← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 8679

اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر

فهد الرومي

Полный текст (1 278 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

الأساس السابع: ترك الأطناب عما أبهم في القرآن الكريم وما الذي يتصوره غير ذلك من رجل يدخل التفسير دون مقررات سابقة إلا ما قرره الكتاب والسنة. فإذا كان القرآن نفسه أوجز الحديث عن أمره فمن أين يؤتى بدقائق تفصيله من غير سنة الرسول صلى الله وسلم. لهذا فقد أعرض سيد رحمه الله تعالى عن الخوض فيما أبهمه القرآن الكريم، ولم يرد بيانه في السنة، وكان هذا من منهجه.

стр. 1087

فقال في تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ﴾ ١: "وقد جرينا في هذه الظلال على قاعدة ألا نتزيد بشيء في أمر الغيبيات التي يقص الله علينا طرف من خبرها، وأن نقف عند حدود النص القرآني لا نتعداه.. هو كافٍ بذاته لإثبات ما يعرض له من أمور فنحن نؤمن أن هناك خلقا اسمهم الشياطين، وردت بعض صفاتهم في القرآن، وسبقت الإشارة إليها في هذه الظلال، ولا نزيد عليها شيئا ونحن نؤمن أن الله جعل من هذه المصابيح التي تزين السماء الدنيا رجوما للشياطين في صورة شهب كما جاء في سور أخرى ﴿وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ﴾ ٢، ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ ٣ كيف؟ من أي حجم؟ في أي صورة؟ كل ذلك لم يقل لنا الله عنه شيئا، وليس لنا مصدر آخر يجوز استفتاؤه في مثل هذا الشأن فلنعلم هذا وحده ولنؤمن بوقوعه، وهذا هو المقصود ولو علم الله أن هناك خير في الزيادة أو الإيضاح أو التفصيل لفَصَّل سبحانه فما لنا نحن نحاول ما لم يعلم الله فيه خيرا؟ في مثل هذا الأمر أمر رجم الشياطين؟! "٤. وفي قوله تعالى؛ حكاية لقول الجن: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا﴾ ٥ قال: "أما أين يقف ذلك الحرس؟ ومن هو؟ وكيف يرجم الشياطين بالشهب؟ فهذا كله مما لم يقل لنا عنه القرآن ولا الأثر شيئا، وليس لنا مصدر سواهما نستقي منه عن هذا الغيب شيئا، ولو علم الله أن في تفصيله خيرا لنا لفعل، وإذ لم يفعل فمحاولتنا نحن في هذا الاتجاه عبث ولا يضيف إلى حياتنا ولا إلى معرفتنا المثمرة شيئا! "٦.

стр. 1088

وليس من الخير أيضا أن نطنب في بيان موقفه هذا وقد أتينا فيه بما يوقفنا على رأيه رحمه الله تعالى.

стр. 1089

الأساس الثامن: التحذير من الإسرائيليات ومثل موقفه ذاك كان موقفه من الإسرائيليات؛ فقد كان رحمه الله تعالى يرفض إيرادها في التفسير ويحذر منها ويعدها أساطير لا سند لها صحيح. قال رحمه الله تعالى في قوله سبحانه: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ ١: "وتتفرق الأقوال حول فوران التنور، ويذهب الخيال ببعضها بعيدا وتبدو رائحة الإسرائيليات فيها وفي قصة الطوفان كلها واضحة. أما نحن فلا نضرب في متاهة بغير دليل في هذا الغيب الذي لا نعلم منه إلا ما يقدمه لنا النص، وفي حدود مدلوله بلا زيادة"٢. وبيَّن رحمه الله تعالى موقفه منها في موضع آخر وهو يتحدث عن الطوفان أيضا، حيث قال: وبعدُ أكان الطوفان عاما في الأرض؟ أم أنه كان في تخوم الأرض التي بعث فيها نوح، وأين كانت هذه الأرض وأين تخومها في العالم القديم وفي العالم الحديث؟ أسئلة لا جواب عليها إلا الظن الذي لا يغني من الحق شيئا، وإلا الإسرائيليات التي لا تستند إلى دليل صحيح وليس لها بعد ذلك قيمة في تحقيق أهداف القصص القرآني في كثير ولا قليل". إلى أن قال: "وأساطير بني إسرائيل المدونة فيما يسمونه "العهد القديم" تحوي كذلك ذكرى طوفان نوح، ولكن هذا كله شيء لا ينبغي أن يذكر في معرض الحديث القرآني عن الطوفان ولا ينبغي أن يخلط الخبر الصادق الوثيق بمثل هذه الروايات الغامضة وهذه الأساطير المجهولة المصدر والأسانيد، وإن كان لوجود هذه الأخبار الغامضة عن الطوفان عند شعوب شتى دلالته في أن الطوفان قد كان في أرض هذه الأقوام، أو على الأقل قد رحلت ذكرياته مع ذراري الناجين حين تفرقوا في الأرض بعد ذلك وعمروا الأرض من جديد.

стр. 1090

وينبغي أن نذكر أن ما يسمى "بالكتاب المقدس" سواء في ذلك العهد القديم المحتوي على كتب اليهود أو "العهد الجديد" المحتوي على أناجيل النصارى ليس هو الذي نزل من عند الله. فالتوراة التي أنزلها الله على موسى قد حرقت نسخها الأصلية على يد البابليين عند سبي اليهود. ولم تُعَدْ كتابتها إلا بعد قرون عديدية قبيل ميلاد المسيح بنحو خمسة قرون وقد كتبها عزرا -وقد يكن هو عزير- وجمع فيها بقايا من التوراة؛ أما سائرها فهو مجرد تأليف، وكذلك الأناجيل؛ فهي جميعا لا تحوي إلا ما حظفته ذاكرة تلامذة المسيح وتلامذتهم بعد نحو قرن من وفاة المسيح١ ﵇، ثم خلطت به حكايات كثيرة وأساطير! ومن ثم لا يجوز أن يطلب عند تلك الكتب جميعها يقين في أمر من الأمور! "٢. وقال في موضع آخر: "ولو قد سلمت التوراة من التحريف والزيادات لكانت مرجعا يعتمد عليه في شيء من تلك الأحداث ولكن التوارة أحيطت بالأساطير التي لا شك في كونها أساطير. وشحنت كذلك بالروايات التي لا شك في أنها مزيدة على الأصل الموحى به من الله، فلم تعد التوراة مصدرا مستيقنا لما ورد فيها من القصص التاريخي، وإذن فلم يبق إلا القرآن الذي حفظ من التحريف والتبديل هو المصدر الوحيد لما ورد فيه من القصص التاريخي"٣. ولهذا فإنك لا تكاد تجد في تفسيره رحمه الله تعالى رواية إسرائيلية يوليها اهتمامه أو يتلقاها بالقبول؛ بل كان يعيب على كثير من المفسرين السابقين عنايتهم بها.

стр. 1091

الأساس التاسع: ترك الاختلافات الفقهية فلم يقلب رحمه الله تعالى كتابه إلى كتاب في الفقه بل كان يحيل في المسائل الفرعية إلى كتب الفقه وأنه لا مجال لإيرادها في الظلال. فقال عن آيات المواريث في سورة النساء مثلا: "هذه الآيات الثلاث تتضمن أصول علم الفرائض أي علم الميراث أما التفريعات فقد جاءت السنة ببعضها نصا، واجتهد الفقهاء في بقيتها على هذه الأصول. وليس هنا مجال الدخول في هذه التفريعات والتطبيقات، فمكانها كتب الفقه، فنكتفي في ظلال القرآن بتفسير هذه النصوص والتعقيب على ما تتضمنه من أصول المنهج الإسلامي"١. وفي قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ ٢ أجمل الحديث عن أحكامها ولم يتوسع في بيانه ثم قال: "والتفصيل يطلب في كتب الفقه المختصة"٣. وفي قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّام﴾ ٤ قال: "وكون هذه الأيام الثلاثة متتابعة أو غير متتابعة فيه كذلك خلاف فقهي؛ بسبب عدم النص هنا على تتابعها. والخلافات الفقهية في هذه الفرعيات ليست من منهجنا في هذه الظلال فمن أرادها، فليطلبها في مواضعها في كتب الفقه"٥. ولعل في إشارته الصريحة بأن هذا ليس من منهجه في الظلال يغني عن الإطالة في البيان. والذي ينبغي أن أذكره أن سيدا رحمه الله تعالى لم يهمل الأحكام القرآنية بيانها ولكنه لم يتوسع فيها توسع كتب الفقه أو توسع بعض المفسرين

стр. 1092

وإنما كان يشير إلى المسائل الفقهية بعبارة موجزة، ثم يحيل على كتب الفقه لمن أراد الاستقصاء.

