← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 8679

اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر

فهد الرومي

Полный текст (1 278 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

يجدون أنفسهم مخاطبين خطابا مباشرا به ما خوطبت به الجماعة المسلمة الأولى، فتذوقته وأدركته وتحركت به"١. ويؤكد رحمه الله تعالى أن القرآن كان دائما في المعركة؛ سواء أكان ميدانها القلوب بين تصورات الجاهلية وتصورات الإسلام أو كان الجو الخارجي بين الجماعة المسلمة وأعدائها، ويؤكد أن تلك المعركة ما تزال قائمة؛ فالنفس البشرية هي النفس البشرية وأعداء الأمة المسلمة هم أعداؤها والقرآن حاضر وبيَّن أنه لا نجاة للنفس البشرية ولا للأمة المسلمة إلا بإدخال هذا القرآن في المعركة؛ ليخوضها حية كاملة كما خاضها أول مرة وأنه لا فلاح ولا نجاح ما لم يستيقن المسلمون بهذه الحقيقة٢. ويصف القرآن بأنه كائن حي متحرك يعمل ويتحرك في وسط الجماعة المسلمة ويواجه حالات واقعة، فيدفع هذه ويقر هذه ويدفع الجماعة المسلمة ويوجهها فهو في عمل دائب وفي حركة دائرة إنه في ميدان المعركة وفي ميدان الحياة وهو العنصر الدافع المحرك الموجه في الميدان٣. وكما أن تذوق النص القرآني وتعاطف القلب معه له أثره في فهمه فإن الظروف والأحداث الواقعة تطلق الطاقة المكنونة في النص وهذا سيد رحمه الله تعالى يقرر هذا بقوله: "إن القرآن ليس كتابا للتلاوة ولا للثقافة. وكفى إنما هو رصيد من الحيوية الدافعةن وإيحاء متجدد في المواقف والحوادث! ونصوصه مهيأة للعمل في كل لحظة، متى وجد القلب الذي يتعاطف معه ويتجاوب، ووجد الظرف الذي يطلق الطاقة المكنونة في تلك النصوص ذات السر العجيب"٤. وما قاله رحمه الله تعالى في التذوق وأثره وأنه يقرأ النص عدة مرات

стр. 1052

فلا يعرف منه ما يعرف إلا إذا تفاعل مع النص وتذوقه فإنه يقول هنا أيضا: "وإن الإنسان ليقرأ النص القرآني مئات المرات ثم يقف الموقف، أو يواجه الحادث، فإذا النص القرآني جديد، يوحي إليه بما لم يوح من قبل قط ويجيب على السؤال الحائر، ويفتي في المشكلة المعقدة، ويكشف الطريق الخافي، ويرسم الاتجاه القاصد، ويفيء بالقلب إلى اليقين الجازم في الأمر الذي يواجهه وإلى الاطمئنان العميق وليس ذلك لغير القرآن في قديم ولا حديث"١. وإذا كانت الواقعية الحركية سمة من سمات هذا القرآن لها الأثر الكبير في تفسيره وجلاء معانيه فإنها سمة من سمات الدين كله، وهذا سيد قطب -رحمه الله تعالى- يجلو لنا ذلك بقوله: "والسمة الثانية في منهج هذا الدين هي الواقعية الحركية فهو حركة ذات مراحل. كل مرحلة لها وسائل مكافئة لمقتضياتها وحاجاتا الواقعية وكل مرحلة تسلم إلى المرحلة التي تليها. فهو لا يقابل الواقع بنظريات مجردة. كما أنه لا يقابل مراحل هذا الواقع بوسائل متجمدة والذين يسوقون النصوص القرآنية للاستشهاد بها على منهج هذا الدين في الجهاد ولا يراعون هذه السمة فيه، ولا يدر كون طبيعة المراحل التي مر بها هذا المنهج، وعلاقة النصوص المختلفة بكل مرحلة منها، الذين يصنعون هذا يخلطون خلطا شديدا ويلبسون منهج هذا الدين لبسا مضللا ويحملون النصوص ما لا تحتمله من المبادئ والقواعد النهائية؛ ذلك أنهم يعتبرون كل نص منها كما لو كان نصا نهائيا يمثل القواعد النهائية في هذا الدين ويقولون -وهم مهزومون روحيا وعقليا تحت ضغط الواقع اليائع لذراري المسلمين الذين لم يبق لهم من الإسلام إلا العنوان: إن الإسلام لا يجاهد إلا للدفاع! ويحسبون أنهم يُسْدون إلى هذا الدين جميلا بتخليه عن منهجه وهو إزالة الطواغيت كلها من الأرض جميعا، وتعبيد الناس لله وحده وإخراجهم من العبودية للعباد إلى العبودية لرب العباد! لا بقهرهم على اعتناق عقيدته ولكن بالتخلية بينهم وبين هذه العقيدة بعد تحطيم الأنظمة السياسية الحاكمة، أو قهرها حتى تدفع

стр. 1053

الجزية وتعلن استسلامها والتخلية بين جماهيرها وهذه العقيدة تعتنقها أو لا تعنقها بكامل حريتها"١. ويبقى سؤال أو سؤالان عن الواقعية واقعية من؟ والحركية في مواجهة من؟ ويجيب سيد رحمه الله تعالى على هذا بقوله: "وإذا كان "البيان" يواجه العقائد والتصورات، فإن "الحركة" تواجه العقبات المادية الأخرى -وفي مقدمتها السلطان السياسي القائم على العوامل الاعتقادية التصورية، والعنصرية والطبقية والاجتماعية والاقتصادية المعقدة المتشابكة. وهما معا -البيان والحركة- يواجهان "الواقع البشري" بجملتهن بوسائل مكافئة لكل مكوناته وهما معا لا بد منهما لانطلاق حركة التحرير للإنسان في الأرض "الإنسان" كله في "الأرض" كلها، وهذه نقطة هامة لا بد من تقريرها مرة أخرى٢. ثم وجه سيد رحمه الله تعالى دعوة أشعر من حيث لا أدري بأنه يعتصرها من سويداء قلبه دعانا فيها نحن معشر المسلمين المعاصرين إلى إزالة الفجوة العميقة بيننا وبين القرآن وإلى إزالة الحاجب السميك بيننا وبين القرآن، وسيظل هذا وذاك طالما نحن نتلوه أو نسمعه كأنه مجرد تراتيل تعبدية مهومة لا علاقة لها بواقعيات الحياة البشرية اليومية التي تواجه الإنسان، والتي تواجه هذه الأمة بينما هذه الآيات نزلت لتواجه نفوسا ووقائع وأحداثا حية، ذات كينونة واقعية حية ووجهت بالفعل تلك النفوس والوقائع والأحداث توجيها واقعيًّا حيًّا، نشأ عنه وجود ذو خصائص في حياة الإنسان، بصفة عامة وفي حياة الأمة المسلمة بوجه خاص. ومن هنا فإن سيدا ﵀ دعا هذه الأمة أن تتعامل مع القرآن كما تعاملت معه الأمة التي خاض بها معركة كبرى حولت تاريخها وتاريخ البشرية

стр. 1054

كلها معها، وإن القرآن يملك أن يوجه الحياة الحاضرة وكأنما هو يتنزل اللحظة لمواجهتها في شئونها الجارية وفي صراعها الراهن مع الجاهلية من حولها بنفس الحيوية ونفس الواقعية التي كانت له هناك يومذاك١. وأنظر إلى الجباه فأكاد أقرأ في قسماتها سؤالا وأنظر إلى الشفاه، فأكاد أسمعه عن الواقعية والحركية هذه.. أقرأ هناك وأسمع هنا نقدا مختفيا في سؤال.. قرأنا ما كتبت عنهما في الصفحات السابقة لكنا نراك مرة تنقل نصًّا لسيد رحمه الله تعالى يجعل الواقعية والحركية سمة من سمات الدين ونراك أنت تجعلها سمة من سمات تفسيره فهل هذا تناقض منك؟ أو هل بينهما من صلة؟ وأقول جوابا: نعم إن بينهما صلة؛ صلة الفرع بالأصل فالواقعية والحركية في الدين ولَّدتا عند سيد قطب رحمه الله تعالى التزامهما في تفسيره، فجاء تفسيره التزاما لمنهج الدين فيهما. وإن شئت بعد هذا أن تلمسهما في تفسيره فاعلم أنهما أكثر ما يكونان فيه بل إن الواقعية عنده قد تولد عنهما قواعد أخرى برزت وعظمت حتى انفصلت. ومن أغراض القرآن الأساسية ومنهجه الحركي انطلق سيد قطب -رحمه الله تعالى- لبناء منهجه الحركي التربوي وصارت الحركية والعمل والتفاعل مع النص المحوَّر الذي يدور عليه تفسيره، فلا ثمرة لترديد ألفاظ القرآن أو ترتيله تراتيل مهومة ما لم يتحول ذلك إلى قوة دافعة وإلى طاقة محركة تقود الإنسان وينقاد لها. ونظرة عجلى لتفسير سيد قطب رحمه الله تعالى تظهر بلا شك أن وقفات سيد ونظراته وأفكاره ومناقشاته وعرضه وبيانه كلها تتحقق فيها الواقعية الجدية.

