هذا التنبيه العام نترك إيراد أكثرها في الأبحاث الروائية؛ لخروجها عن الغرض في الكتاب، إلا ما تعلق بها غرض في البحث, فليتذكر"١.
إن هذا التنبيه لا يعفيه من مسئولية إيرادها, ولا يبرئه من انحراف اعتقادها.
وليست هذه الروايات هي المأخذ عليه فحسب, بل يؤخذ عليه كل ما يؤخذ على العقيدة الإمامية, فما تفسيره إلا على مذهبها, وما منهجه إلا منهجها, ولعل في هذا غنى عن استعراضها.
رأيي في هذا المنهج:
وما مثلي وأنا أريد الحديث عن منهجهم في التفسير إلا كمثل رجل وقف أمام قصر منيف انهدَّ عموده فتساقطت أركانه, وانطمرت معالمه فلم يظهر إلا العيوب والفجوات.
لست أقول هذا تعصبا, ولست أقوله حقدا, ولكني أرى منهجا أسقط من حسابه العمود الذي تقوم عليه أصول التفسير وأركانه وهم يعترفون بهذا.
فقد أرسل الله نبيه محمدا ﷺ مبينا للقرآن الكريم, فقال سبحانه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ٢، وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ٣ والآيات والأحاديث في هذا كثيرة جدا.
ولا يشك عاقل أن صحابة رسول الله ﷺ , ورضي الله عنهم, هم الذين تلقوا هذا البيان منه, وهم الذين نشروه بعد ذلك بين المسلمين كافة, فالطريق إليه لا يكون إلا عن طريقهم.
فإذا ما قامت فرقة وأعلنت أنها لا تثق بهذا المروي عن طريق الصحابة ﵃ فإنما تعلن جهلها وتعلن انحرافها وقد نقلنا نص أحد
стр. 247
علمائهم المعاصرين الذي صرح فيه بقوله: "إنهم لا يعتبرون من السنة "أعني الأحاديث النبوية" إلا ما صح لهم من طرق أهل البيت عن جدهم, يعني ما رواه الصادق عن أبيه الباقر عن أبيه زين العابدين عن الحسين عن السبط عن أبيه أمير المؤمنين عن رسول الله, سلام الله عليهم جميعا. أما ما يرويه مثل أبي هريرة وسمرة بن جندب ومروان بن الحكم وعمران بن حطان الخارجي وعمرو بن العاصي ونظائرهم, فليس لهم عند الإمامية من الاعتبار مقدار بعوضة, وأمرهم أشهر من أن يذكر"١.
ولا أدري لِمَ خص هؤلاء بالذكر مع أنه في أول حديثه لم يعترف إلا بطرق أهل البيت، وما عداهم فلا يصح عندهم؟!
ولا شك أن طرق أهل البيت لو سلمنا جدلا صحتها كلها, فإنه لم ترد بها كل أحكام الإسلام؛ ولهذا النقص الكبير قامت طائفة، بل طوائف بسد هذا النقص بالروايات الموضوعة والافتراءات ونسبتها زورا وبهتانا إلى أهل البيت, إذ كيف يقصرون الناس على طرق غير وافية!
وأحسب أن هذا الانحراف في مصادر التشريع هو سبب كل انحراف في منهجهم هذا, إذا نظرنا إلى هذا المنهج نظرة من بُعد تظهره بصورة كاملة. وإذا ما قربنا الصورة إلى أعيننا ظهر لنا عدد من رجال الباطنية الذين أدخلوا في هذه العقيدة ما زادها شطنا عن الحق وأهله, وقد كنت أظنهم اندثروا وهلكوا فإذا بهم ما يزالون بين أظهر المسلمين, يتزيون بزيهم ويأكلون معهم.
وقد كنت إلى عهد قريب من أولئك المخدوعين بهم الذين يؤرق مضاجعهم ويقلق راحتهم أن يقوم على منبر أو يكتب في كتاب رجل فيذمهم ويكشف سترهم وكنت أقول: يكفي ما أصاب المسلمين من سهام الأعداء فلنتجه إليهم ولنترك خصوماتنا فيما بيننا, فإذا بي والأيام تكشف لي كيدهم ومكرهم وقرأت في كتبهم الحديثة قبل القديمة مما جعلني أوقن بأنه يجب أن نعلن الدعوة إلى الإسلام بين صفوفهم, في نفس الوقت الذي نعلنه عند غير المنتسبين إلى
стр. 248
الإسلام إن لم يكن قبل ذلك, وأنه من الواجب أن نكشف خطرهم قبل أن نكشف خطر أولئك؛ إذ هم أشد وأنكى.
وليس المقام هنا مقام كشف لهذه الحقائق, ولكنه ومضة قصدت فيها لفت انتباه من لم ينتبه, فسيرى بعد ذلك الحقيقة.
عودة إلى منهجهم في التفسير:
قلت: إن عدم اعتبارهم لما رواه الصحابة عن رسول الله ﷺ هو مصدر انحراف منهجهم وسقوطه؛ ولذلك لجئوا إلى أمور عدة يسدون بها ما انثلم:
١- فرووا الروايات الموضوعة, ونسبوها إلى أئمتهم.
٢- اعتبروا كل رواية لأحد أئمتهم تشريعا؛ لأنهم بزعمهم معصومون.
٣- لم يساعدهم ظاهر القرآن الكريم على ما انتحلوه من آراء وانحرافات, فقالوا بالباطن وقالوا بالجري.
٤- ولم تكف هذه الأمور كلها, فقالوا بتحريف القرآن الكريم وهم وإن أنكره بعضهم فإنما ينكره تقية؛ فكتبهم التي بها يؤمنون وبأقوالها يعتقدون, مليئة بروايات التحريف.
٥- وقالوا بالتقية والرجعة والبداء والإمامة والعصمة ... إلخ، مما لا يقوم على الأصل ولا يستند إلى كتاب ولا إلى سنة صحيحة, هذا كله بل بعضه يكشف زيف منهجهم وضلاله وحين يعودون إلى القرآن الكريم ويعترفون -حقا- بسلامته من الزيادة أو النقصان وحين يعترفون بسنة رسول الله ﷺ التي رواها أصحابه العدول الثقات حينئذ يكون الاتجاه السليم، بل بدايته وحينئذ يؤخذ من تفسيرهم ويرد, أما والحالة هذه فلا ولا كرامة.
وغني عن القول بعد هذا أن أصولهم في التفسير، بل في العقيدة كلها لا يقوم لها أصل ولا تقوم لها قائمة, ما دام عمودها منهدّا وركنها الأساس ساقطا, والله المستعان.
стр. 249
الإسماعيلة
...
الإسماعيلية:
افترقت هذه الفرقة عن الإمامية الاثني عشرية بعد وفاة جعفر بن محمد الصادق, فقالت الاثنا عشرية بإمامة ابنه موسى الكاظم إلى اثني عشر إماما, فسموا بالإمامية الاثني عشرية، وقالت الإسماعيلية بإمامة ابنه إسماعيل فنسبوا إليه، وانتهى بوفاته دور الظهور وبدأ دور الستر فكانت الأئمة عندهم سبعة فلقبوا بالسبعية، وكان ابنه محمد المكتوم أول الأئمة المستورين عندهم. وهذا جدول لتوضيح تسلسل الإمامة عند فرق الشيعة الثلاث الاثني عشرية, والإسماعيلية، والزيدية:
стр. 250
وإنما قال الإسماعيلية بإمامة محمد بن إسماعيل بن جعفر؛ لأنهم يعتقدون أن جعفرا قد أوصى بالإمامة لابنه إسماعيل, وعندما توفي إسماعيل في حياة والده جعفر علموا أنه إنما نصب ابنه إسماعيل للدلالة على إمامة ابنه محمد.
وقويت شوكة هذه الطائفة في عهد المأمون وكان على رأسهم ميمون القداح مولى "جعفر الصادق"، حيث تظاهر وصحبه بحب آل البيت وادعوا الولاء التام والموالاة لهم وأعلنوا الإمامة لمحمد بن إسماعيل بن جعفر الذي "اضطر إلى ترك مسقط رأسه المدينة المنورة, وهاجر إلى خوزستان "جنب غرب إيران"، ثم تركها إلى بلاد الديلم "جنوب بحر قزوين" ولم يسمع عنه شيء بعد ذلك١.
ولا نستبعد أن يكون ميمون القداح هذا هو الذي دبَّر هذه الخطة ليتولى أمور الدعوة من بعده، فقد زعم أنه ابن لمحمد بن إسماعيل بن جعفر هذا، ثم انتقلت أمور الدعوة من بعده إلى ولده عبد الله بن ميمون الذي كان يدعي علم الغيب والأسرار الروحانية والعلوم الخفية, ويزعم أنها انتهت إليه من جده محمد بن إسماعيل بن جعفر٢.
واتخذ من بلدة "ساباط" مركزا لدعوته ثم انتقل إلى الشام ولم تلعب الإسماعيلية دورا سياسيا إلا بعد الانتقال من "دور الستر" إلى دور "الظهور".
وقد بدأ دور الستر بتولي محمد بن إسماعيل بن جعفر للإمامة, وقد اختلف في عدد الأئمة وترتيبهم في هذا الدور، واستمر دور الستر هذا إلى ظهور عبيد الله المهدي مؤسس الدولة الفاطمية في أواخر القرن الثالث الهجري وبه يبدأ دور الظهور.