стр. 1093

الأساس العاشر: اجتناب الإغراق في المسائل اللغوية عندما أصدر سيد قطب رحمه الله تعالى كتابه "مشاهد القيامة في القرآن" قال في مقدمته عن القرآن الكريم: "والقرآن: هذا الكتاب المعجز الجميل هو أنفس ما تحويه المكتبة العربية على الإطلاق فلا أقل من أن يعاد عرضه، وأن ترد إليه جدته، وأن يستنقذ من ركام التفسيرات اللغوية والنحوية والفقهية والتاريخية والأسطورية أيضا"١. وحين ألف "في ظلال القرآن" لم ينس هذا، فنص في مقدمته على محاولته لذلك فقال: "كل ما حاولته ألا أغرق نفسي في بحوث لغوية أو كلامية أو فقهية تحجب القرآن عن روحي وتحجب روحي عن القرآن، وما أستطرد إلى غير ما يوحيه النص القرآني ذاته من خاطرة روحية أو اجتماعية أو إنسانية. وما أحفل القرآن بهذه الإيحاءات"٢. ولا يعني هذا بحال من الأحوال أن سيدًا أغفل الحديث عن مسائل اللغة والنحو والبلاغة فقد عرض فيه لهذا في عدة مواضع لكنه يعرض لها إن عرض؛ للاستدلال على معاني الآيات وما تحويه من إشارات ولم يعرض لها كهدف وغاية؛ بدليل أنه يورد عند وقفاته النحوية أو اللغوية أو البلاغية سر ورود الآية بهذا التركيب البلاغي أو الصيغة النحوية. وخذ مثلا لذلك تفسيره لقوله تعالى عن ابنَيْ آدم ﵇: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ ٣ فقد وقف ﵀

стр. 1094

تعالى عند كلمة "فتقبل" فقال: "والفعل مبني للمجهول؛ ليشير بناؤه هكذا أن أمر القبول أو عدمه موكول إلى قوة غيبية وإلى كيفية غيبية، وهذه الصياغة تفيدنا أمرين: الأول ألا نبحث عن كيفية هذا التقبل ولا نخوض فيه كما خاضت كتب التفسير في روايات نرجح أنها مأخوذة عن أساطير "العهد القديم"، والثاني: الإيحاء بأن الذي قُبِلَ قربانُه لا جريرة له توجب الحفيظة عليه وتبييت قتله، فالأمر لم يكن له يد فيه، وإنما تولته قوة غيبية بكيفية غيبية، تعلو على إدراك كليهما وعلى مشيئته فما كان هناك مبرر ليحنق الأخ على أخيه، وليجيش خاطر القتل في نفسه"١. بهذا الأسلوب كان يعرض سيد رحمه الله تعالى للمسائل اللغوية يجعلها وسيلة لا غاية، ولا يقف عندها إلا بمقدار دلالتها على ما في الآية لا ما فيها مما هو خارج عن استعمال الآية.

стр. 1095

الأساس الحادي عشر: رفض التفسير العلمي وعمدا أخَّرت هذا الأساس في منهجه؛ لعل القارئ يستخرجه بنفسه من استقراء الأسس السابقة. ما الذي تتوقعه من رجل يستوحي النص دون مقررات سابقة ويقف حيث يقف النص ويعرض عن الأطناب فيما أبهمه القرآن ويحذر من الإسرائيليات ويترك الخوض في الاختلافات الفقهية ويجتنب الإغراق في المسائل اللغوية يفعل كل هذا محافظة على الوقوف عند مدلول النص وعند ما يقرره النص. من يستقرئ هذه الأسس عند سيد قطب رحمه الله تعالى يظهر له أن سيدا سيرفض التفسير العلمي. ولهذا فقد اعتبرته من الرافضين للتفسير العلمي، وأوردت نصوصا مطولة من تفسيره رحمه الله تعالى في الفصل الثالث من الباب الثاني من هذه الدراسة. وبينت هناك أيضا لم اعتبرته من الرافضين إضافة إلى هذا السبب الذي ذكرته هنا، ولا أرى ثمرة لإعادة ما قلته هناك فانظر إليه في محله.

стр. 1096

هذه -فيما أرى- أهم الأسس التي يقوم عليها منهج سيد قطب رحمه الله تعالى في تفسيره "في ظلال القرآن" ولا أنكر أن هناك من الأسس ما يعد وجهًا آخر أو مماثلا لما ذكرت من الأسس، ولكني رأيت أن أدمج ما تماثل منها وحسبت أني لو أفردت كل واحد منها مستقلا عن الآخر لعدَّ هذا علي أطنابا مملا وتفريقا مخلا رأيت أن الأفضل تحاشيه والبعد عنه.

стр. 1097

ملاحظات على هذا التفسير: جلَّ من لا عيب فيه وعلا، ما كتب أحد من البشر كتابا إلا وبدا فيه موضع نقص وموضع عيب، ولو أعاد بنفسه النظر فيما كتب لوجد من ذلك شيئا منها ما يعرف عذره فيه، ومنها ما لا يرى فيه عذرا. كتب سيد قطب رحمه الله تعالى تفسيره وطبعه الطبعة الأولى ولما أعاد النظر فيه كادت التعديلات أن تكون تفسيرا جديدا وجاءت بأكثر من ضعف حجم الكتاب أولا. ولا شك أنَّا لا ندعي عصمة لسيد قطب رحمه الله تعالى ولا لتفسيره ولكن هذا لا يبرر لنا أن ننفخ بأفواهنا في هفواته الصغيرة حتى تبدو كبيرة، فليست هذه من شيم المؤمنين وليست من أخلاقهم. والله جعل للميزان كفتين كفة للحسنات وكفة للسيئات ويخطئ منا نحن البشر من لا يجعل للناس إلا كفة واحدة يزن بها أعمالهم؛ فإنه حينئذ لن يصل إلى الوزن الحق، ويخطئ من ينظر إلى كفة الحسنات وقد ثقلت وينظر إلى كفة السيئات وقد خفت فيذم بالثانية ولا يحمد بالأولى؛ أوَليست الحسنات يذهبن السيئات إذا فما باله كذلك. ولقد أشرت إلى بعض محاسن تفسير سيد قطب رحمه الله تعالى وأبرزت وجهها الناصع وما لم أذكر أكثر مما ذكرت. ومن الحق أن أشير إشارة سريعة إلى بعض المآخذ التي أخذت على سيد قطب رحمه الله تعالى في تفسيره وكان حقها أن تهمل ولا تذكر تطمسها

стр. 1098

محاسن تفسيره ومزاياه الكبرى كالشمس تطلع فتخفي النجم، ولكننا ننظر بعين من يقول هذا ويقول ذاك؛ التماسا للحق. ففي التفسير بالمأثور نرى سيد قطب رحمه الله تعالى يوليه اهتماما ويورد كثيرا من الأحاديث في تفسيره لكنه أحيانا يورد تفسيره خاليا من أحاديث صريحة صحيحة وأحيانا يورد بعض الأحاديث الضعيفة من غير بيان درجتها وينسبها أحيانا لغير كتب الرواية. ولتعلقه رحمه الله تعالى بالأسلوب الأدبي فقد كان غفر الله لنا وله يقع أحيانا في أساليب أدبية بحتة لم تهذبها العقيدة الصحيحة، ولعل مرد ذلك أن ثقافة سيد رحمه الله تعالى كانت في أولها ثقافة أدبية تحول بعدها إلى الدراسة الشرعية وراح يستدرك بالأخيرة ما أوقعته فيه الأولى وفات عليه في استدراكه هذا عبارات ومنها قوله عن توكل المؤمن على ربه واطمئنانه إلى موقفه وطريقه "إنها كلمة المطمئن إلى موقفه وطريقه. المالئ يديه من وليه وناصره"١ ومنها وصفه للبشرية بأنها: "لن تجد السعادة إلا حين ترد الفطرة البشرية إلى صانعها الكبير كما ترد الجهاز الزهيد إلى صانعه الصغير"٢ ومنها وصفه للصلة بين العبد وربه: "حين يرفع الله عباده الذين يؤثرونه ويحبونه إلى مرتبة يتحرج القلم من وصفها لولا أن فضل الله يجود بها مرتبة الصداقة.. الصداقة بين الرب والعبد"٣!! ونحو ذلك من العبارات التي لا نرتضيها، ولا نظنه رحمه الله تعالى وغفر لنا وله إلا وقد كتبها أثناء تأثره بالثقافة الأدبية وقبل أن تصقل فكره الدراسة الشرعية وفات عليه استدراكها بعد ذلك. ومن الملاحظات أيضا تحديده وقت الإمساك للصائم في قوله تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ ٤ بأنه قبل طلوع الشمس بقليل وإننا نمسك الآن وفق المواعيد المعروفة في قطرنا

