السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ١ زعم أن في هذه الآية بيانا لـ "نوع من أشعة "الليزر" يسير الجبال ويقطع الأرض ويكلم به الموتى"؟! وقد بلغت هذه الدراسة ٣١ صفحة قدمها صاحبها إلى إدارة البحوث والنشر في مجمع البحوث الإسلامية وأحيلت إلى فضيلة الشيخ مصطفى محمد الحديدي الطير فكتب تقريرا في ٢٢ صفحة ختمه بأن هذا البحث لا يصلح للطبع والنشر.
ولا أخفي أني غبطت الشيخ مصطفى الطير على سعة صدره وطول نفسه في قراءة هذه الرسالة كلها وكتابته نقدا شاملا لها مع أن كل صفحة فيها مليئة بما يبرر منعها من الطبع والنشر، ومع هذا فإن الشيخ مصطفى قدر قرأها كاملة، وكتب نقدا شاملا وزودني جزاه الله خيرا بنسخة من الرسالة وصوره من التقرير الذي كتبه وجاء فيه قوله: "يشتمل هذا الكتاب على إحدى وثلاثين صفحة من القطع الكبير وقد حاول فيه أن يستخرج أشعة الليزر من الآية الخامسة والثلاثين من سورة النور"٢.
قال المؤلف عن الآية ٣٥ المذكورة من سورة النور: "أحسست بوجود تطابق بين هذه الآية الكريمة وبين أجهزة الليزر عموما. كما لو كانت الآية تصميم "كذا" لجهاز من تلك الأجهزة"٣.
أما تفسير الآية فقال ما خلاصته: ﴿مِشْكَاةٌ﴾ هو "كذا" الكوة التي ليست بنافذة وهي عبارة عن جسم مفرغ من الداخل وليس له إلا فتحة واحدة كشباك أي أن هذه الفتحة لها سدادة أقل سمكا من باقي الجسم ويعتمد تصميم
стр. 1157
المشكاة على درجة الحرارة داخلها وعلى مسارات الأشعة وانكساراتها، ويجب كذلك أن تكون على درجة عالية من الصقل بالنسبة للسطح الداخلي؛ وذلك لاتخاذ الأشعة مساراتها المحددة حسب النظريات المعروفة، ﴿فِيهَا﴾ : بمعنى آخر هذه المشكاة، ﴿مِصْبَاحٌ﴾ : إشارة إلى كلمة المصباح السابقة، وعلى حسب التصورات العلمية المتاحة لنا يتحدد تصميم المصباح؛ فيكون هذا المصباح مماثلا لدائرة مصابيح الزئبق؛ بحيث ترفع طاقة الزيت من خلال تيار كهربي ويكون الزيت بمعزل عن أي مواد أخرى مثل الهواء لكي لا يحترق الزيت؛ فيكون في أنبوبة زجاجية مفرغة فعند رفع طاقة الزيت يتحول من الحالة السائلة إلى الحالة الغازية، ويتسبب ذلك في وجود ضغط داخل الأنبوبة، ونستمر في رفع طاقة بخار الزيت الذي يكون في هذه الحالة متأنيا "كذا" حتى نصل به إلى درجة الاشتعال؛ فيصدر ضوءا دون أن يحترق لعدم وجود أكسجين داخل الأنبوبة، ﴿فِي زُجَاجَةٍ﴾ : أي أن هذا المصباح بداخل الزجاجة، ويجب عمل تفريغ بين المصباح والزجاجة لتكون بمثابة عازل يمنع أجزاء المصباح وهي الدائرة الكهربة "كذا" الخارجة عن أنبوبة الزيت من التأكسد، وبالتالي التلف وكذلك لتعمل كعازل لعزل الجسيمات الموجودة في الضوء الخارج من الزيت وعدم السماح إلا بمرور الموجبات فقط من خلال الزجاجة"١، إلى أن قال: ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَة﴾ والبركة معناها الوفرة والكثرة أي الشيء المحدود يتكاثر بغير حدود، ومن الممكن أن نصل إلى أدنى هذه الحدود وذلك بالمقارنة عن طريق الآيات الآتية:
﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ﴾ [الدخان: ٣] .
﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١] .
ففي الآيتين السابقتين وردت كلمة مباركة في الآية الأولى مرادفة لكلمة القدر في الآية الثانية وبتعريف قيمة القدر ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ، لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: ٢] فليلة القدر خير من ألف شهر أي أنها خير من
стр. 1158
نظيرها بـ ٦٠.٠٠٠ على اعتبار الليلة نصف يوم فنصف اليوم خير من ١٠٠٠×٣٠×٢= ٦٠.٠٠٠ نظيرها، وبالمثل فإن كلمة مباركة تعني الخير لأكثر من ٦٠.٠٠٠ نظير، وهذا يعني أن الاستفادة من هذه الشجرة خير من ٦٠.٠٠٠ شجرة في مكان آخر وشعاع النور الذي يخرج من هذه الشجرة خير من ٦٠.٠٠٠ شعاع يخرج من شجرة أخرى؛ لأن هذه الأشعة مركزة في نقطة واحدة وليست مشتتة بعيدا عن بعضها".
ثم وصف هذه الأشعة المركزة في نقطة واحدة بأنها ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ وعندما تسير موجات نور على نور في خطوات منتظمة؛ فإنها تستطيع أن تحقق آثارا مذهلة والسبب هو أن طاقتها لا تتشتت كما لا تنتشر الحزمة نحو الخارج وهو يدعو إلى تكثيف تركيزا لطاقة عند نقطة محددة تماما وتوسع أيضا بدرجة عظيمة مدى مصدر الضوء، ثم ذكر بعض الإنجازات المثيرة لأشعة ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ ، ومنها أنه يمكن لهذا الشعاع أن يحدث ثقوبا في لوح من الصلب سمكة ٣/٨ بوصة على بعد عدة أقدام وقال: "ويستخدم هذا الشعاع "نور على نور لضبط المدى حيث تستخدم في سلاح المدفعية لتوجيه المدافع، وكذلك الصواريخ وكذلك المساحون في الفضاء الخارجي وستحل الأجهزة التي تصدر هذا الشعاع محل أجهزة الرادار التقليدية واللاسلكي لملاحة سفن الفضاء والاتصالات، ويستطيع هذا الشعاع أن يقطع المعادن والمواد الأخرى ويستخدم حاليا في أحكام ميكنة المعادن والمواد الهشة مثل التي بالماس وكذلك نستطيع أن نلح المعادن ونستخدم كذلك في صناعة دوائر ميكروإلكترونية ومن ثم فإن الأجهزة الضخمة التي تخرج هذا الشعاع التي تركب فوق قمم الجبال العالية يصفها على أنها وسيلة للدفاع ضد الرؤوس النووية للقذائف الموجهة الحربية من عابرات القارات" إلخ١.
هذه خلاصة سريعة لهذا البحث عن "الليزر" الذي زعمه صاحبه تفسيرا للآية ٣٥ من سورة النور وهل مثل هذا يحتاج إلى نقد؟! لا أحسبه كذلك فأمر بطلانه ظاهر لا يخفى.
стр. 1159
ولا يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل، ومن المؤسف أن تنشر مثل هذه الخرافات جريدة "النور" المصرية في عددها ٤٢ بعنوان: "إعجاز علمي في سورة النور نوع أشعة الليزر يسير الجبال ويقطع الأرض ويكلم به الموتى! وهذا المقال خلاصة لهذا البحث قدمها الكاتب نفسه".
بقي أمر طريف أحببت الإشارة إليه لطرافته وأترك بيان العلاقة بينه وبين البحث لعلماء النفس ذلكم أن عنوان الباحث كما هو أمامي شارع طنطاوي الجوهري؟! وهل لاسم الشارع أثر على اتجاه أهله أم لا.
وكما أن الإلحاد يكون في التطرف -إيجابا- في ربط الحقائق والنظريات العلمية بآيات القرآن الكريم؛ فإن الإلحاد أيضا يكون في التطرف -سلبا- في زعم مخالفة الآية لحقائق علمية؛ فهذا الأستاذ إسماعيل مظهر يكتب في العدد الأسبوعي لمجلة العصور الصادر في ٢٤ فبراير سنة ١٩٣٠م تحت عنوان "استفتاء" وجاء في مقاله: "جاء في القرآن الكريم: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيح﴾ ١، وقد دل العلم الصحيح على أن السماء غير مزينة بمصابيح بل هي فضاء غير متناه، تناثرت فيه كرات عظيمة هائلة الأبعاد، ومها ما يستمد ضوءه من غيرهن، ومنها ما هو ملتهب كشمسنا؛ فهل الاعتقاد بأنها ليست مصابيح مخالف للدين؟ "٢. وقلنا لهذا، بل هو مخالف للحواس أيضا وليس للدين فحسب، وأينا لم ينظر إلى السماء في ليلة مظلمة وقد انتثرت فيها النجوم وأطل من بينها وجه القمر فلم تأخذ بلبه، وكم تغنى في هذا المنظر الشعراء وأبدع فيه الأدباء وكم اهتدى بهذا المنظر رجل تأمل وتفكر في هذا الخلق البديع؛ فلم يجد بدا من الإذعان والاعتراف بأن هذا لا يكون إلا من الخلاق العليم.
وليعلم هذا أن القرآن وهو يصف السماء والمصابيح؛ فإنما يخاطب أناسا ينظرون إليهما من الأرض فتبدوا مطابقة كل المطابقة لهذا الوصف ولا أظنه يجهل أن اللوحات الجميلة والمناظر البديعة لا يحسن النظر إليهما إلا من بعد وإلا
стр. 1160
فلو قرب حدقة عينه حتى تكون داخل اللوحة أو قريبة منها؛ فإنه لن يرى إلا نتوءات وحفرا، بل ويرى الألوان مشوهة فهل له وهو في هذه الحالة أن يصف هذه اللوحة بما هي منه بريئة وليجرب هذا الرجل وأمثاله أن يقرب عينه من أرض حديقة جميلة أو يضع حدقة عينه في قلب وردة زاهية الألوان، وليصف ما يرى وليسمع رأي الناس في وصفه إنهم لن يصفوه بأكثر من أحد وصفين إما الجنون أوالمكابرة وحسبك بهما وصفا لما زعمه في الآية.
