← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 8679

اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر

فهد الرومي

Полный текст (1 278 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

وقد أحدث هذا التفسير عند صدوره ضجة كبرى وإنكارا شديدا من شيوخ الأزهر فألفت لجنة من العلماء؛ لتنظر في هذا الكتاب وتحكم عليه ورفعت اللجنة تقريرها إلى شيخ الأزهر ووصفوا المؤلف بأنه: "أفاك خراص، اشتهى أن يعرف فلم ير وسيلة أهون عليه وأوفى بغرضه من الإلحاد في الدين بتحريف كلام الله عن مواضعه؛ ليستفز الكثير من الناس إلى الحديث في شأنه وترديد سيرته"١. وصدر الحكم بمصادرة الكتاب كما رفعت دعوى على الرجل أمام إحدى المحاكم فحكمت ابتدائيا بكفره وارتداده وتغير الحكم النهائي بعد أن أعلن توبته وإنابته٢. وقد أصدرت جمعية حياة الإسلام بدمنهور في شهر ذي الحجة سنة ١٣٤٩ -أي بعد صدور الكتاب بخمسة أشهر تقريبا- كتابا بعنوان "تنوير الأذهان وتبصرة أهل الإيمان في الرد على كتاب أبي زيد المسمى الهداية والعرفان في تفسير القرآن بالقرآن". والكتاب كما ذكر كل من كتب عنه مصادر والحمد لله، وغالب من كتب عنه بعد ذلك، إنما اعتمد على التقارير التي كتبت عنه مطالبة بمصادرته وقد تمكنت والحمد لله -الذي لا يحمد على مكروه سواه- من الحصول على نسخة من هذا التفسير. منهجه في التفسير: بدأ المؤلف تفسيره باتهام المفسرين بالدس والحشو فقال: "وقد بلغ الدس والحشو في التفاسير أنك لا تجد أصلا من أصول القرآن إلا وتجد بجانبه رواية موضوعة لهدمه وتبديله والمفسرون قد وضعوا هذا في كتبهم من حيث

стр. 1122

لا يشعرون، وقد جعلوا الاصطلاحات والمذاهب الفقهية والكلامية أصولا حكموها في القرآن وأنزلوه عليها حتى صار ميدانا للجدل وأصبح غير صالح للحياة بما حملوه من الأثقال وبما وضعوا فيه من الجهود والعراقيل ووسائل التفريق والشقاق، فهدايته فقدت بالمجادلات في الألفاظ والمذاهب، ومعانيه ومقاصده ضاعت بالروايات الناسخة والتفسيرات المتحجرة العقيمة ولم يخلُ تفسير من هذا؛ لأن المفسرين يقلد بعضهم بعضا"١. ثم وضح طريقته في التفسير فقال: "فهذا كله دعاني إلى تفسيري وأن تكون طريقتي فيه كشف معنى الآية وألفاظها بما ورد في موضوعاتها من الآيات والسور، فيكون من ذلك العلم بكل مواضيع القرآن، ويكون القرآن هو الذي يفسر نفسه كما أخبر الله، ولا يحتاج إلى شيء من الخارج غير الواقع الذي ينطبق عليه ويؤيده من سنن الله في الكون ونظامه في الاجتماع. وقد اخترت أن يكون على عدد الآيات في المصحف لتبقى الهداية بالترتيب الذي اختاره الله، وليمكن للباحث عن معنى الآية أن يلاحظ سياقها، فيقرأ ما سبقها وما لحقها من الآيات؛ ليكون على علم تام وهداية واعظة"٢. ثم زعم أن هذه الطريقة في التفسير هي سنة الرسول ﷺ وطريقته، فقال: "فهذه كانت سنة الرسول ﷺ ، أي طريقته في القرآن وهي الحكمة المذكورة في قول الله: ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَة﴾ ، راجع [البقرة: ١٥١] . فالكتاب هو القانون الجامع لمواد الأحكام وإن شئت فقل إن الكتاب دستور فيه كل شيء من أصول القوانين وهو المرجع لأهل التشريع في كل عصر فيما يتجدد من الحوادث"٣.

стр. 1123

وقد أدرك أن كتابه هذا سيجابه بالرفض والطعن، فقال في مقدمة تفسيره هذا: "ومن الغريب أن يكون لنا في القرآن هذه المزايا ونعرض عنه ولا نتمسك به، ثم الأغرب أننا نتفرق فيه فإذا رأى بعضنا رأيا أو فهم فهمًا انقض عليه المخالفون باللعن والطعن ولقد كان هذا التفرق من أعظم الأسباب التي خذلت المسلمين وجعلتهم مملوكين لغيرهم"١. ثم أظهر هدفه السييء الذي يربأ المسلمون بالقرآن الكريم أن ينزلوه هذه المنزلة التي يريدها هذا الملحد الذي قال: "والواجب أن يفهم المسلمون أن القرآن شائع مشترك بين الناس وأن من آياته الدالة على أنه من عند الله اتساعه للأفهام وتحمله لاختلاف الآراء، والأنظار في كل زمن وهذا معنى أنه متشابه أي أنه من تعدد المعنى يتشابه ويختلف على الناظرين"١. ولا شك أن إباحة تناول تفسير القرآن الكريم لكل من هب ودب ممن أوتي علما وممن لم يؤت علما ومن الصالح والفاسد هوالذي أدخل في تفسير القرآن الكريم ما ليس منه وما هذا التفسير الذي ألفه هذا الدعي للعلم وأهله إلا نتيجة لتجرؤ من ليسوا أهلا لتفسير القرآن على تفسيره فهل يريد إلحادا أكثر من إلحاده. وقد نظرت في تفسيره بل في إلحاده، فوجدت أنه يقوم على قواعد التزمها في إلحاده استطعت أن أضبط منها: أولا: إنكار التفسير بالسنة عنوان هذا التفسير الهداية والعرفان في تفسير القرآن يشعر إذا أضيفت إليه قرائن أخرى أن صاحبه لا يعتد بالتفسير بالسنة، بله أقوال الصحابة والتابعين. يشعر بهذا قول المؤلف في مقدمة تفسيره -ما نقلناه آنفا- ومنه قوله: "ويكون القرآن هو الذي يفسر نفسه كما أخبر الله ولا يحتاج إلى شيء من الخارج

стр. 1124

غير الواقع الذي ينطبق عليه ويؤيده من سنن الله في الكون ونظامه في الاجتماع"١. فإذا ما احتججت عليه بقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ ٢. ألحد في تأويلها وزعم أن المراد بقوله تعالى: ﴿مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ من الكتب السابقة، فالقرآن جامع لها وداعٍ إليها"٣. فإن استشهدت بقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ٤ أجابك هذا الملحد بتأويله لهذه الآية، حيث يقول: ﴿عَنْ أَمْرِهِ﴾ يفيدك أن المخالفة المحذورة هي التي تكون للإعراض عن أمره. وأما التي تكون للرأي والمصلحة فلا مانع منها، بل هي من حكمة الشورى"٥. ومثل هذا لا يجهد الإنسان نفسه في جداله ما دام منطقه المغالطة واللغو الذي لا يستند إلى كتاب أو سنة. لهذا فلا عجب أن يعرض عن تفسير القرآن بما ورد عن الرسول ﷺ ، فقد ورد عنه ﷺ بيان المغضوب عليهم والضالين في سورة الفاتحة بأنهم اليهود والنصارى، لكن المؤلف هنا يقول: ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ المعاندين الذين يكرهون الحق ﴿الضَّالِينَ﴾ التائهين عن الحق"٦. وكذا الصلاة الوسطى في قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ ٧، فقد روى أحمد ومسلم وأبو داود مرفوعا: "شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر"، لكنه يقول في تفسيرها: "الوسطى خيرها وأقومها مؤنث الأوسط"٨.

стр. 1125

وكلمة التقوى في قوله تعالى: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾ ١. ورد تفسيرها في السنة بأنها: "لا إله إلا الله"٢. وأعرض محمد أبو زيد عن هذا التفسير وقال: كلمة "التقوى"، أي الكلمة التي تقيهم الوقوع في الشر والضرر والغرض أنهم كانوا حكماء فيما عملوا في مقابلة حرارة الخصوم حميتهم الجاهلية"٣؟!. وكثيرة الأمثلة التي تثبت إعراضه عن التفسير بالمأثور عن الرسول ﷺ للقرآن الكريم، ولا شك أن القرآن نفسه -لو كان هذا يفقه- يعلن أن محمد ﷺ هو المبين له: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ٤، وقوله سبحانه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ٥. ثانيا: إنكار المعجزات وهذا هو البحر المتلاطم الأمواج في هذا التفسير؛ إذ إنه يبدو للمتأمل أن صاحب هذا التفسير قد بذل جهده في إنكار المعجزات كلها وتأويلها تأويلا باطلا حتى لكأنه إنما ألفه لهذا الهدف دون سواه. والنصوص في إنكار المعجزات في هذا التفسير كثيرة نذكر منها على سبيل المثال قوله: "وبعد هذا تعلم أن الله ينادي الناس بأنهم لا ينبغي أن ينتظروا من الرسول آية على صدقه في دعوته غير ما في سيرته ورسالته"٦. وقال في موضع آخر: "واعلم أن آيات الله في نصر أنبيائه لا تناقض سنته في خلقه وكونه"٧.