стр. 1099

هذا قبل أوان الإمساك الشرعي ببعض الوقت ربما زيادة في الاحتياط١ وهذا القول لم يقل به أحد من قبله. ومن الملاحظات أيضا أن التزامه لمنهج الواقعية في التفسير -كما أشرت إليه- قد أوقعه في موقف من الفقه غير سليم، ففي تفسيره مثلا لقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ ٢ قال رحمه الله تعالى: "إن موضوع الغنائم بجملته ليس واقعا إسلاميا يواجهنا اليوم أصلا، فنحن اليوم لسنا أمام قضية واقعة، لسنا أمام دولة مسلمة وإمامة مسلمة وأمة مسلمة تجاهد في سبيل الله ثم تقع لها غنائم تحتاج إلى التصرف فيها.. ليس هناك قضية غنائم؛ لأنه ليس هناك قضية جهاد.. والمنهج الإسلامي منهج واقعي، لا يشتغل بقضايا ليست قائمة بالفعل، ومن ثم لا يشتغل أصلا بأحكام تتعلق بهذه القضايا التي لا وجود لها من ناحية الواقع! إنه منهج أكثر جدية وواقعية من أن يشتغل بالأحكام! هذا ليس منهج هذا الدين، هذا منهج الفارغين الذين ينفقون أوقات الفراغ في البحوث النظرية وفي الأحكام الفقهية، حيث لا مقابل لها من الواقع أصلا بدلا من أن ينفقوا هذه الجهود في إعادة إنشاء المجتمع المسلم من أجل هذا الإدراك لجدية المنهج الحي الواقعي الحركي لهذا الدين لا ندخل هنا في تلك التفصيلات الفقهية الخاصة بالأنفال والغنائم حتى يحين وقتها عندما يشاء الله وينشأ المجتمع الإسلامي، ويواجه حالة جهاد فعلي، تنشأ عنه غنائم تحتاج إلى أحكام"٣. وينبغي أن أبين أنه لا يريد بالفقه هنا كل الفقه بدليل أنه عرض لكثير من مسائله -وإن كان في إيجاز- وإنما يريد به المسائل الفقهية التي لا وجود لها في واقع المسلمين المعاصر. ثم إن هذه المسائل التي عاب الخوض فيها لم يطلب إلغاءها وإنما تأجيل الحديث عنها إلى أن توجد الحاجة لها في أرض الواقع.

стр. 1100

وقد ظنه بعض الناس -لأجل هذا- ومنهم مغرض ينطوي على كيد ومكر ومنهم غيور على الحق لم يستوعب الأمر من أطرافه. ظن هؤلاء أن سيد رحمه الله تعالى يسعى للقضاء على الفقه، وإلى إهدار الجهود الكبيرة التي بذلها الفقهاء على مدار القرون. وعلى كل حال نحن لا نبرئ سيد قطب رحمه الله تعالى، ولكنا لا نؤيد أولئك الذين نفخوا في زلته حتى بدت كالجبال. ونلتمس له عذرا بأن كلامه هذا صدر عن انفعال وحماس وتأثر وأنه نفسه مصدور وزفرة مكلوم١ اطلع على واقع العالم الإسلامي من زاوية لم ينظر منها أولئك فقال ما قال، وكان الأولى أن لا تصدر عنه مثل هذه العبارات أما وقد صدرت فإنا ندعو لنا وله بالرحمة والمغرفة ونلتمس له عذرًا ما دام لم يقل كفرًا. ومن ناحية منهجية فإنا نلاحظ على سيد قطب رحمه الله تعالى الاستطراد في أبحاث لا رابطة قوية لها بالآية التي يفسرها وكأنه رحمه الله تعالى يلتمس منفذا ينفذ منه إلى تشخيص داء العالم الإسلامي المعاصر وإظهار علاجه وكأنه يخشى أن يهرب منه المريض قبل أن يسمع منه علاجه، فلا يترك سانحة إلا ويشحنها بكل ما في نفسه من علاج حتى وإن كان إيرادها في غير موضعها تماما وحتى إن كان استدرادا وترتب على هذا أيضا أمر آخر هو التكرار وإعادة الحديث مرارا ونحسب سببها واحدا. ولعل سبب هذه الأخطاء جملة من سيد قطب رحمه الله تعالى ما أشرت إليه آنفا أن الرجل كان أدبي الثقافة واتجه إلى تفسير القرآن الكريم من هذا المنطلق ومن هذا الواقع، فكان تفسيره ما كان ومر حينٌ اتجه رحمه الله تعالى إلى استدراك ما فاته، فسعى للدراسات الشرعية وانطلق من واقعها إلى تنقيح ما كتب وتقويم ما اعوج، فكان له ذلك في أكثره وبقي أقله وهو القليل لا يزال بحاجة إلى هذا التنقيح، لكنه لقلته لا يكاد يذكر بجانب محاسنه. وغفر الله لنا وله. إنه سميع مجيب.

стр. 1101

الباب الخامس: الاتجاهات المنحرفة في تفسير القرآن الكريم تمهيد: أعاذنا الله وإياكم منه. الإلحاد في اللغة: الميل عن القصد، وألحد في الدين أي حاد عنه١. ويخطئ بعض الناس فلا يكاد يذكر عنده الإلحاد إلا ويتبادر إلى ذهنه الكفر، والحق فيما يظهر لي أن بين الكفر والإلحاد خصوص وعموم؛ فالإلحاد أعم من الكفر؛ إذ كل كفر إلحاد وليس كل إلحاد كفرًا. فالتفسير المخطئ لآية من آيات القرآنالكريم بحيث لا يخالف معلوما من الدين بالضرورة، ولا يهدم جانبا من جوانبه ينطبق عليه وصف الميل والانحراف فيسمى لغةً إلحادا؛ لإلحاده وميله وانحرافه عن الصواب والحق في التفسير. أما التفسير الذي يؤدي إلى إنكار أصل من أصول الدين وصرفه إلى معانٍ لا تدل عليها لغة ولا دين بل الدين ينكرها ويرفضها، فإن هذا يسمى مع الإلحاد كفرًا؛ لأنه ليس إلحادا عن الصواب فحسب بل هو انحراف عن الدين أيضا. ومن هنا فإنه يجب التفريق بين التفسير الملحد والتفسير الكافر. وتاريخ الإلحاد والملحدين -أعاذنا الله وإياكم منه ومنهم- تاريخ طويل

стр. 1102

ليس من شأني تتبعه ولا الحديث عنه إلا بقدر ما له من علاقة بموضع حديثنا هنا. وقد اطلعت على مقال كتبه الأستاذ محمد فريد وجدي عن الإلحاد في العصر الحديث وقد جاء هذا في مقال عنونه بـ "مذهب القرآن في المتشابهات" أوجز فيه تاريخ الإلحاد المعاصر، وحديثه هذا حديث العارف المطلع. ولذا أقتصر عليه هنا، قال وهو يتحدث عن النهضة العلمية الحديثة: "في تلك الأثناء ولد العلم الحديث وما زال يجاهد القوى التي كانت تساوره حتى تغلب عليها، فدالت الدولة إليه في الأرض فنظر نظرة في الأديان وسرى عليها أسلوبه١. فقذف بها جملة إلى عالم الميثولوجيا٢ ثم أخذ يبحث في اشتقاق أصولها بعضها من بعض واتصال أساطيرها بعضها ببعض، فجعل من ذلك مجموعة تقرأ لا لتقدس تقديسا، ولكن ليعرف الباحثون منها الصور الذهنية التي كان يستعبد الإنسان لها نفسه ويقف على صيانتها جهوده غير مدخر في سبيلها روحه وماله. وقد اتصل الشرق الإسلامي بالغرب منذ أكثر من مائة سنة، فأخذ يرتشف من مناهله العلمية ويقتبس من مدينته المادية، وقف فيما وقف عليه على هذه الميثولوجيا ووجد دينه ماثلا فيها، فلم ينبس بكلمة؛ لأنه يرى الأمر أكبر من أن يحاوله، ولكنه استبطن الإلحاد وتمسك به متيقنا أنه مصير إخوانه كافة متى وصلوا إلى درجته العلمية. وقد نبغ في البلاد الإسلامية كتاب وشعراء وقفوا على هذه البحوث العلمية فسحرتهم، فأخذوا يهيئون الأذهان لقبولها دسا في مقالاتهم وقصائدهم غير مصارحين بها غير أمثالهم تفاديا من أن يقاطعوا أو ينفوا من الأرض"٣. ذلكم ما صرح به الأستاذ محمد فريد وجدي وهو اعتراف خطير يلقي على