وإلحاد آخر في قوله تعالى: ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ ١، قال فيه: "وقد أثبت العلم أن السماء لا أبواب لها، وأن الماء إنما يتساقط على الأرض بعد أن يتكاثف سحابا وبعد أن يعلو متبخرا من مياه الأرض فهل هذا الاعتقاد تجديف؟ وهل يجب أن نعتقد أن للسماء أبوابا من فوقها بحار، إذا فتحت انهمر المطر، وإذا أقلت أمسك عن الانهمار؟ "٢.
والرجل في إلحاده هذا يجهل اللغة والبلاغة. أما اللغة فاعتقاده أن المراد بالسماء السماء حقيقة؛ وإنما المراد بها العلو والارتفاع وهو الجو هنا وهو مقر السحاب. أما جهله البلاغة فإن في الآية استعارة تمثيلية بتشبيه تدفق المطر من السحاب بانصباب أنهار انفتحت لها أبواب السماء وشق لها أديم الخضراء٣ ولو علم اللغة والبلاغة لما قال ما قال.
بقي أن أقول هنا أن إسماعيل مظهر هذا قد رجع إلى حظيرة الإسلام مرة أخرى والحمد لله٤، إذا هو قد خرج عنه في أمور كثيرة منها ما هو صريح لا يشك في أمره فيها. والحمد لله أولا وآخرا.
ولعلي أكتفي بهذا في سياق الأمثلة على التفاسير المنحرفة في منهج القاصرين في تفسير القرآن الكريم واذكر بعد هذا مثالا للؤلفات في هذا المنهج.
стр. 1161
القرآن محاولة لفهم عصري:
أولا: المؤلف
أما اسم الشهرة فمصطفى محمود، أما اسمه الكامل: فمصطفى كمال بن محمود حسين. ولد في ٢٧/١٢/١٩٢١ في قرية شبين الكوم، بالمنوفية في مصر؛ ولكنه نشأ في طنطا، حيث انتقل إليها مع أبويه وبدأ دراسته في الكتاب فيها بضعة أشهر، ثم دخل المدرسة الابتدائية، وقد أهلته درجاته العالية في الثانوية للالتحاق بكلية الطب بالقاهرة حتى أحرز شهادة الكلية عام ١٩٥٢م وواصل دراسته حتى أتم مرحلة التخصص في الأمراض الصدرية.
مرحلة الرفض:
ووجد في القاهرة الجو المساعد لتنمية هواياته التي جمعت بين الفن والعلم، وقد كان ولعه بالقراءة في سن مبكرة حين شارف على الثالثة عشر؛ حيث قرأ مؤلفات شبلي شميل وإسماعيل مظهر وسلامة موسى الذين كونوا في ذهنه مرحلة الرفض ويحدد نطاق شكه فيقول: إنه مقصور على موضوع النبوات والرسالات فقط. أما ما يتعلق بوجود الخالق تبارك اسمه فقد ظل في قلبه وعقله فوق كل ريب.
ويعلل بواعث تلك الشكوك بأنها رد فعل لما يراه من المظاهر الشاذة عند ضريح البدوي وغيره في طنطا.
مؤلفاته:
وأول مؤلفاته هي مجموعته القصصية "أكل عيش" وصدرت سنة ١٩٥٤م.
لكن لكتابه الثاني "الله والإنسان" الأثر الأكبر في التأليف، حيث قفز به من معالجة الواقع الإنساني على صعيد الأحداث القصصية إلى محاولة التشكيك في كبرى اليقنيات وحشد في هذا الكتاب كل المشكلات التي خاضها فألقت به
стр. 1162
في صراع كاد يمزقه، وقد أثار عليه هذا الكتاب بعض ذوي الغيرة الإسلامية فحاربوه حتى قام الزهر بواجبه؛ فصودرت نسخ الكتاب وقدم المؤلف إلى محكمة أمن الدولة ودافع محامي المؤلف عنه؛ فأعلن أن هذا الكتاب يسجل بداية متصوف لا تهجمات ملحد - ولسبب مجهول كان أعضاء المحكمة من أهل التصوف - فحكموا بمصادرة الكتاب والكف عن ملاحقة مؤلفه.
وبعد سكون الزوبعة رجع المؤلف إلى نفسه يحاكمها ويحاكم كتابه وانتهى إلى أنه عمل متهور لا يرضى عنه قلبه ولا عقله، وكانت هذه المحاكمة بداية لمرحلة جادة في طلب الحقيقة واستحكمت صلته بالقرآن وشرع بالاتصال بأئمة المفسرين، وكان أعمقهم تأثيرا سيد قطب في ظلال القرآن وابن كثير في تفسيره.
وأعلن الدكتور رفضه لكتابين من كتبه أولهما "الله والإنسان" الذي صودر، ولن يطبع ثانية، وثانيهما "إبليس"؛ إذ أعلن أنه لا يسمح بإعادة طبعه، وكل طبعة له ظهرت بعد الأولى فمن غارات السارقين في بيروت.
وخص كتابه "لغز الموت" بالذكر واعتبره مدخله إلى الإيمان، وقد كتبه في عام ١٩٥٨-١٩٥٩، ثم المستحيل الذي صدر سنة ١٩٦٠م١.
وله عدد من المؤلفات يذكرها عادة مع تواريخ صدورها في آخر كل كتاب له، ومن هذه المؤلفات غير ما ذكرنا:
١- لغز الحياة "دراسة كتبت سنة ١٩٦٧م".
٢- آينشتين والنسبية "دراسة كتبت عام ١٩٦١م".
٣- رحلتي من الشك إلى الإيمان "دراسة كتبت عام ١٩٧٠م".
٤- الطريق إلى الكعبة "رحلة حج كتبت عام ١٩٧١".
٥- الله "دراسة كتبت عام ١٩٧٢م".
стр. 1163
٦- التوراة: دراسة كتبت عام ١٩٧٢".
٧- رأيت الله: دراسة كتبت عام ١٩٧٣".
٨- الروح والجسد: دراسة كتبت عام ١٩٧٣".
٩- حوار مع صديقي الملحد: دراسة كتبت عام ١٩٧٤".
١٠- الماركسية والإسلامية: دراسة كتبت عام ١٩٧٥".
١١- محمد: دراسة كتبت عام ١٩٧٥".
١٢- السر الأعظم: دراسة كتبت عام ١٩٧٥".
١٣- من أسرار القرآن: دراسة كتبت عام ١٩٧٦".
١٤- الوجود والعدم: دراسة كتبت عام ١٩٧٦".
١٥- لماذا رفضت الماركسية: دراسة كتبت عام ١٩٧٦".
١٦- القرآن محاولة لفهم عصري: وهوموضوع بحثنا هنا".
هذه أهم مؤلفاته فيما نرى ولم نذكر منها أسماء رواياته ومسرحياته ورحلاته وقصصه التي صدرت في مجموعات أربع في بيروت سنة ١٩٧٢م. يكفي أن أقول إن عدد مؤلفاته كما يذكرها في آخر كتابه من أسرار القرآن ٤٥ مؤلفا فضلا عن المجموعات الكاملة التي أشرت إليها آنفا، وسأتحدث بعد هذا عن تفسيره.
стр. 1164
ثانيا: الكتاب "القرآن محاولة لفهم عصري "
وتقع طبعة دار المعارف بمصر سنة ١٩٧٦م لهذا الكتاب في حوالي ٢٨٠ صفحة من الحجم المتوسط وطبع قبلها وبعدها عدة مرات.
والمهم في الأمر أن الكتاب قد لاقى لا القبول عند كثير من المثقفين وقراء مصطفى محمود كما لاقى الرفض عند كثير من المختصين بعلوم القرآن، وقد توسط بعض العلماء فقبلوا بعضه وأنكروا بعضه وردوه، وأفرده بعضهم بمؤلفات مستقلة.
ومن الذين نقدوه بدراسة مستقلة:
١- الأستاذ عبد المتعال محمد الجبري في كتابه "شطحات مصطفى محمود في تفسيراته العصرية للقرآن الكريم" ويقع في حوالي ٢٥٠ صفحة.
стр. 1165
٢- الأستاذ مصطفى إسماعيل الرج في كتابه "رد على محاولة الفهم عصري للقرآن"، ويقع في ١٢٧ صفحة.
٣- "الملحد" محمود محمد طه في كتابه "القرآن ومصطفى محمود والفهم العصري" والعجيب أن المؤلف من أشهر الملحدين في هذا العصر ومن الذين ادعوا الرسالة، ويقع كتابه في ٢١٣ صفحة.
ومن الذين نقدوه نقدرا موسعا:
١- الدكتورة عائشة عبد الرحمن "بنت الشاطئ" في كتابيها:
"أ" القرآن والتفسير العصري.
"ب" القرآن وقضايا الإنسان.
٢- الشيخ مصطفى محمد الحديدي الطير في كتابه "اتجاه التفسير في العصر الحديث منذ عهد الإمام محمد عبده إلى مشروع التفسير الوسيط".
٣- الأستاذ أحمد محمد جمال في كتابه "على مائدة القرآن مع المفسرين والكتاب".
٤- الأستاذ توفيق علي وهبه في كتابه "شبهات وانحرافات في التفكير الإسلامي المعاصر".
وغير هؤلاء كثير نقدوه في كتبهم أو في مقالات نشرت في الجرائد والمجلات.
والكتاب في أصله مجموعة مقالات نشرت في مجلة "صباح الخير" في ديسمبر ١٩٦٩م وأوائل ١٩٧٠م بعنوان تفسير عصري للقرآن؛ فلما قامت الاعتراضات على تفسيره هذا جمعها في كتاب وزاد كلمة حسبها تبرر عمله هذا وسماه محاولة لفهم عصري للقرآن.
واستنكرت طائفة كتابة هذا التفسير في مجلة صباح الخير لجلال الموضوع وهبوط المجلة فلا تناسب بينهما.
