← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 8679

اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر

فهد الرومي

Полный текст (1 278 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

مسألة الخلود: يعتقد الأباضية أن "داخل النار من عصاة الموحدين مخلد فيها لا يخرج منها أبدا, فهو في الخلود مثل داخل الجنة, إلا أن الموحد أخف عذابا من غيره"١ وقال ناظمهم: ومن يمت على الكبير عُذِّبا ... وذاك في القرآن حكما وجبا ........................ ... ........................ لكنه في النار قطعا يخلد ... فهو بها معذب مؤبد خروجهم في الذكر قد نفاه ... ربي, فيا ويل لمن يلقاه٢ وقال أحد علمائهم المعاصرين: "إن ثواب الله لعباده المؤمنين الجنة وإن عقاب الله لأعدائه النار، وإن الجنة والنار لا تفنيان، ومن اعتقد فناءهما كفر شركا؛ لأن الله قال في الجنة: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ ، وكذلك قال في النار والعياذ بالله منها, في مئات من الآيات وصرح جل وعز بذلك فالثواب والعقاب أبديان، وكذلك ثبت في السنة النبوية, إذ قال رسول الله ﵌: "إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار, جيء بالموت فيذبح بين الجنة والنار وينادي منادٍ: يا أهل الجنة خلود ولا موت, ويا أهل النار خلود" ٣. وعلى هذا عقيدة الأباضية متابعة القرآن وسنة المصطفى من آل عدنان ﷺ ، ومن خالف هذه العقيدة متأولا فهو فاسق ضال منافق كافر نعمة، ومن خالفها بغير تأويل فهو كافر شركا"٤.

стр. 282

مسألة الشفاعة: ويرون أن الشفاعة لا تنال أصحاب الكبائر من الأمة المحمدية, ولا ينالها إلا من مات منهم على الوفاء والتوبة النصوح١. قال أحد علمائهم نظما٢: ومن يمت على الكبير عذبا ... وذاك في القرآن حكما وجبا ليس له شفاعة من أحد ... من الورى حتى النبي أحمد ارتكاب الكبيرة: يطلق الأباضية على الموحد العاصي كلمة كافر, ويعنون بها كافر النعمة ويجرون عليه أحكام الموحدين. فالكفر عندهم كفر نعمة ونفاق وهو هذا, وكفر شرك وجحود وهو الذي يخرج الإنسان من الملة الإسلامية٣. فالعصاة من الموحدين عندهم "قد خرجوا من الشرك بلا إله إلا الله محمد رسول الله، وخرجوا عن المؤمنين بفعل المعاصي, فإن الرسول ﵊ يقول: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن" ٤ ... الحديث، وذلك فرع على قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ﴾ لهم يا محمد ﴿لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ ٥. ومعنى قولوا: إنا مسلمون بقولكم: لا إله إلا الله محمد رسول الله, أما الإيمان فلا لأنكم تفعلون ما لا يرضاه, فأنتم باعترافكم بوحدانية الله حين قلتم: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فبهذا أسلمتم فحرمت دماؤكم وأموالكم إلا بحقها وحسابكم على الله، إما عفو, وإما عقاب"٦.

стр. 283

وهم ينكرون ما قال به المعتزلة من أن مرتكب الكبيرة قد خرج من الإيمان بكبيرته ولم يدخل الكفر لإقراره بشهادة: أن لا إله إلا الله, وإنما هو في منزلة بين المنزلتين, ينكر الأباضية هذه المنزلة حيث يقول ناظمهم في "باب في الكفر": من لم يكن متقيا لله ... فهو أخو كفر بلا اشتباه لأنه ما بينهن منزله ... كذاك في القرآن ربي أنزله وكشفه بأن تقسمنه ... للشرك والنعمة فأفهمنه١ والخلاصة عندهم: أن الدرجات عندهم إيمان, كفر نعمة كفر شرك. الميزان والصراط: ويرى جمهور الأباضية أن الميزان ليس بحسي والله غني عن الافتقار إليه, وإنما هو تمييز معنويللأعمال: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾ ٢ كيف والأعمال ليست بأمور محسوسة حتى توزن بميزان من نوعها والصراط أيضا ليس بحسي, وإنما هو دين الله الحق وطريقه القويم, فمن اتبعه فاز ونجا ومن حاد عنه خسر وهوى، ومن الأباضية من يجيز أن يكون الميزان والصراط حسيين٣. الولاية والبراءة: تعتقد الأباضية أن كلا من الولاية والبراءة تنقسم إلى قسمين: ولاية أشخاص وولاية جملة, وكذا البراءة براءة الأشخاص وبراءة الجملة قالوا: "ولا يخفى أن الولاية والبراءة تجبان للأفراد كما تجبان للجماعة, ومن خصهما بالجماعة دون الأفراد وقع في قصور وتقصير"٤. ومن ولاية الأشخاص ولاية أم موسى وامرأة فرعون وكذلك مؤمن آل فرعون والرجل الذي جاء من أقصى المدينة يسعى.

стр. 284

وفي البراءة ما يقابل هؤلاء كالذي حاج إبراهيم في ربه، وكالذي جاء في قوله تعالى: ﴿الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ ١, فهذه أدلة واضحة كالشمس ولا توجد هذه الأحوال إلا مع الأباضية٢. هذا شأن الولاية والبراءة للأشخاص عندهم, أما الولاية أو البراءة للجملة، فقالوا: "لا يخفى أن وجوب الاستغفار للمؤمنين والمؤمنات موجب لولايتهم, إذ لا معنى للأمر بالاستغفار للمؤمنين والمؤمنات في مثل هذا المقام إلا الوجوب ولا يصح الاستغفار لغير الولي"٢، ولا يخفى أن البراءة تجب من أهل المعاصي مطلقا سواء كانت كبائر كفر نعمة، أو كبائر شرك كما نص على ذلك القرآن وإجماع المسلمين مطلق على ذلك، والبراءة الشرعية توجب البغض، أي: إن البغض ثمرة البراءة من أهل المعاصي مطلقا وكذلك الشتم أي: شتم العاصي لعصيانه ولعن الكافر لكفره٣. أما صورة الولاية فهي: "أن يتولى المكلفون من تثبت ولايته وهو الطائع الوفي بما أمره الله فيحبونه لذلك ويستغفرون له ويساعدونه في شئونه الدنيوية من بيع وشراء وسائر المعاملات، وأما البراءة فصورتها أن يتبرءوا من العاصي ويقطعون معاملته ويهجرونه بحيث يصير كأنه بمعزل عن العالم إلى أن يتوب إلى الله, فإذا تاب وأقلع عن معصيته أعيدت إليه هذه الحقوق وعُومل بما يعامل به سائر إخوانه"٤. ولذلك وجد عندهم اصطلاحات الخطة والهجران والإبعاد والطرد وهي "ألفاظ تترادف على معنى واحد وذلك متى أجرم واحد من أهل الطريق أو ظهرت عليه خزية أو أتى بنقيصة في قول أو عمل فإنه يهجره أهل الصلاح, فلا يكلم ولا يحضر جماعة ولا يؤم ولا يؤاكل ولا يجالس, وكانت خطة حالت

стр. 285

بينه وبين أهل الخير, فإن تاب واستغفر قبل منه ورجع إلى الجماعة وزال عنه شين ذلك الوسم, ويكون بقاؤه في وحشة الهجران بقدر عظم الذنب وصغره وتوبة المجرم وإصراره"١. ولا يزال هذا الأمر يطبق في بعض جهاتهم, قال الأستاذ حافظ رمضان عن هؤلاء: "لا تزال بقية هؤلاء في بلاد الجزائر وهم يعيشون على وتيرة منظمة وتقاليد عريقة ولا تحكم بينهم محاكم الدولة, وإذا ماطل مدين دائنه دخل المسجد وأعلن ذلك, وحينئذ يقاطع الناس المدين فلا يسلمون عليه ولا يعاملونه حتى يوفي ما عليه"٢. وهو أيضا حال الميزابيين اليوم بالجزائر "فإنهم ما زالوا في تطبيق أحكام الولاية والبراءة"٣. الإمامة: قلت: إن الأباضية ترفض كل الرفض انتماءها أو نسبتها إلى فرقة الخوارج، مع أنهم يوافقون فرقة الخوارج في كل مواقفهم مما جرى بين علي ومعاوية ﵄ ومع أن الخوارج لم يطلق عليهم هذا الوصف إلا لمواقفهم تلك. وعلى كل حال, فالأباضية ترى أن عليا ﵁ حين قبل بالتحكيم بينه وبين معاوية ﵁ فإنه بهذا قد خلع نفسه عن الإمامة وولاها الحكمين على عهد الله وميثاقه، ولهما أن يوليا من شاءا ويعزلا من شاءا, وقد اتفق الحكمان على خلع علي واختلفا في تولية معاوية فولاه إياها عمرو بن العاص ولم يولها إياه أبو موسى الأشعري. وهم لا يرضون معاوية إماما في الدنيا فضلا عن أن يكون إماما للدين؛ لذلك تسرعوا إلى بيعة عبد الله بن

