← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 8679

اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر

فهد الرومي

Полный текст (1 278 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

تعالى- نهج فيها نهج أهل السنة والجماعة, لا يعطل صفة ولا يشبه ولا يمثل، ولا يرد حديثا صحيحا ولا يطنب في بيان مبهم ولا يعنى بإيراد الإسرائيليات, وهو في كل هذا لا يكاد يخطو خطوة في تفسيره إلا في طريق اتضحت جادته ورأى فيها آثار علماء السلف الصالح, فبهم يقتدي ولأقوالهم يستدل. ولا يكاد القارئ يدلج في تفسيره حتى يتضح له أن المؤلف -رحمه الله تعالى- يكتفي بالنقل عن علماء السلف، ويورد حججهم وأدلتهم، وردودهم على شبه الخصوم بما يؤكد أن المؤلف -رحمه الله تعالى- كان يجعل همه -كل همه- الإصلاح ليس إلا وإنما يورد هذه النصوص -كما أسلفنا- ليلجم بها الخصوم فإنهم إن استطاعوا جدلا رد أقواله، صعب عليهم إبطال أقوال علماء بهم يقتدون ولعلمهم يعترفون, فكانت حجته لهم غالبة. ولالتزامي بأن لا أنقل إلا عبارته وأن لا أستدل إلا بنصوصه فإني لم أكد أجد في بعض القضايا له من لفظ إلا الربط بين نصوص علماء السلف؛ ولذا كانت بعض العقائد هنا غفلا من إيراد تفسيره لها, رحمه الله تعالى, ونفع بتفسيره وبسائر مؤلفاته.

стр. 177

رأيي في هذا المنهج: لا شك أن منهج أهل السنة والجماعة في التفسير هو أسلم المناهج كسلامة منهجهم في العقيدة, وهل العقيدة الصحيحة إلا الفهم الصحيح للقرآن الكريم, وللسنة النبوية. وإن كانت من فروق بين مفسري أهل السنة والجماعة في القديم وفي العصر الحديث, فثم فروق بعضها يحسب حسنة للسابقين وبعضها فضيلة للمتأخرين. أول هذه الفروق حسب ملاحظتي القاصرة أن المفسرين السابقين أو أكثرهم يعتني بتفصيل عقيدة أهل السنة والجماعة فيما يمر في تفسيره من آيات قرآنية ويرد على شبه الخصوم وعلى الملل والنحل الباطلة والتفسيرات المنحرفة حتى إذا قضى عليها وطمس باطلها صب في أذنيك القول الصحيح والتفسير السليم, فلا يبقى في ذهنك إلا مذهب السلف الحق ولم تقم لغيره قائمة ولا تعكر صفوه شبهة. أما المفسرون في العصر الحديث, فإن أكثرهم وفي أكثر المسائل الخلافية لا يكاد يعرض لبيان تفسير باطل يرد عليه، أو نحلة منحرفة يبطلها ويكشف زيفها، بل يتجه اتجاها مباشرا إلى ألفاظ الآية وما تدل عليه من غير تعرض للشبهات والتفسيرات الزائفة ومن غير تعرض أحيانا إلى جلاء الحقيقة في معركة احتدمت في هذه الآية أو تلك, فكأنه وقر في ذهنه أنه إنما يؤلف لطائفة لا تجادل في معنى ولا تطلب دليلا لمنحى. وهذا أمر أحسب أن تلافيه واجب وأن الحاجة ماسة إلى تفسير يعنى فيه صاحبه إلى بيان عقائد أهل السنة وشرحها وبيان ما يتعلق بها وما يثار حولها من شبهات وما يستدل به منها بعض النحل وبيان الحق الواضح والدواء الشافي بما يجلو كل شبهة, ويثبت كل حقيقة.

стр. 178

وإن كان هذا الفارق يحسب لصالح المفسرين السابقين, فإن الفارق الثاني يعد من حسنات المعاصرين من أهل السنة والجماعة, ألا وهو نبذ الإسرائيليات, فلا تكاد تجد بينهم -والحمد لله- من يعتني بها أو يوردها إلا ما ندر. وفي مقابل ذلك نجد بعض تفاسير علماء السلف السابقين لم يطهروا تفاسيرهم منها, فأوردها بعضهم -رحمهم الله تعالى- وأطال فيما أورد إطالة خرجت عن حد المقبول إلى حد المذموم. وثمة فارق ثالث وهو عناية كثير من المفسرين في العصر الحديث بتطبيق التفسير على المجتمع وتوجيه الأمة إلى ما ينبغي أن يكونوا عليه حسب توجيهات القرآن الكريم، والعبور من خلال آيات القرآن الكريم إلى علاج مشاكل المجتمع الإسلامي السياسي والاجتماعي والاقتصادي, وهو أمر لا نظلم السابقين فننكر وجوده عندهم, ولكنه لم يكن كمنزلته عند المعاصرين ولم يعتنوا به عنايتهم. وفارق رابع برز في تفاسير المعاصرين وهو الاهتمام بالتفسير العلمي التجريبي وهو وإن كنا سنفرده -إن شاء الله- بحديث إلا أن وروده هنا كفارق بين القديم والحديث فقد اعتنى به المعاصرون أو أكثرهم لا أريد به ما يقع من المتطرفين ولكن تلك الإشارات واللمحات الخاطفة بين ثنايا التفسير التي تشير في غالبها إشارة تدبر وتفكر لا إشارة تفسير وربط بين النص والنظرية, هذه الإشارات تجدها في تفاسير المعاصرين أكثر منها عند من سبقهم. وفارق خامس وهو الميل إلى اختصار العبارة أدى إلى اختصار الأبحاث ثم تولد عندهم ميل إلى المختصرات فاختصروا تفاسير السابقين كابن كثير والنسفي والبيضاوى وغيرهم, بل مالوا إلى جمع الصفوة من التفاسير وإلى المختارات منها ولا أدري سبب ذلك: أهو ضعف في عطاء المفسر أو ضعف في همة المتلقي. وقد اكتفى بعض المفسرين من التفسير بتفسير سورة منه أو سور معدودة، لا أغمط بهذا حق بعضهم ممن أجاد وأفاد, ولكني قصدت بعضهم وبعضهم قليل, والله المستعان.

стр. 179

الفصل الثاني: منهج الشيعة في تفسير القرآن الكريم تعريف الشيعة: شيعة الرجل بالكسر: أتباعه وأنصاره، والفرقة على حدة، ويقع على الواحد والمثنى والجمع, والمذكر والمؤنث١, ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ﴾ ٢. وكل قوم اجتمعوا على أمر فهم شيعة ... وكل من عاون إنسانا وتحزب له فهو له شيعة٣. قال في القاموس: "وقد غلب هذا الاسم على كل من يتولى عليا وأهل بيته, حتى صار اسما لهم خاصا"١، والحق أن هذا غير صحيح؛ لأن أهل السنة والجماعة يتولون عليا ﵁ وأهل بيته، ولا يطلق عليهم شيعة, إذن فلا بد من إطلاق آخر. وإذا ما طلبنا تعريفا لهم من كتبهم وجدنا شيخهم "المفيد" يقرر أن لفظ الشيعة يطلق على "أتباع أمير المؤمنين علي, على سبيل الولاء والاعتقاد لإمامته بعد الرسول -صلوات الله عليه وآله- بلا فصل ونفي الإمامة عمن تقدمه في مقام الخلافة وجعله في الاعتقاد متبوعا لهم غير تابع لأحد منهم على وجه الاقتداء"٤.

стр. 180

وهو نفسه يعترف بأن هذا التعريف "لا يشمل إلا الإمامية والجارودية من فرقة الزيدية, أما باقي فرقة الزيدية فلا يشملهم التشيع، وكذا لم يعتبر في التعريف الاعتقاد بإمامة أئمتهم المعروفين بعد علي ﵁ مع أنه هو ومشايخهم ينكرون سمة التشيع لمن لم يؤمن بالأئمة, وزد على هذا العقائد الأخرى كالتقية والرجعة وغيرهما, فقد ربط علماؤهم وصف التشيع بالإيمان بها وكل هذا غير داخل في تعريف المفيد. وهناك تعاريف أخرى كثيرة وكلها تدور حول وصف الإيمان بإمامة علي ﵁ ولا يذكر الخصائص الأخرى التي لا يشاركهم فيها أحد غيرهم؛ ولهذا فإن بعض علمائهم يتمسك بتعريف ابن حزم للشيعة حيث قال: "ومن وافق الشيعة في أن عليا ﵁ أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ وأحقهم بالإمامة وولده من بعده فهو شيعي, وإن خالفهم فيما عدا ذلك مما اختلف فيه المسلمون, فإن خالفهم فيما ذكرنا فليس شيعيا"١. ومن هذا نرى أن ابن حزم جعل من خصائصهم الإيمان بإمامة علي ﵁ وولده من بعده، فهو أدق من تعريف المفيد, وبين أيضا أن هذا هو الأصل في التشيع ولا أثر بعد ذلك فيما عداه من العقائد الأخرى, ويقصد بها التقية والعصمة والرجعة وغيرها. ومع أن هذا التعريف فيما نرى هو الأقرب وهو الذي اختاره بعض كتاب الشيعة المعاصرين, فإنه ينبغي أن نفرق بين الشيعة في أطوارهم الأولى والشيعة المتأخرين, فالشيعي في الطور الأول يطلق على كل من فضّل عليا وقدمه على عثمان ﵄ ولهذا قال ليث بن أبي سليم, الذي أخرج له مسلم: "أدركت الشيعة الأولى وما يفضلون على أبي بكر وعمر أحدا"٢، وقال أبو إسحاق السبيعي: "خرجت من الكوفة وليس أحد يشك في فضل أبي بكر