стр. 1166
واستبشرت طائفة أخرى ليس لما أصاب فيه المؤلف؛ وإنما لما أخطأ فيه وانحرف فهي تصفق إعجابا لكل تأويل باطل أو شرح منحرف لقضية من القضايا الإسلامية، وكأنما أسند إليها القيام بتحريف الإسلام فهي تدافع عن كل ملحد وتشجع كل منحرف وتبرر كل خطيئة.
وطائفة رفضت هذا التفسير لعدم تخصص المؤلف وعدم توفر شروط المفسر فيه؛ فإذا قيل هم إن الإسلام ليس حكرا على أحد ألقموه حجرا، وقالوا: حقا الإسلام ليس حكرا على أحد؛ ولكن تفسير نصوصه ليس مباحا لكل أحد كالدواء تماما، العلاج به ليس حكرا على أحد كن وصفه وتركيبه ليس مباحا لكل أحد.
وسأذكر بعد هذا أمثلة من الانحرافات والشطحات التي ارتكبها الدكتور مصطفى محمود في محاولته هذه.
نماذج من تفسيره:
يحتوي كتابه هذا على أربعة عشر بحثا جعل لكل منها عنوانا وختم هذه الأبحاث بمناقشات، أما هذه البحاث إجمالا فهي:
١- المعمار القرآني.
٢- مخير أم مسير.
٣- قصة الخلق.
٤- الجنة والجحيم.
٥- الحلال والحرام.
٦- العلم والعمل.
٧- أسماء الله.
٨- رب واحد ودين واحد.
٩- الغيب.
١٠- الساعة.
١١- البعث.
١٢- لا كهنوت.
١٣- لا إله إلا الله.
١٤- لماذا إعجاز القرآن؟
ولا يحتاج القول إن المؤلف لم يفسر القرآن على الطريقة المألوفة في تفسيره آية آية وسورة سورة؛ بل جاء تفسيره عصريا يختار الموضوع سلفا، ثم يضع فيه
стр. 1167
من الآيات ما يختار ويتناولها فيه تفسيرا وشرحا وحتى عناوين البحاث تبدو فيها العصرية.
بقي أن أقول إن الكتاب مليء بالأمثلة على الانحراف في التفسير؛ فما الذي أذكر وما الذي أدع. أأذكرها كلها وإذا لو فعلت لجاء في كتاب كامل، وقد كفيت هذان أو أذكر بعضها ففيه مرادي هنا من ضرب المثل للتفسير المنحرف للمفسر القاصر. وعلى هذا الخير أكتب فعذرا إذا لم أستوف وأستوعب.
خلق الإنسان:
من أهم القضايا التي خاض فيا الدكتور مصطفى في كتابه مسألة خلق الإنسان؛ بل خلق آدم وحواء ﵉ وهو أمر لا شك أنه غيبي لا سبيل إلى إدراكه ومعرفته إلا عن طريق الوحي.
وقد بسط القرآن الكريم الحديث عن ذلك في آيات شتى. علينا أن نؤمن بها ولا نصرفها بما لا تحتمله ألفاظها حتى توافق نظرية علمية ما زالت تتأرجح يمنة ويسرة إن لم تكن قد سقطت.
وقد أفاض الدكتور الحديث عن هذه المسألة وأطال وأصاب فيه وأخطأ ورجع في طبعات الكتاب الأخيرة "دار المعارف" عن أقوال سجلها في طبعاته الأولى "طبعة القاهرة" وهو أمر نشكره عليه وندعو الله أن يزيده إيمانا ورجوعا إلى الحق.
وبدأ الدكتور حديثه بذكر قصة داروين وطوافه حول العالم وجمعه العينات من البر والبحر وملاحظاته وتأملاته، ثم ذكر بعضا من ملاحظات داروين أعقبها بتساؤل: "هل الحكاية أن الحيوانات أصلها واحد ثم تطور هذا الأصل وتباين واختلف إلى هذه الفصائل المتباينة بسبب تباين الظروف والبيئات والحيوانات التي دبت على الأرض طورت لنفسها أرجلا.
والتي نزلت إلى البحر تحورت فيها الأرجل إلى زعانف، والتي طارت في الجو تحورت فيها الأطراف إلى أجنحة.
стр. 1168
إذا كان هذا الاستنتاج صحيحا فلا بد أن يكشف لنا تشابها في بنية الجميع وهذا هو ما قاله المشرط الفعل"١.
ثم ذكر أمثلة لما كشفه المشرط عند داروين؛ ففي الثعبان يكشف عن أرجل ضامرة وفي الطيور يكشف أن أنحتها هي الوجه الثاني من الأطراف.
وفي الأسماك يكشف أن زعانفها الأربع هي أطرافها الأربع، وهكذا إلى أن قال: لم يبق إلا أن يكتب داروين نظريته في أصل الأنواع؛ بل إن النظرية لتكتب نفسها فتقول إن الأنواع انحدرت كلها في أصل واحد تباين واختلف إلى شجرة من الفصائل والأنواع نتيجة تباين الظروف والبيئات"٢.
ثم نفى أن يكون داروين قال: إن الإنسان انحدر من القرد وإنما هي نكتة روجتا الصحف، ووصف هذه النظرية بأنها في أصلها المكتوب لا تقول بأن أيا من الأجناس الموجودة خرج من الآخر؛ وإنما كل جنس هو بذاته نهاية فرع مستقل من الشجرة لم يخرج فرع من فرع.
وقامت الزوبعة على داروين ومضت سنون وسنون من التمحيص وإعادة النظر. وعاش من نظرية داروين بعضها ومات بعضها.
ثم بين الدكتور مصطفى ما عاش منها وما مات فقال: "حكاية أن الأنواع انحدرت من أصل واحد، وأنها تباينت غلى شجرة من الفصائل والأنواع نتيجة تباين الظروف والبيئات كانت احتمالا مرجحا أقرب إلى الصحة تقوم عليه الشواهد فالوشيجة العائلية تربط كل الخلائق بالفعل".
والتشريح يقول: إنها ترتبط بعضها ببعض بصلة رحم وقربي.
أما حكاية أن الترقي حدث بالحوافز الحياتية وبدون يد هادية؛ فلم تعد مقنعة، وسقطت من غربال الفكر المدقق المحقق"٣.
стр. 1169
خلاصة الأمر أن الدكتور مصطفى يخالف هذه النظرية في جزئية شكلية -وأنا أقول شكلية ليس في ناحية العقيدة وإنما من ناحية النظرية نفسها -شكلية لأن داورين- حسب قول الدكتور مصطفى زعم أن عوامل التطور هي عوامل داخلية، وقال الدكتور أنها بيد هادية ترشدها١ وما عدا هذه الجزئية فلا اعتراض على هذه النظرية.
وبعد هذا العرض الطويل الذي أوردت خلاصته وصل الدكتور مصطفى إلى مرحلة إلصاق هذه النظرية بالقرآن الكريم، وهو يدرك أن العبارات والنصوص لا تطاوعه على ما أراد فمهد للأمر بأن قال: القرآن له أسلوبه المختلف عن كل الأساليب.
وهو حينما يشير إلى مسألة علمية لا يعرضها كما يعرضها أينشتين بالمعادلات ولا كما يعرضها بيولوجي برواية التفاصيل التشريحية؛ وإنما يقدمها بالإشارة والرمز والمجاز والاستعارة واللمحة الخاطفة والعبارة التي تومض في العقل كبرق خاطف. إنه يلقي بكلمة قد يفوت فهمها وتفسيرها على معاصريها؛ ولكنه يعلم أن التاريخ والمستقبل سوف يشرح هذه الكلمة ويثبتها تفصيلا"٢.
ولا شك أن مثل هذا يوحي بأن الدكتور قد عجز عن أن يجد كلمة صريحة أو عبارة واضحة أو دلالة بينة على ما ذهب إليه؛ فلم يجد بدا من أن يحمل ما فهمه على الإشارة والرمز والمجاز والاستعارة واللمحة الخاطفة وأي مانع لمن أراد أن يقول في القرآن ما يريد أن يقول أنه فهمه بهذه المصطلحات.
إن مثل هذه القضية في أهميتها لا تكفي مثل هذه الإشارات والرموز لإقامتها؛ هذا إن سلم له أن في الآيات رمزا وإشارة.
ولنر بعد هذا ما حسبه رموزا وإشارات، فقد قال في تفسير قوله تعالى:
стр. 1170
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ ١ قال: "وفي هذه الآية يحدد أن خلق الإنسان تم على مراحل زمنية " ﴿خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ والزمن بالمعنى الإلهي طويل جدا ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ ٢؛ فإذا قال الله: ﴿خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ ، ثم اكتملت الصورة بتخليق آدم فقلنا للملائكة اسجدوا لآدم؛ معنى هذا أن آدم جاء عبر مراحل من التخليق والتصوير والتسوية استغرقت ملايين السنين بزماننا وأياما بزمن الله الأبدي.
﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾ ٣، ومعناها أنه كانت هناك قبل آدم صور وصنوف من الخلائق جاء هو ذروه لها.
﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْأِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ ٤ إشارة إلى مرحلة بائدة من الدهر لم يكن الإنسان يساوي فيها شيا يذكر.
ويقول القرآن عن الله أنه هو: ﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ ٥ أي أنه هدى مسيرة التطور حتى بلغت ذروتها في آدم ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِين﴾ ٦، وهي إشارة صريحة بأن الإنسان لم يخلق من الطين ابتداء؛ وإنما خلق من سلالات جاءت من الطين هناك مرحلة متوسطة بين الإنسان والطين هي سلالات عديدة متلاحقة كانت تمهيدا لظهور نوع الإنسان المتفوق، ثم يحدثنا القرآن عن تخلق الجنين فيحكى لنا أن خلق العظام سابق على خلق العضلات ﴿فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ
стр. 1171
لَحْمًا﴾ ١ ومعلوم في علم الأجنة أن نشأة العمود الفقري سابقة على نشأة العضلات"٢.