стр. 1055

وتبرز معالم هذه الحقيقة في صور شتى ومواضع عديدة فلم يتناول إلا الأمور الجادة النافعة، ورتب عليها آثارا عملية نتاجها الفوائد الجمة، أما تلك الأمور التي لا يترتب عليها حكم أو فائدة فإنه يعرض عن الخوض فيها. ولهذه القاعدة في التفسير عند سيد رحمه الله تعالى جاء تفسيره تحسبه -وقد استمده من القرآن- علاجا مفصلا دقيقا لقضايا العصر وكأنه إنما أنزل لهذا العصر ولعلاج أمراضه المختلفة. ولعل مصدر الواقعية الجدية قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ﴾ ١ وقد اهتم سيد رحمه الله تعالى بهذه الواقعية الجدية في هذه الآية فأورد ست روايات في سبب نزولها، وأحاديث ثلاثة في النهي عن كثرة الأسئلة وأربعة أقوال عن السلف في النهي عن ذلك ومنهج السلف الواقعي الجدي في السؤال والاستفتاء والفتوى الذي لا يجيب إلا على ما وقع من الأمور وترك ما لم يقع٢ ولذلك وصفه رحمه الله تعالى "بأنه منهج واقعي جادٌّ. يواجه وقائع الحياة بالأحكام المشتقة لها من أصول شريعة الله مواجهة عملية واقعية"٣. وخذ مثلا لتطبيقات سيد رحمه الله تعالى لهذا الأساس ففي تفسير قوله تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ ٤ لم يتناول رحمه الله تعالى إلا الآثار الدعوية والعملية لهذا النص وإيحاءاته الاعتقادية والدلالات الحركية له، وأعرض عن الخوض في تفصيل كيفية اشتراك الملائكة في المعركة وعن حصر قتلاها من المشركين، ولا كيف قتلتهم الملائكة، وهو ما خاض به بعض المفسرين ولم يخرجوا بنتيجة واقعية جادة ويصف

стр. 1056

سيد رحمه الله تعالى البحث في كيفية الأفعال كلها بأنه ليس من الجد الذي هو طابع هذه العقيدة وطابع الحركة الواقعية بهذه العقيدة، ولكن هذه المباحث صارت من مباحث الفرق الإسلامية ومباحث علم الكلام في العصور المتأخرة، عندما فرغ الناس من الاهتمامات الإيجابية في هذا الدين، وتسلط الترف العقلي على الناس والعقول، وإن وقفة أمام الدلالة الهائلة لمعية الله سبحانه للملائكة في المعركة، واشتراك الملائكة فيها مع العصبة المسلمة لهي أنفع وأجدى"١. وفي تفسير قوله تعالى: ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ ٢ بين رحمه الله تعالى المراد بالتبصرة بأنها تبصرة تكشف الحجب وتنير البصيرة وتفتح القلوب، وتصل الأرواح بهذا الكون العجيب، وما وراءه من إبداع وحكمة وترتيب تبصرة ينتفع بها كل عبد منيب، يرجع إلى ربه من قريب" ولم يقف رحمه الله تعالى عند هذا البيان بل بين قيمة هذه التبصرة ومكانتها وكيف أهملتها مناهج البحث التي تسمى "علمية" حيث يقول: "وهذه هي الوصلة بين القلب البشري وإيقاعات هذا الكون الهائل الجميل هذه هي الوصلة التي تجعل للنظر في كتاب الكون والتعرف إليه أثرا في القلب البشري، وقيمة في الحياة البشرية هذه هي الوصلة التي يقيمها القرآن بين المعرفة والعلم وبين الإنسان الذي يعرف ويعلم. وهي التي تهملها مناهج البحث التي يسمونها "علمية" في هذا الزمان فتقطع ما وصل الله من وشيجة بين الناس والكون الذي يعيشون فيه وكل معرفة أو علم أو بحث يقف دون هذه الغاية الحية الموجهة المؤثرة في حياة البشر هي معرفة ناقصة، أو علم زائف، أو بحث عقيم"٣. ولهذا المنهج أثره في ترك سيد رحمه الله تعالى تفسير بعض الأحكام التي لا وجود لها في واقع عصرنا الحاضر بغض النظر عن وجودها قبله أو حدوثها بعده فهو ينطلق من الواقع الجاد، فلم يدخل في التفصيلات الفقهية الخاصة بالغنائم والأنفال وأخذ الجزية من الذميين من أهل الكتاب.

стр. 1057

وانطلاقا من هذا الأساس أيضا تَرَكَ الأطناب في كثير مما لا طائل تحته وليس له ثمرة، ولم يجهد نفسه في الكشف عما أبهمه القرآن. ولم يتوسع في التفسير العلمي بحيث يتجاوز واقع النص ومدلوله، وأعرض عن الخوض في الإسرائيليات، ولم يتناول الاختلافات الفقهية الدقيقة، ولم يتعمق في المفردات واشتقاقاتها وأصولها، ولم يعتنِ بإثارة المسائل اللغوية وكان وقافا عند حدود علم الغيب فلم يسمح لنفسه أن يخوض فيه وتلقى نصوصه بالقبول دون تأويل أو تحريف، كل هذا نراه أثرا من التزامه للواقعية الجدية مما لا أثر كبير له في بناء المجتمع المسلم فكان أن أعرض عنها وتناول ما له أثر جاد في واقع المسلمين. وقد برزت هذه الأمور التي أشرت إليها في تفسيره حتى أصبحت أسسا من أسس منهجه في التفسير وهي أثر من آثار هذا الأساس، ولذا سنعرض لكل منها إن شاء الله بحديث موجز استكمالا للإشارة إليها هنا. أما من ناحية الحركية وتطبيقاتها في تفسيره للقرآن الكريم فكثيرة منبثة في أغلب صفحاته وسطوره لا يترك الدعوة إليها ما وجد إلى ذلك سبيلا ولذلك أصبحت هذه سمة من سمات الظلال وأساس من أسس منهجه في التفسير. لم يكد يمر بآية إلا وجعلها منطلقا للدعوة إلى الله سبحانه وإلى التحرك بالقرآن في موجهة الأعداء وإلى بيان طبيعة المنهج الحركي للدعوة الإسلامية المتجددة في كل زمان ومكان فهو يرسم بوحي من القرآن منهج الدعوة ومعالم الطريق وصفات القيادة يرسم الخطط ويوضح السبيل. ويبدي اهتماما شديدا بذلك فلا يكاد يمر بآية أمرا كانت أو نهيا، خبرا أو قصة أو غير ذلك إلا وجعلها نبراسا في طريق الداعية ومَعلما من معالم الطريق. وقف وقفاته تلك أمام قصة بني إسرائيل مع موسى ﵇ وأول ما استوقفه فيها ورودها مفصلة أوسع تفصيل ومكررة في مواضع عديدة. فذهب رحمه الله تعالى يستخرج بعض هذه المعالم ويرسم الخطط.

стр. 1058

إن بني إسرائيل هم أول من واجه الدعوة الإسلامية بالعداء والكيد والحرب في المدينة وفي الجزيرة العربية كلها فلم يكن بد من كشفهم للجماعة المسلمة؛ لتعرف من هم أعداؤها؛ ما طبيعتهم؟ وما تاريخهم؟ وما وسائلهم؟ وما حقيقة المعركة التي تخوض معهم؟ وقد علم الله أنهم سيكونون أعداء هذه الأمة في تاريخها كله كما كانوا أعداء هدى الله في ماضيهم كله، فعرض لهذه الأمة أمرهم كله مكشوفا ووسائلهم كلها مكشوفة. وأنهم أصحاب آخر دين قبل دين الله الأخير، ووقع منهم الانحراف في العقيدة والنقض المتكرر لميثاق الله معهم، ووقع في حياتهم آثار هذا النقض وهذا الانحراف كما وقع في أخلاقهم وتقاليدهم فاقتضى هذا أن تلم الأمة المسلمة -وهي وارثة الرسالات كلها وحاضنة العقيدة الربانية بجملتها- بتاريخ القوم وتقلبات هذا التاريخ وتعرف مزالق الطريق وعواقبها ممثلة في حياة بني إسرائيل وأخلاقهم؛ لتضم هذه التجربة في حقل العقيدة والحياة إلى حصيلة تجاربها وتنتفع بهذا الرصيد وتنفع على مدار القرون. وإن الأمة المسلمة التي سيمتد تاريخها حتى تقوم الساعة ستصادفها فترات تمثل فيها فترات من حياة بني إسرائيل، فجعل أمام أئمة هذه الأمة وقادتها ومجددي الدعوة في أجيالها الكثيرة نماذج من العقابيل التي تلم بالأمم يعرفون منها كيف يعالجون الداء بعد معرفة طبيعته. وهناك جوانب شتى لحكمة الله تعالى في تفصيل قصة بني إسرائيل لا يملك معها -كما يقول- المضي أكثر من هذه الإشارات السريعة. ثم بين رحمه الله تعالى بعض الجوانب التي قد يلاقيها الداعية وضرب أمثلة منها مما لاقاه موسى ﵇ مع قومه.. جربهم وقد أخرجهم من أرض مصر وحررهم من الذل والهوان، باسم الله وبسلطان الله الذي فرق لهم البحر، وأغرق لهم فرعون وجنده. فإذا هم يمرون على قوم

