← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 8679

اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر

فهد الرومي

Полный текст (1 278 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الذي قررنا من أن الشفاعة للكفار مستحيلة شرعا مطلقا, يستثنى منه شفاعته ﷺ لعمه أبي طالب في نقله من محل من النار إلى محل آخر منها, كما ثبت عنه ﷺ في الصحيح, فهذه الصورة التي ذكرنا من تخصيص الكتاب بالسنة"١. دقته في استخراج الأحكام: إلى جانب التزامه -رحمه الله تعالى- منهج أهل السنة والجماعة في التفسير, فإن الله قد آتاه قسطا وافرا من فهم عميق وعميق الفهم يدرك به مدلول الإشارة, ويغوص به في دقائق الأمور فيجلوها ويوضح ما لا يفطن إليه إلا مثله، ولهذا نضرب مثالا: أينا يفهم من قوله تعالى: " ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ, صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [سورة الفاتحة: آية ٧] ؟ أينا يفهم دلالتها على صحة إمامة أبي بكر الصديق ﵁؟ ولنقرأ له -رحمه الله تعالى- تقرير ذلك حيث قال: "يؤخذ من هذه الآية صحة إمامة أبي بكر الصديق ﵁ لأنه داخل فيمن أمرنا الله في السبع المثاني والقرآن العظيم -أعني الفاتحة- بأن نسأله أن يهدينا صراطهم. فدل ذلك على أن صراطهم هو الصراط المستقيم وذلك في قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ، وقد بين الذين أنعم عليهم فعد منهم الصديقين٢. وقد بين ﷺ أن أبا بكر ﵁ من الصديقين, فاتضح أنه داخل في الذين أنعم الله عليهم, الذين أمرنا الله أن نسأله الهداية إلى صراطهم فلم يبق لبس في أن أبا بكر الصديق ﵁ على الصراط المستقيم وأن إمامته حق"٣.

стр. 142

وهناك مثال آخر في استنباطه الفقهي, فمن قول هارون لأخيه موسى ﵉: ﴿يَا ابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي﴾ ١, استنبط رحمه الله تعالى لزوم إعفاء اللحية وإليك البيان: "هذه الآية الكريمة بضميمة آية الأنعام إليها تدل على لزوم إعفاء اللحية, فهي دليل قرآني على إعفاء اللحية وعدم حلقها, وآية الأنعام المذكورة هي قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ﴾ ... الآية. ثم إنه تعالى قال بعد أن عد الأنبياء الكرام المذكورين: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ ٢, فدل ذلك على أن هارون من الأنبياء الذين أمر نبينا ﷺ بالاقتداء بهم، وأمره ﷺ بذلك أمر لنا؛ لأن أمر القدوة أمر لاتباعه كما بينا إيضاحه بالأدلة القرآنية في هذا الكتاب المبارك في سورة المائدة ... فإذا علمت بذلك أن هارون من الأنبياء الذين أمر نبينا ﷺ بالاقتداء بهم في سورة الأنعام وعلمت أن أمره أمر لنا؛ لأن لنا فيه الأسوة الحسنة وعلمت أن هارون كان موفرا شعر لحيته بدليل قوله لأخيه: ﴿لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي﴾ لأنه لو كان حالقا لما أراد أخوه الأخذ بلحيته تبين لك من ذلك بإيضاح أن إعفاء اللحية من السمت الذي أمرنا به في القرآن العظيم, وأنه كان سمت الرسل الكرام صلوات الله وسلامه عليهم"٣. ومثل هذا عنده كثير. هذان مثالان فيهما بيان دقته في الاستنباط وهو قصدنا، ولمن أراد مزيد علم فليرجع إلى تفسيره -رحمه الله تعالى- ففيه بغيته. وبعد: ذلكم تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن, ما رأيت تفسيرا قديما أو حديثا فسر القرآن بالقرآن مثله, لا يكاد يتناول آية قرآنية إلا وبين ما تدل عليه

стр. 143

وما لا تدل عليه ثم أورد الآيات التي تكشف ما لم تدل عليه الآية الأولى, فأصبحت الآيات مجتمعة كالسبيكة الواحدة تجلو كل إبهام وتوضح كل غامض. ولا يعدل عن ظاهر القرآن الكريم إلا بدليل وقد رد ردودا طويلة على أولئك الذين يصرفون آيات القرآن عن ظاهرها لا لشيء إلا لشيء توهموه في صدورهم كبعض الصفات مثلا، أو لدليل حسبوه يعارض الظاهر فإذا به يجلو هذا الاشتباه فإذا بالتعارض قد زال، بل ذاب كما يذوب الملح في الماء. وفصل -رحمه الله تعالى- آيات الأحكام تفصيلا موسعا كدت أقول: لا مزيد عليه فيه, بغية كل باحث ومراد كل فقيه. أما أصول الفقه فهو الخبير فيه، لا تكاد تمر آية قرآنية فيها لأهل الأصول معترك إلا ودخل فيها وخرج والأنظار ترمقه, هممت أن أذكر مثالا فإذا بالأمثلة تصطرع ولم أستطع الحكم لأحدها فلينزل من أراد وردة إلى الحديقة وليقتطف منها ما شاء. أما مباحث اللغة والبلاغة والبيان ففيه منها ما يوقفك متربعا على عرش الاقتناع. ليس ما قلته وما لم أقله أيضا مصدره عين الرضا التي تكل عن كل عيب ولكنه عين ما رأيته حقا فوجب قوله ورأيت في ذكر المحاسن الأخرى إطالة فسكت عنها, ولو كان لي من الأمر شيء لقررته في كلياتنا الشرعية منها ليدرك به طلبة العلم الشرعي رائحة علماء السلف في استقامتهم وفي سعة أفقهم وأنها لا تزال قريبة منهم, فيشمروا عن سواعد الجد والطلب, وما ذلك على الله بعزيز. رحم الله الشيخ ووفق الله طلبة العلم لخدمة هذا التفسير الجليل, إذ لا يزال بحاجة ماسة إلى الترقيم والفهرسة ونحوهما والله الموفق.

стр. 144

ثانيا: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان: صاحب التفسير: هو الشيخ عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله آل سعدي الناصري التميمي الحنبلي. ولد في مدينة عنيزة بالقصيم سنة ١٣٠٧, توفيت والدته وهو في الرابعة، ثم والده وهو في الثانية عشرة فكفلته زوجة والده وعطفت عليه أكثر من عطفها على أولادها وأدخلته مدرسة تحفيظ القرآن, فحفظه في الرابعة عشرة من عمره. ثم اشتغل بطلب علم التوحيد والتفسير والحديث والفقه وأصوله والنحو, فقرأ الكتب وحفظ المتون، إلى أن بلغ الثالثة والعشرين من عمره فجلس للتدريس, فكان يعلم ويتعلم واشتهر بعلمه وارتفع قدره, فأقبل طلبة العلم عليه وتلقي العلوم والمعارف عنه واشتهر عدد من تلاميذه. وفاته: توفي -رحمه الله تعالى- قبل فجر الخميس ٢٢ جمادى الآخرة سنة ١٣٧٦ بسبب نزيف في المخ أصابه يوم الأربعاء, وقد أرسل الملك فيصل بن عبد العزيز -رحمه الله تعالى- طائرة تحمل الأطباء لعلاجه ولسوء الأحوال الجوية ذلك اليوم لم تستطع الطائرة الهبوط على أرض المطار. مؤلفاته: ترك -رحمه الله تعالى- عددا كبيرا من المؤلفات العلمية طبع أكثرها على نفقته ووزعها مجانا, وما زال بعضها مخطوطا لم يطبع، ومن أهم مؤلفاته:

стр. 145

١- تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان: وهو موضوع بحثنا هنا, وسنفرده بالدراسة. ٢- تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن: وهو خلاصة التفسير المطول السابق. ٣- فوائد قرآنية: لخصها بعض الباحثين من خلاصة التفسير السابق. ٤- القواعد الحسان لتفسير القرآن: ذكر فيه سبعين قاعدة تعين على فهم كلام الله والاهتداء به، وتفتح له من طرق التفسير ومنهاج الفهم عن الله ما يغني عن كثير من التفاسير الخالية من هذه البحوث النافعة، طبع الكتاب بمطبعة أنصار السنة المحمدية، بتصحيح محمد حامد الفقي سنة ١٣٦٦هـ. ٥- المواهب الربانية من الآيات القرآنية: وهي فوائد فتح الله عليه بها في شهر رمضان سنة ١٣٤٧هـ فقيدها، طبع طبعة جديدة سنة ١٤٠٢. ٦- فوائد مستنبطة من قصة يوسف: وافق الفراغ من تأليفها شهر صفر سنة ١٣٧٥, وطبعت في نفس السنة. ٧- الدلائل القرآنية في أن العلوم والأعمال النافعة العصرية داخلة في الدين الإسلامي: وهي رسالة صغيرة في حجمها تقع في خمسين صفحة من القطع الصغير, كتبها في محرم سنة ١٣٧٥ وطبعت بمطابع الرياض سنة ١٣٧٦. ٨- التنبيهات اللطيفة: فيما احتوت عليه الواسطية من المباحث المنيفة وعليها منتخبات من تقارير الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، تم الفراغ منها في جمادى الأولى سنة ١٣٦٩، طبعت بدون تاريخ. ٩- الفواكه الشهية في الخطب المنبرية: طبعت سنة ١٣٧٢هـ. ١٠- إرشاد أولي البصائر والألباب لنيل الفقه بأقرب الطرق وأيسر الأسباب بطريق مرتب على السؤال والجواب: طبع الطبعة الأولى سنة ١٣٦٥, والطبعة الثانية سنة ١٤٠٠هـ.