стр. 181

وعمر وتقديمهما وقدمت الآن وهم يقولون ويقولون ولا والله ما أدري ما يقولون"١. ولما سأل سائل شريك بن عبد الله -الذي أخرج له البخاري ومسلم وغيرهما- فقال له: أيهما أفضل أبو بكر أو علي؟ فقال له: أبو بكر، فقال له السائل: تقول هذا وأنت شيعي؟ فقال له: نعم ومن لم يقل هذا فليس شيعيا والله لقد رقى علي هذه الأعواد فقال: ألا إن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر فكيف نرد قوله وكيف نكذبه؟ والله ما كان كذابا٢. ولهذا لا يستغرب وجود طائفة من أعلام المحدثين وغيرهم يطلق عليهم وصف التشيع وهم من أعلام السنة, ذلكم أن للتشيع في زمن السلف مفهوما آخر غير مفهومه لدى المتأخرين٣؛ ولهذا فرق الذهبي في ميزانه بين التشيع في عهد السلف والتشيع عند المتأخرين فعد الأول بدعة صغرى لا يرد معها الحديث ولو رد لذهبت جملة من الآثار النبوية، وعد الثاني بدعة كبرى كالرفض والغلو فيه والحط على أبي بكر وعمر ﵄ فهذا النوع لا يحتج بهم ولا كرامة٤. وكما مر بنا, فإن تعريف ابن حزم الذي نقلناه آنفا لا يدخل فيه الشيعة في عصر السلف فهو مختص بمن بعدهم؛ ولذا فإنا نراه هو الأقرب للصواب, والله أعلم.

стр. 182

بداية ظهور التشيع: اختلف المؤرخون في بداية ظهور التشيع: القول الأول: وهو رأي الشيعة أنفسهم, أن بداية ظهور التشيع كان في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- نفسه، فقال محمد الحسين آل كاشف الغطاء: "إن أول من وضع بذرة التشيع في حقل الإسلام هو نفس صاحب الشريعة الإسلامية, يعني أن بذرة التشيع وضعت مع بذرة الإسلام جنبا إلى جنب وسواء بسواء, ولم يزل غارسها يتعاهدها بالسقي والعناية حتى نمت وأزهرت في حياته ثم أثمرت بعد وفاته"١، ثم استدل لذلك بأدلة واهية ليس هذا مجال نقدها وإبطالها. القول الثاني: إن التشيع ظهر يوم السقيفة بعد وفاة النبي ﷺ حيث دعا بعض الصحابة في هذا اليوم إلى استخلاف علي، ﵁. والحق أنه لا دلالة في هذه الحادثة على بداية ظهور التشيع. القول الثالث: أن التشيع حدث يوم مقتل عثمان، رضي الله عنه٢. قال ابن تيمية -رحمه الله تعالى: "ففي خلافة أبي بكر وعمر وعثمان لم يكن أحد يسمى من الشيعة ولا تضاف الشيعة إلى أحد. فلما قتل عثمان تفرق المسلمون فمال قوم إلى أولياء عثمان, ومال قوم إلى علي, وقيل حينئذ: شيعة علي وشيعة عثمان"٣. القول الرابع: أن موقعة صفين, والتحكيم بين علي ومعاوية ﵄ هو بداية ظهور التشيع, وظهور الخوارج أيضا٤. القول الخامس: أن مقتل الحسين بن علي ﵄ يعتبر بداية لظهور التشيع٥. هذه مجمل الأقوال في بداية ظهور التشيع, أقربها فيما نرى القول الثالث وليس هذا موضع تحقيق ذلك.

стр. 183

فرق الشيعة مدخل ... فرق الشيعة: ولم تتفق الشيعة في المذهب والعقيدة، بل افترقوا إلى فرق شتى. غالى بعضهم وتطرف في مذهبه حتى خرج عن ربقة الإسلام, وتوسط بعضهم حتى كاد أن يكون من أهل السنة والجماعة. وليس من شأني هنا أن أتناول جميع فرقهم ومذاهبهم, ولكني أقتصر على بيان, بل بعض بيان للفرق المعاصرة في المذهب الشيعي حيث اندثرت أكثر الفرق. وقد ذكر مصطفى غالب١: "أنه لم يبق من جميع فرق الشيعة حتى الآن إلا الإمامية الجعفرية الاثنا عشرية، والزيدية، والإسماعيلية -الآغاخانية والبهرة- والنصيرية والدرزية المتفرعة عن الإسماعيلية"٢. وحدد مصطفى غالب مرتكز الخلاف بين فرق الشيعة بأنه: "في سوق الإمامة، وفي أشخاص الأئمة. فالكيسانية منهم أخرجوها عن ولد فاطمة بعد الاعتراف بإمامة علي والحسن والحسين "ع" وكذلك صنع الزيدية, فإنهم لم يعترفوا بإمامة الأئمة من بعد الإمام "الرضا" لعدم تحقق شرائط الإمامة فيهم على مذهبهم، وأما الإسماعيلية فقد وافقوا الإمامية في إمامة خمسة منهم وافترقوا عنهم في إمامة السادس وهو عند الإمامية السابع موسى بن جعفر الصادق إلى تمام اثني عشر إماما وعند الإسماعيلية إسماعيل بن جعفر "ع" وولده مبتدئة بمحمد بن إسماعيل وبعقبه إلى يوم الناس هذا"٣. وعلى هذا يكون التقسيم التقريبي لهذه الفرق على الشكل التالي:

стр. 184

٢- الدرزية. ٣- النصيرية. ٤- الزيدية. وندرسها على هذا الترتيب. الإمامية: نسبة إلى الإمامة. وهم يعتقدون "أن هذا هو الأصل الذي امتازت به الإمامية وافترقت عن سائر فرق المسلمين وهو فرق جوهري أصلي"١. ويعتقدون أن الإمامة كالنبوة لا تكون إلا بالنص من الله تعالى على لسان رسوله أو لسان الإمام المنصوب بالنص إذا أراد أن ينص على الإمام من بعده٢. ويعتقدون: "أن النبي ﷺ نص على خليفته والإمام في البرية من بعده. فعين ابن عمه علي بن أبي طالب أميرا للمؤمنين وأمينا للوحي وإماما للخلق"١. ويعتقدون أن الإمامة لعلي ﵁ جاءت بطريق التلويح والتصريح والإشارة والنص٣، وليس كما يعتقد الزيدية أنها بطريق التعريض بالوصف. ويعتقدون أن الإمامة انتقلت من بعد علي بن أبي طالب إلى الحسن بن علي ثم إلى أخيه الحسين بن علي ثم إلى ابنه علي بن الحسين "زين العابدين"، ثم إلى ابنه محمد بن علي "الباقر" ثم إلى ابنه جعفر بن محمد "الصادق". ثم افترقوا بعد ذلك إلى فرقتين: ١- الإمامية "الاثني عشرية". ٢- الإمامية "السبعية" أو الإسماعيلية.

стр. 185

الإمامية الإثنى عشرية ... الإمامية الاثنا عشرية: ويرون أن الإمامة انتقلت بعد جعفر الصادق إلى ابنه موسى "الكاظم" ثم إلى ابنه علي الرضا ثم إلى ابنه محمد "الجواد"، ثم إلى ابنه علي "الهادي" ثم إلى ابنه "الحسن العسكري", ثم إلى ابنه محمد "المهدي" المنتظر في عقيدتهم, وبهذا يكون الأئمة عندهم اثني عشر فنُسبوا إلى هذا١. وأصول العقيدة عندهم خمسة٢: الأول: التوحيد. الثاني: النبوة. الثالث: الإمامة. الرابع: العدل. الخامس: المعاد. وهذه الأصول الخمسة تتضمن عقائد أخرى انفردت بها الإمامية الاثنا عشرية ومنها: ١- البداء: حيث يقسمون القضاء الإلهي إلى ثلاثة أقسام: الأول: قضاء الله الذي لم يطلع عليه أحد من خلقه, والعلم المخزون الذي استأثر به لنفسه. "قالوا": ولا ريب في أن البداء لا يقع في هذا القسم.