стр. 286

وهب الراسبي المعروف بذي الثفنات، ولما وقعت البيعة منهم له لزمت وحرم تركها بغير موجب، فإذا فعل الإمام موجب فسخها لزم خلعه منها، وإن أصر عليها وجب على المسلمين قتاله، وذلك كما إذا فسخ إمامته أو جار أو ظلم أو ترك واجبا دينيا, وذلك بعد تتويبه فإذا تاب قبل منه١. وبهذا يتبين أن خروجهم على علي ﵁ إنما هو لقبوله التحكيم وهم يعتبرون هذا القبول فسخا لإمامته, وفسخه لإمامته يوجب عندهم خلعه وإن أصر على الإمامة وجب قتاله بعد استتابته. ولا ريب بعد هذا أن تكون الإمامة عند هؤلاء في منزلة كبرى وأصلا من أصولهم, يضعون له ويبنون عليه الأحكام. ولذلك قالوا: "وعندنا أن الإمامة من الأصول لما صح عن عمر وغيره من الأمر بقتل من تعين نصبه إماما, فأبى من قبولها "!! " إلا أنها ليست مما يقدح تخلفه في صفة الله. فمعنى كونها من الأصول أنه لا يجوز الخلاف فيها"٢. والإمامة عندهم واجبة "ووجوب نصب الإمام في الأمة معروف من الكتاب والسنة وإجماع الأمة, ألا ترى أن الصحابة اشتغلوا بعلاج قضية الإمامة عندما تحققوا موت النبي ﷺ لما يرون من لزوم أمرها, فإن النبي ﵌ لم يدفن بعد وهم في أمر الإمامة ... وفي القرآن الأمر بالحدود في الزنى والخمر٣ والقذف والسرقة وقتل القاتل وقطاع الطرق وغير ذلك والمخاطب بذلك الإمام ومن في معناه من سلطان وأمير وإمام, فإذن هذه ألقاب لا معول عليها بل المعول على العدل ولا يخفى أن الإنسان لا يحكم على نفسه، وليس له أن ينفذ حدا على غيره فضلا عن نفسه ما لم يكن إماما أو سلطانا عادلا. فإن السلطان العادل ظل الله في أرضه, سواء كان إماما

стр. 287

أو أميرا أو خليفة أو سلطانا بحسب الاصطلاح, قال رسول الله ﵌: "الحدود والجمعات والفيء والصدقات إلى الأئمة"، والمراد من هؤلاء كلهم العادل, قال الله لنبيه إبراهيم الخليل ﵊: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ ١. وكذلك الأمر في تعجيل إمامة عمر ﵁ لولا وجوبها لكان لقائل أن يقول: ما حاجة على الإمامة "كذا" وليترك الناس على ما هم عليه ولكنهم لم يتركوهم بل بايعوا بعد عمر عثمان بن عفان, ثم بايعوا بعد عثمان علي بن أبي طالب ... وهكذا ... وبذلك أجمعت الأمة على وجوب الإمامة"٢. ولهم شروط في وجوب الإمامة إذا توفرت الشروط وجبت الإمامة, ولهم شروط أيضا في الإمام الذي تصح له البيعة. أما شروط وجوب الإمامة: "فأن يكون أهل الحق٣ نصف عدوهم المتخوف منه أو أكثر، ولهم ما يكفيهم من علم ومال وسلاح وكراع، وإذا عقدت الإمامة لمن هو لها أهل لم يجز له تركها"٤، ولم أجد بيان الحكم إذا كانوا أقل من نصف عدوهم. أما شروط الإمام فـ"أن يكون ذكرا بالغا عاقلا عالما بالأصول والفروع متمكنا من إقامة الحجج وإزالة الشبه ذا رأي وخبرة في الحروب شجاعا ولو كان لا يباشرها بنفسه لا يلين ولا يفشل من أهوالها ولا يهاب إقامة الحدود وضرب الرقاب في سبيل الله ونصرة الحق, وإذا توفرت هذه الشروط في القرشي فهو أولى وإلا فغيره ممن رضيه أهل الحل والعقد من المسلمين، ولا يفهم من هذه الشروط أن نصب الإمام غير واجب إذا فقد شرط منها, لا بل يتعين عليهم نصبه ولو كان

стр. 288

دون هذه المنزلة, إذ العبرة بالشروط الأساسية التي لا يشاد صرح الإمامة بدونها"١. قالوا: "والقوة والعلم من ضروريات صفات الإمام الذي يصلح أن يكون قائد أمة أو زعيم عامة فإنه إذا كان ضعيفا فإن ضعفه يؤخره عن القيام بالواجبات التي تناط به ... والعلم هو الأساس الذي يجب على المسلم أن يمشي عليه ما عاش. وبالأخص أهل المناصب إذ تتوجه إلى الإمام حدود وولاية وبراءة وما إليها من جباية الزكاة وبيوت الأموال والقيام بمصالح الأمة إلى أشياء عديدة, فينظر بالعلم من يقدم على العمل ومن يؤخر, فإن بالعلم يقوم الدين؛ ولهذا أوجب الأباضية العلم في الإمامة"٢. أما شرط القرشية فلا يقولون به, بل قالوا: "إن وجد المستقيم في قريش حسنت بيعته, وإذا بويع وجبت طاعته لا من حيث إنه قرشي بل من حيث إنه صالح, فإن المطلوب في الأمة الصلاح وهل لقريش مزيد فضل بدون الصلاح؟ فإن الله أمر بالصلاح ودعا ... والواقع أن رسول الله ﵌ لم يول قريشا فقط وإنما ولى من عدة قبائل في العرب، وصحة الإمامة أصل لصحة الولاية فإنها فرع عليها، وما جاز في الأصل جاز في الفرع ولم يجعل الله عز وعلا الأمر في أمة خاصة أو في قبيلة خاصة أو في بلد خاص"٣. بل يكفي أن يكون الخليفة متصفا بالفضيلة, سائرا بموجب الكتاب والسنة لتصح خلافته, فإن انحرف عنهما أي: الكتاب والسنة, فقد تهور في أعماله ورجع القهقرى، ولا بد أن يكون تعلق بالهوى وخلع ربقة التقوى فلا يصح أن يبقى على هذا الحال إماما ... وليس من الحق أن نترك المنحرف عن واجب الكتاب والسنة لا عقلا ولا نقلا فيما علمنا٤، وتجب طاعته ما دام على الحق والعدل شعاره, فإن جار في الحكم وخالف الحق ولم يتب جاز, بل وجب الخروج عنه٥.