стр. 1126

وقال أيضا: "إن كل الرسل رميت آياتهم بأنها سحر وقد كانت كل آياتهم حججا وبراهين من سيرتهم ورسالتهم فلا يمكن أن يأتوا بدليل على صدقهم من غير الدعوة نفسها"١. وقال أيضا: "وإن آيتهم على صدق دعوتهم لا تخرج عن حسن سيرتهم وصلاح رسالتهم وإنهم لا يأتون بغير المعقول ولا بما يبدل سنة الله ونظامه في الكون"٢. هذه بعض أقواله في إنكار معجزات الأنبياء إجمالا، ثم أنكرها بعد ذلك آحادا وأولها تأويلا لا يقوم على دليل، من الكتاب أو من السنة أو من اللغة. معجزات إبراهيم ﵇: فمن ذلك مثلا أن قوم إبراهيم ﵇ أوقدوا له نارا وألقوه فيها ﴿وَقَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ﴾ فجاءت المعجزة الإلهية: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ ٣، ومعنى الآية ظاهر واضح لكن محمد أبو زيد هذا ألحد في تفسير الآية وباقي القصة أن الله نجاه بالهجرة وخيب تدبيرهم"٤. وعلى هذا فعنده أن ابراهيم ﵇ لم يلق في النار ولم تكن بردا وسلاما على إبراهيم، ولا أظنه يجهل أن من أنواع الإيجاز إيجاز الحذف وهو حذف ما يستغنى عنه بذكر ما يستلزمه ولا يستقر معناه في ذهن السامع إلا بتقديره، والبلاغيون يضربون لذلك مثلا بقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَة﴾ ٥، أي واسأل أهل القرية، المحذوف في الآية موضع البحث هنا هي كلمة "فَأَلْقَوْهُ" لأن السياق يستلزمها. قال تعالى: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ

стр. 1127

فَاعِلِينَ، قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ ١، والتقدير فألقوه، فـ: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ﴾ ... الآية، ولا أظنه يجهل هذا؛ إذ لو كان الأمر كذلك لاستقام تفسيره في غيرها من المعجزات ولكنه ذهب يؤولها بما ينكرها به كلها. معجزة داود ﵇: وقد سخر الله لداود ﵇ الجبال يسبحن معه والطير، فقال عز شأنه: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾ ٢، وقد أنكر محمد أبو زيد المعنى المتبادر من ﴿يُسَبِّحْنَ﴾ وصرفه إلى معنى آخر لغير قرينة، فقال: "يسبحن: يعبر عما تظهره الجبال من المعادن التي كان يسخرها داود في صناعته الحربية"٣ ولا أدري لم كان هذا مزية لداود ﵇ مع أن الناس في القديم والحديث يستخرجون المعادن من الجبال؛ فأي مزية لداود ﵇ في هذا؟ فإن أراد أن الجبال هي التي تظهره من غير كسب ابن آدم وجهده فهي معجزة لا تقل عن الأولى لكنه لا يريد هذا ولا ذاك. معجزات سليمان ﵇: وما دام حديثنا هنا في سورة الأنبياء ﵈، فلننظر إنكاره العجيب للمعجزة التي أوتيها سليمان ﵇، فقد جاء في هذه السورة قوله تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ﴾ ٤، قال تفسيرا عجيبا: "تجري بأمره: الآن تجري بأمر الدول الأوروبية وإشارتها في التلغرافات والتليفونات الهوائية"٥، ولا تعليق على هذا التفسير؛ لأن المغايرة بين التفسير والمفسر لا تخفى، إلا التعليق بأنه أراد أن ينكر هذه المعجزة بأية وسيلة. وكذا تعليم الله لسليمان ﵇ منطق الطير

стр. 1128

وتحدث سليمان ﵇ بهذه النعمة وشكر الله عليها: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ ١. ولكن محمد أبو زيد ينكر أن يكون هذا فضلا لسليمان ﵇، فيزعم أن: "كل من يربي الطير ويؤلفه يمكنهم أن يتعلموا منطقه، وماذا يريد، ويمكنهم أن يستعملوه في الرسائل وغيرها"٢، وتنزلا مع منطق هذا المنكر نقول: إن من تعلم لغة طير واحد أو استعمل نوعا من الطير في الرسائل لجهات معينة محدودة لا يصح أن يوصف بأنه تعلم منطق الطير على الإطلاق، فيبقى هذا خاصا بسليمان ﵇، لكن محمد أبو زيد يرفض هذا ولأجله صرف كل معنى يدل عليه. فالنملة التي تحدثت مع سليمان ﵇ مع أنها ليست طيرا، إلا أن محمد أبو زيد يقول: "نملة: قبيلة، من النمل: قبائل الوادي"٣، وصرف لفظة النمل عن معناها الصحيح إلى أنها اسم قبيلة حتى لا يكون في الأمر عجبا ويكون أمرا مألوفا لا يبعد عن ذهنه القاصر، وكذا صرف حديث الهدهد مع سليمان عن حقيقته أو الهدهد نفسه عن أن يكون طائرا، فقال: "الهدهد: اسم طائر، فهل يكون من ذوي الجناحين ويكون كلامه كناية عما يحمل من الرسائل، أم من الخيالة: السواري، أو: الطيارين الآخرين"٤؟! ولا ندري ماذا يقصد بالطيارين الآخرين والمهم في كل هذه التأويلات التي أوردها أنه أراد أن يصرفها عن أن تكون معجزة لسليمان ﵇. ولم يترك هذا الرجل لسليمان ﵇ أي أمر خارق للعادة حتى إحضار عرش ملكة سبأ إليه صرفه عن معناه الحقيق إلى معنى آخر، ففي قوله تعالى: ﴿قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ، قَالَ

стр. 1129

قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ، قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ ١. فقال في تفسيرها: "بعرشها: بملكها، يريد أن يضع خطط الحرب ونظام الدخول في البلاد فطلب الخريطة التي فيها مملكة سبأ؛ ليهاجمها ويريها أنه جاد غير هازل، ﴿عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ أحد القواد ويظهر أنه لم يفهم أن المسألة علمية جغرافية تحتاج إلى الذي عنده علم، ﴿مِنَ الْكِتَابِ﴾ من الكتابة والرسم والخطيط، ﴿قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ الغرض أنه يأتي به حالا، وقد أتى به، ويحتمل أنه رسمه في الحال أو كان عنده مرسوما. ولو كان عهد الفتوغرافيا قديما لصح أن يكون ذلك الرسم بها، وترى أن سليمان يشكر الله على ما في مملكته من العلماء العاملين في كل فن"٢. ومن هذا ترى أن المؤلف صرف لفظ العرش عن مدلوله الحقيقي إلى معنى آخر وهو خارطة مملكة سبأ، لكنه لم يشر من قريب أو من بعيد إلى معنى قول سليمان، ﵇: ﴿نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا﴾ الآية ٣ هل أراد أن ينكر الخارطة!! وما الفائدة من تنكير الخارطة الذي إن دل على شيء فإنما يدل على قصور في معرفة بلاد العدو، وذلك صفة ضعف لا صفة قوة مع أنه لا صلة بين العرش والخارطة إلا عند ذوي المآرب، ومآربه لا تخفى لكنه سلك طريقا مهلكا مكشوفا للأنظار. معجزات موسى ﵇: ومعجزات موسى ﵇ أوَّلَها كما أول غيرها من المعجزات بما يبطلها، فقال مثلا عن قوله تعالى عن موسى ﵇: ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ

стр. 1130

فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ، وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِين﴾ ١ "مثال من قوة حجته وظهور برهانه"٢ وهو يريد بهذا إنكار هاتين المعجزتين كما أنكر معجزاته الأخرى كضرب الحجر بعصاه وخروج عيون الماء وذلك في قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ ٥ حيث قال: ﴿اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ﴾ اطرقه واذهب إليه ﴿فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ هذا بيان لحالة البحر، يصوره لك بأنه مناطق بينها طرق ناشفة يابسة، راجع [الأعراف: ١٦٠] ثم راجع [طه: ٧٧، ٧٨] لتعرف كيف اهتدى إلى طريق يبس مر منه٦" ولا ندري كيف يعلل مرور موسى ﵇ ومن معه وغرق فرعون ومن معه كيف كان هذا الطريق يبسا عند مرور موسى ﵇ ثم انقلب بحرا متلاطم الأمواج يغرق فيه فرعون ومن معه إن هذه وحدها لمعجزة إلهية في حفظ الله تعالى لنبي من أنبيائه حسبك بانفراج البحر عن طريق يبس بعد أن ضربه موسى ﵇ امتثالا لأمر ربه. معجزات عيسى ﵇: وأول أمره ﵇ أنه كلم الناس في المهد قال تعالى عن

стр. 1131

عيسى ﵇: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ ١ لكن محمد أبو زيد يحرف التفسير فيقول: ﴿فِي الْمَهْدِ﴾ : في دور التمهيد للحياة وهو دور الصبا -علامة على الجرأة وقوة الاستعداد في الصغر " ﴿وَكَهْلًا﴾ علامة على أنه لا يقل عزمه بالشيخوخة والكبر -ويصح أن يكون المعنى: يكلم الناس الصغير منهم والكبير علامة على تواضعه ومباشرة دعوته بنفسه"٢. فإذا ما قلت له -لو كان يفقه- أن قوله تعالى: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ ٣ يدل على أنه تحدث وهو صبي في المهد تحمله أمه إذا قلت هذا أجابك جهلا وسفاهة: "كان في المهد صبيا أي كان ذاك النهار ولدا صغيرا فكيف يأمرنا وينهانا ونحن كبار القوم، فهذا ابن حرام"٤! وانحرف في تفسير حمل أمه له حتى يلائم تفسيره هذا فقال في: ﴿تَحْمِلُهُ﴾ على ما يحمل عليه المسافر ومنه تفهم أنها كانت في سياحة طويلة"٥. فجعل حمل مريم لعيسى ﵉ وإتيانها به قومها كذلك حملا على ما يحمل عليه المسافر؟! وهو صرف للألفاظ عن مدلولها لا تعين عليه اللغة وسياق الكلام ولكنه الهوى. وقد تَعْجَب إذا قلت لك أنه ينكر أن يكون عيسى ﵇ قد ولد من غير أب، لكنه يفعل هذا بطريق غير مباشر وإنما بطريق التلميح الذي قد يبعد عند بعض الأذهان كما أنها إشارة ملموزة عند آخرين حيث قال في تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ الآية ٦: أم موسى فيها ملحوظة ظريفة هي أن موسى لم يذكر له أب ولكن قومه لم ينكروا أباه، أو يقولوا فيه كما قالت النصارى في المسيح ابن الله، بناء على أن المسيح نسب إلى أمه