стр. 186

الثاني: قضاء الله الذي أخبر نبيه وملائكته بأنه سيقع حتما. "قالوا": ولا ريب في أن هذا القسم أيضا لا يقع فيه البداء. الثالث: قضاء الله الذي أخبر نبيه وملائكته بوقوعه في الخارج, إلا أنه موقوف على أن لا تتعلق مشيئة الله بخلافه. "قالوا": وهذا القسم هو الذي يقع فيه البداء١. ومعنى ذلك عندهم أنه تعالى قد يظهر شيئا على لسان نبيه أو وليه أو في ظاهر الحال لمصلحة تقتضي ذلك الإظهار ثم يمحوه فيكون غير ما قد ظهر أولا مع سبق علمه تعالى بذلك كما في قصة إسماعيل لما رأى أبوه إبراهيم أنه يذبحه٢ ... قالوا: وقريب من البداء في هذا المعنى نسخ أحكام الشرائع السابقة بشريعة نبينا ﷺ . بل نسخ بعض الأحكام التي جاء بها نبينا صلى الله عليه وسلم٢. ٢- الإمامة والعصمة: فقالوا: "ونعتقد أن الإمام كالنبي يجب أن يكون معصوما من جميع الرذائل والفواحش ما ظهر منها وما بطن, من سن الطفولة إلى الموت عمدا وسهوا كما يجب أن يكون معصوما من السهو والخطأ والنسيان"٣. ٣- المهدية: ويعتقدون أن المهدي: "هو شخص معين معروف, ولد سنة ٢٥٦ هجرية ولا يزال حيا, هو ابن الحسن العسكري واسمه "محمد""٤. ٤- الرجعة: وهي مرتبطة بالعقيدة السابقة في المهدي, ذلك أنهم يعتقدون: "أن الله

стр. 187

تعالى يعيد قوما من الأموات إلى الدنيا في صورهم التي كانوا عليها, فيعز فريقا ويذل فريقا آخر, ويديل المحقين من المبطلين والمظلومين منهم من الظالمين, وذلك عند قيام مهدي آل محمد، عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام"١. وقالوا: "ولا يرجع إلا من علت درجته في الإيمان, أو من بلغ الغاية من الفساد"١. ٥- التقية: ويعرفونها بأنها: "كتمان الحق وستر الاعتقاد فيه ومكالمة المخالفين وترك مخالفتهم بما يعقب ضررا في الدين والدنيا"٢. وما زالت التقية سمة تعرف بها الإمامية دون غيرها من الطوائف والأمم٣. ٦- أنهم لا يقبلون من السنة إلا ما صح لهم من طرق أهل البيت عن جدهم, يعني ما رواه الصادق عن أبيه الباقر عن أبيه زين العابدين عن الحسين السبط عن أبيه أمير المؤمنين عن رسول الله ﷺ . أما ما يرويه مثل أبي هريرة وسمرة بن جندب ومروان بن الحكم وعمران بن حطان وعمرو بن العاص ونظائرهم, فليس له عند الإمامية من الاعتبار مقدار بعوضة٤. ٧- أنهم لا يعملون بالقياس وينسبون إلى أئمتهم القول: "إن الشريعة إذا قيست محق الدين"٤. ٨- وفي الصلاة تعطل الإمامية الاثنا عشرية صلاة الجمعة؛ لأنها لا تجوز

стр. 188

ما دام الإمام غائبا, ولا تقام حتى يظهر الإمام المستتر, وقد أمر الخميني في شعبان سنة ١٤٠٠ بأداء صلاة الجمعة. ٩- الخمس: ويجب عندهم في سبعة أشياء: ١- غنائم دار الحرب. ٢- الغوص. ٣- الكنز. ٤- المعدن. ٥- أرباح المكاسب. ٦- الحلال المختلط بالحرام. ٧- الأرض المنتقلة من المسلم إلى الذمي. ويدفع الخمس إلى الإمام إن كان ظاهرا وإلى نائبه وهو "المجتهد العادل" إن كان غائبا. وهو عندهم حق فرضه الله لآل محمد ﷺ عوض الصدقة التي حرمها عليهم من زكاة الأموال والأبدان. ١٠- نكاح المتعة: أو عقد الانقطاع, والمراد به عقد الزواج إلى أجل مسمى, وتجب العدة على الزوجة بعده: "وهي على الأقل خمسة وأربعون يوما"١. هذه: هي أهم سمات مذهب الإمامية الاثني عشرية وما تتميز به عن سائر المذاهب الأخرى, اكتفينا منها بأهمها ومن عرضها بالإشارة حتى لا يطغى على مسار البحث وهدفه.

стр. 189

منهجهم في تفسير القرآن الكريم: ولهم منهج مستقل في التفسير ساروا عليه لا يشاركهم أحد في جميع جوانبه. وتتعدد نواحي الخلاف بين منهجهم ومنهج أهل السنة والجماعة. طرق التفسير: فأصح طرق التفسير عند أهل السنة والجماعة -كما مر- والشيعة أيضا تفسير القرآن بالقرآن ثم بأقوال الرسول ﷺ . ثم اختلفوا بعد ذلك فأهل السنة يأخذون بعد هذا بأقوال الصحابة أما الإمامية الاثنا عشرية فهي: "ترى أن الصحابة والتابعين كبقية المسلمين لا حجية في أقوالهم إلا ما ثبت أنه حديث نبوي"١. أما الطريق عندهم بعد أقوال الرسول ﷺ فهي أقوال أئمتهم, قالوا: "وقد ثبت بطرق متواترة في حديث الثقلين أن أقوال العترة الطاهرة من أهل بيته ﵈ هي تالية لأقوال الرسول, فهي حجة أيضا"٢. بل وتجاوزوا هذا, فرفضوا ما رواه الصحابة عن رسول الله ﷺ , وردوا رواياتهم كلها إلا ما صح من طرق أهل البيت, حيث يقول محمد الحسين آل كاشف الغطاء عن فرقته الإمامية ومذهبهم في قبول الروايات: "إنهم لا يقبلون من السنة "أعني: الأحاديث النبوية" إلا ما صح لهم من طرق أهل البيت"٣. أما القياس فقد سبق ذكر قولهم: "إن الإمامية لا تعمل بالقياس, وقد تواتر عن أئمتهم أن الشريعة إذا قيست محق الدين"٣. أما الإجماع, فليس حجة بنفسه إلا إذا كان الإمام المعصوم من المجمعين، أو كان الإجماع يعتمد على دليل معتبر، أو كاشفا عن رأيه في المسألة٤. أما العقل ودليله, فلا يدخل فيه عندهم القياس ولا المصالح ولا الاستحسان٤.

стр. 190

إذن فطرق التفسير التي سلكوها هي تفسير القرآن بالقرآن وبالسنة "ويعنون بها ما ورد عن طرق أهل البيت" وبالإجماع بشرطه السابق، وبدليل العقل بخصوصه السابق. لذلك كان لهم آراء فقهية انفردوا بها بناء على هذه الأصول وجاء تفسيرهم لكثير من آيات الأحكام في القرآن الكريم متأثرا بهذه النظرة, كإباحة نكاح المتعة ومنع المسح على الخفين، وأن الواجب مسح الرجلين في الوضوء دون غسلهما ونحو ذلك ... وسيأتي إن شاء الله بيان بذلك. للقرآن ظاهر وباطن: وللقرآن عندهم ظهر وبطن ويقصدون بهذا: "أن للقرآن مراتب من المعاني المرادة بحسب مراتب أهله ومقاماتهم وأن الظهر والبطن أمران نسبيان فكل ظهر بطن بالنسبة إلى ظهره وبالعكس"١، ويستدل الطباطبائي لهذا بما ورد في "تفسير العياشي عن جابر قال: سألت أبا جعفر ﵇ عن شيء من تفسير القرآن فأجابني, ثم سألته ثانية فأجابني بجواب آخر، فقلت: جعلت فداك, كنت أجبت في المسألة بجواب غير هذا قبل اليوم! فقال: يا جابر, إن للقرآن بطنا, وللبطن بطن وظهرا وللظهر ظهر, يا جابر وليس شيء أبعد من عقول الرجال من تفسير القرآن, إن الآية تكون أولها في شيء وأوسطها في شيء وآخرها في شيء, وهو كلام متصل ينصرف على وجوه"٢. وقال: "وقد روي عن علي، ﵇: أن القرآن حَمَّال ذو وجوه"٣، أما الراسخون الذين يعلمون تأويله فالمراد بهم عندهم آل محمد٤, ويروون عن الصادق: نحن الراسخون في العلم, ونحن نعلم تأويله٥.

стр. 191

أسلوب الجري في القرآن عندهم: وهو أن تطبق الآيات القرآنية على أئمتهم أو على أعدائهم, قال الطباطبائي في تفسيره: "واعلم أن الجري -وكثيرا ما نستعمله في هذا الكتاب- اصطلاح مأخوذ من قول أئمة أهل البيت ﵈"١. وقال أيضا: "الروايات في تطبيق الآية القرآنية عليهم "﵈" أو على أعدائهم أعني: روايات الجري, كثيرة في الأبواب المختلفة, وربما تبلغ المئين"٢. وسنعرض لهذا فيما بعد. التفسير العقلي: ذكرنا آنفا أن من طرق تفسير القرآن عندهم التفسير بالعقل وتفاسيرهم لمسائل علم الكلام متأثرة تأثرا بينا بنظرة المعتزلة, ويرجع هذا التأثر إلى أن عددا كبيرا من سلف الشيعة تتلمذ لبعض مشايخ المعتزلة, وهذا واضح بين في تفاسير الحسن العسكري، والشريف المرتضى, وأبي علي الطبرسي٣ وسيأتي إن شاء الله بيان ذلك في تفاسير المحدثين. تحريف القرآن: لا يكاد يذكر القول بتحريف القرآن إلا ويذكر مذهب الشيعة, ولا تكاد تقلب كتابا عن عقائد الشيعة إلا وتجده قد أفرد القول بتحريف القرآن بمقال, وهم فيما يكتبون سلكوا أحد طريقين: ١- إما أن يثبتوا بأدلتهم تحريف القرآن الكريم. ٢- وإما أن ينكروا القول بالتحريف, وينكروا نسبته إلى الشيعة. ولنتحدث عمن سلك الطريق الأول.