стр. 289

موقفهم من الصحابة، رضوان الله عليهم: إن الأباضية يوالون أبا بكر وعمر ﵄ أما الأول فقد كان: "عاملا بما جاءت به النبوة, تابعا لأوامرها, قائما بما قامت به الأمة, محافظا لسيرتها، وبذلك لم يفقد من النبي ﵊ إلا شخصه الكريم ونزول الوحي بعده١. ومات والأمة الإسلامية كلمة واحدة راضية عنه عند موته"٢. أما عمر بن الخطاب ﵁ فقد: "سار مسيرة صاحبه وأعطى القوس باريها وأجرى الأمور مجاريها"١ حتى مات شهيدا مبكيا عليه مأسوفا على مآثره وعلى سيرته المرضية وأيامه الزاهية البهية٣. أما عثمان ﵁ فليس له عندهم مثل منزلة صاحبيه ﵄ ونذكر هنا ما يتعلق به ﵁ من رسالة بعث بها إمامهم عبد الله بن أباض إلى عبد الملك بن مروان قال فيها: "فولوا عثمان فعمل ما شاء الله بما يعرف أهل الإسلام, حتى بسطت له الدنيا وفتح له من خزائن الأرض ما شاء الله, ثم أحدث أمورا لم يعمل بها صاحباه قبله وعهد الناس بنبيهم حديث, فلما رأى المؤمنون ما أحدث أتوه فكلموه وذكروه بكتاب الله وسنة من كان قبله من المؤمنين, فشق عليه أن ذكروه بآيات الله "!! " وأخذهم بالجبروت وضرب منهم من شاء وسجن ونفى"٤، وقال أحد معاصريهم: "فإن كان عثمان على حق فالخارجون عليه المحاربون له ضالون بذلك تجب منهم البراءة، فما لكم تقولون: ﵃, وهم خارجون على إمام الحق وإن كان عثمان ظالما وخرجوا عليه لظلمه, فمن الواجب القيام على الظالم حتى يرجع عن ظلمه" إلى أن قال: "أما كون عثمان أمير المؤمنين وكل ما يفعله أمير المؤمنين من الحق والباطل

стр. 290

مقبول عند الله وهو لذلك يجب أن يحترم. وإذا كان كذلك فما بال مائة ألف سيف في المدينة بأيدي المهاجرين والأنصار الذين وصفهم الله بالاستقامة في الدين, لا تدافع عن الإمام المحق, فما لهؤلاء الناس لا يأتون بالحق١ الذي يجب على كل مسلم أن يكون عليه؟! "٢. أما علي بن أبي طالب ﵁ فهم يعتقدون أنه إمام بالإجماع, بايعه المسلمون عن رضى به واختيار له من بين أقرانه؛ لما يرون فيه المناسبة لمنصب الإمامة ... وزاد على أقرانه الستة بكونه من بيت النبوة, فهو العالم العابد الزاهد الأمين الثقة التقي الذي سلم من الأهواء والتحيزات العنصرية, متجردا لله, قائما بحقوق الله، ثابتا على سلطان الله، يتساوى معه البعيد والقريب في الحق, لا تأخذه في الله لومة لائم. وهذه هي صفة علي بن أبي طالب وهو لم يزل كذلك حتى دخل عليه داخل٣ في سياسته ليضله عن طريقه, وهو يعتقد فيه أنه يريد الحق ويدعو إليه, وهو بطانة سوء لعلي بن أبي طالب فلذلك أثر عليه ...

стр. 291

ولا نعتقد في علي ما تعتقده فيه الشيعة، بل هو عبد من عباد الله وهو هكذا يقول, وبسبب بطانته السيئة وقع ما وقع١. أما خلاصة رأيهم فيه ﵁ بعد ذلك, فإنهم يرون أنه بقبوله التحكيم قد خلع نفسه عن الإمامة وولاها الحكمين على عهد الله وميثاقه أن يوليا من شاءا ويعزلا من شاءا, فقد اتفقا على خلعه واختلفا في التولية له, فولى أحدهما معاوية واحرنجم الثاني فلم يفعل شيئا وافترقا على ذلك، ولما رأى أولئك المؤمنون نهاية الواقع وما كانوا يرضون معاوية إماما في الدنيا, فضلا عن أن يكون إماما للدين فلذلك تسرعوا إلى البيعة لعبد الله بن وهب الراسبي المعروف بذي الثفنات، فلما وقعت البيعة لزمت, وحرم تركها بغير موجب"٢. ولذا فهم يعتقدون أن البيعة انتقلت بعد علي ﵁ إلى عبد الله بن وهب الراسبي, الذي بايعوه بعد التحكيم. "ولما بايعوه بعثوا إلى أصحابهم مسرورين ببيعتهم مبتهجين برضاه وقبوله على يقين واطمئنان أن علي بن أبي طالب لا يعود يطالبهم بإمامة أو يدعيها"٣. ولكن عليا ﵁ توجه إلى عبد الله الراسبي وأباد جيشه في النهروان, وكان عبد الله من بين القتلى، قال أحد مؤرخيهم: "ولا أظنه أمر بقتلهم ولا أشار إليهم ورأى السكوت يسعه حيث قال له القائمون بأمره عن القوم ما قالوا, ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم حيث نسبوا إلى أهل الحق ما نسبوا؛ ليتوصلوا إلى الباطل بما حصلوا, ولا أرى عليا إلا خليا من دماء القوم ولا ألومه, وهو قاصدهم ليتفاهم معهم ويتفاوض هو وإياهم"٤. لكنهم مع هذا لا يتبرءون من عبد الرحمن بن ملجم قاتل علي ﵁.

стр. 292

أما معاوية ﵁ فإنهم يعتقدون أن أولئك القائمين بالنهروان, كل واحد منهم أفضل من معاوية بمسافات١، "كذا" وهم يعتقدون أنه "خرج على الإمام محاربا له, شاقا عصا المسلمين يريد أن يفرق جمعهم ويهدم بناءهم ويقلب أمورهم ظهرا لبطن؛ ليسيطر عليهم فيكون ملكا فيهم وزعيما عليهم"٢، وقالوا: "فخرج معاوية على علي وعلى المسلمين، بل خرج على الدين لما كان علي بن أبي طالب إمام عامة, ثبتت إمامته بإجماع خرج عليه يشق عصا المسلمين ولا يبالي بما يكون من خصام وما يكون من دماء تسفك على غير حق، بل خرج على الإمام يشق طريق الخصام ولا يبالي بسفك دماء المسلمين"٢، هكذا زعموا في معاوية ﵁ أما طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وعائشة ﵃ أجمعين- فقالوا عنهم بعد بيعتهم لعثمان، ﵁: "وبايعه فيمن بايع طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام ثم نكثا ما بعنقهما من البيعة, واستنفرا معهما أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر, فحاربهم علي وقهرهم ... أما السيدة عائشة فقد تابت من عملها بعد ذلك, وندمت أشد الندم"٣. موقفهم من مخالفيهم: سأكتفي هنا بإيراد جزء من خطبة أبي حمزة المختار بن عوف أحد كبار أئمتهم، التي وجهها إلى أهل المدينة المنورة بعد استيلائه عليها فقال: "أيها الناس, نحن من الناس والناس منا إلا عابد وثن وملكا جبارا، وصاحب بدعة يدعو الناس إليها، وإن امتنعوا من ذلك دعوناهم إلى أن نجري عليهم حكم الله تعالى من دفع الحقوق والخضوع لواجب الأحكام, فإن أذعنوا لذلك تركناهم على ما هم عليه ووجب لهم من الحقوق والأحكام ما يجب لنا وعلينا إلا ما كان من الاستغفار, فلا حق لهم فيه ما داموا متمادين على ما هم عليه ووسعنا وإياهم

