← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 8679

اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر

فهد الرومي

Полный текст (1 278 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ١, بتحريم موالاة الكافرين مهما بلغت درجة قرابتهم, واعتبار هذه الموالاة من الكبائر؛ لوصف فاعلها بالظلم٢. أما الأستاذ محمد رشدي حمادي فبين المراد بالولاية، في آية سورة المائدة السابقة فقال: "المراد بالولاية التناصر والمحالفة, وقيده بعضهم بكونها على المؤمنين، وليس المقصود استعمالهم في الوظائف غير القيادية والشئون العامة التي لا تمس عزة المؤمنين"٣. ثم قال: "وهذا الحكم" في قطع الموالاة "باقٍ إلى يوم القيامة"٣. أما الشيخ محمد العثمان القاضي فبين معنى الولاية في الآية المشار إليها بقوله: "والمراد من النهي عدم معاملتهم ومعاشرتهم ومناصرتهم, فلا يجوز وصفهم بالإخوة كما نسمع في بعض الإذاعات, والله يقول: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ ٤، والمفهوم نفي الأخوة عنهم إذا لم يتوبوا ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة. ويقول: ﴿وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ ٥، وليت المسلمين طبقوا أحكام شريعتهم وسلكوا ما كان عليه سلفهم الصالح"٦، لكنه قال: "وأما مبايعتهم فلا بأس بها, فقد قبض رسول الله ﷺ ودرعه مرهون عند يهودي"٦. محبة الصحابة وسائر المؤمنين: وقد ورد الأمر بذلك في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ٧، قال الشيخ محمد العثمان القاضي وفي قوله سبحانه:

стр. 107

﴿سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ ، دليل على المشاركة فيه، وأنهم تابعون للصحابة في عقائد الإيمان وأصوله، وهم أهل السنة والجماعة، الذين لا يصدق هذا الوصف التام إلا عليهم ووصفهم بالإقرار بالذنوب والاستغفار منها, واستغفار بعضهم لبعض، واجتهادهم في إزالة الغل والحقد عن إخوانهم المؤمنين, وأن يحب أحدهم لأخيه ما يحب لنفسه وأن يكونوا كالعضو الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى, ثم قال: وفي ذلك حثّ على وجوب محبة من تقدم من المؤمنين ومراعاة حقوقهم علينا في السبق، وصفاء القلوب من بغض أحد منهم، عن ابن عمر أنه سمع رجلا يتناول بعض المهاجرين بالسب، فقرأ عليه: " ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ ١الآية. ثم قال: هؤلاء المهاجرون، أفمنهم أنت؟ قال: لا. ثم قرأ عليه: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ ١ الآية، ثم قال: هؤلاء الأنصار، أفأنت منهم؟ قال: لا. ثم قرأ عليه: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ ١ الآية، ثم قال: أفمن هؤلاء أنت؟ قال: أرجو أن أكون منهم. قال: ليس من هؤلاء, واللهِ, من سبهم"٢. وقال الأستاذ علي رفاعي محمد في الآية السابقة: "وترشد الآية إلى الترغيب في الدعاء للصحابة ولكل مؤمن، وثمرة ذلك تصفية القلوب وتطهيرها من الحقد والعداوة، وفي الآية تحذير من بغض أحد من الصحابة, أخرج ابن مردويه عن ابن عمر ﵄-٣، ثم ساق الحديث السابق". محبة أهل البيت: قال تعالى: ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ ٤. قال الشيخ محمد القاضي في تفسيرها: "أي: لا أسألكم على تبليغ الرسالة جعلا "إلا المودة في القربى".

стр. 108

قال الزجاج: استثناء ليس من الأول أي: إلا أن تؤدوا قرابتي فتحفظوها, والخطاب لقريش خاصة. قاله ابن عباس وعكرمة ومجاهد. والمعنى: إلا أن تودوني في قرابتي منكم، أي: تراعوا ما بيني وبينكم فتصدقوني. فالقربى ههنا قرابة الرحم, كأنه قال: اتبعوني للقرابة إن لم تتبعوني للنبوة. وقيل: القربى: قرابة الرسول ﷺ أي: لا أسألكم أجرا إلا أن تؤدوا لقرابتي حقهم وهم أهل البيت، للحديث الصحيح: "أذكركم الله في أهل بيتي". وقد وردت أحاديث صحيحة فيها الأمر بإكرام أهل بيت رسول الله ﷺ وقرابته ... فواجب على الإنسان مودتهم، وحب قرابته وآله من حبه١. ووضح الأستاذ أبو الأعلى المودودي٢ المراد بأهل البيت في تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ ٣، فقال: "يظهر من السياق الذي وردت فيه هذه الآية أن المراد بأهل البيت أزواج النبي ﷺ الطاهرات؛ لأن الخطاب بدأ بقوله: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ﴾ ، وهن بعينهن المخاطبات فيما قبل الآية التي بين يدينا وما بعدها. كما أن لفظ "أهل البيت" -علاوة على هذا- يستخدم في اللغة العربية في نفس المعنى الذي نستخدم نحن٤ فيه لفظ أصحاب البيت ويدخل بالطبع في هذا المعنى زوجة الرجل وأولاده ولا يستطيع أحد أن يطلق لفظ "أهل البيت" مستثنيا منه

стр. 109

الزوجة، بل إن هذا اللفظ جاء في موضعين آخرين من القرآن الكريم نفسه بمعنى يشمل "الزوجة" في داخله إن لم تكن مقدمة فيه على غيرها، فقد جاء في سورة هود حين بشرت الملائكة إبراهيم ﵇ بولده إسحاق وتعجبت زوجته حين سمعت ذلك وقالت: ﴿يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ فردت عليها الملائكة: ﴿أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [آيات ٧٢ و٧٣] ، وجاء في سورة القصص حين وصل موسى ﵇ إلى بيت فرعون وهو رضيع وكانت امرأة فرعون تبحث عن مرضعة لترضع موسى فقالت أخته: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ﴾ [آية: ١٢] فاستخدام أهل اللغة إذن واستخدام القرآن نفسه لهذا اللفظ وسياق الآية ذاتها, كل ذلك يدل دلالة قاطعة على أن زوجات النبي المطهرات يدخلن كذلك في أهل بيته ﷺ , كما يدخل أولاده. بل الأصح أن الخطاب في الآية إليهن أصلا أما أولاده فيدخلون فيه ضمنا وعلى هذا الأساس قال ابن عباس وعروة بن الزبير وعكرمة: إن المراد بأهل البيت في هذه الآية أزواج النبي صلى الله عليه وسلم١. ثم قال: "وهناك فرقة لم تكتف في تفسير هذه الآية بارتكاب ظلم إخراج نساء النبي من زمرة أهل البيت وقصر اللفظ على سيدنا علي وفاطمة وأولادهما، بل بلغت في الظلم والعسف قدرا أكبر وأعظم, إذ استنتجت من قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ ٢، أن عليا وفاطمة وأولادهما ﵃ معصومون كعصمة الأنبياء عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام, فهم يقولون: إن المراد بالرجس الخطأ والذنب وقد طهر أهل البيت منه بنص هذه الآية غير أن لفظ الآية لا يقول: إن الله قد أذهب عنكم الرجس وطهركم تماما، بل إن الله يريد إذهاب الرجس عنكم وتطهيركم وسياق الآية وما يتصل بها من قبل ومن بعد لا يفصح عن أن المقصود هنا ذكر

стр. 110

مناقب أهل البيت إنما الموضوع هنا هو نصح أهل البيت أن افعلوا كذا ولا تفعلوا كذا؛ لأن الله يريد أن يطهركم. وبألفاظ أخر يعني أنكم إذا اخترتم كذا وكذا من السلوك فسوف تنالكم نعمة الطهر والنظافة وإلا فلا. ذلكم أننا لو فهمنا من قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ أنه قد عصمهم فليس هناك ما يمنعنا من التسليم بأن كل المسلمين المتوضئين والمغتسلين والمتيممين معصومون كذلك؛ لأن الله تعالى قال فيهم: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٦] "١. وقد بين المراد بأهل البيت وبالتطهير في الآية السابقة -آية الأحزاب- الدكتور مصطفى زيد فقال في المراد بأهل البيت: "إن نساء النبي هن سبب نزول هذه الآيات، فدخولهن في أهل البيت موضع اتفاق بين جميع المفسرين إما وحدهن على قول، وإما مع غيرهن على قول آخر هو الصحيح"٢، ثم ذهب يستدل لما رجحه من القولين وأورد بعد هذا ما زعمه ابن المطهر الحلي من الشيعة بقوله: "وفي هذه الآية دلالة على العصمة مع التأكيد بلفظ "إنما" وإدخال اللام في الخبر والاختصاص في الخطاب بقوله: ﴿وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ ، وغيرهم ليس بمعصوم ... إلخ"، وعلق الدكتور مصطفى زيد على هذا الزعم بأنه لا اعتبار له وساق بعد هذا نصا لابن تيمية -رحمه الله تعالى- في كتابه: منهاج السنة في الرد على ما زعمه ابن المطهر وهو طويل, لكن فيه البيان كل البيان فليرجع إليه من شاء، وقد عقب الدكتور مصطفى عليه بقوله: "وقد آثرنا أن ننقل عن ابن تيمية هذا النص كاملا بالرغم من طوله؛ لأن مسألة الاستدلال بالآية على الإمامة والعصمة مسألة بالغة الخطر، فإن فيها تحميلا للآية ما لا تحتمله بحال ولا تدل عليه من قريب ولا بعيد, وفيها فوق هذا خروج على مبدأ مقرر ينبغي ألا يكون موضع رأي، وألا يكون محلا لاجتهاد قد يخطئ وقد يصيب, وهذا المبدأ هو الوقوف بالآيات عند ما تدل عليه، دون تكلف ولا انحراف بها عما أنزلت لتقرره, وأنه إذا كان فريق من المفسرين يقصر ما تدل عليه الآية على سبب