стр. 192

القول بتحريف القرآن: ذكر إمامهم الخوئي في البيان في تفسير القرآن أن التحريف يراد منه عدة معانٍ: الأول: نقل الشيء عن موضعه وتحويله إلى غيره, ومنه قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عن مَوَاضِعِهِ﴾ [٤: ٤٦] ثم ذكر أن كل من فسر القرآن بغير حقيقته وحمله على غير معناه فقد حرفه. الثاني: النقص أو الزيادة في الحروف أو في الحركات مع حفظ القرآن وعدم ضياعه, وإن لم يكن متميزا في الخارج عن غيره. الثالث: النقص أو الزيادة بكلمة أو كلمتين مع التحفظ على نفس القرآن المنزل. الرابع: التحريف بالزيادة والنقيصة في الآية والسورة مع التحفظ على القرآن المنزل, والتسالم على قراءة النبي ﷺ إياها. ثم زعم أن هذه الأنواع الأربعة من التحريف واقعة في القرآن قطعا١. النوع الخامس: التحريف بالزيادة بمعنى أن بعض المصاحف الذي بأيدينا ليس من الكلام المنزل "والتحريف بهذا المعنى باطل بإجماع المسلمين، بل هو مما علم بطلانه بالضرورة"٢، والحق أن كل من قرأت له ممن تعرض لهذا النوع ذكر الإجماع على عدم القول بتحريف القرآن بالزيادة فيه, إلا أني اطلعت على نص عند الشيعة يقول بهذا النوع, وهو ما رواه ميسرة عن أبي جعفر ﵇ قال: "لولا أن زيد في كتاب الله ونقص منه ما خفي حقنا على ذي حجى"٣.

стр. 193

النوع السادس: التحريف بالنقيصة, بمعنى أن المصحف الذي بأيدينا، لا يشتمل على جميع القرآن الذي نزل من السماء, فقد ضاع بعضه من الناس. ثم قال: "والتحريف بهذا المعنى هو الذي وقع فيه الخلاف, فأثبته قوم ونفاه آخرون"١. والقول بتحريف القرآن الكريم عند الشيعة مما اتفقوا عليه من القرن الرابع إلى القرن السادس ولم ينكر أحد منهم القول بتحريف القرآن إلا أربعة: ابن بابوية القمي الملقب عندهم بالصدوق "ت ٣٨١" والمرتضى "ت ٤٣٦" والطوسي "ت ٤٥٠" والطبرسي "ت ٥٤٨". واعترف بهذا الاستثناء شيخ الشيعة النوري الطبرسي حيث قال: "إنه لم يعرف الخلاف صريحا إلا من هؤلاء الأربعة"٢. واعترف به أيضا نعمة الله الجزائري بقوله: "إن الأصحاب قد أطبقوا على صحة الأخبار المستفيضة، بل المتواترة الدالة بصريحها على وقوع التحريف في القرآن"٣، ثم قال: "نعم قد خالف فيه المرتضى والصدوق والشيخ الطبرسي, وحكموا بأن ما بين دفتي هذا المصحف هو القرآن المنزل لا غير, ولم يقع فيه تحريف ولا تبديل"٣. وما لنا ولعلمائهم السابقين والقول بتحريف القرآن يتشدق به طائفة من علمائهم المعاصرين, فهذا شيخهم محمد بن حيدر الخراساني يعقد فصلا في مقدمة تفسيره قال فيه: "الفصل الثالث عشر في وقوع الزيادة والنقيصة والتقديم والتأخير والتحريف والتغيير في القرآن الذي بين أظهرنا"، ثم قال: "اعلم أنه قد استفاضت الأخبار عن الأئمة الأطهار "ع" بوقوع الزيادة والنقيصة والتحريف والتغيير فيه بحيث لا يكاد لا يقع شك في صدور بعضها منهم وتأويل الجميع

стр. 194

بأن الزيادة والنقيصة والتغيير إنما هي في مدركاتهم من القرآن, لا في لفظ القرآن كلفة"١. وقال في موضع آخر عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ٢: ولا ينافي حفظه تعالى للذكر بحسب حقيقته التحريف في صورة تدوينه, فإن التحريف إن وقع, وقع في الصورة المماثلة له كما قال: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ وما هو من عند الله٣. ولا يكتفي شيخهم هذا بالادعاء بتحريف القرآن, فيعمد إلى ذكر المواضع التي زعم وقوع التحريف فيها, فقد أورد في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ ٤ الآية, قال: "وعن أمير المؤمنين "ع" في جواب مسائل الزنديق الذي سأل عن أشياء أنه أسقط بين طرفي تلك الآية أكثر من ثلث القرآن"٥. هذا شيخ من شيوخهم المعاصرين قال بتحريف القرآن الكريم، بل إن بعض علمائهم أفردوه بمؤلفات مستقلة, فقد ألف شيخهم حسين بن محمد تقي الدين الطبرسي المتوفى سنة ١٣٢٠ كتابه: "فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب" وصفه صاحبه بأنه "كتاب لطيف وسفر شريف عملته في إثبات تحريف القرآن وفضائح أهل الجور والعدوان, وسميته: "فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب""٦. وفي الهند ألف ميرزا سلطان أحمد الدهلوي كتابا سماه: "تصحيف كاتبين ونقص آيات كتاب مبين" وألف محمد مجتهد اللكنوي كتابه: "ضربة حيدرية".

стр. 195

ولست هنا بصدد جمع أقوال أصحاب هذا الرأي وأدلتهم, فهذا شأن آخر وإنما أردت إثبات أن هذا القول هو مذهب راسخ عند الشيعة, حتى أفردوه في مؤلفات خاصة. ولنذكر بعد هذا من سلك الطريق الثاني منهم, فأنكر القول بتحريف القرآن ونسبته إلى الشيعة. القول بسلامة القرآن من التحريف: وقد ذهب بعض الشيعة خاصة في العصر الحديث إلى إنكار القول بتحريف القرآن الكريم وأنكروا نسبة ذلك إلى الشيعة، بل زعموا نسبة ذلك إلى بعض علماء أهل السنة وعدوا القول بنسخ التلاوة قولا بالتحريف, متجاهلين -ولا أقول جاهلين؛ لأن مثل هذا لا يخفى- أن النسخ أمر إلهي والتحريف من شأن البشر فلا يعد ذلك تحريفا ولا يعد ذا نسخا. ثم ذهب كثير منهم في عصرنا هذا يعددون الأدلة على عدم تحريف القرآن فيقول الخوئي: "والحق بعد هذا كله أن التحريف بالمعنى الذي وقع النزاع فيه غير واقع في القرآن أصلا بالأدلة التالية: الدليل الأول قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [١٥: ٩] ، الدليل الثاني قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [٤١: ٤٢] "١. وقال شيخهم محمد رضا المظفر: "نعتقد أن القرآن هو الوحي الإلهي لا يعتريه التبديل والتغيير والتحريف, وهذا الذي بين أيدينا نتلوه هو نفس القرآن المنزل على النبي ومن ادعى فيه غير ذلك فهو مخترق أو مغالط أو مشتبه, وكلهم على غير هدى؛ فإن كلام الله الذي ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِه﴾ "٢.

стр. 196

وقال الخوئي: إن القول بعدم التحريف هو المشهور بل المتسالم عليه بين علماء الشيعة ومحققيهم١. وقال محمد الحسين آل كاشف الغطاء: "يعتقد الشيعة الإمامية ... أن الكتاب الموجود في أيدي المسلمين هو الكتاب الذي أنزله الله إليه للإعجاز والتحدي ولتعليم الأحكام وتمييز الحلال من الحرام وأنه لا نقص فيه ولا تحريف ولا زيادة, وعلى هذا إجماعهم ومن ذهب منهم أو من غيرهم من فرق المسلمين إلى وجود نقص فيه أو تحريف فهو مخطئ نص الكتاب العظيم: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ والأخبار الواردة من طرقنا أو طرقهم الظاهرة في نقصه أو تحريفه ضعيفة شاذة وأخبار آحاد لا تفيد علما ولا عملا, فإما أن تؤول بنحو من الاعتبار أو يضرب بها الجدار"٢. وقال السيد محسن الأمين: "إن كتب المحققين ومن يعتنى بقولهم من علماء الشيعة مجمعة على عدم وقوع التحريف في القرآن, لا بزيادة ولا نقصان"٣. ولسنا بحاجة هنا إلى أن نسوق النصوص الكثيرة في إنكارهم تحريف القرآن أو نسبة ذلك إلى الشيعة, وإن القارئ لتصيبه الحيرة مما تقول هذه الطائفة منهم وإذا ما علم أن من عقائدهم التقية لم يجد بدا من حمل إنكارهم هذا على تلك العقيدة, ذلك أن تواتر الروايات عندهم في تحريف القرآن مما لا يمكن إنكاره. ولنعد هنا قولين من أقوال علمائهم لا نزيد عليهما, قال شيخهم نعمة الله الجزائري: "إن القول بصيانة القرآن وحفظه يفضي إلى طرح الأخبار المستفيضة بل المتواترة الدالة بصريحها على وقوع التحريف في القرآن ... مع أن أصحابنا -رضوان الله عليهم- قد أطبقوا على صحتها والتصديق بها"٤.