стр. 146

١١- الفتاوى السعدية: وهي مجموعة فتاوى وكتابات وأسئلة وأجوبة كتبها -رحمه الله تعالى- بيده، جمعها بعض محبيه وطبعت الطبعة الأولى سنة ١٣٨٨هـ والثانية سنة ١٤٠٢هـ. هذه بعض مؤلفاته -رحمه الله تعالى- التي تجاوزت الثلاثين مؤلفا، نفع الله بها وغفر له, إنه سميع مجيب١. التفسير: يقع تفسيره: "تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان" في سبعة مجلدات، وقد فرغ -رحمه الله تعالى- من تأليفه سنة ١٣٤٤, وصدرت طبعته الأولى سنة ١٣٦٥ بمطبعة الترقي بدمشق ووزع مجانا على نفقة المؤلف. ثم صدرت طبعته الثانية بالمطبعة السلفية بالقاهرة. وصدرت طبعته الثالثة بالرياض بدون تاريخ, ولكن فيها ما يستدل به على أن طبعها كان سنة ١٩٧٦م وسنة ١٩٧٧م. وهذا التفسير وهو وإن كان شاملا لآيات القرآن الكريم كلها, إلا أنه ليس من التفاسير المطولة وتحدث -رحمه الله تعالى- عن ذلك فقال: "كثرت تفاسير الأئمة ﵏ لكتاب الله, فمن مطول خارج في أكثر بحوثه عن المقصود، ومن مقتصر يقتصر على حل بعض الألفاظ اللغوية بقطع النظر عن المراد، وكان الذي ينبغي في ذلك أن يجعل المعنى هو المقصود, واللفظ وسيلة إليه فينظر في سياق الكلام وما سيق لأجله ويقابل بينه وبين نظيره في موضوع آخر، ويعرف أنه سيق لهداية الخلق كلهم، عالمهم وجاهلهم, حضريهم وبدويهم، فالنظر لسياق الآيات مع العلم بأحوال الرسول وسيرته مع أصحابه

стр. 147

وأعدائه وقت نزوله من أعظم ما يعين على معرفته وفهم المراد منه, خصوصا إذا انضم إلى ذلك معرفة علوم العربية على اختلاف أنواعها. فمن وفق لذلك لم يبق عليه إلا الإقبال على تدبره وتفهمه وكثرة التفكر في ألفاظه ومعانيه ولوازمها وما تتضمنه وما تدل عليه منطوقا ومفهوما، فإذا بذل وسعه في ذلك فالرب أكرم من عبده، فلا بد أن يفتح عليه من علومه أمورا لا تدخل تحت كسبه. ولما منَّ البارئ عليَّ وعلى إخواني بالاشتغال بكتابه العزيز بحسب الحال اللائقة بنا، أحببت أن أرسم من تفسير كتاب الله ما تيسر، وما منَّ به الله علينا ليكون تذكرة للمحصلين وآلة للمستبصرين، ومعونة للسالكين، ولأقيده خوف الضياع، ولمن يكن قصدي في ذلك إلا أن يكون المعنى هو المقصود، ولم أشتغل في حل الألفاظ والعقود، للمعنى الذي ذكرت, ولأن المفسرين قد كفوا من بعدهم, فجزاهم الله عن المسلمين خيرا"١. قلت: وجزاه الله أيضا خيرا, ومع التزامه بما قال من الاكتفاء بأقوال المفسرين السابقين عن الإطناب في حل ألفاظ القرآن الكريم وتفسيره, فإن تفسيره يقع في سبعة مجلدات وذلك بسبب طريقة أحسبها خاصة به نبه بنفسه عليها في مقدمته فقال: اعلم أن طريقتي في هذا التفسير أني أذكر عند كل آية ما يحضرني من معانيها، ولا أكتفي بذكر ما تعلق بالمواضع السابقة عن ذكر ما تعلق بالمواضع اللاحقة؛ لأن الله وصف هذا الكتاب أنه "مثاني" تثنى فيه الأخبار والقصص والأحكام وجميع المواضيع النافعة لحكم عظيمة، وأمر بتدبره جميعه لما في ذلك من زيادة العلوم والمعارف وصلاح الظاهر والباطن وإصلاح الأمور كلها٢. وقد التزم -رحمه الله تعالى- بما رسم لنفسه من منهج, فجاء تفسيره وسطا بين طويل التفاسير ومختصره.

стр. 148

نماذج من تفسيره: رؤية الله: قال -رحمه الله تعالى- مثبتا لرؤية الله يوم القيامة عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ ١ الآية، قال: "أي: لن تقدر الآن على رؤيتي, فإن الله ﵎ أنشأ الخلق في هذه الدار على نشأة لا يقدرون بها ولا يثبتون لرؤية الله، وليس في هذا دليل على أنهم لا يرونه في الجنة، فإنه قد دلت النصوص القرآنية والأحاديث النبوية على أن أهل الجنة يرون ربهم ﵎، ويتمتعون بالنظر إلى وجهه الكريم وأنه ينشئهم نشأة كاملة يقدرون معها على رؤية الله تعالى"٢. وبين في موضع آخر أنهم ينظرون إلى ربهم حسب مراتبهم, فقال في تفسير قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ, إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ٣، أي: "ينظرون إلى ربهم على حسب مراتبهم, ومنهم من ينظره كل يوم بكرة وعشيا، ومنهم من ينظره كل جمعة مرة واحدة"٤. وفسر الزيادة في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ ٥ بالنظر إلى وجهه الكريم, فقال: "وهي النظر إلى وجه الله الكريم وسماع كلامه والفوز برضاه والبهجة بقربه, فبهذا حصل أعلى ما يتمناه المتمنون، ويسأله السائلون"٦.

стр. 149

الاستواء: في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ ١، قال: "استوى استواء يليق بجلاله وعظمته وسلطانه"٢، وقال في موضع آخر: "استواء يليق بجلاله, فوق جميع خلقه"٣. العرش: قال عنه -رحمه الله تعالى: "العرش الذي هو سقف المخلوقات وأعلاها وأوسعها وأجملها"٤، وقال في موضع آخر: "العرش العظيم الذي يسع السموات والأرض, وما فيهما وما بينهما"٥. سلامة القرآن الكريم من التحريف: في تفسير قوله تعالى: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ ٦، قال: أي: لا يقربه شيطان من شياطين الإنس والجن لا بسرقة ولا بإدخال ما ليس منه به ولا بزيادة ولا نقص, فهو محفوظ في تنزيله، محفوظة ألفاظه ومعانيه، قد تكفل من أنزله بحفظه كما قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ٧ ٨، وقال في تفسير هذه الآية الأخيرة: " ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ أي: في حال إنزاله وبعد إنزاله، ففي حال إنزاله حافظون له من استراق كل شيطان رجيم، وبعد إنزاله أودعه الله في قلب رسوله واستودعه في قلوب أمته وحفظ الله ألفاظه من التغيير فيها والزيادة والنقص ومعانيه من

стр. 150

التبديل، فلا يحرف محرف معنى من معانيه إلا وقيض الله له من يبين الحق المبين، وهذا من أعظم آيات الله ونعمه على عباده المؤمنين، ومن حفظه أن الله يحفظ أهله من أعدائهم ولا يسلط عدوا يجتاحهم"١. كلام الله غير مخلوق: في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ الآيات٢، قال رحمه الله تعالى: "وفي هذه الآيات من العبر والآيات إثبات الكلام لله تعالى وأنه لم يزل متكلما, يقول ما شاء ويتكلم بما شاء, وأنه عليم حكيم"٣. وفي قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ ٤ قال: أي مشافهة منه إليه لا بواسطة حتى اشتهر بهذا عند العالمين فيقال: موسى كليم الرحمن٥، وقال في موضع آخر: "وأما كلام الله فإنه من جملة صفاته، وصفاته غير مخلوقة، ولا لها حد ولا منتهى"٦. لا رجعة لأحد قبل يوم القيامة: قال -رحمه الله تعالى- في تفسير قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ، لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ ٧، يخبر تعالى عن حال من حضره الموت من المفرطين الظالمين أنه يندم في تلك الحال إذا رأى مآله وشاهد قبح أعماله فيطلب الرجعة إلى الدنيا لا للتمتع بلذاتها واقتطاف شهواتها وإنما ذلك ليقول: ﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ من العمل وفرطت في جنب الله: ﴿كَلَّا﴾ أي: لا رجعة له ولا إمهال قد قضى الله أنهم إليها لا يرجعون٨.