стр. 111

نزولها، فلا أقل من أن يعتبر سبب النزول داخلا دخولا أوليا فيما تدل الآية عليه وهو ما يقرره ويؤكده جمهور المفسرين الذين يرون العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، أما أن يهمل سبب النزول ولا تعتبر الآية دالة عليه مما يوحي بأن له حكما آخر غير الحكم الذي تقرره الآية, فهذا مما يستنكره المفسرون بجملتهم ولا يفترقون في الحكم عليه. لا تدل الآية إذن على حصر أهل البيت في علي وفاطمة وابنيهما الحسن والحسين, فإن سياقها صريح في النص على دخول نساء النبي فيهم. ومن ثم تقرر بحق أن الآية لم تتعرض للإمامة من قريب أو بعيد. كذلك لا تدل الآية على عصمة أهل بيت الرسول من الخطأ، وإلا ففيم كان دعاء النبي ﷺ لهم بعد نزول الآية؟ وفيم كانت الأوامر والنواهي التي وجهت في الآيات إلى نساء النبي وهن من أهل البيت؟ وفيم كان الوعيد لهن بمضاعفة العذاب ثم الوعد بالأجر المضاعف، حين يأتين بفاحشة وحين يقنتن؟ وأخيرا، فيم كان تذكيرهن بما يتلى في بيوتهن من آيات الله والحكمة؟ وما السر في أن هذا التذكير لم يجئ في الآيات إلا بعد تقرير أن الله يريد لهن أن يذهب الرجس عنهن، وأن يطهرهن تطهيرا؟ "١. أما الشيخ الغزالي خليل عيد٢ -رحمه الله تعالى- فقد بين المراد بأهل البيت عند تفسير الآية بقوله: "وقد اختلف في أهل البيت فقيل: هم زوجات النبي ﷺ وقيل: هم علي وفاطمة والحسن والحسين خاصة، وقيل, وهو الأولى: هم كل من يكون من إلزام النبي ﷺ من

стр. 112

الرجال والنساء والأزواج والإماء والأقارب, وكلما كان الواحد منهم أقرب وبالنبي ﷺ ألزم وأخص كان أجدر وأحق بالدخول تحت هذا اللقب فيكون أحرى بإرادة الله أن يذهب عنه الرجس"١. أما الشيخ حسنين مخلوف فقد اكتفى بتفسير المراد بأهل البيت بقوله: "هم نساؤه ﷺ بقرينة لاسياق"٢. وإنما أطلت -بعض الإطالة- في بيان هذا؛ لأنه أصل ضلت فيه طائفة الشيعة وتطرفوا في تقريره حتى كان هو أصل ضلالهم ومبدأ انحرافهم, نسأل الله لنا ولهم الهداية. التقية والإكراه: قال تعالى: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ ٣, وقال سبحانه: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيم﴾ ٤. قال الأستاذ محمد عبد المنعم خفاجي في تفسير الآية الأولى: "إلا أن تتقوا منهم تقاة أي: إلا أن تخافوا منهم مخافة فلكم موالاتهم باللسان دون القلب. وهذا قبل عزة الإسلام ويجري في بلد ليس قويا فيها، قال معاذ بن جبل: كان التقية في بدء الإسلام قبل استحكام الدين وقوة المسلمين، وأما اليوم فقد أعز الله الإسلام فليس ينبغي لأهل الإسلام أن يتقوا من عدوهم"٥، وقال: "هذا, وتدل هذه الآية على أن للمسلم أن يتقي ما يتقي من مضرة الكافرين، وقصارى

стр. 113

ما تدل عليه آية سورة النحل أن ذلك من باب الرخص لأجل الضرورات العارضة لا من أصل الدين, المتبعة دائما١؛ ولذلك كان من مسائل الإجماع وجوب الهجرة على المسلم من المكان الذي يخاف فيه من إظهار دينه ويضطر فيه إلى التقية، ومن علامة المؤمن الكامل أن لا يخاف في الله لومة لائم، قال تعالى: ﴿فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾ ٢، وقال: ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ٣، وكان النبي وأصحابه يتحملون الأذى في ذات الله ويصبرون، وأما المداراة فيما لا يهدم حقا ولا يبني باطلا فهي كياسة مستحبة يقتضيها أدب المجالسة ما لم تنته إلى حد النفاق والدهان والاختلاق، وتكون مؤكدة في خطاب السفهاء تصونا من سفههم واتقاء لفحشهم"٤. وقد فسرها بنحو هذا الشيخ حسنين مخلوف فقال: "إلا أن تتقوا منهم تقاة أي: إلا أن تخافوا منهم مخافة أو تخافوا من جهتهم أمرا يجب اتقاؤه من الضرر في النفس أو المال أو العرض, وذلك إذا كان الكفار غالبين ظاهرين أو كنتم في قوم كفار فيرخص لكم في مداراتهم باللسان على أن لا تنطوي قلوبكم على شيء في مودتهم، بل تدارونهم وأنتم لهم كارهون وألا تعملوا ما هو محرم كشرب الخبر، واطلاعهم على عورات المسلمين والانحياز إليهم في مجافاة بعض المسلمين فلا رخصة إلا في المداراة باللسان, وعن معاذ ومجاهد أن هذا الحكم قد نسخ بعد قوة الإسلام, وعن الحسن جواز التقية في كل وقت؛ لدفع الضرر بقدر الإمكان"٥. أما الأستاذ محمد رشدي حمادي فقال في تفسيرها: "إلا أن تتقوا منهم تقاة" أي: من خاف في بعض البلدان والأوقات من شرهم فله أن يتقيهم بظاهره لا بباطنه ونيته. قال ابن عباس: ليس التقية بالعمل, إنما التقية باللسان. ويؤيد

стр. 114

ما قال ابن عباس, قوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ الآية. وقال البخاري: قال الحسن: التقية إلى يوم القيامة. وللتقية أحكام منها: إذا كان الرجل في قوم كفار يخاف منهم على نفسه جاز له أن يظهر المحبة والموالاة ولكن بشرط أن يضمر خلافه ويُعرِّض في كل ما يقول ما أمكن, فإن التقية تأثيرها في الظاهر لا في أحوال القلب, ومنها: أنها رخصة فلو تركها كان أفضل لما روى الحسن: "أنه أخذ مسيلمة الكذاب رجلين من أصحاب رسول الله ﷺ فقال لأحدهما: أتشهد أن محمدا رسول الله؟ قال: نعم قال: أتشهد أني رسول الله؟ قال: نعم، وكان مسيلمة يزعم أنه رسول بني حنيفة ومحمد رسول قريش فتركه ودعا الآخر, وقال: أتشهد أن محمدا رسول الله؟ فقال: نعم نعم نعم، فقال: أتشهد أني رسول الله؟ فقال: إني أصم ثلاثا, فقدمه وقتله، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: "أما هذا المقتول فمضى على يقينه وصدقه فهنيئا له، وأما الآخر فقبل رخصة الله فلا تبعة عليه"، ونظير هذه الآية: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ ١. ومنها: إنما تجوز فيما يتعلق بإظهار الموالاة والمعاداة. وقد يجوز أن تكون أيضا فيما يتعلق بإظهار الدين, فأما الذي يرجع ضرره إلى الغير كالقتل والزنى وغصب الأموال وشهادة الزور وقذف المحصنات واطلاع الكفار على عورات المسلمين, فذلك غير جائز البتة"٢. وهأنت ترى أن التقية عند مفسري أهل السنة والجماعة لا تكون إلا عند تحقق الخوف من الكفار, وأنها مع هذا رخصة تركها أفضل، وبشرط أن لا يرجع ضررها إلى غير صاحبها وأنها باللسان لا بالعمل ولا بالقلب. القضاء والقدر: وقد وضح الأستاذ محمد عبد الله الجزار عقيدة أهل السنة والجماعة في الإيمان بالقضاء والقدر عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ

стр. 115

إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ١، فقال: "إن عقيدة القضاء والقدر من الدين وإنها لا تنافي اختيار الإنسان وتمكنه من سلوك سبيل السعادة, ففي قوله: ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ إثبات أن للعبد مشيئة واختيارا وذلك يقتضي الاجتهاد والسعي وإثبات الأسباب والمسببات وذلك شرع الله. وفي قوله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ إثبات قدر الله وعموم مشيئته وأنه لا يقع في ملكه شيء قهرا عنه، بل ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن, وذلك يقتضي الالتجاء إلى الله مع العمل والاستعانة به والتوكل عليه وعدم غرور النفس بقوتها ولا بعلمها, فإن ذلك من ظلمها وجهلها, جعلنا الله وإياكم ممن يتخذ إلى ربه سبيلا وممن يدخلهم سبحانه في رحمته آمين"٢. أما الأستاذ محمد رشدي حمادي فقال في تفسير قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ٣، قال: " ... ومثل هذه الآية قوله تعالى من هذه السورة: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْوا﴾ [٦: ١٠٦] ، وقوله منها أيضا: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ [٣٦] ، وأيضا: ﴿مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [٣٩] ، وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [٥: ٥١] , وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [١١: ١١٨] , وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [١٠: ٩٩] ، فالآيات في هذا المعنى كلها بيان لسنة الله في خلق الإنسان، وهي حجة على المجبرة والقدرية جميعا لا لهما. وقد تبارى المعتزلة والأشعرية في تطبيق هذه الآيات على مذاهبهما"، ثم قال: " ... وقد احتج السلف بالآية على منكري القدر قبل

стр. 116

حدوث مذهبي المعتزلة والأشعرية، فقد روى أكثر مدوني التفسير المأثور وأبو الشيخ والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس أنه قيل له: إن أناسا يقولون: إن الشر ليس بقدر، فقال ابن عباس: بيننا وبين أهل القدر هذه الآية: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ إلى قوله: ﴿فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ، وأخرج أبو الشيخ عن علي بن زيد قال: انقطعت حجة القدرية عن هذه الآية. وقال الحافظ ابن كثير في قوله تعالى في رد الآية على شبهتهم أي بهذه الشبهة: ضل من ضل قبل هؤلاء وهي حجة داحضة باطلة؛ لأنها لو كانت صحيحة لما أذاقهم الله بأسه ودمر عليهم وأدال عليهم الرسل الكرام وأذاق المشركين من أليم الانتقام. ا. هـ. وقد جارى أحمد بن المنير صاحب الكشاف على جعل شبهة المشركين عين شبهة المجبرة، ثم جعل الآيتين مبطلتين لمذهبي المعتزلة والمجبرة جميعا"، ثم نقل نص أحمد بن المنير وجاء فيه: " ... وجماع الرد على المجبرة ... في قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ ، وتتمة الآية رد صراح على طائفة الاعتزال القائلين بأن الله تعالى شاء الهداية منهم أجمعين فلم تقع من أكثرهم ووجه الرد أن "لو" إذا دخلت على فعل مثبت نفته, فيقتضي ذلك أن الله تعالى لما قال: ﴿فَلَوْ شَاءَ﴾ لم يكن الواقع أنه شاء هدايتهم ولو شاءها لوقعت فهذا تصريح ببطلان زعمهم ومحل عقدهم, فإذا ثبت اشتمال الآية على رد عقيدة الطائفتين المذكورتين المجبرة في أولها والمعتزلة في آخرها فاعلم أنها جامعة لعقيدة السنة منطبقة عليها, فإن أولها كما بينا يثبت للعبد اختيارا وقدرة على وجه يقطع حجته وعذره في المخالفة والعصيان, وآخرها يثبت نفوذ مشيئة الله في العبد وأن جميع أفعاله على وفق المشيئة الإلهية خير أو غيره وذلك عين عقيدتهم فإنهم كما يثبتون للعبد مشيئة وقدره, يسلبون تأثيرهما ويعتقدون أن ثبوتهما قاطع لحجته ملزم له بالطاعة على وفق اختياره ويثبتون نفوذ مشيئة الله أيضا وقدرته في أفعال عباده, فهم كما رأيت تبع للكتاب العزيز يثبتون ما أثبت وينفون ما نفى, مؤيدون بالعقل والنقل, والله الموفق". ا. هـ١.

стр. 117

هذه: أمثلة تطبيقية لتفسير أهل السنة والجماعة حسب أصول عقائدهم, ليس قصدنا من إيرادها إثبات مذهب كل مفسر استشهدنا له بتفسير أو إنكار سلامة سواه، بل قصدنا إثبات القول بأصول أهل السنة وتفسيرهم في العصر الحديث. أما القصد الآخر فيثبته إيراد نماذج من مفسري أهل السنة والجماعة وتحقيق ذلك في تفاسيرهم وتطبيقه. ولقد اخترت من تفاسيرهم تفاسير ثلاثة، راعيت فيها أن يكون كل منها شاملا لآيات القرآن الكريم كلها، وأن يكون صاحبها ممن اشتهر بغزير عمله، وسعة اطلاعه، واستقامة أمره، وصلاح سيرته، وصحة مذهبه. ومع هذا, فإني وقد اخترت هذه التفاسير لا أنكر فضل سواها ولا أغمط حق غيرها, وما لنا عذر إلا أن المقام مقام تمثيل وليس مقام استيفاء وشمول, والله الموفق.

стр. 118

نماذج من مفسرى أهل السنة مدخل ... نماذج من مفسري أهل السنة: وهؤلاء الذين وقع عليهم الاختيار: ١- محمد الأمين بن محمد المختار الجكني الشنقيطي؛ وتفسيره: "أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن". ٢- عبد الرحمن السعدي؛ وتفسيره: "تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان". ٣- محمد جمال الدين القاسمي؛ وتفسيره: "محاسن التأويل". وسنبدأ بترجمة موجزة لكل منهم, يعقبها تطبيق لتفسيره على أصول وعقيدة أهل السنة والجماعة.

стр. 119

أولا: تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن: صاحب التفسير: هو: محمد الأمين بن محمد المختار الجكني الشنقيطي. مولده: ولد ﵀ سنة ١٣٢٥ في "تنبة" من أعمال مديرية "كيفا" في شنقيط, وهي دولة موريتانيا الإسلامية الآن. نشأته: توفي والده وهو صغير يقرأ في جزء عم وترك له ثروة من الحيوان والمال, فسكن مع أمه عند أخواله وحفظ القرآن على خاله وعمره عشر سنوات, وتعلم رسم المصحف العثماني على ابن خاله، ودرس الأدب دراسة واسعة على زوجة خاله قال: أخذت عنها مبادئ النحو كالأجرومية وتمرينات ودروس واسعة في أنساب العرب وأيامهم والسيرة النبوية ونظم الغزوات وشروحه١. فكان بيت أخواله المدرسة الأولى له. ثم درس الفقه المالكي وألفية ابن مالك, ثم أخذ بقية الفنون على مشايخ متعددة في فنون مختلفة وكلهم من الجكنيين إلى أن برع فيها. رحلة الحج: أزمع -رحمه الله تعالى- على الحج عن طريق البر وعلى نية العودة بعد الحج, وكان كغيره في نفسه شيء غير قليل من رواسب الشبهات الملصقة بدعوة الشيخ

стр. 120

محمد بن عبد الوهاب، وما أن وصل إلى البلاد حتى اتصل ببعض علمائها وقرأ بعض كتب الدعوة من مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وبعض رسائل الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵏ جميعا، وكان هذا كافيا لتنقية عقله وفكره مما شابه من تدنيس الخصوم وجلاء الحقيقة أمام ناظريه، وانقلب ثم عزمه على العودة إلى رغبة في البقاء. تدريسه في المسجد النبوي: كان ﵀ يقول: "ليس من عمل أعظم من تفسير كتاب الله في مسجد رسول الله ﷺ "، وتم له ذلك بأمر من جلالة الملك عبد العزيز رحمه الله١، وبعد أن كان مقتصرا على المذهب المالكي ولما عزم على البقاء وبدأ التدريس في المسجد النبوي وخالط العامة والخاصة وجد من يمثل المذاهب الأربعة ومن يناقش فيها, وقد ظهر ذلك في منهجه في تفسيره: أضواء البيان حينما يعرض لآيات الأحكام فيستوفي أقوال العلماء, ويرجح ما يظهر له بمقتضى الدليل. تدريسه في الرياض: سنة ١٣٧١ افتتح في الرياض معهد علمي أعقبه افتتاح كليتي الشريعة واللغة العربية, وقد اختير ﵀ لتدريس التفسير والأصول إلى سنة ١٣٨١ حين افتتحت الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة. عودته إلى المدينة المنورة: عاد -رحمه الله تعالى- إلى المدينة المنورة للتدريس في الجامعة الإسلامية, وفي سنة ١٣٨٦هـ افتتح في الرياض المعهد العالي للقضاء, فكان ﵀ أستاذا زائرا للتفسير والأصول.