تلكم خلاصة ما قاله الدكتور في خلق الإنسان، وظاهر أن المؤلف يخلط بين الآيات التي تتحدث عن خلق آدم ﵇ وبين الآيات التي تتحدث عن خلق الإنسان كل إنسان فالآية التي استدل بها ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾ ؛ إنما هي من قول نوح ﵇ يخاطب قومه ويحدثهم عن خلقهم لا عن خلق آدم ﵇ ويعجب كيف لا يرجون لله وقارا وهو الذي خلقهم أطوارا، وكان مقتضى خلقه لهم كذلك أن يوقروه ؛ فلما لم يفعلوا عاتبهم وهذا هو الذي يدل عليه السياق، ولا دلالة في الآية على أن المراد بالأطوار صنوفا وصورا من الخلائق جاء آدم ذروه لها بل لم يرد ذكر آدم ﵇ في هذه الآيات فكيف يرجع الضمير إليه.
ونحو هذا تفسيره لقوله تعالى على لسان موسى، ﵇: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ ٣؛ حيث فسرها الدكتور مصطفى بقوله، أي أنه هدى مسيرة التطور حتى بلغت ذروتها في آدم وهو تفسير غريب فلا علاقة لهذه الآية بحكاية التطور في خلق آدم؛ وإنما وردت لبيان قدرة الله وحكمته خلقا وتقديرا أو خلقا وهداية، ولهذه الآية قرائن أخرى كقوله : ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى، الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى، وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ ٤ وقوله سبحانه: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ، وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ، وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ ٥ وقوله سبحانه: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ ٦ ومع هذا فلا يصح أن يستدل بهذه الآيات على تطور خلق آدم. حتى ولا على سبيل الرمز والإشارة كما يفعل الدكتور.
стр. 1172
أما زعمه أن قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِين﴾ ١ إشارة صريحة بأن الإنسان لم يخل من الطين ابتداء فغير صحيح بل هو مخالف لصريح القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْأِنْسَانِ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ ٢. هذه هي الدلالة الصريحة في أن خلق الإنسان بدأ من الطين، إذًا فلا يصح للدكتور مصطفى ولا لغيره أن يزعم أن الإنسان لم يخلق من الطين ابتداء، ثم يخطئ مرة أخرى حين يقول: "وإنما خلق من سلالات" إلخ. والآية تنص على: ﴿مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ فكيف يعدد ما أفرده القرآن.
وعلى كل حال فالدكتور مصطفى قد أخطأ مرات فيما ذكرنا وفيما لم نذكر من أقواله في خلق الإنسان ولعله يعود مرة أخرى فيستغفر الله ويتوب إليه.
هبوط آدم:
ومما يتعلق بخلق آدم ﵇ ويرد عند الحديث عن خلقه وسجود الملائكة له هبوطه من السماء إلى الأرض جزاء معصيته.
وقد استدل بهذا بعض منكري نظرية التطور المزعومة حين فرقوا بين خلق آدم وسائر المخلوقات؛ فقالوا أن آدم خلق في السماء، ثم عصى فأنزل إلى الأرض وكان على من يقول بنظرية التطور أن ينكر خلق آدم في السماء وهبوطه وكان هذا هو ما فعله الدكتور مصطفى حيث أنكر الهبوط فقال:
"والذين لا يوافقونا على القول بالتطور يسألون. ماذا يكون معنى الإهباط من الجنة في النظرة التفسيرية الجديدة ومعنى مشهد إسجاد الملائكة.
بأن الإهباط ورد في القرآن بمعنى الانتقال من كان إلى مكان دون مغادرة الأرض في مخاطبة الله لقوم إسرائيل ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُم﴾ ٣
стр. 1173
وكذلك وردت الجنة بمعنى البستان والحديقة على الأرض: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَأٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ﴾ ١، ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ﴾ ٢ ويكون المعنى المقصود من الإهباط إذن هو الإهباط المعنوي من مقام الرضا إلى مقام المعصية، وأنه قد تحقق بانتقال آدم عن حياة سهلة في بساتين يانعة وافرة الخصب والرزق إلى مكان جديب وهو على الأرض ما يزال ودونما إهباط من سماوات.
أما مشهد إسجاد الملائكة فقد حدث هو الآخر على الأرض من قبيل التسخير كما سخر الله الجن لسليمان على الأرض. أو من قبيل الكشف والاطلاع على الملكوت كما اطلع نبيه محمدا على الملكوت والمعراج وهي معجزات يختص بها الله أنبياءه وكلها دلالات كاشفة على مقام آدم العالي عند ربه. وقد كشف له هذه الأمور كشفا وهو على الأرض لم يزايلها إنها الأرض لم يبرحها آدم منذ اختاره الله من أزكى فرع في شجرة الحياة التي أنبتها نباتا من طين الأرض وهداها في انتقالها من سلالة إلى سلالة إلى أن بلغ الذروة المختارة.
وتؤيدنا في ذلك آيات كثيرة عن الأرض: ﴿فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾ ٣، ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا، ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا﴾ ٤ ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ ٥.
إنها الأرض لم نبرحها والإهباط هو إهباط من الأرض إلى الأرض"٦.
وهذه المزاعم الثلاث التي زعمها الدكتور مصطفى:
١- إن الجنة في الأرض.
стр. 1174
٢- إن الإهباط هو الإهباط من الأرض إلى الأرض.
٣- سجود الملائكة حدث على الأرض وهو من قبيل التسخير.
أمور خطيرة فيها من الجرأة على النصوص الشرعية ما يخشى على صالحه ولهذا ولعظم هذا القول وعظم الحكم عليه أسوق كلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- حيث قال:
"والجنة التي أسكنها آدم وزوجته عند سلف الأمة، وأهل السنة والجماعة هي جنة الخلد، ومن قال أنها جنة في الأرض بأرض الهند أو بأرض جدة أو غير ذلك؛ فهو من المتفلسفة والملحدين أو من إخوانهم المتكلمين المبتدعين فإن هذا يقوله من يقوله من المتلفسفة والمعتزلة.
والكتاب والسنة يرد هذا القول وسلف الأمة وأئمتها متفقون على بطلان هذا القول. قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ، وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ إلى قوله: ﴿قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ .
وهذا يبين أنهم لم يكونوا في الأرض؛ وإنما أهبطوا إلى الأرض فإنهم لو كانوا في الأرض وانتقلوا إلى أرض أخرى كانتقال قوم موسى من أرض إلى أرض لكان مستقرهم ومتاعهم إلى حين في الأرض قبل الهبوط وبعده، وكذا قال في الأعراف لما قال إبليس: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ، قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا﴾ . فقوله: ﴿قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا﴾ يبين اختصاص السماء بالجنة بهذا الحكم فإن الضمير في قوله: ﴿مِنْهَا﴾ عاد إلى معلوم غير مذكور في اللفظ -هذا بخلاف قوله: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾ فإنه لم يذكر هناك ما أهبطوا فيه وقال هنا: "اهبطوا" لأن الهبوط يكون من علو إلى أسفل، وعند أرض السراة حيث كان بنو إسرائيل حيال السراة المشرفة على المصر الذي يهبطون إليه. ومن هبط من جبل إلى واد
стр. 1175
قيل له: هبط" إلى أن قال ابن تيمية -رحمه الله تعالى- "وقوله: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ قال: اهبطوا الآيتين فقوله هنا بعد قوله: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ يبين أنهم هبطوا إلى الرض من غيرها وقال: ﴿فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُون﴾ ؛ دليل على أنهم لم يكونوا قبل ذلك بمكان فيه يحيون وفيه يموتون ومنه يخرجون؛ وإنما صاروا إليه لما أهبطوا من الجنة والنصوص في ذلك كثيرة وكذلك كلام السلف والأئمة"١.
هذا جواب ابن تيمية -رحمه الله تعالى- لمنكر الهبوط ولمنكر أن تكن جنة آدم هي جنة الخلد أما جوابه لمن أول سجود الملائكة بغير معناه المتبادر فقال: "فمن قال إنه لم يسجد له جميع الملائكة بل ملائكة الأرض؛ فقد رد القرآن بالكذب والبهتان وهذا القول ونحوه ليس من أقوال المسلمين واليهود والنصارى وإنما هو من أقوال الملاحدة المتفلسفة الذين يجعلون "الملائكة" قوى النفس الصالحة"، والشياطين قوى النفس الخبيثة للعقل ونحو ذلك من المقالات التي يقولها أصحاب "رسائل إخوان الصفا"، وأمثالهم من القرامطة والباطنية ومن سلك سبيلهم من ضلال المتكلمة والمتعبدة وقد يوجد نحو هذه الأقوال في أقوال المفسرين التي لا إسناد لها يعتمد عليه"٢.
وبعد هذاما قاله الدكتور مصطفى وهذا ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية وحسبك به.
حد السارق:
وللدكتور مصطفى في حد السارق ثلاثة مواقف، أما أحدها فنشره في إحدى المجلات بعد صدور الطبعة الأخيرة من كتابه؛ وكأنها إضافة جديدة، وأما ثانيها فحذفه من الطبعة التي بين يدي وأما ثالثها فلا يزال، لم يرجع عنه.
стр. 1176
وللبيان فإن أولها زعم اشتهر عن الدكتور مصطفى، وإن كان قاله قبله كثير من الملحدين والمنحرفين والجاهلين ذلكم هو الزعم بأن اليد لا تقطع لمن يسرق مرة واحدة فلا بد أن تتكرر منه السرقة حتى يوصف بأنه "السارق"؛ فيصح حينئذ قطع يده١ وهذا أمر سبق عرضه والرد عليه فلا داعي لإعادته.
أما ثانيها فما ذكره من أنه إذا تاب السارق، وقال صادقا تبت ولن أسرق بعد الآن يعطي لولي الأمر مجالا لرفع الحد عنه؛ لكن الدكتور مصطفى حذف هذا في الطبعة التي بين يدي لعله بعد أن قرأ ردود أهل العلم عليه.
وثالثها زعمه أن "من سرق للجوع أو للحاجة لا يصح شرعا إقامة الحد عليه حتى لو كان يسرق عن إصرار وعمد"٢، وهو حين يقول هذا لا يفرق بين مجاعة تعم المسلمين ومجاعة يزعمها كل سارق فيسقط عنه الحد ويكون التشريع به باطلا؟! سبحانك هذا بهتان عظيم.
