← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 8679

اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر

فهد الرومي

Полный текст (1 278 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾ هي دولة حبتر١, فهي تسري إلى دولة القائم٢. ويعلق الصادقي على هذا التفسير قائلا: "أقول: وهذا تأويل لطيف "!! " لا ينافي تفسيره بغيره, فالليالي العشر هم الأئمة العشرة اعتبارا بما ظلموا وأظلمت عليهم حياتهم ولكن عليا "ع" مهما ظلم, فقد حكم ردحا من الزمن ثم القائم المهدي هو فجر الإسلام حيث يحيا ويتسع في زمنه"٣. رابعا: الرجعة وترتبط بالعقيدة السابقة. ويريدون بالرجعة "أن الله تعالى يعيد قوما من الأموات إلى الدنيا في صورهم التي كانوا عليها, فيعز فريقا ويذل فريقا آخر, ويديل المحقين من المبطلين والمظلومين منهم من الظالمين"٤. أما زمن ذلك فقالوا: "وذلك عند قيام مهدي آل محمد, عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام"٤.

стр. 212

أما من يرجع فقالوا: "ولا يرجع إلا من علت درجته في الإيمان أو من بلغ الغاية من الفساد ثم يصيرون بعد ذلك إلى الموت, ومن بعده إلى النشور وما يستحقونه من الثواب أو العقاب"١. أما موقفهم من تلك العقيدة فقالوا: "والإمامية بأجمعها عليه, إلا قليلين"١, ونذكر من تأويلهم للآيات في ذلك. تفسير سلطان بن حيدر لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ٢, قال: "وهذه الآية تدل على جواز الرجعة كما وردت الأخبار بها وصارت كالضروري في هذه الأمة, وقد احتج أمير المؤمنين ﵇ بها على ابن الكوافي إنكاره الرجعة"٣. وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾ قال محمد حسين الطباطبائي: وظاهر الآية أن هذا الحشر في غير يوم القيامة؛ لأنه حشر للبعض من كل أمة لا لجميعهم، وقد قال الله تعالى في صفة الحشر يوم القيامة: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٧] ٤، ثم قال: "فقد بان أن الآية ظاهرة في كون هذا الحشر المذكور فيها قبل يوم القيامة وإن لم تكن نصا لا يقبل التأويل٤, ثم ذكر رواية عن حماد عن أبي عبد الله ﵇ قال: ما يقول الناس في هذه الآية: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾ ؟ قلت: يقولون: إنه في القيامة قال ليس كما يقولون، إنها في الرجعة أيحشر الله في القيامة من كل أمة فوجا ويدع الباقين؟ إنما آية القيامة: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ ٥. ثم علق قائلا: "أقول: وأخبار الرجعة من فرق الشيعة كثيرة جدا"٥.

стр. 213

وفي تفسير قوله تعالى: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ١ قال محمد الصادقي في تفسيره: "علمان متتابعان يفوق بعضهما البعض بعد الجهل المتمادي -العامد- يوم الدنيا: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ : عند سكرات الموت وهو بداية العلم، وفي الكرة٢: يوم قيامة القائم "ع" بعد "الموت" ﴿ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ في المحشر"٣، وقال أيضا: "أقول: الكرة هنا هي الرجعة في دولة الإمام المهدي "ع" وليست للكل وقد يقال بما أن المخاطبين هنا هم الكفرة الذين محضوا الكفر محضا, فهم كلهم حسب الروايات يرجعون ثم أقول: لا مانع من كون المرة الأولى للعلم شاملة للكرة ولسكرات الموت وما بعد الموت، وبذلك يجمع بين الروايات. إلا أن العلم بعد الكرة -إذن- تحصيل للحاصل قبل الكرة بعد الموت, إذن فما العلم هنا إلا عند الموت وبعده"٤. خامسا: التقية ويريدون بها كما يقول أحد علمائهم المعاصرين: "أن تقول أو تفعل غير ما تعتقد لتدفع الضرر عن نفسك أو مالك أو لتحتفظ بكرامتك"٥. وأدلتهم كما يقول: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [الآية ٢٨ من سورة آل عمران] فالآية صريحة في النهي عن اتخاذ الكافرين أولياء إلا في حال الخوف واتقاء الضرر والأذى, واستدلوا بالآية "١٠٦" من سورة النحل: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ ، واستدلوا أيضا بالآية "٢٨" من سورة غافر: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾ فكتم الإيمان وإظهار خلافه ليس نفاقا ورياء كما زعم من نعت التقية بالنفاق والرياء

стр. 214

وبالآية "١٩٥" من سورة البقرة: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ ١. أما منزلة التقية عندهم فبينها أحد معاصريهم فقال: "روي عن صادق آل البيت ﵇ في الأثر الصحيح: "التقية ديني ودين آبائي" و"من لا تقية له لا دين له"، وكذلك هي لقد كانت شعارا لآل البيت ﵈ دفعا للضرر عنهم وعن أتباعهم, وحقنا لدمائهم واستصلاحا لحال المسلمين وجمعا لكلمتهم، ولمًّا لشعثهم"٢. وفي التفسير لقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ ٣، قال الطباطبائي: "وفي الآية دلالة ظاهرة على الرخصة في التقية على ما روي عن أئمة أهل البيت ﵈ ... وبالجملة الكتاب والسنة متطابقان في جوازها في الجملة والاعتبار العقلي يؤكده"٤, يقول: "أقول: والأخبار في مشروعية التقية من طرق أئمة أهل البيت كثيرة جدا, ربما بلغت حد التواتر"٥. ونقل في تفسيره ما ورد في الصافي عن كتاب "الاحتجاج عن أمير المؤمنين ﵇ في حديث: "وآمرك أن تستعمل التقية في دينك فإن الله يقول "!! " وإياك ثم إياك أن تتعرض للهلاك وأن تترك التقية التي أمرتك بها, فإنك شائط بدمك ودماء إخوانك ... ""٦. وللتقية عندهم حدود يبين بعضها الخميني فيقول في رواية سابقة عن الإمام الصادق "ع": ترون أن الإمام بالرغم من ظروف التقية المحطية به وفقدانه للسلطة يبين للمسلمين أو يعين لهم الحاكم والقاضي ويأمرهم بالرجوع والتحاكم إليه"٧.

стр. 215

ويقول: "فرض الأئمة ﵈ على الفقهاء فرائض مهمة جدا وألزموهم أداء الأمانة وحفظها, فلا ينبغي التمسك بالتقية في كل صغيرة وكبيرة, فقد شرعت التقية للحفاظ على النفس أو الغير من الضرر في مجال فروع الأحكام, أما إذا كان الإسلام كله في خطر فليس في ذلك متسع للتقية والسكوت"١. وللتقية فيهم آثار خطيرة على الإسلام والمسلمين, ولولا أن المقام هنا مقام عرض للتفسير وإثبات لعقائدهم فيه مجرد إثبات, لولا ذلك لذكرنا من آثار تلك العقيدة الكثير الكثير مما يحز في نفس المسلم ولا يخطر له ببال أن يصدر هذا عن فرقة أي فرقة, تعلن انتماءها للإسلام. سادسا: في القرآن الكريم أ- للقرآن ظهر وبطن: ويريدون بذلك كما اسلفنا "أن للقرآن مراتب من المعاني المرادة بحسب مراتب أهله ومقاماتهم, وأن الظهر والبطن أمران نسبيان, فكل ظهر بطن بالنسبة إلى ظهره وبالعكس"١. ويوضح الطباطبائي هذا فيقول: "يقول الله تعالى في كلامه المجيد: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ ٢ ظاهر هذه الآية الكريمة أنها تنهى عن عبادة الأصنام كما جاء في قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ ٣، ولكن بعد التأمل والتحليل يظهر أن العلة في المنع من عبادة الأصنام أنها خضوع لغير الله تعالى وهذا لا يختص بعبادة الأصنام، بل عبر عز شأنه عن إطاعة الشيطان أيضا بالعبادة، حيث قال: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا

стр. 216

الشَّيْطَانَ﴾ ١ إلى أن قال الطباطبائي: "نرى بالنظرة البدائية في قوله: ﴿وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ أنه تعالى ينهى عن عبادة الأصنام وعندما نتوسع بعض التوسع نرى النهي عن عبادة غير الله من دون إذنه, ولو توسعنا أكثر من هذا لنرى النهي عن عبادة الإنسان نفسه باتباع شهواتها. أما لو ذهبنا إلى توسع أكثر فنرى النهي عن الغفلة عن الله والتوجه إلى غيره. إن هذا التدرج -ونعني به ظهور معنى بدائي من الآية ثم ظهور معنى أوسع وهكذا- جارٍ في كل من الآيات الكريمة بلا استثناء"٢. "هذا الذي ذكره الطباطبائي هنا مثالا للتفسير الباطن تجده يستند إلى آيات أخرى في بيان الآية الأولى, إضافة إلى هذا فإن هذا التفسير تربطه بالآية روابط قوية من حيث المعنى في الآيات جميعا ومن حيث العموم والخصوص. ولكن: هل قول الشيعة بأن للقرآن ظهرا وبطنا على هذا النحو؟ الحق أن الكثير والكثير من تفسير الشيعة من التفسير الباطني، وأن أغلبه من النوع الذي لا تربطه بالآية رابطة وكأن القرآن طلسم من الطلاسم أو ضرب من المعميات والألغاز. ويكفي أن نذكر هنا مثالا أو مثالين لولا خشيتنا أن يقال: هذان قولان شاذان لا عبرة بهما؛ لذا فسأستطرد بعض الاستطراد في الأمثلة حتى يزيد المؤمن إيمانا, ويزول شك من في قلبه كبير شك قبل هذا. في تفسير قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٣، يورد الطباطبائي في ميزانه عن ابن شهر آشوب عن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه وزيد بن علي بن الحسين، ﵇: ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ، يعني: ولاية علي بن أبي طالب،

стр. 217

ويعلق على هذا قائلا: "أقول: إن كانت الرواية موقوفة فهي من الجري أو من الباطن من معنى القرآن، وفي معناها روايات أخر"١. وفي قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ ٢، يقول في الفقيه وتفسير العياشي عن الصادق ﵇ قال: "الصراط المستقيم أمير المؤمنين ﵇"٣. وهذا عبد الحسين شرف الدين الموسوي يقول في مراجعاته عن أئمتهم: "أليسوا حبل الله الذي قال: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ الصادقين الذين قال: ﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ وصراط الله الذي قال: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ وسبيله الذي قال: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ ... إلى أن قال: "وأشار في السبع المثاني والقرآن العظيم إليهم، فقال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ, صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ألم يجعل المغفرة لمن تاب وآمن وعمل صالحا مشروطة بالاهتداء إلى ولايتهم، إذ يقول: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ ، ألم تكن ولايتهم من الأمانة التي قال الله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ ، ألم تكن من السلم الذي أمر الله بالدخول فيه فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ ، أليست هي النعيم الذي قال تعالى: ﴿لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ ؟ ٤. بقي أن أقول: إن هذه السفسطة لم ترد في مؤلف مستور، بل في أحد مؤلفاتهم الحديثة المنشورة والموجهة لأهل السنة لإقناعهم بمذهب الشيعة؟!! فعلى أي أساس ذهب إلى هذه الأقوال؟ وأية رابطة بين الآية وما فسرها به؟

стр. 218

وهذا الدكتور محمد الصادقي يفسر قوله تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ، بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ﴾ ١، بقوله: "أقول: فقد اتصل بحر النبوة بفاطمة الصديقة بنت النبي ﷺ ببحر الإمامة علي "ع", بحران ملتئمان متلاقيان، بينهما برزخ الرسالة القدسية المحمدية، إذ اتصل بحر الإمامة والنبوة روحانيا مسبقا، أن تربى علي في حجر النبي وفي جو الوحي والتنزيل، ثم اكتمل الاتصال الروحاني بوصلة جسمانية في زواج علي بفاطمة والنبي هو البرزخ بين البحرين إذ جمع الولاية والنبوة، وعلي له الولاية دون النبوة والوحي، وفاطمة هي بضع النبوة، دون الرسالة والإمامة والخارج منهما اللؤلؤ والمرجان: الحسنان هما مجمع الولاية روحانيا والنبوة نسبيا"٢. وقال الطباطبائي: "وفي الدر المنثور أخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾ قال: علي وفاطمة, ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ﴾ ، قال النبي ﷺ : " ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ ، قال: الحسن والحسين". "أقول" ورواه أيضا عن ابن مردويه عن أنس بن مالك مثله، ورواه في مجمع البيان عن سلمان الفارسي وسعيد بن جبير وسفيان الثوري. وهو من البطن"٣. وقال بهذا أيضا من المعاصرين محمد حسين الكاشف الغطاء حيث قال في تفسيرها: "علي بحر نور الإمامة, وفاطمة بحر نور النبوة والكرامة"٤. وقال محمد الصادقي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ ٥: "ما يتوجه به إلى الله: ذوات قدسية ربانية، منهم باقون؛ لأنهم منه "!! " وهم عند الله: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ ٦، فهو هنا انصرف عن المعنى المتبادر الظاهر

стр. 219

"لوجه" إلى معنى التوجه, ويستدل لذلك بما ورد في تفسير القمي عن علي بن الحسين "ع": نحن الوجه الذي يؤتى الله منه"١. ويزيد الطباطبائي فيقول في تفسيره: "وفي مناقب ابن شهر آشوب"، قوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ قال الصادق ﵇: نحن وجه الله٢. ب- أسلوب الجري في القرآن: وهو نوع من أنواع التفسير الباطني للقرآن إلا أنه مخصوص بتطبيق الآيات القرآنية على أئمتهم أو على أعدائهم كما قال الطباطبائي في تفسيره: "واعلم أن الجري -وكثيرا ما نستعمله في هذا الكتاب- اصطلاح مأخوذ من قول أئمة أهل البيت ﵈"، وقال: "والروايات في تطبيق الآيات القرآنية عليهم ﵈ وعلى أعدائهم، أعني روايات الجري كثيرة في الأبواب المختلفة"٣. وهو كما قال في كثير من تفاسيرهم وما ورد من رواياتهم, ومن العجيب أنهم يحرصون على إيراده والقول به في تفسير الآية ولكنهم لا يعدونه تفسيرا، بل ينصون على أنه من الجري وسنذكر هنا أمثله لذلك. في تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ ٤، يقول محمد حسين الطباطبائي: "وفي المعاني عن الصادق ﵇ في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ ، قال: من آمن بقيام القائم ﵇ أنه حق أقول وهذا المعنى مروي في غير هذه الرواية, وهو من الجري"٥. وفي موضع آخر يضرب مثالا للأخبار الواردة في جري القرآن وانطباقه فيقول: "كما ورد في قوله: "وسيعلم الذين ظلموا آل محمد حقهم"، وما ورد من

стр. 220

قوله: "ومن يطع الله ورسوله في ولاية علي والأئمة من بعده فقد فاز فوزا عظيما"، وهي كثيرة جدا"١. ويعلق على ما ورد في تفسير العياشي عن المفضل قال: سألت الصادق ﵇ عن قوله: ﴿أَجْعَلْ بَيْنَكمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا﴾ ، قال: التقية.. إلخ، فيقول: "أقول: الروايتان من الجري وليستا بتفسير"٢. وفي تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ ٣، يقول: "أقول: وفي العيون عن الرضا ﵇, تطبيق الآية على منكري الولاية وهو من الجري"٢. وعلى ما في تفسير القمي في قوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ، وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ ، قال: "الحسنة والله ولاية أمير المؤمنين ﵇, والسيئة والله عداوته". علق الطباطبائي على هذا بقوله: "أقول: وهو من الجري وليس بتفسير"٤. أما المدعو صادق الحسيني الشيرازي فيقول في تفسير قوله تعالى: ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [هود: ٨٦] : أخرج العالم "الشافعي" السيد المؤمن الشبلنجي في "نور الأبصار" قال عن أبي جعفر، ﵁, قال في حديث طويل ذكره وفيه: "فإذا خرج "يعني المهدي" أسند ظهره إلى الكعبة واجتمع إليه ٣١٣ رجلا من أتباعه, فأول ما ينطق به هذه الآية: ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ، ثم يقول: أنا بقية الله وخليفته وحجته عليكم". "أقول": ولا ينافي هذا التأويل نزول الآية فعلا عن النبي شعيب ﵇؛ لأن التنزيل والتأويل شيئان والقرآن له ظاهر وله باطن فلا ينافي قصد أحدهما كون المراد في الآية الآخر أيضا"٥.

стр. 221

وفي تفسير قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ ... ﴾ الآية١، قال الشيرازي: "لا منافاة بين ورود تأويل هذه الآية تارة من الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب "عليهما "كذا" السلام" وتارة في أصحاب الإمام المهدي المنتظر "﵇" وذلك لأن عليا القائم مع أصحابه, كلاهما مصدقان لهذه الآية.. وكم لمثل ذلك من نظائر في القرآن, فالقرآن ظاهر وباطن وتنزيل وتأويل وتفسير ومعنى"٢. وهذا الدكتور محمد الصادقي يقول في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ ٣: "والوتر بين الأوصياء الأوفياء هو علي ﵇ والشفع الحسنان ﵉"، ويقول: "أقول: وقد وردت روايات أخرى في تأويل الشفع والوتر كلها من باب التطبيق، تشملها الآية الكريمة"٤. أما الليالي العشر عنده, فيورد ما جاء في البرهان عن الصادق "ع" قال: والفجر هو القائم والليالي العشر الأئمة من الحسن إلى الحسن والشفع أمير المؤمنين وفاطمة والوتر هو الله وحده لا شريك له، والليل إذا يسر هي دولة حبتر فهي تسري إلى دولة القائم، ثم يقول: "أقول: وهذا تأويل لطيف لا ينافي تفسيره بغيره, فالليالي العشر هم الأئمة العشرة اعتبارا بما ظلموا وأظلمت عليهم حياتهم"٥. وفي قوله تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾ ، وقوله سبحانه: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ يقول: "ومن باب الجري والتأويل قد يشمل البحران واللؤلؤ والمرجان بحري النبوة والإمامة, بحري عذب فرات لا ملح ولا أجاج"٦.