стр. 121

وفي سنة ١٣٩١ صدر تشكيل لهيئة كبار العلماء, وكان ﵀ أحد أعضائها١. وفي رابطة العالم الإسلامي كان عضو المجلس التأسيسي فيه، وكان له فيه خدمات جليلة. وفاته: توفي -رحمه الله تعالى- ضحى يوم الخميس ١٧/ ١٢/ ١٣٩٣هـ بمكة المكرمة مرجعه من الحج, ودفن بمقبرة المعلاة وصلي على جثمانه في الحرم المكي، وفي ليلة الأحد أقيمت عليه صلاة الغائب بالمسجد النبوي. مؤلفاته: من أهم مؤلفاته، رحمه الله تعالى: ١- منع جواز المجاز في المنزَّل للتعبد والإعجاز: وغرضه فيه، نفي ادعاء المجاز في أسماء الله تعالى وصفاته، وإجراؤها على طريقة السلف بلا تأويل ولا تعطيل ولا تشبيه، وزاد هذا المعنى إيضاحا في كتابه آداب البحث والمناظرة. ٢- دفع إيهام الاضطراب عن آي الكتاب: أبان فيه مواضع قد يبدو تعارضها عند بعض الناس، وأزال هذه الشبهة بما يجلو هذا العارض. ٣- مذكرة الأصول على روضة الناظر: جمع فيها بين أصول الحنابلة والمالكية والشافعية, وألفه لطلبة كليتي الشريعة والدعوة بالجامعة الإسلامية. ٤- آداب البحث والمناظرة: بين فيه آداب البحث من إيراد المسائل وبيان الدليل ونحو ذلك, ويقع في جزأين, وهو أيضا مقرر في الجامعة. ٥- "أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن": ونفرده بالدراسة هنا٢.

стр. 122

التفسير: "أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن": تعريف عام: وصل المؤلف -رحمه الله تعالى- في تفسيره هذا إلى قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ آخر سورة المجادلة، واستغرق هذا سبعة مجلدات. - صدر المجلد الأول في غرة ذي القعدة سنة ١٣٨٦ في حياة المؤلف. - صدر المجلد الثاني في غرة ذي الحجة سنة ١٣٨٦ في حياة المؤلف. - صدر المجلد الثالث في ربيع الأول سنة ١٣٨٣ في حياة المؤلف. - صدر المجلد الرابع في غرة ذي القعدة سنة ١٣٨٤ في حياة المؤلف. - صدر المجلد الخامس في غرة ربيع الأول سنة ١٣٩٠ في حياة المؤلف. - صدر المجلد السادس في غرة محرم سنة ١٣٩٢ في حياة المؤلف. - صدر المجلد السابع في شهر شوال سنة ١٣٩٦ بعد وفاة المؤلف ﵀ ثم أكمل التفسير من بعده تلميذه عطية محمد سالم في مجلدين كبيرين. - صدر المجلد الثامن وهو الأول من التتمة في شهر رمضان سنة ١٣٩٧هـ. - صدر المجلد التاسع وهو الثاني بدون تاريخ وفيه تفسير جزء عم، وضم معه بعض مؤلفات الشيخ ﵀ وهي رسالة في الناسخ والمنسوخ ثم رسالة منع جواز المجاز عن المنزل للتعبد والإعجاز، ثم دفع إيهام الاضطراب عن آي الكتاب ثم محاضرة لتلميذه الشيخ عطية محمد سالم وهي ترجمة لحياة الشيخ، رحمه الله تعالى. منهجه: بين المؤلف -رحمه الله تعالى- غرضه من تأليف هذا التفسير بقوله: "واعلم أن من أهم المقصود بتأليفه أمرين:

стр. 123

"أحدهما: بيان القرآن بالقرآن لإجماع العلماء على أن أشرف أنواع التفسير وأجلها تفسير كتاب الله بكتاب الله. إذ لا أحد أعلم بمعنى كلام الله جل وعلا من الله جل وعلا، وقد التزمنا أنا لا نبين القرآن إلا بقراءة سبعية سواء كانت قراءة أخرى في الآية المبينة نفسها، أو آية أخرى غيرها. ولا نعتمد على البيان بالقراءات الشاذة وربما ذكرنا القراءة الشاذة استشهادا للبيان بقراءة سبعية، وقراءة أبي جعفر ويعقوب وخلف ليست من الشاذ عندنا ولا عند المحققين من أهل العلم بالقراءات. والثاني: بيان الأحكام الفقهية في جميع الآيات المبينة -بالفتح- في هذا الكتاب، فإننا نبين ما فيها من الأحكام وأدلتها من السنة وأقوال العلماء في ذلك, ونرجح ما ظهر لنا أنه الراجح بالدليل من غير تعصب لمذهب معين ولا لقول قائل معين؛ لأننا ننظر إلى ذات القول لا إلى قائله لأن كل كلام فيه مقبول ومردود إلا كلامه ﷺ ومعلوم أن الحق حق ولو كان قائله حقيرا. وقد تضمن هذا الكتاب أمورا زائدة على ذلك, كتحقيق بعض المسائل اللغوية وما يحتاج إليه من صرف وإعراب والاستشهاد بشعر العرب وتحقيق ما يحتاج إليه فيه من المسائل الأصولية والكلام على أسانيد الأحاديث كما ستراه إن شاء الله تعالى"١. وقال أيضا في بيان منهجه، رحمه الله تعالى: "واعلم أن مما التزمنا في هذا الكتاب المبارك أنه إن كان للآية الكريمة مبين من القرآن غير واف بالمقصود من تمام البيان, فإنا نتمم البيان من السنة من حيث إنها تفسير للمبين باسم الفاعل"٢. وقال أيضا: "وربما كان في الآية الكريمة أقوال كلها حق وكل واحد منها يشهد له قرآن, فإنا نذكرها ونذكر القرآن الدال عليها, من غير تعرض لتجريح بعضها؛ لأن كل واحد منها صحيح"٣.

стр. 124

وقد التزم -رحمه الله تعالى- بهذا, فالتزم تفسير القرآن بالقرآن معتمدا على القراءات السبع مبتعدا عن القراءات الشاذة, ومستندا إلى السنة النبوية الطاهرة, معتبرا لأقوال العلماء الثقات، لا يتعصب لرأي، ولا يحقر قولا, بل ينظر إلى ذات القول لا إلى قائله، يستوفي الأقوال ويرجح بالدليل والبرهان, إن كنت أصوليا وجدت في تفسيره دقائقه، وإن كنت من علماء الحديث وجدت فيه بدائعه، وإن كنت فقيها وجدت فيه وفاءه، وإن كنت من علماء العقيدة وجدت فيه صفاءها ونقاءها، بل عقيدة أهل السنة والجماعة التي لا تشوبها شائبة، وإن كنت من علماء كل هذا وجدت فيه رواءك وشفاءك. نماذج من تفسيره: الأسماء والصفات: أفرد المؤلف -رحمه الله تعالى- آيات الأسماء والصفات برسالة خاصة بيّن فيها أن كثرة الخوض والتعمق في البحث في آيات الصفات وكثرة الأسئلة في ذلك الموضوع, من البدع التي يكرهها السلف١. ثم أجمل الحديث عن آيات الصفات فقال عنها: دل القرآن العظيم أنه -أي مبحث آيات الصفات- يتركز على ثلاثة أسس من جاء بها كلها فقد وافق الصواب وكان على الاعتقاد الذي كان عليه النبي ﷺ وأصحابه والسلف الصالح, ومن أخلّ بواحد من تلك الأسس الثلاثة فقد ضل, وكل هذه الأسس الثلاثة يدل عليها قرآن عظيم. أحد هذه الأسس الثلاثة هو تنزيه الله جل وعلا عن أن يشبه شيء من صفاته شيئا من صفات المخلوقين, وهذا الأصل يدل عليه قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ٢، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ ٣، ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ ٤.