стр. 197

وقال الطبرسي: "إن ملاحظة السند في تلك الأخبار الكثيرة توجب سد باب التواتر المعنوي فيها, بل هو أشبه بالوسواس الذي ينبغي الاستعاذة منه"١. فإذا كانت هذه الروايات وصلت عندهم إلى تلك الدرجة, فكيف يجرؤ أولئك على إنكار القول بتحريف القرآن وإنكار نسبة ذلك إلى عقيدة الشيعة. وإذا أضفنا إلى ذلك أن أولئك الذين أنكروا نسبة هذا إلى الشيعة وأنكروا تواتره فضلا عن صحته أنهم أقروا بأنفسهم في مواضع أخرى وهم يتخبطون بين الإنكار تقية والاعتراف عقيدة, أقروا بالقطع بصحة بعض الروايات في تحريف القرآن, فقال الخوئي مثلا عن تلك الروايات: "إلا أن كثرة الروايات تورث القطع بصدور بعضها عن المعصومين ﵈ ولا أقل من الاطمئنان بذلك وفيها ما روي بطرق معتبر, فلا حاجة بنا إلى التكلم في سند كل رواية بخصوصها"٢. ولا ندري لِمَ يزعم محمد جواد مغنية٣ أن القول بسلامة القرآن من الزيادة والنقصان "اليوم أصبح هذا القول ضرورة من ضرورات الدين وعقيدة لجميع المسلمين, إذ لا قائل بالنقيصة لا من السنة ولا من الشيعة, فإثارة هذا الموضوع والتعرض له في هذا العصر لغو وعبث أو دس وطعن على الإسلام والمسلمين"؟ ٤. ولا ندري لم يزعم هذا وهو ممن لا يخفى عليه الحق في تلك القضية, لا تخفى عليه أبدا تلك المؤلفات لعلماء الشيعة في عصرنا هذا التي أفردوها لهذه الفرية وهذا الزعم؟

стр. 198

وليس لنا إلا أن نسأل أولئك الذين أنكروا القول بتحريف القرآن ونسبوا القول بذلك -بهتانا- إلى جماعة من علماء السنة والشيعة وأنكروا -زورا- وجود أحد في هذا العصر يقول بهذا القول. ليس لنا إلا أن نسألهم: ما تقولون فيمن يعتقد هذا الاعتقاد؟ فيمن يعتقد تحريف القرآن الكريم, أمؤمن هو أم كافر؟ إن قلتم: مؤمن قلنا: إنه إيمان فريد من نوعه لكنه حتما ليس بالإيمان الذي جاء به الأنبياء والمرسلون وإن قلتم: هو كافر قلنا: لقد حكمتم على كثير من علمائكم, وبقى تخبطكم هذا من أي الصنفين هو الإيمان أو الكفر أو هو من قبيل التقية التي هي دينكم ودين آبائكم كما تقولون؟! نماذج من تفسيرهم: ذكرت فيما سبق موقف الشيعة من القرآن الكريم وتفسيره. وإذا أردنا أن نذكر شيئا من تفاسير الإمامية الاثني عشرية للقرآن الكريم فإنا نرى وجوب الاقتصار على تفسير الآيات التي يدعمون بها ما انفردوا به من آراء، ويستندون إليها في إثباتها، ونضيف إلى هذا ما اشتهر عنهم في قضايا أخرى. أولا: الإمامة للإمامة عند الإمامية مكانة كبيرة؛ إذ هي المحور الذي تدور حوله عقائدهم وترتكز عليه مبادئهم, حتى نسبوا إليها وسموا بالإمامية. ففي قوله تعالى خطابا لإبراهيم ﵇: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ ١ يفسر السيد محمد الطباطبائي٢ ذلك بقوله: " ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ أي: مقتدًى يقتدي بك الناس ويتبعونك في أقوالك وأفعالك٣, ويرفض القول بأن المراد بالإمامة النبوة ويصفه بأنه في غاية السقوط"٣.

стр. 199

ثم يزيد تفسيره للإمامة إيضاحا فيقول: "والذي نجده في كلامه تعالى أنه كلما تعرض لمعنى الإمامة تعرض معها للهداية تعرض التفسير, قال تعالى في قصص إبراهيم ﵇: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ، وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ [الأنبياء: ٧٣] وقال سبحانه: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤] ، فوصفها بالهداية وصف تعريف ثم قيدها بالأمر فبين أن الإمامة ليست مطلق الهداية، بل هي الهداية التي تقع بأمرالله"١. وهذا هو الفارق بين الإمامة والنبوة, فالنبوة والرسالة ليستا إلا مجرد إراءة الطريق, إذ يقول: "وبالجملة فالإمام هادٍ يهدي بأمر ملكوتي يصاحبه فالإمامة بحسب الباطن نحو ولاية للناس في أعمالهم وهدايتها إيصالها إياهم إلى المطلوب بأمر الله دون مجرد إراءة الطريق الذي هو شأن النبي والرسول, وكل مؤمن يهدي إلى الله سبحانه بالنصح والموعظة الحسنة"٢. ومن صفات الإمام عند الإمامية أنه "يجب أن يكون إنسان ذا يقين مكشوفا له عالم الملكوت, متحققا بكلمات من الله سبحانه"٣، وهو أيضا أي الإمام "يحضر عنده ويلحق به أعمال العباد خيرها وشرها, وهو المهيمن على السبيلين جميعا سبيل السعادة وسبيل الشفاوة"٣. أما أفعال الإمام فهي: "خيرات يهتدي إليها لا بهداية من غيره, بل باهتداء من نفسه بتأييد إلهي وتسديد رباني"٤. أما أقواله كما يقول محمد جواد مغنية في تفسيره "فإن قول الإمام نبيا كان أو وصيا هو قول الله, وهداه هدى الله, وحكمه حكم الله الذي لا يحتمل العكس"٥.

стр. 200

وبديهي بعد هذا أن يكون الإمام عندهم معصوما من جميع الرذائل والفواحش ما ظهر منها وما بطن, من سن الطفولة إلى الموت عمدا وسهوا, كما يجب أن يكون معصوما من السهو والخطأ والنسيان١. أما مستندهم في هذا, فيقول عنه محمد جواد مغنية في تفسيره: "واستدل الشيعة الإمامية بقوله تعالى: ﴿لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ على وجوب العصمة للنبي والوصي, ووجه الدلالة أن الله قد بين صراحة أنه لا يعهد بالإمامة إلى ظالم، والظالم من ارتكب معصية في حياته مهما كان نوعها حتى ولو تاب بعدها حيث يصدق عليه هذا الاسم ولو آنا ما، ومن صدق عليه كذلك فلن يكون إماما"٢، وقال: "ويكفي دليلا على عصمة أهل البيت "ع" شهادة الله لهم بالعصمة في الآية ٣٣ من الأحزاب: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ "٣. وهو أيضا ما فسره به الطباطبائي في الميزان, حيث قال في تفسير الآية السابقة: "فمن المتعين حمل إذهاب الرجس في الآية على العصمة"٤. وقد حاول محمد جواد مغنية في تفسيره أن يعمم القول بالعصمة وأنكر اختصاص الشيعة بالقول بها فقال: "وفكرة العصمة لا تختص بالشيعة وحدهم, فإن السنة قالوا بها ولكنهم جعلوها للأمة مستندين إلى حديث لم يثبت عند الشيعة وهو: "لا تجتمع أمتي على ضلالة"". والمسيحيون قالوا بعصمة الباب, والشيوعيون بعصمة ماركس ولينين, وقال القوميون السوريون بعصمة أنطون سعادة, والإخوان المسلمون بعصمة حسن البنا٥, وكل من استدل بقول إنسان واتخذ منه حجة ودليلا فقد قال بعصمته من حيث يريد أو لا يريد, وفي الصين مئات الملايين اليوم تؤمن بعصمة ماوتسي