стр. 222

وأخيرا ففي تفسير قوله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ١، يقول: "قد وردت أحاديث أن الأئمة من آل محمد هم النور, وهذا من التأويل والجري ... "٢. والأمثلة هنا كثيرة جدا وربما تبلغ المئين, كما قال محمد حسين الطباطبائي في تفسيره٣. ولا شك أن هذا من الإلحاد في آيات الله سبحانه ولا يخفى حكم الله على الملحدين في آياته: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمَّنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ٤. قال القاسمي: شملت الآية من يضع الكلام في الآيات على غير مواضعه كما فسرها ابن عباس، قال في الإكليل: ففيها الرد على من تعاطى تفسير القرآن بما لا يدل عليه جوهر اللفظ كما يفعله الباطنية والاتحادية والملاحدة وغلاة المتصوفة٥. ولأن القرآن الكريم إنما أنزل لهداية الناس وفيما سلكوه إلغاء لهذه الهداية وإبطال لها، ولكن والحمد لله لن تبلغه أنفاسهم. أما الغزالي ﵀ فقد عد هذا من الطامات، حيث قال: "وأما الطامات فيدخلها ما ذكرناه في الشطح, وأمر آخر يخصها وهو صرف ألفاظ الشرع عن ظواهرها المفهومة إلى أمور باطنة لا يسبق منها إلى الإفهام فائدة, كدأب الباطنية في التأويلات فهذا أيضا حرام وضرره عظيم, فإن الألفاظ إذا صرفت عن مقتضى ظواهرها بغير اعتصام فيه بنقل عن صاحب الشرع, ومن غير ضرورة تدعو إليه من دليل العقل, اقتضى ذلك بطلان الثقة بالألفاظ وسقط به منفعة كلام الله تعالى كلام رسوله صلى

стр. 223

الله عليه وسلم, فإن ما يسبق منه إلى الفهم لا يوثق به والباطن لا ضبط له, بل تتعارض فيه الخواطر ويمكن تنزيله على وجوه شتى, وهذا أيضا من البدع الشائعة العظيمة الضرر"١. ومن العجيب أنهم لما شعروا أن باب التأويل الباطني باب واسع يستطيع كل من دخل منه أن يصل إلى كل ما يدور بخلده ويجيش بخاطره٢، وأن يدخل على القرآن ما ليس منه وخشية من أن ينافسهم في هذا الباب منافس, قصروا هذا الحق على أنفسهم، بل على أئمتهم فبوبوا الأبواب على: "أنه لا يعرف تفسير القرآن إلا الأئمة"٣, وقالوا: "إن جميع التفاسير الواردة عن غير أهل البيت لا قيمة لها, ولا يعتد بها"٤. وقد أدى بهم هذا إلى التخبط حتى فيما نسب من التفسير إلي إمام واحد!! أورد الطباطبائي في تفسيره كما رواه العياشي في تفسيره عن جابر قال: سألت أبا جعفر ﵇ عن شيء من تفسير القرآن فأجابني، ثم سألته ثانية فأجابني بجواب آخر، فقلت: جعلت فداك كنت أجبت في المسألة بجواب غير هذا قبل اليوم، فقال: يا جابر إن للقرآن بطنا وللبطن بطن، وظهرا وللظهر ظهر، يا جابر وليس شيء أبعد من عقول الرجال من تفسير القرآن, إن الآية تكون أولها في شيء وأوسطها في شيء وآخرها في شيء, وهو كلام متصل ينصرف على وجوه"٥. أليس هذا تخبطا وأليس من الطامات كما قال الغزالي، ﵀؟! ج- التفسير العقلي: قلنا: إن الشيعة تأثروا تأثرا بينا بالمعتزلة في هذا المنحى ويرجع هذا التأثر

стр. 224

إلى أن عددا كبيرا من سلف الشيعة تتلمذ لبعض شيوخ المعتزلة, كما يظهر لنا جليا أن هذا الارتباط في التفكير شيء قديم غير جديد١. يقول محمد جواد مغنية في تفسير قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ ٢ الآية: "والمراد بالحكمة والموعظة الحسنة الاعتماد على العقل فيما يستقل بإدراكه كالألوهية التي يتوصل الإنسان إلى معرفتها بالإمعان والتأمل في خلقه وفي خلق السموات والأرض، وكنبوة محمد ﷺ التي يعرفها الباحثون من سيرته وطبيعة رسالته. أما منهج الإسلام في معرفة ما لا يستقل العقل بإدراكه من أصول العقيدة كبعض المغيبات فهو الاعتماد على وحي من الله إلى نبيه الذي ثبت بدليل العقل نبوته وصدقه فيما أخبر به عن الله جل وعز، أما المنهج لإثبات الشريعة فهو الكتاب والسنة والعقل ... "٣. ومن المعلوم أن الشيعة لا توافق المعتزلة في كل ما ذهبت إليه من آراء وإلا لاتحدت الفرقتان وشق التمييز بينهما, ولكن الوشائج -لما ذكرنا- قوية ووجوه الشبه بارزة في الآراء الكلامية. فذلكم محمد جواد مغنية يقول في تفسير قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا﴾ ٤، وتسأل: ظاهر الآية يدل على أن الله سبحانه هو الذي جعل أكابر المجرمين يجرمون ويمكرون بأهل الحق مع العلم بأنه تعالى ينهى عن المكر والإجرام، ويعاقب عليهما، فما هو التأويل؟ الجواب أن القصد من هذه النسبة إليه -جل ثناؤه- هو الإشارة إلى أن مشيئة الله قضت بأن تقوم السنن الاجتماعية على أساس التناقض بين المحقين والمبطلين، بين أرباب السلطان المعتدين وبين الناس المعتدى عليهم، ولا مفر من هذا التناقض

стр. 225

والصراع إلا بالقضاء على المجرمين ولا بد أن يتم ذلك وتعلو كلمة الحق على أيدي دعاة العدل والصلاح, مهما تضخم الباطل واستطال١. ويظهر رأيه أكثر وضوحا عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ﴾ الآية٢، حيث يقول: "قال الرازي: تمسك أصحابنا -يريد السنة الأشاعرة- بهذه الآية في بيان أن الضلال والهداية من الله تعالى"، أما أصحابنا فيقولون: لو كان الضلال والهداية من الله لسقط التكليف وبطل الحساب والجزاء؛ لأنه تعالى أعدل من أن يفعل الشيء ويحاسب غيره عليه, كيف وهو القائل: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ؟ أما الآية التي نحن في صدد تفسيرها فلا تدل على دعوى الرازي وأصحابه؛ لأنها لم ترد لبيان مصدر الضلالة والهداية وأنه من الله أو من غيره, وإنما وردت لبيان أن الناس فريقان: الفريق الأول: تتسع صدورهم للحق ويتفاعلون معه ويطمئنون إليه. الفريق الثاني: لا تتسع صدورهم للحق لجهلهم وضيق أفقهم ... ٣. ولنسلم جدلا بما يقول في دلالة الآية ولننتقل معه إلى تفسيره لقوله تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَالْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ ٤، ولنقرأ تفسيره حيث يقول: "ليس المراد أن من يخلق الله فيه الهداية فهو المهتدي ومن يخلق فيه الضلال فهو الضال. كلا، إن هذا تأباه الفطرة والبديهة ... لأن الله ليس بظلام للعبيد.."، إلى أن قال: "والذي نراه أن المعنى المقصود من الآية أن المهتدي حقا هو من كان عند الله مهتديا "!! " ولو كان عند الناس ضالا, وليس من شك أن الإنسان لا يكون من المهتدين في الميزان الإلهي إلا إذا آمن وعمل صالحا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾ [يونس: ٩] ، ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ

стр. 226

الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩] . وكذلك الضال فإنه من كان ضالا في حساب الله لا في حساب الناس, وبكلمة إن الآية تحدد معنى كل من المهتدي والضال بأنه من كان كذلك عند الله تماما كما قال الإمام علي "ع": "الغنى والفقر بعد العرض على الله"١. وكذا في تفسير قوله تعالى: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ ٢, يقول: "ليس المراد بمن أضل الله ويضلل الله خلق الإضلال فيهم, كلا، وإنما المراد أن من حاد عن طريق الحق والهداية بإرادته، وسلك طريق الباطل والضلال باختياره, فإن الله يعرض عنه ويدعه وشأنه"!! ""٣. د- رؤية الله: وكذا في الرؤية نجد مفسري الشيعة ينكرون جوازها ووقوعها, ونورد هنا آراء ثلاثة من مفسريهم في القرن الرابع عشر. فهذا محمد بن حيدر يقول في تفسيره لقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ٤: "وجوه يومئذ ناضرة جواب سؤال مقدر عن حال الآخرة, إلى ربها ناظرة، أي: إلى ربها المضاف لظهور الولاية وصاحبها في ذلك اليوم أو إلى ربها المطلق لظهور آثاره، أي: إلى آثاره ناظرة أو منتظرة إلى ثواب"٥. وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ ٦, يقول مغنية: "وحيث جاء في الآية الكريمة: ﴿حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ نشير إلى النزاع القائم بين أهل المذاهب الإسلامية وفرقها من أن العقل: هل يجيز رؤية الله بالبصر أو يمنعها؟ قال الأشاعرة السنة: إن رؤية الله بالبصر

стр. 227

جائزة عقلا؛ لأنه موجود وكل موجود يمكن رؤيته، وقال الإمامية والمعتزلة: لا تجوز الرؤية البصرية على الله بحال، لا دينا ولا دنيا؛ لأنه ليس بجسم، ولا حالا في جسم ولا في جهة. وبعد أن منعوا الرؤية عقلا حملوا الآيات الدالة بظاهرها على جواز الرؤية، حملوها على الرؤية بالعقل والبصيرة لا بالعين والبصر، وبحقائق الإيمان، لا بجوارح الأبدان على حد تعبير الفيلسوف الشهير الكبير محمد بن إبراهيم الشيرازي المعروف بالملا صدرا، وبصدر المتألهين. ومما استدل به الملا صدرا على امتناع الرؤية قوله: "إن الإحساس بالشيء حالة وضعية للجوهر الحاس، بالقياس إلى المحسوس الوضعي، ففرض ما لا وضع له أنه محسوس, كفرض ما لا جهة له أنه في جهة". ثم يستدل بقول الفيلسوف الإنجليزي جون لوك فيقول: "وانتقل ذهني وأنا أقرأ عبارة هذا العظيم -يعني الملا صدرا- إلى الفيلسوف الإنجليزي جون لوك القائل بالواقعية النقدية، وملخصها أن للشيء صفات أولية ثابتة له واقعا، ولا تنفصل عنه إطلاقا، سواء أوجد من يدركها أم لم يوجد، كالعناصر المقومة المكونة للشيء ... وأيضا له صفات ثانوية نسبية لا توجد مستقلة عن ذات تحسها وتدركها كاللون والصوت والطعم, فاللون ليس صفة للشيء، كما يتراءى وإنما هو موجات ضوئية خاصة بين الشيء والعين عند العلماء، وأيضا الصوت موجات هوائية، والطعم لا وجود له لولا الفم، ومن هنا يختلف باختلاف الذائق صحة ومرضا ... واختصارا أنه لا لون بلا عين, ولا صوت بلا أذن, ولا طعم بلا فم، وليس من شك أن نور الله سبحانه يطغى على الموجات الضوئية وغيرها، وإذا انتفت هذه الموجات انتفت الرؤية"١؟! ولا شك أن مثل هذا الزعم يخالف الشرع والعقل, أما مخالفته الشرع فإن الأدلة الكثيرة جاءت بإثبات رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة وهو نفسه يعترف بهذا, لكنه صرفها إلى الرؤية بالعقل والبصيرة مع أن ألفاظها لا تقبل أن تنصرف إلى الرؤية بالعقل والبصيرة.

стр. 228

أما مخالفته العقل, فإن ذات الله تعالى لا تشبه الذوات فلا يصح أن تقاس على مخلوقاته عز شأنه، فكيف نقيس رؤية الخالق على رؤية المخلوق, وذات الخالق على ذات المخلوق: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ . وهذا ينطبق أيضا على تفسير محمد الصادقي لقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ، وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ، تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾ ١، حيث قال: "نسبة الظن إلى الوجوه الباسرة والنظر إلى الرب للوجوه الناضرة هذه النسبة وتلك تصرفها عن وجوه الأبصار إلى وجوه البصائر, فالوجه الظاهر لا يظن وإنما يبصر، والبصر الظاهر لا ينظر إلى الرب ذاته إذ: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [٦: ١٠٣] ، وإنما البصيرة الباطنة هي التي تراه رؤية المعرفة دون كيفية ولا إحاطة, إضافة إلى أن النظر لا يستلزم الأبصار: ﴿تَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ [٧: ١٩٨] ، وأحرى بعدم الأبصار إذا كان المنظور إليه غير مبصر! ثم النص بعد ذلك كله: ﴿إِلَى رَبِّهَا﴾ ، لا إلى الله والربوبية هي الرحمة والثواب والنعمة, وأهمها المعرفة الناتجة عن غاية الربوبية" إلى أن قال: "فرؤيته تعالى بالبصر وحتى إدراكه والحيطة به بالبصيرة أنها مستحيلة في كافة العوالم لكافة العالمين ... فلا يمكن رؤيته بالبصر إلا إذا صار مبصرا كخلقه "!! " ولا إدراكه بالبصيرة إلا إذا صار خلقه مثله في الألوهية "!! " استحالة مزدوجة في خرافة الرؤية والإدراك والإحاطة, إذن فالمعنى من نظر الوجوه هو نظر المعرفة "!! " وانتظار الثواب والرحمة ... "٢. ولا نستطرد بعد هذا في بيان تأثرهم بالمعتزلة في بعض الآراء الكلامية، وقد سبق الإشارة إلى سببه.

стр. 229

سابعا: في آيات الأحكام كثيرة هي مواضع الخلاف في الفقه بين أهل السنة والشيعة, وليس في الإمكان في مثل هذا الموضع الإشارة إليها فضلا عن دراسة كل موضع وقد سبقت الإشارة إلى رأيهم في إقامة صلاة الجمعة ما دام الإمام غائبا، وكذا الخمس، وغير ذلك. ومما لا شك فيه أن نكاح المتعة وشذوذ الشيعة في القول به من بين سائر المذاهب, حتى أصبح سمة من أهم سمات المذهب الشيعي, لا شك أن مثل هذا يوجب علينا هنا الإشارة إليه كمثال لمنهج الشيعة في تفسير آيات الأحكام وصرفها؛ لتأييد آرائهم الفقهية كما صرفوا آيات العقائد لتأييد آرائهم العقائدية, ونحو ذلك. ونظرة في تاريخ نكاح المتعة في الإسلام تكشف لنا أنه كان قد أبيح في فترة من الفترات في عهد الرسول ﷺ وقد اختلف في مدة الإباحة وزمانها حتى قالوا: إنها أبيحت ثلاثة أيام١. عن إياس بن سلمة عن أبيه أن النبي ﷺ رخص في متعة النساء عام أوطاس ثلاثة أيام, ثم نهى عنها٢. عن قتادة عن الحسن أنه قال: والله ما كانت متعة النساء إلا ثلاثة أيام ما كانت قبلها ولا بعدها، زمن اعتمر رسول الله ﷺ . واختلفوا في زمانها, فمن قائل: عام خيبر أو عام الفتح أو في حجة الوداع أو عام أوطاس، ولم يزل الناس حينذاك بين القول بالإباحة والقول بالتحريم. حتى حسم ذلكم النزاع الفاروق عمر بن الخطاب ﵁ بقوله على المنبر: "لا أوتى برجل تزوج بنكاح المتعة إلا غيبته تحت الحجارة". ثم توفي عمر ﵁ وظهرت بعد ذلك فرق, كالشيعة والخوارج ونحوهم, فأخذت المتعة كغيرها شائبة الطائفية حيث نهى عنها عمر واختلفت الرواية فيها عن علي ﵄ فتعصب لها الشيعة وأخذوا