стр. 1103

عاتق العلماء المسلمين خاصة والمثقفين عامة وجوب تمحيص مقالات وقصائد كتاب وشعراء تلك الفترة، والحذر كل الحذر من الانخداع ببريق شهرة أو انتشار صيت أو كثرة أتباع. ولا يخفى أن كل كلمة -كدت أقول كل حرف- من كلمات الأستاذ وجدي المنقولة آنفا بحاجة إلى تعليق وتعليق واستجلاء لمدلولاتها وكشف لمعانيها ولكن هذا ليس من شأني هنا وحسبي منه أنه يعطي صورة صادقة لنشأة الإلحاد في العصر الحديث، خاصة أنه من شخص مجرب خبير. وقد عانى العالم الإسلامي في تلك الفترة وما زال يعاني من مستبطني الإلحاد الذين ينشرون إلحادهم على الملأ باسم البحث العلمي والحرية العلمية. وظاهرة هي التي تحز في نفس المسلم أكثر من سابقها تلكم أنه ما اعتدى أحد من المنتسبين إلى الإسلام على الإسلام إلا وتبوأ بعد فترة قصيرة منصبا كبيرا في الدولة، وكأنه مكافأة له على إلحاده مهما علت الصيحات ضده والانتقادات والاعتراضات ضد أفكاره وآرائه، لكن هذه الصيحات لا تلبث أن تهدأ وتسكن، يعقبها تولي هذا الملحد ذلكم المنصب، وكأني ألمح هناك يدًا تدفعه إلى الإلحاد ويدًا أخرى تدفع له الثمن وأيد أخرى تدافع عنه وتقاتل. لست أزعم أني الوحيد الذي أدرك هذه الظاهرة ولكني الأخير فقد صرح بها كثير وتعدد مدركوها، فقد كتب توفيق الحكيم مرة عن حادثة لأحد هؤلاء الملحدين فقال: "وليست هذه الحركة هي الأولى من نوعها في مصر فقد سبق أن ألف الأستاذ علي عبد الرازق وزير الأوقاف الحالي كتابا عن الإسلام وأصول الحكم، فقامت قيامة الأزهر واحتجت هيئة كبار العلماء وفصلته واستقال الوزراء الأحرار الدستوريون من وزارة زيور باشا؛ احتجاجا على الفصل وأقيل وزير العدل عن منصبه وكان عبد العزيز فهمي باشا بهذا السبب. وحدث مرة أخرى أن ألف الدكتور طه حسين كتابا عن الشعر الجاهلي شك في بعض المعتقدات فقامت قيامة البرلمان وأراد مجلس النواب إخراجه

стр. 1104

من منصبه، فهدد عدلي باشا رئيس مجلس الوزراء بالاستقالة حماية للبحث العلمي"١. وصرح الشيخ مصطفى صبري بعبارة أوضح فقال: "يقوم الفينة بعد الفينة من سولت له نفسه بالخروج عن الإسلام في ناحية من نواحيه الاعتقادية، فيثور احتجاجا عليه فئة من الغيورين على دينهم ويحميه منهم رجال من الوزراء المستبطنين ما أظهره الخارج، وإن لم يحمه حامٍ عاجلًا ففي المستقبل القريب أو البعيد ينال الرجل مكافأة خروجه بأضعاف ما كان له من المراكز والمناصب يوم خرج وثار عليه المستنكرون. ويكون هذا المصير غبطة لآخرين، فتتكرر المهزلة في أيام أخرى على مسائل أخرى مماثلة"٢. بل إن الأستاذ أمين الخولي يدعو أصحاب تلك الأفكار بالخروج بها ونشرها بين الناس ويعدهم ويمنيهم بأن لهم النصر المؤكد حيث يقول: "وأحسبني لا أجد في هذا المقام أصوب وأجدى من الحديث في هذه المقدمة عن ذلك الناموس الاجتماعي المطرد على الأجيال منذ قديم عهد الدنيا بالحياة ليربط صدق هذا القانون على قلوب الذين يكتب الله عليهم اليوم وفي الغد القريب، أو البعيد، والأبعد أن يكونوا حملة فكرة تطورية ودعوة تجديدية في أي ميدان من ميادين النشاط الإنساني فلا يَهِنُون حين تجتمع الدنيا بكثرتها على محاربتهم ولا يشكون لحظة في النصر مهما تتربص قوى الجهل بهم وليعلموا أن هذا النصر المؤكد لا ينال إلا بثمنه الباهظ الفادح من الصدق والصبر اللذين يلذ معهما الألم ويهون الصعب ويتراءى النور من القلوب في أشد حلكة الظلام!!

стр. 1105

ويقوى الإيمان حين يستيئس الناس!! "١. وعلى كل حال فقد كثر ولا حول ولا قوة إلا بالله الإلحاد والملحدون في جوانب عديدة بدءا من العقيدة في الله ومرورا بالعقيدة في الأنبياء واليوم الآخر والقدر وفي أخبار القرآن وقصصه وتأويل آياته وفي السنة وحجيتها وفي الأحكام الشرعية الثابتة وفي السياسة والاجتماع وشتى النواحي وإلى ما لا نهاية. ويقف المتأمل حائرا متسائلا عن الدوافع التي جرفتهم إلى تيار الإلحاد، وتتنازعه الأسباب كلٌّ يجره إليه فيستقر قراره على أن أهمها ولا شك: ١- أولئك القوم الذين يدفعونه إلى الجهر بالفكرة وتبنيها ويَعِدُونه بالدفاع عنه ويمنونه بالمناصب الكبيرة أو غيرها ونحن وإن كنا لا نستطيع أن نعدد أسماءهم في كل حركة، فإن معرفة أهم عناصرهم تحملها تلك الدراسات عن كل حركة. فمثلا عندما فصل علي عبد الرازق من وظيفته استقال الوزراء "الأحرار" من وزارة زيور باشا وأقيل وزير العدل وعين بدلا منه عبد العزيز فهمي باشا، ثم ما لبث بعد فترة من هذا إلا ويعين علي عبد الرازق هذا وزيرا للأوقاف؟! وكذا طه حسين لما أصدر كتابه في الشعر الجاهلي وأراد مجلس النواب فصله من منصبه هدد عدلي باشا رئيس مجلس الوزراء بالاستقالة "حماية للبحث العلمي" وما لبث طه حسين إلا وقد تم تعيينه وزيرا للتعليم؟! وغيرهما كثير مما لا يدع مجالا للشك أن الأمر لم يأتِ صدفة من غير أن يقف أحد خلفه يخطط له ويرسم الأهداف. ٢- ومن هذه الأسباب أيضا حب الشهرة وضعف الإيمان الذي يجعل الأول يطغى على الثاني فيجرفه فإذا ما تحققت هذه الشهرة له عاد إلى الإيمان

стр. 1106

وأعلن توبته، فتكون عودته هذه أيضا زيادة في شهرته فيبقى مشهورا في خروجه وفي عودته. معاذ الله أن أتَّهِم أولئك الذين عادوا إلى الإيمان بسوء فالله أعلم بالسرائر. لكني أذكر واقعا وأحكي حقيقة نراها بأم أعيننا ولله وحده ما تكن القلوب وما تخفي الصدور. ومن هؤلاء الذين أعلنوا عودتهم محمد أبو زيد، وخالد محمد خالد، وكامل كيلاني، وإسماعيل مظهر، ومصطفى محمود، وغيرهم. لكن اللافت للنظر أن بعض هؤلاء وإن أعلن عودته بالكتابة الإسلامية المستقيمة لكنه لم يتبرأ من إلحاده السابق ولم يكتب ما ينقضه به. ٣- ومن الأسباب أن يكون الكاتب نفسه غير مسلم أصلا ولكنه يكتب لتشكيك المسلمين وزعزعة عقيدتهم بوحي من عقيدته الباطلة أو اتجاهه الإلحادي الذي ينكر كل دين. وبعض هؤلاء وهو يعيش في دولة مسلمة غالب شعبها مسلم وهو في أقلية يرى من صالحه وقد صعب عليه الدخول في الإسلام وشق، أن خير وسيلة لتحقيق مآربه أن تنقلب الدولة إلى دولة علمانية وهؤلاء ينظرون إلى دولة تركيا مثالا لدولتهم وإلى أتاتورك قدوة لهم، وهم كثير. ٤- ومنهم من يكون عن اقتناع في الفكرة وضعف في البصيرة ابتلاه الله به. وقليل ما هم. وهناك أسباب أخرى أقل من هذه شأنا. وما علينا أن نستقصي الأسباب أو أن نذكر لها عددا وشأننا معها هنا التماس حقيقة أولئك الذين يلحدون في آيات القرآن الكريم هل عرفوا التفسير الصحيح فأبوا إلا التعامي عنه وألقوه وراء ظهورهم لأمر في نفوسهم أم غاب عنهم، فقالوا ما يحسبونه حقا من غير معرفة بأصول التفسير وشروطه واستنادا إلى أدلة حسبوها مقبولة أم خبطوا خبط عشواء من غير علم شرعي ولا غيره، فكان تفسيرهم هذيان مخرف لا نستطيع