стр. 1059

يعكفون على أصنام لهم، فيقولون: ﴿يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ ١ وما يكاد يغيب عنهم في ميقاته مع ربه حتى يتخذ السامري من الحلي عجلا ذهبا له خوار، وجربهم وقد فجر لهم من الصخر ينابيع في جوف الصحراء وأنزل عليهم المن والسلوى طعاما سائغا فإذا هم يشتهون ما اعتادوا من أطعمة مصر -أرض الذل بالنسبة لهم- فيطلبون بقلها وقثاءها وفومها وعدسها وبصلها ولا يصبرون عما ألفوا من طعام وحياة في سبيل العزة والخلاص والهدف الأسمى الذي يسوقهم موسى إليه وهم يتسكعون! وجربهم في قصة البقرة التي أُمرو بذبحها فتلكأوا وتسكعوا في الطاعة والتنفيذ: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ ٢، وجربهم وقد عاد من ميقات ربه ومعه الألواح وفيها ميثاق الله عليهم وعهده، فأبوا أن يعطوا الميثاق وأن يمضوا العهد مع ربهم. حتى وجدوا الجبل منتوقا فوق رءوسهم ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِم﴾ ٣. واستمر سيد قطب رحمه الله تعالى في هذا العرض إلى أن وصل إلى قوله تعالى: ﴿قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ٤ قال رحمه الله تعالى: "هنا تبرز قيمة الإيمان بالله والخوف منه، فهذا رجلان من الذين يخافون الله، ينشئ لهما الخوف من الله استهانة بالجبارين! ويرزقهما شجاعة في وجه الخطر الموهوم! وهذا هما يشهدان بقولتهما هذه بقيمة الإيمان في ساعة الشدة، وقيمة الخوف من الله في مواطن الخوف من الناس، فالله سبحانه لا يجمع في قلب واحد بين مخافتين مخافته ﷻ ومخافة الناس، والذي يخاف الله لا يخاف أحدا بعده، ولا يخاف شيئا سواه ﴿دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ﴾ قاعدة في علم القلوب وفي علم الحروب. أقدموا واقتحموا فمتى دخلتم على القوم في عقر دارهم انكسرت قلوبهم بقدر ما تقوى قلوبكم،

стр. 1060

وشعروا بالهزيمة في أرواحهم وكتب لكم الغلب عليهم ... "١. أرأيتم كيف ينظر سيد إلى القصة، ينظر إليها من زاوية الداعية، فيبرز سمات الداعية ويضرب الأمثال لبعض العقبات التي تواجه الدعوة وأثر الإيمان والخوف من الله في النصر ويعتصر من الآيات رحيقا يحقنه في شرايين القلوب فلا يملك صاحبها إلا أن يجد في نفسه عزيمة على الحركة وإصرارا على الثبات. ولو أردت أن أُسَوِّد الصفحات بذكر الأمثلة لخشيت أن آتي على آخرها ولم أبلغ منه مبلغا، فمن أراد ذلك فليحمل أجزاء تفسير "في ظلال القرآن" الستة بين يده وليقرأها كلها فإنه واجد في كل ورقة منها مبتغاه، وإذا كان الأمر كذلك فلا أحسبني قد أطلت ولو فعلت فهل تعذرون؟

стр. 1061

الأساس الرابع: التفسير الجمالي الفني استغرقت الاهتمامات الأدبية فترة طويلة من حياة سيد قطب رحمه الله تعالى، ولم يحصرها في نطاقها الضيق بل حاول تطبيقها في رحاب نصوص القرآن الكريم، وكانت أول مؤلفاته في ذلك "التصوير الفني في القرآن" ثم "مشاهد القيامة في القرآن". وحين شرع في تفسيره "في ظلال القرآن" بعد ذلك لم تغب عن باله تلك الصور الجمالية في القرآن الكريم، ووجد فيها وفي صحبتها المفتاح الذي أطلع به على كنوز من القرآن واهتدى به إلى قواعد وسمات وآفاق وموضوعات الجمال الفني في القرآن الكريم. الفني؟! ما الفن؟ يرى سيد رحمه الله تعالى أن هناك إيضاحا واجبا ينبغي أن يقال بعد ما بدأت كلمة الفن يُساء استخدامها أو يساء فهمها، أو يساء تأويلها في مجال القرآن ويعترف بأنه حين اتخذها عنوانا لكتابه "التصوير الفني في القرآن" لم يكن لها في نفسه إلا مدلول واحد هو جمال العرض، وتنسيق الأداء وبراعة الإخراج، ولم يجل في خاطره قط أن "الفني"

стр. 1062

بالقياس إلى القرآن معناه الملفق أو المخترع أو القائم على مجرد الخيال١. وأكد هذا المفهوم في تفسير في ظلال القرآن حين وصف الجمال الفني الصادق بأنه "الذي لا يعتمد على الخلق والتزويق ولكن يعتمد على إبداع العرض وقوة الحق وجمال الأداء"٢. وكأني بسائل يقول في شبه اعتراض: أو ليس هذا الأساس هو الأساس الأول الذي تحدثت عنه في منهج سيد قطب رحمه الله تعالى؟ وأقول لهذا السائل: كَلَّا إجمالا أما إن شئت البيان فإن المراد بالجمال الفني هو تلك الصورة الرائعة التي ترسمها نصوص القرآن الكريم حتى لتحسب كل كلمة منه خطًّا من خطوط الصورة أو ذلك المعنى السامي الذي تسوقه تلك النصوص؛ أما الأساس الأول فهو حسن البيان والوصف لهذه الصورة القرآنية وحسن التعبير والبيان عن هذه المعاني السامية؛ أما أن بينهما تداخلا فنعم، وأما أنهم معنى واحد فلا. وقد يكتشف مفسر الصورة الجمالية الفنية في القرآن الكريم ويبرز أطرافها ويوضح خطوطها ومعالمها وظلالها وإشراقها لكنه قد يسوق ذلك كله بأسلوب أدبي يزيد الصورة جمالا إلى جمالها وقد لا يستطيع فتبقى الصورة جميلة زاهية وحدها. وقد تميز تفسير سيد قطب رحمه الله تعالى بالجمع بين هذا وذاك. وإذ وضح الأمر فإن منزلة الجمال في القرآن تالية لمنزلة الكمال "فالجمال في تصميم هذا الكون مقصود كالكمال. بل إنهما اعتباران لحقيقة واحدة. فالكمال يبلغ درجة الجمال. ومن ثم يوجه القرآن النظر إلى جمال السماوات بعد أن وجه النظر إلى كمالها"٣ ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ

стр. 1063

الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ، ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ، وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ ١. وقد عني سيد قطب بالعرض الجمالي الفني في القرآن الكريم فتوقف عند الجمال الفني في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ، وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ ٢ حيث قال رحمه الله تعالى: "إنها لفتة كونية عجيبة من اللفتات الدالة على مصدر هذا الكتاب. لفتة تطوف في الأرض كلها تتبع فيها الألوان والأصباغ في كل عوالمها. في الثمرات، وفي الجبال، وفي الناس وفي الدواب والأنعام. لفتة تجمع في كلمات قلائل بين الأحياء وغير الأحياء في هذه الأرض جميعا، وتدع القلب مأخوذا بذلك المعرض الإلهي الجميل الرائع الكبير الذي يشمل الأرض جميعا. وتبدأ بإنزال الماء من السماء، وإخراج الثمرات المختلفات الألوان، ولأن المعرض معرض أصباغ وشيات فإنه لا يذكر هنا من الثمرات إلا ألوانها: ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا﴾ وألوان الثمار معرض بديع للألوان يعجز عن إبداع جانب منه جميعُ الرسَّامين في جميع الأجيال فما من نوع من الثمار يماثل لونه لون نوع آخر. بل ما من ثمرة واحدة يماثل لونها لون أخواتها من النوع الواحد، فعند التدقيق في أي ثمرتين أختين يبدو شيء من اختلاف اللون! وينتقل من ألوان الثمار إلى ألوان الجبال نقلة عجيبة في ظاهرها، ولكنها من ناحية دراسة الألوان تبدو طبيعية. ففي ألوان الصخور شبه عجيب بألوان الثمار وتنوعها وتعددها، بل إن فيها أحيانا ما يكون على شكل بعض الثمار وحجمها كذلك حتى ما تكاد تفرق من الثمار صغيرها وكبيرها!