стр. 125

الثاني من هذه الأسس: هو الإيمان بما وصف الله به نفسه؛ لأنه لا يصف الله أعلم بالله من الله ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ ١، والإيمان بما وصفه به رسوله ﷺ لأنه لا يصف الله بعد الله أعلم بالله من رسول الله ﷺ الذي قال في حقه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ ٢، ٣. ولم يذكر -رحمه الله تعالى- الأساس الثالث هنا, لكنه في آخر بحثه قال: "هذه الأسس الثلاثة التي ركزنا عليها البحث وهي: ١- تنزيه الله عن مشابهة الخلق. ٢- الإيمان بالصفات الثابتة بالكتاب والسنة, وعدم التعرض لنفيها. ٣- قطع الطمع عن إدراك الكيفية"٤. ذلكم مجمل موقفه -رحمه الله تعالى- من آيات الصفات. إثبات الرؤية: أبطل -رحمه الله تعالى- مذهب المعتزلة في إنكار رؤية الله تعالى يوم القيامة واستدلالهم بقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ ٥, فقال: "استدل المعتزلة النافون لرؤية الله بالأبصار يوم القيامة بهذه الآية على مذهبهم الباطل، وقد جاءت آيات تدل على أن نفي الرؤية المذكورة، إنما هو في الدنيا، وأما في الآخرة فإن المؤمنين يرونه جل وعلا بأبصارهم كما صرح الكفار"٦،

стр. 126

﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ ١، فإنه يفهم من مفهوم مخالفته أن المؤمنين ليسوا محجوبين عنه جل وعلا. وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ ٢: "الحسنى: الجنة, والزيادة: النظر إلى وجه الله الكريم"، وذلك هو أحد القولين في قوله تعالى: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ ٣, وقد تواترت الأحاديث عن النبي ﷺ : "أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة بأبصارهم" , وتحقيق المقام في المسألة: أن رؤية الله جل وعلا بالأبصار جائزة عقلا في الدنيا والآخرة، ومن أعظم الأدلة على جوازها عقلا في دار الدنيا، قول موسى: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ لأن موسى لا يخفى عليه الجائز والمستحيل في حق الله تعالى, وأما شرعا فهي جائزة وواقعة في الآخرة كما دلت عليه الآيات المذكورة، وتواترت به الأحاديث الصحاح, وأما في الدنيا فممنوعة شرعا كما تدل عليه آية الأعراف هذه، وحديث: "إنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا" كما أوضحناه في كتابنا "دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب"٤. الاستواء: قدم -رحمه الله تعالى- لحديثه عن الاستواء بمقدمة وافية كافية عن صفات الله تعالى عموما, ثم قال: وأمثال هذا من الصفات الجامعة كثير في القرآن. ومعلوم أنه جل وعلا متصف بهذه الصفات المذكورة حقيقة على الوجه اللائق بكماله وجلاله، وأن ما وصف به المخلوق منها مخالف لما وصف به الخالق، كمخالفة ذات الخالق جل وعلا لذوات الحوادث ولا إشكال في شيء من ذلك. إلى أن قال: فإذا حققت كل ذلك علمت أنه جل وعلا وصف نفسه بالاستواء على العرش، ووصف غيره بالاستواء على بعض المخلوقات

стр. 127

فتمدح جل وعلا في سبع آيات من كتابه باستوائه على عرشه ولم يذكر صفة الاستواء إلا مقرونة بغيرها من صفات الكمال والجلال القاضية بعظمته وجلاله -جل وعلا- وأنه الرب وحده المستحق لأن يعبد وحده ... ثم ذكر -رحمه الله تعالى- الآيات السبع عن الاستواء في الأعراف وفي سورة يونس وفي سورة الرعد وفي سورة طه وفي سورة الفرقان وفي سورة السجدة وفي سورة الحديد، ثم قال: وقال جل وعلا في وصف الحادث بالاستواء على بعض المخلوقات: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ ١، ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ ٢ الآية، ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ ٣ الآية, ونحو ذلك من الآيات, وقد علمت مما تقدم أنه لا إشكال في ذلك وأن للخالق جل وعلا استواء لائقا بكماله وجلاله, وللمخلوق أيضا استواء مناسبا لحاله، وبين استواء الخالق والمخلوق من المنافاة ما بين ذات الخالق والمخلوق, على نحو: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٤ كما تقدم إيضاحه٥. يد الله تعالى: قال رحمه الله تعالى: كل لفظ دل على صفة الخالق ظاهره المتبادر منه أن يكون لائقا بالخالق منزها عن مشابهة صفات الخلق، وكذلك اللفظ الدال على صفة المخلوق لا يعقل أن تدخل فيه صفة الخالق، فالظاهر المتبادر من لفظ اليد بالنسبة للمخلوق هو كونها جارحة وهي عظم ولحم ودم، وهذا هو الذي يتبادر إلى الذهن في نحو قوله تعالى: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ٦، والظاهر المتبادر من اليد بالنسبة للخالق في نحو قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ

стр. 128

بِيَدَيَّ﴾ ١ أنها صفة كمال وجلال، لائقة بالله جل وعلا ثابتة له على الوجه اللائق بكماله وجلاله ... ولا يصح هنا تأويل اليد بالقدرة البتة لإجماع أهل الحق والباطل كلهم على أنه لا يجوز تثنية القدرة. ولا يخطر في ذهن المسلم المراجع عقله دخول الجارحة التي هي عظم ولحم ودم في معنى هذا اللفظ الدال على هذه الصفة العظيمة من صفات خالق السموات والأرض, فاعلم أيها المدعي أن ظاهر لفظ اليد في الآية المذكورة وأمثالها لا يليق بالله؛ لأن ظاهرها التشبيه بجارحة الإنسان وأنها يجب صرفها عن هذا الظاهر الخبيث، ولم تكتف بهذا حتى ادعيت الإجماع على صرفها عن ظاهرها أن قولك هذا كله افتراء عظيم على الله تعالى وعلى كتابه العظيم، وأنك بسببه كنت أعظم المشبهين والمجسمين وقد جرك شؤم هذا التشبيه إلى ورطة التعطيل، فنفيت الوصف الذي أثبته الله في كتابه لنفسه بدعوى أنه لا يليق به وأولته بمعنى آخر من تلقاء نفسك بلا مستند من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قول أحد من السلف. وماذا عليك لو صدقت الله وآمنت بما مدح به نفسه على الوجه اللائق بكماله وجلاله من غير كيف ولا تشبيه ولا تعطيل؟ وبأي موجب سوغت لذهنك أن يخطر فيه صفة المخلوق عند ذكر صفة الخالق؟ هل تلتبس صفة الخالق بصفة المخلوق عن٢ أحد, حتى يفهم صفة المخلوق من اللفظ الدال على صفة الخالق؟ فاخشَ الله يا إنسان واحذر من التقول على الله بلا علم، وآمن بما جاء في كتاب الله مع تنزيه الله عن مشابهة خلقه, واعلم أن الله الذي أحاط علمه بكل شيء لا يخفى عليه الفرق بين الوصف اللائق به والوصف غير اللائق به حتى يأتي إنسان فيتحكم في ذلك فيقول: هذا الذي وصفت به نفسك غير لائق بك وأنا أنفيه عنك بلا مستند منك ولا من رسولك وآتيك بدله بالوصف اللائق بك. فاليد مثلا التي وصفت بها نفسك لا تليق بك لدلالتها على التشبيه بالجارحة، وأنا أنفيها عنك نفيا باتا، وأبدلها لك بوصف لائق بك وهو النعمة أو القدرة مثلا أو الجود!! سبحانك هذا بهتان عظيم٣.

стр. 129

وقال أيضا: "فإن قيل: إن هذا القرآن العظيم نزل بلسان عربي مبين والعرب لا تعرف في لغتها كيفية لليد مثلا إلا كيفية المعاني المعروفة عندها, كالجارحة وغيرها من معاني اليد المعروفة في اللغة, فبينوا لنا كيفية لليد ملائمة لما ذكرتم, فالجواب من وجهين: الوجه الأول: أن العرب لا تدرك كيفيات صفات الله من لغتها؛ لشدة منافاة صفة الله لصفة الخلق، والعرب لا تعرف عقولهم كيفيات إلا لصفات الخلق, فلا تعرف العرب كيفية للسمع والبصر إلا هذه المشاهدة في حاسة الأذن والعين، أما سمع لا يقوم بأذن، وبصر لا يقوم بحدقة، فهذا لا يعرفون له كيفية البتة، فلا فرق بين السمع والبصر، وبين اليد والاستواء، فالذي تعرف كيفيته العرب من لغتها من جميع ذلك هو المشاهد في المخلوقات. وأما الذي اتصف الله به من ذلك فلا تعرف له العرب كيفية، ولا حدا لمخالفة صفاته لصفات الخلق إلا أنهم يعرفون من لغتهم أصل المعنى، كما قال الإمام مالك، ﵀: الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، كما يعرفون من لغتهم أن بين الخالق والمخلوق والرزق والمرزوق والمحيي والمحيا، والمميت والممات فوارق عظيمة لا حد لها، تستلزم المخالفة التامة بين صفات الخالق والمخلوق. الوجه الثاني: أن نقول لمن قال: بينوا لنا كيفية لليد ملائمة لما ذكرتم من كونها صفة كمال وجلال منزهة عن مشابهة جارحة المخلوق: هل عرفت كيفية الذات المقدسة المتصفة باليد، فلا بد أن يقول: لا, فإن قال ذلك قلنا: معرفة كيفية الصفات تتوقف على معرفة كيفية الذات, فالذات والصفات من باب واحد، فكما أن ذاته جل وعلا تخالف جميع الذوات, فإن صفاته تخالف جميع الصفات، ومعلوم أن الصفات تختلف وتتباين باختلاف موصوفاتها، ألا ترى مثلا أن لفظ رأس كلمة واحدة؟ إن أضفتها إلى الإنسان فقلت: رأس الإنسان، وإلى الوادي فقلت: رأس الوادي، وإلى المال فقلت: رأس المال، وإلى الجبل فقلت: رأس الجبل، فإن كلمة رأس اختلفت معانيها وتباينت تباينا شديدا بحسب اختلاف إضافتها مع أنها في مخلوقات حقيرة. فما بالك بما أضيف من الصفات