стр. 151

وقال في تفسير قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ﴾ ١ أي:: "هل لنا طريق أو حيلة إلى رجوعنا إلى الدنيا لنعمل غير الذي كنا نعمل؟ وهذا طلب للأمر المحال الذي لا يمكن"٢. أصحاب الكبائر: في الوعيد لمن قتل مؤمنا متعمدا المنصوص عليه بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ ٣، قال رحمه الله تعالى: "وهذا الوعيد له حكم أمثاله من نصوص الوعيد على بعض الكبائر والمعاصي بالخلود في النار أو حرمان الجنة، وقد اختلف الأئمة ﵏ في تأويلها، مع اتفاقهم على بطلان قول الخوارج والمعتزلة الذين يخلدونهم في النار، ولو كانوا موحدين"٤, ثم نقل قولا لابن القيم -رحمه الله تعالى- بين فيه موقف أهل السنة والجماعة المعروف من أصحاب الكبائر. أما في تفسير قوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ٥، فقال -رحمه الله تعالى- فيها: "وقد احتج بها الخوارج على كفر صاحب المعصية وهي حجة عليهم كما ترى فإنها ظاهرة في الشرك, وهكذا كل مبطل يحتج بآية أو حديث صحيح على قوله الباطل فلا بد أن يكون فيما احتج به حجة عليه"٦. أما الوعيد لمن عاد إلى أكل الربا في قوله تعالى: ﴿مَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ٧، فقال عنه: "في هذا أن الربا موجب

стр. 152

لدخول النار والخلود فيها؛ وذلك لشناعته ما لم يمنع من الخلود مانع الإيمان, وهذا من جملة الأحكام التي تتوقف على وجود شروطها، وانتفاء موانعها وليس فيها حجة للخوارج كغيرها من آيات الوعيد، فالواجب أن تصدق جميع نصوص الكتاب والسنة فيؤمن العبد بما تواترت به النصوص من خروج من في قلبه أدنى مثقال حبة خردل من الإيمان, من النار ومن استحقاق هذه الموبقات لدخول النار إن لم يتب منها"١. الموالاة والمعاداة: في تفسير قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ﴾ ٢ الآية، بين -رحمه الله تعالى- أصل الولاية فقال: "وأصل الولاية: المحبة والنصرة وذلك أن اتخاذهم أولياء موجب لتقديم طاعتهم على طاعة الله ومحبتهم على محبة الله ورسوله؛ ولهذا ذكر السبب الموجب لذلك وهو أن محبة الله ورسوله يتعين تقديمها على محبة كل شيء, وجعل جميع الأشياء تابعة لهما"٣. وفي قوله تعالى: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا، الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٤ الآية، قال: "وفي هذه الآية الترهيب العظيم من موالاة الكافرين وترك موالاة المؤمنين, وأن ذلك من صفات المنافقين وأن الإيمان يقتضي محبة المؤمنين وموالاتهم، وبغض الكافرين وعداوتهم"٥. وفي موضع آخر بين -رحمه الله تعالى- الولاية الواجبة على المؤمنين وما تدرك به وفائدتها وما يوجبها على المؤمنين؛ فقال -رحمه الله تعالى- في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ

стр. 153

الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ, وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ ١, فقال: "لما نهى عن ولاية الكفار من اليهود والنصارى وغيرهم وذكر مآل توليهم أنه الخسران المبين, أخبر تعالى من يجب ويتعين توليه. وذكر فائدة ذلك ومصلحته فقال: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ ، فولاية الله تدرك بالإيمان والتقوى فكل من كان مؤمنا تقيا كان لله وليا ومن كان لله وليا فهو ولي لرسوله، ومن تولى الله ورسوله كان تمام ذلك تولي من تولاه وهم المؤمنون الذين قاموا بالإيمان ظاهرا وباطنا وأخلصوا للمعبود بإقامتهم الصلاة بشروطها وفروضها ومكملاتها وأحسنوا للخلق وبذلوا الزكاة من أموالهم لمستحقيها منهم، وقوله: ﴿وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ ، أي: خاضعون لله ذليلون, فأداة الحصر في قوله: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ تدل على أنه يجب قصر الولاية على المذكورين والتبري من ولاية غيرهم. ثم ذكر فائدة هذه الولاية فقال: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ ، أي: فإنه من الحزب المضافين إلى الله إضافة عبودية وولاية وحزبه الغالبون الذين لهم العاقبة في الدنيا والآخرة كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ ، وهذه إشارة عظيمة لمن قام بأمر الله وصار من حزبه وجنده, أن له الغلبة وإن أديل عليه في بعض الأحيان لحكمة يريدها الله تعالى, فآخر أمره الغلبة والانتصار ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ "٢. محبة الصحابة: وفي تفسير قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ الآيات٣، تحدث -رحمه الله تعالى- عن المهاجرين ثم عن الأنصار ثم قال: "فهذان الصنفان الفاضلان الزكيان هم الصحابة الكرام والأئمة الأعلام الذين حازوا من السوابق والفضائل والمناقب ما سبقوا به من بعدهم،

стр. 154

وأدركوا به من قبلهم فصاروا أعيان المؤمنين وسادات المسلمين وقادات المتقين, وحسب من بعدهم من الفضل أن يسير خلفهم ويأتمّ بهداهم"١. القضاء والقدر: فصل -رحمه الله تعالى- الحديث عن القضاء والقدر عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ، قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ٢، فقال رحمه الله تعالى: "هذا إخبار من الله أن المشركين سيحتجون على شركهم وتحريمهم ما أحل الله بالقضاء والقدر، ويجعلون مشيئة الله الشاملة لكل شيء من الخير والشر حجة لهم في دفع اللوم عنهم، وقد قالوا ما أخبر الله أنهم سيقولون كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ٣ الآية، فأخبر تعالى أن هذه الحجة لم تزل الأمم المكذبة تدفع بها عنهم دعوة الرسل ويحتجون بها فلم تجد فيهم شيئا ولم تنفعهم، فلم يزل هذا دأبهم حتى أهلكهم الله وأذاقهم بأسه, فلو كانت حجة صحيحة لدفعت عنهم العقاب، ولما أحل الله بهم العذاب؛ لأنه لا يحل بأسه إلا بمن استحقه فعلم أنها حجة فاسدة وشبهة كاسدة من عدة أوجه: منها: ما ذكر الله من أنها لو كانت صحيحة لم تحل بهم العقوبة. ومنها: أن الحجة لا بد أن تكون حجة مستندة إلى العلم والبرهان, فأما إذا كانت مستندة إلى مجرد الظن والخرص الذي لا يغني من الحق شيئا فإنها باطلة؛ ولهذا قال: ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا﴾ ، فلو كان لهم علم وهم خصوم ألداء لأخرجوه، فلما لم يخرجوه علم أنه لا علم عندهم: ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا

стр. 155

الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ ، ومن بنى حجة على الخرص والظن فهو مبطل خاسر, فكيف إذا بناها على البغي والعناد والشر والفساد؟ ومنها: أن الله تعالى أعطى كل مخلوق قدرة وإرادة يتمكن بها من فعل ما كلف به, فما أوجب الله على أحد ما لا يقدر على فعله ولا حرم على أحد ما لا يتمكن من تركه، فالاحتجاج -بعد هذا- بالقضاء والقدر ظلم محض وعناد صرف. ومنها: أن الله تعالى لم يجبر العباد على أفعالهم بل جعل أفعالهم تبعا لاختيارهم, فإن شاءوا فعلوا وإن شاءوا كفوا. وهذا أمر مشاهد لا ينكره إلا من كابر, وأنكر المحسوسات فإن كل أحد يفرق بين الحركة الاختيارية والحركة القسرية، وإن كان الجميع داخلا في مشيئة الله ومندرجا تحت إرادته. ومنها: أن المحتجين على المعاصي بالقضاء والقدر يتناقضون في ذلك, فإنهم لا يمكنهم أن يطردوا ذلك، بل لو أساء اليهم مسيء بضرب أو أخذ مال أو نحو ذلك واحتج بالقضاء والقدر لما قبلوا منه هذا الاحتجاج ولغضبوا من ذلك أشد الغضب، فيا عجبا كيف يحتجون به على معاصي الله ومساخطه ولا يرضون من أحد أن يحتج به في مقابله مساخطهم؟!!. ومنها: أن احتجاجهم بالقضاء والقدر ليس مقصودا ويعلمون أنه ليس بحجة، وإنما المقصود منه دفع الحق، ويرون أن الحق بمنزلة الصائل منهم يدفعونه بكل ما يخطر ببالهم من الكلام المصيب عندهم والمخطئ١. وقال -رحمه الله تعالى- في قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ٢: "وفي هذه الآية وأمثالها رد على فرقتي القدرية النفاة والقدرية المجبرة"٣.

стр. 156

هذه أمثلة من تفسير ابن سعدي -رحمه الله تعالى- سلك فيها منهج أهل السنة والجماعة, اكتفى في بيانه بوجيز العبارة من غير إطناب ممل ولا إيجاز مخل, وهو وإن لم يعرض الكثير من آراء أهل السنة والجماعة بالشرح والبيان لاعتقاده -كما قرر في مقدمته- أن المفسرين قد كفوا من بعدهم، ومع هذا فإن تفسيره -رحمه الله تعالى- قد جاء وسطا بين حاجة العلماء وحاجة من دونهم, ليس بالصعب الذي لا ترتقي إليه أفهام هؤلاء ولا بالسهل الذي لا يجد فيه أولئك بغيتهم، بل جمع هذا وذاك وأحسبه لم يفصل الحديث في العقائد؛ لأنه إنما كان يخاطب طائفة من أهل السنة والجماعة لم يكن بينهم من منازع أو خصم فكان يكتفي بوجيز العبارة ودقيق الإشارة. نفع الله به وبعلومه, إنه سميع مجيب.