стр. 1132

ولم يذكر له أب. راجع مريم لتفهم المناسبة بينها وبين أم موسى في أن كل واحدة منهما جاءت بمولود عظيم، وكان لها الفضل في حسن تربيته والجهاد في المحافظة عليه"١ فهذه المقارنة بين قوم موسى وقوم عيسى ترمز إلى أن عيسى كموسى ﵉ له أب ويتأكد هذا إذا نظرت تفسيره لقوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ ٢ قال: ﴿فَتَمَثَّلَ﴾ يفهمك أنها رؤيا تمثيلية وبشارة روحية"، وفي قوله تعالى عن مريم ﵍: ﴿قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ ٣ قال: "استنكرت لما طرأ على فكرها أن الولد يأتيها من غير السبب المعروف" وقال في قوله تعالى: ﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا﴾ ٤ وما بعدها "اختصار في التعبير لا يعوق دور الحمل الطبيعي والمقصود أن مريم لما أصابها ما يصيب النساء لجأت عند الوضع إلى جذع النخلة لتستند عليه وتمنت لو ماتت قبل أن تذوق آلام الولادة، فلم يكن عيسى ابن الله، ولم تخرج أمه ولا هو عن دائرة البشرية"٥ إذا أضفت التفسير السابق لآية القصص مع هذا التفسير لآيات مريم تبين لك ما يرمز إليه رجل ينكر المعجزات. وعرفت أنه لا يعترف كما لا يعترف اليهود بأن عيسى ﵇ خلق من غير أب٦. أما معجزات عيسى ﵇ بعد ذلك التي تحدث عنها القرآن حكاية عن عيسى ﵇: ﴿أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ٧، فإن هذا الرجل قد تخبط في تفسيرها

стр. 1133

فراح يضرب القول جزافا فقال: ﴿كَهَيْئَةِ﴾ يفيدك التمثيل لإخراج الناس من ثقل الجهل وظلمائه إلى خفة العلم ونوره، ومعنى الأكمة من ليس عنده نظر، والأبرص: المتلون بما يشوه الفطرة فهل عيسى يبرئ هذا بمعنى أنه يكمل التكوين الجسماني بالأعمال الطيبة أم بمعنى أنه يكمل التكوين الروحي والفكري بالهداية الدينية. ﴿فِي بُيُوتِكُمْ﴾ يعلمهم التدبير المنزلي"١؟! وأكد هذا عند تفسيره لهذا في آخر سورة المائدة عند قوله تعالى "مخاطبا عيسى ﵇: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ٢. فقال في تفسيرها: ﴿الْمَوْتَى﴾ : معناهم مشترك بين موتى الأجساد وموتى القلوب والنفوس، وموتى الجهل والاستعباد، وموتى الاتهام والحكم بالإعدام. من هذا تعرف أن عيسى نبي أرسله الله إلى بني إسرائيل؛ ليشفي مرض نفوسهم ويحيي موت قلوبهم فآيته في دعوته، وسيرته وهدايته، عاش ومات كغيره من الأنبياء في بشريته فلم يكن خارقا لله في سننه، ولا ممتازا بما يدعو إلى ألوهيته وعبادته"٣. وأحسب أن أمر إلحاده في تأويل هذه المعجزات بين بحيث لا يحتاج مع بيانه إلى بيان، فحسبه الله، وكفى. معجزات محمد ﷺ : ويكفي أن تعرف معجزة الإسراء به ﷺ من مكة إلى المسجد الأقصى ثم عودته إلى مكة في نفس الليلة كما اتفقت النصوص الكثيرة.

стр. 1134

على ذلك. وقد جاء محمد أبو زيد برأي جديد لم يقل به أحد قبله -فيما أعلم- فقد زعم أن "الإسراء يستعمل في هجرة الأنبياء" "المسجد الحرام الذي له حرمة يحترم بها عند جميع الناس" "المسجد الأقصى" الأبعد -مسجد المدينة- وقد بارك حوله، فكان للنبي ﷺ هناك ثمرة وقوة وكان بالإسراء الفتح والنصر فكان كل ذلك من آيات الله"١. إذًا فالمراد بالإسراء عنده الهجرة -من مكة إلى المدينة ولا أدري كيف يفسر المسجد الأقصى بالأبعد ثم يزعم أنه مسجد المدينة مع أنه لا مسجد هناك حينذاك، زد على هذا أن في القدس مسجدا هو أبعد من مسجد المدينة ومع أن هذه الآية مكية باتفاق العلماء أي قبل الهجرة لكن المؤلف لا يدرك فوائد معرفة ما نزل بمكة وما نزل بالمدينة وأثر ذلك في التفسير، وزد على هذا أيضا أن الإسراء من مكة إلى بيت المقدس قد ورد في السنة ورواه جمع عظيم من صحابة رسول الله ﷺ ورضي الله عنهم وجاءت هذه الروايات في الصحاح، ولكنه لا يفسر القرآن بالسنة ولو فعل لما ضل وتاه وألحد في تفسيره. تلكم بعض الأمثلة على مواقفه الملحدة من المعجزات التي أظهرها الله على يد أنبيائه علامة على صدقهم أمام أقوامهم، فآمن بها طوائف منهم وأنزل الله العقاب الشديد على من لم يؤمن بعد نزولها دليلا على حجيتهان واحسب هذا دليلا كافيا على قوة الارتباط بين النبوة والمعجزة قال شيخ الأزهر محمد الخضر حسين عن منكري المعجزات "إنما ينكرها طائفة ممن أنكروا بعثة الرسل إذ قالوا إن الرسالة تتوقف على المعجزة والمعجزة خرق للعادة وخرق العادة محال"٢. ولهذا فإن شيخ الأزهر محمد الخضر حسين رحمه الله تعالى كثيرا ما يربط وهو يرد على محمد أبو زيد بينه وبين داعية البهائية المسمى أبا الفضل في كتابه المسمى "الدرر" فيورد إلحاد هذا ثم يورد إلحاد البهائي فلا تكاد تجد فرقا بينهما إلا في الألفاظ، ويزداد ظنك سوءا إذا علمت أن صدور الكتاب

стр. 1135

البهائي قبل صدور تفسير محمد أبو زيد بوقت قصير نسبيا، وبعد فلعل فيما ذكرنا من موقفه من المعجزات بيان لحقيقته. ثالثا- إنكار الغيبيات: ونكتفي من الحديث عن الغيبيات بثلاثة من معالمه التي ضل بها كثير من الناس "فنذكر تعريفه للملائكة والجن والشياطين". الملائكة: أما الملائكة فهم عنده رسل النظام وعالم السنن وسجودهم للإنسان معناه أن الكون مسخر له١ أما حملهم للتابوت في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ، وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ٢ فقد فسر الحمل بقوله: ﴿تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ إشارة إلى أنه يأتي إليهم بسنن الله ونظامه أي بتغلبهم على العدو بقوة الحرب ونظامه والملائكة كما قلنا في ٣٤ رسل النظام والسنن في الكون"٣. الشياطين: قال تعالى: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُنَا وَلا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ﴾ ٤ فقال محمد أبو زيد في تفسير الشياطين: "الشياطين تطلق على الحيات والثعابين تستهوي من يتبعها؛ ليقتلها فيهوى معها وتضله بتعرجها"٥؟!. وفي قوله تعالى عن سليمان، ﵇: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي

стр. 1136

بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ، وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ﴾ ١. فقال هذا في تفسيرها: "الشياطين يطلقون على الصناع الماهرين والأشقياء المجرمين"٢. أما وصف الشيطان وقبيله بأنهم يروننا من حيث لا نراهم وذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُم﴾ ٣ فقال في تفسيرها: ﴿مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُم﴾ أي من الجهة التي لا ترونهم فيها شياطين، فيخدعونكم بأنهم من الأولياء الصالحين"٤ فصرف هذا الرؤية عن أن تكون إلى الأعيان والأبدان إلى أن تكون نفيا للرؤية المعنوية وهي رؤية حقيقتهم ومآربهم. أما إبليس فعنده أنه: "اسم لكل مستكبر على الحق ويتبعه لفظ الشيطان والجان وهو النوع المستعصي على الإنسان تسخيره"٥. الجن: قال تعالى في أول سورة الجن: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ ٦. وزعم محمد أبو زيد أنه "يطلق الجِن والجِنة على الزعماء والمستكبرين من السادة المتبوعين، ويعبر عن الأنس بسائر المقلدين والتابعين المستضعفين"٧ ولا أدري ماذا يسمى الإنس المتبوعين والسادة. لكنه جاء بتعريف آخر للجن في تفسير قوله تعالى: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ ٨ فقال: "الجن يطلق على