стр. 201

تونغ -نحن الآن في سنة ١٩٦٧- ويشيدون بتعاليمه وإذا اختلف الشيوعيون فيما بينهم وكذلك غيرهم ممن ذكرنا, فإنهم يختلفون في تفسير أقوال الرؤساء والمراد منها لا في وجوب العمل بها، والولاء لها، تماما كما يختلف المسلمون في تفسير نصوص القرآن والمسيحيون في تفسير الإنجيل ... ومن خص العصمة بالشيعة فهو واحد من اثنين: إما جاهل مغفل، وإما مفترٍ متآمر١. وهذا كلام لا يخلو من مغالطة, ذلكم أن الشيعة لا تنفرد بالقول بالعصمة على إطلاقها, فأهل السنة أيضا قالوا بالعصمة للأنبياء لكن لم يقل أحد منهم بالعصمة للأئمة من بعدهم وهو ما اختص به الشيعة، أما قول المسيحيين والشيوعيين والقوميين فمما لا يحتج به ولا ينظر إليه عند مناقشة آراء الفرق الإسلامية. ثانيا: البداء مذهب أهل السنة في تفسير قوله تعالى: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ ٢ أنه: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ من الأقدار ﴿وَيُثْبِتُ﴾ ما يشاء منها، وهذا المحو والتغيير في غير ما سبق به علمه وكتبه قلمه, فإن هذا لا يقع فيه تبديل ولا تغيير؛ لأن ذلك محال على الله، أن يقع في علمه نقص أو خلل؛ ولهذا قال: ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ أي: اللوح المحفوظ، الذي ترجع إليه سائر الأشياء فهو أصلها وهي فروع وشعب. فالتغيير والتبديل يقع في الفروع والشعب كأعمال اليوم والليلة التي تكتبها الملائكة ويجعل الله لثبوتها أسبابا، ولمحوها أسبابا, لا تتعدى تلك الأسباب، ما رسم في اللوح المحفوظ. كما جعل الله البر، والصلة، والإحسان من أسباب طول العمر وسعة الرزق, وكما جعل المعاصي سببا لمحق بركة الرزق والعمر, وكما جعل أسباب التجارة من

стр. 202

المهالك والمعاطب سببا للسلامة وجعل التعرض لذلك سببا للعطب, فهو الذي يدبر الأمور بحسب قدرته وإرادته وما يدبره منها لا يخالف ما قد علمه وكتبه في اللوح المحفوظ١. هذا ما ذهب إليه أهل السنة في ذلك ولم يقل أحد منهم بالبداء, أما الإمامية الاثنا عشرية فلهم رأي آخر في هذه الآية ونحوها, ففي تفسيرها يقول محمد حسين الطباطبائي: "أقول: والروايات في البداء عنهم ﵈ متكاثرة مستفيضة, فلا يعبأ بما نقل عن بعضهم أنه واحد"٢. ثم يوضح ما تدل عليه الآية بزعمه فيقول: "والرواية كما ترى تنفي البداء بمعنى علمه تعالى ثانيا بما كان جاهلا به أولا، بمعنى تغير علمه في ذاته كما ربما يتفق فينا، تعالى عن ذلك، وإنما هو ظهور أمر منه تعالى ثانيا بعدما كان الظاهر منه خلافه أولا، فهو محو الأول وإثبات الثاني والله سبحانه عالم بها جميعا"٢. ويستدل الخوئي بهذه الآية أيضا, على إثبات النوع الثالث من أنواع البداء وعلى وقوعه فيقول: "الثالث: قضاء الله الذي أخبر به نبيه وملائكته بوقوعه في الخارج إلا أنه موقوف على أن لا تتعلق مشيئة الله بخلافه, وهذا القسم هو الذي يقع فيه البداء: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [١٣: ٣٩] , ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ [٢٩: ٤] "٣، وقد دلت على ذلك روايات كثيرة منها هذه: ١- ما في تفسير على بن إبراهيم عن عبد الله بن مسكان عن أبي عبد الله ﵇ قال: "إذا كان ليلة القدر نزلت الملائكة والروح والكتبة إلى سماء الدنيا فيكتبون ما يكون من قضاء الله تعالى في تلك السنة, فإذا أراد الله أن يقدم شيئا أو يؤخره أو ينقص شيئا أمر الملك أن يمحو ما يشاء، ثم أثبت الذي أراده، قلت: وكل شيء هو عند الله مثبت في كتاب؟ قال: نعم، قلت: فأي

стр. 203

شيء يكون بعده؟ قال: سبحان الله، ثم يحدث الله أيضا ما يشاء ﵎"١. واستدل أيضا بما في كتاب الاحتجاج عن أمير المؤمنين ﵇ أنه قال: "لولا آية في كتاب الله لأخبرتكم بما كان وبما يكون وبما هو كائن إلى يوم القيامة, وهي هذه الآية: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ ... ﴾ "١. وقال أيضا: "إن إنكار البداء يشترك بالنتيجة مع القول بأن الله غير قادر على أن يغير ما جرى عليه قلم التقدير, تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا"٢. أما محمد رضا المظفر فعرف البداء في الإنسان بـ"أن يبدو له رأي في الشيء لم يكن له ذلك الرأي سابقا بأن يتبدل عزمه في العمل الذي كان يريد أن يصنعه إذ يحدث عنده ما يغير رأيه وعلمه به، فيبدو له تركه بعد أن كان يريد فعله وذلك عن جهل بالمصالح وندامة على ما سبق منه. والبداء بهذا المعنى يستحيل على الله تعالى؛ لأنه من الجهل والنقص وذلك محال عليه تعالى, ولا تقول به الإمامية"٣. ثم اعترف بعد ذلك قائلا: "غير أنه وردت عن أئمتنا الأطهار ﵈ روايات توهم القول بصحة البداء بالمعنى المتقدم، كما ورد عن الصادق ﵇: "ما بدا لله في شيء كما بدا له في إسماعيل ابني" ولذلك نسب بعض المؤلفين في الفرق الإسلامية إلى الطائفة الإمامية القول بالبداء طعنا في المذهب وطريق آل البيت, وجعلوا ذلك من جملة التشنيعات على الشيعة"٣. وليس لنا إلا أن نقول: إذا كان الأمر كما تزعم فلماذا هذا التطرف والتشدد في الأخذ بهذا المبدأ من جانب الشيعة؟ ولماذا جعلوه أصلا من أصول مذهبهم

стр. 204

حتى قالوا: "ما عبد الله بشيء مثل البداء"١، وقالوا: "ما بعث الله نبيا قط إلا بتحريم الخمر وأن يقر لله بالبداء"٢، وقالوا: "ما عظم الله بمثل البداء"٣، وقالوا: "لو علم الناس ما في القول بالبداء من الأجر ما فتروا عن الكلام فيه"٣؟ ما المقصود من إنزال هذا المعتقد هذه المنزلة؟ لو كان الأمر فيه اعتقاد كاعتقاد أهل السنة ما احتاج ذلك إلى كل هذا التوثيق والتأكيد, وما احتاج إلى أن يجعل أصلا من أصول العقيدة, وما احتاج إلى أن يكون أكبر ما عبد أو عظم الله به، ولكن الأمر أكبر من ذلك. قال سليمان بن جرير: إن أئمة الرافضة وضعوا لشيعتهم مقالتين لا يظهرون معهما من أئمتهم على كذب أبدا وهما: القول بالبداء وإجازة التقية إلى أن قال: "فأما البداء فإن أئمتهم أحلوا أنفسهم من شيعتهم محل الأنبياء من رعيتها في العلم ... فيما كان ويكون والإخبار بما يكون في غد وقالوا لشيعتهم: إنه سيكون في غد كذا كذا فإن جاء ذلك الشيء على ما قالوه قالوا لهم: ألم نعلمكم أن هذا يكون فنحن نعلم من قبل الله ما علمه الأنبياء وبيننا وبين الله مثل تلك الأسباب التي علمت بها الأنبياء عن الله ما علمت، وإن لم يكن ذلك الشيء الذي قالوا: إنه يكون على ما قالوا، قالوا لشيعتهم: بدا لله في ذلك بكونه"٤. ويؤكد هذا ما نسبوه إلى أبي عبد الله وأبي جعفر وعلي بن الحسين والحسين بن علي والحسن بن علي وعلي بن أبي طالب ﵁: "لولا آية في كتاب الله لحدثناكم بما يكون إلى أن تقوم الساعة: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ ... ﴾ "٥. بل إن صاحب الكافي عقد بابا في أن الأئمة يعلمون علم ما كان وما يكون, وأنهم لا يخفى عليهم الشيء٦، وعقد المجلسي بابا في "أنهم أعلم من الأنبياء, ﵈"٧. إذن فلا بد من اللجوء إلى عقيدة البداء بمعناها الباطل, إذ هو المخرج إذا وقع خلاف ما نسب إلى أئمتهم، وإذا ما أنكر "بعضهم" أن الإمامية يقولون بهذا فإنكارهم تقية إذ كتبهم على ما ينكرون شاهدة.