стр. 157

ثالثا: محاسن التأويل صاحب التفسير: اسمه: محمد جمال الدين أبو الفرج بن محمد سعيد بن قاسم، وقاسم هذا فقيه الشام في عصره الشيخ قاسم بن صالح بن إسماعيل بن أبي بكر المعروف بالحلاق, وإلى هذا الفقيه ينسب حفيده فيسمى جمال الدين القاسمي. ولادته: ولقد ولد -رحمه الله تعالى- يوم الاثنين ٨/ ٥/ ١٢٨٣ الموافق ١٧ أيلول ١٨٦٦ من الميلاد، في دمشق. نشأته: تعلم -رحمه الله تعالى- القرآن أولا ثم تعلم الكتابة, ثم انتقل إلى مكتب في المدرسة الظاهرية فأخذ مبادئ التوحيد والصرف والنحو والمنطق والبيان والعروض وغيرها, ثم جود القرآن على شيخ القراء الشيخ أحمد الحلواني وقرأ على الشيخ سليم العطار والشيخ بكري العطار, وأجازه كثير من علماء عصره. تدريسه: بدأ في التعليم بسن مبكرة، وانتدبته الحكومة أربع سنوات من سنة ١٣٠٨ إلى سنة ١٣١٢ لإلقاء دروس عامة خلال شهر رمضان في وادي العجم والنبك وبعلبك, وقام مقام أبيه في الدرس العام وإمامة الجامع وإلقاء الدروس فيه بعد وفاة والده سنة ١٣١٧, واستمر فيه إلى وفاته, رحمه الله تعالى.

стр. 158

نشاطه: اتهم بعد عودته من الانتداب سنة ١٣١٣ وزيارته لمصر وللمدينة بتأسيس مذهب فقهي خامس هو "المذهب الجمالي" فقبضت عليه الحكومة ليلة واحدة ثم أخلي سبيله في الصباح, واعتذر له والي دمشق. وانقطع بعدها للتأليف وإلقاء الدروس الخاصة والعامة، وفي سنة ١٣٢٦ حدثت له حادثة أخرى, حيث فُتشت كتبه وصُودر بعضها وأُعيدت له بعد شهرين. وحادثة ثالثة، حيث استُدعي أمام قاضي التحقيق بدمشق حيث اتهم بأن جمعية النهصة السورية لم تنشأ إلا بتشويقه هو والشيخ عبد الرزاق البيطار, وأنهما من أركانها, وأنها فرع لجمعيات في البلاد كاليمن ونجد. وأن لهم مكاتبات مع أمراء نجد ومواصلات ... وما مذهب الوهابية وكم عدة الوهابيين في الشام ... إلى نحو ذلك. أسلوبه في الدعوة: عرف عنه -رحمه الله تعالى- أنه كان عف اللسان والقلم لم يتعرض بالأذى لأحد من خصومه, سواء أكان ذلك في دروسه الخاصة أو العامة في مجالسه أو ندواته، وإنما كان يناقش بالبرهان والدليل من الكتاب والسنة. ولم تتضمن كتبه على كثرتها مع أن بعضها إنما وضع للرد على المخالفين, لم تتضمن لفظا نابيا أو كلمة جارحة وإنما اعتصم بالنقاش العلمي الأدبي ولم يكن -رحمه الله تعالى- يريد من الرد على مخالفيه إفحامهم أو تصغير أقدارهم أو الحط من شأنهم، وإنما كان هدفه الهدى والرشاد إلى صراط مستقيم. وفاته: توفي -رحمه الله تعالى- في دمشق مساء السبت ٢٣/ ٥/ ١٣٣٢ ودفن في مقبرة الباب الصغير بدمشق، وله من العمر ٤٩ عاما.

стр. 159

مؤلفاته: ترك -رحمه الله تعالى- عددا كبيرا من المؤلفات تقارب المائة عددا, وقد اطلع الزركلي على اثنين وسبعين مصنفا له ... وأهم مؤلفاته: ١- محاسن التأويل: وهو التفسير الذي سنفرده بالحديث, إن شاء الله. ٢- قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث: في مجلد، بين يدي طبعة دار إحياء الكتب العربية الطبعة الثانية سنة ١٣٨٠ بتحقيق وتعليق محمد بهجت البيطار. أما الطبعة الأولى ففي شهر شوال سنة ١٣٥٣. ٣- إصلاح المساجد من البدع والعوائد: في مجلد واحد, تبلغ صفحاته قرابة ٢٨٠ صفحة، صدرت طبعته الأولى في القاهرة سنة ١٣٤١، وبين يدي الطبعة الرابعة سنة ١٣٩٩ في بيروت, خرج أحاديثها وعلق على بعض مواطن الإشكال فيها الشيخ محمد ناصر الدين الألباني. ٤- تاريخ الجهمية والمعتزلة: صدرت آخر طبعاته من مؤسسة الرسالة ببيروت سنة ١٣٩٩. ٥- تعطير المشام في مآثر دمشق الشام: مخطوط في أربعة مجلدات, ذكره الزركلي في أعلامه. ٦- موعظة المؤمنين من إحياء علوم الدين: وغير ذلك من المؤلفات, ﵀ رحمة واسعة ونفع بعلمه, إنه سميع مجيب١. التفسير: "محاسن التأويل": ويعرف هذا التفسير بـ"تفسير القاسمي" طبع في سبعة عشر مجلدا ويقع في ٦٣١٦ صفحة بدون المجلد الأول الذي جعله مقدمة لتفسيره وصدرت

стр. 160

الطبعة الأولى بين عامي ١٣٧٦-١٣٧٧ من دار إحياء الكتب العربية، ووقف على طبعه وتصحيحه, ورقمه وخرج آياته وأحاديثه وعلق عليه الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي, وأصدرت دار الفكر ببيروت الطبعة الثانية سنة ١٣٩٨ مصورة عن الطبعة الأولى. طريقته في التفسير: بين -رحمه الله تعالى- في مقدمة تفسيره أنه اطلع على ما قدر له من تفاسير السابقين وتعرف ما تخللها من الغث والسمين, ثم بعد أن صرف في الكشف عن حقائق التفسير شطرا من عمره ووقف على فحص دقائقه قدرا من دهره قال: "أردت أن أنخرط في سلك مفسريه الأكابر قبل أن تبلى السرائر وتفنى العناصر وأكون بخدمته موسوما وفي حملته منظوما, فشحذت كليل العزم وأيقظت نائم الهم واستخرت الله تعالى في تقرير قواعده وتفسير مقاصده في كتاب اسمه بعون الله الجليل: "محاسن التأويل" أودعه ما صفا من التحقيقات وأوشحه بمباحث هي المهمات وأوضح فيه خزائن الأسرار وأنقد فيه نتائج الأفكار وأسوق إليه فوائد التقطتها من تفاسير السلف وفرائد عثرت عليها في غضون الدفاتر وزوائد استنبطتها بفكري القاصر مما قادني الدليل إليه، وقوى اعتمادي عليه وسيحمد السابح في لججه والسانح في حججه ما أودعته من نفائسه الغريبة البرهان وأوردته من أحاديثه الصحاح والحسان وبدائعه الباهرة للأذهان, فإنها لباب اللباب ومهتدى أولي الألباب ولم أطل ذيول الأبحاث بغرائب التدقيقات، بل اخترت حسن الإيجاز في حل المشكلات اللهم إلا إذا قابلت فرسان مضمار الحق جولة الباطلات، فهنالك تصوب أسنة البراهين نحو نحور الشبهات"١. وقد جعل -رحمه الله تعالى- الجزء الأول مقدمة لتفسيره, قال عنها: "وهي قواعد فائقة وفوائد شائقة جعلتها مفتاحا لمغلق بابه, ومسلكا لتسهيل خوض عبابه, تعين المفسر على حقائقه وتطلعه على بعض أسراره ودقائقه"١.

стр. 161

ومفسرنا -رحمه الله تعالى- كثيرا ما ينقل نقولا طويلة عن علماء السلف, فينقل عن أحمد بن حنبل وابن تيمية وابن القيم وابن كثير وابن جرير الطبري والشاطبي والعز بن عبد السلام وابن حزم والرازي والزمخشري والراغب والقرطبي والبقاعي وغيرهم, ﵏ أجمعين. وكثيرا ما يستشهد ﵀، وهو من علماء الحديث- بالأحاديث النبوية من الصحاح والسنن والمسانيد. وفي اللغة يرجع إلى كتب اللغة, كالقاموس والصحاح وغيرهما. وقد عاب بعض النقاد عليه -رحمه الله تعالى- كثرة نقله من الكتب وزعموا أن الرجل لم يكن له رأي شخصي وأنه إنما كان يعتمد في تأليفه على نقل آراء غيره, فرد عليهم الأستاذ سامي الكيالي فقال عنهم: "أخطئوا من ناحيتين: ١- لأن النقل بحد ذاته رأي, وقديما قيل: "اختيار المرء قطعة من عقله" فما كانت الآثار والآراء والأقوال التي ينقلها إلا آراء، ولو ارتأى أن يكتبها بنفسه، لكتب مثلها أو خيرا منها، ولكنه آثر أن يكتبها بقلم غيره للسبب الذي أشرت إليه. ٢- لأن بعض تآليفه التي وضعها في أخريات أيامه لم يكن فيها النقل إلا عرضا ولتأييد فكرته بقول غيره, وقد كان ذلك في الوقت الذي لم يعد فيه يبالي بالخصوم وأصبح اسمه علما ضخما في العالم الإسلامي"١. أما السبب الذي أشار إليه الأستاذ سامي الكيالي فهو حسب اعتقاده أن الشيخ القاسمي لما رأى البدع قد تفشت وأن الخرافات قد استولت على الأذهان, أدرك أن أقواله سوف لا يكون لها من القيمة ما لأقوال الأئمة السابقين فكان يرتب الأفكار التي تجب معالجتها وينقل عن الغزالي وابن تيمية وابن حزم وابن الجوزي وابن القيم والشافعي وأبي حنيفة وأحمد ومالك وأمثالهم الأقوال الصحيحة التي تؤيد فكرته؛ ولهذا ظهر قسم من مؤلفاته وليس فيه إلا المقدمة