стр. 1137

العالم الخفي والظاهر القوي وجن كل شيء أوله ومقدمته وجن الجيش قواده ورؤساؤه"١. وقال في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُوم﴾ ٢، "والجان: النوع المتشرد صاحب الطبع الناري الذي إذا قاربته يؤذيك ويغويك ولا تستطيع أن تمسكه وتعدله، والنوعان موجودا في كل أمة"٣. وتأمل قوله والنوعان: "يقصد الإنسان والجان" موجودان في كل أمة فقد وصف الإنسان بأنه النوع الهادي، والجان بأنه النوع المتشرد، ثم وصفهما بأنهما موجودان في كل أمة. وإذا أضفت هذه النصوص إلى بعضها، وعرفت موقف صاحبها من الملائكة والشياطين أدركت أنه يجعل الجن نوعًا من أنواع البشر، ويقابله النوع الثاني من أنواع البشر وهم الإنس. وهذان النوعان الجن والإنس موجودان في كل أمة من البشر، وهذا يعني خلاف الحق الذي اتفقت عليه الأمة من أن الجن نوع مستتر بخلاف الإنس وأن فيهم الصالح وفيهم الفاجر فيهم المؤمن وفيهم الكافر. رابعا: إنكار بعض التشريعات المعلومة من الدين بالضرورة وإنما وصفته بأنه ينكر ولم أصفه بالاجتهاد لأن الاجتهاد له شروطه التي لا تتوفر فيه أولا ولأن الاجتهاد ليس فيما أجمع عليه المسلمون وما هو معلوم من الدين بالضرورة؛ فلا يصح أن يجتهد إنسان في حكم الصلاة المفروضة مثلا لأن أمره لا يحتاج إلى ذلك الجهد واستقصاء الذهن في معرفته؛ إذ هو معلوم من الدين بالضرورة، كذلك المر في حكم السرقة والزنا وتعدد الزوجات والربا، ونحو ذلك؛ وإنما يسمى من أنكر شيئا من ذلك منكرا لتشريعه لا مجتهدا في حكمه، وعلى هذا فقد أنكر محمد أبو زيد عددا من الأحكام الشرعية المعلومة من الدين بالضرورة ومنها:

стр. 1138

حد السرقة: قال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ الآية١، ولم يذكر القرآن ولا السنة، ولم يرد عن أحد من الصحابة أو من التابعين اشتراط أن تتكرر السرقة من السارق حتى يقام عليه الحد؛ لكن محمد أبو زيد يشترط هذا افتياتا على الشريعة فيقول: "واعلم أن لفظ ﴿السَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ تعطي معنى التعود أي أن السرقة صفة من صفاتهم الملامة لهم، ويظهر لك من هذا المعنى أن من يسرق مرة أو مرتين ولا يستمر في السرقة ولم يتعود اللصوصية لا يعاقب بقطع يده؛ لأن قطعها فيه تعجيز له ولا يكن ذلك إلا بعد اليأس من علاجه"٢. حد الزنا: ونحو تفسيره هذا قال في تفسير قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ الآية٣؛ فزعم: "يطلق هذا الوصف على المرأة والرجل إذا كانا معروفين بالزنا وكان من عادتهما وخلقهما فهما بذلك يستحقان الجلد"٤. وهذا الزعم الباطل في تأويل هذه الآية جاء من بعده في تفاسير كثير من المنهزمين الذين تأثروا بكلام أعداء الحق حين زعموا أن قطع يد السارق وجلد الزاني -فضلا عن رجمه- فيه قسوة وعنف، وفيه تعطيل للفرد وتعجيز له، وفيه تشويه لأفراد البشر وهم بها ينظرون إلى المجتمع من زاويته الضيقة زاوية الفرد، ولو علم هؤلاء أن في قطع يد سارق حفظا لأرواح بله أيدي آخرين هم أكثر عددا، وأن في قطع يد سارق حفظا لأمن أمة، وأن في تشويه يد سارق جمالا لأمة، وأن القسوة ليست في الجزاء والقصاص؛ وإنما هي في الجريمة الأولى التي استحق صاحبها العقاب عليها؛ ولكنهم لا يفقهون أو يفقهون ويمكرون. أما إن أرادوا الفقه الحق في تفسير الآية، فقد رد الشيخ محمد الخضر

стр. 1139

حسين على هذا وأمثاله بقوله: "وهذا الذي قاله في اسم الفاعل من أنه يدل على التكرار والتعود من بهتانه الذي لا يقف عند حد؟ فاسم الفاعل نحو السارق أو الزاني إنما يدل على ذات قامت بها السرقة أو الزنا، ولا دلالة له على تجدد قيام الوصف بالذات، ولا على تعودها عليه؛ هذا ما يقوله علماء العربية في القديم والحديث. قال ابن مالك في كتاب التسهيل معرفا اسم الفاعل: "اسم الفاعل هو الصفة الدالة على فاعل، جارية في التذكير والتأنيث على المضارع من أفعالها لمعناه أو معنى الماضي"؛ فقوله لمعناه أو معنى الماضي تنبيه على أنه لا يدل على أزيد مما يدل عليه الفعل، وهذا وجه الفرق بينه وبين صيغ المبالغة كفعال ومفعال ومفعول؛ فإن هذه الصيغ تدل على معنى زائد على حدوث الصفة لمن قامت به، وهو قوتها فيه أو كثرة دورها منه"، إلى أن قال رحمه الله تعالى: "فعلماء العربية من كوفيين وبصريين مجمعون على أن اسم الفاعل لا يدل على أكثر مما يدل عليه الفعل، وإذا كان علماء العربية الذين قضوا أعمارهم الطويلة في تقصي اللغة والتفقه في كلام العرب قد تظاهروا على أن اسم الفاعل لا يدل على مقدار من الوصف أكثر مما يدل عليه أصل المضارع والماضي؛ أفيستطيع المؤول أن ينقض بناءهم بكلمة لا تمت إلى البحث بسبب؛ وإنما هي وليدة الهوى والانهماك في مخالفة أهل العلم"١. وإنما رددت على هذا التأويل لهذا الرجل؛ لأن هناك من انخدع بهذا التأويل فأخذ يردده ويكرره عن جهل حينا وعن فسق أحيانا؛ وإلا فالحق فيه كما هو الحق في كثير من التأويلات الأخرى بين واضح لا يحتاج إلى شرح وبيان كما لا يحتاج إلحاده فيه إلى إبطال ونقد. الربا: وحكم الربا أيضا معلوم من الدين بالضرورة ولئن قامت في المسلمين طائفة تبحث عن تأويل تبرر به واقع المسلمين اليوم فتلتمس الضرورة الاقتصادية سببا لإباحة الربا أو تخص المراد بالربا المحرم بأنه الربا

стр. 1140

الفاحش، فإن هذه الترتيبات الباطلة لا تغني من الحق شيئا بعد أن اتفق المسلمون على تحريم الربا قليلة وكثيرة؛ أما محمد أبو زيد فقد زعم أن الربا المحرم هو الربا الفاحش ولم يحدد المقدار الذي يكون به الربا فاحشا؛ وإنما ترك هذا لتقدره كل أمة بعرفها؟! وبهذا يكون الربا محرما في مكان ومباحا في آخر؟! فقال في تفسير قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ١: "أي الربا الفاحش، وبمعنى آخر: الربح الزائد عن حده في رأس المال وتقدره كل أمة بعرفها"٢. وعلى زعمه هذا إن قدرته أمة بما زاد على ٢٠% وقدرته أخرى بما زاد عن ١٥%، فإن ربا ١٦% إلى ٢٠% حرام عند طائفة من المسلمين مباح عند أخرى، ثم أين موقع السنة التي حرمت الربا قليله وكثيره من هذا التفسير؟! إنك لن تجد لها أثرا كما لم تجدها في سائر تفسيره وحسبك بهذا انحرافا في التفسير. تعدد الزوجات: وأما تعدد الزوجات؛ فقد جاء محمد أبو زيد في شرط إباحته بما هو أعجب من كل ما سلف؛ حيث اشترط شرطا لم يقل به أحد من قبله ولا من بعده حتى ساعتنا هذه فيما أعلم؛ حيث اشترط في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ ٣. اشترط في "النساء" أن يكن من نساء اليتامى؛ فلا يجوز عنده التعدد من غير النساء اليتامى؟! قال: "من النساء: نساء اليتامى الذين فيهم الكلام لأن الزواج منهن يمنع الحرج في أموالهن، ومن هذا تفهم أن تعدد الزوجات لا يجوز إلا للضرورة التي يكون فيها التعدد مع العدل أقل ضررا

стр. 1141

على المجتمع من تركه، ولتعلم أن التعدد لم يشرع إلا في هذه الآية بذلك الشرط السابق واللاحق"١. ولنا مع هذا التفسير وقفات قصيرة فلا سند له أولا في اشتراط أن تكون النساء من اليتامى يكذب هذا إطلاق العبارة في الآية، وتكذبه السنة النبوية وفعل الرسول ﷺ وفعل أصحابه؛ فقد عدد وعددوا من غير يتامى النساء، ولم يدر بخلد أحدهم هذا الشرط ولم يقل به أحد مهم ولا من سائر علماء المسلمين من بعدهم. ووقفة أخرى مع هذا التفسير من أين جاء بقيد: "إنه لا يجوز إلا للضرورة" وليس في الآية مثل هذا القيد. ووقفة ثالثة ماذا يقصد بقوله أن التعدد لم يشرع إلا في هذه الآية؟! أليست الآية الواحدة كافية في التشريع أم لا بد من تكراره حتى يكون مشروعا؟! أم يريد التقليل من شأن التعدد؟! وحسبنا قدوة نبينا محمد ﷺ ، وأصحابه من بعده. التسري: والآية السابقة تنص على أن من خاف ألا يعدل فليتزوج واحدة أو يتسرى بما ملكت يمينه. قال تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ ٢. لكن محمد أبو زيد ينكر التسري فيقول في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ الآية٣، وبدلا من أن يستدل بها على إباحة التزوج مما ملكت الأيمان عكس المعنى؛ فقال: "وفي هذه الآية رد على الذين يتخذون ملك