وانبثق عن هذه الفرقة فرق باطنية أخرى كالقرامطة والنصيرية والدروز، بل ينسب إليها فرق باطنية أخرى حدثت, وما تزال تحدث في العصور المتأخرة
стр. 251
كالبابية والبهائية والقاديانية وما يسمى بالرسالة الثانية التي عانى وما زال يعاني منها المسلمون الأذى الشديد.
وأصبحت هذه الفرق كلها تعرف باسم الحركات الباطنية, وهم جميعا كما وصفهم العلماء: "ظاهر مذهبهم الرفض, وباطنه الكفر المحض".
وأمر مؤلفاتهم اشتهر حتى لا يكاد يخفى على ذي معرفة ذلكم التستر الشديد والتكتم الذي يسدلونه على مؤلفاتهم وكتبهم, وأشار إلى ذلك كل من كتب عنهم شيئا, لا فرق بين من يؤيدهم ومن يخالفهم, فكلاهما يلاقي العناء الشديد في ذلك.
وقد اعترف أحد الدارسين عنهم وهو منهم بقوله: "وأعترف أني أثناء دراساتي الطويلة عن الإسماعيلية لم أقابل شيخا غيره عنده رغبة صادقة في إعارة كتبه أو تقديم يد المعونة لمن يدرس عقائد الفاطميين وتاريخهم وفقههم"، إلى أن قال: "ونرجو مخلصين أن تزول التقية والستر؛ فقد أصبحا لا قيمة لهما الآن"١.
وتحدث في موضع آخر عن إحدى النسخ المخطوطة لكتاب يحققه, فقد مكث ثماني سنوات ونصف في البلد الذي توجد به النسخة عند أحد أصدقائه الإسماعيليين, ولم يسمح له برؤيتها إلا ساعة من الزمان برقابة ابنه في مقره الرسمي٢.
ولست بهذا أريد دفاعا عن نفسي وتبريرا لعجزي, ولكني أحكي واقعا عاناه كبار الباحثين المتخصصين مع صلتهم وصداقتهم بأصحاب المخطوطات, وإقامتهم معهم.
وقد بحثت ونقبت كثيرا عن كتب الإسماعيلية بل الباطنية عامة قديما وحديثا, وقد حصلت على مجموعة من مؤلفاتهم, والعجيب أني لم أجد لهم كتابا في
стр. 252
التفسير لا في القديم ولا في الحديث، بل إن بعض مؤلفاتهم خاصة الحديثة منها, تقرؤها من أولها إلى آخرها فلا تجد فيها آية, ولا حديثا, والحمد لله على ذلك.
وكل من كتب عن التفسير لدى الأقدمين منهم فإنما التمس نصوصا بين ثنايا مؤلفاتهم لم يفردوها بحديث ولم يقصدوا ذلك, بل عرضت لهم عرضا فقالوا بتفسيرها حسب ما يلائم عقائدهم.
وفي البابية والقاديانية مثل هذه النصوص, لكن أصحابها ليسوا من أهل القرن الرابع عشر. وقد وعد الشيخ محمد حسين الذهبي -رحمه الله تعالى- تفسير البابية مثالا للتفسير الباطني, فأورد١ منه جملة مبثوثة في بعض كتبهم.
ولئن أخذنا مفهوم الباطنية هذا وجعلناه يشمل كل فرقة انحرفت عن الإسلام وظهر إلحادها وتأويلاتها الضالة مع زعمها الانتماء إليه والالتزام به, خاصة إذا رأينا كثيرا من العلماء والمؤرخين مجمعين على أن فرق النصيرية والدروز والإسماعيلية كلها يجمعها "الفرقة الباطنية" مع أن فيما بينها اختلافا كبيرا في اعتقادها وتباينا ظاهرا في معبوداتها ويضمون إليها البابية والبهائية والقاديانية وهي كذلك أيضا, فإنا نعتقد بوجوب ضم طائفة جدّت في القرن الرابع عشر ولها أتباع ومؤلفات وكادت أن تكون لها دولة, لولا أن قيض الله للإسلام والمسلمين من أنقذهم من ذلك, أعني أتباع ما يسمى بـ"الرسالة الثانية" وداعيتها المتنبي المزعوم محمود طه. فإن كان الأمر كذلك فإني سأشير سريعا إليه كمثال للتفسير الباطني في العصر الحديث, وحسبك به من باطني.
стр. 253
الجمهوريون:
وهذا الاسم مما يطلقه أتباع محمود محمد طه على أنفسهم ويطلقون على أنفسهم اسم: "المسلمون" وعلى دعوتهم: "الرسالة الثانية" ودجالهم محمود طه من متطرفي الباطنية والمتصوفة الذين ينكر أفعالهم وأقوالهم كل أحد حتى الصوفيون المعتدلون، أظهر أفكاره ودعوته في السودان.
وتقوم دعواه على الزعم بأن الرسول ﷺ حين بعث في مكة جاء بالإسلام، ولما تبين له أن الناس في هذا الوقت لا يطيقون تلقي الإسلام١ انتقل إلى المدينة ودعا إلى الإيمان فأجابوه, فالرسول ﷺ -بزعمهم- إنما جاء بالإيمان وفصله للناس. أما الإسلام فلم يقع في حقه التفصيل بل جاء به مجملا, وزعم أن الرسول ﷺ هو طليعة المسلمين المقبلين فكأنما جاء لأمته "المؤمنين" من المستقبل, فهو المسلم الوحيد بينهم كما أن أبا بكر طليعة المؤمنين وكان بينه وبين النبي أمد بعيد.
وسمى دعوته هذه بـ"الرسالة الثانية" لزعمه أن الرسالة الأولى المحمدية كانت للإيمان، والرسالة الثانية للإسلام. ووصف الأولى كما جاء في عنوان أحد كتبه "الرسالة الأولى لا تصلح للقرن العشرين"، فالرسالة الثانية بزعمه ناسخة للرسالة الأولى.
وقال عن الرسالة الثانية: "الرسالة الثانية هي الإسلام وقد أجملها المعصوم إجمالا, ولم يقع في حقها التفصيل إلا في التشاريع -كذا- المتداخلة بين الرسالة الأولى وبينها, كتشاريع العبادات وتشاريع الحدود"٢.
стр. 254
وينكر أن الدين قد كمل, وأن الرسول ﷺ قد بين القرآن.
ويزعم أن الأمة الإسلامية لم تظهر بعد وهي مرجوة -كذا- الظهور في مقبل أيام البشرية وسيكون يوم ظهورها يوم الحج الأكبر, وهو اليوم الذي يتم فيه الخطاب الرحماني بقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا﴾ ١، ٢، وأن دخول الإسلام مرتبة لم تتحقق في المجتمعات الماضيات إلا للأنبياء حتى هؤلاء قصر عنهم بعضهم "!!! " كما يحدثنا القرآن: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ ٣، ٤ الآية، فهذا الدجال قد فهم من قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ أن هناك أنبياء لم يسلموا وهذا سوء فهم وسوء معتقد؛ لأن قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ وصف للنبيين يبين ما كانوا عليه، وليس للاحتراز من أنبياء غير مسلمين, فالوصف هنا للبيان لا للاحتراز؛ وذلك لأن الدين عند الله الإسلام: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ٥، فكيف يبتغي هؤلاء الأنبياء غير الإسلام دينا ومن ابتغى سواه فهو من الخاسرين؟!
ذلكم إجمال نظرته إلى الإيمان وإلى الإسلام, ونظرته إلى موقع دعوته المزعومة من الإسلام.
وبعد أن ألزمت نفسي بقراءة كثير من كتبه والردود عليه, ظهر لي رأي فيه وفي دعوته لم أجد من أظهره وأبرزه عند الحديث عنه, ولعل ما توصلت إليه يكشف جانبا من أهداف دعوته الباطنية, فلئن كان يقف خلف الباطنية الأولى اليهودي عبد الله بن سبأ فلعل ابن سبأ نصراني يقف خلف دعوة الباطنية في
стр. 255
العصر الحديث وما أكثر السبئيين, خاصة إذا علمنا أن الإفساد١ البريطاني كان وراء الدعوات الباطنية في العالم الإسلامي كالقاديانية والبابية والبهائية وكل ما من شأنه نشر الإلحاد والفساد في العالم الإسلامي, بل وزرع اليهود في أرض المسلمين.
أعود فأقول: إذا علم هذا, فليس بمستغرب أن يقف هؤلاء أو غيرهم من "سبئية" النصارى خلف دعوة محمود طه. ذلكم أن الدعوة الإسلامية تقوم على الوحدانية لله وتختلف عنها عقيدة النصارى فتقوم على عقيدة "التثليث", وإذا نظرنا بتأمل إلى عقيدة محمود طه هذا وجدناها تقوم على "الثنائية" في كل شيء, وكأنها تريد أن تشكك في الوحدانية فتستعد للتثليث وجاءت الثنائية هذه في كثير من عقائد الجمهوريين هؤلاء.
فجاءت الثنائية بزعم وجود إلهين, واحد في السماء وآخر في الأرض وإله الخير وإله الشر, وأن الله والرحمن إلهان متحدان في واحد, وقال بوجود ذاتين ذات قديمة وذات حادثة, وإرادتين واحدة للخير وأخرى للشر, وأن الله واحد وله شركاء في نفس الوقت٢.