стр. 162

وبعض الأقوال القليلة النادرة ولم يكن ذلك عن عجز عن الكتابة، وإنما كان مقصودا لنشر الفكرة الإصلاحية التي يسعى إليها وليحمل الخصوم على قبولها والقناعة بها من أقوال أئمة لا يستطيعون أن يردوا عليها١. والحق أن الشيخ القاسمي -رحمه الله تعالى- كثيرا ما يعتمد على النقل, نضرب لذلك مثلا في بيان المحكم والمتشابه في الآية السابعة من آل عمران, اكتفى -رحمه الله تعالى- بنقل نص لابن تيمية -رحمه الله تعالى- في ٣٢ صفحة ثم بنص لابن المرتضى اليماني صاحب كتاب: "إيثار الحق على الخلق" في ١٢ صفحة ولم يكن له إلا الربط بين النصين, ولا يعد هذا عيبا إذ لم يكن هدفه -رحمه الله تعالى- التأليف، بل كان هدفه الإصلاح ونشر الحق بين الناس وإزالة البدع والمنكرات, وتحت ظلال هذه الأهداف فإن الأمر سيان بين أن يأتي بكلام من عنده، أو بكلام غيره ما دام يعتقده حقا ويعتقده صوابا، بل الثاني أولى لما ذكره الأستاذ سامي. نماذج من تفسيره: الأسماء والصفات: أفرد القاسمي -رحمه الله تعالى- في المجلد الأول بيانا في أن الصواب في آيات الصفات هو مذهب السلف أورد فيه نقولا لبعض العلماء في إثبات ذلك, فنقل الباب الثاني في إقامة البرهان على أن الحق مذهب السلف من كتاب "إلجام العوام عن علم الكلام" للإمام الغزالي ثم نقل ما وصفه بالقول الشامل في هذا الباب ما قاله الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- ثم نقل عن الأوزاعي من كتابي الأسماء والصفات للبيهقي والسنة لأبي بكر الخلال, ثم نقل شرح ابن القيم لحديث: "فرح الله بتوبة عبده" من كتابه: طريق الهجرتين. ولئن كان -رحمه الله تعالى- ينقل هذه النصوص نقل المستشهد المؤيد, فإني لم أعتبرها رأيا له مع أن من يفعل فعله فينقل نقل المستشهد المؤيد إنما عبر

стр. 163

عن رأيه بلفظ غيره فهي إن لم تكن رأيا له, فهي حتما دليل عليه. وإنما لم أعتبرها رأيا له دفعا للحجة وقطعا للمنازع، وسأعتمد في هذا وفي سواه على ألفاظه, رحمه الله تعالى. فمن ذلك تفسيره لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ١, قال: "كما أن صدر الآية فيه رد على المشبهة فكذا تتمتها وهو قوله تعالى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ رد على المعطلة؛ ولذا كان أعدل المذاهب مذهب السلف, فإنهم أثبتوا النصوص بالتنزيه من غير تعطيل ولا تشبيه وذلك أن المعطلين لم يفهموا من أسماء الله تعالى وصفاته إلا ما هو اللائق بالمخلوق ثم شرعوا في نفي تلك المفهومات فجمعوا بين التمثيل والتعطيل فمثلوا أولا وعطلوا آخرا, فهذا تشبيه وتمثيل منهم للمفهوم من أسمائه وصفاته تعالى بالمفهوم من أسماء خلقه وصفاتهم فعطلوا ما يستحقه من الأسماء والصفات اللائقة به بخلاف سلف الأمة وأجلاء الأئمة, فإنهم يصفون الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به نبيه ﷺ من غير تحريف ولا تشبيه قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ، فرد على المشبهة بنفي المثلية, ورد على المعطلة بقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٢. إثبات الرؤية: قال -رحمه الله تعالى- في تفسير قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ, إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ٣: "أي مشاهدة إياه, ترى جمال ذاته العلية ونور وجهه الكريم كما وردت بذلك الأخبار والآثار عن رسول الله صلوات الله عليه وسلامه"٤. وكذا في قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ ْأَرِنِي

стр. 164

أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ الآية١, قال رحمه الله تعالى: "نبه تعالى على أن الجبل مع شدته وصلابته إذا لم يستقر فالآدمي مع ضعف بنيته أولى بأن لا يستقر، وفيه تسكين لفؤاد موسى بأن المانع من الانكشاف الإشفاق عليه, وأما أن المانع محالية الرؤية فليس في القرآن إشارة إليه"٢. ثم رد على المعتزلة فقال: "وأما زعم المعتزلة أن الرؤية مجاز عن العلم الضروري فمعنى قوله: ﴿أَرِنِي﴾ ، أي: اجعلني عالما بك علما ضروريا, خلاف الظاهر فإن النظر الموصول بـ "إلى" نص في الرؤية البصرية فلا يترك بالاحتمال مع أن طلب العلم الضروري لمن يخاطبه ويناجيه غير معقول, وكذا زعمهم أن موسى ﵇ كان سألها لقومه حين قالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ ٣, فسأل ليعلموا امتناعها, فإنه خلاف الظاهر وتكلف يذهب رونق النظم فترده ألفاظ الآية، وقد ثبت وقوع رؤيته تعالى في الآخرة بالكتاب والسنة؛ أما الكتاب فلقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ, إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ وأما السنة فلا تحصى أحاديثها ولكن إذا أصيب أحد بداء المكابرة في الحق الصراح, عسر إقناعه مهما قوي الدليل وعظمت الحجة"٤. وأكد هذه العقيدة عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ ٥, فسر الزيادة بالتفضل كما قال تعالى: ﴿وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ ، وأعظم أنواعه النظر إلى وجهه تعالى الكريم؛ ولذا تواتر تفسيرها بالرؤية عن غير واحد من الصحابة والتابعين ورفعها ابن جرير إلى النبي -صلوات الله عليه- عن أبي موسى وكعب بن عجرة وأبي, وكذا ابن أبي حاتم وروى الإمام أحمد عن صهيب ﵁ أن رسول الله ﷺ تلا هذه الآية: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا ... ﴾ إلخ. وقال: "إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار

стр. 165

نادى منادٍ: يا أهل الجنة! إن لكم عند الله موعدا، يريد أن ينجزكموه فيقولون: ما هو؟ ألم يثقل موازيننا، ألم يبيض وجوهنا ويدخلنا الجنة ويزحزحنا عن النار؟ " قال: "فيكشف لهم الحجاب فينظرون إليه, فوالله ما أعطاهم الله شيئا أحب إليهم من النظر إليه، ولا أقر لأعينهم". وهكذا رواه مسلم١. الاستواء: ما رأيت الشيخ القاسمي -رحمه الله تعالى- أفاض الحديث عن صفة من صفات الله تعالى كما أفاضه في صفة الاستواء, فقد كتب عن قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ "من ص٢٧٠٢ إلى ص٢٧٥٠" وليس له -رحمه الله تعالى- فيما كتب إلا الربط بين نصوص علماء السلف, فقد نقل عن البخاري والذهبي من كتابه "العلو" وعن الإمام أحمد بن حنبل من كتابه "الرد على الجهمية" وعبد القادر الجيلاني من كتابيه "تحفة المتقين" و"الغنية" وعن أبي إسماعيل الأنصاري من كتابه ذم الكلام وأهله وعن الكناني من كتابه "الرد على الجهمية" وابن عرفة من كتابه "الرد على الجهمية" وعن أبي الحسن الأشعري من كتابه "الإبانة" وعن ابن عبد البر من كتابه "التمهيد" وعن ابن تيمية من "الرسالة المدنية" ومن ولي الله الدهلوي من كتابه "حجة الله البالغة"، وعن الألوسي من محاكمة الأحمدين، وأكثر نقله عن ابن تيمية, رحمه الله تعالى. ثم عقب -رحمه الله تعالى- بعد هذه النقول بقوله: "وإنما أشبعنا الكلام في هذا المقام؛ لأنه من أصول العقائد الدينية ومهمات المسائل التوحيدية وقد كثر فيه تعارك الآراء وتصادم الأهواء ولم يأت جمهور المتكلمين المؤولين بشيء يعلق بقلب الأذكياء، بل اجتهدوا في إيراد التمحلات التي تأباها فطرة الله أشد الإباء, فبقيت نفوس أنصار السنة المحققين مائلة إلى مذهب السلف الصالحين فإن الأئمة منهم كان عقدهم ما بيناه فلا تكن من الممترين، والحمد لله رب العالمين"٢.