стр. 1142

اليمين من الخادمات والوصيفات للتمتع بهن كالزوجات بحجة أنهن مشتراة بالمال أو أسيرات بالحرب؛ فليس في الإسلام عرض امرأة يستباح بغير الزواج مملوكة كانت او مالكة"١. وإذا قرأت قوله تعالى في وصف المؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ، إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ ٢، قال في تفسيرها: "أو ما ملكت أيمانهم من الخدم؛ فإن لهم ما ليس لغيرهم؛ فقد يكون في الإنسان فروج، أي نقائص وعيوب يسيئه أن يراها الناس فيه ولكن لا يسيئه أن يراها خدامة". ومن البلاغة في التعبير أن لفظ "أو" أفاد التنويع بين ما يباح للأزواج وما يباح لملك اليمين إذ يوجد من العيوب ما لا ينبغي كشفه على الخدم ويكفيك فاصلا: الذوق والعرف الجاري مع الفطرة"٣. وهو هنا صرف الآية عن أن تكون للحث على حفظ الفروج حقيقة من الوقوع في الحرام إلى أن يكون المراد بالفروج النقائص والعيوب وأن المراد بحفظها منع كشفها لغير الأزواج والخدم؟! وقد ضحكت وشر البلية ما يضحك لقوله "إن"، "أو" بلاغة في التعبير وتساءلت هل يعرف هذا التعبير فضلا عن بليغه؟! ثم لا ندري كيف يستدل بأو العاطفة "ما ملكت أيمانهم" على "أزواجهم" على التنويع بين ما يباح كشفه للأزوج وما يباح كشفه لملك اليمين مع أنه لم يذكر في الآية ما يباح للصنفين فيما زعم. وخلاصة الأمر أنه يحرم التسري، بل وملك اليمين أصلا ويفسر الفروج بالعيوب وهو أمر لا تعين عليه اللغة ولا يدل عليه الشرع.

стр. 1143

الطلاق: وكما اشترط في التعدد شرطا جديدا لم يقل به أحد من قبله، فإنه جاء أيضا هنا بشرط عجيب لا أعلم أحد قال به من قبله أيضا، وهو أن الطلاق لا يقع من الزوج لزوجته إلا إذا جاءت بما يخل بنظام العشرة الزوجية. وعبارة لا يقع تدل على أنه فيما لو نطق بالطلاق من غير هذا السبب فإن زوجته لا تطلق، وهاك نص عبارته: "إن الطلاق وإن كان في يد الرجل لا يخل بنظام العشرة الزوجية"١. وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ، وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ ٢. قال: "تسهيل على الرجل فإنه يصعب عليه أن يعاشر امرأته وهو يعتقد عدم عفتها، وتفهم من هذا أن ليس له أن يطلقها إلا بسبب يخل بالعشرة الزوجية؛ وإلا ما احتاج إلى هذا الإشهاد"٣، وهو يجهل أن هذه الشهادة من الزوج ليست لإيقاع الطلاق؛ وإنما لإيقاع العقاب عليها، ولذلك قال تعالى بعد هاتين الآيتين مباشرة: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ﴾ الآية٤؛ ولكنه لا يفقه هذا وألحد في تفسير الآية. مصارف الزكاة: وقد ذكر الله مصارف الزكاة في قوله : ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ٥،

стр. 1144

ومحمد أبو زيد يفسر بعض هذه المصارف -كعادته- تفسيرا جديدا فيقول: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ : في خلاصها من الاستعباد، وفي هذا الزمان تجد أكثر المسلمين رقابهم مملوكة للأجانب؛ فيجب أن يتعاونوا على فك رقابهم، وفي الصدقات حق لهذا التعاون والغارمين ما يصيبهم، وكل من يغرم للمصلحة العامة؛ فهو من الغارمين، ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ منه نشر الدعوة باللسان والقلم لحرية العقيدة والوطن والقتال للدفاع عن الحرية والاستقلال والتربية والتعليم الباعثان على تكوين أمة معمرة في الكون، ويتبع ذلك المستشفيات والملاجئ للمرضى والمحتاجين والمعامل والمصانع للعمال والعاطلين "وابن السبيل" السائح المكتشف؟! واللقيط الذي يوجد في الطريق ولا يعرف له عائل"١. وهو في تأويله هذا خلط حقا بباطل. وكلاهما معلوم لا يخفى أظنه لا يحتاج إلى بيان. زكاة الزروع: ذكرنا رأيه في الربا وأنه يقول بإباحة الربا غير الفاحش، وأن مقدار الفاحش متروك للأمة تقدره بحسب حالها، ورأيه هنا في زكاة الزروع لا يبعد عن هذا؛ حيث يقول في تفسير قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ ٢، قال: "زمن تحصيله وكما أمر المالكين بإيتاء هذا الحق أمر الحاكم العام بأخذه والعمل على جبابته لبيت المال، وقد ترك التقدير للأمة بحسب الحالة"٣ وكل من أوتي حظا من الفقه يعلم أن السنة لم تترك هذا، بل قدر زكاتها رسول الله ﷺ ؛ ولكن محمد أبو زيد هذا لا يعترف بالتفسير بالسنة. خامسا: إهمال المدلول اللغوي: ولأنه يأتي بما لم يقل به أحد من قبله، فإن اللغة لا تطاوعه في كثير من أقواله فلا يبالي بذلك ولا يلقي له حسابا، بل صرح في مقدمة تفسيره بهذا،

стр. 1145

حيث قال: "وقد تغيرت معاني القرآن أيضا، وتبدلت مقاصده باعتمال المفسرين على بعض كتب اللغة التي تفسر الألفاظ بلازمها، وتقصرها على بعض معانيها، وقد سرى التقليد واستعمال الاصطلاحات في قواميس اللغة كما سرى في غيرها؛ حتى أنك لتجد كثيرا من ألفاظ القرآن في تلك القواميس مفسرة بما فسرت به في كتب فقه الأحكام فتكون بذلك بعيدة عن فقه اللغة فيتغير معناها المراد في القرآن"١. ولا عجب بعد أن يتحرر من يزعم نفسه مفسرا من السنة الصحيحة واللغة أن يفسر الآيات بما يشاء؛ فأي ضابط للتفسير بعدهما فليقل ما يشاء وليقل غيره ما يشاء فلا ميزان توزن به الأقوال ولا ملاذ تلجأ إليه الآراء وهذا ما يريده الملحدون وأعداء هذا الدين ويأبى الله إلا أن يتم نوره. ولقد ذكرنا -فيما سلف- أمثلة يظهر فيها عدم التزامه المدلول اللغوي الصحيح للألفاظ في تفسيره المزعوم، ومن ذلك مثلا معنى كلمة الفروج في مثل: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ ٣. السوءة وغلب عليها٤، والسياق في الكلام يحدد المعنى المراد الأصلي أم الكناية؛ ففي الآية الأولى هنا المراد بها "العورة"، وفي الآية الثاني على المعنى الأصلي. وإذا ما نظرت بعد هذا في تفسير محمد أبو زيد وجدته لا يفرق بين هذا وذاك فيذكر لهما معنى واحدا وزيادة على هذا؛ فالمعنى الذي يذكره ليس هو المعنى الأصلي ولا الكناية به؛ فقال في تفسير الأولى: "فروج أي نقائض

стр. 1146

وعيوب"١؟!. وقال في تفسير الآية الثانية: " ﴿فُرُوجٍ﴾ : عيوب ونقائص"٢ وهو دليل على جهله في اللغة؛ بل وعلى عدم اعتداده بها في التفسير. وخذ مثلا آخر اسم "الطير" لا يخفى معناه والمراد به في قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾ ٣ لكنه يقول في معناه: "والطير يطلق على ذي الجناح وكل سريع السير من الخيل والقطارات البخارية والطيارات الهوائية"٤. سادسا: تفسير القرآن بالقرآن وقد ألصق المؤلف نفسه بهذا النوع من التفسير إلصاقا، مكرا وخبثا فهو يعلم قيمة هذا النوع من التفسير لدى المسلمين فسمى تفسيره "الهداية والعرفان في تفسير القرآن بالقرآن". وقد جعلت الحديث عن هذا الأساس المزعوم هو الأخير لأنه آخر ما تجده في هذا التفسير، وكيف يصح أن يسمى تفسيره تفسيرا بالقرآن وهو يعصي القرآن نفسه في أمره بالأخذ بالسنة في تفسيره؟! هذا فيما لو صح ما يسميه تفسيرا للقرآن بالقرآن. وإن شئتم أمثلة على ذلك سقت لكم منه كثيرا كثيرا؛ ولكن لا تطمعوا بفائدة منه في هذا فإشارته إلى ما يفسر به ليس لآية أو آيات إنما يشير لسورة أو سور كثيرة أي أنها إشارات مجملة وأذكر أمثلة يتضح بها المراد. في تفسير قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ ٥. قال في

стр. 1147

تفسيره: "اقرأ الطلاق"١، أي اقرأ سورة الطلاق؟! وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ ٢ الآية، يقول: "اقرأ الأحقاف ولقمان"٣. وفي تفسير قوله تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ ٤، قال: ﴿جَاثِمِينَ﴾ : باركين اقرأ هود والحجر والشعراء"٥. وفي تفسير قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ ٦، قال: "١٣-٥٤ اقرأ الأعراف والحاقة والواقعة والنمل"٧. وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ الآيات: ٨، قال: "٦-١٠ اقرأ الصافات وتدبرها آية آية، ثم الأعراف إلى ٣٨، ٣٩ وما بعدها إلى آخرها، ثم سبأ وغافر وإبراهيم والأنعام ويس والشعراء، ثم الإسراء والكهف والحجر والرحمن والنمل وفصلت والذاريات وأواخر الأحزاب، ثم هود والسجدة والناس، ثم الفاتحة، ثم١٤٦، ١٦٥-١٦٧ في البقرة. بعد هذا تفهم أنه يطلق الجن والجنة على الزعماء والمستكبرين من السادة المتبوعين ويعبر عن الإنس بسائر الناس المقلدين والتابعين المستضعفين"٩. وإذا عرفت أن تفسيره مكتوب على هامش القرآن وأن هوامش كثيرة من الصفحات تكاد تكون بيضاء إلا من إحالة إلى قراءة سورة أو سور لمعرفة معنى