стр. 1064

﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ . والجدد الطرائق والشعاب. وهنا لفتة في النص صادقة؛ فالجدد البيض مختلف ألوانها فيما بينها. والجدد الحمر مختلف ألوانها فيما بينها. مختلف في درجة اللون والتظليل والألوان الأخرى المتداخلة فيه، وهناك جدد غرابيب سود، حالكة، شديدة السواد. واللفتة إلى ألوان الصخور وتعددها وتنوعها داخل اللون الواحد، بعد ذكرها إلى جانب ألوان الثمار، تهز القلب هزا، وتوقظ فيه حاسة الذوق الجمالي العالي، التي تنظر إلى الجمال نظرة تجريدية، فتراه في الصخرة كما تراه في الثمرة، على بعد ما بين طبيعة الصخرة وطبيعة الثمرة، وعلى بعد ما بين وظيفتيهما في تقدير الإنسان. ولكن النظرة الجمالية المجردة ترى الجمال وحده عنصرا مشتركا بين هذه وتلك يستحق النظر والالتفاف. ثم ألوان الناس وهي لا تقف عند الألوان المتميزة العامة لأجناس البشر. فكل فرد بعد ذلك متميز اللون بين بني جنسه. بل متميز من توأمه الذي شاركه حملًا واحدًا في بطن واحدة! وكذلك ألوان الدواب والأنعام. والدواب أشمل والأنعام أخص فالدابة كل حيوان. والأنعام هي الإبل والبقر والغنم والماعز، خصصها من الدواب؛ لقربها من الإنسان والألوان والأصباغ فيها معرض كذلك جميل معرض الثمار ومعرض الصخور سواء. هذا الكتاب الكوني الجميل الصفحات العجيب التكوين والتلوين يفتحه القرآن ويقلب صفحاته ويقول إن العلماء الذين يتلونه ويدركونه ويتدبرونه هم الذين يخشون الله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء﴾ إلى أن قال رحمه الله تعالى: "إن عنصر الجمال يبدو مقصودا قصدا في تصميم هذا الكون وتنسيقه ومن كمال هذا الجمال أن وظائف الأشياء تؤدى عن طريق جمالها هذه الألوان

стр. 1065

العجيبة في الأزهار تجذب النحل والفراش مع الرائحة الخاصة التي تفوح. ووظيفة النحل والفراش بالقياس إلى الزهرة هي القيام بنقل اللقاح؛ لتنشأ الثمار. وهكذا تؤدي الزهرة وظيفتها عن طريق جمالها! والجمال في الجنس هو الوسيلة لجذب الجنس الآخر إليه؛ لأداء الوظيفة التي يقوم بها الجنسان. وهكذا تتم الوظيفة عن طريق الجمال. الجمال عنصر مقصود قصدا في تصميم هذا الكون وتنسيقه ومن ثم هذه اللفتات في كتاب الله المنزل إلى الجمال في كتاب الله المعروض"١. وقد يكون الجمال الفني في استخدام التصوير وتشخيص المعاني كوسيلة لبيانها ولا شك أن لهذا التصوير الفني أثره البين في جلاء المعنى الكلي المجرد فـ "المعنى الكلي المجرد يظل حائرا في التصور البشري ومائعا حتى يتمثل في صور محسوسة، ومهما أوتي العقل البشري من القدرة على التجريد فإنه يظل في حاجة إلى تمثل المعنى المجرد في صورة وأشكال وخصائص ونماذج ذلك شأنه مع المعاني المجردة التي تمثل المحدود فكيف بغير المحدود؟ لذلك يضرب القرآن الأمثال للناس ويقرب إلى حسهم معانيه الكبرى بوضعها في صور ومشاهد ومحسوسات ذات مقومات وخصائص وأشكال"٢. وإن شئت مثلا لذلك فالأمثلة كثيرة أفردها رحمه الله تعالى بكتابه "التصوير الفني في القرآن" ثم سار عليها في الظلال وزادها صورا أخرى ومشاهدة أخرى نذكر منها تصويرا لمشهد من مشاهد يوم القيامة. فمن ذلك تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ، مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ، يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ ٣ حيث قال ﵀

стр. 1066

تعالى: "والمشهد هنا عجيب أنه مشهد الخيبة لكل جبار عنيد مشهد الخيبة في الأرض. ولكنه يقف هذا الموقف ومن ورائه تخايل جهنم وصورته فيها وهو يسقى من الصديد السائل من الجسوم يسقاه بعنف فيتجرعه غصبا وكرها ولا يكاد يسيغه لقزازته ومرارته والتقذر والتكره بأديان نكاد نلمحهما من خلال الكلمات ويأتيه الموت بأسبابه المحيطة به من كل مكان، ولكنه لا يموت؛ ليستكمل عذابه ومن ورائه عذاب غليظ. إنه مشهد عجيب، يرسم الجبال الخائب المهزوم ووراءه مصيره يخايل له على هذا النحو المروع الفظيع وتشترك كلمة "غليظ" في تقطيع المشهد، تنسيقا له مع القوة الغاشمة التي كانوا يهددون بها دعاة الحق والخير والصلاح واليقين" إلى أن قال في الآية التالية: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ﴾ ١. ومشهد الرماد تشتد به الريح في يوم عاصف مشهود معهود يجسم به السياق معنى ضياع الأعمال سدى لا يقدر أصحابها على الإمساك بشيء منها ولا الانتفاع به أصلا يجسمه في هذا المشهد العاصف المتحرك فيبلغ في تحريك المشاعر له ما لا يبلغه التعبير الذهني المجرد عن ضياع الأعمال وذهابها بددا. هذا المشهد ينطوي على حقيقة ذاتية في أعمال الكفار فالأعمال التي لا تقوم على قاعدة من الإيمان ولا تمسكها العروة الوثقى التي تصل العمل بالباعث، وتصل الباعث بالله مفككة كالهباء والرماد لا قوام لها ولا نظام. فليس المعول عليه هو العمل، ولكن باعث العمل. فالعمل حركة آلية لا يفترق فيها الإنسان عن الآلة إلا بالباعث والقصد والغاية. وهكذا يلتقي المشهد المصور مع الحقيقة العميقة، وهو يؤدي المعنى في

стр. 1067

أسلوب مشوق موحٍ مؤثر"١ وقد يكون المشهد تصويرًا لمعاني عقلية مجردة كالمنِّ والأذى والرياء في الصدقات. فمن ذلك تفسيره لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ، وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ٢؛ حيث قال: "هذا هو المشهد الأول، مشهد كامل من منظرين متقابلين وشكلا ووضعا وثمرة. وفي كل منظر جزئيات يتسق بعضها مع بعض من ناحية فن الرسم وفن العرض، ويتسق كذلك مع ما يماثله من المشاعر والمعاني التي رسم المنظر كله لتمثيلها وتشخيصها وإحيائها. نحن في المنظر الأول أمام قلب صلد: ﴿كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ . فهو لا يستشعر نداوة الإيمان وبشاشته. ولكنه يغطي هذه الصلادة بغشاء من الرياء. هذا القلب الصلد المغشى بالرياء يمثله "صفوان عليه تراب" حجر لا خصب فيه ولا ليونة، يغطيه تراب خفيف يحجب صلادته عن العين، كما أن الرياء يحجب صلادة القلب الخالي من الإيمان ﴿فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾ . وذهب المطر الغزير بالتراب القليل! فانكشف الحجر بجدبه وقساوته،

стр. 1068

ولم ينبت زرعة، ولم يثمر ثمرة كذلك القلب الذي أنفق ماله رئاء الناس، فلم يثمر خيرا ولم يعقب مثوبة! ". أما المنظر الثاني المقابل له في المشهد فقلب عامر بالإيمان، نديٌّ ببشاشته. ينفق ماله ﴿ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّه﴾ وينفقه عن ثقة ثابتة في الخير، نابعة من الإيمان، عميقة الجذور في الضمير، وإذا كان القلب الصلد وعليه ستار من الرياء يمثله صفوان صلد عليه غشاء من التراب، فالقلب المؤمن تمثله جنة خصبة عميقة التربة في مقابل حفنة التراب على الصفوان؛ جنة تقوم على ربوة في مقابل الحجر الذي تقوم عليه حفنة التراب! ليكون المنظر متناسق الأشكال! فإذا جاء الوابل لم يذهب بالتربة الخصبة هنا كما ذهب بغشاء التراب هناك. بل أحياها وأخصبها ونماها. ﴿أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ﴾ أحياها كما تحيي الصدقة قلب المؤمن، فيزكو ويزداد صلة بالله، ويزكو ماله كذلك ويضاعف له الله ما يشاء وكما تزكو حياة الجماعة المسلمة بالإنفاق وتصلح وتنمو. ﴿فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ﴾ غزير فـ ﴿طَلٌّ﴾ من الرذاذ يكفي في التربة الخصبة ويكفي منه القليل! إنه المشهد الكامل، المتقابل المناظر، المنسق الجزئيات، المعروض بطريقة معجزة التناسق والأداء، الممثل بمناظره الشاخصة لكل خالجة في القلب وكل خاطرة، المصور للمشاعر والجدانات بما يقابلها من الحالات والمحسوسات، الموحى للقلب باختيار الطريق في يسر عجيب. ولما كان المشهد مجالا للبصر وللبصيرة من جانب، ومرد الأمر فيه كذلك إلى رؤية الله ومعرفته بما وراء الظواهر، جاء التعقيب لمسة للقلوب: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير﴾ . فأما المشهد الثاني فتمثيل لنهاية المن والأذى، كيف يمحق آثار الصدقة محقا

стр. 1069

في وقت لا يملك صاحبها قوة ولا عونا ولا يستطيع لذلك المحق ردًّا تمثيل لهذه النهاية البائسة في صورة موحية عنيفة الإيحاء. كل ما فيها عاصف بعد أمن ورخاء. ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ ١. هذه الصدقة في أصلها وفي آثارها تمثل في عالم المحسوسات. ﴿جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ . إنها ظليلة وارفة مخصبة مثمرة. وكذلك الصدقة في طبيعتها وفي آثارها. كذلك هي في حياة المعطي وفي حياة الآخذ وفي حياة الجماعة الإنسانية. كذلك هي ذات روح وظل وذات خير وبركة، وذات غذاء وري وذات زكاة ونماء! فمن ذا الذي يود أن تكون له هذه الجنة -أو هذه الحسنة- ثم يرسل عليها المن والأذى يمحقها محقا، كما يمحق الجنة الإعصار فيه نار؟ ومتى؟ في أشد ساعاته عجزا عن إنقاذها، وحاجة إلى ظلها وعمائها! ﴿وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ﴾ . "من ذا الذي يود هذا؟ ومن ذا الذي يفكر في ذلك المصير ثم لا يتقيه؟ ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ . وهكذا يقوم المشهد الحي الشاخص، بما فيه أول الأمر من رضى ورفه ومتعة، وما فيه من نضارة وروح وجمال ثم بما يعصف به عصفا من إعصار فيه