стр. 293

العدل ولهم حقوقهم من الفيء والغنائم والصدقات على وجوهها, ولهم علينا دفع الظلم عنهم كما يجب لسائر المسلمين، والعدل في الأحكام والدفاع عنهم وإن غزوا معنا فلهم سهامهم كما لنا، ومن امتنع منهم مما وجب عليه من الحقوق أدبناه بما يقمعه ونرده إلى سواء السبيل, وإن جاوزوا ذلك سفكنا دماءهم واستحللنا قتالهم وإن اعترفوا بطاعتنا وانفردوا ببلادهم وأجروا فيها أحكامهم تركناهم وذلك ما لم يكن رد على آية محكمة أو سنة قائمة ونستقضي عليهم منهم من يقوم بواجب الحقوق عليهم ولهم ونقبل قوله في ذلك على أسلوب القضاة كلهم, ولا يمنعنا من ولايتهم إلا ما هم عليه ونأخذ منهم كل ما يجب من الحقوق ونردها في فقرائهم وذوي الحاجة منهم وإن اتهمناهم في شيء أعذرنا إليهم, ولا نتركهم يظهرون منكرا بين أيدينا إذا كان عندهم منكرا ديانة ونمنعهم أن يحدثوا في أيامنا ما لم يكن إلا أن يكون أمرا لا مكروه تحته, وإن خرجوا علينا وهزمناهم, فإنا لا نتبع مدبرا ولا نجهز على جريح وأموالهم مردودة عليهم إلا ما كان عائدا لبيت المال, فإنا نأخذه ونصرفه في وجوهه ... وإن قدرنا عليهم قتلنا منهم كل من قتل أحدا منا بعينه قصاصا ونسرح سبيل الأسارى ولا نتبع المنهزمين ولا نعترض أحدا منهم إلا من طعن في الدين أو قتل من المسلمين أو دل عليهم, فهؤلاء يقتلون إذا قدرنا عليهم إلا من تاب قبل ذلك, ونصلي على قتلاهم وندفنهم ونجري المواريث بيننا وبينهم على وجوهها, والأموال والحرمات على وجوهها"١. مصادر التشريع: مصادر التشريع عند الأباضية هي مصادره عند أهل السنة, أعني: الكتاب والسنة والإجماع والقياس, لا ينكرون شيئا منها ولا يجحدونه كما وصفهم بعض من كتب عنهم، قال أحد علماء الأباضية: "وأحكام الشريعة كلها مأخوذة من طريق واحد وأصل واحد, وهو كتاب رب العالمين, وهو قوله ﵎:

стр. 294

﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُم.....﴾ ١ الآية، والسنة مأخوذة من الكتاب, قال الله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ ٢. والسنة علم بكتاب الله وبه أوجب اتباعها والإجماع أيضا علم بكتاب الله وبالسنة التي هي من كتاب الله؛ لأن الإجماع توقيف, والتوقيف لا يكون إلا عن الرسول صلى الله عليه وسلم٣. وعندهم أن ما ذكر في الكتاب أو السنة أو الإجماع, فهو نص والنص أصل يقاس عليه قالوا: "فما وجد في هذه الثلاثة الأصول فهو أصل, وما لم يوجد فهو فرع ويقاس عليهن ما لم يذكر في إحداهن٤ وقالوا: لا تقاس الأصول بعضها ببعض, والأصول ما جاء من الكتاب والسنة والإجماع, ويقاس ما لم يأت في الأصول على الأصول، والأصول مسلمة على ما جاءت"٥. وقال ناظمهم: يستخرج الحكم من الكتاب ... وهكذا من سنة الأواب كذلك الإجماع فيما اجتمعوا ... كذلك القياس فيما فرعوا٦ والمراد بالكتاب القرآن الكريم لا يقولون بتحريفه لا بزيادة ولا نقصان، أما عمادهم في السنة فهو ما جمعه أحد علمائهم وهو: "الجامع الصحيح"، مسند الإمام الربيع بن حبيب, قال عنه أحد علمائهم المعاصرين: "اعلم أن هذا المسند الشريف أصح كتب الحديث رواية, وأعلاها سندا"٧، وقال: "فجميع ما تضمنه الكتاب صحيح باتفاق أهل الدعوة "يقصد الأباضية" وهو أصح كتاب بعد

стр. 295

القرآن العزيز, ويليه في الرتبة الصحاح من كتب الحديث"١. ويقصد بكتب الحديث كتب أهل السنة, فهم يقدمون مسند الربيع بن حبيب أولا ثم صحيح البخاري ومسلم وغيرهما ثانيا. فهم يقبلون ما جاء في كتب الحديث عند أهل السنة ولكن ليس بنفس درجتها عندهم، بل هي تالية لمسند الربيع, وعلى هذا فإن وقع خلاف بين مسند الربيع مثلا وصحيح البخاري أخذوا بما في مسند الربيع. الآراء الفقهية: ولا تكاد تجد كبير فارق بين أهل السنة والأباضية إلا كما تجد الفارق بين المذاهب الأربعة، ويرجع ذلك للاتفاق على أصول التشريع من الكتاب والسنة والإجماع والقياس، زد على هذا اعترافهم بالكتب الصحاح عند أهل السنة, ولا تكاد تجد لموقفهم من الصحابة -رضوان الله عليهم- من أثر على اتجاههم الفقهي؛ لأنهم لا يردون رواياتهم, وإن ردوا فقليلا لا يكاد يبين له أثر بخلاف الشيعة الذين لا يقبلون إلا ما يرد عن أئمة أهل البيت؛ فكان الاختلاف بينهم وبين أهل السنة في الأصول والفروع. ولا أرى من داعٍ لذكر أمثلة على ذلك, فالفروع كثيرة. أما في الأركان فقال أحد علمائهم: "ولا أعلم بين الفريقين -يعني الأباضية وأهل السنة- خلافا في الصلاة ووجوبها وأدائها في الأوقات الخمسة وعدد الركعات, ولا في الحج وأركانه ومناسكه, ولا في الزكاة ونصابها ومواضع صرفها, ولا في الصوم ووجوبه وأغلب مصححاته ومفسداته"٢. قلت: وإذا كان الاتفاق في الأصول, فإن الاختلاف في الفروع أمر مقبول إن شاء الله, ما دام الاجتهاد فيها مستندا إلى الكتاب والسنة والإجماع والقياس, وما داموا يرجعون إلى كتب أهل السنة والجماعة.

стр. 296

التصوف: أما الفرق الصوفية كالقادرية والعروسية والرفاعية والعيساوية والساعدية والتيجانية والسنوسية والبكطاشية وغيرها كثير, فليس لها وجود في المذهب الأباضي, وهي في نظره من البدع المحرمة شرعا ولا يتوقف الوعظ والإرشاد وتهذيب النفوس على إحداث مثل هذه الطرق والانتساب إلى رجالها على النمط المعهود عندهم, ومع هذا فلا ينكر الأباضيون كرامة الأولياء ووجود الصالحين من عباد الله المخلصين ولزوم احترامهم, لكن لا على هذا الوجه: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ ١، ٢. فهم كأهل السنة يؤمنون بالكرامات ووجود الصالحين من عباد الله, لكن ليس على الوجه الذي يقوم به الصوفية من التبرك بهم والطواف حول قبورهم وتقديسهم؛ ولذا لا تجد في بلاد الأباضية المزارات والقبور ونحو ذلك.

стр. 297

التفسير الأباضي: ظاهرة بارزة في تاريخ الأباضية العلمي هي قلة المؤلفات ليس في العصر الحديث فحسب، بل في القديم أيضا، وتبرز هذه الظاهرة أكثر ما تبرز في إنتاجهم في تفسير القرآن الكريم, إذ لا يكاد يذكر لهم من تفسير سوى تفاسير ثلاثة في القديم, وثلاثة في العصر الحديث. ومن الثلاثة القديمة لا يوجد إلا تفسير واحد في أربعة مجلدات, ومؤلفه هود بن محكم وتداوله بين الأباضية في المغرب، أما الباقي فمفقود وهما تفسير عبد الرحمن بن رستم الفارسي من القرن الثالث، وتفسير يوسف بن إبراهيم الورجلاني من أهل القرن السادس الهجري١. وفي العصر الحديث لا تجد إلا ثلاثة تفاسير, وتعجب إذا عرفت أنها كلها