الجنة والجحيم:
وهذا الموضوع في كتابه كغيره من المواضيع مليء بالانحرافات في التفسير والتأويلات البعيدة والمتناقضة والسطحية؛ بل عد الدكتور من أسباب انصرافه عن القرآن في شبابه ما قرأ عن أنهار العسل وأنهار الخمر في الجنة وهو لا يحب العسل ولا يحب الخمر وعد هذا سذاجة! وانسحب حكمه على القرآن، ثم على الدين كله والساذج في واقع الأمر لم يكن إلا هو، كذا قال٣.
وقد ظن خاطئا أن تأويل ما في الجنة وما في النار بأنه ضرب مثل ولون من التقريب وألوان من الرمز ثم تخبط فمرة يقول أن النعيم والعذاب معنويان لا حسيان ومرة عكس هذا ومرة عنويان وحسيان ولا تدري أيها عقيدته.
стр. 1177
قال: "فماذا يقول القرآن في الجنة؟ ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفّىً﴾ ١.
والاية تبدأ بأنها ضرب مثل ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ وليست إيرادا لأوصاف حرفية؛ فهذا أمر مستحيل لأن الجنة والجحيم أمور غيبية بالنسبة لنا لا يمكن تصويرها في كلمات من قاموسنا فكل الغاية هي تقريب تلك المعاني المستحيلة بقدر الإمكان وكل ما جاء عن الجنة والجحيم ما هو إلا ألوان من ضرب المثال وألوان من التقريب وألوان من الرمز"٢.
ويقول أيضا: "الله لا يعذب للعذاب وإنما يأتي العذاب واحتراق الصدر من إحساس من هم في أسافل الدرجات بالغيرة والحسد والهوان والخسران الأبدي الذي لا مخرج منه، وسوف يحرق هذا الإحساس الصدور كما تحرقها النار وأكثر، وسوف يكون هو النكال والتنكيل ينكل الواحد منا بنفسه بالدرجة التي وضع نفسه فيها والتي انحدر إليها بأعماله في الدنيا"٣.
وفي قوله تعالى عن المعذبين في النار: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ٤ قال الدكتور مصطفى: "إنه حوار ومكالمة في النار يجري بين المعذبين، وفي مثل نارنا لا يمكن أن يجري حوار بين اثنين يحترقان، والمعنى الثاني العميق في الآية و ﴿لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ أن أمامنا اثنين "كذا" يتعذب الواحد منها ضعف الآخر مع أنهما في المكان نفسه: ومعنى هذا أن العذاب يكون في الشخص وليس في المكان ذاته وهذا لا ينفي أن العذاب المذكور حسيا بل أنه من الممكن أن يكون
стр. 1178
معنويا وحسيا في نفس الوقت"١.
لكنه يرجع إلى القول بأن العذاب معنوي حين يفسر قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ ٢ فيقول: "والحساب هنا يبدو أنه حساب النفس للنفس وتنكيل النفس بالنفس ومواجهة النفس للنفس، لقد لزم كل واحد عمله كظله ولإخلاص وحق القول ونفذ العدل الأزلي"٣.
ولعل الذي حمله على العتقاد بأن العذاب معنوي اعتقاده الآخر في بعث الأجساد يوم القيامة حيث يقول: "وبالمثل ما يروي القرآن عن النار فهي نار لا كما نعرف من نار، نار تنبت فيها شجرة لها ثمر، ﴿شَجَرَةَ الزَّقُّومِ﴾ وفيها ماء حميم يشربه أهلا والمعذبون فيها يتكلمون ويتحاورون؛ فأجسادهم لا يمكن أن تكون لها نفس كيمياء الأجساد كما نعلمها وإلا لتبخرت دخانا في لحظات، ولما استطاعوا أن يتبادلوا كلمة".
ومعنى هذا أننا سوف نبعث أجسادا؛ ولكن لا كالأجساد ربما كيانات لها ذات الهيئة والصورة؛ ولكن من مادة مختلفة هي بالنسبة لنا غيب إنها لن تكون الأجساد الترابية التي نتكون منها الآن في حياتنا الآضية ولهذا يمكن أن تتضاعف المتع حسيا ومعنويا بطريقة نجهلها كما تتضاعف درجات العذاب حسيا ومعنويا عما نعلم"٤.
ويؤكد هذا رده على حجة لمن ينكر رؤية الله يوم القيامة فيقول: "وهي حجة واهية وتصور مادي دنيوي فهم يتصورون أن الروح سوف تبصر بعين مادية في الآخرة وستكون لها حدقة وأجفان وستظل ملابسة للزمان والمكان المعروف في الدنيا. وهو أمر ينكره القرآن!، فيقول عن النشأة الأخرى:
стр. 1179
﴿وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ ١، أي إنه سوف ينشئنا نشأة مختلفة تماما عن كل ما نعلم ولا غرابة في أن يكون للروح بصر شامل يدرك اللامحدود وأن ترى الله في الآخرة"٢.
والحقيقة إنك لا تكاد تجد لهذا الرجل قاعدة ينطلق منها الحوا؛ فبينما تراه في أقصى الشرق لا تلبث أن تراه في أقصى الغرب تراه أمامك مسلما في أمر، فإذا بك ترى قفاه رافضا، ثم يلتفت إليك مترددا حائرا يستدل أحيانا بالآيات في غير مدلولها ويبتر حينا الآية بترا عن سياقها.
ودعونا نأخذ من حديثه السالف الطويل آخره. استدل بقوله تعالى: ﴿وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ على أن البعث يكون في نشأة مختلفة عن أجسادنا في الدنيا.
ولنقرأ الآية الكاملة: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ، أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ، أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ، نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ، عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لا تَعْلَمُونَ، وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ ١.
فهذه الآيات رد على منكري البعث بأنه قدر عليهم الموت وأنه قادر على أن يأتي بآخرين من جنسهم بعد مهلكهم، وأن يخلقهم هم في صور أخرى غير الصور التي كذبوا بالبعث وهم عليها صورا وأشكالا أخرى. قال الأستاذ أحمد محمد جمال: "أي ينشئهم خلقا آخر قردة مثلا، أو خنازير أو أي صنف من أصناف مخلوقاته فهو ﵎ يهدد المنكرين للبعث بأنه قادر على تبديل خلقتهم الإنسانية وإنشائهم في خلقة أخرى ويذكرهم بالخلقة الأولى ... خلقتهم الطين أو خلقتهم من ماء مهين والذي بدأ الخلق يعيده من غير شك"٣.
стр. 1180
وقال القاسمي: "قال الشهاب: والظاهر أن قوله ﴿وَنُنْشِئَكُمْ﴾ المراد به إذا بدلناكم بغيركم، لا في الدار الآخرة كما توهم وهذا كقوله تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِين﴾ ١، ٢.
تفسيره الباطني:
ومع أن الدكتور مصطفى يحذر من التفسير الباطني ويذمه ويذكر أمثلة من تفسير ميرزا حسين على الذي لقب نفسه بـ "بهاء الله"٣ إلا أنه مع هذا يفسر القرآن أحيانا تفسيرا باطنيا.
فقال مثلا في تفسير قوله تعالى مخاطبا نبيه موسى، ﵇: ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً﴾ ٤، قال الدكتور: "ويقول الله لموسى: ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً﴾ ، فلا يمكن الوقوف في حضرة الله إلا بخلع النفس والجسد وخلع شواغل النفس وشواغل الجسد كشرط للوصول"؟! ٥.
وهو حين يقول هذا لا يجهل أنه تفسير باطني لبعض الصوفية؛ حيث كرر هذا التفسير في موضع آخر ودافع عنه فقال: "وفي هذا يفسر بعض المتصوفة كلام الله لموسى في القرآن: "فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى" إن المقصود بالنعلين هما النفس والجسد هوى النفس وملذات الجسد فلا لقاء بالله إلا بعد أن يخلع الإنسان النعلين: نفسه وجسده بالموت أو بالزهد والله يصورهما كنعلين لأنهما القدمان اللتان تخوض بهما الروح في عالم المادة وعن طريقهما نزلت من سماواتها إلى الأرض.
وقد يعترض معترض قائلا: وما الضرورة لصرف اللفظين عن معناهما
стр. 1181
الظاهر والواقع أن هناك ضرورة؛ فالحضرة الربانية لا يكفي لدخولها خلع نعلين؛ وإنما التجرد الكامل هو شرطها دائما وهو أقل ما يليق بالحضرة الجلالية، ولا يتم التجرد إلا بخلع شواغل النفس والجسد. فالمعنى هنا وارد والتأويل له ضرورة، وهو لا يناقض المدلول الظاهر للألفاظ؛ ولهذا يبادر المتصوف بأن يخلع النعلين ليخطو أول خطوة في الوادي المقدس"١.
ونحمد الله أن الدكتور لم يستند فيما قال إلى كتاب ولا إلى سنة ولا إلى لغة ولا إلى قول سلف وإنما إلى قول المتصوفة وفعل المتصوفة، فأراحنا من عناء الرد عليه.
ومن تفسيره الباطني أيضا تفسيره للشجرة التي أكل منها آدم ﵇ في الجنة بأنها التلاقح الجنسي، وأنها رمز للجنس والموت، حيث قال: "وأنا أرى أنها رمز للجنس والموت الذين تلازما في قصة البيولوجيا حينما أخذت الكائنات الحية بطريقة التلاقح الجنسي لتتكاثر فكتبت على نفسها طارئ الموت، ولم تكن الكائنات قبل ذلك تموت، بل تتجدد وتعود إلى الشباب بالانقسام الذاتي. كان التلاقح الجنسي هو الشجرة المحرمة التي أكلت منها الحياة فهوت من الخلود إلى العدم"٢.
ومعلوم أن هذا التفسير صرف للفظ عن ظاهره من غير دليل فهو تفسير باطني.
ومن تفسيره الباطني تفسيره لهبوط آدم وحواء ﵉ إلى الأرض بعد أن ذاقا الشجرة بأن: "المقصود من الإهباط أنه هو الإهباط المعنوي من مقام الرضا إلى مقام المعصية"٣.