стр. 1148

كلمة أو آية عرفت صغر حجم هذا التفسير ومع هذا فلو مليء بهذه الانحرافات، ولهذا فإنه يخيل إلي أن صاحب هذا التفسير قد وزع أفكاره الإلحادية على آيات القرآن الكريم أولا، ثم للغش والتدليس نمق بعض الصفحات بمثل هذه الإحالات التي توهم تفسير القرآن بالقرآن؟! وماهو بتفسير ولكنه ابتلاء وامتحان للمؤمنين قيض الله له طائفة من العلماء كشفوا عواره وأظهروا إلحاده، فحكم على صاحبه بالردة، ولم يصدر الحكم النهائي من المحكمة لإعلانه رجوعه وتوبته، ويبقى الحكم دائما وأبدا لله ؛ فهو الذي يعلم ظاهره وباطنة وما تخفي الصدور. ومما يؤسف له ويحز في النفس أن كثير من آراء هذا الرجل في تفسيره قد انتشرت بين بعض من أصابهم داء ضعف الإيمان أو فقده وهم حين يقولون بها لا يشيرون إليه ولا يؤمنون، وما لنا ولإشارتهم أو عدمها وآراؤهم متماثلة ينكرون مثله المعجزات ويؤولونها بما يبطلها ويجهرون جهرا باشتراط تكرار السرقة والزنا حتى يقام على السارق والزاني الحد وإلا فلا حد؟! وينكرون الملائكة والجن والشياطين وينكرون سنة المصطفى ﷺ ويقولون بملء أفواههم الإسلام هو القرآن وحده، ويريدون منه بصريح عباراتهم عدم الاحتجاج بالسنة وإنكارها، وهم حين يقولون هذا وذاك يعيشون بيننا ولا يمنع ذلك كثيرا منا من أن يكون أكيله وجليسه؛ بل وصديقه الملحد وأي مؤمن يصادق ملحدا؟! ولكنها الجاهلية التي غشت على كثير من الأبصار غشاوة أعمتها عن التماس السبيل فذهبت تلتمسه يمنة ويسرة فتعثر هنا وتعثر هناك، وقد تهلك إن لم يدركها الله بنور من عنده.

стр. 1149

الفصل الثاني: منهج القاصرين في تفسير القرآن الكريم تمهيد: قلنا في أول هذا الباب: إنا نقصد بالقاصرين طائفة لم يطلبوا العلم الشرعي ولم يدرسوه في مدارسه بل تقاذفتهم المدارس في نواح شتى ليس منها علوم الشريعة، ثم برز هؤلاء في تخصصهم أو في كتابة المقالات الصحفية والبحاث الأدبية ونحو ذلك، وكان لهم نصيب من الشهرة في ذلك لا بأس به؛ فأرادوا أن يتجهو إلى رقعة أوسع منها فرأوا أن الأنظار من مختلف المستويات ومختلف الاتجاهات تتجه إلى رقعة الأبحاث الشرعية، والدراسات القرآنية خاصة فتسللوا إلى هذه الرقعة وبدؤوا ينشرون تفاسيرهم لآيات قرآنية وهم يحسبون أن علوم الشريعة لا تحتاج إلى أكثر من تقليب النظر في العبارات، ثم إبداء الرأي من غير أن يكون لصاحبها الدراية في شروط التفسير ومن غير أن يدركوا شروط المفسر؛ فأصبحوا ينظرون إلى آيات القرآن الكريم كما ينظرون إلى مقالة أدبية سطرها أحدهم فراح الآخر ينقدها فوقعوا في انحرافات في التفسير مصدرها جهلهم بالقرآن نفسه في آياته الأخرى التي قد تفسر ما يكتبون عنه أو تبينه، وجهلهلم بالسنة الشريفة التي قد يرد فيها تفسير لهذه الآية التي يتناولونها وجهلهم باللغة، وأنها لا تحتمل ما قالوه وجهلهم بالعقيدة وأصولها وغير ذلك من الأصول والقواعد التي لا يصح لقاصر عن تحصيلها أن يفسر القرآن الكريم، ولكنهم لم يتلزموا فانحرف تفسيرهم. ودواعي هؤلاء لسلوك هذا المنهج في التفسير كثيرة لا تقل عما ذكرته في أول هذا الباب من أسباب منهم من تحقق له ما أراد ومنهم من فشل في ذلك فخسر الدارين. وكما هيأ الله للملحدين في التفسير من رد عليهم في تفاسيرهم وكشف حقيقتهم للناس فإن الله هيأ أيضا لهؤلاء من رد عليهم وكشف زيف آرائهم.

стр. 1150

نماذج من هذا اللون في التفسير: ويمتاز هذا اللون عن سابقه بكثرة الذين كتبوا فيه مقالات ودراسات ومؤلفات، وأكثر ما يدخل تحته التفسير العلمي، وقد سبق أن أفردنا هذا بمنهج خاص لكن هذا المنهج قد تطرف فيه بعض من تناولوا التفسير وخرجوا عن حدود التفسير المقبول إلى منطقة التفسير المردود؛ فأصبح تفسيرهم باللون الإلحادي ألصق وإن كانت صبغته علمية. ثم يليه في الكثرة آيات الأحكام التي ولج إليها طائفة أرادوا أن يعدلوا في الأحكام الرعية حسب ما يرونه ملائما للعصر حتى وإن لم تطاوعهم الآية؛ فإنهم يلوونها ليلا، وكأنهم قد قرروا الحكم الذي يريدون قبل أن ينظروا في الآية، ثم أرادوا أن يطبقوا الآية بعد ذلك على الحكم الذي قرروه قبل، ولا شك أن هذا إلحاد بالآية إلى غير مدلولها. خذ مثلا عباس محمود العقاد -عفا الله عنا وعنه- يقول في قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ١: "من هو السارق؟ هل هو من يسرق مرة واحدة أو من تعود السرقة؟ فإن كلمة الكاتب مثلا لا تطلق على كل من يكتب، ويقرأ وإنما تطلق على من تعود الكتابة وأكثر منها والإشارة إلى النكال وإلى عزة الله في الآية الكريمة قد تفيد معنى الاستشراء والاستفحال الذي يقضي بالنكال وأيا كان المقصود

стр. 1151

بالسارق في الآية الكريمة فالتوبة والاستصلاح تفيان من إقامة الحد، ويوكل الأمر فيهما إلى الإمام في رأي جملة الفقهاء"١. ولئن سبق في بحثنا هذا إيراد مثل هذا التفسير والرد عليه؛ فإني أحبذ أن أقف مع العقاد هنا وقفة في ثلاثة مواضع من حديثه. أما زعمه أن السارق تطلق على من تعود السرقة كالكاتب تطلق على من تعود الكتابة؛ فإن هذا غير مسلم وسبق بيان ذلك ويكفي هنا أن أضرب له مثلا واحدا، له من الرواج ما يفهم غير ذوي المعروفة باللغة وخصائصها لو طرق عليك الباب طارق فإنك تهتف "من الطارق"، حتى ولو لم يطرق الباب إلا مرة واحدة. أما أن الإشارة إلى عزة الله وإلى النكال؛ فإنه لا يدل على ما زعمه بل الذي أحسبه أنه عكس ما ذكر والله أعلم. بقي أمر توبة السارق والاستصلاح؛ فقد ذكر أنهما تعفيان من إقامة الحد ولكنه لم يفرق بين ما إذا رفع الأمر إلى الإمام أو قبل أن يرفع والذي لا يخفى أنه إذا رفع أمر السارق إلى الإمام؛ فلا يسقط الحد حتى ولو أعلن توبته؛ وإلا أصبح الأمر عبثا فأي سارق لن يعلن توبته ولو كذبا إذا كان هذا يدرؤ قطع يده، ثم يصبح الأمر عنده بردا وسلاما يسرق ثم يتوب ولا أظن ذا لب يقبل هذا؟! وفي آية أخرى يفسرها الأستاذ العقاد تفسيرا منحرفا تلكم قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ، أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ، فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ، ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ، وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ، عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ، مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ، يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ، بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ، لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنْزِفُونَ﴾ ٢ الآيات. حيث ذهب مذهب الفلاسفة في القول بأن الجزاء الأخروي نعيما وجحيما روحاني لا جسماني.