стр. 1070

نار. يقوم هذا المشهد العجيب بالإيحاء الشعوري الرعيب الذي لا يدع مجالا للتردد في الاختيار، قبل أن تذهب فرصة الاختيار وقبل أن يصيب الجنة الوارفة الظليلة المثمرة إعصار فيه نار! وبعد؛ فإن التناسق الدقيق الجميل الملحوظ في تركيب كل مشهد على حدة، وفي طريقة عرضه وتنسيقه هذا التناسق لا يقف عند المشاهد فرادى. بل إنه ليمد رواقه فيشمل المشاهد متجمعة من بدئها في هذا الدرس إلى منتهاها إنها جميعا تعرض في محيط متجانس محيط زراعي؛ حبة أنبتت سبع سنابل، صفوان عليه تراب فأصابه وابل، جنة بربوة فآتت أكلها ضعفين، جنة من نخيل وأعناب حتى الوابل والطل والإعصار التي تكمل محيط الزراعة لم يخل منها محيط العرض الفني المثير. وهي الحقيقة الكبيرة وراء العرض الفني المثير حقيقة الصلة بين النفس البشرية والتربة الأرضية. حقيقة الأصل الواحد وحقيقة الطبيعة الواحدة، وحقيقة الحياة الثابتة في النفس وفي التربة على السواء وحقيقة المحق الذي يصيب هذه الحياة في النفس وفي التربة على السواء. إنه القرآن كلمة الحق الجميلة من لدن حكيم خبير"١. ومنها ما هو تصوير لمشاهد كونية للمتأمل فيها آية وأي آية فمن ذلك تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ، وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ ٢، قال: "فلفظ عسعس مؤلف من مقطعين: عس عس. وهو يوحي بجرسه بحياة في هذا الليل، وهو يعس في الظلام بيده أو برجله لا يرى! وهو إيحاء عجيب واختيار للتعبير رائع. ومثله: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ بل هو أظهر حيوية وأشد إيحاء والصبح حي يتنفس. أنفاسه النور والحياة والحركة التي تدب في كل حي وأكاد أجزم أن اللغة العربية بكل مأثوراتها التعبيرية لا تحتوي نظيرا لهذا التعبير الصبح. ورؤية الفجر تكاد تشعر القلب المتفتح أنه بالفعل يتنفس! ثم يجيء

стр. 1071

هذا التعبير فيصور هذه الحقيقة التي يشعر بها القلب المتفتح. وكل متذوق لجمال التعبير والتصوير يدرك أن قوله تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ، الْجَوَارِ الْكُنَّسِ، وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ، وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ ١. ثروة شعورية وتعبيرية فوق ما يشير إليه من حقائق كونية، ثروة جميلة بديعة رشيقة، تضاف إلى رصيد البشرية من المشاعر، وهي تستقبل هذه الظواهر الكونية بالحس الشاعر"٢. ولنقف مع سيد قطب رحمه الله تعالى عند مشهد من مشاهد تجسيم أحوال النفوس كأنها مشهد محسوس ضربه الله مثلا للمنافقين: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ، يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٣. قال، رحمه الله تعالى: "إنه مشهد عجيب، حافل بالحركة مشوب بالاضطراب فيه تيه وضلال، وفيه هول ورعب، وفيه فزع وحيرة، وفيه أضواء وأصداء. إن الحركة التي تغمر المشهد كله: من الصيب الهاطل إلى الظلمات والرعد والبرق إلى الحائرين المفزعين فيه، إلى الخطوات المروعة الوجلة التي تقف عندما يختم الظلام، إن هذه الحركة في المشهد لترسم عن طريق التأثر الإيحائي حركة التيه والاضطراب والقلق والأرجحة التي يعيش فيها أولئك المنافقون. بين لقائهم للمؤمنين، وعودتهم للشياطين، بين ما يقولونه لحظة ثم ينكسون عنه فجأة. بين ما يطلبونه من هدى ونور وما يفيئون إليه من ضلال وظلام فهو مشهد حسي يرمز لحالة نفسية ويجسم صورة شعورية وهو طرف من طريقة القرآن العجيبة في تجسيم أحوال النفوس كأنها مشهد محسوس"٤.

стр. 1072

قلت لكم: إن هذه المشاهد كثيرة، وإن عرض سيد رحمه الله تعالى كثير أيضا وما ذكرت ليس أوضحها وليس أجملها ولكنه منها على كل حال. تلكم مشاهد مركبة من صور، وصور متعددة، وقد يكون الجمال التعبيري والجمال الفني في مفردة خذ مثلا كلمة "أفضى" من قوله : ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا، وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ ١ وقف رحمه الله تعالى وقفة عند كلمة أفضى استلهم منها كل الصور والظلال والإيحاءات التي تحتويها ولا يدركها إلا القليل قال: "ويدع الفعل "أفضى" بلا مفعول محدد. يدع اللفظ مطلقا يشع كل معانيه، ويلقي كل ظلاله، ويسكب كل إيحاءاته. ولا يقف عند حدود الجسد وإفضاءاته. بل يشمل العواطف والمشاعر والوجدانات والتصورات والأسرار والهموم، والتجاوب في كل صورة من صور التجاوب. يدع اللفظ يرسم عشرات الصور لتلك الحياة المشتركة آناء الليل وأطراف النهار، وعشرات الذكريات لتلك المؤسسة التي ضمتها فترة من الزمان وفي كل اختلاجة حب إفضاء، وفي كل نظرة ود إفضاء، وفي كل لمسة جسم إفضاء، وفي كل اشتراك في ألم أو أمل إفضاء، وفي كل تفكر في حاضر أو مستقبل إفضاء، وفي كل شوق إلى خلف إفضاء، وفي كل التقاء وفي وليد إفضاء كل هذا الحشد من التصورات والظلال والأنداء والمشاعر والعواطف يرسمه ذلك التعبير الموحي العجيب: ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ فيتضاءل إلى جواره ذلك المعنى المادي الصغير ويخجل الرجل أن يطلب بعض ما دفع، وهو يستعرض في خياله وفي وجدانه ذلك الحشد من صور الماضي، وذكريات العشرة في لحظة الفراق الأسيف"٢. أفلا يحق لنا معشر الأحبة وقد تغنى الأدباء ببلاغة بشار بن برد حين قال وهو الأعمى يصف معركة:

стр. 1073

كأن مثار النقع فوق رءوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه أن نتغنى بإدراك سيد لهذه المشاعر والصور بين الرجل وزوجته وهو الرجل الذي لم يتزوج؟! إن كثيرًا من المتزوجين لا يدركون بعضها، فكيف أدركها كلها؛ إنه توفيق الله وفضله. ومن ذلك تفسيره لكلمة "كبكبوا" من قوله تعالى عن أصحاب الجحيم: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ﴾ ١ قال، رحمه الله تعالى: "كبكبوا؛ وإننا لنكاد نسمع من جرس اللفظ صوت تدفعهم وتكفئهم وتساقطهم بلا عناية ولا نظام، وصوت الكركبة الناشئ من الكبكبة، كما ينهار الجرف فتتبعه الجروف. فهو لفظ مصور بجرسه لمعناه"٢. ومنه تفسيره لكلمة: ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا﴾ من قوله تعالى على لسان نوح ﵇ مخاطبا قومه: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾ ٣، قال، رحمه الله تعالى: "فتحس أن كلمة "أنلزمكموها" تصور جو الإكراه بإدماج كل هذه الضمائر في النطق وشد بعضها إلى بعض كما يدمج الكارهون مع ما يكرهون ويشدون إليه وهم نافرون! وهكذا يبدو لون من التناسق أعلى من البلاغة الظاهرية وأرفع من الفصاحة اللفظية"٤. والجمال الفني في القرآن ليس في تجسيم الأحداث وتشخيصها بصورة مركبة أو مفردة فحسب، ولكنه أيضا في انتقاء المشهد والتقاطه من الزاوية الجمالية فيه. خذ مثلا لذلك تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ ٥ وما بعدها.

стр. 1074

قال رحمه الله تعالى: "والجمال هو السمة البارزة هنا.. الجمال الذي يبلغ حد الروعة الباهرة المشاهد منتقاة وملتقطة من الزاوية الجمالية والعبارات كذلك في بنائها اللفظي الإيقاعي، وفي دلالتها والمدلولات أيضا -على كل ما ما تزخر به الحقيقة الأصيلة في هذه العقيدة- تتناول هذه الحقيقة من الزاوية الجمالية، فتبدو الحقيقة ذاتها وكأنما تتلألأ في بهاء! "١. مشاهد وقوالب الجمال الفني صاغها سيد قطب رحمه الله تعالى، فجاءت شاهدة وأي شاهدة على سمو المعاني وبلاغة التعبير ومهارة التصوير ودقة الألفاظ ﵀ رحمة واسعة ونفع بعلمه.