стр. 230

يدافعون عنها حتى أصبحت شعارا لهم١, وكثرت الروايات الموضوعة في ذلك حتى رووا فيما رووا: "أن من خرج من الدنيا ولم يتمتع, جاء يوم القيامة وهو أجدع"٢، ورووا: "ليس منا من لم يؤمن بكرتنا "يعني الرجعة" ويستحل متعتنا"٣ وزعموا فيما زعموا أن رسول الله ﷺ قال: "من تمتع مرة كانت درجته كدرجة الحسين ﵇ ومن تمتع مرتين فدرجته كدرجة الحسن, ومن تمتع ثلاث مرات كانت درجته كدرجة علي, ومن تمتع أربع مرات كانت درجته كدرجتي"٤. وبلغت درجة تمسكهم بالقول بنكاح المتعة أنهم لا يقبلون فيه التقية, فقال محمد حسين آل كاشف الغطاء: "ومن طرقنا الوثيقة عن جعفر الصادق ﵇ أنه كان يقول: ثلاث لا أتقي فيهن أحدا: متعة الحج, ومتعة النساء، والمسح على الخفين"٥. ولا عجب بعد هذا وقد بلغوا في التمسك بهذا القول هذا الحد, أن يبحثوا له عن سند في القرآن الكريم. ففي تفسير قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ٦ يقول محمد بن حيدر الجنابذي من علماء القرن الرابع عشر: "وفي لفظ الاستمتاع وذكر الأجور وذكر الأجل على قراءة إلى أجل, دلالة واضحة على تحليل المتعة فريضة فرضت, أو حالكونها٧ مفروضة عليكم بالعقد، ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ﴾ من إعطاء الزيادة على الفريضة

стр. 231

أو إسقاطهن شيئا من الفريضة: ﴿مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ ، وفيه إشعار بكون الأجر من أركان عقد التمتع كما عليه من قال به, وروي عن الباقر "ع": لا بأس بأن تزيدها وتزيدك إذا انقطع الأجل فيما بينكما تقول: استحللتك بأجل١ آخر برضى منهما ولا تحل لغيرك حتى تنقضي عدتها وعدتها حيضتان: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ فحلل المتعة عن علم, ولغايات منوطة بالمصالح والحكم٢. وقال محمد جواد مغنية في تفسير الآية نفسها: ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ : "إذا تم الزواج المؤقت بين الرجل والمرأة وانقضى الوقت أو أوشك ثم بدا لهما أن يزيدا في الوقت والأجرة, فلا بأس في ذلك"٣. وبعد: فتلكم نماذج لمنهج الشيعة في القرن الرابع عشر في تفسير القرآن الكريم ومحاولتهم تطبيق آياته على أصولهم وينطبق عليهم قول ابن تيمية -رحمه الله تعالى: "إن مثل هؤلاء اعتقدوا رأيا ثم حملوا ألفاظ القرآن عليه, وليس لهم سلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان, ولا من أئمة المفسرين لا في رأيهم ولا في تفسيرهم"٤. وما أصدق الشيخ محمد حسين الذهبي -رحمه الله تعالى- حين قال: "فغالب ما في كتب الإمامية الاثني عشرية في تأويل الآيات وتنزيلها وفي ظهر القرآن وبطنه, استخفاف بالقرآن الكريم ولعب بآيات الذكر الحكيم ... وإذا كان لهم في تأويل الآيات وتنزيلاتها أغلاط كثيرة فليس من المعقول أن تكون كلها صادرة عن جهل منهم، بل المعقول أن بعضها قد صدر عن جهل, والكثير منها صدر عمدا عن هوى ملتزم وللشيعة -كما بينا- أهواء التزمتها"٥.

стр. 232

أهم كتب التفسير عند الإمامية الاثني عشرية في القرن الرابع عشر: للإمامية الاثني عشرية في القرن الرابع عشر الهجري عدد كبير من المؤلفات في التفسير, منها ما كان شاملا للقرآن الكريم كله, ومنها ما اقتصر على تفسير سورة واحدة أو سور محدودة, ومنها ما لم يكمل بعد فصدرت بعض أجزائه دون الباقي. وليس من السهل أن أذكر كل هذا وكل ما ألف فيه، ولعلي أكتفي هنا بذكر بعضها باختصار ثم أقدم دراسة مختصرة عن أهمها. فمن المؤلفات: ١- تفسير الميزان في تفسير القرآن , في عشرين مجلدا: تأليف علامتهم السيد محمد حسين الطباطبائي, وسنفرده بحديث. ٢- التفسير الكاشف, في سبعة مجلدات: تأليف محمد جواد مغنية, صدرت طبعته الأولى في بيروت سنة ١٩٦٨ وبين يدي الطبعة الثانية الصادرة في ١٩٧٨م, الناشر دار العلم للملايين. ٣- التفسير المبين: تأليف محمد جواد مغنية. قال عنه صاحبه: "إن هذا الكتاب تفسير وجيز لا نقاش فيه ولا مقارنة بين أقوال المفسرين ولا إسرائيليات ومطولات؛ لأن الهدف منه أن يتصور قارئ القرآن الكريم موضوع الآية ويتمثله, ولو من بعض جوانبه"١.

стр. 233

وكان في أول أمره يريد أن يختصر تفسير: جوامع الجامع لشيخهم الفضل بن الحسن الطبرسي، ثم عدل عن الاختصار وألفه تأليفا. الكتاب نشرته دار التعارف للمطبوعات، بيروت سنة ١٣٩٨هـ في مجلد, عدد صفحاته ٧٣٠ من القطع الكبير. ٤- البيان في تفسير القرآن، لإمامهم الأكبر زعيم الحوزة العلمية السيد أبي القاسم الخوئي, صدر منه المجلد الأول في "ص٥٥٧" ويحتوي على مدخل، وتفسير فاتحة الكتاب. صدرت طبعته الأولى سنة ١٩٥٧م, وبين يدي الطبعة الرابعة وقد صدرت سنة ١٣٩٥هـ ١٩٧٥م, والناشر دار الزهراء، بيروت. ٥- الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنة: تأليف محمد الصادقي. وصدر منه حتى الآن أربعة مجلدات هي الأجزاء ٣٠، ٢٩، ٢٧، ٢٨ وهما في مجلد واحد، ٢٦. وعلل المؤلف بدايته بالجزء الثلاثين من القرآن بقوله: "لأن السور التي يضمها هي بداية الوحي الشامل لما يحتاجه البدائيون في معرفة الإسلام فلنبدأ بها كلنا، علنا ندخل المدينة من بابها"١. أما هذا التفسير فهو "دراسات ... ألقيناها على طلاب علوم الدين في الحوزتين المباركتين "قم والنجف الأشرف"!! على زيادات وتنقيحات لفظية ومعنوية تفسيرا للقرآن بالقرآن متنا، وبالحديث هامشا"١. وقد صدرت طبعات الكتاب ما بين عامي ١٣٩٥-١٣٩٧. ٦- بيان السعادة في مقامات العبادة, في مجلدين كبيرين: تأليف سلطان محمد بن حيدر محمد بن سلطان محمد، الجنابذي الخراساني.

стр. 234

انتهى مؤلفه من كتابته في ١٤/ ٢/ ١٣١١هـ وصدرت طبعته الأولى والأخيرة إذ لم يطبع بعدها, في ٤/ ٩/ ١٣١٤هـ. وقد كنت أنوي الحديث عنه بتفصيل, لولا أن الشيخ محمد حسين الذهبي ﵀ قد تناوله بتفصيل لا يحتاج إلى مزيد. ٧- آلاء الرحمن في تفسير القرآن، في ٣ أجزاء: محمد جواد البلاغي, توفي سنة ١٣٥٢هـ، طبع في صيدا سنة ١٩٣٣-١٩٣٤م. هذا بعض ما اطلعت عليه وقرأت فيه من تفاسيرهم ولم أشأ أن أذكر غير هذا, إما لأني لم أطلع عليه أو لأنه غير مستوفٍ للقرآن كله، بل هو في سور أو آيات أو موضوعات دون غيرها. وأحسب أني لست بحاجة أيضا إلى الكتابة عن كل مؤلف منها, بل سأكتفي بذكر تفسير واحد كبيان لمنهج الشيعة في تفسير القرآن الكريم في العصر الحديث, فأكتفي بتفسير الميزان في تفسير القرآن.