هذه أمثلة من تفسيره الباطني الذي أنكره ووقع فيه في مواطن كثيرة من كتابه هذا.
стр. 1182
صفات الله:
والمؤلف يقع كثيرا في أسر الرغبة في التعبير المتحرر الذي لا يلتزم صاحبه العقيدة الصحيحة في جنب الله، ولم تهذب عبارته مجالي الدراسات الإسلامية، ولا يعرف الالتزام الذي يقتضيه مقام الحديث عن الله عز شأنه، فيورد عبارات وأوصافا بقدر ما تبتعد عن العقيدة معنى تلتصق بالعصرية لفظا، فقد غلب عليه الحرص على التجديد في العبارات والصفات غلبة أبعدته عن المنهج الحق.
لن أسترسل في هذا من غير أن أعلق بحديثي مثالا يجلو غامضه؛ بل أمثلة أولها قول الدكتور عن الله عز شأنه: "والله هو العقل الكلي المحيط"١، ولا يخفى على أحد أن هذا وصف لم يصف الله به نفسه ولم يصفه به رسوله ﷺ ؛ فمن أين جاء به أيا كان مصدره من سواهما فمردود؛ لأن عقيدة السلف أن لا يصفوا الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ ؛ لأنه من الغيب وهما مصدر المؤمنين في معرفة الغيب وجلائه.
ومثالا آخر يشبه إدراك النملة لسليمان ﵇ بإدراك سليمان ﵇ لله فيقول: "وإدراك نملة لسليمان أمر ممكن مثل إدراك سليمان الله"٢.
ومثالا ثالثا يقول: "ومن التسابيح السنسكريتية أن يتلو اليوجي في خشوع كلمة "رهيم رهام" آلاف المرات "!! " وهي كلمات تقابل: رحيم.. رحمن، عندنا، وهي من أسماء الله بالسنسكريتية"٣؟!
ومثالا رابعا وهو يرد على ميرزا حسين علي الذي ادعى النبوة من غير معجزة فيقول: "إنها اختلافات النبي الذي أراد أن يدخل منتدى الأنبياء بلا مؤهلات، ويتسلل إلى مائدة الخالدين دون أن يمتحن فأنكر المعجزة
стр. 1183
والغيب حتى لا يطالبه أحد بأوراق اعتماده في السفارة الإلهية التي ادعاها"١، وهو بهذه العبارة أيا كان قصده جاء بما هو ممجوج.
وبمناسبة الحديث عن الممجوج من حديثه الذي حشا به كتابه سخريته من الذي يدعو ربه أن يرزقه مائة جنيه ويرشده إلى الطريقة التي يحل بها مشكلته فقال: "أما الذي يقول: يا رب ارزقني مائة جنيه فهو رجل يمزح مزاحا سخيفا؛ فهذه أمور يمكن أن يسعى إليها بأسبابها الدنيوية المعروفة وليس طريقها التصوف؟! وكشك سجاير على ناصية عماد الدين يحل المشكلة"٢.
وملاحظة هامة أنه في تفسيره يذكر الله ويذكر أنبيائه عليهم الصلاة والسلام فلا يسبح الله ولا يصلي على أنبيائه وليس هكذا أدبنا الإسلام.
تصوفه:
وقد أخذ الدكتور من خرافات الصوفية نصيبا وافرا؛ فمن اعتقادات بعض الصوفية أن التوجيه إلى الله بالدعاء هو مشاركة لله في إرادته، وأنه طلب لما لم يرد الله أن يفعله ويشيد الدكتور في كتابه هذا ويثني كثيرا على هؤلاء الصوفية؛ فيصف عملهم هذا بالتجرد وبالأدب؟! فيقول: "والمتصوف متجرد وهو قد نفي المطلب الدنيوي من باله لأنه يريد مطلبا أعظم والمتصوف متأدب وهو يمرض؛ فلا يسأل الله الشفاء حياء وأدبا ويقول: كيف أجعل لنفسي إرادة إلى جانب إرادة الله فأسأله ما لم يفعل وأنا الذي لا أعلم ما ينفعني مما يضرني كيف يعترض الذي لا يعلم على الذي يعلم ومن يدريني أن مرضي وآلامي ليست الوسيلة إلى خلاصي، وهذه مبالغة غير مطلوبة من المسلم؛ فالله يحب منا أن نسأله؛ ولكن الصوفي من باب الخوف والأدب لا يطلب من الله إلا ما يطلبه الله منه فيقول كما قال النبي إبراهيم: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ﴾ ٣،
стр. 1184
فهو يجعل من إرادة الله إرادته ومسعاه. حبا واحتراما لخالقه والحب هدف المتصوف الأسمى.
ليس لي في الجنان والنار حظ ... أنا لا ابتغي بحبي بديلا
والتناقض ظاهر في حديث الدكتور؛ فمع أنه يصفه بأنه "مبالغه غير مطلوبة من المسلم" إلا أنه يثني على الصوفية ويمجد طريقهم هذا؛ فكيف يثني على ما هو "غير مطلوب من المسلم"؟.
وتناقض آخر، حيث يعترف أن "الله يحب منا أن نسأله"، فكيف يكون الأدب والحياء في ترك ما يحب الله أن نفعله؛ بل إذا كان الله يحب أن نسأله فهو يريد أن نسأله لأنه سبحانه لا يحب ما لا يريد فإذا كانت إرادة الله أن نسأله فكيف يكون الأدب في إرادة غير إرادة الله؟! هذا إذا أردنا الجواب حسب منطقه، أما إذا أردنا الدليل الحق فكتاب الله وسنته مليئة بالأمر بالدعاء وأنه مخ العبادة؟! فهل يتأدبون مع الله.
وكثيرا ما يشيد ويثني على الصوفية؛ فيصفهم بأنهم أهل الحضرة وأن علمهم لدني، من لدن الله وليسوا كالفقهاء علمهم علي نقلي من الكتب، وأنهم أهل السر والقرب والشهود وأنهم الأولياء الصالحون حقا وأنهم الأتقياء الأخفياء٢، وأثنى عليهم في فصل "أسماء الله" ثناء كبيرا وعد الوصول إلى أرقى درجاتهم أشق من الصعود إلى القمر.
ورد عليه في هذا الأستاذ أحمد محمد جمال بقوله: "إنهم هم السخفاء حقا؛ لأنهم يزعمون لأنفسهم أنهم أنبياء يتلقون علمهم اللدني من الله مباشرة، وأنهم لا يحتاجون إلى القرآن وأحاديث الرسول ﷺ اللذين فيهما علم العقيدة وعلم الشريعة ألا إنهم هم الجهلاء والسفهاء. ولكن لا يشعرون"٣.
стр. 1185
والذي يظهر لي أن الدكتور مصطفى وهو في طريق أوبته وتوبته لا يزال متأرجحا يمنة ويسرة يبحث عن المكان الذي يستقر فيه؛ ولذا برزت طاهرة في تفسيره أكدها كل من كتب عنه فيما قرأت ظاهرة التناقض ولو عدت لما كتبت عنه في الصفحات السابقة لوجدت بعضا منها، وإن دل هذا على شيء، فإنه يدل على أن فكره لا يزال يبحث عن الحقيقة التي فقدها فيحسبها حينا هناك فيقررها ويحسبها حينا هناك فيقررها، وقد يكون مخطئا في الحالتين؛ فعليه إن أراد كتابة جادة أن يعيد النظر فيما كتب ويستقر على رأي فيما تناقض فيه، ولا ينسى ما قرره في موضع عند خوضه غمار قضية أخرى.
وبعد:
ليس ما ذكرت هو كل مواضع انحرافه، وليس ما ذكرت هو أهمها؛ ففيما لم أذكر أكثر وأخطر مما ذكرت؛ وإنما صرفني عن بيانه أني قد كفيت ذلك، فإن كان عند الدكتور رغبة في الحق فقد بينه غيري ممن هو أرفع مني درجة وأعلى مقاما ولا أظنه إلا كذلك إن شاء الله يؤيد هذا رجوعه عن كثير من آرائه في الطبعات الأولى.
وهو في غير تخصصه رجل مثقف١ بمدلولها الحديث وهو الرجل الذي أخذ من كل علم بطرف؛ لكن هل هذا بهذه الصفة يصلح لتفسير القرآن الكريم؟! لندع أمر التفسير، رجل كمثله تخصص في الأمراض الصدرية هل يحق له أن يعالج أمراض العين والسنان والعظام و.. و.. إلخ؟ فضلا عن أن يكون مهندسا للطرق أو الإنشاءات أو خبيرا زراعيا أو عالما في طبقات الأرض أو طيارا إلخ؟ إن مثل هذا لو فعل ذلك سيجني في عمله جناية كبيرة سيفسد العين والأسنان ويتلف الزرع والثمار، وسيعتبر دخيلا في مهنته وسيلومه الناس صغيرهم وكبيرهم عالمهم وجاهلهم إن لم توضع في كفيه القيود ويدخل السجون.
стр. 1186
وليعلم هذا وغيره أن أمر تفسير القرآن الكريم أخطر من كل هذه الأمور على صاحبه وعلى المجتمع، أما أولئك الذين يزعمون أن تفسير القرآن الكريم والحديث عن الدين أمر مشاع للمسلمين كافة فهم مخطئون أو جاهلون.
ونحن نقول: إن الدين ليس حكرا على أحد، وإن تفسيره ليس مباحا لكل أحد، ليس الدين حكرا على أحد؛ فلا يجوز أن نمنع أحدا من الدخول فيه، بل يلزمنا الاعتراف بإسلامه متى أعلن ذلك ما لم يأت بأمر مخرج من الدين، أما الذين لهم حق تفسير القرآن فهم الذين توفرت فيهم شروط المفسر وآدابه؛ فإذا ما توفرت فيهم هذه جاز لهم تفسير القرآن الكريم. أما قبل ذلك فلا وكان حقا أن يعاملوا كأدعياء الطب. إلخ؛ بل أشد.