стр. 1107

الحكم على أحد بأحد النوعين الأولين لكنا نستطيع أن نفرق بين هذه الأمور الثلاثة في ذاتها. أما أصحاب المنهج الأول فهم طائفة درسوا علوم الشريعة وتخرجوا من كلياتها فهم على علم ومعرفة -ولا شك- بشروط التفسير والمفسرين وعلى معرفة بعلوم الشريعة، وحين عمدوا إلى التفسير جاءت مخالفتهم للحق مجردة من التماس العذر لهم بالجهل. وكان منهجهم هذا المنهج الإلحادي في التفسير. أما أصحاب المنهج الثاني فطائفة لم يطلبوا العلوم الشرعية ولم يدرسوها في مدارسها بل تقاذفتهم المدارس في نواحٍ أخرى ليس منها علوم الشريعة ولما اشتد عودهم عز عليهم أن يطلبوا علوم الشريعة وهم الأساتذة وحسبوا -جهلا- أن علومها في متناول أيديهم، وأنها لا تحتاج إلى أكثر من تقليب الفكر في نصوص الكتاب والسنة والتعبير عنها من زواياها الضيقة من غير أن يكون في محيط علمهم لزوم توسيع دائرة النظر في النص الشرعي ليشمل كافة آيات القرآن والأحاديث الصحيحة وأنه لا يصح أن نأخذ ببعضه ونترك بعضه وبوحي هذا الاعتقاد الخاطئ انطلقوا يفسرون آيات القرآن الكريم، فوقعوا في الإلحاد من حيث لا يشعرون والمؤمن منهم من نبه إلى الحق فرجع إليه واستغفر من ذنبه، وأحسب أن هؤلاء لا يصح أن يقرنوا مع النوع الأول وقد رأيت أن خير وصف لمثل هؤلاء أن يسمى "منهج القاصرين"؛ لأنهم قصروا في تحصيل شروط المفسر وعجزوا عنها وتناولوا التفسير من غير بابه، فكانوا في قصورهم عن هذه الشروط كالقاصر في عدم اكتمال رشده ولست بهذا أُبرئهم من الخطأ أو ألتمس لهم عذرا أو أبرر لهم معصية. وإنما أمرهم إلى الله وهو أعلم بنا وبهم. أما الصنف الثالث فلا منهج، وأنى يكون لهم ذلك وهم يخبطون خبط عشواء، وأنى يكون لمجنون منهج يسلكه وهو الذي يسير بوحي ساعته بل دقيقته التي يعيشها لا صلة لها بماضٍ ولا مستقبل وإن كان لها من صلة فعلى غير وجه الحق.

стр. 1108

وكأني بطائفة من القراء تقرأ ما أقول أو تسمعه، فيرتسم السؤال عما أقصده بكلامي هذا وما أرمي إليه. هو لا شك أمر محير وقفت عنده حينا من الزمن أقلب النظر فيه والبصر. طائفة من الناس ليست من علماء الشريعة وليست من المنتسبين إلى العلم كافة في شتى صنوفه، اتجهت إلى تفسير القرآن لم تسلك سبيل هؤلاء ولم تسر في درب هؤلاء ولا التزمت ما التزمه العقلاء الذين ليسوا من هؤلاء ولا من هؤلاء، فزجوا بأنفسهم في تفسير القرآن الكريم، فجاءوا بتفاسير لا تقوم على أسس شرعية ولا علمية وليس لها سند لا في القديم ولا في الحديث ولا صلة بين معاني ألفاظها ومعاني ألفاظ القرآن ولا مطابقة لغوية ولا معنوية ولا شكلية، فجاءوا بهذيان كهذيان المحموم تسأله عن حاله فيجيبك بذكر اسم صديق له أو قريب أو بكلام غير مفهوم. ولهذا فإني لن أصف طريقة هؤلاء بالمنهجية إذ لا منهج، فأطلقت عليهم طريق اللامنهجية وقد هممت أن أسميه تفسير المجانين!! وعلى هذا فسأتناول المنهجين الأول والثاني والصنف الثالث كُلًّا على حدة.

стр. 1109

الفصل الأول: المنهج الإلحادي في تفسير القرآن الكريم مدخل ... الفصل الأول: المنهج الإلحادي في تفسير القرآن الكريم ويتميز هذا اللون من التفسير -والحمد لله- بقلة بل ندرة المؤلفات الكاملة فيه إذا اقتصر أصحابه على تفسير آيات من هنا وهناك حسب الموضوع الذي يتطرقون إليه فيستشهدون بآيات من القرآن -ملحدين- بتأويلها. ولئن كان بوسعنا الكتابة عن كل التأويلات الباطلة لآيات منفردة من آيات القرآن الكريم على هذا النحو، فإنه لا بد من ذكر أمثلة متنوعة لهذه التأويلات المنحرفة. صدرت عن طائفة من المنتسبين للعلم والعلماء. ومن أكثر أصحاب التأويلات الباطلة والآراء الجديدة العجيبة التي يقف المسلم فيها حائرا يعض بنان الأسف والندم وهو يعلم علما يكاد يتيقنه أن صاحب هذه الآراء غير مقتنع، ولكنه لأمر في نفسه امتطى صهوة هذه التأويلات، وهي كثيرة متعددة يهمنا أن نذكر له تأويلا واحدا. ذلكم الشيخ أحمد حسن الباقوري قد أوَّل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ ١ بأن الآية لا تتناول إلا من أنكر بقلبه وجحد بلسانه أما من عرف بقلبه أن هذا الحكم حكم الله وأقر بلسانه أنه حكم الله ثم أتى بما يضاده فإنه على ذلك حاكم بما أنزل الله، وإن كان تاركا له فلا يلزمه دخوله تحت هذه الآية واعتباره كافرا، ثم وصف هذا التفسير للآية بأنه ينفي عن الأمة حرجا لا قبل لها به ولا خيرة لها فيه؛ إذ يستطيع القائلون به أن يتعلقوا بقضية العموم في الآية، فيرموا بالكفر حكام أمتنا الذين يستمدون

стр. 1110

القوانين واللوائح والاشتراعات من قوانين عالمية لا صلة لها بالإسلام١. وقال أيضا: "إن حكام البلاد الإسلامية اليوم هم في حالة الضرورة التي تبيح بعض المحظور، على أن يرتقبوا الوقت المناسب حين تكون للأمة قوة تحمي بها تقاليدها وشرائعها ومدنيتها، والإسلام نفسه سلك هذا المسلك فعمل أولا على تكوين العقيدة في الأمة ثم على تكوين شريعتها، والقرآن مكيه ومدنيه يؤيد ذلك"٢!! وبالمناسبة فإنه قال هذا الباطل وهو يتولى منصب وزير الأوقاف ولعله أراد به أن يدق مسمارا يثبت به في منصبه. ولذلك فإن مجلة الدعوة المصرية ردت عليه حينذاك سنة ١٣٧٣هـ بقولها: "كان الشيخ الباقوري في إجابته سياسيا ودبلوماسيا. أكثر منه عالما وفقيها" وقد رد عليه أيضا ردًّا مفحما الأستاذ أحمد محمد جمال في كتابه على مائدة القرآن٣ فاقرأه إن شئت. تعدد الزوجات: وهي من أشهر القضايا والأحكام الشرعية التي كانت ولا تزال ميدان حوار طويل ونقاش وجدل لا ينتهي، ولم يزل المسلمون منذ عهد رسول الله ﷺ يؤمنون بتعدد الزوجات، ويجعلون من أنفسهم مثالا لتطبيقه؛ ١- إعفافا للنفس. ٢- زيادة في النسل. ٣- عدلا بين الزوجات والأولاد. ٤- إعفافا لنساء المؤمنين. لم يزل هذا معتقد المسلمين حتى نبتت فيهم طائفة تأثرت بطريق مباشر

стр. 1111

أو غير مباشر بالغرب، ووجدوا من بين ما وجدوا من فروق مسألة تعدد الزوجات، فطأطأ بعضهم رأسه خجلا كأن في الأمر عيبا خارقا ثم انعطف على النصوص يلتمس فيها مخرجا، ولم تبلغ به درجة الخجل أن ينكر ما هو معلوم من دلالة النص الصريحة ولكنه ذهب يلتمس تأويلا يقيد به تعدد الزوجات فوجدوا في الآية نفسها قيد العدل في إباحة تعدد الزوجات فرأوه سلما سهل المرتقى للتشدد في تطبيقه ومن ثم الدعوة إلى تقييد تعدد الزوجات بشروط ما أنزل الله بها من سلطان. وعلى هذا فقد شكلت في مصر سنة ١٩٢٦م لجنة اقترحت تقييد تعدد الزوجات وقدمت المقترحات لمجلس النواب وبعد مناقشات أعيدت لوزارة العدل لدراستها ثم صدر القانون رقم ٢٥ لسنة ١٩٢٩م منظما لبعض شئون الأسرة خاليا من مقترحات تقييد تعدد الزوجات. إلى أن أصدرت وزارة الشئون الاجتماعية في مصر سنة ١٩٤٥م مشروعا بقانون لعرضه على البرلمان يقضي بتقييد تعدد الزوجات باشتراط إذن القاضي الشرعي الذي في دائرة اختصاصه مكان الزواج، واشتراط أن لا يأذن القاضي إلا بعد الفحص والتحقق من أن سلوكه وأحوال معيشته يؤمن معها القيام بحسن العشرة والإنفاق على أكثر من في عصمته ومن تجب نفقته عليهم من أصوله وفروعه ولم يكتب -والحمد لله- لهذا المشروع النجاح. والذي يهمنا هنا أن مجلة "المجتمع الجديد" طرحت المشروع هذا على شيخ القضاة "عبد العزيز فهمي باشا" وسألته رأيه والذي يهمنا منه أيضا، أنه جاء بتفسير جديد فهو لم يلتمس مخرجا ينفذ منه إلى تبرير هذا المشروع ولكنه جاء بالعجب العجاب وزعم أن الآية: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ ١ تدل على تحريم تعدد الزوجات واقرأ إن شئت قوله: "إن من يتأمل نصوص القرآن الكريم من قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ ١ ثم من قوله في