стр. 235

"الميزان في تفسير القرآن": المؤلف: هو محمد حسين الطباطبائي. ولد سنة ١٣٢١-١٩٠٣م في تبريز وبها أكمل تعليمه الابتدائي, ثم انتقل إلى النجف في العراق حيث واصل دراسته وغادرها بعد أن نال درجة الاجتهاد إلى إيران, وتصدر للتدريس في مدينة "قم". من آثاره تفسير "الميزان في تفسير القرآن" قيل: إنه استغرق منه عشرين سنة متتابعة, توفي سنة "١٤٠٤"١. أما التفسير فالنسخة التي بين يدي هي الطبعة الثانية وجاء فيها أنها تمتاز عن غيرها بالتحقيق والتصحيح الكامل وإضافات وتغييرات هامة من قبل المؤلف. وقد صدرت هذه الطبعة بين عامي ١٣٩١-١٣٩٤هـ وهي من منشورات الأعلمي للمطبوعات ببيروت, وتقع في عشرين مجلدا. وفرغ المؤلف من تأليفه كما يقول: "في ليلة القدر المباركة, الثالثة والعشرين من ليالي شهر رمضان من شهور سنة ١٣٩٢هـ". طريقة المؤلف: لا شك أن هذا الكتاب يعتبر من أهم مؤلفات الإمامية الاثني عشرية في التفسير في القرن الرابع عشر، بل أهمها على الإطلاق نظرا للشمولية التي سلكها مؤلفه فيه, فلم يقتصر فيه على لون من ألوان التفسير للقرآن فحسب، بل هو كما وصفه مؤلفه على غلاف كل جزء: "كتاب علمي، فني، فلسفي, أدبي، تاريخي، روائي، اجتماعي، حديث يفسر القرآن بالقرآن" وقد حدد المؤلف في مقدمته خطته فقال: "وقد اجتنبنا فيها عن أن نركن إلى حجة نظرية فلسفية، أو إلى

стр. 236

فرضية علمية، أو إلى مكاشفة عرفانية، واحترزنا فيها عن أن نضع إلا نكتة أدبية يحتاج إليها فهم الأسلوب العربي أو مقدمة بديهية أو علمية لا يختلف "كذا" فيها الإفهام"١. ثم قال: "وأما آيات الأحكام فقد اجتنبنا تفصيل البيان فيها لرجوع ذلك إلى الفقه ... ثم وضعنا في ذيل البيانات متفرقات من أبحاث روائية نورد فيها ما تيسر لنا إيراده من الروايات المنقولة عن النبي ﵌ وأئمة أهل البيت -سلام الله عليهم أجمعين- من طرق العامة والخاصة، وأما الروايات الواردة عن مفسري الصحابة والتابعين، فإنها على ما فيها من الخلط والتناقض لا حجة فيها على مسلم٢, وسيطلع الباحث المتدبر في الروايات المنقولة عنهم ﵈ أن هذه الطريقة الحديثة التي بنيت عليها بيانات هذا الكتاب أقدم الطرق المأثورة في التفسير التي سلكها معلموه, سلام الله عليهم. ثم وضعنا أبحاثا مختلفة، فلسفية وعلمية وتاريخية واجتماعية وأخلاقية، حسب ما تيسر لنا"٣. وقد جرى المؤلف على هذا النحو, وهذه أمثلة من تفسيره: الإمامة: في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ ٤. ربط

стр. 237

المؤلف بين هذه وما بعدها فقال عنها: "إنها شروع بجمل من قصص إبراهيم ﵇ وهي كالمقدمة والتوطئة لآيات تغيير القبلة وآيات أحكام الحج وما معها من بيان حقيقة الدين الحنيف الإسلامي"١، ثم بين المراد بهذه الآية فقال: فقوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ﴾ .. إلخ إشارة إلى قصة إعطائه الإمامة وحبائه بها١. ثم بين المراد بالإمامة في الآية فقال: قوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ ، أي: مقتدى يقتدي بك الناس ويتبعونك في أقوالك وأفعالك, فالإمام هو الذي يقتدي ويأتم به الناس؛ ولذلك ذكر عدة من المفسرين أن المراد به النبوة لأن النبي يقتدي به أمته في دينهم, قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٦٣] , لكنه في غاية السقوط٢. وهو يرى أن الإمامة أعلى درجة من النبوة, فيقول: "وبالجملة فالإمام هادٍ يهدي بأمر ملكوتي يصاحبه, فالإمامة بحسب الباطن نحو ولاية الناس للناس في أعمالهم وهدايتها إيصالها إياهم إلى المطلوب بأمر الله دون مجرد إرائه الطريق الذي هو شأن النبي والرسول وكل مؤمن يهدي إلى الله سبحانه بالنصح والموعظة الحسنة, قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: ٤] ، وقال تعالى في مؤمن آل فرعون: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [مؤمن: ٣٨] ، وقال تعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢] ٣. ولا يخفى ضعف الاستدلال بالآيات المذكورة، بل عدمه فيما ذهب إليه من التفريق بين الإمامة والنبوة وإن كان مراده الاستدلال على الجملة الأخيرة: كل مؤمن يهدي إلى الله سبحانه بالنصح والموعظة الحسنة, فليس هذا محل النزاع، بل هو محل تسليم, وإنما محله ما زعمه من فرق بين الإمامة والنبوة.

стр. 238

التقية: وفي تفسير قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ ١, قال: الاتقاء في الأصل: أخذ الوقاية للخوف ثم ربما استعمل بمعنى الخوف استعمالا لمسبب في مورد السبب, ولعل التقية في المورد من هذا القبيل. والاستثناء منقطع, فإن التقرب من الغير خوفا بإظهار آثار التولي ظاهرا من غير عقد القلب على الحب والولاية, ليس من التولي في شيء؛ لأن الخوف والحب أمران قلبيان متباينان ومتنافيان أثرا في القلب, فكيف يمكن اتحادهما؟ فاستثناء الاتقاء استثناء منقطع. وفي الآية دلالة ظاهرة على الرخصة في التقية على ما روي عن أئمة أهل البيت ﵈ كما تدل عليه الآية النازلة في قصة عمار وأبويه ياسر وسمية وهي قوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ١٠٦] . وبالجملة, الكتاب والسنة متطابقان في جوازها في الجملة والاعتبار العقلي يؤكده, إذ لا بغية للدين ولا هم لشارعه إلا ظهور الحق وحياته وربما يترتب على التقية والمجاراة مع أعداء الدين ومخالفي الحق من حفظ مصلحة الدين وحياة الحق, ما لا يترتب على تركها وإنكار ذلك مكابرة وتعسف٢. وقال أيضا: "أقول: والأخبار في مشروعية التقية من طرق أئمة أهل البيت كثيرة جدا, ربما بلغت حد التواتر, وقد عرفت دلالة الآية عليها دلالة غير قابلة للدفع"٣.

стр. 239

رؤية الله: وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ١، يقول: "والمراد بالنظر إليه تعالى ليس هو النظر الحسي المتعلق بالعين الجسمانية المادية التي قامت البراهين القاطعة على استحالته في حقه تعالى، بل المراد النظر القلبي ورؤية القلب بحقيقة الإيمان على ما يسوق إليه البرهان, ويدل عليه الأخبار المأثورة عن أهل العصمة ﵈"٢. الخلود في النار: في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ ٣، قال: "ومسألة انقطاع العذاب والخلود مما اختلف فيه أنظار الباحثين من حيث النظر العقلي, ومن جهة الظواهر اللفظية. والذي يمكن أن يقال: أما من جهة الظواهر فالكتاب نص في الخلود قال تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ الآية، والسنة من طرق أئمة أهل البيت مستفيضة فيه, وقد ورد من غير طريقهم أخبار في الانقطاع ونفي الخلود وهي مطروحة بمخالفة الكتاب"٤، ثم ذهب يعدد بعض الإشكالات ويرد عليها. التفسير الباطني: وفي تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ ٥ الآية، يقول: "وفي تفسير العياشي عن محمد بن منصور قال: سألت عبدا صالحا ﵇ عن قول الله: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ قال: إن للقرآن ظهرا وبطنا, فأما ما حرم به في الكتاب

стр. 240

هو في الظاهر والباطن من ذلك أئمة الجور، وجميع ما أحل في الكتاب هو في الظاهر والباطن من ذلك أئمة الحق. أقول: ورواه في الكافي عن محمد بن منصور مسندا, وفيه: فجميع ما حرم الله في القرآن هو الظاهر والباطن من ذلك أئمة الجور، وجميع ما أحل الله في القرآن هو الظاهر والباطن من ذلك أئمة الحق. أقول: انطباق المعاصي والمحرمات على أولئك والمحللات على هؤلاء؛ لكون كل واحد من الطائفتين سببا للقرب من الله أو البعد عنه، أو لكون اتباع كل سببا لما يناسبه من الأعمال. ومن هذا الباب ما في التهذيب بإسناده عن العلاء بن سيابة عن أبي عبد الله ﵇ في قوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ قال: الغسل عند لقاء كل إمام١. وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ ٢، قال: "أقول: وروى تسميته ﵌ بالنجم بإسناده عن أبيه عن الحسين بن خالد عن الرضا ﵇ وهو من البطن"٣. فرض الرجلين في الوضوء: وفي تفسير قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ ٤، قال: "وأما قوله: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ فقد قرئ بالجر وهو لا محالة بالعطف على رءوسكم ... وقرئ ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بالنصب وأنت إذا تلقيت الكلام مخلي الذهن٥