وجاءت بزعم أن ما جاء به محمد ﷺ هو "الرسالة الأولى" وما سيأتي بأنه "الرسالة الثانية" وهو يكتب ويشرح عقائد الرسالة الثانية, وكأنه النبي الذي جاء بها؟!
وجاءت بزعم أن الإسلام إسلامان: إسلام أولي هو إسلام الأعراب الذين قالوا: ﴿آمَنَّا﴾ ورد عليهم القرآن: ﴿قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ ٣، ثم الإيمان الذي جاء به محمد ﷺ يليه الإسلام الثاني، وهو الذي حان وقته في هذا العصر, فالإسلام إسلامان٤.
стр. 256
وجاءت الثنائية بزعم أن للقرآن الكريم معنيين: معنى ظاهرا ومعنى باطنا.
وجاءت الثنائية في مفهوم الصلاة, فالصلاة بالمعنى القريب هي الصلاة الشرعية ذات الحركات المعروفة١, وهي للذي يمر بمرحلة الإيمان الذي هو مرتبة الأمة الأولى, فالصلاة الشرعية في حقه فرض له أوقات يؤدى فيها، وحين يرتفع السالك إلى مرتبة الأصالة ويخاطب بالاستقلال عن التقليد ويتهيأ ليأخذ صلاته الفردية من ربه بلا واسطة تأسيا بالمعصوم ... فهو حينئذ لا تسقط عنه الصلاة وإنما يسقط عنه التقليد ويرفع من بينه وبين ربه بفضل الله، ثم بفضل كمال التبليغ المحمدي الحجاب الأعظم ... الحجاب النبوي٢.
ولتوضيح هذه العبارات أقول: إن عقيدته تقوم على أن أمة المؤمنين هم أمة التقليد, فهم يتلقون الأوامر الإلهية بواسطة النبي. أما أمة المسلمين فهم كالأنبياء يتلقون من الله مباشرة فهم أمة التلقي, فإذا انتقل الإنسان من التقليد وسقط عنه ما سماه "الحجاب الأعظم" حجاب النبوة, أصبح يتلقى الأوامر من ربه مباشرة وأصبح في حدود الشريعة الفردية وخرج من الشريعة الجماعية: "وتكون شريعته الفردية من الله بلا واسطة, فتكون له شهادته وتكون له صلاته وصيامه وزكاته وحجه, ويكون في كل أولئك أصيلا"٣، وله بعد ذلك أن لا يفعل شيئا من هذه العبادات؛ لأنه بزعمهم يتلقى الأوامر من الله مباشرة, ومن الذي يستطيع أن يحتج عليه بتشريعات أمة التقليد؟! ولهذا عرف عن محمود طه هذا أنه لا يصلي, وليس هذا بمستغرب منه.
وجاءت الثنائية بمفهوم العقل, فالعقل عنده عقلان: العقل الواعي والعقل الباطن٤، والعلم عنده علمان: علم الظاهر وهو علم آيات الآفاق وعلم يقين وهو علم آيات النفوس وهو لابد آتٍ, ولكن الوقت بطبيعة الحال طرف فيه
стр. 257
وهو لم يجئ بعد ذلك بأن "حكم الوقت" فيما مضى من تاريخ البشرية لم ينضح ليقضي بمثل هذا اليقين وإنه لآتٍ لا رب فيه, وبمثل هذا اليقين يجيء العلم الذي هو سبب الرزق١.
وجاءت الثنائية بمفهوم الساعة. قال محمود طه: "والساعة ساعتان: ساعة التعمير وساعة التخريب ... فأما ساعة التعمير فهي لحظة مجيء المسيح ليرد الأشياء إلى ربها حسا ومعنى, وليملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا ... يومئذ يظهر الإسلام على جميع الأديان ...
وأما ساعة التخريب فهي لحظة مجيء المسيح للمرة الثانية ليرد الأشياء إلى الله حسا وقد أبطأ المعنى وذلك: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ ٢، والساعتان منضويتان في بعضهما في سياق القرآن فهو عندما يقول: "الساعة" إنما يعني المعنى القريب للساعة وهي ساعة التعمير والمعنى البعيد للساعة وهي ساعة التخريب, وإنما يقع التمييز بينهما عند القادرين عليه بفضل الله, ثم بفضل التفريد في التوحيد"٣.
وجاءت الثنائية أيضا في الزواج, وهما عنده: الزواج في الحقيقة والزواج في الشريعة، وقال: عامله الله بعدله عن الزواج في الحقيقة أنه زواج الإنسان الكامل بالله، وقال: "وتكون ثمرة العلاقة بين الذات القديمة وزوجها -الإنسان الكامل- المعارف اللدنية"٤، أما الزواج في الشريعة فهو الزواج المعروف بين الرجل والمرأة.
وإذا ضممنا إلى هذه المبادئ تقسيمه الإسلام إلى قسمين: "مرحلة الإيمان" الرسالة الأولى، و"مرحلة الإسلام" الرسالة الثانية, وقوله: "فأما مرحلة
стр. 258
الإيمان -ويقصد بها دعوة الرسول ﷺ فهي مرحلة أقرب إلى بدائية اليهود، ومرحلة الإسلام -ويقصد بها دعوته- فهي أقرب إلى روحانية النصرانية١.
فإذا قارنا بين عقيدة النصارى في أن الله هو المسيح عيسى ابن مريم واعتقاد هذا الدجال أن الله هو الحقيقة المحمدية أي: الإنسان الكامل واعتقاد النصارى أن الله هو زوج مريم، واعتقاد الدجال أن الله زوج نساء البشر، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
وإذا ضممنا هذا إلى ذلك, فإن العلاقة تبدو لي واضحة أن هناك قوى نصرانية ذات نفوذ تقف خلف هذا الدخال, خاصة إذا علمنا أن أحد العلماء صرح بأن موظفي الإذاعة والتليفزيون قالوا له: إنهم يؤيدونه ضد الدجال وإنهم يكرهونه ولكنهم موظفون ويخافون على وظائفهم، وقال له بصراحة: إن الحكومة السودانية أعطت الدجال حصانة وجعلته فوق القانون, فلا يحاكم ولا ينشر أو يذاع نقد لدعوته٢.
قال هذا في فترة من الفترات, لكنه حُوكم قبلها عدة مرات وحكم عليه بالردة ومع هذا فلم ينفذ شيء من هذه الأحكام. وهو الآن بحمد الله في سجون السودان بعد إعلان تطبيق الشريعة الإسلامية وما زلنا ننتظر تطبيقها عليه وعلى أتباعه.
стр. 259
يفسروا القرآن الكريم وفق نظرياتهم مهما أوتوا من الجرأة على التحريف والتبديل في معانيه, وقد يجدون أنفسهم بعد هذا بحاجة إلى الزعم بتحريف القرآن فيلجئون إليه, أو يعرضون عن تفسيره كاملا فيريحون ويستريحون.
وليس من السهل وقد يكون ليس في الإمكان استخراج منهج كامل لمسالك هذه الطريقة في تفسير القرآن الكريم, وإنما يمكن فيما أرى رسم خطوط عريضة لطريقته في التفسير.
فإن كان الأمر كذلك, فإني أحسب الخطوط العريضة لطريقة محمود طه هذا في تفسير القرآن الكريم لا تختلف اختلافا كبيرا عن سلفه الباطنيين.
فهو مثلا لا يلتزم تفسير القرآن الكريم بالمأثور في شتى أنواعه من تفسير القرآن بالقرآن أو بأقوال الرسول ﷺ أو أقوال أصحابه ﵃ أو أقوال التابعين, رحمهم الله تعالى.
ويفسر القرآن الكريم بما يخالف قواعد اللغة العربية, وأحيانا بما يتعارض معها.
ويقول بالتفسير الباطني للقرآن الكريم, ويأتي من المعاني لآيات القرآن الكريم على ضوء هذا المعنى عنده بما لا يستند إلى كتاب, ولا إلى سنة, ولا إلى لغة.
ويستشهد بأقوال غلاة الصوفية ويورد أقوالهم ويعتقد بوحدة الوجود.
هذا كله مع الآراء والاعتقادات الجديدة التي جاء بها والتي أراد أن يفسد بها شريعة الإسلام بما زعمه تطوير الشريعة وما أدخله من عقائد زعمها عقائد الإسلام, وما هي إلا عقائد الكفر والضلال ولعلي أذكر بعد هذا أمثلة من هذه التفاسير الضالة.
ثنائية الإله:
قلنا آنفا: إنه يعتقد بالثنائية حتى في الإله الذي اتفق المسلمون على وحدانيته, فهو يعتقد أن الرحمن هو إله الأرض, وأن الله هو إله السماء وهما إله
стр. 260
واحد فقال في تفسير قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ ١: "فإله الأرض إله الإرادة ... وإله السماء إله الرضا ... وإله الأرض الرحمن ... وإله السماء الله ... وإنما هو إله واحد"٢.