стр. 1112

موطن آخر: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ ١. يجد أن القرآن الكريم يحرم تعدد الزوجات، وكل ما في الأمر أن صيغة هذا التحريم وردت على عادة القرآن في عبارات هي أقصى ما يمكن من الاستدراج والتلطيف. فإن الآية الأولى، واضح لكل متذوق أنها هزء وسخرية ممن يريد تعدد الزوجات وأن فيها إيكال الأمر لمن يعلم الله أنه لا يستطيع القيام بالأمر، فمخاطبة غير المستطيع بما هو من شأن المستطيع تلك كلها سخرية بالمخاطب: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ . إلى أن زعم: "ثم في ذلك الموطن الآخر عبر هذه الفكرة تعبيرا هو من أشد ما يكون بيانا للواقع الذي يعلمه هو فقال: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ و"لن" كما يقرر النحاة هي أشد أدوات النفي للمستقبل إذ تنفيه نفيا باتا. فالقرآن يسجل بصريح العبارة أن الاستطاعة مستحيلة، أي أن العلة المتوهمة للتصريح بالتعدد لن تتحقق أبدا والمقرر عند الفقهاء من عقليين وحرفيين أنه متى زالت العلة زال المعلول". ثم صرح برأيه فقال: "إذن فرأيي الذي ألي الله عليه هو أني مأمور ديانة بأن أكون من معتنقي مذهب الاقتصار على زوجة واحدة". وصرح بموقفه من المشروع ذاك وذهب إلى أبعد مما ذهب إليه المشروع فقال: "ومن أجل هذا لا أوافق البتة على طريقة المشروع تلك الطريقة التي يراد بها عدم تعدد الزوجات ولكن بسبل ملتوية يراد لها قطع أسباب الاعتراض ممن يظنون أن لهم على خلاف نصوص القرآن الصريحة حق الاعتراض. ومن أجل هذا أرجو ألا تسير الحكومة في مثل هذا المشروع بل تأتي للأمر فتعالجه من

стр. 1113

جذوره بأن تستصدر قانونا ينص دفعة واحدة على تحريم تعدد الزوجات"١. وإني لمتيقن أن انحراف هذا التفسير وإلحاده لا يخفى على ذي أدنى معرفة وأدنى لبٍّ، وأن صاحبه لن ينال من قراءه إلا الهزء والسخرية حتى أولئك الذين يؤيدون فكرته لا أظنهم إلا ويقطعون بفساد تأويله. وأمر تعدد الزوجات وإباحته أمر معلوم من الشريعة كدت أقول بالضرورة فلا حاجة بنا إلى تقرير ذلك وإن كان لنا من حاجة فهي أن نكشف مغالطة الرجل في استدلاله بالآية فهو كاستدلال من يستدل بقوله تعالى: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاة﴾ ويدع ﴿وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ ولو أحسن الاستدلال وأحسن القصد وطلب الحقيقة لأكمل عبد العزيز فهمي -هذا- الآية التي استدل بها فأوردها كاملة هكذا: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ٢. فقوله سبحانه: ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ وقوله: ﴿وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا﴾ وقوله: ﴿غَفُورًا رَحِيمًا﴾ كلها تبين المراد بالعدل والواجب منه بيانا لا يريده أو لا يريد أن يفهمه كذلك الأستاذ عبد العزيز فهمي باشا، ولهذا بتر الآية. أما زعمه أن النحاة قد قرروا أن النفي بلن يفيد التأبيد فهو افتراء على النحاة وليس بمستغرب ممن يفترى على القرآن أن يفتري على النحاة، فلم يقل النحاة أن النفي بـ "لن" نفيٌ باتٌّ إلا الزمخشري قال ذلك ليؤبد النفي في قوله تعالى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ ٣ حتى يستدل بها على إنكار رؤية الله تعالى التي لا يؤمن بها المعتزلة، وأما النحاة سواه فهم على ضد ذلك فقد قال ابن مالك: ومن رأى النفي بلن مؤبدا ... فقوله أرددْ وسواه فاعضدا٤

стр. 1114

هذا ما نرى لزوم ذكره ردا على التأويل الباطل للشيخ عبد العزيز فهمي باشا، وفيما ذكرته الكفاية إن شاء الله أو بعضها. وهذا الشيخ عبد العزيز بن خلف آل خلف، فسر سورة الزلزلة بتفسير لم يقل به أحد من قبله فقال مثلا في تفسير قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا، بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ ١: "اتفق المفسرون على أن الأرض تتحدث بما عمل عليها يوم القيامة، فتشهد على كل أحد بعمله الذي عمله على ظهرها من خير وشر؛ أما في الدنيا فقد تحدثت أيضا بما يعمله أهلها على ظهرها من خير أو شر في كل بقعة على وجه الأرض، ونحن نسمع هذا في كل ساعة ولحظة، فهذه أخبار أمريكا، لندن، مكة، كذا كذا. فتلك حالة مصغرة من تحدثها يوم القيامة إنها لمعجزة من المعجزات الباهرة وقعت ملموسة مطابقة لمحسوس لفظا ومعنى وهو الراديو ومحطاته البرقية وما في معنى ذلك من التليفون وأمثاله كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِه﴾ ٢ فذلك يصدق على واقع ملموس من إذاعات العالم وهذه الجملة تعتبر معجزة مستقلة. فالآية الكريمة -يقصد آية الزلزلة- والخبر الكريم يصدقان على حدوث هذا في الدنيا كما يصدقان على حدوثه في الآخرة؛ لأن الآية والخبر لم يحددا بلفظ صريح أنه في الدنيا فقط ولا أنه في الآخرة فقط، والجملة الأخيرة من كلام الله يعني: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ﴾ الآية تنص على أن ذلك في الدنيا فقط فنحن الآن قد ظهرت لنا معجزة في الدنيا لا تتنافى مع وقوع ذلك في الآخرة وحدثت لأرضنا التي لم تتبدل ليوم القيامة كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ ٣. فأرض الدنيا قد تحدثت فكيف بأرض الآخرة ونعلم علم اليقين بتحدثها في الآخرة ونلمس عين اليقين بتحدثها في الدنيا، فلا منافاة ولا تناقض أنطقها في الدنيا الذي أنطق كل شيء، وأذاع القوم إذاعة صحيحة صريحة مع أن الراديو

стр. 1115

يدخل تحت عموم قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ ١؛ لأنها فتنة معنوية بلا إشكال وقد حصلت به البلوى للسواد الأعظم ولم يكن خاصا بل كان عاما ومن ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه". إلى أن قال في تفسير قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾ التي تتحدث عن عرض الأعمال يوم القيامة فقال المؤلف عنها: "فقوله تعالى: ﴿يَصْدُرُ النَّاسُ﴾ يعني يذهب الناس أشتاتا إلى أعمالهم بجد واجتهاد ونشاط يطلبون فيه مقاصد ومشارب متباينة من الأعمال الدنيوية التي لا حد لها، وهذا يعتبر في أرض العرب بلا إشكال أنه من حوادث آخر الزمان حيث كانت أرض العرب مسرحا للبادية الرحل والمواشي من جميع الأصناف حياتهم بحياة البهائم غالبا وموتهم جوعا بموت البهائم وأن هذا الانقلاب الذي وعد الله به لكبير وعظيم وقعه ونتائجه، فبعد ما ذكر الله الزلزلة، وإخراج الأرض كنوزها، وتحدث الأرض من أطرافها، فإن الناس في ذلك الوقت يصدرون أشتاتا في كل صباح ومساء لأعمالهم وأرزاقهم كما تصدر المواشي لأرزاقها فيما ترون في وقت نزول القرآن، ليُرَوْا "بالضم" يريهم أهل الأعمال أعمالهم "وبالفتح" ليَرَوه بأعينهم أي ليروا عملهم ونتائجه: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ من مؤمن يرى عقوبته في الدنيا في نفسه وماله وولده حتى يخرج من الدنيا وليس له عن الله شر. انتهى، فهذا من التأويل الديني ولكنه أيضا هو في الدنيا ولا منافاة بين الجميع ولا مانع والحالة هذه من الاستنباط من كنوز القرآن والسنة وعدم التقيد بتفسير واحد أو تأويل واحد أو تقيده بأمور الدنيا أو أمور الآخرة ما لم يقيده نص صادق ثابت. وهنا استنباط يمكن أن يقال له حق في ذلك وهو قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ

стр. 1116

يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾ هو ما حدث من التلفزيون فإن عمل العامل فيه يرى في كل بقعة توصل إليها التلفزيون وكذلك السينما؛ فإنها تعرض على الإنسان عمله، وهذه معجزة من معجزات القرآن واستنباط واقعي ملموس؛ فإن السينما تعرض المرء بعمله على الناس وعلى نفسه بحركاته وسكناته ونطقه وغير ذلك، فأي عمل عمله الإنسان ولو مثقال ذرة من خير أو شر يراه ويراه غيره كاملا غير منقوص. والله تعالى أعلم وأحكم"١. ويظهر لي أن الذي دفع الشيخ عبد العزيز إلى هذا التأويل حرصه على جذب الناس إلى الإيمان وتقريب الأخبار إلى الأذهان ولكن أخطأ السبيل وضل في التأويل غفر الله لنا وله. ومن ذلك أيضا سلسلة من التفسير نشرها حسين صالح مسيبلي في جريدة المدينة المنورة بعنوان: "القرآن والعلم" حشاها حشوا بالتفاسير المنحرفة فمن ذلك تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَب﴾ ٢. حيث قال: "الغاسق: إنه حبل المطاط الذي في أحشائه السلك الكهربائي الذي يحمل موجات من النار كالبحر المرتطم بالصخور نيرانا حمراء تشبه شفق الغسق المدلج الذي خلَّفته الشمس وراءها والمتستر بالليل المكسورة أسلاكه والتي هي أشعة الشمس بسواد الليل، وهذا الحبل المطاط المسمى "غاسق" في باطنه تلك القوى الكهربائية ذات التيارات النارية والنورية العظمى"٣. أما العاديات في قوله تعالى: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾ ش٤ ففسرها مسيبلي بقوله: "قسم غيبي يدعو الناس لينظروا تلك العاديات في الطرق الشاسعة وهم على ظهورها المريحة الهادئة مطمئني النفوس رغم سرعة سيرها في طريقها النقعي

стр. 1117

وقد ملأت الجو ضجيجا ضابحا بأصوات محركاتها الصاخبة المصمة للآذان والمرجفة للأفئدة، فالعاديات هي السيارات المنطلقة بعامل الوقود المشتعل في أحشائها، والتي توري به قدحا مضيئا في طريقها: ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾ . أما: ﴿فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا﴾ ١ فزعم: "ذلك القدح المضيء إشراقا جعلن به الصبح مغيرا، فطلع كئيبًا كسيفًا؛ لأن العاديات الموريات القدح قد استغنين عنه وعن إشراقه نوره فهن مواصلات سيرهن سواء ظهر أم لم يظهر ولهذا داخلته الغيرة لوجود منافس أرضي خطير٢. وفي تفسيره كثير من نحو هذا التفسير، نسأل الله لنا وله الهداية. ومن هذا ما كتبه رجل دفعه حب التجديد المزيف إلى أن يساير روح الإلحاد كما قال الشيخ محمد حسين الذهبي رحمه الله تعالى٣، فراح يتأول آيات الحدود بما يوافق هواه وهوى أصحابه، فاتجه أول ما اتجه إلى حدي السرقة والزنا معرضا بوجهه عن إجماع المسلمين عليهما فقال: "فهل لنا أن نجتهد في الأمر الوارد في حد السرقة وهو قوله تعالى: ﴿فَاقْطَعُوا﴾ والأمر الوارد في حد الزنا وهو قوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوا﴾ فنجعل كلا منهما للإباحة لا للوجوب ويكون الأمر فيهما مثل الأمر في قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ ٤ فلا يكن قطع يد السارق حدا مفروضا لا يجوز العدول عنه في جميع حالات السرقة بل يكون القطع في السرقة هو أقصى عقوبة فيها، ويجوز العدول عنه في بعض الحالات إلى عقوبة أخرى رادعة ويكون شأنه في ذلك شأن كل المباحات التي تخضع لتصرفات ولي الأمر وتقبل التأثر بظروف كل زمان ومكان، وهكذا الأمر في حد الزنى سواء

стр. 1118

أكان رجما أم جلدا"١، ٢. ولا أحسب أن مثل هذا الزعم بحاجة إلى الرد عند من أوتي مسحة من علم، فكيف عند أهل العلم ومع هذا فقد كفانا مؤنة الرد عليه شيخان فاضلان أولهما الشيخ محمد الخضر حسين١، وثانيهما الشيخ محمد حسين الذهبي٢ فجزاهما الله خيرا، ولا نرى موجبا لنقل ردودهما الطويلة فالحق أحسبه هنا بين واضح. ومن أصحاب هذا اللون المنحرف في التفسير المدعو الطاهر الحداد في كتابه "امرأتنا في الشريعة والمجتمع" الذي نشره في تونس وأحدث ضجة كالضجة التي أحدثها كتاب قاسم أمين "المرأة الجديدة" وكتابه "تحرير المرأة" في مصر. والكتاب مليء بالتحريفات والتأويلات الباطلة وأنكر فيه ما هو معلوم من الدين بالضرورة وكاد الكتاب هذا أن يزهق لولا أن أخرجه للناس من جديد طائفة يسعون لنشر أفكاره وسيزهق إن شاء الله ويزهقون. ومن تأويلاته الباطلة تأويله لقوله تعالى أمرا للمؤمنات: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ الآية٣ فقال: "ولله هذا القرآن العظيم في إبهامه ما ظهر من الزينة دون أن يعين مواقعه من ذات المرأة اعتبارا منه لأعراف الناس في ذلك بتطور الحياة. من هذا يظهر أن الحجاب الذي نقرره على المرأة كركن من أركان الإسلام؛ سواء في مكثها بالمنزل أو وضع النقاب على وجهها ليس من المسائل التي يسهل إثباتها في الإسلام بل ظاهر الآية يرشد إلى نفيه لما في ذلك من الحرج المضني"٤.

стр. 1119

وتحدث عن آيات الميراث وميراث المرأة على الخصوص ثم عقب قائلا: "وقد علل الفقهاء نقص ميراثها عن الرجل بكفالته لها، ولا شيء يجعلنا نعتقد خلود هذه الحالة دون تغيير"١ وقال: "وفيما أرى أن الإسلام في جوهره لا يمانع في تقرير هذه المساواة من كامل وجوهها متى انتهت أسباب التفوق وتوفرت الوسائل الموجبة"٢. أما تعدد الزوجات فقال عنه: "ليس لي أن أقول بتعدد الزوجات في الإسلام؛ لأنني لم أر للإسلام أثرا فيه وإنما هو سيئة من سيئات الجاهلية الأولى"٣. وقد كفانا مؤنة الرد على هذه التأويلات الباطلة فضيلة الشيخ محمد الخضر حسين رحمه الله تعالى الذي رد على هذا الكتاب ردا مفحما جعل عنوانه: "كتاب يلحد في آيات الله"٤. وهناك آخرون وآخرون باعوا دينهم بدنياهم فألحدوا في آياتٍ ابتغاء عرض يصيبونه أو منصب يتولونه، فخسروا الدنيا والآخرة. ولا ننكر أن منهم من دفعه الحرص على التجديد فانجرف وانحرف وأخطأ الطريق وضل السبيل، وأمرهم لله الذي يعاملهم بنياتهم ولكل امرئ ما نوى. ولعلي بعد هذا أذكر نموذجا موسعا لأحد التفاسير الكاملة للقرآن الكريم والتي امتلأت بالإلحاد والضلال.

стр. 1120

الهداية والعرفان في تفسير القرآن بالقرآن: أولا- المؤلف: هو: محمد أبو زيد. أحمد الله أني لم أجد له ترجمة ولا ذكرا بعد بحث وتنقيب شديدين حتى اسمه كان يقع فيه اختلاف لولا أن كتابه بين يدي وعليه اسمه. وكل ما عرفت عنه ما ذكره الأستاذ جمال البنا عنه، حيث قال: إنه التحق مدة بالأزهر ومدة أخرى بدار الدعوة والإرشاد التي كان قد أسسها بالقاهرة الشيخ رشيد رضا وأصدر عددا من الأبحاث اتسمت بالجرأة سواء كانت هذه الجرأة طلبا للشهرة أو انعكاسا لفكره واجتهاده، فأصدر كتيبا باسم "الزواج المدني" أنكر فيه التسري وملك اليمين. وأخيرا في الفترة ما بين ١٣٤٧-١٣٤٩هـ "١٩٣٠-١٩٣١م" أصدر كتابه "الهداية والعرفان في تفسير القرآن بالقرآن، والكتاب ليس لدينا؛ لأنه صودر وأعدم في حينه"١. هذا ما قاله الأستاذ جمال البنا، أما اسم صاحب هذا التفسير كما جاء على كتابه فهو "محمد أبو زيد" ومع الأسف أن صاحبه يذكر أنه ألفه بعد بلوغه الأربعين من عمره!! فإذا كان قد صدر سنة ١٣٤٩ تكون ولادته سنة ١٣٠٩ تقريبا. ثانيا- الكتاب: واسمه كما جاء على غلافه "الهداية والعرفان في تفسير القرآن بالقرآن". ويقع في مجلد واحد ضمنه القرآن الكريم كاملا وجعل تفسيره في هوامشه. وهو تفسير مختصر جدا كثيرا ما يكتفي صاحبه بالإحالة لتفسير آية على آية أو آيات أخرى يذكر أرقامها.