стр. 241

غير مشوب الفهم لم يلبث دون أن تقضي أن ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ معطوف على موضع رءوسكم وهو النصب, وفهمت من الكلام وجوب غسل الوجه واليدين ومسح الرأس والرجلين ولم يخطر ببالك أن ترد ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ إلى ﴿وُجُوهَكُمْ﴾ في أول الآية مع انقطاع الحكم في قوله: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ ، بحكم آخر وهو قوله: "وامسحوا بوجوهكم"١، فإن الطبع السليم يأبى عن حمل الكلام البليغ على ذلك "إلى أن قال": وعلى ذلك وردت الروايات عن أئمة أهل البيت ﵈ وأما الروايات من طرق أهل السنة فإنها وإن كانت غير ناظرة إلى تفسير لفظ الآية وإنما تحكي عمل النبي ﵌ وفتوى بعض الصحابة, لكنها مختلفة: منها ما يوجب مسح الرجلين ومنها ما يوجب غسلهما. وقد رجح الجمهور منهم أخبار الغسل على أخبار المسح ولا كلام لنا معهم في هذا المقام؛ لأنه بحث فقهي راجع إلى علم الفقه, خارج عن صناعة التفسير"٢؟! وهكذا لما أعيته الحيلة وعجز عن رد أدلة الجمهور المستندة إلى فعل الرسول ﷺ زعم أنها خارجة عن صناعة التفسير, وما درى أن فعل الرسول ﷺ وقوله ما هو إلا التفسير الصحيح للقرآن الكريم. إرث الأنبياء: وقال في ميراث الأنبياء ما قال به المذهب الشيعي, ففسر قوله تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ﴾ ٣، بقوله: "أي: ورثه ماله وملكه وأما قول بعضهم: المراد به وراثة النبوة والعلم ففيه أن النبوة لا تقبل الوراثة لعدم قبولها الانتقال، والعلم وإن قبل الانتقال بنوع من العناية غير أنه إنما يصح في العلم الفكري

стр. 242

الاكتسابي. والعلم الذي يختص به الأنبياء والرسل كرامة من الله لهم وهبي ليس مما يكتسب بالفكر, فغير النبي يرث العلم من النبي لكن النبي لا يرث علمه من نبي آخر, ولا من غير نبي"١. وكذا في تفسير قوله تعالى حكاية لقول عبده زكريا: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ ٢ نحا المؤلف في تفسيرها هذا النحو٣. نكاح المتعة: والطباطبائي يجزم وبلا شك في جواز نكاح المتعة بناء على مذهبه, وها هو يفسر قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ٤. فيقول: "والمراد بالاستمتاع المذكور في الآية نكاح المتعة بلا شك, فإن الآية مدنية نازلة في سورة النساء في النصف الأول من عهد النبي ﷺ بعد الهجرة على ما يشهد به معظم آياتها, وهذا النكاح أعني نكاح المتعة كانت دائرة بينهم معمولة عندهم في هذه البرهة من الزمان من غير شك -وقد أطبقت الأخبار على تسلم ذلك- سواء كان الإسلام هو المشرع لذلك أو لم يكن, فأصل وجوده بينهم بمرأى من النبي ومسمع منه لا شك فيه، وكان اسمه هذا الاسم ولا يعبر عنه إلا بهذا اللفظ. فلا مناص من كون قوله: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾ محمولا عليه مفهوما

стр. 243

منه هذا المعنى كما أن سائر السنن والعادات والرسوم الدائرة بينهم في عهد النزول بأسمائها المعروفة المعهودة كلما نزلت آية متعرضة لحكم متعلق بشيء من تلك الأسماء, بإمضاء أو رد أو أمر أو نهي لم يكن بد من حمل الأسماء الواردة فيها على معانيها المسماة بها من غير أن تحمل على معانيها اللغوية الأصلية ... فمن المتعين أن يحمل الاستمتاع المذكور في الآية على نكاح المتعة لدورانه بهذا الاسم عندهم يوم نزول الآية, سواء قلنا بنسخ نكاح المتعة بعد ذلك بكتاب أو سنة, أو لم نقل, فإنما هو أمر آخر. وجملة القول أن المفهوم من الآية حكم نكاح المتعة, وهو المنقول عن القدماء من مفسري الصحابة والتابعين, كابن عباس وابن مسعود وأبي بن كعب وقتادة ومجاهد والسدي وابن جبير والحسن وغيرهم, وهو مذهب أئمة أهل البيت ﵈"١. ثم أنكر أن تكون هذه الآية منسوخة وتتبع الأقوال في نسخها وناسخها ورد عليها بمزاعم يطول ذكرها وتفنيدها، وقال بعد أن أورد التفسير الروائي للآية: "وأما حديث النسخ بالكتاب أو بالسنة فقد عرفت عدم رجوعه إلى محصل, على أن بعض الروايات يدفع البعض في جميع مضامينها إلا في أن عمر بن الخطاب هو الناهي عنها, المجري للمنع المقرر حرمة العمل وحد الرجم لمن فعل"٢. وإن شئت الحق في هذه المسألة وغيرها من المسائل التي شذ بها الإمامية أو غيرهم من الفرق الضالة, فعليك بما ذكرته في تفسير أهل السنة والجماعة وفي منهج التفسير الفقهي, فقد جعلتهما ميزانا تزن به الأقوال الشاذة, وترجع إليهما عند التباس السبيل, والله الهادي.

стр. 244

التفسير العلمي: نص المؤلف في مقدمة تفسيره على أنه سيجتنب في بياناته عن أن: "نركن إلى حجة نظرية فلسفية أو إلى فرضية علمية أو إلى مكاشفة عرفانية"١. والحق أنه التزم الابتعاد عن النظريات العلمية فندر أن أجد فيما اطلعت إليه من تفسيره حديثا عن هذه النظريات لا بالنفي ولا بالإثبات ومن النادر هذا ما جاء في تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ إلى قوله: ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ٢ فقال فيها: "ثم إن هذه الأجرام الجوية المختلفة بالصغر والكبر والبعد والقرب "وقد وجد الواحد في الصغر على ما بلغه الفحص العلمي ما يعادل: ٣٣ ٠.٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠ من سنتيمتر مكعب والواحد في الكبر ما يعادل الملايين من حجم الأرض وهو كرة يعادل قطرها ٩٠٠٠ ميل تقريبا, واكتشف من المسافة بين جرمين علويين ما يقرب من ثلاثة ملايين سنة نورية، والسنة النورية من المسافة تعدل: ٣٦٥×٢٤×٦٠×٦٠× ٣٠٠٠٠٠ كيلومتر تقريبا". فانظر إلى هذه الأرقام التي تدهش اللب وتبهت الفكر, واقض ما أنت قاض في غرابة الأمر وبداعته"٣. أقول: وإن هذه المعلومة العلمية التي قالها لم يذكرها من باب التفسير القائم على ألفاظ الآية, وإنما من باب الاستشهاد وقد أحسن -والحق يقال- بهذا الصنيع.

стр. 245

رأيي في هذا التفسير: قراءة قصيرة في هذا التفسير تدرك منها أول ما تدرك, أن هذا الكتاب لم يؤلف للعامة وإنما للعلماء نظرا لما فيه من أبحاث دقيقة عميقة, ويقال فيه ما قيل في تفسير الكشاف, أنه من أحسن التفاسير لولا ما فيه من الاعتزال, أما هذا التفسير فهو من أحسن التفاسير في العصر الحديث ولولا ما فيه من التشيع المتطرف. ومن مزاياه هذه الأبحاث الواسعة الشاملة التي يوردها في تفسير بعض الآيات مستقصيا مستوفيا لأطراف القضية التي يبحثها, فمن ذلك مثلا تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ١ الآيات، فقد جاء تفسيره لها في ١٣٧ صفحة, وجاء تفسيره لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ ٢ الآيات في حوالي ٧٠ صفحة وتفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ﴾ ٣ الآيات في حوالي ٨٦ صفحة, وغير هذا كثير. وإني لأعجب حقا من هذه العقلية التي تغوص بك في عويص المعاني وتجلو لك غامض الحقائق أعجب منها إذا ما طفت إلى السطح كيف يلتبس عليها الأمر؟ وكيف تختلط عليها الحقائق وتلتبس السبل؟ وكيف تقبل هذه الخرافات والمهازل؟! صحيح أن المؤلف أورد غالب هذه الأمور تحت عنوان بحث روائي, وصحيح أن المؤلف يجعل بعضها من أسلوب الجري الذي قال عنه: "روايات الجري كثيرة في الأبواب المختلفة وربما تبلغ المائتين. ونحن بعد