ونحن لا ننكر أن الدكتور مصطفى حريص على صوغ المفاهيم الإسلامية في عبارات ومعان حديثه تقرب إلى الأذهان لكن هذا الهدف لا يبرر له خوض غمار التفسير من غير سلاح، تماما كالشخص الجاهل في الطب الذي ترتعد جوانبه إشفاقا وعطفا على المريض فيصف له دواءا هو أجهل الناس به؛ فليست شفقته ونصحه بمبرر كاف لوصف الدواء والعلاج.
أما أسلوب العصر والعصرية الحديثة فقد جنت على الأمة الإسلامية جناية كبيرة؛ فقد اتخذها دثارا كل من أراد أن يغير في الدين ويخل فيه ما ليس منه!! فقطع يد السارق وتعدد الزوجات والربا ورجم الزاني المحصن وجلد شارب الخمر.. و.. و ... إلخ، كلها أمور لا تناسب العصر الحديث؛ فلتغير ولتبدل فلا تقطع يد السارق حتى تتعدد سرقاته ويقيد تعدد الزوجات بشروط ثقيلة لا يستطيعها أحد، بل ليختصر الأمر فيمنع التعدد، أما الربا فالمراد به الربا الفاحش؟! أما رجم الزاني المحصن فلم يرد في الكتاب؟! كلها أمور بزعمهم تتنافى مع العصر الحديث.
وبهذا يكون هذا الأسلوب مطية يركبها الناصح الجاهل والملحد الخبيث، وهو أمر ما زالت الأمة الإسلامية تعاني منه، وقد صرحت بهذا المستشرقة الأمريكية مريم جميلة؛ حيث قالت: "إن البلاد الإسلامية قد وقعت فريسة مصطلحات خاطئة ومنها مصطلح العصرية وقد جنى هذا المصطلح
стр. 1187
على الإسلام جناية كبرى"١.
أولئك الذين يبدون تعاطفهم مع الدكتور مصطفى محمود ويمسون عباراته مسا خفيفا، وهم يعتقدون أن توبة مصطفى من الإلحاد إلى الإيمان كافية لالتماس كل عذر له في انحرافاته وتأويلاته الباطلة، وما هكذا تورد الإبل يا سعد.
أما توبته فليس تفضلا منه علينا فهي له في الدنيا والآخرة، وله علينا حق الدعوة الصالحة وحق الأخوة الإسلامية بأن يثبتنا وإياه على الصراط المستقيم حتى نلقاه.
وأما أن تكون توبته هذه مبررا للتجاوز عن انحرافاته فأمر مرفوض مرفوض؛ مرفوض لأن صاحبه ما زال لم تتروض عباراته في ميدان الفكر الإسلامي ولم تنصهر ألفاظه في بوتقة العقيدة الإسلامية ولم تنجل عقائدة في مجال الإسلام، فلا زال يستعمل عبارات وألفاظ يحسب المسلم لها ألف حساب قبل أن يتفوه بها. ولئن كنا ندعو الله أن يغفر له فإن هذا لا يعفيه من الخطأ ولا يعفينا من التنبيه.
ومرفوض لأن صاحبه لا يزال يجهل كثيرا من أحكام الإسلام وعقائده التي تدور لتقريرها آيات القرآن الكريم فيبعد فهمه حينا.
ومرفوض لأن صاحبه يجهل العلوم الواجب توفرها في المفسر فلا يعرف أسباب النزول ولا أول ما نزل وآخره ولا الناسخ والمنسوخ ولا المحكم والمتشابه ولا ما ورد تفسيره بالسنة ولا.. ولا..
ومرفوض لأن صاحبه لا يعرف قواعد اللغة العربية ولا مدلولات ألفاظها اللهم إلا ما يعرفه العامة فياللغة من المدلولات السائرة في أحاديثهم ومنتدياتهم. أما خصائص الأساليب التي يدرك بها الفرق بين عبارة وأخرى وغير ذلك من خصائص الغة فلا يعرفها.
وبالجملة مرفوض لأن صاحبه حتى الآن لا تتوفر فيه شروط المفسر
стр. 1188
ولا آدابه فإذا ما التزمها فإن الحق له كل الحق في أن يفسر القرآن ما دام تفسيره يقوم على الأسس والقواعد، أما والحالة هذه فلا وألف لا.
وإني أوجه له ولأمثاله النصح من قلب خالص صادق أن يدع تفسير القرآن الكريم لأهله، وأن يتناول إذا أراد المشاركة ما قرره أولئك الإعلام في التفسير بالشرح والبسط وبأسلوبه الخاص في مخاطبة الطبقة العامة، وأن لا يبتدئه ابتداء لا يدانيه شرف الشهرة ولا شرف المادة إن كان فيهما من شرف.
وأهمس في أذنه وأذن غيره ممن يتناولون آيات القرآن الكريم بالتفسير بحديث رسول الله ﷺ : "من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار" ١، وكفى به وعيدا لمن ألقى السمع وهو شهيد والله أعلم.
هذا ما أردت قوله عن منهج القاصرين في التفسير وهم وإن كان فيهم المغرض؛ فإن فيهم ذا النية الصالحة الصادقة لكنه أخطأ الطريق، فليعد هؤلاء إلى الحق وليعلموا أن من قال في القرآن برأيه فأصاب، فقد أخطأ ونسأل الله لنا ولهم السلامة.
стр. 1189
الفصل الثالث: اللون اللامنهجي في التفسير
تمهيد:
نحمد الله بادئ ذي بدء أن أصحاب هذا اللون من التفسير أقل من القلة، وما كنت لأعرض لهؤلاء لولا أني حرصت على استقصاء اتجاهات التفسير وألوانه في العصر الحديث.
والذي لا أدريه حقا وما زال يحيرني ويلح في طلب الجواب هل هؤلاء أصحاب هذا اللون من التفسير مجانين حقا؟! أم أنهم عقلاء كتبوا كما يكتب أولئك، وإذا كان الأمر كذلك فلماذا فعلوا هذا؟ وهل يعتقد أحد منهم -حقا- أن تفسيره هذا سيلاقي القبول ولو من شخص واحد وإذا كان الجواب بالنفي فلماذا كتب؟! هذه الأسئلة وغيرها تترى على ذهني من غير أن أجد لها جوابا.
أحب هنا أن أذكر مثالا واحدا لا أزيد عليه من تفاسيرهم ولا أود -أيضا- أن أذكر أكثر من مثال واحد لمؤلفاتهم.
أما المثال من التفسير فتفسير حديث لسورة الإخلاص نشر في جريدة السياسة الكويتية، رد عليه مجلس المجمع الفقهي الإسلامي في دورته السادسة، ووصف هذا التفسير بأنه لا يدل على شيء سوى الاختلاط العقلي، ويرى أنه من المختلين عقليا وأنه هذيان لا يبلغه هذيان المحمومين وأنه عبث بآيات الله في كتابه.
وما علي أن أستطرد وقرار المجمع بين يدي فيه عرض للتفسير والجواب الكافي فلأنقله بحذافيره ففيه الغناء:
стр. 1190
"الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
أما بعد: فإن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي في دورته السادسة المنعقدة بمقر الأمانة العامة لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة في الفترة ما بين ٩-١٦/ ٤/ ١٤٠٣هـ الموافق ٢٣- ٣٠/ ١/ ١٩٨٣م قد أطلع في جلسته الثانية صباح يوم الاثنين ١٠/ ٤/ ١٤٠٣ على ما نشرته جريدته السياسية الكويتية في عددها ذي الرقم "٤٧٧٦" الصادر يوم الخميس ١٧ ذي الحجة ١٤٠١ الموافق ١٥/ ١٠/ ١٩٨١م من كلام غريب مستنكر تحت عنوان بارز خداع جاء فيه "معنى التوحيد: تفسير منطوق لسورة الإخلاص وترجمته الانجليزية" موقع باسم شخص سمي: "محمد أحمد الشمالي" يجترئ فيه على التلاعب بمعاني القرآن العظيم، ويأتي فيه بلون عجيب من الخلط والأوهام والجهل والتصورات الخيالية المتفككة والملتبكة لا تدل على شيء سوى الاختلاط العقلي.
ويعلن على المسلمين أنه تفسير لسورة الإخلاص.
وقد استهل هذا المفسر الجديد تفسيره هذا لسورة الإخلاص
بقوله: "قل: خبر مقدم بمعنى فرد لا أحد له فيقال مثلا: رجل، قل: "هو ضمير مبتدأ مؤخر خبره "قل" وهو أيضا في مقام مفعول به للجملة الفعلية التي تليه، الله أحد: أي أن الله أحده بمعنى جعله واحدا أو بمعنى جعله حدا، أو بمعنى جعله حادا.
وهكذا يسير هذا الرجل المختلط في تفسير بقية آيات سورة الإخلاص إلى أن يقول: ولم يكن له كفوا أحد، "ما كان لهذا الشخص أكفاء في الماضي؛ ولكن هذا لا يمنع ظهور أكفاء له فيما بعد؛ وإلا لتعذر عليه ذاته الظهور ثانية على وجه الأرض بعد المرة الأولى، وانقطعت رسله".
هذا ويرى المجمع الفقهي أنه ليس مستغربا أن يوجد في المختلين عقليا من يتصور نفسه عالما محققا متعمقا، أو فيلسوفا مدققا؛ فهذا مرض من الأمراض، ولكن الغريب كل الغريب أن تنشر صحيفة عربية مشهورة في بلد عربي إسلامي مثل هذا الهذيان الذي لا يبلغه هذيان المحمومين تحت عنوان بارز بأن هذا هو معنى التوحيد المستفاد من سورة الإخلاص تلك السورة القصيرة العظيمة التي عبرت
стр. 1191
عن حقيقة التوحيد بكلمات قليلة محكمة كانت وستبقى على مدى الحياة أعظم من الجبال الشامخات بلاغة ورسوخا وتحديا لعواطف الأفكار الزائغة والتيارات الزائفة والشرك والإلحاد اللذين هما ضلال وانحطاط في بعض العقول البشرية بعوامل مختلفة.