стр. 130

إلى الله وما أضيف منها إلى خلقه, فإنه يتباين كتباين الخالق والمخلوق، كما لا يخفى"١. سلامة القرآن من التحريف: قال رحمه الله تعالى في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ٢: "بين تعالى في هذه الآية الكريمة أنه هو الذي نزل القرآن العظيم, وأنه حافظ له من أن يزاد فيه أو ينقص أو يتغير منه شيء أو يبدل، وبين هذا المعنى في مواضع أخر كقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ, لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ ٣، وقول: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ, إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ ٤, وهذا هو الصحيح في معنى هذه الآية أن الضمير في قوله: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ راجع إلى الذكر الذي هو القرآن, وقيل: الضمير راجع إلى النبي ﷺ كقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ ٥ والأول هو الحق كما يتبادر من ظاهر السياق"٦. ظاهر القرآن: عند قول تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ ٧، رد رحمه الله تعالى على الذين يصرفون آيات القرآن الكريم عن ظاهرها حتى زعم أحدهم أن العلماء قالوا: إن الأخذ بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر، رد رحمه الله تعالى على هذا الزعم ونحوه فقال: "من هم العلماء الذين قالوا: إن

стр. 131

الأخذ بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر؟ سموهم لنا، وبينوا لنا: من هم؟ والحق الذي لا شك فيه أن هذا القول لا يقوله عالم ولا متعلم؛ لأن ظواهر الكتاب والسنة هي نور الله الذي أنزله على رسوله ليستضاء به في أرضه وتقام به حدوده، وتنفذ به أوامره، وينصف به بين عباده في أرضه، والنصوص القطعية التي لا احتمال فيها قليلة جدا لا يكاد يوجد منها إلا أمثلة قليلة جدا كقوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ ١. والغالب الذي هو الأكثر هو كون نصوص الكتاب والسنة ظواهر، وقد أجمع جميع المسلمين على أن العمل بالظاهر واجب حتى يرد دليل شرعي صارف عنه، إلى المحتمل المرجوح، وعلى هذا كل من تكلم في الأصول. فتنفير الناس وإبعادهم عن كتاب الله وسنة رسوله بدعوى أن الأخذ بظواهرهما من أصول الكفر هو من أشنع الباطل وأعظمه كما ترى, وأصول الكفر يجب على كل مسلم أن يحذر منها كل الحذر ويتباعد منها كل التباعد ويتجنب أسبابها كل الاجتناب, فيلزم على هذا القول المنكر الشنيع وجوب التباعد من الأخذ بظواهر الوحي"٢. وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ ٣, قال: "وحاصل تحرير مسألة التأويل عند أهل الأصول أنه لا يخلو من واحدة من ثلاث حالات بالتقسيم الصحيح: الأولى: أن يكون صرف اللفظ عن ظاهره بدليل صحيح في نفس الأمر يدل على ذلك، وهذا هو التأويل المسمى عندهم بالتأويل الصحيح والتأويل القريب ... ثم ضرب له مثالا. الحالة الثانية: أن يكون صرف اللفظ عن ظاهره لأمر يظنه الصارف دليلا وليس بدليل في نفس الأمر, وهذا هو المسمى عندهم بالتأويل الفاسد والتأويل البعيد ... ثم ضرب لها مثالا.

стр. 132

الحالة الثالثة: أن يكون صرف اللفظ عن ظاهره لا دليل له أصلا، وهذا يسمى في اصطلاح الأصوليين لعبا, كقول بعض الشيعة: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ ١ يعني عائشة, ﵂"٢. الإمامة: في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ ٣, قال "قال مقيده, عفا الله عنه": من الواضح المعلوم من ضرورة الدين أن المسلمين يجب عليهم نصب إمام تجتمع به الكلمة وتنفذ به أحكام الله في أرضه, ولم يخالف في هذا إلا من لا يعتد به ... وأكثر العلماء على أن وجوب الإمامة الكبرى بطريق الشرع كما دلت عليه الآية المتقدمة وأشباهها وإجماع الصحابة ﵃ ولأن الله قد يزع بالسلطان ما لا يزعه بالقرآن وكما قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ ٤؛ لأن قوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ ، فيه إشارة إلى إعمال السيف عند الإباء بعد إقامة الحجة ... واعلم أن ما تتقوله الإمامية من المفتريات على أبي بكر وعمر وأمثالهما من الصحابة، وما تتقوله في الاثني عشر إماما، وفي الإمام المنتظر المعصوم ونحو ذلك من خرافاتهم وأكاذيبهم الباطلة كله باطل لا أصل له، وإذا أردت الوقوف على تحقيق ذلك فعليك بكتاب: "منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية" للعلامة الوحيد الشيخ تقي الدين أبي العباس ابن تيمية -تغمده الله برحمته- فإنه جاء فيه بما لا مزيد عليه من الأدلة القاطعة والبراهين الساطعة على إبطال جميع تلك الخرافات المختلفة"٥.

стр. 133

لا رجعة قبل يوم القيامة: قال رحمه الله تعالى في تفسير قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ ١: بين تعالى في هذه الآية الكريمة أن الكفار إذا عاينوا الحقيقة يوم القيامة يقرون بأن الرسل جاءت بالحق ويتمنون أحد امرين: أن يشفع لهم شفعاء فينقذوهم، أو يردوا إلى الدنيا ليصدقوا الرسل ويعملوا بما يرضي الله, ولم يبين هنا هل يشفع لهم أحد؟ وهل يردون؟ وماذ يفعلون لو ردوا؟ وهل اعترافهم ذلك بصدق الرسل ينفعهم؟ ولكنه تعالى بين ذلك كله في مواضع أخر؛ فبين أنهم لا يشفع لهم أحد بقوله: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ﴾ ٢.. الآية، وقوله: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ ٣، وقوله: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ ٤، مع قوله: ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ ٥، وقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ ٦. وبين أنهم لا يردون في مواضع متعددة كقوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُؤُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ، وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ ٧، فقوله: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ الآية, دليل على أن النار وجبت لهم فلا يردون ولا يعذرون، وقوله: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ ٨، فصرح بأنه قطع عذرهم في الدنيا بالإمهال مدة يتذكرون فيها

стр. 134

وإنذار الرسل، وهو دليل على عدم ردهم إلى الدنيا مرة أخرى, وأشار إلى ذلك بقوله: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ﴾ ١ جوابا لقولهم: ﴿أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾ ، وقوله: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾ ٢، بعد قوله تعالى عنهم: ﴿فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾ ٣، وقوله: ﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ ٤ ... الآية, بعد قوله: ﴿وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ﴾ ، وقوله هنا: ﴿قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ ... الآية, بعد قوله: ﴿فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ﴾ ... الآية, فكل ذلك يدل على عدم الرد إلى الدنيا وعلى وجوب العذاب، وأنه لا محيص لهم عنه٥. الميزان: قرر رحمه الله تعالى أن ظاهر القرآن الكريم يدل على تعدد الموازين لكل شخص فقال: "وقوله في هذه الآية الكريمة": ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ﴾ ٦, جمع ميزان وظاهر القرآن تعدد الموازين لكل شخص لقوله: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ ٧، وقوله: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ ٧، فظاهر القرآن يدل على أن للعامل الواحد موازين يوزن بكل واحد منها صنف من أعماله, كما قال الشاعر: ملك تقوم الحادثات لعدله ... فلكل حادثة لها ميزان والقاعدة المقررة في الأصول أن ظاهر القرآن لا يجوز العدول عنه إلا

стр. 135

بدليل يجب الرجوع إليه, وقال ابن كثير في تفسير هذه الآية الكريمة: "الأكثر على أنه إنما هو ميزان واحد, وإنما جمع باعتبار تعدد الأعمال الموزونة فيه"١. الموالاة والمعاداة: قال رحمه الله تعالى عند قوله تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ ٢, وما تضمنته هذه الآية الكريمة من النهي والزجر العظيم عن موالاة أعداء الله جاء موضحا في آيات أخر, كقوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ ٣، وقوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ ٤، وقوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ ٥، وقوله تعالى: ﴿وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ ٦ ... الآية، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ ٧، إلى غير ذلك من الآيات٨. وقال رحمه الله تعالى في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ ٩: ذكر في هذه الآية الكريمة أن من تولى اليهود والنصارى من المسلمين فإنه يكون منهم بتوليه إياهم, وبين في موضع آخر أن توليهم موجب لسخط الله