стр. 166

كلام الله: وفي قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ ١ قال رحمه الله تعالى: "يعني خاطبه مخاطبة من غير واسطة؛ لأن تأكيد ﴿كَلَّمَ﴾ بالمصدر يدل على تحقيق الكلام وأن موسى ﵇ سمع كلام الله بلا شك؛ لأن أفعال المجاز لا تؤكد بالمصادر فلا يقال: أراد الحائط يسقط إرادة، وهذا رد على من يقول: إن الله خلق كلاما في محل فسمع موسى ذلك الكلام. قال الفراء: "العرب تسمي كل ما يوصل إلى الإنسان كلاما بأي طريق وصل, لكن لا تحققه بالمصدر وإذا حقق بالمصدر لم يكن إلا حقيقة الكلام فدل قوله تعالى: ﴿تَكْلِيمًا﴾ ، على أن موسى قد سمع كلام الله حقيقة من غير واسطة, قال بعضهم: كما أن الله تعالى خص موسى ﵇ بالتكليم وشرفه به ولم يكن ذلك قادحا في نبوة غيره من الأنبياء فكذلك إنزال التوراة عليه جملة واحدة لم يكن قادحا في نبوة من أنزل عليه كتابه منجما من الأنبياء, كذا في اللباب"٢. ثم قال رحمه الله تعالى: "تنبيه: يحسن في هذا المقام إيراد عقيدة السلف الكرام في مسألة الكلام, فإنها من أعظم مسائل الدين، وقد تحيرت فيها آراء أهل الأهواء من المتقدمين والمتأخرين، واضطربت فيها الأقوال وكثرت بسببها الأهوال وأثارت فتنا وجلبت محنا وكم سجنت إماما وبكت أقواما وتشعبت فيها المذاهب واختلف فيها المشارب ولم يثبت إلا قول أهل السنة والجماعة المقتفين لأثر الرسول ﷺ وصحابته الكرام ﵃ فنقول"٣. ثم نقل -رحمه الله تعالى- نصوص السلف في كلام الله وإثباته على الوجه اللائق به جل وعلا وأن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق, فنقل نصوصا مطولة لابن تيمية تقع في "٢٣ صفحة" ونقل بعد ذلك نصوصا لعلماء آخرين على مذهب أهل السنة والجماعة.

стр. 167

سلامة القرآن من التحريف: قال -رحمه الله تعالى- في قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ١، أي: من كل من بغى له كيدا, فلا يزال نور ذكره يسري وبحر هداه يجري وظلال حقيته في علومه تمتد على الآفاق ودعائم أصوله الثابتة تطاول السبع الطباق رغما عن كيد الكائدين, وإفساد المفسدين: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ . وفي إيراد الجملة الثانية اسمية دلالة على دوام الحفظ٢. وقال في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ﴾ ٣، قال: "أي: منيع محمي عن التغيير والتبديل, وعن محاكاته بنظير"٤. الإمامة والعصمة: رد -رحمه الله تعالى- ما يستدل به المعتزلة والشيعة في قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ ٥, فقال: "وقد استدلت المعتزلة بهذه الآية على أن الظالم ليس بأهل للإمامة والكشاف أوسع المقال في ذلك هنا، وأبدع في إيراد الشواهد، كما أن الشيعة استدلت بها على صحة قولهم في وجوب العصمة في الأئمة ظاهرا وباطنا على ما نقله الرازي عنهم وحاورهم, أقول: إن استدلال الفرقتين على مدعاهما وقوف مع عموم اللفظ إلا أن الآية الكريمة بمعزل عن إرادة خلافة السلطنة والملك. المراد بالعهد تلك الإمامة المسئول عنها، وهل كانت إلا الإمامة في الدين وهي النبوة التي حرمها الظالمون من ذريته؟ كما قال تعالى: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ

стр. 168

مُبِينٌ﴾ ١ ولو دلت الآية على ما ادعوا لخالفه الواقع.. فقد نال الإمامة الدنيوية كثير من الظالمين, فظهر أن المراد من العهد إنما هو الإمامة في الدين خاصة والاحتجاج بها على عدم صلاحية الظالم للولاية تمحل؛ لأنه اعتبار لعموم اللفظ من غير نظر إلى السبب ولا إلى السياق أو ذهاب إلى أن الخبر في معنى الأمر بعدم تولية الظالم كما قاله بعضهم وهو أشد تمحلا, ومعلوم أن الإمام لا بد أن يكون من أهل العدل، والعمل بالشرع كما ورد, ومتى زاغ عن ذلك كان ظالما"٢. لا رجعة: في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٣. قال رحمه الله تعالى: "تمنوا الرجوع إلى الدنيا حين لا رجوع, واعدين أن لا يكذبوا بما جاءهم وأن يكونوا من المؤمنين"٤. الميزان: في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ٥، قال: "قال السيوطي في الإكليل في هذه الآية: ذكر الميزان ويجب الإيمان به, انتهى"، ثم قال: "الذي يوضع في الميزان يوم القيامة قيل: الأعمال وإن كانت أعراضا إلا أن الله تعالى يقلبها يوم القيامة أجساما ... ثم ذكر أدلة هذا القول ... وقيل: صحائف الأعمال هي التي توزن ... ثم استدل له ... وقيل: يوزن صاحب العمل ... ثم استدل له، وقال بعد هذا: قال الحافظ ابن كثير: وقد يمكن الجمع بين هذه الآثار بأن يكون ذلك كله صحيحا فتارة توزن الأعمال

стр. 169

وتارة يوزن محلها وتارة يوزن فاعلها, والله أعلم ... ثم ذكر الحكمة في وزن الأعمال فقال: إن قلت: أليس الله يعلم مقادير أعمال العباد, فما الحكمة في وزنها؟ قلت: فيه حِكَم. منها: إظهار العدل وأن الله لا يظلم عباده. ومنها: امتحان الخلق بالإيمان بذلك في الدنيا, وإقامة الحجة عليهم في العقبى. ومنها: تعريف العباد ما لهم من خير وشر, وحسنة وسيئة. ومنها: إظهار علامة السعادة والشقاوة. ونظيره أنه تعالى أثبت أعمال العباد في اللوح المحفوظ ثم في صحائف الحفظة الموكلين ببني آدم من غير جواز النسيان عليه , كذا في اللباب"١. الصراط: وفي قوله تعالى عن الكافرين: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ﴾ ٢ الآية، قال: "على إما على حقيقتها, أي: أُقيموا واقفين فوق النار على الصراط وهو جسر فوق جهنم, أو هي بمعنى في أي أُقيموا في جوف النار وغاصوا فيها وهي محيطة بهم, وصحح معنى الاستعلاء حينئذ كون النار دركات وطبقات بعضها فوق بعض"٣. القضاء والقدر: فصَّل -رحمه الله تعالى- القول في القضاء والقدر وبين عقيدة الفرقة الناجية فقال في تفسيره لقوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ

стр. 170

مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ ١ الآيتين, قال رحمه الله تعالى: "هذه الآية تكرر نظيرها في التنزيل الكريم في عدة سور وهي من الآيات الجديرة بالتدبر لتمحيص الحق في المراد منها، فقد زعم المعتزلة أن فيها دلالة واضحة لمذهبهم من أن الله لا يشاء المعاصي والكفر كما تبجح بذلك منهم الطبرسي الشيعي في تفسيره وقال: إن فيها تكذيبا ظاهرا لمن أضاف مشيئة ذلك إلى الله سبحانه، وكذا الزمخشري في تفسيره. ومعلوم أن عقيدة الفرقة الناجية الإيمان بأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن, وأنه ما في السموات والأرض من حركة ولا سكون إلا بمشيئة الله سبحانه، لا يكون في ملكه إلا ما يريد، وهو خالق لأفعال العباد. وقد خالف في ذلك عامة القدرية -الذين سماهم النبي ﷺ مجوس هذه الأمة- فقالوا: لا إرادة إلا بمعنى المشيئة وهو لم يرد إلا ما أمر به، ولم يخلق شيئا من أفعال العباد فعندهم أكثر ما يقع من أفعال العباد على خلاف إرادته تعالى. ولما كان قولهم هذا في غاية الشناعة تبرأ منهم الصحابة، وأصل بدعتهم -كما قال ابن تيمية- كانت من عجز عقولهم عن الإيمان بقدر الله والإيمان بأمره ونهيه, وسنبين تحقيق ذلك بعد أن نورد شبهتهم في هذه الآية وندفعها -بعون الله تعالى- بعدة وجوه فنقول: "قالوا": إن الله تعالى حكى عن المشركين أنهم قالوا: أشركنا بإرادة الله تعالى ولو أراد عدم إشراكنا لما أشركنا ولما صدر عنا تحريم المحللات، فقد أسندوا كفرهم وعصيانهم إلى إرادته تعالى كما تزعمون أنتم. ثم إنه تعالى رد عليهم مقالتهم وبين بطلانها وذمهم عليها وأوعدهم عليها وعيدا شديدا, فلو كان يجوز إضافة المشيئة إلى الله تعالى في ذلك, على ما تضيفون أنتم، لم يكن يرد ذلك عليهم ويتوعدهم!