فإذا كان ذلك الهذيان تفسيرا منطوقا لسورة الإخلاص العظيمة فماذا ترك صاحبه للفرق الباطنية الهدامة التي تتلاعب بآيات الله في كتابه العربي المبين كما تشاء لها غاياتها الخبيثة ضلالا وتضليلا؟
فمثل هذا العمل هو إجرام وعبث بآيات الله، ورده عن الإسلام؛ فكيف يسوغ لصحيفة عربية صاحبها ينتسب للإسلام في بلد إسلامي أن تجعل من صفحاتها منبرا لأمثال ذلك؟ وكيف تنجو هي والكاتب المستهزئ بآيات القرآن العظيم من المسئولية التي تقتضيها نصوص الدساتير وقوانين العقوبات والمطبوعات في بلدها وسائر البلاد العربية؟
ولذلك ولخطورة هذه السلوك غير المسؤل في الصحافة والنشر فيما يجترأ به على العقائد والمقدسات الإسلامية.
قرر مجلس المجمع الفقهي لفت أنظار المسئولين الذين تقع على عاتق سلطاتهم حماية جميع تلك المقدسات من العبث بها وإحالة هذا القرار إلى الأمانة العامة لرابطة العالم إسلامي لتقوم بإرساله إلى المسئولين في دولة الكويت وسواها ليقوموا بواجبهم فيما يوجبه عليهم دينهم وحقوق شعوبهم عليهم نحو كتاب ربهم وسنة رسولهم ﷺ من صيانة حرماته وحمايتها من أن تكون ألعوبة في يد من يشاء تضليل الأفكار وتزييغ الناشئة بسوء استعمال حرية النشر، والله ولي التوفيق وصلى الله على خير خلقه سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم"١.
أما مثال مؤلفاتهم في التفسير فنضرب له مثلا برسالة سماها صاحبها "رسالة الفتح" وهذا أوان الحديث عنها:
стр. 1192
رسالة الفتح:
أولا: المؤلف
يدعى صاحب هذه الرسالة عبد الرحمن فراج. ولم أجد له والحمد لله في ذكر فيما قرأت؛ بل إن الرسالة نفسها لم يكتب عنها إلا الشيخ الفاضل مصطفى محمد الحديدي الطير في كتابه "اتجاه التفسير في العصر الحديث منذ عهد الإمام محمد عبده إلى مشروع التفسير الوسيط"، ولم يذكر له اسما وعرض له في بحث عنوانه "الأزهر وعنايته بقدسية القرآن وتيسير تفسيره"، ألقاه في المؤتمر التاسع لمجمع البحوث الإسلامية ونشر في مجلة الأزهر في الجزء العاشر السنة الخامسة والخمسون ولم يذكر فيه أيضا اسم المؤلف.
وقد زودني جزاه الله خيرا بصورة من تقرير أعضاء لجنة فحص الكتاب من مجمع البحوث الإسلامية ومنه أخذت اسم المؤلف.
وإنما ذكرت اسمه لأن ذكره لن يزيده شهرة، ولن يرفع من مقامه بل سيظهر للناس مكانه ومكان تفسيره.
ثانيا: الكتاب "رسالة الفتح"
وتقع هذه الرسالة في ٤١٦ صفحة وطبعت بمطبعة "سعدي وشندي" بسوق شريف عابدين وتناول المؤلف فيها تفسير نحو ٣٠٠ آية من القرآن الكريم وطبعت سنة ١٩٦٩ تقريبا.
والذي يلفت النظر أن صاحبها يوزعها مجانا كأن هناك من يقف خلفه ويدفعه في هذا الطريق.
ولم أستطع بعد جهد الحصول على نسخة من هذه الرسالة؛ وإنما حصلت على صورة من تقرير أعضاء لجنة فحص هذه الرسالة والتي شكلها رئيس لجنة القرآن والحديث في مجمع البحوث الإسلامية ومن أعضائها الشيخ الفاضل مصطفى محمد الحديدي الطير، الذي كتب عنها أيضا في كتابه وفي مجلة الأزهر كما أشرت آنفا.
стр. 1193
وحتما سيكون اعتمادي بعد الله على هذه المصادر الثلاثة وهي في الحقيقة تكاد تكون مصدرا واحدا لوحدة كاتبها جميعا وهو الشيخ مصطفى الطير جزاه الله خيرا.
أمثلة من التفسير في هذه الرسالة:
وهي ملأى بالتفاسير الغربية والآراء العجيبة التي لم يسبق إليها ولم تخطر ببال أحد من قبله، وإنكاره لما هو معلوم بالضرورة من الدين والتاريخ واللغة.
وقد مهد لما جاء به بزعم يبطل به كل الأسس التي سلكها من قبله حتى يصبح له الجو خاليا فيقول ما يريد أن يقول زعم: "أن عصابة الماسونية التي ظهرت بعد الجيل الثالث من صدر الإسلام تعاهدوا في الخفاء على تحريف معاني القرآن التي أرادوا تحريفها، بعد فشلهم في تحريف ألفاظه، واتخذوا لها معنى يخرجها عن مواضعها، ثم فسروا القرآن بالتفسيرات التي ظهرت بعد الجيل الثالث "عصر التدوين والتأليف" أيام خلافة العباسين، كما حرفوا ألفاظ شعر الحضر، ودونوا أحاديث مكذوبة، وقاموا بخلق مصنفات ملفقة في اللغة نسبت إلى أصحابها زورا، كالصحاح والقاموس واللسان واستقام لسان العرب على هذا التحريف الذي حل في الخفاء ولم يشعروا به"١.
ومعذرة إن لم أرد عليه فلست أكتب هذه الدراسة لمن يحتاج إلى معرفة الحق في هذه الأمور من فاقدي العقل والفكر، ومن عداهم ممن أوتي أدنى حظ منهما لا يغيب عنه الحق في هذا. ولذا فإني سأورد النصوص مجردة من التعليق.
تأويل رؤيا الملك سبع بقرات سمان:
قال تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ﴾ ٢.
стр. 1194
فقال هذا في تفسيرها: "معنى بقرة - طائر وفي موضع آخر يقول: "بقرة: واضحة" وقال: "فقد رأى العزيز في المنام سبع طيور سمان يأكلهن سبع عجاف والتي سماها المحرفون بقرة، واستقام لسان العرب على المعنى المحرف بعد الجيل الثالث الإسلامي تلك الماشية اسمها "المها" والمها لا تأكل المها أما الطير فبعضه يأكل الطير"، ثم قال: "إن لسان العرب تداول المعاني المحرفة حتى نسبت إلى لغة العرب ودونت في كتب فقه اللغة مثل كتاب الصحاح لمن سموه بالجوهري ومثل كتاب لسان العرب لمن سموه بابن منظور"١.
وفي موضع آخر فسر البقرة بالدجاجة، ولا تضحكوا مما تقرؤون فإن مجال التفسير غير مجال أحاديث السمر فشأنه إن أصاب صاحبه قبل وإلا سئل لصاحبه السلامة والهداية، قال في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ الآية٢: "بقرة: أي دجاجة ﴿لا فَارِضٌ﴾ لم ينقطع منها البيض ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ وسط بين الصغيرة والمسنة تبيض البيض "صفراء فاقع لونها تسر الناظرين" صفراء اسم الطائر المسمى بالأوز والبط ومعنى ﴿صَفْرَاءُ﴾ تحدث مكاء: صفيرا ذا صوت ﴿فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِين﴾ أبيض ناصع ينشغل خاطر من ينظر إليها لصفاء لونها، ﴿لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيهَا﴾ تلك صفة الغراب؛ فالغراب ﴿بَقَرَةٌ﴾ ليست بذلول "مُسَلَّمَة" يحجل إذا سار"، ثم قال: "واصطاد كل إسرائيلي غرابا وقام بذبحه وقالوا لموسى عندما سمعوا أمر المولى بذبح الغراب: "الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ"٣.
والفجر وليال عشر:
وقال في تفسير سورة الفجر "الواو في ﴿وَالْفَجْرِ﴾ واو العطف والمعطوف عليه قوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَة﴾ من سورة الحشر، والمولى لا يحلف لمخلوقاته التي خلقها، والحلف لا يصدر إلا من ضعيف لقوي ومحال
стр. 1195
أن يحلف المولى وهو القوي العزيز ولا معنى للحلف بالفجر وكان القارئ للقرآن في أجيال صدر الإسلام يقرأ قوله تعالى: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَة﴾ ، ثم يتلو الآيات التي تسبقها الواو التي بدأت بها السور القصار" ثم قال: "والفجر" فجر الدم من الشرايين، والأشعة بتفجير الذرة، ﴿وَلَيَالٍ عَشْر﴾ : أولى ليالي التحنيط، ﴿وَالشَّفْعِ﴾ : شفع اليالي العشر عشرون ليلة، ﴿وَالْوَتْر﴾ : مثل الليالي العشر -عشر ليال، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْر﴾ : الدنيا هي الليل بمعنى الحجاب وظلمة النفس، ﴿إِذَا يَسْر﴾ : إذا انقضت الدنيا وأشرق النور يوم البعث، ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ : القسم هو الحظ والنصيب والعهد، ﴿لِذِي حِجْر﴾ : لذي تحجر وذي صمغ"، ثم قال: "وفي كل مدة من مدد التحنيط الذي يتم عند الفراعنة في أربعين ليلة يوضع الحجر ومعناه الصمغ"١.
العجل الحنيذ:
في تفسير قوله تعالى: ﴿فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ الآية٢ قال: "العجل الحنيذ" هو إسحاق فهو الظل الذي جاء بعد أن كبر أبواه وانقطع رجاؤهما في الذرية"٣.
إنكار الإسراء:
في تفسير قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ ٤ قال: ﴿أَسْرَى﴾ : أوفى وأنهى، ﴿الْمَسْجِدِ﴾ : القرآن، ﴿إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ : إلى سدرة المنتهى، ومعنى ﴿الْأَقْصَى﴾ : المنتهى، ﴿الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ : الحول هو خاتم أرواح القدس السبعة القرآن ثامن أرواح القدس ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ آيات الله التي رآها هم