стр. 1075

الأساس الخامس: استيحاء النص دون مقررات سابقة ولا يقصد -ولا نقصد- بالمقررات السابقة السنة النبوية أو علوم القرآن الكريم أو اللغة ونحو ذلك مما لا بد من توفره عند المفسر قبل مزاولته التفسير، وإنما يقصد بها رواسب الثقافات التي لا تستقي من القرآن ذاته وقد وضح رحمه الله تعالى ذلك بما لا يحتاج إلى بيان حيث قال: "ومنهجنا في استلهام القرآن الكريم ألا نواجهه بمقررات سابقة إطلاقا. لا مقررات عقلية ولا مقررات شعورية ومن رواسب الثقافات التي لم نستقها من القرآن ذاته نحاكم إليها نصوصه أو نستلهم معاني هذه النصوص وفق تلك المقررات السابقة، لقد جاء النص القرآني ابتداء؛ لينشئ المقررات الصحيحة التي يريد الله أن تقوم عليها تصورات البشر، وأن تقوم عليها حياتهم وأقل ما يستحقه هذا التفضل من العلي الكبير وهذه الرعاية من الله ذي الجلال وهو الغني عن العالمين أن يتلقوها وقد فرغوا لها قلوبهم وعقولهم من كل غبش دخيل؛ ليقوم تصورهم الجديد نظيفا من كل رواسب الجاهليات قديمها وحديثها على السواء مستمدًّا من تعليم الله وحده لا من ظنون البشر، التي لا تغني من الحق شيئا. ليس هناك إذن مقرات سابقة نحاكم إليها كتاب الله تعالى إنما نحن نستمد مقرراتنا من هذا الكتاب ابتداء. ونقيم على هذه المقررات تصوراتنا ومقرراتنا

стр. 1076

وهذا وحده هو المنهج الصحيح في مواجهة القرآن الكريم وفي استلهماه خصائص التصور الإسلامي ومقوماته"١. ولذلك فإنه رحمه الله تعالى ينكر على أولئك الذين يحسبون أن بعض أخبار القرآن وقصصه تمثيل وتخييل؛ وعزا هذا إلى أنهم يجيئون إلى القرآن بتصورات مقررة سابقة في أذهانهم أخذوها من مصادر أخرى غير القرآن، ثم يحاولون أن يفسروا القرآن وفق تلك التصورات السابقة المقررة في أذهانهم من قبل ومن ثم يرون الملائكة تمثيلا لقوة الخير والطاعة والشياطين؛ تمثيلا لقوة الشر والمعصية والرجوم؛ تمثيلا للحفظ والصيانة ... إلخ. لأن في مقرراتهم السابقة قبل أن يواجهوا القرآن أن هذه المسميات: الملائكة والشياطين أو الجن لا يمكن أن يكون لها وجود مجسم على هذا النحو أن تكون لها هذه التحركات الحسية والتأثيرات الواقعية من أين جاءوا بهذا؟ من أين جاءوا بهذه المقررات التي يحاكمون إليها نصوص القرآن والحديث؟ "٢. ثم بين رحمه الله تعالى الطريق الأمثل لفهم القرآن وتفسيره فقال: "إن الطريق الأمثل في فهم القرآن وتفسيره وفي التصور الإسلامي وتكوينه أن ينفض الإنسان من ذهنه كل تصور سابق، وأن يواجه القرآن بغير مقررات تصورية أو عقلية أو شعورية سابقة وأن يبني مقرراته كلها حسب ما يصور القرآن والحديث حقائق هذا الوجود ومن ثم لا يحاكم القرآن والحديث لغير القرآن ولا ينفي شيئا يثبته القرآن ولا يؤوله! ولا يثبت شيئا ينفيه القرآن أو يبطله وما عدا المثبت والمنفي في القرآن فله أن يقول فيه ما يهديه إليه عقله وتجربته"٣. وقد اعترف رحمه الله تعالى بأنه قد وقع في هذا الذي يحذر الآن منه فيقول: "وما أبرئ نفسي أنني فيما سبق من مؤلفاتي وفي الأجزاء الأولى من هذه الظلال قد انسقت إلى شيء من هذا وأرجو أن أتداركه في الطبعة التالية إذا وفق الله وما أقرره هنا هو ما أعتقده الحق بهداية من الله"٣.

стр. 1077

وأكد رحمه الله تعالى على هذا الأساس حين جعله قاعدة مأمونة في مواجهة النصوص القرآنية حيث يقول: "إن هنالك قاعدة مأمونة في مواجهة النصوص القرآنية؛ أنه لا يجوز لنا أن نواجه النصوص القرآنية بمقررات عقلية سابقة. لا مقررات عامة ولا مقررات في الموضوع الذي تعالجه النصوص. بل ينبغي أن نواجه هذه النصوص؛ لنتلقى منها مقرراتنا. فمنها نتلقى مقرراتنا الإيمانية ومنها نكوِّن قواعد منطقنا وتصوراتنا جميعا فإذا قررت لنا أمرًا فهو المقرر كما قررته! ذلك أن ما نسميه "العقل" ونريد أن نحاكم إليه مقررات القرآن عن الأحداث الكونية والتاريخية والإنسانية والغيبة هو إفراز واقعنا البشري المحدود وتجاربنا البشرية المحدودة"١. وتصوروا معي أيها الأحبة رجلا كسيد قطب، قضى ردحا من حياته في طلب العلم والتحصيل حتى جمع حصيلة علمية وفكرية هائلة ممزوجة بالتجربة وحين دلف إلى النص القرآني ألقى على عتبة بابه كل هذا الخضم من العلوم والمعارف مستسلما لمقررات القرآن الكريم، وبمتدئا بمعارفه لذا فإن القرآن الكريم أعطى هذا الرجل ومن يعمل عمله أكثر مما أعطوا وأصدق مما تركوا. ولا أريد أن أكثر من الأمثلة ولعل مثالا واحدا يغني عن كثير منها؛ لأن فيه وفاء بالمعنى والتزاما للمنهج وتشبث به بل عض عليه بالنواجذ، ولم يقف رحمه الله تعالى في هذا المثال الذي سنذكره بشيء من التفصيل عند حدود بيان مقررات القرآن بل تجاوز ذلك إلى الرد على الذين انزلقوا إلى بعض النظريات التي تصادم ما قرره القرآن. وقد تحدث رحمه الله تعالى عن حقيقة التوحيد ورد على الذين يزعمون أن التوحيد مرحلة تالية للتعدد في العقيدة فيزعمون تطورها في تاريخ الإنسان من التعدد إلى دور التمييز ثم دور التوحيد. تناول ذلك فيحديثه عن قصة نوح ﵇ مع قومه والتي

стр. 1078

ساقتها سورة هود١، وبين رحمه الله تعالى أن آدم ﵇ هبط إلى الأرض مسلما لله متبعا هداه وأن الإسلام هو أول عقيدة عرفتها البشرية على الأرض حيث لم تكن معها عقيدة أخرى وبين أن هذه الحقيقة تقودنا إلى رفض كل ما يخبط فيه من يسمونهم "علماء الأديان المقارنة" وغيرهم من التطور بين الذين يتحدثون عن التوحيد بوصفه طورا متأخرا من أطوار العقيدة. سبقته أطوار شتى من التعدد والتثنية للآلهة. ومن تأليه القوى الطبيعي وتأليه الأرواح وتاليه الشموس والكواكب إلى آخر ما تخبط فيه هذه "البحوث" التي تقوم ابتداء على منهج موجه بعوامل تاريخية ونفسية وسياسية معينة، يهدف إلى تحطيم قاعدة الأديان السماوية والوحي الإلهي والرسالات من عند الله وإثبات أن الأديان من صنع البشر، وأنها من ثم تطورت بتطور الفكر البشري على مدار الزمان!. وينزلق بعض من يكتبون عن الإسلام مدافعين، فيتابعون تلك النظريات التي يقررها الباحثون في تاريخ الأديان وفق ذلك المنهج الموجه من حيث لا يشعرون! وبينما هم يدافعون عن الإسلام متحمسين يحطمون أصل الاعتقاد الإسلامي الذي يقرره القرآن الكريم في وضوح حاسم. حين يقرر أن آدم ﵇ هبط إلى الأرض بعقيدة الإسلام وأن نوحا ﵇ واجه ذراري آدم الذين اجتالهم الشيطان عن الإسلام إلى الجاهلية الوثنية بذلك الإسلام نفسه القائم على التوحيد المطلق وأن الدورة تجددت بعد نوح فخرج الناس من الإسلام إلى الجاهلية، وأن الرسل جميعا أرسلوا بعد ذلك بالإسلام. القائم على التوحيد المطلق وإنه لم يكن قط تطور في العقيدة السماوية في أصل الاعتقاد إنما كن الترقي والتركيب والتوسع في الشرائع المصاحبة للعقيدة الواحدة وأن ملاحظة ذلك التطور في العقائد الجاهلية لا يدل على أن الناس صاروا إلى التوحيد بناء على تطور عفي أصل العقيدة إنما يدل على أن عقيدة التوحيد على يد كل رسول كانت تترك رواسب في الأجيال

стр. 1079

التالية -حتى بعد انحراف الأجيال عنها- ترقي عقائدهم الجاهلية ذاتها، حتى تصير أقرب إلى أصل التوحيد الرباني أما عقيدة التوحيد في أصلها فهي أقدم في تاريخ البشرية من العقائد الوثنية جميعا! وقد وجدت هكذا كاملة منذا وجدت؛ لأنها ليست نابعة من أفكار البشر ومعلوماتهم المترقية، إنما هي آتية لهم من عند الله فهي حق منذ اللحظة الولى، وهي كاملة منذ اللحظة الأولى. هذا ما يقرره القرآن الكريم، ويقوم عليه التصور الإسلامي. فلا مجال إذن لباحث مسلم -وبخاصة إذا كان يدافع عن الإسلام- أن يعدل عن هذا الذي يقرره القرآن الكريم في وضوح حاسم، إلى شيء مما تخبط فيه نظريات علم الأديان المقارنة تلك النظريات النابغة من منهج موجه كما أسلفنا١. ولأنه رحمه الله تعالى يسير على ما يقرره القرآن وما يوحي به النص إليه فإنه يجهر به ويعلنه؛ لأنه ما من إنسان يعرف شيئا من الأدب يملك أن يقول إنه يرى خيرا مما يرى الله ويعلن رحمه الله تعالى منهجه إنما أن أسير مع نص القرآن وروحه فأجنح إلى ذلك الرأي بإيحاء النص واتجاهه٢ وكفى به منهجا سليما ومعينا نقيا.