стр. 246

هذا التنبيه العام نترك إيراد أكثرها في الأبحاث الروائية؛ لخروجها عن الغرض في الكتاب، إلا ما تعلق بها غرض في البحث, فليتذكر"١. إن هذا التنبيه لا يعفيه من مسئولية إيرادها, ولا يبرئه من انحراف اعتقادها. وليست هذه الروايات هي المأخذ عليه فحسب, بل يؤخذ عليه كل ما يؤخذ على العقيدة الإمامية, فما تفسيره إلا على مذهبها, وما منهجه إلا منهجها, ولعل في هذا غنى عن استعراضها. رأيي في هذا المنهج: وما مثلي وأنا أريد الحديث عن منهجهم في التفسير إلا كمثل رجل وقف أمام قصر منيف انهدَّ عموده فتساقطت أركانه, وانطمرت معالمه فلم يظهر إلا العيوب والفجوات. لست أقول هذا تعصبا, ولست أقوله حقدا, ولكني أرى منهجا أسقط من حسابه العمود الذي تقوم عليه أصول التفسير وأركانه وهم يعترفون بهذا. فقد أرسل الله نبيه محمدا ﷺ مبينا للقرآن الكريم, فقال سبحانه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ٢، وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ٣ والآيات والأحاديث في هذا كثيرة جدا. ولا يشك عاقل أن صحابة رسول الله ﷺ , ورضي الله عنهم, هم الذين تلقوا هذا البيان منه, وهم الذين نشروه بعد ذلك بين المسلمين كافة, فالطريق إليه لا يكون إلا عن طريقهم. فإذا ما قامت فرقة وأعلنت أنها لا تثق بهذا المروي عن طريق الصحابة ﵃ فإنما تعلن جهلها وتعلن انحرافها وقد نقلنا نص أحد

стр. 247

علمائهم المعاصرين الذي صرح فيه بقوله: "إنهم لا يعتبرون من السنة "أعني الأحاديث النبوية" إلا ما صح لهم من طرق أهل البيت عن جدهم, يعني ما رواه الصادق عن أبيه الباقر عن أبيه زين العابدين عن الحسين عن السبط عن أبيه أمير المؤمنين عن رسول الله, سلام الله عليهم جميعا. أما ما يرويه مثل أبي هريرة وسمرة بن جندب ومروان بن الحكم وعمران بن حطان الخارجي وعمرو بن العاصي ونظائرهم, فليس لهم عند الإمامية من الاعتبار مقدار بعوضة, وأمرهم أشهر من أن يذكر"١. ولا أدري لِمَ خص هؤلاء بالذكر مع أنه في أول حديثه لم يعترف إلا بطرق أهل البيت، وما عداهم فلا يصح عندهم؟! ولا شك أن طرق أهل البيت لو سلمنا جدلا صحتها كلها, فإنه لم ترد بها كل أحكام الإسلام؛ ولهذا النقص الكبير قامت طائفة، بل طوائف بسد هذا النقص بالروايات الموضوعة والافتراءات ونسبتها زورا وبهتانا إلى أهل البيت, إذ كيف يقصرون الناس على طرق غير وافية! وأحسب أن هذا الانحراف في مصادر التشريع هو سبب كل انحراف في منهجهم هذا, إذا نظرنا إلى هذا المنهج نظرة من بُعد تظهره بصورة كاملة. وإذا ما قربنا الصورة إلى أعيننا ظهر لنا عدد من رجال الباطنية الذين أدخلوا في هذه العقيدة ما زادها شطنا عن الحق وأهله, وقد كنت أظنهم اندثروا وهلكوا فإذا بهم ما يزالون بين أظهر المسلمين, يتزيون بزيهم ويأكلون معهم. وقد كنت إلى عهد قريب من أولئك المخدوعين بهم الذين يؤرق مضاجعهم ويقلق راحتهم أن يقوم على منبر أو يكتب في كتاب رجل فيذمهم ويكشف سترهم وكنت أقول: يكفي ما أصاب المسلمين من سهام الأعداء فلنتجه إليهم ولنترك خصوماتنا فيما بيننا, فإذا بي والأيام تكشف لي كيدهم ومكرهم وقرأت في كتبهم الحديثة قبل القديمة مما جعلني أوقن بأنه يجب أن نعلن الدعوة إلى الإسلام بين صفوفهم, في نفس الوقت الذي نعلنه عند غير المنتسبين إلى

стр. 248

الإسلام إن لم يكن قبل ذلك, وأنه من الواجب أن نكشف خطرهم قبل أن نكشف خطر أولئك؛ إذ هم أشد وأنكى. وليس المقام هنا مقام كشف لهذه الحقائق, ولكنه ومضة قصدت فيها لفت انتباه من لم ينتبه, فسيرى بعد ذلك الحقيقة. عودة إلى منهجهم في التفسير: قلت: إن عدم اعتبارهم لما رواه الصحابة عن رسول الله ﷺ هو مصدر انحراف منهجهم وسقوطه؛ ولذلك لجئوا إلى أمور عدة يسدون بها ما انثلم: ١- فرووا الروايات الموضوعة, ونسبوها إلى أئمتهم. ٢- اعتبروا كل رواية لأحد أئمتهم تشريعا؛ لأنهم بزعمهم معصومون. ٣- لم يساعدهم ظاهر القرآن الكريم على ما انتحلوه من آراء وانحرافات, فقالوا بالباطن وقالوا بالجري. ٤- ولم تكف هذه الأمور كلها, فقالوا بتحريف القرآن الكريم وهم وإن أنكره بعضهم فإنما ينكره تقية؛ فكتبهم التي بها يؤمنون وبأقوالها يعتقدون, مليئة بروايات التحريف. ٥- وقالوا بالتقية والرجعة والبداء والإمامة والعصمة ... إلخ، مما لا يقوم على الأصل ولا يستند إلى كتاب ولا إلى سنة صحيحة, هذا كله بل بعضه يكشف زيف منهجهم وضلاله وحين يعودون إلى القرآن الكريم ويعترفون -حقا- بسلامته من الزيادة أو النقصان وحين يعترفون بسنة رسول الله ﷺ التي رواها أصحابه العدول الثقات حينئذ يكون الاتجاه السليم، بل بدايته وحينئذ يؤخذ من تفسيرهم ويرد, أما والحالة هذه فلا ولا كرامة. وغني عن القول بعد هذا أن أصولهم في التفسير، بل في العقيدة كلها لا يقوم لها أصل ولا تقوم لها قائمة, ما دام عمودها منهدّا وركنها الأساس ساقطا, والله المستعان.

стр. 249

الإسماعيلة ... الإسماعيلية: افترقت هذه الفرقة عن الإمامية الاثني عشرية بعد وفاة جعفر بن محمد الصادق, فقالت الاثنا عشرية بإمامة ابنه موسى الكاظم إلى اثني عشر إماما, فسموا بالإمامية الاثني عشرية، وقالت الإسماعيلية بإمامة ابنه إسماعيل فنسبوا إليه، وانتهى بوفاته دور الظهور وبدأ دور الستر فكانت الأئمة عندهم سبعة فلقبوا بالسبعية، وكان ابنه محمد المكتوم أول الأئمة المستورين عندهم. وهذا جدول لتوضيح تسلسل الإمامة عند فرق الشيعة الثلاث الاثني عشرية, والإسماعيلية، والزيدية:

стр. 250

وإنما قال الإسماعيلية بإمامة محمد بن إسماعيل بن جعفر؛ لأنهم يعتقدون أن جعفرا قد أوصى بالإمامة لابنه إسماعيل, وعندما توفي إسماعيل في حياة والده جعفر علموا أنه إنما نصب ابنه إسماعيل للدلالة على إمامة ابنه محمد. وقويت شوكة هذه الطائفة في عهد المأمون وكان على رأسهم ميمون القداح مولى "جعفر الصادق"، حيث تظاهر وصحبه بحب آل البيت وادعوا الولاء التام والموالاة لهم وأعلنوا الإمامة لمحمد بن إسماعيل بن جعفر الذي "اضطر إلى ترك مسقط رأسه المدينة المنورة, وهاجر إلى خوزستان "جنب غرب إيران"، ثم تركها إلى بلاد الديلم "جنوب بحر قزوين" ولم يسمع عنه شيء بعد ذلك١. ولا نستبعد أن يكون ميمون القداح هذا هو الذي دبَّر هذه الخطة ليتولى أمور الدعوة من بعده، فقد زعم أنه ابن لمحمد بن إسماعيل بن جعفر هذا، ثم انتقلت أمور الدعوة من بعده إلى ولده عبد الله بن ميمون الذي كان يدعي علم الغيب والأسرار الروحانية والعلوم الخفية, ويزعم أنها انتهت إليه من جده محمد بن إسماعيل بن جعفر٢. واتخذ من بلدة "ساباط" مركزا لدعوته ثم انتقل إلى الشام ولم تلعب الإسماعيلية دورا سياسيا إلا بعد الانتقال من "دور الستر" إلى دور "الظهور". وقد بدأ دور الستر بتولي محمد بن إسماعيل بن جعفر للإمامة, وقد اختلف في عدد الأئمة وترتيبهم في هذا الدور، واستمر دور الستر هذا إلى ظهور عبيد الله المهدي مؤسس الدولة الفاطمية في أواخر القرن الثالث الهجري وبه يبدأ دور الظهور. وانبثق عن هذه الفرقة فرق باطنية أخرى كالقرامطة والنصيرية والدروز، بل ينسب إليها فرق باطنية أخرى حدثت, وما تزال تحدث في العصور المتأخرة
следующие страницы →