стр. 205

ثالثا: المهدية مر عند ذكر أئمة الشيعة الاثني عشر أنهم على الترتيب: علي بن أبي طالب ثم الحسن ثم الحسين ثم علي بن الحسين "زين العابدين" ثم أبو جعفر محمد بن علي "الباقر" ثم أبو عبد الله جعفر بن محمد "الصادق" ثم موسى بن جعفر "الكاظم" ثم علي بن موسى "الرضا" ثم محمد بن علي "الجواد" ثم علي بن محمد "الهادي" ثم الحسن بن علي "العسكري". أما الإمام الثاني عشر فهو محمد بن الحسن "المهدي" وتعتقد الإمامية أنه ولد للنصف من شعبان سنة ٢٥٥ في سامراء أيام الخليفة المعتمد, وتوفي والده وله من العمر خمس سنين١, ثم اختفى المهدي بعد ذلك واختفاؤه عندهم مر بمرحلتين: الأولى: الغيبة الصغرى، والثانية: الغيبة الكبرى. الغيبة الصغرى: يقول محمد جواد مغنية: "ومعنى الصغرى أن الإمام كان يحتجب عن الناس إلا عن الخاصة وأن اتصاله بشيعته كان عن طريق السفراء, فكان الشيعة يعطون الأسئلة إلى السفير وهو بدوره يوصلها إلى الإمام وبعد الجواب عنها والتوقيع عليها يرجعها إلى السائلين على يد سفيره ومن هنا سميت الغيبة الصغرى، أي: إنها ليست بغيبة كاملة بحيث انقطع فيها عن

стр. 206

جميع الناس وكانت مدتها ٧٤ سنة"١. وهم يعتقدون أن السفراء بين المهدي والناس في غيبته الصغرى أربعة "وكان السفير الأول بين الإمام الغائب وشيعته رجل يدعى عثمان بن عمر العمري الأسدي ... ولما توفي عثمان تولى السفارة بعده ولده محمد بأمر المهدي ثم تولاها بعده الحسين بن روح النوبختي ثم علي بن محمد السمري وبعد هؤلاء السفراء الأربعة انتهت الغيبة الصغرى"٢. الغيبة الكبرى: "وتبتدئ بمنتصف شعبان "٣٢٨هـ" وفيها انقطعت الاتصالات والسفارة بين الإمام وشيعته"٣. وإذا ما سألت عن سبب اختفائه أجابك الطوسي: "لا علة تمنع من ظهور المهدي إلا خوفه على نفسه من القتل؛ لأنه لو كان غير ذلك لما ساغ له الاستتار"٤. وهم يروون أن أبا عبد الله جعفر الصادق قال: "للغلام غيبة قبل قيامة قيل ولم قال يخاف على نفسه الذبح"٥. ولا شك أن هذا تعليل واهٍ, فقد مر التشيع بفترات كان له الدولة وكانت له القوة ولا تزال إلى أيامنا هذه له دولة, وكلهم ينتظر خروجه فلم لم يظهر حتى الآن إن كان ما زعموه سببا. ورتبت الإمامية الاثنا عشرية على غيبة الإمام المهدي أحكاما منها تكفير من أنكر مهديهم, وزعموا أن رسول الله ﷺ قال عن منتظرهم: "من أنكر القائم من ولدي فقد أنكرني"٦، وقال ابن بابوية القمي: "من أنكر

стр. 207

القائم ﵇ في غيبته مثل إبليس في امتناعه من السجود لآدم"١. ومن ذلك أنهم جعلوا انتظاره أصلا من أصول الدين, رووا عن أبي جعفر: "والله لأعطينك ديني ودين آبائي الذي تدين الله به: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ... وانتظار قائمنا"٢. ورتبوا على هذا عدم وجوب صلاة الجمعة؛ لأنها لا تجب إلا مع الإمام ويقولون: "الجمعة والحكومة لإمام المسلمين"٣، ويقول الخميني: "تجب صلاة الجمعة في هذه الأعصار مخيرا بينها وبين صلاة الظهر والجمعة أفضل والظهر أحوط وأحوط من ذلك الجمع بينهما"٤. وما رأيت تخبطا مثل هذا التخبط كيف تجب الجمعة ثم يخير بينها وبين الظهر؟! ثم كيف تكون الجمعة أفضل والظهر أحوط؟! وهل الاحتياط في ترك الأفضل؟! ثم كيف يجمع بينها وبين الظهر؟! فهي إما صحيحة فلا يصلي معها ظهرا أو باطلة فلا يصليها أصلا, ولكنه أراد أن يقول بإسقاطها بدليل إباحته البيع بعد الأذان مخالفا نص القرآن الكريم فيقول: "لا يحرم البيع يوم الجمعة بعد الأذان في أعصارنا مما لا تجب الجمعة فيه تعيينا"٥. أما تعسفهم في تأويل آيات القرآن الكريم لتوافق رأيهم في مهديهم المنتظر فكثير ذلك، بل إن أحدهم وهو صادق الحسيني الشيرازي ألف كتابا في ذلك أسماه: "المهدي في القرآن" ذكر فيه الآيات الكثيرة زعم أنها في المهدي. قال في مقدمته: "وبعد: فهذه عشرات من الآيات القرآنية البينات التي نزلت تفسيرا أو تأويلا أو تنزيلا أو تطبيقا أو تشبيها في ثاني عشر أئمة أهل البيت ولي أمر الله الإمام المهدي المنتظر ﵇ ... وعجل الله فرجه الشريف"٦. ولقوة

стр. 208

هذا المعتقد في نفسه قال: وكان شروعي لجمع هذه الآيات في ليلة ميلاد الإمام المهدي المنتظر سلام الله عليه من عام ١٣٩٦هـ، حيث يمضي على ولادة الإمام "١١٤١هـ" ولنذكر هنا أمثلة مما ذهب يتعسف في تأويلها. في تفسير قوله تعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ, الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ ١. قال: "أقول: يعني أن المتقين هم المؤمنون بالإمام المهدي ﵇ ويعني الغيب هو نفس الإمام المهدي"٢. وفي تفسير قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ ٣، يقول: "هم الشاكون في الإمام المهدي, عجل الله فرجه الشريف"٤. وإن شئت شيئا من المضحكات المبكيات فاستمع إلى تفسيره لقوله تعالى حكاية لقول الوط ﵇: ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ ٥ قال في ذلك: "أقول إذن: "القوة" و"الركن الشديد" في هذه الآية الكريمة تأويلها الإمام المهدي, ﵇ وأصحابه٦. حتى قوله تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ﴾ ٧، لم يسلم من تعسف هذا في التفسير, فقال في ذلك: "أقول: الخنس بمعنى الاختفاء وتفسير الآية وارد في النجوم التي يختفي بعضها في وقت اختفائها, وتأويلها وارد في الإمام المهدي ﵇ لأنه يختفي حيث يأمره الله بالاختفاء, ويظهر -كالشهاب الثاقب- حيث يأمره الله بالظهور"٨. أما في قوله تعالى: ﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا

стр. 209

يَحْذَرُونَ﴾ ١. فقد أورد رواية تقول: "إن فرعون وهامان هنا شخصان من جبابرة قريش, يحييهما الله تعالى عند قيام القائم من آل محمد في آخر الزمان, فينتقم منهما بما أسلفا". وقد علق على هذا قائلا: "أقول إذن: تكون هذه الآية الكريمة محققة في عصر الإمام المهدي ﵇ ومن علامات ذلك العصر وسمات ذاك الزمان"٢. وزعم -ولبئس ما زعم- أن المهدي سيتحقق على يديه ما لم يتحقق على أيدي الأنبياء من قبله، بل عجزوا عنه حيث قال في تفسير قوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ ٣. قال المؤلف: "روى الحافظ القندوزي "الحنفي" ... عن جعفر الصادق ﵁ في قوله تعالى: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ يقول: إذا أقام "القائم المهدي" لا يبقى أرض إلا نودي فيها شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله "أقول" يعني أن هذه الآية الكريمة إشارة إلى عهد "المهدي" المنتظر ﵇ إذ في زمانه الكلمة كلها لله على وجه الأرض كلها؛ لأن كل من في الأرض يسلم ويخضع لله تعالى ولم يتم هذا حتى اليوم لا في عهد الأنبياء السابقين ﵈ ولا في عهد رسول الله ﷺ ولا في عهود بعده أن يكون كل من على وجه الأرض مسلما لله خاضعا لدين الله ﴿طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ ٤. ولم ينفرد بهذا الزعم الباطل, فقد ذهب إليه الخميني في كلمة وجهها في ١٥ شعبان "١٤٠٠هـ" من إذاعته في طهران٥, وقد استنكرت بعض الصحف الإسلامية ذلك وأصدرت رابطة العالم الإسلامي بيانا بهذا الصدد٦.