стр. 298

لمؤلف واحد, وأن المطبوع من هذه الثلاثة اثنان, أما الثالث فلم يتمه مؤلفه ولم يطبع. وظاهرة أخرى متعلقة بالظاهرة الأولى, تلكم هي قلة ما يطبع من هذه المؤلفات القليلة, ثم قلة انتشار المطبوع وتوزيعه. وقد عانيت كثيرا في الحصول على بعض هذه المطبوعات وكنت أظن الأمر خاصا بي, فإذا به أعم وكنت أظنه غير مقصود, فإذ بي أحسبه مقصودا، واطلعت على ما حصلت عليه من مطبوعاتهم, علَّ فيها تعليلات فلم أجد ما يوجب هذا العمل. وعلى كل حال, فقد حصلت والحمد لله على بغيتي وفوق هذا حصلت على الموجود من مؤلفاتهم التفسيرية في العصر الحديث, وهي كما قلت آنفا ثلاثة الموجود منها اثنان, وكلها للشيخ محمد بن يوسف أطفيش: ١- تفسير داعي العمل ليوم الأمل: وهو التفسير الذي لم يكمله مؤلفه, وقد اطلع الشيخ محمد حسين الذهبي على نسخته المخطوطة لدى ابن أخي المؤلف في القاهرة, ورآها تحتوي على تفسير الأجزاء الأربعة الأخيرة من القرآن وتقع في مجلدين١. ٢- هميان الزاد إلى دار المعاد: وهو تفسير يقع في ١٣ مجلدا. ٣- تيسير التفسير: ويقع في مجلدات سبعة. وهذان التفسيران هما المطبوع من تفاسير الأباضية في العصر الحديث، بل لم أجد ذكرا لغيرهما ولم يؤلف سواهما في التفسير. وقد وقفت عندهما حائرا: هل قراءة هذين التفسيرين وهما لمؤلف واحد تعطي صورة حقيقية عن منهج الأباضية في التفسير, أو أنهما يعطيان صورة عن منهج مؤلفهما في التفسير لا منهج الأباضية؟ وقد انقدح في ذهني أن هذا يرجع إلى مدى التزام المؤلف بمذهبه, فإن كان ملتزما بعقيدته الأباضية التزاما كاملا فهو إن لم يعط صورة كاملة بدقائق تفصيلها

стр. 299

عن المنهج الأباضي, فإنه حتما سيعطي الخطوط العريضة لمنهج الأباضية في التفسير باعتباره ملتزما به. ثم نظرت إلى مؤلفهما فوجدته إماما من أئمتهم المعتبرين الذين لهم مكانتهم عند الأباضية علما والتزاما, ولو لم يكن متصفا بهاتين الصفتين لما حل عندهم بهذه المنزلة. فتوكلت على الله وعزمت على اعتبار هذين التفسيرين مصدرا لمنهج الأباضية في التفسير في العصر الحديث, وكان لا بد أن أكتب ترجمة موجزة عن مؤلفهما، ثم تعريفا بالتفسيرين.

стр. 300

تفسيري: هميان الزاد إلى دار المعاد, وتيسير التفسير التعريف بالمؤلف: اسمه ونسبه: أما اسمه فهو: محمد بن يوسف بن عيسى بن صالح أطفيّش١، أو أطّفيّش٢. وأما ألقابه فكثيرة, منها ما هو نسبته إلى بلده ومنها ما هو نسبته إلى مذهبه. فمن الأول: "الميزابي المصعبي اليسجني"٣، ومن الثاني: "الوهبي الأباضي"٣، ومنها: "الحفصي العدوي الجزائري"٤. مولده ونشأته: ولد سنة ١٢٣٦ في بلدة يسجن في وادي ميزاب بالجزائر, ونشأ بين قومه وعرف عندهم بالزهد والورع واشتغل بالتدريس والتأليف وهو شاب لم يتجاوز

стр. 301

السادسة عشرة وانكب على القراءة والتأليف, وله من المؤلفات في شتى العلوم ما يربو على الثلاثمائة مؤلف١. لذا، فهو علّامة في التفسير والفقه والأدب, أباضي المذهب, كان له أثر بارز في قضية بلاده السياسية٢. مؤلفاته: له "داعي العمل ليوم الأمل" في مجلدين، و"تفسير هميان الزاد" في ١٣ مجلدا, و"تيسير التفسير" في سبعة مجلدات, و"شرح النيل" في ١٠ أجزاء كبيرة في الفقه, و"حي على الفلاح" ٦ أجزاء فقه و"شامل الأصل والفرع" في علوم الشريعة في جزأين, و"وفاء الضمانة بأداء الأمانة" حديث ٣ أجزاء, ونظم المغني لابن هشام في خمسة آلاف بيت، وله مؤلفات عديدة في النحو والصرف والبلاغة والفلك والعروض والوضع والفرائض وغيرها٣. وفاته: توفي في ٢٣ ربيع الثاني٤ سنة ١٣٣٢هـ وله من العمر ست وتسعون سنة. التعريف بالتفسيرين: أول هذين التفسيرين هو "هميان الزاد إلى دار المعاد"٥، وهو التفسير

стр. 302

الذي ألفه صاحبه في صغره١. طبع في زنجبار بالمطبعة السلطانية سنة ١٣١٤هـ، وأصدرت الطبعة الثانية وزارة التراث القومي والثقافة، في سلطنة عمان سنة ١٤٠١هـ وبين يدي الجزء الأول من هذه الطبعة ما اطلعت عليه منها حتى الآن٢. وسأرجع في دراستي هذه إلى الطبعة الثانية في الجزء الأول فقط, أما بقية الأجزاء فسأرجع إلى الطبعة الأولى. أجزاء الكتاب: ذكر في "التفسير والمفسرون" أن تفسير هميان الزاد إلى دار المعاد يقع في ١٣ مجلدا كبيرا٣، وذكر الزركلي أنه يقع في ١٤ جزءا٤، أما في مقدمة الطبعة الثانية فذكر وزير التراث العماني أنهم عثروا على نسخة وحيدة منه في ١٥ جزءا. وقد حاولت التأكد من العدد الصحيح لمجلدات الكتاب فطلبت المجلد الأخير منه في دار الكتب المصرية, فناولوني المجلد الثاني عشر وآخره تفسير سورة الحجرات, واعتذروا بعدم وجود ما بعد هذا المجلد. وقد لخص المؤلف منهجه في هذا التفسير بقوله: "وبعد, فهذا تفسير رجل يسجني أباضي وهبي, ويعتمد فيه على الله ثم على ما يظهر لفكره بعد إفراغ وسعه ولا يقلد فيه أحدا إلا إذا حكى قولا أو قراءة أو حديثا أو قصة أو أثرا لسلف، وأما نفس تفاسير الآي والرد على بعض المفسرين والجواب فمنه، إلا ما تراه منسوبا، وكان ينظر بفكره في الآية أولا ثم تارة يوافق نظر جار الله والقاضي٥ وهو الغالب والحمد لله وتارة يخالفهما، ويوافق وجها أحسن مما أثبتاه أو مثله ... ويتضمن -إن شاء الله- الكفاية, في الرد على المخالفين فيما

стр. 303

زاغوا فيه وإيضاح مذهب الأباضية الوهبية واعتقادهم, وذلك بحجج عقلية ونقلية"١. وثاني هذين التفسيرين: "تيسير التفسير للقرآن الكريم" وهو اختصار للتفسير السابق, صدرت الطبعة الأولى منه في سبعة مجلدات طبع بلاد المغرب، وبالحروف المغربية وصدرت أجزاؤه بين سنتي ١٣٢٥-١٣٢٧هـ، وقد أعادت وزارة التراث القومي والثقافة في سلطنة عمان طبعه, فصدر الجزء الأول منه بمناسبة مطلع القرن الخامس عشر الهجري, وبين يدي من هذه الطبعة الجزء الأول وهو ما صدر منها حتى الآن٢. وكالتفسير السابق سأرجع إلى الجزء الأول من الطبعة الثانية، وبقية الأجزاء إلى الطبعة الأولى. وذكر المؤلف في مقدمة هذا التفسير سبب تأليفه له فقال: "أما بعد, فإنه لما تقاصرت الهمم عن أن تهيم بهميان الزاد إلى دار المعاد الذي ألفته في صغر السن، وتكاسلوا عن تفسيري: داعي العمل ليوم الأمل, أنشطت همتي إلى تفسير يغتبط ولا يمل, فإن شاء الله قبله بفضله وأتمه قبل الأجل، وأنا مقتصر على حرف نافع ولمصحف عثمان تابع، وأسأل ذا الجلال أن ينعم علي بالقبول والإكمال"٣.