стр. 1080

الأساس السادس: الوحدة الموضوعية جرى سيد قطب رحمه الله تعالى على أن يقسم السورة الواحدة إلى مجموعات من الآيات يتناول كل مجموعة منها بدرس مستقل، ولم ينقص هذا من منزلة الوحدة الموضوعية في القرآن الكريم بل اهتم بها اهتماما واضحا في شتى جوانبها وأشكالها حتى عده الدكتور عدنان زرزور "أول مفسر في تاريخ القرآن الكريم أبرز الوحدة الموضوعية في السورة القرآنية المفردة طالت أم قصرت! أبرزه بشكل عملي مكتوب أو طبقه أروع تطبيق وأعمقه في كتابه العظيم ﵀، والذين سبقوا سيدًا من المفسرين منهم من لم يلاحظها ولم يسلم بوجودها

стр. 1081

ومنهم من ذهب إلى القول بها ولكنه عز عن ملاحظتها وتقديمها فيما كتبه للناس من تفسير لكتاب الله تعالى ثم جاء سيد ليؤكده على هذه الوحدة المحورية في السورة الواحدة وليضع أيدينا بعد ذلك برفق وسهولة ولين على وجه الانتقال من موضوع إلى موضوع"١. ونستطيع أن نستخلص الأقسام التالية للوحدة الموضوعية كما عرضها سيد قطب رحمه الله تعالى٢: ١- التناسب بين السورة والسورة التالية لها. ٢- التناسب بين دروس السورة الواحدة حسب تقسيماته، رحمه الله تعالى. ٣- التناسب بين مقاطع الدرس الواحد من السورة. ٤- التناسب بين آيات المقطع الواحد. ٥- التناسب بين كلمات الآية الواحدة والجمل فيها. تلك الأقسام ما هي إلا معالم لوجود الوحدة الموضوعية في تفسير سيد قطب رحمه الله تعالى. ويظهر هذا في الطريقة التي سلكها رحمه الله تعالى في التفسير فقد قدم لكل سورة بمقدمة يدرس فيها آيات السورة كلها دراسة عامة يظهر فها المحور الموضوعي الذي تدور عليه الآيات، والهدف الذي تسعى لتقريره وملامح السورة وصورها وظلالها ومنهجها، حتى يوقفك على سورة ذات شخصية متميزة ووحدة موضوعية متناسقة فكل سورة -كما يقول- من سور القرآن ذات شخصية متفردة وذات ملامح متميزة وذات منهج خاص وذات أسلوب معين وذات مجال متخصص في علاج هذا الموضوع الواحد. وهذه القضية الكبيرة إنها كلها تتجمع على الموضوع والغاية ثم تأخذ بعد ذلك سماتها المستقلة، وطرائقها المتميزة ومجالها المتخصص في علاج هذا الموضوع وتحقيق هذه الغاية. إن الشأن

стр. 1082

في سور القرآن من هذه الوجهة كالشأن في نماذج البشر التي جعلها الله متميزة؛ كلهم إنسان، وكلهم له خصائص الإنسانية، وكلهم له التكوين العضوي والوظيفي الإنساني، ولكنهم بعد ذلك نماذج متنوعة أشد التنويع.. نماذج فيها الأشباه القريبة الملامح، وفيها الأغيار التي لا تجمعها إلا الخصائص الإنسانية العامة! "١. خذ مثلا للوحدة الموضوعية في السورة القرآنية الوحدة في سورة البقرة فهذه السورة تضم عدة موضوعات، ولكن المحور الذي يجمعها كلها محور واحد مزدوج يترابط الخطان الرئيسيان فيه ترابطا شديدا فهي من ناحية تدور حول موقف بني إسرائيل من الدعوة الإسلامية في المدينة، وهي من الناحية الأخرى تدور حول موقف الجماعة المسلمة في أول نشأتها٢ ثم بين رحمه الله تعالى مدى الارتباط بين محور السورة وموضوعاتها من جهة، وبين خط سير الدعوة أو العهد بالمدينة، وحياة الجماعة المسلمة وملابساتها من جهة أخرى بإلقاء الضوء على مجمل هذه الملابسات التي ظلت الدعوة الإسلامية وأصحابها يواجهونها مع اختلاف يسير على مر العصور وكر الدهور من أعدائها وأوليائها على السواء، وقال في ختام هذا البيان: ومن ثم يتناسق البدء والختام وتتجمع موضوعات السورة بين صفتين من صفات المؤمنين وخصائص الإيمان"٣. وأحيانا يوضح رحمه الله تعالى الوحدة الموضوعية في جزء كامل من القرآن، فيقول مثلا عن جزء عم: "هذا الجزء كله ذو طابع غالب؛ سوره مكية فيما عدا سورتي "البينة" و"النصر"، وكلها من قصار السور على تفاوت في القصر، والأهم من هذا هو طابعها الخاص الذي يجعلها وحدة على وجه التقريب في موضوعها واتجاهها، وإيقاعها، وصورها وظلالها وأسلوبها العام

стр. 1083

إلى أن قال: "وفي الجزء كله تركيز على النشأة الأولى للإنسان والأحياء الأخرى في هذه الأرض من نبات وحيوان. وعلى مشاهدة هذا الكون وآياته في كتابه المفتوح وعلى مشاهدة القيامة العنيفة الطامة الصاخة القارعة الغاشية ومشاهد الحساب والجزاء من نعم وعذاب في صور تقرع وتذهل وتزلزل كمشاهد القيامة الكونية في ضخامتها وهولها واتخاذها جميعا دلائل على الخلق والتدبير والنشأة الأخرى وموازينها الحاسمة، مع التقريع بها والتخويف والتحذير وأحيانا تصاحبها صور من مصارع الغابرين من المكذبين والأمثلة على هذا هي الجزء كله"١. وأحيانا يوضح رحمه الله تعالى الوحدة الموضوعية بين دروس من السورة مرة وبينها وبين السورة كلها مرة أخرى. فقد تحدث عن ثلاثة دروس في سورة البقرة يحوي أولها الآيات من ٢٥٣ إلى ٢٥٧ والثاني من ٢٥٨ إلى ٢٦٠ والثالث من ٢٦١ إلى ٢٧٤ ثم قال عن هذه الدروس الثلاثة: "كانت الدروس الثالثة الماضية في هذا الجزء تدور في جملتها حول إنشاء بعض قواعد التصور الإيماني وإيضاح هذا التصور، وتعميق جذوره في نواحٍ شتى. وكان هذا محطًّا في خط السورة الطويلة التي تعالج كما أسلفنا أعداد الجماعة المسلمة للنهوض بتكاليف دورها في قيادة البشرية. وربط الآيات من ٦٥ إلى ٩٢ بسورتها آل عمران فقال: "هذا الشوط من السورة ما يزال يجري مع الخط الأول الأساسي العريض فيها خط المعركة بين أهل الكتاب والجماعة المسلمة معركة العقيدة"٢. وقسم سورة الرعد إلى شطرين ينتهي الأول منهما بالآية ١٨ ثم ربط بين الشطرين بقوله: "بعد المشاهد الهائلة في آلاف الكون وفي أعماق الغيب وفي أغوار النفس التي استعرضها شطر السورة الأول، يأخذ الشطر الثاني في لمسات وجدانية وعقلية وتصويرية دقيقة رفيقة حول قضية الوحي والرسالة، وقضية

стр. 1084

التوحيد والشركاء ومسألة طلب الآيات واستعجال تأويل الوعيد وهي جولة جديدة حول تلك القضايا في السورة"١. وسيد قطب رحمه الله تعالى حريص على بيان الوحدة الموضوعية والربط بين الآيات والسور في كل موضع، ولهذا ترى هذا اللون في تفسيره كثيرا كثيرا، حتى تلك المواقف التي لا يتضح لذهنه موضع وحدتها ومصدر ربطها لا يتغافل عنه أو يدعي علما به، فينمق العبارات التي يحاول أن يستر بها عجزه بل يعترف رحمه الله تعالى بعجزه عن إدراكه ويطلب من القراء أن يرشدوه إلى ما عجز عنه وأن يعلموه ما جهل. فقد وقف رحمه الله تعالى طويلا عند بيان مناسبة قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ ٢ لما قبلها من الآيات التي تحدثت عن بعض أحكام الأسرة في الإسلام كالزواج والمعاشرة والإيلاء والطلاق والخلع والعدة والنفقة والمتعة والرضاعة والحضانة لم يدرك المناسبة حين كتب التفسير لأول مرة وفي الطبعة الأولى ولما وفقه الله إلى ذلك في الطبعات التالية كان يذكر عجزه ذاك ويحمد الله أن هداه لهذا فيقول معلقا: "كنت قد عييت فترة عن إدراك سر هذا السياق القرآني العجيب قلت في الطبعة الأولى لهذا الجزء وفي الطبعة المكملة للأولى: أشهد أنني وقفت أمام هذه النقلة طويلا لا يفتح علي في سرها ولا أريد أن أتمحل لها، ولا أقنع كل القناعة بما جاء في بعض التفاسير عنها وقلت: "ولكنني كما قلت مخلصا لا أستريح الراحة الكافية لما اهتديت إليه. فإذا هديت إلى شيء آخر فسأبينه في الطبعة التالية وإذا هدى الله أحدا من القراء فليتفضل مشكورا بما هداه الله فالآن أطمئن إلى هذا الفتح وأجد فيه الطريق والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله"٣.