стр. 210

وذهب إلى هذا الباطل أيضا محمد الصادقي في تفسيره حيث قال في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ ١ قال: "فلا يبقى دين إلا دين الإسلام، وكما وعدناه في دولة القائم المهدي محمد بن الحسن العسكري ﵇ الذي به يملأ الله الأرض قسطا وعدلا بعد ما ملئت ظلما وجورا". إن جذور ومؤهلات هذه الغاية متواجدة في شريعة الإسلام مهما لم تتحقق زمن الرسول ﵌ وخلفائه حتى الآن ظهورا على الأديان, ولكنها سوف تتحقق في الدولة المحمدية الأخيرة التي يبتدئ بها مؤسسا لها حفيده المهدي المنتظر, عليه السلام٢، ويقول: "إن الديانات الأخرى، من حق وباطل ليست لها مؤهلات الغلبة الشاملة وتأسيس دولة موحدة عالية لا في ذواتها، ولا في زعاماتها، ولكنما الإسلام يملك هذه الأهلية فيها معا فدستوره العالمي هو قرآنه الكامل، الحافل لكافة متطلبات الحياة وقيادته العالمية هي الظاهرة في رسوله وأوصيائه والباهرة أخيرا "!! " في القائم المهدي, ﵇"٣. ومن عجائب تفسيرهم, تفسير محمد الصادقي لقوله تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ ٤، حيث يقول: فما هو الفجر هنا؟ إنه هو كل فجر من كل ليلة، وفجر شمس الرسالة المحمدية وفجر قيام المهدي ﵇ من ولده، وفجر العقول عن ظلمات الأهواء, وفجر العيون والأنهار٥. ثم نقل رواية عن الصادق "ع" قال: ﴿وَالْفَجْرِ﴾ هو القائم, والليالي العشر الأئمة من الحسن إلى الحسن ﴿وَالشَّفْعِ﴾ أمير المؤمنين وفاطمة، ﴿وَالْوَتْرِ﴾ هو الله وحده لا شريك له

стр. 211

﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾ هي دولة حبتر١, فهي تسري إلى دولة القائم٢. ويعلق الصادقي على هذا التفسير قائلا: "أقول: وهذا تأويل لطيف "!! " لا ينافي تفسيره بغيره, فالليالي العشر هم الأئمة العشرة اعتبارا بما ظلموا وأظلمت عليهم حياتهم ولكن عليا "ع" مهما ظلم, فقد حكم ردحا من الزمن ثم القائم المهدي هو فجر الإسلام حيث يحيا ويتسع في زمنه"٣. رابعا: الرجعة وترتبط بالعقيدة السابقة. ويريدون بالرجعة "أن الله تعالى يعيد قوما من الأموات إلى الدنيا في صورهم التي كانوا عليها, فيعز فريقا ويذل فريقا آخر, ويديل المحقين من المبطلين والمظلومين منهم من الظالمين"٤. أما زمن ذلك فقالوا: "وذلك عند قيام مهدي آل محمد, عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام"٤.

стр. 212

أما من يرجع فقالوا: "ولا يرجع إلا من علت درجته في الإيمان أو من بلغ الغاية من الفساد ثم يصيرون بعد ذلك إلى الموت, ومن بعده إلى النشور وما يستحقونه من الثواب أو العقاب"١. أما موقفهم من تلك العقيدة فقالوا: "والإمامية بأجمعها عليه, إلا قليلين"١, ونذكر من تأويلهم للآيات في ذلك. تفسير سلطان بن حيدر لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ٢, قال: "وهذه الآية تدل على جواز الرجعة كما وردت الأخبار بها وصارت كالضروري في هذه الأمة, وقد احتج أمير المؤمنين ﵇ بها على ابن الكوافي إنكاره الرجعة"٣. وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾ قال محمد حسين الطباطبائي: وظاهر الآية أن هذا الحشر في غير يوم القيامة؛ لأنه حشر للبعض من كل أمة لا لجميعهم، وقد قال الله تعالى في صفة الحشر يوم القيامة: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٧] ٤، ثم قال: "فقد بان أن الآية ظاهرة في كون هذا الحشر المذكور فيها قبل يوم القيامة وإن لم تكن نصا لا يقبل التأويل٤, ثم ذكر رواية عن حماد عن أبي عبد الله ﵇ قال: ما يقول الناس في هذه الآية: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾ ؟ قلت: يقولون: إنه في القيامة قال ليس كما يقولون، إنها في الرجعة أيحشر الله في القيامة من كل أمة فوجا ويدع الباقين؟ إنما آية القيامة: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ ٥. ثم علق قائلا: "أقول: وأخبار الرجعة من فرق الشيعة كثيرة جدا"٥.

стр. 213

وفي تفسير قوله تعالى: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ١ قال محمد الصادقي في تفسيره: "علمان متتابعان يفوق بعضهما البعض بعد الجهل المتمادي -العامد- يوم الدنيا: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ : عند سكرات الموت وهو بداية العلم، وفي الكرة٢: يوم قيامة القائم "ع" بعد "الموت" ﴿ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ في المحشر"٣، وقال أيضا: "أقول: الكرة هنا هي الرجعة في دولة الإمام المهدي "ع" وليست للكل وقد يقال بما أن المخاطبين هنا هم الكفرة الذين محضوا الكفر محضا, فهم كلهم حسب الروايات يرجعون ثم أقول: لا مانع من كون المرة الأولى للعلم شاملة للكرة ولسكرات الموت وما بعد الموت، وبذلك يجمع بين الروايات. إلا أن العلم بعد الكرة -إذن- تحصيل للحاصل قبل الكرة بعد الموت, إذن فما العلم هنا إلا عند الموت وبعده"٤. خامسا: التقية ويريدون بها كما يقول أحد علمائهم المعاصرين: "أن تقول أو تفعل غير ما تعتقد لتدفع الضرر عن نفسك أو مالك أو لتحتفظ بكرامتك"٥. وأدلتهم كما يقول: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [الآية ٢٨ من سورة آل عمران] فالآية صريحة في النهي عن اتخاذ الكافرين أولياء إلا في حال الخوف واتقاء الضرر والأذى, واستدلوا بالآية "١٠٦" من سورة النحل: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ ، واستدلوا أيضا بالآية "٢٨" من سورة غافر: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾ فكتم الإيمان وإظهار خلافه ليس نفاقا ورياء كما زعم من نعت التقية بالنفاق والرياء

стр. 214

وبالآية "١٩٥" من سورة البقرة: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ ١. أما منزلة التقية عندهم فبينها أحد معاصريهم فقال: "روي عن صادق آل البيت ﵇ في الأثر الصحيح: "التقية ديني ودين آبائي" و"من لا تقية له لا دين له"، وكذلك هي لقد كانت شعارا لآل البيت ﵈ دفعا للضرر عنهم وعن أتباعهم, وحقنا لدمائهم واستصلاحا لحال المسلمين وجمعا لكلمتهم، ولمًّا لشعثهم"٢. وفي التفسير لقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ ٣، قال الطباطبائي: "وفي الآية دلالة ظاهرة على الرخصة في التقية على ما روي عن أئمة أهل البيت ﵈ ... وبالجملة الكتاب والسنة متطابقان في جوازها في الجملة والاعتبار العقلي يؤكده"٤, يقول: "أقول: والأخبار في مشروعية التقية من طرق أئمة أهل البيت كثيرة جدا, ربما بلغت حد التواتر"٥. ونقل في تفسيره ما ورد في الصافي عن كتاب "الاحتجاج عن أمير المؤمنين ﵇ في حديث: "وآمرك أن تستعمل التقية في دينك فإن الله يقول "!! " وإياك ثم إياك أن تتعرض للهلاك وأن تترك التقية التي أمرتك بها, فإنك شائط بدمك ودماء إخوانك ... ""٦. وللتقية عندهم حدود يبين بعضها الخميني فيقول في رواية سابقة عن الإمام الصادق "ع": ترون أن الإمام بالرغم من ظروف التقية المحطية به وفقدانه للسلطة يبين للمسلمين أو يعين لهم الحاكم والقاضي ويأمرهم بالرجوع والتحاكم إليه"٧.

стр. 215

ويقول: "فرض الأئمة ﵈ على الفقهاء فرائض مهمة جدا وألزموهم أداء الأمانة وحفظها, فلا ينبغي التمسك بالتقية في كل صغيرة وكبيرة, فقد شرعت التقية للحفاظ على النفس أو الغير من الضرر في مجال فروع الأحكام, أما إذا كان الإسلام كله في خطر فليس في ذلك متسع للتقية والسكوت"١. وللتقية فيهم آثار خطيرة على الإسلام والمسلمين, ولولا أن المقام هنا مقام عرض للتفسير وإثبات لعقائدهم فيه مجرد إثبات, لولا ذلك لذكرنا من آثار تلك العقيدة الكثير الكثير مما يحز في نفس المسلم ولا يخطر له ببال أن يصدر هذا عن فرقة أي فرقة, تعلن انتماءها للإسلام. سادسا: في القرآن الكريم أ- للقرآن ظهر وبطن: ويريدون بذلك كما اسلفنا "أن للقرآن مراتب من المعاني المرادة بحسب مراتب أهله ومقاماتهم, وأن الظهر والبطن أمران نسبيان, فكل ظهر بطن بالنسبة إلى ظهره وبالعكس"١. ويوضح الطباطبائي هذا فيقول: "يقول الله تعالى في كلامه المجيد: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ ٢ ظاهر هذه الآية الكريمة أنها تنهى عن عبادة الأصنام كما جاء في قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ ٣، ولكن بعد التأمل والتحليل يظهر أن العلة في المنع من عبادة الأصنام أنها خضوع لغير الله تعالى وهذا لا يختص بعبادة الأصنام، بل عبر عز شأنه عن إطاعة الشيطان أيضا بالعبادة، حيث قال: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا
следующие страницы →