وقال: "اسم الله يطلق على معنيين أيضا: معنى بعيد وهو ذات الله الصرفة وهي فوق الأسماء والصفات, ومعنى قريب وهو مرتبة البشر الكامل الذي أقامه الله خليفة عنه في جميع العوالم وأسبغ عليه صفاته وأسماءه حتى اسم الجلالة "!! " فكلمة الله حيث قيلت تشير إلى هذين المعنيين"٣، وأكد هذا القول في موضع آخر حيث قال: "الله هو الإنسان الكامل "!! " الذي ليس بينه وبين ذات الله المطلقة أحد وهو بين الذات وبين سائر الخلق, وهو الذي يتولى حسابهم نيابة عن الله, وهذا الإنسان الكامل المسمى الله هو المعني في المكان الأول بقوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ﴾ ٤.
وقد فسر هذه الآية في مواضع عديدة من كتبه ومؤلفاته, فقال: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ الإشارة هنا إلى الكافرين والمنافقين, والمعنى: ما ينتظرون, قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ يعني "الإنسان الكامل" يعني "الحقيقة المحمدية" قوله: ﴿فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ يعني يأتيهم مجسدا في الدم واللحم, وتلك إشارة لمجيء المسيح, قوله: ﴿وَالْمَلائِكَةُ﴾ إشارة إلى أعوان المسيح ... وقوله: ﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ إشارة لساعة مجيئه, قوله: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ إشارة إلى الكمالات التي تظهر بمجيء المسيح وأعوانه, وهي الكمالات التي بها تملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا"٥.
وإذا تأملت بعد ذلك في أقوال رأيت ما هو أعجب وأعجب, فهو يقرر في
стр. 261
أحد كتبه: "كما كانت عقيدة التعدد عقيدة إسلامية, وكلاهما قد كان مرادا ومرضيا من الله"١, ويقول: "قد مر وقت كانت فيه عبادة الصنم مرضية عند الله, وذلك بحكم الوقت"٢!!
وقال أيضا عن الطاقة المتولدة عن انفلاق الذرة: "هذه القوة الهائلة هذه الطاقة إرادة الله ... هي الله"٣، وله نصوص أخرى كثيرة من هذا النوع, مما يدل على انحراف عقيدته وتخبطه وضلاله.
ومن تخبطه أيضا قوله: "إنك إن أشركت بالله غيره فأنت ضال, وإن نزهته عن الشريك فأنت ضال"٤ ويقول: "إن الله ﵎ قد خلقنا على صورته"٥، وقال عن الله : "فهو لا يسمى ولا يوصف ومن ثم لا يعرف ... ولولا أنه تقيد في منزلة الاسم "الله" لما كان إليه من سبيل"٦، وقال: "إنه من الكفر أن ننفي النقص عن الله؛ لأن تصورك للنقص ذنب في حد ذاته"٧، وقال: "إن أسماء الله هي قيد والله لا قيد له؛ ولذلك فإن ذكر الأسماء لله كفر صريح"٧.
الصلاة:
وله فهم جديد لكلمة ﴿مَوْقُوتًا﴾ من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ ٨، فهو يعقد بحثا عنوانه: "الصلاة بين المؤمن والمسلم"،
стр. 262
ويعني بالمؤمن اتباع الرسول ﷺ وبالمسلم أتباعه, ويقول: "ماذا يكون من أمر آية: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ ؟ فاسمع إذن: المقصود هنا الصلاة الشرعية و ﴿كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ يعني فرضا له أوقات يؤدى فيها و ﴿عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ مرحلة أمة البعث الأول وهي الأمة التي تعيش في أخريات "كذا" أيامها, وقد ندبت لتواصل سير ترقيها وتطورها إلى "أمة المسلمين".
إلى أن قال: "ويصبح شأن الآية: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ مع المسلم الذي يمر بمرحلة الإيمان الذي هو مرتبة الأمة الأولى أن الصلاة الشرعية في حقه فرض له أوقات يؤدى فيها, فإذا ارتقى بحسن أدائها بتجويده تقليد المعصوم حتى ارتقى في مراقي الإيقان ... حتى بلغ حق اليقين وسكن قلبه واطمأنت نفسه فأسلمت, طالعه المعنى البعيد لكلمة ﴿مَوْقُوتًا﴾ في الآية: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ وذلك المعنى في حقه هو أن الصلاة الشرعية فرض له وقت ينتهي فيه وذلك حين يرتفع السالك إلى مرتبة الأصالة ويخاطب بالاستقلال عن التقليد ويتهيأ ليأخذ صلاته الفردية من ربه بلا واسطة "!! " تأسيا بالمعصوم ... فهو حينئذ لا تسقط عنه الصلاة وإنما يسقط عنه التقليد ويرفع من بينه وبين ربه بفضل الله ثم بفضل كمال التبليغ المحمدي الحجاب الأعظم, الحجاب النبوي"١.
ولا تفهمن من قوله: "فهو حينئذ لا تسقط عنه الصلاة" أنه لا يسقطها، بل هو يسقط الصلاة المعروفة ذات الحركات والقيام والركوع والسجود عمن ارتقى من درجة الإيمان إلى درجة الإسلام وإلا فما معنى قوله: إن الصلاة الشرعية فرض له وقت ينتهي فيه, وذلك حين يرتفع السالك إلى مرتبة الأصالة"؟
فالصلاة الشرعية صلاة المقلدين, أما صلاته هو فصلاة الأصالة ولكل فرد صلاته الخاصة التي يتلقاها عن ربه مباشرة كما يزعمون, وهذا ولا شك منتهى الكيد للإسلام والمسلمين, كيف لا وهم يريدون هدم عموده؟
стр. 263
الزواج:
وقد احترت في اختيار عنوان لهذا البحث, ذلكم أنه تحدث فيه عن الذات الإلهية، وأنها هي النفس الواحدة "!! " وتحدث عن الزواج في الحقيقة والشريعة, وزعم زواج الله بالإنسان والعياذ بالله وعن خطيئة آدم وأنها الزنى بحواء قبل أن تباح له في الشريعة؟! كل هذه وغيرها مما ألحد فيه في هذا المبحث واخترت له العنوان الذي اختاره له صاحبه لا لشيء إلا لتنظر تشتّت الأفكار في مؤلفاته.
ففي تفسير قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ الآية١، قال: "وهذه النفس الواحدة هي في أول الأمر وفي بدء التنزل نفس الله ﵎, هي الذات القديمة التي منها تنزلت الذات الحادثة وتلك هي الإنسان الكامل "الحقيقة المحمدية" والإنسان الكامل هو أول قابل لتجليات أنوار الذات القديمة -الذات الإلهية- وهو من ثم زوجها ... وإنما كان الإنسان الكامل زوج الله؛ لأنه إنما هو في مقام العبودية ... ومقام العبودية مقام انفعال في حين أن مقام الربوبية مقال فعل ... فالرب فاعل والعبد منفعل ثم تنزلت من الإنسان الكامل زوجته فكان مقامها منه مقامه هو من الذات, فهي منفعلة وهو فاعل ... وهذا هو في الحقيقة مستوى العلاقة "الجنسية" بين الرجل والمرأة ... وحين يكون إنجاب الذرية هو نتيجة العلاقة "الجنسية بيننا وبين نسائنا ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ تكون ثمرة العلاقة بين الذات القديمة وزوجها -الإنسان الكامل- المعارف اللدنية"٢.
ثم تحدث عن الزواج في الشريعة بعد أن أفاض الحديث عن الزواج في الحقيقة فقال: "أسلفنا القول عن الزواج في الحقيقة, وندخل الآن على الزواج في "الشريعة" ونبدأ بأن حواء قد كانت زوج آدم في الحقيقة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ ، ففي هذا المقام فإن
стр. 264
النفس الواحدة هي نفس آدم الإنسان الكامل الذي أقيم مقام الخلافة, وإنما كانت حواء زوج آدم في هذا المقام؛ لأنها تنزل عنه ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ فهي انبثاق نفسه عنه خارجه ... ثم إنه لما كان آدم أول رسول شريعة من رسل التوحيد, فقد أراد الله له ولزوجه أن يكونا زوجين في الشريعة ... ومن أجل ذلك فقد نهاه أن يتصل بها قبل أن تحلل له بالشريعة. وإلى ذلك الإشارة بقوله: ﴿وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ... وقد جاءت هذه الإشارة في سياق هو في غاية الإمتاع والروعة يقول تعالى فيه: ﴿وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ، فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ، وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ ١ الآيات ... قوله: ﴿وَيَا آدَمُ﴾ يعني الخليفة يعني الإنسان الكامل ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ﴾ يعني زوجك في الحقيقة "الباطنة" والتي سيتم اقترانك بها في شريعتك "الظاهرة" فتنطبق بذلك الصنيع شريعتك وحقيقتك وظاهرك وباطنك ... ولكن قبل أن يتم هذا الاقتران الشرعي يجب أن لا تقربها وقد وردت الإشارة اللطيفة إلى ذلك بقوله: ﴿وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ فإنكما إن تفعلا تكونا من ﴿الظَّالِمِينَ﴾ المعتدين على حد الشرع. وهذه إشارة إلى أول الشرائع التي بدأ الإنسان يرتفع بها في مراقي النفوس وجاءت منظمة للغريزة الجنسية ... و ﴿الشَّجَرَةَ﴾ هنا لها درجات من المظاهر: أولها وأدناها لآدم نفسه التي بين جنبيه.. ثم هي في تنزلها عنه شهوة نفسه هذه إلى الجنس ... ثم هي حواء ... ثم هي شجرة التين فإن شجرة التين إنما هي رمز النفس الأمارة.. وإنما نهي عنها لئلا تقوى بأكلها نفسه الحيوانية فتتكثف وتغلظ فلا تطيعه على التصعد باتباع الأمر الشرعي واجتناب النهي الشرعي ... فشجرة التين هي الشجرة المعنية في الظاهر فلما وقع الخلاف بأكلها تلاحقت حلقات السلسلة حتى وقع الخلاف بالمماسة, فتغشى زوجه بغير شريعة "!! " وحلقات هذه السلسلة المتلاحقة طويت في عبارة: ﴿فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾ والإشارة بقوله: ﴿بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾
стр. 265
إنما هي للأعضاء التناسلية فقد كانت محجوبة عنهما بنور البراءة والتقى, فظهرت بظلام الإثم والمخالفة قوله: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ إشارة إلى الحجاب الذي أملاه الخزي الذي صاحب الخطيئة"١.