стр. 304

منهجه في التفسير: درج المؤلف خاصة في تفسيره: هميان الزاد على أن يقدم لكل سورة بمقدمة يذكر فيها أسماء هذه السورة والمدني والمكي منها وعدد آياتها وكلماتها وحروفها, ثم ما ورد من الأحاديث في فضلها, ويختم ذلك ببيان فوائدها. ذكر المؤلف في أسماء سورة البقرة أن "خالد بن معدان كان يسميها: فسطاط القرآن"١. وورد في حديث مرفوع في مسند الفردوس، وذلك لعظمها

стр. 305

ولما جمع فيها من الأحكام التي لم تجمع في غيرها وفي حديث المستدرك تسميتها سنام القرآن١ وسنام كل شيء أعلاه, وفي صحيح مسلم تسميتها وآل عمران الزهراوين١. وفي المكي والمدني منها قال: "وهي مدنية واستثنى بعضهم منها آيتين: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا﴾ ، ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ ١ ... إلخ. وفي عدد آياتها وكلماتها وحروفها قال: "آيها مائتان وخمس وثمانون، وقيل: مائتان وست وثمانون، وقيل: مائتان وسبع وثمانون, وكلمها ستة آلاف ومائة وإحدى وعشرون, وحروفها خمسة وعشرون ألفا وخمسمائة حرف"١. ثم تحدث عن فضلها فقال: "قال أبو بردة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "اقرءوا القرآن؛ فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه, اقرءوا الزهراوين البقرة وآل عمران فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيابتان أو كأنهما فرقان من طير صواف يحاجان عن صاحبهما, اقرءوا البقرة فإن أخذها بركة وتركها حسرة ولا يستطيعها البطلة" ٢. وأورد غير ذلك من الأحاديث٣. ثم يختم كل مقدمة بذكر فوائد للسورة أو التداوي بها بما يشبه الأوهام والخرافات, حاشا أن أنكر أن القرآن شفاء ولكن تخصيص بعض الآيات أو بعض السور ببعض الأمراض والآفات مما لا أعرف له دليلا. قال عن سورة البقرة: "قال جعفر الصادق: من كتب سورة البقرة وأمسكها عليه زالت عنه الأوجاع كلها، وإن علقها أيضا على صغير زالت عنه أوجاعه وهان عليه الفطام ولم يخف عليه -بحول الله تعالى- وإن علقت على المصروع زال عنه الصرع"٤.

стр. 306

وأذكر تأكيدا ما أورده أيضا في سورة الفاتحة حيث قال عنها: "وقالوا: وإذا كتبت في إناء طاهر وغسلت ومسح بها المريض وجهه عوفي -بإذن الله تعالى- وإذا شرب من هذا الماء من يجد خفقانا سكن -بإذن الله تعالى- وإذا كتبت بمسك وزعفران في إناء من زجاج طاهر ثم محيت بماء ورد وشرب منها البليد الذي لا يحفظ شيئا حفظ كل ما سمع وزالت بلادته, وإذا كتبت يوم الجمعة في الساعة الأولى في إناء ذهب١ بمسك وكافور ومحيت بماء ورد وجعل ذلك في قارورة ومسح بها وجهه من يدخل على السلطان أو يخاف من عدو نال القبول والهيبة والمحبة من عدوه، وإذا كتبت بماء ورد ومسك في جام زجاج ومحيت بماء كانون وسحق به كحل أصفهاني جلا البصر وصححه وحفظ صحة العين وأزال أمراضها, وإن أضيف إلى الإثمد مرارة ديك أفرق ومرارة دجاجة سوداء واكتحل بها, نظر إلى الأشخاص الروحانية وخاطبهم وخاطبوه بما يريد"٢"!! " ثم يستمر في ذكر هذه الخرافات ولا ينسى أن يقول: "إنه إنما يذكر فضائل السور في أوائلها ليرغب الطالب القارئ في تفسيرنا هذا في درسها وحفظها وتكرار قراءتها رجاء لنيل ثوابها"٣. هذا بيان للمقدمة التي التزمها الشيخ أطفيش قبل تفسيره للسورة. ونأتي هنا إلى ذكر أهم القضايا والأسس التي يقوم عليها منهجه في التفسير. الإطناب: وإنما بادرت إلى ذكر هذا الأساس وتقديمه على ما سواه؛ لأنه سمة بارزة في هذين التفسيرين. ومما لا شك فيه أن للإطناب محاسن وعيوبا, ولكنه هنا أدى بالمؤلف إلى اقتراف ما لا ينبغي وقوعه من مفسر في تفسيره, نذكر من ذلك أمثلة ثلاثة وقصدي الاختصار. أولها: عدم الاكتفاء بالتفسير الصحيح الثابت في قوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ

стр. 307

مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ ١. ورد بيان الكلمات في آية أخرى بقوله تعالى: ﴿قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ٢. وهو نفسه يورد هذا التفسير الصحيح٣, لكنه يضيف إلى هذا -إطنابا- أقوالا لا تصح أو على الأقل لا يصح ذكرها بجانب التفسير القرآني. فذكر أقوالا عديدة نذكر منها قوله: "وعن ابن عباس في رواية: هن ما روي أن آدم ﵇ قال: "يا رب ألم تخلقني بيدك؟ قال: بلى قال: ألم تكن أسكنتني الجنة؟ قال: بلى قال: فلم أخرجتني منها؟ قال: بخطيئتك قال: يا رب أأنا أتيت شيئا ابتدعته من تلقاء نفسي، أو شيئا قدرته علي قبل أن تخلقني؟ قال: بل قدرته عليك قبل أن أخلقك قال: يا رب كما قدرته علي فاغفر لي". وقال محمد بن كعب القرظي: هي قوله: سبحانك لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك عملت سوءا, وظلمت نفسي فارحمني, إنك أنت أرحم الراحمين، وقيل: لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك, رب عملت سوءا وظلمت نفسي فاغفر لي فإنك أنت الغفور الرحيم, لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك, ربي عملت سوءا وظلمت نفسي فارحمني إنك أنت أرحم الراحمين. وقالت طائفة: إن آدم رأى مكتوبا على ساق العرش: محمد رسول الله فتشفع به فهي الكلمات ... وقيل: إن الله تعالى أنزل ياقوتة من ياقوت الجنة ووضعها على موضع البيت على قدر الكعبة, لها بابان باب شرقي وباب غربي, وفيها قناديل من نور, ثم أوحى الله تعالى إليه أن لي حرما بحيال عرشي فأته, فطف به كما طاف حول عرشي وصلِّ عنده كما يصلى عند عرشي, فهناك أستجيب دعاك, فانطلق آدم من أرض الهند إلى أرض مكة لزيارة بيت الله وقيض الله تعالى له ملكا يرشده فكان كلما نزل موضعا وضع عليه قدمه صار عمرانا, وما تعداه صار مفاوز وقفارا. فلما وقف بعرفة وكانت حواء تطلبه وقصدته من جدة فالتقيا بعرفة يوم عرفات فعرف كل منهما الآخر فسمي عرفات، فلما

стр. 308

انصرف إلى منى قال لآدم: "تمن" قال: أتمنى المغفرة والرحمة, فسمي ذلك الموضع منى وغفر ذنبهما"١. هذه بعض الأقوال لا كلها التي أوردها في بيان الكلمات, ولا شك أن الإطناب أدى به إلى إيراد ما لا يصح. ثانيها: أدى به الإطناب إلى إيراد الكثير مما ليس مجاله التفسير، بل هو إلى شعوذة الدجالين أقرب, ففي تفسير قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ ٢ ... الآية. قال: "ومن كانت أشجاره قليلة الأثمار فليصم الخميس ويفطر في المغرب على هندبا ويصلي المغرب, ثم يكتب هذه الآيات: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلى: ﴿خَالِدُونَ﴾ في قرطاس ولا يتكلم ويمضي إلى شجرة تكون في وسط البستان ويعلقها عليها, فإن كان فيها ثمر فليأكل منها واحدة وإن لم يكن لها ثمر فليأكل ورقة من ورقها وإن لم يكن لها ورق فليأكل من ثمر مثلها، ويشرب عليها ثلاث جرعات من ماء وينصرف؛ فإنه يرى ما يسره من حسن الثمرة والبركة إن شاء الله"٣. وقال أيضا: "ومن أراد أن يحبه أحد محبة عظيمة فليأخذ مرآة من فضة جديدة أو عاج ويكتب في كاغد: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿قدير﴾ ٤، إلى قوله: ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾ ٤ في يوم الجمعة في زيادة الهلال ويأخذ نملتين من شجرة تكون الواحدة طالعة والأخرى هابطة، وما فيها٥ ثم تجتمعان ويقفان قليلا وجه الواحدة إلى وجه الأخرى"٦ قلت: ونقف بالقلم هنا فلا نهبط معه بنقل هذه الشعوذة والدجل بل السحر. وأقف أيضا هنا عن نقل أمثلة كثيرة متوفرة, وقد سبقت الإشارة إلى أنواع

