلد ولين القلوب وإظهار علامات الدهش والعجب. ولكن هذه المظاهر لم تتجاوز التأثر الذاتي فلم يترجمها أحد أحرفًا على الورق يفيض بها ذوقه السامي، ويسطرها قلمه الطاهر معالم يهتدي بها من قصر باعه وقلت بضاعته فلم يتذوق النص أو لم يستطع التعبير عنه. وحين تظهر عبارة صادقة معبرة عن مظاهر تذوقه، فإن الألسن حينئذ تتداولها وإن الرواة يتناقلونها كما يتناقل الصاغة الجوهرة الثمينة، حتى وإن كانت العبارة قصيرة حتى وإن كانت مجملة. وخذ مثلا عبارة قالها الوليد بن المغيرة حين استمع إلى آيات من القرآن وهو الكافر ما ملك من أمره إلا أن قال: "والله إن لقوله الذي يقول لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإنه لمثمر أعلاه ومغدق أسفله وإنه ليعلو وما يعلى وإنه ليحطم ما تحته"٢. تداول الرواة هذه العبارة لما فيها من تعبير صادق عن التذوق للنص القرآني وقدرة التعبير عنه، هذا والعبارة موجزة ومعناها مجمل. كيف الأمر إذا وفق الله عز شأنه رجلا يخرج تفسيرا شاملا للقرآن الكريم يحمل مثل هذه المعاني السامية ويترجم دقائق جذور التأثر من أصولها أحرفا نيرة على الورق تحكى قمة من قمم التذوق الأدبي للنص القرآني الكريم. لا أنكر بادئ ذي بدء أني وقففت طويلا وقفة شحيح ضاع في الترب

стр. 1020

خاتمه، وقفت أدقق النظر وأرجع البصر ملتمسا أثرا يبصر أو لا يكاد يبصر لمعالم هذا المنهج وآثار السائرين فيه. لم أكد أجد في الجادة إلا أثرا لقدمين هما لرجل واحد تمشيان فيه بعزيمة وثبات وكأنهما تسيران على خط شق لهما من قبل بل كأنهما تسيران على نور البصيرة والبصر. وعدت أسائل نفسي ايعد طريق يبس إلا من قدمين اثنتين! من مناهج التفسير؟ وكان جوابها -وأحسبه حقا- أن المناهج كلها تبدأ كذلك ثم يكثر سالكوها، وهي من أول أمرها تعد منهجا. إذًا فلا تثريب علي إن اعتبرت تفسير سيد قطب رحمه الله تعالى منهجا في تفسير القرآن الكريم وحده. ولعل لمعترض أن يقول: كيف تقدم النتيجة على المقدمة؟ زعمك أن انفراد سيد قطب رحمه الله تعالى في المنهج لا يمنع من اعتباره منهجا، زعمك هذا نتيجة لمقدمة تثبت انفراده رحمه الله تعالى، فهل حقًّا انفرد سيد قطب رحمه الله تعالى في هذا المنهج؟ وجواب هذا المعترض ليس بإيراد التفاسير كلها وعرضها حتى أثبت به ما أقول، فهذا أمر يطول ويشق ولكنه بالشهود وهم كثير. فهذا الدكتور محمد إبراهيم شريف يصف تفسير سيد قطب رحمه الله تعالى "في ظلال القرآن" بأنه "يمثل تيارا برأسه يجمع فيه بين الذاتية والذوقية، والفنية الجمالية"١. ويصفه في موضع آخر بالندرة من اعتبارات كثيرة٢.
следующие страницы →