ويظهر في تفسيره هذا تخبطه في عقيدة الإيمان بالله وتفسيره الباطني الذي يصله بأصول فرق الباطنية وأحسب أن أمر بطلان هذا التفسير واضح بين لا يحتاج القارئ لمثل هذا البحث إلى إيراده؛ لأن إبطاله وهدمه معلوم من الشريعة بالضرورة, وتنكره الأصول قبل الفروع.
الحجاب:
وهو يزعم أن الأصل في الإسلام السفور وليس الحجاب, ويقول: "الحجاب ليس أصلا في الإسلام والأصل في الإسلام السفور؛ لأن مراد الإسلام العفة وهو يريدها عفة تقوم في صدور النساء والرجال لا عفة مضروبة بالباب المقفول, والثوب المسدول"٢.
ويفسر قوله تعالى عن آدم وحواء ﵉ لما أكلا من الشجرة وبدت لهما سوآتهما: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ بقوله الذي نقلناه آنفا: "إشارة إلى الحجاب الذي أملاه الخزي الذي صاحب الخطيئة, وقد تحدثنا عن ذلك في موضعه من كتابنا "الرسالة الثانية من الإسلام" تحت عنوان "الحجاب ليس أصلا في الإسلام"٣.
وإذا رجعنا إلى الموضع الذي أشار إليه وجدناه يقول هناك: "فأخذا يستران عوراتهما بورق التين يومئذ بدأ الحجاب, فهو نتيجة الخطيئة وسيلازمها حتى يزول بزوالها إن شاء الله -هكذا يقول ويتمنى- ومن ذلك قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ﴾ ، وهو يعني قد خلقناكم
стр. 266
وفرضنا عليكم لبس ثياب القطن والصوف وغيرهما مما يواري عوراتكم ... وقوله: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾ يعني التوحيد والعفة والعصمة المودوعة في قلوبكم قوله: ﴿ذَلِكَ﴾ يعني إلباس العفة ﴿خَيْرٌ﴾ من إلباس القطن"١.
الإباحية المطلقة:
ويستدل بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ الآية٢, على الإباحية المطلقة فيقول: وكلما استقامت السيرة ضاقت لذلك دائرة المحرمات وانداحت دائرة المباحات على قاعدة الآية الكريمة: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾ ٣ فإذا استمر السير بالسائر إلى نهايته المرجوة وهي تمام نقاء السريرة وكمال استقامته بالسيرة عادت جميع الأعيان المحسوسة إلى أصلها من الحل, وانطبقت الآية الكريمة: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ ٤.
واستدلاله هذا ينبئ عن جهل تام بأسباب النزول وتحريف لآيات الله, ذلكم أن هذه الآية نزلت فيمن شرب الخمر من المؤمنين ومات قبل تحريمها، فقد قال ابن عباس، ﵄: "لما نزل تحريم الخمر قالوا: يا رسول الله, فكيف بأصحابنا الذين ماتوا وهم يشربون الخمر؟، فنزلت: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ﴾ الآية"٥.
стр. 267
وما كنت لأرد عليه لولا أن هذه الشبهة قد تلتبس على بعض الأبصار فأردت بيان حقيقتها، وإلا فقد جاء بما هو أعظم فرية وأكثر انحرافا وإلحادا, ولم أعمد إلى الرد عليه؛ لأن الحق فيه واضح معلوم بالضرورة من الشريعة التي يزعم الانتساب إليها.
الظلم:
وقد ورد عن المصطفى ﷺ تفسير الظلم في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ ١ بأنه الشرك. ولم يرتض محمود طه هذا التفسير مع علمه بوروده عن الرسول ﷺ وصحته, وجاء بتفسير جديد قال: "ولما نزل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ ، شق على الناس فقالوا: يا رسول الله أينا لا يظلم نفسه؟ فقال: "إنه ليس الذي تعنون ... ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح: يا بنيّ لا تشرك بالله, إن الشرك لظلم عظيم""٢، فسري عنهم لأنهم علموا أنهم لم يشركوا مذ آمنوا ... والحق أن المعصوم فسر لهم الآية في مستوى المؤمن"!! " وهو يعلم أن تفسيرها في مستوى المسلم فوق طاقتهم, ذلك بأن الظلم في الآية يعني الشرك الخفي, على نحو ما ورد في آية سر السر: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ ٣، ٤.
ولا يخفى ما في هذا التفسير من مخالفة لبيان الرسول ﷺ ، أما الزعم بأنه فسر لهم الظلم على مستوى المؤمنين ولم يفسره لهم على مستوى المسلم فأمر باطل منكر؛ لأنه ﵊ جاء بدين واحد
стр. 268
كامل, الخطاب فيه لأول الأمة خطاب لآخرها، بل جعل أصحابه هم القدوة التي يقتدى بهم، وما عدا ذلك فمحض افتراء.
المؤمن والمسلم:
ويقول في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ ١: فيه إشارة لطيفة جدا إلى أن المسلمين الذين يجيئون بعد المؤمنين ثم يكونون خيرا منهم٢.
وبعد:
هذه إلمامة سريعة لأفكار محمود طه وتفسيراته الزائغة، ولست بأول من صنفه مع الباطنية، بل سبقني إلى ذلك علماء أعلام ممن رد عليه، فقد قال الأستاذ سعد حسن لطفي مثلا عن محمود طه و"الدجال" محمود: "من متطرفي الباطنية والمتصوفة"٣.
وقال الأستاذ أحمد البيلي: "لقد تبين لي من مجموعة الكتب والرسائل التي وضعها لشرح آرائه, فوجدته يذهب مذهب الباطنيين في تفسير الآيات على النحو الذي ادعاه من قبل البهائية والقاديانية, وهما فرقتان خرجتا عن دائرة الإسلام وصارتا مستقلتين, وإن تمسح أتباعهما بالإسلام"٤.
وفي موضع آخر قارن الأستاذ أحمد البيلي بين دعوة محمود طه وبين البابية والبهائية والقاديانية، ثم قال: "مما سبق نرى أن الجمهوريين أخذوا من كل فرقة من هذه الفرق شيئا, وأطلقوا على هذا الخليط "الدعوة الإسلامية الجديدة""٥.
وغيرهما كثير ممن نسبه إلى الباطنية, أضف إلى ذلك عقائده الباطلة
стр. 269
وتفسيراته الإلحادية وإنكاره لأصول الدين وتشكيكه في كثير مما هو معلوم من الدين بالضرورة, كل هذا وغيره يدل على نهجه الذي سلكه, وأمر الباطنية معلوم لا يخفي, يلبسون لكل عصر لباسه: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ ١.
وأختتم حديثي عنه بخبر نشرته جريدة المدينة المنورة عنوانه: "استجابة لضغوط دينية حظر الأنشطة العامة لدجال السودان" ونصه كما يلي: "علمت المدينة أن السلطات الأمنية والدينية في السودان قد منعت الأنشطة والتجمعات العامة لجماعات -دجال السودان- محمود محمد طه الذي يسمي جماعته بـ"الجمهوريين" وكانت أنشطة هذا الدجال قد تواصلت بصورة مكثفة طيلة السنوات العشر الأخيرة في العاصمة السودانية المثلثة وبقية المدن السودانية الكبرى وخاصة عاصمة الإقليم الأوسط "مدني" وهي مسقط رأس الدجال الذي بدأ حياته كمهندس ري بمشروع الجزيرة، ثم تحول إلى الدجل والتحريف تحت زعم "الرسالة الثانية للإسلام" والتي قال: إنه هو داعيتها الوحيد، وكانت جهات سودانية دينية عديدة قد اشتكت من أنشطة هذا الدجال والذي استغل حظر السلطات السودانية بالأنشطة الحزبية والطائفية العامة وأخذ يجند "الشباب والشابات والصبايا والأحداث لخدمة دعوته بعد أن يقوم بتهيئتهم وشحنهم بأفكاره التخريبية ويدفع بهم إلى الشوارع والطرقات والمقاهي والحدائق العامة ليلا ونهارا؛ لتوزيع مطبوعاته الدجلية المنافية للإسلام.
والمعروف أن القضاء الشرعي السوداني كان قد أصدر في الستينات فتوى شرعية أعلن فيها ردة الدجال محمود محمد طه عن الإسلام.