стр. 171

"قلنا": إن المشيئة في الآية تتخرج على وجوه, ثم ذكر الشيخ القاسمي -رحمه الله تعالى- سبعة وجوه في الرد على شبهتهم نكتفي بإيراد واحد من هذه الوجوه عن الباقي, قال ﵀: "إن المشيئة في الآية بمعنى الأمر والدعاء إلى ذلك, أي: يقولون: إن الله أمرهم بذلك ودعاهم إليه كما أخبر عنهم في سورة الأعراف بقوله: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ فرد تعالى عليهم بقوله: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ ". ثم ذكر -رحمه الله تعالى- بقية الوجوه في الرد على شبهتهم, ونقل بعد هذا نصا لابن القيم الدمشقي من كتابه: طريق الهجرتين, ثم بحثا ضافيا لابن تيمية وأعقب هذا كله بقوله: إذن معنا قضيتان قطعيتا الثبوت: "إحداهما": كون الإنسان يعمل بقدرة وإرادة يبعثها علمه على الفعل أو الترك والكف، وهي بديهية. و"الثانية": هي أن الله هو الخالق الذي بيده ملكوت كل شيء وهي نظرية, ويتولد من هاتين القضيتين القطعيتين مسألتان نظريتان: الأولى: ما الفرق بين علم الله تعالى وإرادته وقدرته, وبين علم الإنسان وإرادته وقدرته؟ والجواب من وجوه. ... ثم ذكر -رحمه الله تعالى- ثلاثة وجوه أجملها في آخرها فقال: وبالجملة: إن المشاركة بين صفات الله تعالى وصفات عباده إنما هي في الاسم لا في الجنس, كما زعم بعضهم فبطل زعم من قال: إن إثبات كون الأفعال التي تصدر من الإنسان هي بقدرته وإرادته, يقتضي أن يكون شريكا لله تعالى, ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ . المسألة الثانية: وهي عضلة العقد ومحك المنتقد, أن القضاء عبارة عن تعلق علم الله تعالى أو إرادته في الأزل بأن الشيء يكون على الوجه المخصوص من الوجوه الممكنة والقدر وقوع الأشياء فيما لا يزال على وفق ما سبق في الأزل, ومن الأشياء التي يتعلق بها القضاء والقدر أفعال العباد الاختيارية، فإذا كان قد سبق القضاء المبرم بأن زيدا يعيش كافرا ويموت كافرا, فما معنى مطالبته

стр. 172

بالإيمان وهو ليس في طاقته, ولا يمكن في الواقع ونفس الأمر أن يصدر منه؛ لأنه في الحقيقة مجبور على الكفر في صورة مختارة له؟ كما قال بعضهم. والجواب عن هذا: إن تعلق العلم والإرادة بأن فلانا يفعل كذا لا ينافي أن يفعله باختيار إلا إذا تعلق العلم بأن يفعله مضطرا كحركة المرتعش مثلا، ولكن أفعال العباد الاختيارية قد سبق في القضاء بأنها تقع اختيارية, أي: بإرادة فاعليها لا رغما عنهم, وبهذا صح التكليف ولم يكن التشريع عبثا ولا لغوا. وثم وجه آخر في الجواب، وهو: لو كان سبق العلم أو الإرادة بأن فاعلا يفعل كذا يستلزم أن يكون ذلك الفاعل مجبورا على فعله لكان الواجب، تعالى وتقدس، مجبورا على أفعاله كلها؛ لأن العلم الأزلي قد تعلق بذلك، وكل ما تعلق به العلم الصحيح لا بد من وقوعه. فتبين بهذا أن الجبرية ومن تلا تلوهم قد غفلوا عن معنى الاختيار واشتبهت عليهم الأنظار فكابروا الحس والوجدان ودابروا الدليل والبرهان وعطلوا الشرائع والأديان وتوهموا أنهم بعظمون الله, ولكنهم ما قدروا الله حق قدره ولا فقهوا سر نهيه وأمره، حيث جرءوا الجهال على التنصل من تبعة الذنوب والأوزار، وادعاء البراءة لأنفسهم والإحالة باللوم على القضاء والقدر، وذلك تنزيه لأنفسهم من دون الله ولا حول ولا قوة إلا بالله، بل ذلك إغراء للإنسان بالانغماس في الفسوق والعصيان، فيا عجبا لهم كيف جعلوا أعظم الزواجر من الإغراء وهو الاعتقاد بإحاطة علم الله بالأشياء, أليس من شأن من لم يفسد الجبر فطرته ويظلم الجهل بصيرته أن يكون أعظم مهذب لنفسه ومؤدب لعقله وحسه اعتقاده بأن الله عليم بما يسر ويعلن ويظهر ويبطن, وأنه ناظر إليه ومطلع عليه؟ بلى إن الإحسان هو أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك, وأما الذين ضلوا السبيل واتبعوا فاسد التأويل فيقولون كما قال من قبلهم وقص الله علينا ذلك بقوله : ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ الآية، فانظر كيف رماهم العليم الحكيم بالجهل وجعل احتجاجهم بالقدر من

стр. 173

أسباب وقوع البأس والبلاء بهم. وفي هذا القدر كفاية لمن لم ينطمس نور الفطرة من قلبه, والله عليم حكيم١. أهل الكبائر: في تفسير قوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ٢، قال رحمه الله تعالى: "ذهب أهل السنة والجماعة إلى أن الخلود في النار إنما هو للكفار والمشركين؛ لما ثبت في السنة تواترا من خروج عصاة الموحدين من النار, فيتعين تفسير السيئة والخطيئة في هذه الآية بالكفر والشرك, ويؤيد ذلك كونها نازلة في اليهود"٣. وبهذا النحو فسر قوله تعالى عن آكلي الربا: ﴿وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ٤، قال: "ومن عاد أي: إلى تحليل الربا بعد النص, فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون"؛ لكفرهم بالنص وردهم إياه بقياسهم الفاسد بعد ظهور فساده, ومن أحل ما حرم الله فهو كافر فلذا استحق الخلود, وبهذا تبين أنه لا تعلق للمعتزلة بهذه الآية في تخليد الفساق حيث بنوا على أن المتوعد عليه بالخلود العود إلى فعل الربا خاصة ولا يخفى أنه لا يساعدهم على ذلك الظاهر الذي استدلوا به. فإن الذي وقع العود إليه محمول على ما تقدم كأنه قال: ومن عاد إلى ما سلف ذكره، وهو فعل الربا واعتقاد جوازه والاحتجاج عليه بقياسه على البيع، ولا شك أن من تعاطى معاملة الربا مستحلا لها مكابرا في تحريمها مسندا إحلالها إلى معارضة آيات الله البينات, بما يتوهمه من الخيالات, فقد كفر ثم ازداد كفرا وإذ ذاك يكون الموعود بالخلود في الآية من يقال: إنه كافر مكذب غير مؤمن, وهذا لا خلاف فيه فلا دليل إذًا للمعتزلة على اعتزالهم في هذه الآية والله الموفق, أشار لذلك في الانتصاف. قال في فتح البيان:

стр. 174

والمصير إلى هذا التأويل واجب؛ للأحاديث المتواترة القاضية بخروج الموحدين من النار١. الولاء والبراء: فسر -رحمه الله تعالى- قوله سبحانه: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ ٢ الآية، بقوله: "أي: لا تجد قوما جامعين بين الإيمان بالله واليوم الآخر وبين موادة أعداء الله ورسوله. والمراد بنفي الوجدان نفي الموادة على معنى أنه لا يبنغي أن يتحقق ذلك وحقه أن يمتنع ولا يوجد بحال مبالغة في النهي عنه والزجر عن ملابسته والتوصية بالتصلب في مجانبة أعداء الله ومباعدتهم والاحتراس من مخالطتهم ومعاشرتهم, وزاد ذلك تأكيدا وتشديدا بقوله: ﴿وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ﴾ أي: آباء الموادين, والضمير في: ﴿كَانُوا﴾ لمن حاد الله ورسوله والجمع باعتبار معنى ﴿مَنْ﴾ كما أن الإفراد فيما قبله باعتبار لفظها"٣. أهل البيت: في قوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ ٤، قال رحمه الله تعالى: "أي أن تودوني في القرابة التي بيني وبينكم، وتصلوا الرحم التي بيننا ولا يكن غيركم يا معشر قريش أولى بحفظي ونصرتي ومودتي منكم ... والاستثناء منقطع ومعناه نفي الأجر أصلا؛ لأن ثمرة مودتهم عائدة إليهم لكونها سبب نجاتهم فلا تصلح أن تكون أجرا له. وقيل: المعنى أن تودوا قرابتي والذين هم قرابتكم ولا تؤذوهم وقيل: ﴿الْقُرْبَى﴾ التقرب إلى الله تعالى أي: إلا أن تتوددوا إلى الله فيما يقربكم إليه، والمعنى الأول هو الذي عوّل عليه الأئمة

стр. 175

ولم يرتض ابن عباس ﵁ غيره, ففي البخاري عنه ﵁ أنه سئل عن قوله تعالى: ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ فقال سعيد بن جبير: ﴿الْقُرْبَى﴾ آل محمد فقال ابن عباس: عجلت, إن النبي ﷺ لم يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم قرابة فقال: "إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة" ١، ثم لخص -رحمه الله تعالى- ما ورد في تفسير ابن كثير، وأورد كلام ابن تيمية في ذلك من كتابه: منهاج السنة, وفيه رد على تأويلات الشيعة في هذه الآية بما يبطلها، ولولا أني التزمت أن لا أنقل إلا نصوص المؤلف وأقواله لنقلتها لإبطال مزاعم الشيعة في ذلك فليرجع إليها في موضعها من يطلب الحق. الشفاعة: رد -رحمه الله تعالى- على من ينكر الشفاعة, فقال في تفسير قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ ٢، قال: "تمسكت المعتزلة بهذه الآية على أن الشفاعة لا تقبل للعصاة؛ لأنه نفى أن تقضي نفس عن نفس حقا أخلت به من فعل أو ترك، ثم نفى أن يقبل منها شفاعة شفيع فعلم أنها لا تقبل للعصاة. والجواب: أنها خاصة بالكفار, ويؤيده أن الخطاب معهم كما قال: ﴿مَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ ٣، وكما قال عن أهل النار: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ، وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ ٤، فمعنى الآية أنه تعالى لا يقبل فيمن كفر به فدية ولا شفاعة ولا ينقذ أحدا من عذابه منقذ ولا يخلص منه أحد"٥. تلكم أمثلة من تفسير محاسن التأويل لجمال الدين القاسمي ﵀

стр. 176

تعالى- نهج فيها نهج أهل السنة والجماعة, لا يعطل صفة ولا يشبه ولا يمثل، ولا يرد حديثا صحيحا ولا يطنب في بيان مبهم ولا يعنى بإيراد الإسرائيليات, وهو في كل هذا لا يكاد يخطو خطوة في تفسيره إلا في طريق اتضحت جادته ورأى فيها آثار علماء السلف الصالح, فبهم يقتدي ولأقوالهم يستدل. ولا يكاد القارئ يدلج في تفسيره حتى يتضح له أن المؤلف -رحمه الله تعالى- يكتفي بالنقل عن علماء السلف، ويورد حججهم وأدلتهم، وردودهم على شبه الخصوم بما يؤكد أن المؤلف -رحمه الله تعالى- كان يجعل همه -كل همه- الإصلاح ليس إلا وإنما يورد هذه النصوص -كما أسلفنا- ليلجم بها الخصوم فإنهم إن استطاعوا جدلا رد أقواله، صعب عليهم إبطال أقوال علماء بهم يقتدون ولعلمهم يعترفون, فكانت حجته لهم غالبة. ولالتزامي بأن لا أنقل إلا عبارته وأن لا أستدل إلا بنصوصه فإني لم أكد أجد في بعض القضايا له من لفظ إلا الربط بين نصوص علماء السلف؛ ولذا كانت بعض العقائد هنا غفلا من إيراد تفسيره لها, رحمه الله تعالى, ونفع بتفسيره وبسائر مؤلفاته.