стр. 1152

ويعلل ورود هذا النعيم في هذه الآيات وأمثالها بصيغ لا تقبل إلا أن يكون العقاب والثواب جسماني لا رواحاني بقوله: "فالحقيقة الاعتقادية لا بد أن تمتزج بتصور المؤمنين بها لأن الخطاب فيها موجه إلا ملايين من البشر منهم العارف والجاهل، ومنهم الذكي والغبي ومنهم كبير النفس وصغيرها ورفيع الحس ووضيعه ومنهم من يطلب الكمال، ومن لا يعرف كمالا يطمح إليه؛ فلا بد من توضيح الحقيقة الاعتقادية بالمحسوسات في كثير من الأحوال وعلى هذا ينبغي أن يروض فكره كل من ينظر إلى عقيدة الحياة الأخرى في القرآن الكريم. فالقرآن الكريم يفرض على المؤمنين عقيدة البعث والحساب ويدعوهم إلى الإيمان بالنعيم والعذاب والجنة هي مقر النعيم والنار هي مقر العذاب وفي القرآن أوصاف محسوسة للجنة كما وصفت في سورة الواقعة وفي القرآن أوصاف محسوسة للنار كما وصفت في سورة الفرقان؛ ولكن في المتفق عليه بنص القرآن ونص الحديث النبوي الشريف أن هذه الموصوفات غير ما يرى ويعهد في هذه الحياة والواقع أن المسلمين يفهمون من هذه الصفات معنى التنعيم ومعنى العذاب ولا يخل فهمهم لهذا أو لذاك بالغرض المقصود من وعد الله ووعيده بالمثوبة والعقاب"١، ثم ذهب يستدل لهذا الذي قرره بدليلين أحدهما: فلسفي والثاني صوفي، أما الأول فقال؛ فالإمام فخر الدين الرازي مثلا يقول في تفسير الاتكاء على السرر المرفوعة: "معناه أن كل أحد يقابل كل أحد في زمان واحد، ولا يفهم هذا إلا فيما لا يكون فيه اختلاف جهات، وعلى هذا فيكون معنى الكلام أنهم أرواح ليس لهم أدبار وظهور؛ فيكون المراد من السابقين هم الذين أجسامهم أرواح نورانية: جميع جهاتهم وجه، كالنور الذي يقابل كل شيء"، وهذا فهم فيلسوف باحث في الجواهر والأعراض، وفي مطالب الأرواح والأجسام". وأما الثاني وهو الفهم الصوفي فقال عنه: "ويفهم المتصوفة أن نعيم الحياة الباقية كله هو الوصول إلى الله ولا يتطلعون إلى جزاء غير هذا الجزاء سمعت

стр. 1153

رابعة العدوية قارئا يتلو قوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ، وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ ١ فقالت: نحن إذن صغار حتى نفرح بالفاكهة والطير"، وسمع الشبلي قوله تعالى: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ ٢؛ فصاح صيحة عظيمة، وقال: "فأين الذين يريدون الله تعالى؟ ". إلى أن قال -العقاد- فوصف الحقائق بالمحسوسات -كما رأينا- تعبير يفهمه الخواص الذين يرتفعون بالفهم وبمطالب النفس الباقية عن مطالب الجهلاء؛ ولكن هل التعبير بالمعاني المجردة والحقائق المثالية مفهوم عند هؤلاء الجهلاء؟ "٣. ثم ذكر أن الجهلاء هم أحوج الناس إلى الإيمان بالحساب ووصفهم بأنهم لا يعتقدون إلا بما يحسون ويفقهون، وأنه لا معدي إذن من إحدى صورتين للعقائد، أما أن تساق بأسلوب يحقق الحكمة من العقيدة عند جميع الناس خاصة وعامة، ولا بد فيه من العبير عن المعاني بالمحسوسات، وأما أسلوب يترك الخاصة لأنفسهم وينفي العامة عن حظيرة الاعتقاد وهو لا يحقق الحكمة من العقيدة بحال. ثم قال: "في ذلك الأسلوب لا خسارة على أحد من الخاصة أو العامة، وفي هذا الأسلوب لا فائدة للخاصة ولا للعامة لأن الخاصة متروكون لأنفسهم يفهمون ما يفهمون بمعزل عن الوحي والرسالة، ولأن العامة محجوبون عن الوحي والرسالة بكل حجاب"٤. تلكم خلاصة ما قاله الأستاذ عباس محمود العقاد ولنا معه أيضا وقفات: الأولى: أنه استدل برأي الفلاسفة ومفاهيم الصوفية، ومن المعلوم أن العقائد لا تؤخذ من هؤلاء ولا من هؤلاء وإنما من الكتاب والسنة.

стр. 1154

الثانية: إن ما ذكره ونسبه للرازي إنما هو أحد قولين أوردهما الرازي إيرادا، ورجح الثاني الذي لم يذكره العقاد وهو أن التقابل يعني أنهم متساوون في المكانة والرتبة لا يرى أحدهم نفسه دون الآخر. الثالثة: إن ما ذكره عن رابعة والشبلي -إن صح عنهما- فلا يدل على فهمه هذا؛ ذلكم أن الصوفية حين يقولون مثل هذه المواجد ويلهجون بالنعيم الروحي وهو الوصول إلى الله تعالى لا ينكرون أهناك مع هذا نعيما محسوسا وعقابا كذلك؛ وإنما يتحدثون عن أمانيهم وليس عن الواقع وحده. والوقفة الرابعة وهي الأخطر زعمه "أن الخاصة متروكون لأنفسهم يفهمون ما يفهمون بمعزل عن الوحي والرسالة"، وهو كلام خطير لا أظن الأستاذ العقاد يقصد ممعناه بكل أبعاده؛ وإلا لأدى إلى إنكار الدين من أصله وترك -الخاصة- يقررون لأنفسهم من العقائد ما شاؤوا بعيدا عن الوحي والرسالة وحينذاك يكون الهلاك. ولعل في هذه الوقفات القصيرة ما يظهر الحقيقة التي غابت عنه فيما ادعاه من النص الذي سقناه له وحرصنا على استيفاء معانيه فجاء طويلا. وغير العقاد كثيرون أولوا الآيات على غير مدلولها الصحيح من ذلك -كما أشرنا- التفسير العلمي خاض فيه كثير من هؤلاء فجاؤوا بتفاسير منها ما هو مقبول، ومنها ما هو مردود ومنها ما هو إلحاد أو انحراف، ومنها ما هو كفر وضلال. لن أذكر أمثلة للمقبول والمردود؛ فقد إفرداه بدراسة خاصة ومنهج خاص هو المنهج العلمي في التفسير وإنا أشير إلى ما فيه انحراف أو كفر بل أشير إلى بعضه. فمن ذلك الأستاذ عبد الرزاق نوفل ﵀ وغفر له وعفا عنا وعنه أكثر من التفسير العلمي أحسبه بدافع الحرص على هداية الناس وجذبهم إلى الإسلام، وما علينا ونيته فأمرها إلى الله؛ وإنما علينا أن نذكر مواضع انحرافه فمن ذلك تفسيره للنفس الواحدة في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ

стр. 1155

وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ ١؛ ففسر النفس الواحدة بالبروتون وزوجها الإلكترون واقرأ تفسيره قال: وقد اعتبر اكتشاف الإلكترون أكبر نصر علمي أمكن العقل البشري أن يصل إليه حتى أنهم يطلقون على هذا العصر الذي نعيش فيه الآن العصر الإلكتروني؛ إذ يعتبر أن هذا أروع وأهم اكتشاف تميز به عصر من العصور؛ إذ أمكن الوصول إلى الجوهر الفرد وحدة الخلق التي منها خلق كل شيء في الوجود: الإنسان والحيوان والماء والهواء الحي والجماد والأرض والسماء؛ فوجد أنها وحده تناهت في الصغر إلى درجة لا يقبل الفكر أن يتمثلها، وهذه الحقيقة العلمية التي يتيه بها العصر الحديث قد جاء بالقرآن الكريم منذ ١٤٠٠ سنة في صراحة ووضوح؛ إذ تقرر الآية ١٨٩ من سورة الأعراف أن كل ما خلق الله إنما خلقه من نفس واحدة وجعل منها زوجها: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ ١ أليست هذه هي البروتونات والإلكترونات الكهارب الواحدة موجبة وسالبة أي النفس الواحدة.. الزوجية الجنس بين موجب وسالب"٢. فهل يقبل ذو لب أن يوصف هذا التفسير بأن الآية تدل عليه بصراحة ووضوح ومع هذا يخفى على علماء المسلمين حتى القرن الرابع عشر الهجري؟! أين الصراحة والوضوح، وكان يكفي الأستاذ نوفل -عفى الله عنه- أن يكمل الآية ليعرف مدلولها الصريح والواضح ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ، فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٣. وهذا الشاب أحمد شعبان محمد شاب مغمور لعله أراد أن يصبح مشهورا فكتب ما زعمه "إعجاز علمي في سورة النور" تناول فيه قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ

стр. 1156

السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ١ زعم أن في هذه الآية بيانا لـ "نوع من أشعة "الليزر" يسير الجبال ويقطع الأرض ويكلم به الموتى"؟! وقد بلغت هذه الدراسة ٣١ صفحة قدمها صاحبها إلى إدارة البحوث والنشر في مجمع البحوث الإسلامية وأحيلت إلى فضيلة الشيخ مصطفى محمد الحديدي الطير فكتب تقريرا في ٢٢ صفحة ختمه بأن هذا البحث لا يصلح للطبع والنشر. ولا أخفي أني غبطت الشيخ مصطفى الطير على سعة صدره وطول نفسه في قراءة هذه الرسالة كلها وكتابته نقدا شاملا لها مع أن كل صفحة فيها مليئة بما يبرر منعها من الطبع والنشر، ومع هذا فإن الشيخ مصطفى قدر قرأها كاملة، وكتب نقدا شاملا وزودني جزاه الله خيرا بنسخة من الرسالة وصوره من التقرير الذي كتبه وجاء فيه قوله: "يشتمل هذا الكتاب على إحدى وثلاثين صفحة من القطع الكبير وقد حاول فيه أن يستخرج أشعة الليزر من الآية الخامسة والثلاثين من سورة النور"٢. قال المؤلف عن الآية ٣٥ المذكورة من سورة النور: "أحسست بوجود تطابق بين هذه الآية الكريمة وبين أجهزة الليزر عموما. كما لو كانت الآية تصميم "كذا" لجهاز من تلك الأجهزة"٣. أما تفسير الآية فقال ما خلاصته: ﴿مِشْكَاةٌ﴾ هو "كذا" الكوة التي ليست بنافذة وهي عبارة عن جسم مفرغ من الداخل وليس له إلا فتحة واحدة كشباك أي أن هذه الفتحة لها سدادة أقل سمكا من باقي الجسم ويعتمد تصميم