هذا, وقد قوبل القرار السوداني الأخير بترحيب كبير من جماهير المسلمين السودانيين, كما أشاد كبار العلماء ورجالات الدين بدور وجهد "جريدة المدينة" في فضح أفكار الدجال المشبوه"٢.
стр. 270
بقي أن أقول: إن نشاطه في السودان قديم, فقد حدثنا الأستاذ محمد أمان بن علي الجامي في كتابه: أضواء على طريق الدعوة إلى الإسلام, أنه زار السودان في العطلة الصيفية من عام ١٣٨٣ والتقى في عطبرة في "دار النشاط الإسلامي" بمحمود طه هذا وكان يبث أفكاره وإلحاده١.
أما الحكم عليه, فقد حكم عليه بالردة من محكمة الخرطوم العليا الشرعية, وذلك يوم الاثنين ٢٧ شعبان ١٣٨٨ الموافق ١٨/ ١١/ ١٩٦٨ لكن المحكمة صرفت النظر عن البنود من نمرة ٢ إلى نمرة ٦ من الدعوى التي أقامها ضده حسبة الأستاذ الأمين داؤد محمد والأستاذ حسين محمد زكي, وهي من الأمور التي تتعلق وتترتب على الحكم بالردة٢.
ولهذا فلم يكن لهذا الحكم الأثر الذي ينتظره المسلمون, ولعله ينفذ بعد أن أعلنت السودان تطبيق الشريعة الإسلامية٣، وفق الله العاملين المخلصين وحفظ الله الإسلام والمسلمين من كيد الأعداء, ورد كيدهم في نحورهم, إنه سميع مجيب.
стр. 271
الزيدية:
وهم أتباع زيد بن علي بن الحسين الملقب بـ"زين العابدين" وهو أخ لـ"محمد الباقر" الإمام الخامس من الأئمة الاثني عشر عند الشيعة.
وحين سئل زيد هذا عن أبي بكر وعمر ﵄ ترضى عنهما, فانقسم الشيعة في زيد إلى قسمين: قسم رفضه فقال لهم: رفضتموني؟ فسموا رافضة، وقسم وافقه فسموا زيدية؛ نسبة إليه١.
ثم إن الزيدية انقسموا إلى فرق ثلاث:
١- البترية أو الصالحية.
٢- الجريرية أو السليمانية.
٣- الجارودية.
فالبترية:
نسبة إلى كثير النوى، ويلقب بالأبتر، ويسمون أيضا بالصالحية نسبة إلى الحسن بن صالح بن حي، واعتبرهما الشهرستاني فرقة واحدة لاتفاق مقالتهما٢.
وهم يعتقدون أن عليا ﵁ كان أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ وأولاهم بالإمامة، وأن بيعة أبي بكر وعمر ليست بخطأ؛ لأن عليا ترك ذلك لهما، ويقفون في عثمان وفي قتلته ولا يقدمون عليه بإكفار، وينكرون رجعة الأموات إلى الدنيا ولا يرون لعلي -كرم الله وجهه- إمامة إلا حين بويع٣.
стр. 272
أما الجريرية أو السليمانية:
فنسبة إلى سليمان بن جرير الزيدي، الذي أثبت إمامة أبي بكر وعمر, وزعم أن الأمة تركت الأصلح في البيعة لهما؛ لأن عليا كان أولى بالإمامة منهما، إلا أن الخطأ في بيعتهما لم يوجب كفرا ولا فسقا ... وأهل السنة يكفرون سليمان بن جرير من أجل أنه كفر عثمان رضي الله عنه١.
أما الجارودية:
فنسبة إلى أبي الجارود زياد بن أبي زياد، وزعموا أن النبي ﷺ نص على إمامة علي بالوصف دون الاسم, وزعموا أيضا أن الصحابة كفروا بتركهم بيعة علي، وقالوا أيضا: إن الحسن بن علي كان هو الإمام بعد علي, ثم أخيه الحسين كان إماما بعد الحسن ...
ثم صارت الإمامة بعد الحسن والحسين شورى في ولدي الحسن والحسين, فمن خرج منهم شاهرا سيفه داعيا إلى دينه وكان عالما ورعا فهو الإمام. قال عبد القاهر البغدادي: هذا قول الجارودية، وتكفيرهم واجب لتكفيرهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم٢.
والبترية أو الصالحية أقرب الفرق الزيدية إلى مذهب أهل السنة، وأبعدهم عنه الفرقة الجارودية، حتى إن بعض علماء الشيعة يخرجون ما عدا الجارودية من فرق الزيدية عن اسم التشيع٣.
وها أنت ترى أن الخلاف في مجمله بين فرق الزيدية الثلاث إنما هو في الإمامة, وما يتعلق بها من أحكام، أما ما عدا ذلك فهم يوافقون المعتزلة في الأصول؛ لأن زيد بن علي تلقى العلم على يد واصل بن عطاء فاقتبس منه الاعتزال وصار أصحابه كلهم معتزلة, كما يقول الشهرستاني٤ وإن كان قوله هذا
стр. 273
-فيما أرى- تغليبا، وإلا فالحق أنهم لا يوافقونهم تمام الموافقة، فمذهبهم مزيج من آراء أهل السنة والمعتزلة والخوارج والاثني عشرية، ويخالفون الشيعة الاثني عشرية في كثير من الآراء فهم لا يتبرءون من الشيخين ولا يكفرونهما ويجوزون إمامتهما١ وينكرون التقية٢ والعصمة للأئمة والنص على الأئمة٣ ويترضون عن الصحابة ﵃-٤ والذين يقولون خلاف ذلك يخالفون إمامهم زيد بن علي, وهذا هو رأي الزيدية الحقة. أما المتطرفة منهم والغالية فهم الجارودية كما ذكرنا؛ ولذا فإن البترية والسليمانية يكفرون الجارودية، وكذا الجارودية تكفر السليمانية والبترية٥.
ومما أجمعت عليه الزيدية من آراء:
١- قال عبد القاهر: أجمعت الفرق الثلاث الذين ذكرناهم من الزيدية على القول بأن أصحاب الكبائر من الأمة يكونون مخلدين في النار, فهم من هذا الوجه كالخوارج٦.
٢- وأجمعوا على تصويب علي بن أبي طالب ﵁ في حربه، وعلى تخطئة من خالفه٧.
٣- وأجمعت الزيدية على أن عليا ﵁ كان مصيبا في تحكيمه الحكمين ... وهما اللذان أخطآ وأصاب هو٨.
стр. 274
٤- والزيدية بأجمعها ترى السيف والعرض على أئمة الجور وإزالة الظلم وإقامة الحق١.
٥- وهي بأجمعها لا ترى الصلاة خلف الفاجر, ولا تراها إلا خلف من ليس بفاسق٢.
٦- وأجمعت على تفضيل علي على سائر أصحاب رسول الله ﷺ وعلى أنه ليس بعد النبي ﷺ أفضل منه٣.
أما في الفروع فهم على مذهب أبي حنيفة، رحمه الله تعالى، إلا في مسائل قليلة وافقوا فيها الشافعي -رحمه الله تعالى- والشيعة٤.
منهج الزيدية في تفسير القرآن الكريم:
ليس هناك من كبير فارق بين منهج الزيدية ومنهج أهل السنة والجماعة إلا الجارودية منهم, فإنهم أقرب إلى الاثني عشرية منهم إلى أهل السنة.
ولهذا فإنا, كما قال الشيخ محمد حسين الذهبي، رحمه الله تعالى: لا نطمع بعد ذلك أن نرى للزيدية أثرا مميزا وطابعا خاصا في التفسير كما رأينا للإمامية؛ لأن التفسير إنما يتأثر بعقيدة مفسرة ويتخذ له طابعا خاصا واتجاها معينا, حينما يكون لصاحبه طابع خاص واتجاه معين, وليست الزيدية -بصرف النظر عن ميولهم الاعتزالية- بمنأى بعيد عن تعاليم أهل السنة وعقائدهم, حتى يكون لهم في التفسير خلاف كبير٥.
وإذا كان الذهبي -رحمه الله تعالى- لم يكد يظفر بشيء من تفاسيرهم إلا تفسير الشوكاني -رحمه الله تعالى- المسمى: "فتح القدير" وتفسير آخر لآيات الأحكام اسمه: "الثمرات اليانعة" لشمس الدين يوسف بن أحمد، وقال، رحمه
стр. 275
الله: "هذا هو كل ما عثرنا عليه للزيدية من كتب في التفسير"١، إذا كان الذهبي -رحمه الله تعالى- قال هذا ومجاله أوسع زمنا وذهنه أوسع علما، فإني بحثت عن شيء من تفاسيرهم في القرن الرابع عشر مجال بحثي, ونقبت في بطون الكتب والأبحاث وسألت أهل الذكر وأهل العلم من أهل السنة والزيدية وغيرهم, فلم يرشدني أحد منهم إلى كتاب في التفسير للزيدية ألف في القرن الرابع عشر الهجري.
وأرفع القلم هنا لانتظار تفسير جديد أو للاستمرار في البحث والتنقيب علي أجد ما لم أعثر عليه فيما مضى. وحينئذ أمسك القلم كرة أخرى, وبالله التوفيق.