стр. 177

رأيي في هذا المنهج: لا شك أن منهج أهل السنة والجماعة في التفسير هو أسلم المناهج كسلامة منهجهم في العقيدة, وهل العقيدة الصحيحة إلا الفهم الصحيح للقرآن الكريم, وللسنة النبوية. وإن كانت من فروق بين مفسري أهل السنة والجماعة في القديم وفي العصر الحديث, فثم فروق بعضها يحسب حسنة للسابقين وبعضها فضيلة للمتأخرين. أول هذه الفروق حسب ملاحظتي القاصرة أن المفسرين السابقين أو أكثرهم يعتني بتفصيل عقيدة أهل السنة والجماعة فيما يمر في تفسيره من آيات قرآنية ويرد على شبه الخصوم وعلى الملل والنحل الباطلة والتفسيرات المنحرفة حتى إذا قضى عليها وطمس باطلها صب في أذنيك القول الصحيح والتفسير السليم, فلا يبقى في ذهنك إلا مذهب السلف الحق ولم تقم لغيره قائمة ولا تعكر صفوه شبهة. أما المفسرون في العصر الحديث, فإن أكثرهم وفي أكثر المسائل الخلافية لا يكاد يعرض لبيان تفسير باطل يرد عليه، أو نحلة منحرفة يبطلها ويكشف زيفها، بل يتجه اتجاها مباشرا إلى ألفاظ الآية وما تدل عليه من غير تعرض للشبهات والتفسيرات الزائفة ومن غير تعرض أحيانا إلى جلاء الحقيقة في معركة احتدمت في هذه الآية أو تلك, فكأنه وقر في ذهنه أنه إنما يؤلف لطائفة لا تجادل في معنى ولا تطلب دليلا لمنحى. وهذا أمر أحسب أن تلافيه واجب وأن الحاجة ماسة إلى تفسير يعنى فيه صاحبه إلى بيان عقائد أهل السنة وشرحها وبيان ما يتعلق بها وما يثار حولها من شبهات وما يستدل به منها بعض النحل وبيان الحق الواضح والدواء الشافي بما يجلو كل شبهة, ويثبت كل حقيقة.

стр. 178

وإن كان هذا الفارق يحسب لصالح المفسرين السابقين, فإن الفارق الثاني يعد من حسنات المعاصرين من أهل السنة والجماعة, ألا وهو نبذ الإسرائيليات, فلا تكاد تجد بينهم -والحمد لله- من يعتني بها أو يوردها إلا ما ندر. وفي مقابل ذلك نجد بعض تفاسير علماء السلف السابقين لم يطهروا تفاسيرهم منها, فأوردها بعضهم -رحمهم الله تعالى- وأطال فيما أورد إطالة خرجت عن حد المقبول إلى حد المذموم. وثمة فارق ثالث وهو عناية كثير من المفسرين في العصر الحديث بتطبيق التفسير على المجتمع وتوجيه الأمة إلى ما ينبغي أن يكونوا عليه حسب توجيهات القرآن الكريم، والعبور من خلال آيات القرآن الكريم إلى علاج مشاكل المجتمع الإسلامي السياسي والاجتماعي والاقتصادي, وهو أمر لا نظلم السابقين فننكر وجوده عندهم, ولكنه لم يكن كمنزلته عند المعاصرين ولم يعتنوا به عنايتهم. وفارق رابع برز في تفاسير المعاصرين وهو الاهتمام بالتفسير العلمي التجريبي وهو وإن كنا سنفرده -إن شاء الله- بحديث إلا أن وروده هنا كفارق بين القديم والحديث فقد اعتنى به المعاصرون أو أكثرهم لا أريد به ما يقع من المتطرفين ولكن تلك الإشارات واللمحات الخاطفة بين ثنايا التفسير التي تشير في غالبها إشارة تدبر وتفكر لا إشارة تفسير وربط بين النص والنظرية, هذه الإشارات تجدها في تفاسير المعاصرين أكثر منها عند من سبقهم. وفارق خامس وهو الميل إلى اختصار العبارة أدى إلى اختصار الأبحاث ثم تولد عندهم ميل إلى المختصرات فاختصروا تفاسير السابقين كابن كثير والنسفي والبيضاوى وغيرهم, بل مالوا إلى جمع الصفوة من التفاسير وإلى المختارات منها ولا أدري سبب ذلك: أهو ضعف في عطاء المفسر أو ضعف في همة المتلقي. وقد اكتفى بعض المفسرين من التفسير بتفسير سورة منه أو سور معدودة، لا أغمط بهذا حق بعضهم ممن أجاد وأفاد, ولكني قصدت بعضهم وبعضهم قليل, والله المستعان.

стр. 179

الفصل الثاني: منهج الشيعة في تفسير القرآن الكريم تعريف الشيعة: شيعة الرجل بالكسر: أتباعه وأنصاره، والفرقة على حدة، ويقع على الواحد والمثنى والجمع, والمذكر والمؤنث١, ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ﴾ ٢. وكل قوم اجتمعوا على أمر فهم شيعة ... وكل من عاون إنسانا وتحزب له فهو له شيعة٣. قال في القاموس: "وقد غلب هذا الاسم على كل من يتولى عليا وأهل بيته, حتى صار اسما لهم خاصا"١، والحق أن هذا غير صحيح؛ لأن أهل السنة والجماعة يتولون عليا ﵁ وأهل بيته، ولا يطلق عليهم شيعة, إذن فلا بد من إطلاق آخر. وإذا ما طلبنا تعريفا لهم من كتبهم وجدنا شيخهم "المفيد" يقرر أن لفظ الشيعة يطلق على "أتباع أمير المؤمنين علي, على سبيل الولاء والاعتقاد لإمامته بعد الرسول -صلوات الله عليه وآله- بلا فصل ونفي الإمامة عمن تقدمه في مقام الخلافة وجعله في الاعتقاد متبوعا لهم غير تابع لأحد منهم على وجه الاقتداء"٤.

стр. 180

وهو نفسه يعترف بأن هذا التعريف "لا يشمل إلا الإمامية والجارودية من فرقة الزيدية, أما باقي فرقة الزيدية فلا يشملهم التشيع، وكذا لم يعتبر في التعريف الاعتقاد بإمامة أئمتهم المعروفين بعد علي ﵁ مع أنه هو ومشايخهم ينكرون سمة التشيع لمن لم يؤمن بالأئمة, وزد على هذا العقائد الأخرى كالتقية والرجعة وغيرهما, فقد ربط علماؤهم وصف التشيع بالإيمان بها وكل هذا غير داخل في تعريف المفيد. وهناك تعاريف أخرى كثيرة وكلها تدور حول وصف الإيمان بإمامة علي ﵁ ولا يذكر الخصائص الأخرى التي لا يشاركهم فيها أحد غيرهم؛ ولهذا فإن بعض علمائهم يتمسك بتعريف ابن حزم للشيعة حيث قال: "ومن وافق الشيعة في أن عليا ﵁ أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ وأحقهم بالإمامة وولده من بعده فهو شيعي, وإن خالفهم فيما عدا ذلك مما اختلف فيه المسلمون, فإن خالفهم فيما ذكرنا فليس شيعيا"١. ومن هذا نرى أن ابن حزم جعل من خصائصهم الإيمان بإمامة علي ﵁ وولده من بعده، فهو أدق من تعريف المفيد, وبين أيضا أن هذا هو الأصل في التشيع ولا أثر بعد ذلك فيما عداه من العقائد الأخرى, ويقصد بها التقية والعصمة والرجعة وغيرها. ومع أن هذا التعريف فيما نرى هو الأقرب وهو الذي اختاره بعض كتاب الشيعة المعاصرين, فإنه ينبغي أن نفرق بين الشيعة في أطوارهم الأولى والشيعة المتأخرين, فالشيعي في الطور الأول يطلق على كل من فضّل عليا وقدمه على عثمان ﵄ ولهذا قال ليث بن أبي سليم, الذي أخرج له مسلم: "أدركت الشيعة الأولى وما يفضلون على أبي بكر وعمر أحدا"٢، وقال أبو إسحاق السبيعي: "خرجت من الكوفة وليس أحد يشك في فضل أبي بكر
следующие страницы →