стр. 136

والخلود في عذابه وأن متوليهم لو كان مؤمنا ما تولاهم، وهو قوله تعالى: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ، وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ ١. ونهى في موضع آخر عن توليهم مبينا سبب التنفير منه وهو قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾ ٢. إلى أن قال رحمه الله تعالى: "ويفهم من ظواهر هذه الآيات أن من تولى الكفار عمدا اختيارا رغبة فيهم, أنه كافر مثلهم"٣. محبة الصحابة: قال رحمه الله تعالى في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ ... الآية٤: ولا يخفى أنه تعالى صرح في هذه الآية الكريمة أنه قد رضي عن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان وهو دليل قرآني صريح في أن من يسبهم ويبغضهم أنه ضال مخالف لله جل وعلا، حيث أبغض من ﵁، ولا شك أن من أبغض من ﵁ مضاد له جل وعلا، وتمرد وطغيان٥. أهل البيت: رد رحمه الله تعالى على بعض العلماء الذين قالوا: إن أزواجه ﷺ لا يدخلن في أهل بيته في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ

стр. 137

عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ ١ بأن قرينة السياق صريحة في دخولهن؛ لأن الله تعالى قال: ﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ﴾ ، ثم قال في نفس خطابه لهن: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ ، ثم قال بعده: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ ... الآية. وقد أجمع جمهور علماء الأصول على أن صورة سبب النزول قطعية الدخول, فلا يصح إخراجها بمخصص. والتحقيق إن شاء الله أنهن داخلات في الآية وإن كانت الآية تتناول غيرهن من أهل البيت٢. وبين المراد بإذهاب الرجس عنهم فقال: "يعني أنه يذهب الرجس عنهم ويطهرهم بما يأمر به من طاعة الله وينهى عنه من معصيته؛ لأن من أطاع الله أذهب عنه الرجس وطهره من الذنوب تطهيرا"٣. أما المراد بالمودة في القربى من قوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ ٤، فقال: "والتحقيق إن شاء الله, أن معنى الآية هو القول الأول ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ أي: إلا أن تودوني في قرابتي فيكم وتحفظوني فيها, فتكفوا عني أذاكم وتمنعوني من أذي الناس كما هو شأن أهل القرابات"٥. القضاء والقدر: قال رحمه الله تعالى: إن في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ ٦، وفي قوله سبحانه: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ ٧، وفي قوله سبحانه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ

стр. 138

دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آبَاؤُنَا﴾ ١ إشكالا، ووجه الإشكال أن الله صرح بكذبهم في هذه الدعوى التي ظاهرها حق. وأجاب عن هذا بأن مراد الكفار بقولهم: ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ ، وقولهم: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ , مرادهم به: أن الله لما كان قادرا على منعهم من الشرك وهدايتهم إلى الإيمان ولم يمنعهم من الشرك دل ذلك على أنه راضٍ منهم بالشرك في زعمهم, قالوا: لأنه لو لم يكن راضيا به لصرفنا عنه, فتكذيب الله لهم في الآيات المذكورة منصب على دعواهم أنه راض به والله جل وعلا يكذب هذه الدعوى في الآيات المذكورة, وفي قوله: ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ ٢.فالكفار زعموا أن الإرادة الكونية القدرية تستلزم الرضى وهو زعم باطل وهو الذي كذبهم الله فيه في الآيات المذكورة٣. إلى أن قال رحمه الله تعالى: وحاصل هذا أن الله ﵎ قدَّر مقادير الخلق قبل أن يخلق الخلق، وعلم أن قوما صائرون إلى الشقاء وقوما صائرون إلى السعادة، فريقا في الجنة وفريقا في السعير. وأقام الحجة على الجميع، ببعث الرسل وتأييدهم بالمعجزات التي لا تترك في الحق لبسا, فقامت عليهم حجة الله في أرضه لذلك، ثم إنه تعالى وفق من شاء توفيقه، ولم يوفق من سبق لهم في علمه الشقاء الأزلي٤، وخلق لكل واحد منهم قدرة وإرادة يقدر بها على تحصيل الخير والشر وصرف قدرهم وإرادتهم بقدرته وإرادته إلى ما سبق لهم في علمه من أعمال الخير المستوجبة للسعادة، وأعمال الشر المستوجبة للشقاء فأتوا كل ما أتوا وفعلوا كل ما فعلوا، طائعين مختارين غير مجبورين ولا مقهورين: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ ٥، ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ٦.

стр. 139

وادعاء أن العبد مجبور لا إرادة له ضروري السقوط عند عامة العقلاء، ومن أعظم الضروريات الدالة عليه أن كل عاقل يعلم أن بين الحركة الاختيارية والحركة الاضطرارية كحركة المرتعش فرقا ضروريا لا ينكره عاقل, إنك لو ضربت من يدعي أن الخلق مجبورون، وفقأت عينه مثلا، وقتلت ولده واعتذرت له بالجبر فقلت له: أنا مجبور ولا إرادة لي في هذا السوء الذي فعلته بك، بل هو فعل الله، وأنا لا دخل لي فيه؛ فإنه لا يقبل منك هذه الدعوى بلا شك، بل يبالغ في إرادة الانتقام منك قائلا: إن هذا بإرادتك ومشيئتك. ومن أعظم الأدلة القطعية الدالة على بطلان مذهب القدرية، وأن العبد لا يستقل بأفعاله دون قدرة الله ومشيئته، أنه لا يمكن لأحد أن ينكر علم الله بكل شيء قبل وقوعه, والآيات والأحاديث الدالة على هذا لا ينكرها إلا مكابر، وسبق علم الله بما يقع من العبد قبل وقوعه برهان قاطع على بطلان تلك الدعوى، وإيضاح ذلك أنك لو قلت للقدري: إذا كان علم الله في سابق أزله تعلق بأنك تقع منك السرقة أو الزنى في محل كذا في وقت كذا, وأردت أنت بإرادتك المستقلة في زعمك دون إرادة الله ألا تفعل تلك السرقة أو الزنى الذي سبق بعلم الله وقوعه، فهل يمكنك أن تستقل بذلك وتصير علم الله جهلا, بحيث لا يقع ما سبق في علمه وقوعه في وقته المحدد له؟ والجواب بلا شك هو أن ذلك لا يمكن بحال كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ ١. إنكار البداء على الله جل وعلا: وفي قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٢. قال رحمه الله تعالى: "وما زعمه المشركون واليهود من أن النسخ مستحيل على الله لأنه يلزمه البداء وهو الرأي المتجدد, ظاهر السقوط واضح البطلان لكل عاقل؛ لأن النسخ لا يلزمه البداء البتة، بل الله جل وعلا يشرع الحكم وهو عالم بأن مصلحته ستنقضي في الوقت

стр. 140

المعين، وأنه عند ذلك الوقت ينسخ ذلك الحكم ويبدله بالحكم الجديد الذي فيه المصلحة, فإذا جاء ذلك الوقت المعين أنجز جل وعلا ما كان في علمه السابق من نسخ ذلك الحكم الذي زالت مصلحته بذلك الحكم الجديد الذي فيه المصلحة كما أن حدوث المرض بعد الصحة وعكسه، وحدوث الغنى بعد الفقر وعكسه، ونحو ذلك لا يلزم فيه البداء؛ لأن الله عالم بأن حكمته الإلهية تقتضي ذلك التغيير في وقته المعين له, على وفق ما سبق في العلم الأزلي كما هو واضح. وقد أشار جل وعلا إلى علمه بزوال المصلحة من المنسوخ وتمحضها في الناسخ بقوله هنا: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّل﴾ , وقوله: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ١، وقوله: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى، إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى﴾ ٢، فقوله: ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى﴾ بعد قوله: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ ، يدل على أنه أعلم بما ينزل، فهو عالم بمصلحة الإنسان ومصلحة تبديل الجديد من الأول المنسي٣. الشفاعة: في قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ ٤. قال رحمه الله تعالى: "ظاهر هذه الآية عدم قبول الشفاعة مطلقا يوم القيامة, ولكنه بين في مواضع أخر أن الشفاعة المنفية هي الشفاعة للكفار والشفاعة لغيرهم بدون إذن رب السموات والأرض، أما الشفاعة للمؤمنين بإذنه فهي ثابتة بالكتاب، والسنة، والإجماع فنص على عدم الشفاعة للكفار بقوله: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ ٥، وقد قال: ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ ٦ ... " إلى أن قال: "هذا

стр. 141

الذي قررنا من أن الشفاعة للكفار مستحيلة شرعا مطلقا, يستثنى منه شفاعته ﷺ لعمه أبي طالب في نقله من محل من النار إلى محل آخر منها, كما ثبت عنه ﷺ في الصحيح, فهذه الصورة التي ذكرنا من تخصيص الكتاب بالسنة"١. دقته في استخراج الأحكام: إلى جانب التزامه -رحمه الله تعالى- منهج أهل السنة والجماعة في التفسير, فإن الله قد آتاه قسطا وافرا من فهم عميق وعميق الفهم يدرك به مدلول الإشارة, ويغوص به في دقائق الأمور فيجلوها ويوضح ما لا يفطن إليه إلا مثله، ولهذا نضرب مثالا: أينا يفهم من قوله تعالى: " ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ, صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [سورة الفاتحة: آية ٧] ؟ أينا يفهم دلالتها على صحة إمامة أبي بكر الصديق ﵁؟ ولنقرأ له -رحمه الله تعالى- تقرير ذلك حيث قال: "يؤخذ من هذه الآية صحة إمامة أبي بكر الصديق ﵁ لأنه داخل فيمن أمرنا الله في السبع المثاني والقرآن العظيم -أعني الفاتحة- بأن نسأله أن يهدينا صراطهم. فدل ذلك على أن صراطهم هو الصراط المستقيم وذلك في قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ، وقد بين الذين أنعم عليهم فعد منهم الصديقين٢. وقد بين ﷺ أن أبا بكر ﵁ من الصديقين, فاتضح أنه داخل في الذين أنعم الله عليهم, الذين أمرنا الله أن نسأله الهداية إلى صراطهم فلم يبق لبس في أن أبا بكر الصديق ﵁ على الصراط المستقيم وأن إمامته حق"٣.