стр. 1157

المشكاة على درجة الحرارة داخلها وعلى مسارات الأشعة وانكساراتها، ويجب كذلك أن تكون على درجة عالية من الصقل بالنسبة للسطح الداخلي؛ وذلك لاتخاذ الأشعة مساراتها المحددة حسب النظريات المعروفة، ﴿فِيهَا﴾ : بمعنى آخر هذه المشكاة، ﴿مِصْبَاحٌ﴾ : إشارة إلى كلمة المصباح السابقة، وعلى حسب التصورات العلمية المتاحة لنا يتحدد تصميم المصباح؛ فيكون هذا المصباح مماثلا لدائرة مصابيح الزئبق؛ بحيث ترفع طاقة الزيت من خلال تيار كهربي ويكون الزيت بمعزل عن أي مواد أخرى مثل الهواء لكي لا يحترق الزيت؛ فيكون في أنبوبة زجاجية مفرغة فعند رفع طاقة الزيت يتحول من الحالة السائلة إلى الحالة الغازية، ويتسبب ذلك في وجود ضغط داخل الأنبوبة، ونستمر في رفع طاقة بخار الزيت الذي يكون في هذه الحالة متأنيا "كذا" حتى نصل به إلى درجة الاشتعال؛ فيصدر ضوءا دون أن يحترق لعدم وجود أكسجين داخل الأنبوبة، ﴿فِي زُجَاجَةٍ﴾ : أي أن هذا المصباح بداخل الزجاجة، ويجب عمل تفريغ بين المصباح والزجاجة لتكون بمثابة عازل يمنع أجزاء المصباح وهي الدائرة الكهربة "كذا" الخارجة عن أنبوبة الزيت من التأكسد، وبالتالي التلف وكذلك لتعمل كعازل لعزل الجسيمات الموجودة في الضوء الخارج من الزيت وعدم السماح إلا بمرور الموجبات فقط من خلال الزجاجة"١، إلى أن قال: ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَة﴾ والبركة معناها الوفرة والكثرة أي الشيء المحدود يتكاثر بغير حدود، ومن الممكن أن نصل إلى أدنى هذه الحدود وذلك بالمقارنة عن طريق الآيات الآتية: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ﴾ [الدخان: ٣] . ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١] . ففي الآيتين السابقتين وردت كلمة مباركة في الآية الأولى مرادفة لكلمة القدر في الآية الثانية وبتعريف قيمة القدر ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ، لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: ٢] فليلة القدر خير من ألف شهر أي أنها خير من

стр. 1158

نظيرها بـ ٦٠.٠٠٠ على اعتبار الليلة نصف يوم فنصف اليوم خير من ١٠٠٠×٣٠×٢= ٦٠.٠٠٠ نظيرها، وبالمثل فإن كلمة مباركة تعني الخير لأكثر من ٦٠.٠٠٠ نظير، وهذا يعني أن الاستفادة من هذه الشجرة خير من ٦٠.٠٠٠ شجرة في مكان آخر وشعاع النور الذي يخرج من هذه الشجرة خير من ٦٠.٠٠٠ شعاع يخرج من شجرة أخرى؛ لأن هذه الأشعة مركزة في نقطة واحدة وليست مشتتة بعيدا عن بعضها". ثم وصف هذه الأشعة المركزة في نقطة واحدة بأنها ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ وعندما تسير موجات نور على نور في خطوات منتظمة؛ فإنها تستطيع أن تحقق آثارا مذهلة والسبب هو أن طاقتها لا تتشتت كما لا تنتشر الحزمة نحو الخارج وهو يدعو إلى تكثيف تركيزا لطاقة عند نقطة محددة تماما وتوسع أيضا بدرجة عظيمة مدى مصدر الضوء، ثم ذكر بعض الإنجازات المثيرة لأشعة ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ ، ومنها أنه يمكن لهذا الشعاع أن يحدث ثقوبا في لوح من الصلب سمكة ٣/٨ بوصة على بعد عدة أقدام وقال: "ويستخدم هذا الشعاع "نور على نور لضبط المدى حيث تستخدم في سلاح المدفعية لتوجيه المدافع، وكذلك الصواريخ وكذلك المساحون في الفضاء الخارجي وستحل الأجهزة التي تصدر هذا الشعاع محل أجهزة الرادار التقليدية واللاسلكي لملاحة سفن الفضاء والاتصالات، ويستطيع هذا الشعاع أن يقطع المعادن والمواد الأخرى ويستخدم حاليا في أحكام ميكنة المعادن والمواد الهشة مثل التي بالماس وكذلك نستطيع أن نلح المعادن ونستخدم كذلك في صناعة دوائر ميكروإلكترونية ومن ثم فإن الأجهزة الضخمة التي تخرج هذا الشعاع التي تركب فوق قمم الجبال العالية يصفها على أنها وسيلة للدفاع ضد الرؤوس النووية للقذائف الموجهة الحربية من عابرات القارات" إلخ١. هذه خلاصة سريعة لهذا البحث عن "الليزر" الذي زعمه صاحبه تفسيرا للآية ٣٥ من سورة النور وهل مثل هذا يحتاج إلى نقد؟! لا أحسبه كذلك فأمر بطلانه ظاهر لا يخفى.

стр. 1159

ولا يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل، ومن المؤسف أن تنشر مثل هذه الخرافات جريدة "النور" المصرية في عددها ٤٢ بعنوان: "إعجاز علمي في سورة النور نوع أشعة الليزر يسير الجبال ويقطع الأرض ويكلم به الموتى! وهذا المقال خلاصة لهذا البحث قدمها الكاتب نفسه". بقي أمر طريف أحببت الإشارة إليه لطرافته وأترك بيان العلاقة بينه وبين البحث لعلماء النفس ذلكم أن عنوان الباحث كما هو أمامي شارع طنطاوي الجوهري؟! وهل لاسم الشارع أثر على اتجاه أهله أم لا. وكما أن الإلحاد يكون في التطرف -إيجابا- في ربط الحقائق والنظريات العلمية بآيات القرآن الكريم؛ فإن الإلحاد أيضا يكون في التطرف -سلبا- في زعم مخالفة الآية لحقائق علمية؛ فهذا الأستاذ إسماعيل مظهر يكتب في العدد الأسبوعي لمجلة العصور الصادر في ٢٤ فبراير سنة ١٩٣٠م تحت عنوان "استفتاء" وجاء في مقاله: "جاء في القرآن الكريم: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيح﴾ ١، وقد دل العلم الصحيح على أن السماء غير مزينة بمصابيح بل هي فضاء غير متناه، تناثرت فيه كرات عظيمة هائلة الأبعاد، ومها ما يستمد ضوءه من غيرهن، ومنها ما هو ملتهب كشمسنا؛ فهل الاعتقاد بأنها ليست مصابيح مخالف للدين؟ "٢. وقلنا لهذا، بل هو مخالف للحواس أيضا وليس للدين فحسب، وأينا لم ينظر إلى السماء في ليلة مظلمة وقد انتثرت فيها النجوم وأطل من بينها وجه القمر فلم تأخذ بلبه، وكم تغنى في هذا المنظر الشعراء وأبدع فيه الأدباء وكم اهتدى بهذا المنظر رجل تأمل وتفكر في هذا الخلق البديع؛ فلم يجد بدا من الإذعان والاعتراف بأن هذا لا يكون إلا من الخلاق العليم. وليعلم هذا أن القرآن وهو يصف السماء والمصابيح؛ فإنما يخاطب أناسا ينظرون إليهما من الأرض فتبدوا مطابقة كل المطابقة لهذا الوصف ولا أظنه يجهل أن اللوحات الجميلة والمناظر البديعة لا يحسن النظر إليهما إلا من بعد وإلا

стр. 1160

فلو قرب حدقة عينه حتى تكون داخل اللوحة أو قريبة منها؛ فإنه لن يرى إلا نتوءات وحفرا، بل ويرى الألوان مشوهة فهل له وهو في هذه الحالة أن يصف هذه اللوحة بما هي منه بريئة وليجرب هذا الرجل وأمثاله أن يقرب عينه من أرض حديقة جميلة أو يضع حدقة عينه في قلب وردة زاهية الألوان، وليصف ما يرى وليسمع رأي الناس في وصفه إنهم لن يصفوه بأكثر من أحد وصفين إما الجنون أوالمكابرة وحسبك بهما وصفا لما زعمه في الآية. وإلحاد آخر في قوله تعالى: ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ ١، قال فيه: "وقد أثبت العلم أن السماء لا أبواب لها، وأن الماء إنما يتساقط على الأرض بعد أن يتكاثف سحابا وبعد أن يعلو متبخرا من مياه الأرض فهل هذا الاعتقاد تجديف؟ وهل يجب أن نعتقد أن للسماء أبوابا من فوقها بحار، إذا فتحت انهمر المطر، وإذا أقلت أمسك عن الانهمار؟ "٢. والرجل في إلحاده هذا يجهل اللغة والبلاغة. أما اللغة فاعتقاده أن المراد بالسماء السماء حقيقة؛ وإنما المراد بها العلو والارتفاع وهو الجو هنا وهو مقر السحاب. أما جهله البلاغة فإن في الآية استعارة تمثيلية بتشبيه تدفق المطر من السحاب بانصباب أنهار انفتحت لها أبواب السماء وشق لها أديم الخضراء٣ ولو علم اللغة والبلاغة لما قال ما قال. بقي أن أقول هنا أن إسماعيل مظهر هذا قد رجع إلى حظيرة الإسلام مرة أخرى والحمد لله٤، إذا هو قد خرج عنه في أمور كثيرة منها ما هو صريح لا يشك في أمره فيها. والحمد لله أولا وآخرا. ولعلي أكتفي بهذا في سياق الأمثلة على التفاسير المنحرفة في منهج القاصرين في تفسير القرآن الكريم واذكر بعد هذا مثالا للؤلفات في هذا المنهج.
следующие страницы →