стр. 1121

وقد أحدث هذا التفسير عند صدوره ضجة كبرى وإنكارا شديدا من شيوخ الأزهر فألفت لجنة من العلماء؛ لتنظر في هذا الكتاب وتحكم عليه ورفعت اللجنة تقريرها إلى شيخ الأزهر ووصفوا المؤلف بأنه: "أفاك خراص، اشتهى أن يعرف فلم ير وسيلة أهون عليه وأوفى بغرضه من الإلحاد في الدين بتحريف كلام الله عن مواضعه؛ ليستفز الكثير من الناس إلى الحديث في شأنه وترديد سيرته"١. وصدر الحكم بمصادرة الكتاب كما رفعت دعوى على الرجل أمام إحدى المحاكم فحكمت ابتدائيا بكفره وارتداده وتغير الحكم النهائي بعد أن أعلن توبته وإنابته٢. وقد أصدرت جمعية حياة الإسلام بدمنهور في شهر ذي الحجة سنة ١٣٤٩ -أي بعد صدور الكتاب بخمسة أشهر تقريبا- كتابا بعنوان "تنوير الأذهان وتبصرة أهل الإيمان في الرد على كتاب أبي زيد المسمى الهداية والعرفان في تفسير القرآن بالقرآن". والكتاب كما ذكر كل من كتب عنه مصادر والحمد لله، وغالب من كتب عنه بعد ذلك، إنما اعتمد على التقارير التي كتبت عنه مطالبة بمصادرته وقد تمكنت والحمد لله -الذي لا يحمد على مكروه سواه- من الحصول على نسخة من هذا التفسير. منهجه في التفسير: بدأ المؤلف تفسيره باتهام المفسرين بالدس والحشو فقال: "وقد بلغ الدس والحشو في التفاسير أنك لا تجد أصلا من أصول القرآن إلا وتجد بجانبه رواية موضوعة لهدمه وتبديله والمفسرون قد وضعوا هذا في كتبهم من حيث

стр. 1122

لا يشعرون، وقد جعلوا الاصطلاحات والمذاهب الفقهية والكلامية أصولا حكموها في القرآن وأنزلوه عليها حتى صار ميدانا للجدل وأصبح غير صالح للحياة بما حملوه من الأثقال وبما وضعوا فيه من الجهود والعراقيل ووسائل التفريق والشقاق، فهدايته فقدت بالمجادلات في الألفاظ والمذاهب، ومعانيه ومقاصده ضاعت بالروايات الناسخة والتفسيرات المتحجرة العقيمة ولم يخلُ تفسير من هذا؛ لأن المفسرين يقلد بعضهم بعضا"١. ثم وضح طريقته في التفسير فقال: "فهذا كله دعاني إلى تفسيري وأن تكون طريقتي فيه كشف معنى الآية وألفاظها بما ورد في موضوعاتها من الآيات والسور، فيكون من ذلك العلم بكل مواضيع القرآن، ويكون القرآن هو الذي يفسر نفسه كما أخبر الله، ولا يحتاج إلى شيء من الخارج غير الواقع الذي ينطبق عليه ويؤيده من سنن الله في الكون ونظامه في الاجتماع. وقد اخترت أن يكون على عدد الآيات في المصحف لتبقى الهداية بالترتيب الذي اختاره الله، وليمكن للباحث عن معنى الآية أن يلاحظ سياقها، فيقرأ ما سبقها وما لحقها من الآيات؛ ليكون على علم تام وهداية واعظة"٢. ثم زعم أن هذه الطريقة في التفسير هي سنة الرسول ﷺ وطريقته، فقال: "فهذه كانت سنة الرسول ﷺ ، أي طريقته في القرآن وهي الحكمة المذكورة في قول الله: ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَة﴾ ، راجع [البقرة: ١٥١] . فالكتاب هو القانون الجامع لمواد الأحكام وإن شئت فقل إن الكتاب دستور فيه كل شيء من أصول القوانين وهو المرجع لأهل التشريع في كل عصر فيما يتجدد من الحوادث"٣.

стр. 1123

وقد أدرك أن كتابه هذا سيجابه بالرفض والطعن، فقال في مقدمة تفسيره هذا: "ومن الغريب أن يكون لنا في القرآن هذه المزايا ونعرض عنه ولا نتمسك به، ثم الأغرب أننا نتفرق فيه فإذا رأى بعضنا رأيا أو فهم فهمًا انقض عليه المخالفون باللعن والطعن ولقد كان هذا التفرق من أعظم الأسباب التي خذلت المسلمين وجعلتهم مملوكين لغيرهم"١. ثم أظهر هدفه السييء الذي يربأ المسلمون بالقرآن الكريم أن ينزلوه هذه المنزلة التي يريدها هذا الملحد الذي قال: "والواجب أن يفهم المسلمون أن القرآن شائع مشترك بين الناس وأن من آياته الدالة على أنه من عند الله اتساعه للأفهام وتحمله لاختلاف الآراء، والأنظار في كل زمن وهذا معنى أنه متشابه أي أنه من تعدد المعنى يتشابه ويختلف على الناظرين"١. ولا شك أن إباحة تناول تفسير القرآن الكريم لكل من هب ودب ممن أوتي علما وممن لم يؤت علما ومن الصالح والفاسد هوالذي أدخل في تفسير القرآن الكريم ما ليس منه وما هذا التفسير الذي ألفه هذا الدعي للعلم وأهله إلا نتيجة لتجرؤ من ليسوا أهلا لتفسير القرآن على تفسيره فهل يريد إلحادا أكثر من إلحاده. وقد نظرت في تفسيره بل في إلحاده، فوجدت أنه يقوم على قواعد التزمها في إلحاده استطعت أن أضبط منها: أولا: إنكار التفسير بالسنة عنوان هذا التفسير الهداية والعرفان في تفسير القرآن يشعر إذا أضيفت إليه قرائن أخرى أن صاحبه لا يعتد بالتفسير بالسنة، بله أقوال الصحابة والتابعين. يشعر بهذا قول المؤلف في مقدمة تفسيره -ما نقلناه آنفا- ومنه قوله: "ويكون القرآن هو الذي يفسر نفسه كما أخبر الله ولا يحتاج إلى شيء من الخارج

стр. 1124

غير الواقع الذي ينطبق عليه ويؤيده من سنن الله في الكون ونظامه في الاجتماع"١. فإذا ما احتججت عليه بقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ ٢. ألحد في تأويلها وزعم أن المراد بقوله تعالى: ﴿مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ من الكتب السابقة، فالقرآن جامع لها وداعٍ إليها"٣. فإن استشهدت بقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ٤ أجابك هذا الملحد بتأويله لهذه الآية، حيث يقول: ﴿عَنْ أَمْرِهِ﴾ يفيدك أن المخالفة المحذورة هي التي تكون للإعراض عن أمره. وأما التي تكون للرأي والمصلحة فلا مانع منها، بل هي من حكمة الشورى"٥. ومثل هذا لا يجهد الإنسان نفسه في جداله ما دام منطقه المغالطة واللغو الذي لا يستند إلى كتاب أو سنة. لهذا فلا عجب أن يعرض عن تفسير القرآن بما ورد عن الرسول ﷺ ، فقد ورد عنه ﷺ بيان المغضوب عليهم والضالين في سورة الفاتحة بأنهم اليهود والنصارى، لكن المؤلف هنا يقول: ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ المعاندين الذين يكرهون الحق ﴿الضَّالِينَ﴾ التائهين عن الحق"٦. وكذا الصلاة الوسطى في قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ ٧، فقد روى أحمد ومسلم وأبو داود مرفوعا: "شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر"، لكنه يقول في تفسيرها: "الوسطى خيرها وأقومها مؤنث الأوسط"٨.

стр. 1125

وكلمة التقوى في قوله تعالى: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾ ١. ورد تفسيرها في السنة بأنها: "لا إله إلا الله"٢. وأعرض محمد أبو زيد عن هذا التفسير وقال: كلمة "التقوى"، أي الكلمة التي تقيهم الوقوع في الشر والضرر والغرض أنهم كانوا حكماء فيما عملوا في مقابلة حرارة الخصوم حميتهم الجاهلية"٣؟!. وكثيرة الأمثلة التي تثبت إعراضه عن التفسير بالمأثور عن الرسول ﷺ للقرآن الكريم، ولا شك أن القرآن نفسه -لو كان هذا يفقه- يعلن أن محمد ﷺ هو المبين له: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ٤، وقوله سبحانه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ٥. ثانيا: إنكار المعجزات وهذا هو البحر المتلاطم الأمواج في هذا التفسير؛ إذ إنه يبدو للمتأمل أن صاحب هذا التفسير قد بذل جهده في إنكار المعجزات كلها وتأويلها تأويلا باطلا حتى لكأنه إنما ألفه لهذا الهدف دون سواه. والنصوص في إنكار المعجزات في هذا التفسير كثيرة نذكر منها على سبيل المثال قوله: "وبعد هذا تعلم أن الله ينادي الناس بأنهم لا ينبغي أن ينتظروا من الرسول آية على صدقه في دعوته غير ما في سيرته ورسالته"٦. وقال في موضع آخر: "واعلم أن آيات الله في نصر أنبيائه لا تناقض سنته في خلقه وكونه"٧.
следующие страницы →