стр. 142

وهناك مثال آخر في استنباطه الفقهي, فمن قول هارون لأخيه موسى ﵉: ﴿يَا ابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي﴾ ١, استنبط رحمه الله تعالى لزوم إعفاء اللحية وإليك البيان: "هذه الآية الكريمة بضميمة آية الأنعام إليها تدل على لزوم إعفاء اللحية, فهي دليل قرآني على إعفاء اللحية وعدم حلقها, وآية الأنعام المذكورة هي قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ﴾ ... الآية. ثم إنه تعالى قال بعد أن عد الأنبياء الكرام المذكورين: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ ٢, فدل ذلك على أن هارون من الأنبياء الذين أمر نبينا ﷺ بالاقتداء بهم، وأمره ﷺ بذلك أمر لنا؛ لأن أمر القدوة أمر لاتباعه كما بينا إيضاحه بالأدلة القرآنية في هذا الكتاب المبارك في سورة المائدة ... فإذا علمت بذلك أن هارون من الأنبياء الذين أمر نبينا ﷺ بالاقتداء بهم في سورة الأنعام وعلمت أن أمره أمر لنا؛ لأن لنا فيه الأسوة الحسنة وعلمت أن هارون كان موفرا شعر لحيته بدليل قوله لأخيه: ﴿لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي﴾ لأنه لو كان حالقا لما أراد أخوه الأخذ بلحيته تبين لك من ذلك بإيضاح أن إعفاء اللحية من السمت الذي أمرنا به في القرآن العظيم, وأنه كان سمت الرسل الكرام صلوات الله وسلامه عليهم"٣. ومثل هذا عنده كثير. هذان مثالان فيهما بيان دقته في الاستنباط وهو قصدنا، ولمن أراد مزيد علم فليرجع إلى تفسيره -رحمه الله تعالى- ففيه بغيته. وبعد: ذلكم تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن, ما رأيت تفسيرا قديما أو حديثا فسر القرآن بالقرآن مثله, لا يكاد يتناول آية قرآنية إلا وبين ما تدل عليه

стр. 143

وما لا تدل عليه ثم أورد الآيات التي تكشف ما لم تدل عليه الآية الأولى, فأصبحت الآيات مجتمعة كالسبيكة الواحدة تجلو كل إبهام وتوضح كل غامض. ولا يعدل عن ظاهر القرآن الكريم إلا بدليل وقد رد ردودا طويلة على أولئك الذين يصرفون آيات القرآن عن ظاهرها لا لشيء إلا لشيء توهموه في صدورهم كبعض الصفات مثلا، أو لدليل حسبوه يعارض الظاهر فإذا به يجلو هذا الاشتباه فإذا بالتعارض قد زال، بل ذاب كما يذوب الملح في الماء. وفصل -رحمه الله تعالى- آيات الأحكام تفصيلا موسعا كدت أقول: لا مزيد عليه فيه, بغية كل باحث ومراد كل فقيه. أما أصول الفقه فهو الخبير فيه، لا تكاد تمر آية قرآنية فيها لأهل الأصول معترك إلا ودخل فيها وخرج والأنظار ترمقه, هممت أن أذكر مثالا فإذا بالأمثلة تصطرع ولم أستطع الحكم لأحدها فلينزل من أراد وردة إلى الحديقة وليقتطف منها ما شاء. أما مباحث اللغة والبلاغة والبيان ففيه منها ما يوقفك متربعا على عرش الاقتناع. ليس ما قلته وما لم أقله أيضا مصدره عين الرضا التي تكل عن كل عيب ولكنه عين ما رأيته حقا فوجب قوله ورأيت في ذكر المحاسن الأخرى إطالة فسكت عنها, ولو كان لي من الأمر شيء لقررته في كلياتنا الشرعية منها ليدرك به طلبة العلم الشرعي رائحة علماء السلف في استقامتهم وفي سعة أفقهم وأنها لا تزال قريبة منهم, فيشمروا عن سواعد الجد والطلب, وما ذلك على الله بعزيز. رحم الله الشيخ ووفق الله طلبة العلم لخدمة هذا التفسير الجليل, إذ لا يزال بحاجة ماسة إلى الترقيم والفهرسة ونحوهما والله الموفق.

стр. 144

ثانيا: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان: صاحب التفسير: هو الشيخ عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله آل سعدي الناصري التميمي الحنبلي. ولد في مدينة عنيزة بالقصيم سنة ١٣٠٧, توفيت والدته وهو في الرابعة، ثم والده وهو في الثانية عشرة فكفلته زوجة والده وعطفت عليه أكثر من عطفها على أولادها وأدخلته مدرسة تحفيظ القرآن, فحفظه في الرابعة عشرة من عمره. ثم اشتغل بطلب علم التوحيد والتفسير والحديث والفقه وأصوله والنحو, فقرأ الكتب وحفظ المتون، إلى أن بلغ الثالثة والعشرين من عمره فجلس للتدريس, فكان يعلم ويتعلم واشتهر بعلمه وارتفع قدره, فأقبل طلبة العلم عليه وتلقي العلوم والمعارف عنه واشتهر عدد من تلاميذه. وفاته: توفي -رحمه الله تعالى- قبل فجر الخميس ٢٢ جمادى الآخرة سنة ١٣٧٦ بسبب نزيف في المخ أصابه يوم الأربعاء, وقد أرسل الملك فيصل بن عبد العزيز -رحمه الله تعالى- طائرة تحمل الأطباء لعلاجه ولسوء الأحوال الجوية ذلك اليوم لم تستطع الطائرة الهبوط على أرض المطار. مؤلفاته: ترك -رحمه الله تعالى- عددا كبيرا من المؤلفات العلمية طبع أكثرها على نفقته ووزعها مجانا, وما زال بعضها مخطوطا لم يطبع، ومن أهم مؤلفاته:

стр. 145

١- تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان: وهو موضوع بحثنا هنا, وسنفرده بالدراسة. ٢- تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن: وهو خلاصة التفسير المطول السابق. ٣- فوائد قرآنية: لخصها بعض الباحثين من خلاصة التفسير السابق. ٤- القواعد الحسان لتفسير القرآن: ذكر فيه سبعين قاعدة تعين على فهم كلام الله والاهتداء به، وتفتح له من طرق التفسير ومنهاج الفهم عن الله ما يغني عن كثير من التفاسير الخالية من هذه البحوث النافعة، طبع الكتاب بمطبعة أنصار السنة المحمدية، بتصحيح محمد حامد الفقي سنة ١٣٦٦هـ. ٥- المواهب الربانية من الآيات القرآنية: وهي فوائد فتح الله عليه بها في شهر رمضان سنة ١٣٤٧هـ فقيدها، طبع طبعة جديدة سنة ١٤٠٢. ٦- فوائد مستنبطة من قصة يوسف: وافق الفراغ من تأليفها شهر صفر سنة ١٣٧٥, وطبعت في نفس السنة. ٧- الدلائل القرآنية في أن العلوم والأعمال النافعة العصرية داخلة في الدين الإسلامي: وهي رسالة صغيرة في حجمها تقع في خمسين صفحة من القطع الصغير, كتبها في محرم سنة ١٣٧٥ وطبعت بمطابع الرياض سنة ١٣٧٦. ٨- التنبيهات اللطيفة: فيما احتوت عليه الواسطية من المباحث المنيفة وعليها منتخبات من تقارير الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، تم الفراغ منها في جمادى الأولى سنة ١٣٦٩، طبعت بدون تاريخ. ٩- الفواكه الشهية في الخطب المنبرية: طبعت سنة ١٣٧٢هـ. ١٠- إرشاد أولي البصائر والألباب لنيل الفقه بأقرب الطرق وأيسر الأسباب بطريق مرتب على السؤال والجواب: طبع الطبعة الأولى سنة ١٣٦٥, والطبعة الثانية سنة ١٤٠٠هـ.
следующие страницы →