стр. 276
الفصل الثالث: منهج الأباضية في تفسير القرآن الكريم
التعريف بالأباضية:
لا أريد أن أتحدث عن نشأة فرقة الخوارج هنا؛ لأن انقداح شرارتهم الأولى بعد التحكيم بين علي ومعاوية ﵄ أمر مشهور. هذا أولا, ولأنه لم يبق منهم في وقتنا هذا أحد, وهذا ثانيا. أما ثالثا فلأن الأباضية يرفضون كل الرفض وينفون كل النفي نسبتهم إلى الخوارج ويصفون "إطلاق لفظ الخوارج على الأباضية أهل الحق والاستقامة من الدعايات المغرضة التي نشأت عن التعصب السياسي أولا, ثم المذهبي ثانيا لما ظهر غلاة المذاهب, وقد خلطوا بين الأباضية والأزارقة والصفرية والنجدية, فالأباضية أهل الحق لم يجمعهم جامع بالصفرية والأزارقة ومن نحا نحوهم إلا إنكار التحكيم بين علي ومعاوية وهو رأي علي قبل الضغط عليه بقبول التحكيم, ولما كان مخالفونا لا يتورعون ولا يكلفون أنفسهم مئونة البحث عن الحق ليقفوا عنده, خلطوا بين الأباضية أهل الحق الذين لا يستبيحون مالا ولا قطرة من دم موحد وبين من استحلوا الدماء بالمعصية الكبيرة حتى قتلوا الأطفال تبعا لآبائهم, مع أن الفرق كبير جدا كالفرق بين المستحل والمحرم, فماذا بعد الحق إلا الضلال؟! "١.
لهذه الأمور نقتصر في هذا الموضع على فرقة الأباضية وحدها, وقد آثرنا ألا ننقل إلا من كتبهم أو ما طبع تحت إشرافهم أو ما لا ينكرون نسبته إليهم.
стр. 277
أما نسبتهم فإلى عبد الله بن أباض بن تيم اللات بن ثعلبة, من بني مرة بن عبيد رهط الأحنف بن قيس آل مقاعس التميمي، كان من أهل العراق, جاء إلى الإمام جابر بن زيد لأخذ العلم عنه وكان يناظره في أموره وفي مهماته الدينية, وفيما يأتي منها وما يذر١.
وأما مركز المذهب الأباضي فقد كان في البصرة حيث نشأ فيها, ثم اتصل بعمان وقامت له بالمغرب دولة، وامتد المذهب إلى اليمن وإلى خراسان وإلى مصر وإلى الجزيرة العربية٢.
أما في وقتنا هذا فذكر السفير العماني في تونس أن مذهبهم الأباضي منتشر في "المغرب والمشرق: فهم في مكة والمدينة والبصرة وخراسان واليمن وحضرموت وعمان وأفريقية الشرقية"٣.
ولا أعتقد صحة انتشارهم في المناطق الست الأولى المذكورة, أما انتشارهم في أفريقية الشرقية فلعل الصحيح أنهم في زنجبار وليس في كل هذه المنطقة، كما أنه لم يذكر لهم وجودا في تونس والجزائر وليبيا مع وجودهم في جبل نفوسة وزوارة من طرابلس وجزيرة جربة من تونس ووادي ميزاب بالجزائر٤.
هذا بالنسبة لنسبته ومركزه, أما تاريخ ظهوره ففي القرن الأول من الهجرة إذ إن عبد الله بن أباض كان معاصرا لعبد الملك بن مروان "٢٦-٨٦هـ" وكان بينهما مراسلات ولا يعرف لولادة أو وفاة عبد الله بن أباض تاريخ٥.
стр. 278
عقائدهم:
في معرفة الله:
قالوا: "إن معرفة الله ﵎ واجبة بالعقل قبل ورود الشرع, فلما ورد الشرع زادها إيضاحا وأعلن إيجابها"١. وقال أحد أئمتهم نظما:
معرفة الباري من العقول ... فكيف بالسماع والنقول
ولا يجوز جهلها لجاهل ... طرفة عين عند ذي الدلائل٢
أما في الصفات فقالوا: "لا يخفى على أهل العلم أن الله خاطبهم بلسانهم وحاورهم بما يجري بمعقولهم، فهم يفهمون الخطاب من نفس القرائن قبل التحقق لفحوى الخطاب، ولما تقرر في الشريعة أن الله عز وعلا مباين لمخلوقاته في الذات والصفات والأفعال لم يعد لهم وهم أو جهل في شيء من وحي الله عز شأنه, فإن صفات المخلوق تخالف صفات الخالق ﵎ فلا يرتبك الفهم العربي مهما كان في معرفة اللسان. فلذا لما كان الأخذ في اللغة باليد ومراقبة الأشياء المبصرة بالعين, وهكذا عبر الله ﵎ عن معانيها بمثل ما عبر به عن نفس ما في الإنسان فقال: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ ٣, فالعين في حق الله عز وعلا معروفة بأنها حفظه واليد مفهومة في حقه قدرته لما قدمنا من استقرار الفهم باستحالة صفة الإنسان أن تكون صفة الرحمن, وهكذا بقية الصفات كالقبضة والاستواء والمجيء والجد والمكر والجنب, فإن هذه عبارات يتخاطب بها البشر فيما بينهم فخاطبهم الله فيما بينهم وإياه لاستقرار معانيها عندهم في حق الله, فلا يذهبون بها إلى غيرها, وقد علموا أن الله جلت قدرته مباين لهم في الأحوال كلها, كما وضع لهم ذلك في قوله:
стр. 279
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ١، ٢.
ثم قالوا: "فمن حاد عن نهجهم فقد رمى نفسه في لجة لا يرى خلاصه منها أبدا، ومعنى جد الله عظمته وجنبه أمره كما صرح به العلماء, والمكر عقوبتة واستوى على العرش معناه القهر والغلبة ... ووجهه تعالى ذاته"٣.
وقالوا: "إنه موجود بغير مشاهدة، قديم بلا بداية أوجد منها نفسه, دائم بلا نهاية، حي قيوم لا تأخذه سنة ولا نوم، عالم بما كان وما يكون، لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض ولا يخفى عليه شيء في الظلمات, قادر بلا تكلف متكلم بلا لسان، سميع بلا آذان بصير بلا حدقة ولا أجفان, إله كل شيء وخالقه وإليه منتهاه، اخترع الخلق من غير مثال, سبحانه من قادر حكيم بفعل ما يشاء ويحكم ما يريد"٤.
إنكار الرؤية:
مذهبهم في الرؤية الإنكار بشدة حيث قالوا: "لا يخفى أن القول بالرؤية يهدم التوحيد من أساسه، ويقضي عليه من أصله فإن الرؤية توجب الحلول والله منزه عنه وتثبت التحيز، وتقرر الظرفية وتحقق التلون، وتقضي بالجهة ونحو ذلك، فهذه كلها قوادح في صحة الألوهية يتعالى الله عنها، ولم تبق صفة من الصفات الإلهية ثابتة على أساسها ولا قائمة على قواعدها، فالذي يرى لا يصلح أن يكون ربا "!! " فإن الرؤية للمخلوقات، ورب الأرض والسموات منزه عنها، والتكييف لا يليق بجلال الله وعظمته وهو من لوازمها والتمييز للذات العلية غير ممكن، والقائل بالرؤية مخطئ خطأ لا يغتفر أو يتوب إلى الله ويستغفره، وما ورد مثبتا لها فقد أنكره المسلمون "!! " وحكموا بوضعه،
стр. 280
فإن أصله في دسائس اليهود لفهم الله" "!! "١.
القرآن الكريم:
ترى الأباضية أن القرآن مخلوق, فقال أحد علمائهم المعاصرين: "الأباضية يقولون: إن الله خالق كل شيء والقرآن شيء من الأشياء, وقال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ ٢. والقرآن كما قلنا شيء من الأشياء، وهو كلام الله خلقه الله وقدره بحسب الحوادث التي ستكون من العباد كما اقتضاها قضاؤه وقدره, فإن دلائل الحدوث في نفسه ظاهرة وهي شاهدة بخلقه ولو كان غير مخلوقلكان قديما، ولو كان قديما لكان مشاركا لله في صفة القدم، ولو شاركه في صفة القدم لتعددت القدماء ولو تعددت القدماء انتفى قدمه الخاص به الذي اتصف به, فإنه صار له فيه شركاء وهذا ظاهر الفساد ساقط الاعتبار، ولو كان متكلما كخلقه للزم له ما يلزم لخلقه من اللسان الذي هو آلة الكلام ولزم له أشداق وفم يخرج منه الكلام، وهذا باطل عقلا، ثم وصفه الله بأنه حادث في قوله : ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ ٣ ووصفه بأنه منزل من اللوح وكان حالا فيه والتنزيل صفة الحدوث، وكونه حالا في اللوح، فاللوح حادث ولا يحل في الحادث إلا حادث عقلا وبديهة, وهذه الصفات كلها تعطي معنى الحدوث، ووصفه بأنه آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم وصدورهم حادثة والحال في الحادث حادث قطعا؛ لأن القديم منزه عن الحوادث فالله لا يطرقه معنى الحدوث ولا يليق به تعالى وإلا لم تصح الصفات الكمالية له تعالى، وكلام الله ليس على وتيرة كلام الخلق وإن كان الكلام المعروف هو ما على المنهج المألوف تتألف كلماته من الحروف، فإن الله ﷻ خالق الحروف والأصوات والآلات التي بها يتكون، والله منزّه عن هذا كله قطعا"٤.