стр. 1085

إنه بهذا مثال العالم المسلم الذي لا يقول فيما لا يعلم، ويسأل إذا جهل، ويحمد الله إذا علم. وإذا عجز عن بيان ذلك في موضع حتى ولو لم يكن في الظلال غيره فإنه يصرح بقوله: "وأنا؛ اللحظة لا أجد في هذا القول ما يريح أيضا ولكنه لم يفتح علي بشيء آخر" ولا ينسى وهو المؤمن الاستعانة بالله في مثل هذا الموضع فيقول: "والله المستعان"١. نعم يصرح بـ: لم يفتح علي بشيء، وقد صرح بها من قبله مالك رحمه الله تعالى فقال: لا أدري، فما زادته إلا سُمُوًّا في القلوب وما نقصته إلا عُلُوًّا في العلم!! وذهبت تلك الكلمة مشعل نور في دياجير الزمن تحكي الورع الصادق عند علماء المسلمين. وإذا كانت تلكم هي المرة الوحيدة التي لم يستطع فيها سيد قطب رحمه الله تعالى بيان الماسبة بينها وبين الآيات التي قبلها فإن هذا يدل على توفيق الله تعالى له ببيان المناسبة في كل المواضع الأخحرى ويدل أيضا على عنايته رحمه الله تعالى بالوحدة الموضوعية في القرآن الكريم.

стр. 1086

الأساس السابع: ترك الأطناب عما أبهم في القرآن الكريم وما الذي يتصوره غير ذلك من رجل يدخل التفسير دون مقررات سابقة إلا ما قرره الكتاب والسنة. فإذا كان القرآن نفسه أوجز الحديث عن أمره فمن أين يؤتى بدقائق تفصيله من غير سنة الرسول صلى الله وسلم. لهذا فقد أعرض سيد رحمه الله تعالى عن الخوض فيما أبهمه القرآن الكريم، ولم يرد بيانه في السنة، وكان هذا من منهجه.

стр. 1087

فقال في تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ﴾ ١: "وقد جرينا في هذه الظلال على قاعدة ألا نتزيد بشيء في أمر الغيبيات التي يقص الله علينا طرف من خبرها، وأن نقف عند حدود النص القرآني لا نتعداه.. هو كافٍ بذاته لإثبات ما يعرض له من أمور فنحن نؤمن أن هناك خلقا اسمهم الشياطين، وردت بعض صفاتهم في القرآن، وسبقت الإشارة إليها في هذه الظلال، ولا نزيد عليها شيئا ونحن نؤمن أن الله جعل من هذه المصابيح التي تزين السماء الدنيا رجوما للشياطين في صورة شهب كما جاء في سور أخرى ﴿وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ﴾ ٢، ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ ٣ كيف؟ من أي حجم؟ في أي صورة؟ كل ذلك لم يقل لنا الله عنه شيئا، وليس لنا مصدر آخر يجوز استفتاؤه في مثل هذا الشأن فلنعلم هذا وحده ولنؤمن بوقوعه، وهذا هو المقصود ولو علم الله أن هناك خير في الزيادة أو الإيضاح أو التفصيل لفَصَّل سبحانه فما لنا نحن نحاول ما لم يعلم الله فيه خيرا؟ في مثل هذا الأمر أمر رجم الشياطين؟! "٤. وفي قوله تعالى؛ حكاية لقول الجن: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا﴾ ٥ قال: "أما أين يقف ذلك الحرس؟ ومن هو؟ وكيف يرجم الشياطين بالشهب؟ فهذا كله مما لم يقل لنا عنه القرآن ولا الأثر شيئا، وليس لنا مصدر سواهما نستقي منه عن هذا الغيب شيئا، ولو علم الله أن في تفصيله خيرا لنا لفعل، وإذ لم يفعل فمحاولتنا نحن في هذا الاتجاه عبث ولا يضيف إلى حياتنا ولا إلى معرفتنا المثمرة شيئا! "٦.

стр. 1088

وليس من الخير أيضا أن نطنب في بيان موقفه هذا وقد أتينا فيه بما يوقفنا على رأيه رحمه الله تعالى.

стр. 1089

الأساس الثامن: التحذير من الإسرائيليات ومثل موقفه ذاك كان موقفه من الإسرائيليات؛ فقد كان رحمه الله تعالى يرفض إيرادها في التفسير ويحذر منها ويعدها أساطير لا سند لها صحيح. قال رحمه الله تعالى في قوله سبحانه: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ ١: "وتتفرق الأقوال حول فوران التنور، ويذهب الخيال ببعضها بعيدا وتبدو رائحة الإسرائيليات فيها وفي قصة الطوفان كلها واضحة. أما نحن فلا نضرب في متاهة بغير دليل في هذا الغيب الذي لا نعلم منه إلا ما يقدمه لنا النص، وفي حدود مدلوله بلا زيادة"٢. وبيَّن رحمه الله تعالى موقفه منها في موضع آخر وهو يتحدث عن الطوفان أيضا، حيث قال: وبعدُ أكان الطوفان عاما في الأرض؟ أم أنه كان في تخوم الأرض التي بعث فيها نوح، وأين كانت هذه الأرض وأين تخومها في العالم القديم وفي العالم الحديث؟ أسئلة لا جواب عليها إلا الظن الذي لا يغني من الحق شيئا، وإلا الإسرائيليات التي لا تستند إلى دليل صحيح وليس لها بعد ذلك قيمة في تحقيق أهداف القصص القرآني في كثير ولا قليل". إلى أن قال: "وأساطير بني إسرائيل المدونة فيما يسمونه "العهد القديم" تحوي كذلك ذكرى طوفان نوح، ولكن هذا كله شيء لا ينبغي أن يذكر في معرض الحديث القرآني عن الطوفان ولا ينبغي أن يخلط الخبر الصادق الوثيق بمثل هذه الروايات الغامضة وهذه الأساطير المجهولة المصدر والأسانيد، وإن كان لوجود هذه الأخبار الغامضة عن الطوفان عند شعوب شتى دلالته في أن الطوفان قد كان في أرض هذه الأقوام، أو على الأقل قد رحلت ذكرياته مع ذراري الناجين حين تفرقوا في الأرض بعد ذلك وعمروا الأرض من جديد.

стр. 1090

وينبغي أن نذكر أن ما يسمى "بالكتاب المقدس" سواء في ذلك العهد القديم المحتوي على كتب اليهود أو "العهد الجديد" المحتوي على أناجيل النصارى ليس هو الذي نزل من عند الله. فالتوراة التي أنزلها الله على موسى قد حرقت نسخها الأصلية على يد البابليين عند سبي اليهود. ولم تُعَدْ كتابتها إلا بعد قرون عديدية قبيل ميلاد المسيح بنحو خمسة قرون وقد كتبها عزرا -وقد يكن هو عزير- وجمع فيها بقايا من التوراة؛ أما سائرها فهو مجرد تأليف، وكذلك الأناجيل؛ فهي جميعا لا تحوي إلا ما حظفته ذاكرة تلامذة المسيح وتلامذتهم بعد نحو قرن من وفاة المسيح١ ﵇، ثم خلطت به حكايات كثيرة وأساطير! ومن ثم لا يجوز أن يطلب عند تلك الكتب جميعها يقين في أمر من الأمور! "٢. وقال في موضع آخر: "ولو قد سلمت التوراة من التحريف والزيادات لكانت مرجعا يعتمد عليه في شيء من تلك الأحداث ولكن التوارة أحيطت بالأساطير التي لا شك في كونها أساطير. وشحنت كذلك بالروايات التي لا شك في أنها مزيدة على الأصل الموحى به من الله، فلم تعد التوراة مصدرا مستيقنا لما ورد فيها من القصص التاريخي، وإذن فلم يبق إلا القرآن الذي حفظ من التحريف والتبديل هو المصدر الوحيد لما ورد فيه من القصص التاريخي"٣. ولهذا فإنك لا تكاد تجد في تفسيره رحمه الله تعالى رواية إسرائيلية يوليها اهتمامه أو يتلقاها بالقبول؛ بل كان يعيب على كثير من المفسرين السابقين عنايتهم بها.
следующие страницы →