стр. 281
مسألة الخلود:
يعتقد الأباضية أن "داخل النار من عصاة الموحدين مخلد فيها لا يخرج منها أبدا, فهو في الخلود مثل داخل الجنة, إلا أن الموحد أخف عذابا من غيره"١ وقال ناظمهم:
ومن يمت على الكبير عُذِّبا ... وذاك في القرآن حكما وجبا
........................ ... ........................
لكنه في النار قطعا يخلد ... فهو بها معذب مؤبد
خروجهم في الذكر قد نفاه ... ربي, فيا ويل لمن يلقاه٢
وقال أحد علمائهم المعاصرين: "إن ثواب الله لعباده المؤمنين الجنة وإن عقاب الله لأعدائه النار، وإن الجنة والنار لا تفنيان، ومن اعتقد فناءهما كفر شركا؛ لأن الله قال في الجنة: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ ، وكذلك قال في النار والعياذ بالله منها, في مئات من الآيات وصرح جل وعز بذلك فالثواب والعقاب أبديان، وكذلك ثبت في السنة النبوية, إذ قال رسول الله ﵌: "إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار, جيء بالموت فيذبح بين الجنة والنار وينادي منادٍ: يا أهل الجنة خلود ولا موت, ويا أهل النار خلود" ٣. وعلى هذا عقيدة الأباضية متابعة القرآن وسنة المصطفى من آل عدنان ﷺ ، ومن خالف هذه العقيدة متأولا فهو فاسق ضال منافق كافر نعمة، ومن خالفها بغير تأويل فهو كافر شركا"٤.
стр. 282
مسألة الشفاعة:
ويرون أن الشفاعة لا تنال أصحاب الكبائر من الأمة المحمدية, ولا ينالها إلا من مات منهم على الوفاء والتوبة النصوح١.
قال أحد علمائهم نظما٢:
ومن يمت على الكبير عذبا ... وذاك في القرآن حكما وجبا
ليس له شفاعة من أحد ... من الورى حتى النبي أحمد
ارتكاب الكبيرة:
يطلق الأباضية على الموحد العاصي كلمة كافر, ويعنون بها كافر النعمة ويجرون عليه أحكام الموحدين. فالكفر عندهم كفر نعمة ونفاق وهو هذا, وكفر شرك وجحود وهو الذي يخرج الإنسان من الملة الإسلامية٣.
فالعصاة من الموحدين عندهم "قد خرجوا من الشرك بلا إله إلا الله محمد رسول الله، وخرجوا عن المؤمنين بفعل المعاصي, فإن الرسول ﵊ يقول: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن" ٤ ... الحديث، وذلك فرع على قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ﴾ لهم يا محمد ﴿لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ ٥. ومعنى قولوا: إنا مسلمون بقولكم: لا إله إلا الله محمد رسول الله, أما الإيمان فلا لأنكم تفعلون ما لا يرضاه, فأنتم باعترافكم بوحدانية الله حين قلتم: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فبهذا أسلمتم فحرمت دماؤكم وأموالكم إلا بحقها وحسابكم على الله، إما عفو, وإما عقاب"٦.
стр. 283
وهم ينكرون ما قال به المعتزلة من أن مرتكب الكبيرة قد خرج من الإيمان بكبيرته ولم يدخل الكفر لإقراره بشهادة: أن لا إله إلا الله, وإنما هو في منزلة بين المنزلتين, ينكر الأباضية هذه المنزلة حيث يقول ناظمهم في "باب في الكفر":
من لم يكن متقيا لله ... فهو أخو كفر بلا اشتباه
لأنه ما بينهن منزله ... كذاك في القرآن ربي أنزله
وكشفه بأن تقسمنه ... للشرك والنعمة فأفهمنه١
والخلاصة عندهم: أن الدرجات عندهم إيمان, كفر نعمة كفر شرك.
الميزان والصراط:
ويرى جمهور الأباضية أن الميزان ليس بحسي والله غني عن الافتقار إليه, وإنما هو تمييز معنويللأعمال: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾ ٢ كيف والأعمال ليست بأمور محسوسة حتى توزن بميزان من نوعها والصراط أيضا ليس بحسي, وإنما هو دين الله الحق وطريقه القويم, فمن اتبعه فاز ونجا ومن حاد عنه خسر وهوى، ومن الأباضية من يجيز أن يكون الميزان والصراط حسيين٣.
الولاية والبراءة:
تعتقد الأباضية أن كلا من الولاية والبراءة تنقسم إلى قسمين: ولاية أشخاص وولاية جملة, وكذا البراءة براءة الأشخاص وبراءة الجملة قالوا: "ولا يخفى أن الولاية والبراءة تجبان للأفراد كما تجبان للجماعة, ومن خصهما بالجماعة دون الأفراد وقع في قصور وتقصير"٤.
ومن ولاية الأشخاص ولاية أم موسى وامرأة فرعون وكذلك مؤمن آل فرعون والرجل الذي جاء من أقصى المدينة يسعى.
стр. 284
وفي البراءة ما يقابل هؤلاء كالذي حاج إبراهيم في ربه، وكالذي جاء في قوله تعالى: ﴿الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ ١, فهذه أدلة واضحة كالشمس ولا توجد هذه الأحوال إلا مع الأباضية٢.
هذا شأن الولاية والبراءة للأشخاص عندهم, أما الولاية أو البراءة للجملة، فقالوا: "لا يخفى أن وجوب الاستغفار للمؤمنين والمؤمنات موجب لولايتهم, إذ لا معنى للأمر بالاستغفار للمؤمنين والمؤمنات في مثل هذا المقام إلا الوجوب ولا يصح الاستغفار لغير الولي"٢، ولا يخفى أن البراءة تجب من أهل المعاصي مطلقا سواء كانت كبائر كفر نعمة، أو كبائر شرك كما نص على ذلك القرآن وإجماع المسلمين مطلق على ذلك، والبراءة الشرعية توجب البغض، أي: إن البغض ثمرة البراءة من أهل المعاصي مطلقا وكذلك الشتم أي: شتم العاصي لعصيانه ولعن الكافر لكفره٣.
أما صورة الولاية فهي: "أن يتولى المكلفون من تثبت ولايته وهو الطائع الوفي بما أمره الله فيحبونه لذلك ويستغفرون له ويساعدونه في شئونه الدنيوية من بيع وشراء وسائر المعاملات، وأما البراءة فصورتها أن يتبرءوا من العاصي ويقطعون معاملته ويهجرونه بحيث يصير كأنه بمعزل عن العالم إلى أن يتوب إلى الله, فإذا تاب وأقلع عن معصيته أعيدت إليه هذه الحقوق وعُومل بما يعامل به سائر إخوانه"٤.
ولذلك وجد عندهم اصطلاحات الخطة والهجران والإبعاد والطرد وهي "ألفاظ تترادف على معنى واحد وذلك متى أجرم واحد من أهل الطريق أو ظهرت عليه خزية أو أتى بنقيصة في قول أو عمل فإنه يهجره أهل الصلاح, فلا يكلم ولا يحضر جماعة ولا يؤم ولا يؤاكل ولا يجالس, وكانت خطة حالت
стр. 285
بينه وبين أهل الخير, فإن تاب واستغفر قبل منه ورجع إلى الجماعة وزال عنه شين ذلك الوسم, ويكون بقاؤه في وحشة الهجران بقدر عظم الذنب وصغره وتوبة المجرم وإصراره"١.
ولا يزال هذا الأمر يطبق في بعض جهاتهم, قال الأستاذ حافظ رمضان عن هؤلاء: "لا تزال بقية هؤلاء في بلاد الجزائر وهم يعيشون على وتيرة منظمة وتقاليد عريقة ولا تحكم بينهم محاكم الدولة, وإذا ماطل مدين دائنه دخل المسجد وأعلن ذلك, وحينئذ يقاطع الناس المدين فلا يسلمون عليه ولا يعاملونه حتى يوفي ما عليه"٢.
وهو أيضا حال الميزابيين اليوم بالجزائر "فإنهم ما زالوا في تطبيق أحكام الولاية والبراءة"٣.
الإمامة:
قلت: إن الأباضية ترفض كل الرفض انتماءها أو نسبتها إلى فرقة الخوارج، مع أنهم يوافقون فرقة الخوارج في كل مواقفهم مما جرى بين علي ومعاوية ﵄ ومع أن الخوارج لم يطلق عليهم هذا الوصف إلا لمواقفهم تلك.
وعلى كل حال, فالأباضية ترى أن عليا ﵁ حين قبل بالتحكيم بينه وبين معاوية ﵁ فإنه بهذا قد خلع نفسه عن الإمامة وولاها الحكمين على عهد الله وميثاقه، ولهما أن يوليا من شاءا ويعزلا من شاءا, وقد اتفق الحكمان على خلع علي واختلفا في تولية معاوية فولاه إياها عمرو بن العاص ولم يولها إياه أبو موسى الأشعري. وهم لا يرضون معاوية إماما في الدنيا فضلا عن أن يكون إماما للدين؛ لذلك تسرعوا إلى بيعة عبد الله بن