стр. 309

منها عند حديثنا عما يقدمه عند تفسيره لكل سورة من بيان فوائد السورة وما يستطيب بها لأجله. ثالثها: أدى به ذلك إلى الإطناب فيما أبهم في القرآن الكريم كالحروف المقطعة في أوائل السور, فإنه يورد في تفسير ذلك أقوالا عديدة استغرقتها الصفحات "من ١٦٥ إلى ص١٨٣" ولا أرى كبير فائدة في إيراد هذه الأقوال أو بعضها ما دامت لا تقوم على دليل صحيح, ومع هذا فإني سأورد الرأي الذي مال إليه وأكتفي بإيراده عن إيراد ما عداه قال: "وكنت أشبه المقام بمقام من أراد أن يتكلم لمن استغرق قلبه في شيء فيقدم إليه ما يصغي به إلى الكلام كأن يجيده أو يغمز بدنه أو يقرعه بالحصى، ومن ذلك الوادي أن تشير إلى من كان في كلام دنيوي بالبسملة تنبيها على أن يقر، ثم رأيت عن الجويني ما يناسبه إذ قال: القول بأنها تنبيهه١ جيد؛ لأن القرآن كلام عزيز وفوائده عزيزة، فينبغي أن يرد على سمع متنبه فكان من الجائز أن يكون الله قد علم في بعض الأوقات كون النبي ﷺ في عالم البشر مشغولا, فأمر جبريل بأن يقول عند نزوله: ﴿الم﴾ ﴿الم﴾ ﴿حم﴾ ليسمع النبي ﷺ صوت جبريل فيقبل عليه ويصغي إليه، وإنما لم تستعمل الكلمات المشهورة في التنبيه كألا وأما؛ لأنها من الألفاظ التي تعارفها الناس في كلامهم والقرآن كلام لا يشبه الكلام, فناسب أن يؤتى فيه بألفاظ تنبيه لم تعهد؛ لتكون أبلغ في قرع سمعه. انتهى"٢. لكني أذكر, فأشكر للمؤلف أنه ذكر تفسير السلف لهذه الأحرف في تفسيره الآخر: تيسير التفسير حيث قال: " ﴿الم﴾ الله هو العالم بمعناه وبمعنى ﴿المص﴾ ، و ﴿المر﴾ ، ﴿الر﴾ .. وأذكر ما قيل"٣ ثم ذكر قولا واحدا. ومن أسس منهجه: تفسير القرآن بالقرآن: وهذا ولا شك أصح طرق التفسير وأولاها, والمؤلف كثيرا ما يذكر تفسير

стр. 310

القرآن بالقرآن أو ما يكون شاهدا للآية المفسرة, لكنه كما سبقت الإشارة في الأساس الأول كثيرا ما يورد مع هذا التفسير تفاسير أخرى لا تصح, وكان الأولى الاكتفاء بالتفسير القرآني وبيان معناه. ونذكر من تفسيره القرآن بالقرآن ما أورده عند تفسير الكلمات في قوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ ١، حيث قال: "قال ابن عباس وسعيد بن المسيب والحسن بن علي ومجاهد وعكرمة: تلك الكلمات هي ما حكى الله عنه: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ "٢، ٣، وفي تيسير التفسير ذكر أن هذا التفسير هو الأصح٤. وفي تفسير قوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ ٥، يذكر ما ورد من حديث مرفوع عن الرسول ﷺ من تفسيرها باليهود والنصارى ثم يعقب: وذلك واضح من كتاب الله؛ لأن ذكر غضب الله على اليهود متكرر في كتاب الله, كقوله عز وعلا: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ ٦، وقوله: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾ ... الآية٧. وأما النصارى فمذكورون في الضلال كقوله تعالى: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ ٨، ٩.

стр. 311

تفسير القرآن بالسنة: أصح طرق التفسير بعد تفسير القرآن بالقرآن هو تفسيره بالسنة, والمؤلف هنا يأخذ بهذا النوع من التفسير ويورده كثيرا في تفسيره, يورد منه ما هو تفسير للآية وما هو شاهد, أو له وجه علاقة بها، وهو هنا وهناك لا يلتزم الأخذ بالصحيح فيورد فيه الصحيح والضعيف، بل الموضوع وكل منها كثير وكثير في تفسيره. فمن ذلك تفسيره لقوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ ١, قال: "أخرج أحمد والترمذي وحسنه٢ وابن حبان في صحيحه عن عدي بن حاتم عنه ﷺ أن " ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ هم اليهود وأن ﴿الضَّالِّينَ﴾ هم النصارى"، وأخرج ابن مردويه عن أبي ذر، سألت النبي ﷺ عن ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ قال: "اليهود"، وعن ﴿الضَّالِّينَ﴾ قال: "النصارى"، وكذلك فسر ابن مسعود وابن عباس ومجاهد والسدي وابن زيد والحسن"٣. وفي تفسير قوله تعالى حكاية لقول الملائكة: ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ ٤, قال المؤلف: "وروى البخاري ومسلم عن أبي ذر أن رسول الله ﷺ سئل: أي الكلام أفضل؟ فقال: "ما اصطفى الله لملائكته أو لعباده: سبحان الله وبحمده " ٥. وفي تفسير قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ ٦

стр. 312

روى: "قال ﷺ يوم الأحزاب: "شغلونا عن الصلاة الوسطى -صلاة العصر- ملأ الله بيوتهم نارا" ١. وفي قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ ٢, قال: "وعن أبي سعيد عنه ﷺ : "يجيء النبي يوم القيامة ومعه الرجل أو النبي ومعه الرجلان وأكثر فيدعى قومه فيقال لهم: هل بلغكم هذا؟ فيقولون: لا فيقال له: هل بلغت قومك؟ فيقول: نعم، فيقال له: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته، فيدعى محمد وأمته فيقال لهم: هل بلغ هذا قومه؟ فيقولون: نعم، فيقال: وما أعلمكم؟ فيقولون: جاءنا نبينا ﷺ فأخبرنا أن الرسل قد بلغوا، فذلك قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ الآية " ٣، ٤. وكما أشرت آنفا, فإن المؤلف لا يلتزم بالصحيح من الحديث, بل يستدل بالموضوع منها من غير بيان لوضعه أو درجته, ومن ذلك ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ ٥ أورد من الموضوعات الكثيرة ومنها قوله: "وروى سفيان بإسناده من حديث قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لما هبط آدم من الجنة إلى الأرض بأرض الهند وعليه ذلك الورق الذي كان لباسه من الجنة إلى أرض الهنديبس وتطاير فعبق منه شجر الهند ففاح العود والصندل والمسك والعنبر والكافور" قالوا: يا رسول الله, المسك هو من الدواب؟ قال: "إنما هي دابة شبه الغزال رعت من ذلك الشجر, فصير الله تعالى المسك من عرقها إذا رعت الربيع جعله مسكا وتساقط فينتفع به الآدميون". قالوا: يا رسول الله, العنبر من دابة في البحر؟ قال:

стр. 313

"أجل كانت في البر ترعى, فبعث الله تعالى إليها جبريل فساقها وما معها, حتى قذفها في البحر"١، ٢. وذكر أيضا عند تفسيره للآية السابقة حديثا: "عن أبي أمامة الباهلي قال: قال رسول الله ﷺ : "عليكم بلباس الصوف تجدون به قلة الأكل، وعليكم بلباس الصوف تعرفون به الآخرة، إن النظر في الصوف ليورث في القلب التفكر, والتفكر يورث الحكمة, والحكمة تجري في الجوف مجرى الدم, فمن كثر تفكره قل طعامه وكلّ لسانه, ومن قل تفكره كثر طعامه وقسا قلبه, والقلب القاسي بعيد من الله بعيد من الجنة, قريب من النار" ٣، ٤. وقد يذكر المؤلف الحديث الصحيح الذي لا يوافق مذهبه بصيغة التشكيك في صحته, فمن ذلك مثلا قوله عن حديث الرؤية الثابت "إنكم سترون ربكم ... " الحديث: "وحديث الرؤية إن صح فمعناه ... "٥. الأخذ بالإسرائيليات: ولا شك أن الموقف الصحيح من الإسرائيليات معروف بين، فما وافق شريعتنا تجوز روايته للاستشهاد لا للاعتقاد, وما خالفها لا تصح روايته, وما ليس من هذا ولا من ذاك فلا بأس بحكايته من غير تصديق ولا تكذيب، بل قال

стр. 314

ابن كثير-﵀ عن هذا النوع: "وكثير من ذلك مما لا فائدة فيه ولا حاصل له مما ينتفع به في الدين, ولو كانت فائدته تعود على المكلفين في دينهم لبينته هذه الشريعة الكاملة الشاملة"١. والاستشهاد بالإسرائيليات على كل حال مذموم في التفسير للقرآن الكريم, خاصة إذا كثر إيراده والاستطراد فيه إلى حد رواية الغرائب والعجائب التي تصرف عن التدبر في آيات القرآن الكريم. والمؤلف أكثر من الأخذ بالإسرائيليات وأورد منها في القصص والأخبار ما يصرف القارئ عن تدبر الآيات ومعانيها, واستطرد فيها استطرادا يجعل القارئ ينسى لطول الحديث الآيات المتناولة بالتفسير. وقد أورد في تفسير قوله تعالى: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ ٢ أقوالا في كيفية إزلال الشيطان -لعنه الله- لآدم وحواء ﵉ ومن ذلك: " ... وقيل: قام عند الباب فناداهما وروى أنه أراد الدخول, فمنعته الخزنة فدخل في فم الحية, فدخلت به وهم لا يشعرون "!! "، وقيل: تمثل في صورة دابة فدخل ولم يشعروا "!! " وقيل: كانت الجن تدخل الجنة وإنما منع منها إبليس وحده فأرسل بعض أتباعه منهم فأزلهما فنسب الإزلال إليه لأنه آمر به ومحب له, وذكر بعضهم أن الحية كانت صديقة لإبليس, فلما منعته الخزنة من الدخول أتاها فسألها أن تدخله الجنة في فيها فأدخلته وهم لا يعلمون به "!! " مع أنها مرت عليهم وكان لها أربع قوائم كقوائم البعير من أحسن الدواب, وكانت من خزان الجنة قيل: وسم أنيابها من مكث إبليس في فيها ومسخها الله لذلك ورد قوائمها في بطنها وقيل: كانا على باب الجنة وكانا يخرجان منها وكان إبليس عدو الله قريبا من الباب, فوسوس لهما وقد دخل مع آدم الجنة لما دخل ورأى ما فيها من النعيم والكرامة ... وقيل: إن إبليس -عدو الله- لما سمع بدخول آدم الجنة حسده, وقال: يا ويلاه أأنا أعبد الله منذ كذا وكذا ألف

стр. 315

سنة ولم يدخلني الله الجنة, وهذا خلق خلقه الله الآن فأدخله الله الجنة؟ فاحتال في إخراج آدم ﵇ فوقف على باب الجنة ثلاثمائة سنة حتى اشتهر بالعبادة وعرفوه بها, وهو في كل ذلك ينتظر خروج خارج من الجنة, فبينما هو كذلك إذ خرج الطاووس، وكان من سادات الطيور, فلما رآه إبليس قال: أيها الخلق الكريم على الله, من أنت وما اسمك, فما رأيت من خلق الله تعالى أحسن منك؟ قال: أنا طائر من طيور الجنة اسمي طاووس، فقال له إبليس: أنا من الملائكة الكروبيين, وجعل يبكي"١. وخلاصة بقية القصة التي أوردها المؤلف كاملة أن إبليس حاول إقناع الطاووس بإدخاله الجنة فأرشده الطاووس إلى من يستطيع إدخاله الجنة وهي الحية, وبعد حوار معها اقتنعت وأدخلت إبليس الجنة، ثم اتصل إبليس بآدم وحواء فأرشدهما إلى شجرة الخلد حيث أكلا منها. حتى في تفسيره المختصر "تيسير التفسير" أشار إلى هذه الأقوال ثم ذكر المواضع التي أهبطوا إليها، فقال: "فنزل آدم بسرنديب من الهند على جبل يسمى "نود"، وحواء بجدة -بضم الجيم- في مدة أربعين عاما فيما قيل, والله قادر على أقل كما ينزل جبريل وغيره في لحظة وإبليس بالأبلة من أعمال البصرة، وزوجه بأصبهان أو سجستان أو نصيبين والحية بأصبهان والطاووس بالشام"٢. ثم يذكر ترتيب الهبوط: "أهبط إبليس ثم الحية فالطاووس, ثم آدم وحواء"٢. وقال في تفسير قوله تعالى: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ﴾ ٣ الذي فر بثوبك لتتبعه من مغسلك عاريا ليرى بنو إسرائيل أنه ما بك أدرة، كانوا يغتسلون عراة وموسى في خلوة فاتهموه بانتفاخ بيضته وهو٤ ذراع له أربعة أوجه، وقيل: كرأس الرجل من رخام وقيل: خفيف وقيل: حجر كان عند آدم

стр. 316

وصل مع العصا إلى شعيب فأعطاهما موسى.. ويقال: حجر مربع يخرج من كل وجه ثلاث أعين, لكل سبط عين وكانت من أس الجنة, طولها عشرة أذرع على طول موسى, لها شعبتان تتقدان في الظلمة نورا حيثما كان, وأمامهم في التيه فلهم عمود من نور ليلا حملها معه آدم من الجنة وتوارثها الأنبياء إلى شعيب فأعطاها موسى١. وذكر في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ ٢ الآية، قصة قتيل بني إسرائيل، فقال: "وقد قتل لهم قتيل لا يدرى قاتله اسمه عاميل, وسألوا موسى أن يدعو الله أن يبينه لهم والقتيل ذو مال قتله بنو عمه وقيل: ابنا عمه اثنان، وقيل: أخوه وقيل: ابن أخيه، وهم فقراء ليرثوه، وحملوه إلى باب قرية وألقوه فيه فطلبوا آثاره, وادعوا القتل على رجال جاءوا بهم إلى موسى ﵇ وروى أنه قتله قريب له ليتزوج زوجه، وقيل: ليتزوج بنته وقد أبى"٣. واستمر في سرد هذه القصة, وإنما أوردت أولها لبيان شدة اهتمامه بكل تفاصيل هذه الإسرائيليات واستقصائه للأقوال فيها. وفي تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ٤ الآية, ذهب يذكر أنواع السموات فقال: "فالأولى من زبد الماء متجمدا, والثانية من رخام أبيض, والثالثة من حديد, والرابعة من نحاس, والخامسة من فضة, والسادسة من ذهب, والسابعة من ياقوت أحمر، وقيل: الأولى زبد جامد, والثانية من نحاس, والثالثة من فضة, والرابعة من ذهب, والخامسة من ياقوت, والسادسة من زمرد, والسابعة من نور العرش"٥.

стр. 317

ويلاحظ أني أوردت أكثر ما أوردت من الأمثلة من تفسيره: تيسير التفسير وفيه الكثير, وقصدي من هذا أنه إذا كان هذا ما أورده في المختصر ففي المطول أكثر منه وأطول, وهذا هو الواقع، فللإسرائيليات في التفسيرين مجال رحب. اهتمامه بالمسائل النحوية واللغوية والبلاغية: ومن السمات البارزة أيضا في هذا التفسير إسهاب صاحبه في المسائل النحوية خاصة وفي اللغوية والبلاغية لكنهما أقل من الأولى. ومن أمثلة ذلك ما ذكره في إعراب ﴿غَيْرِ﴾ من قوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ ١، فقال: " ﴿غَيْرِ﴾ هو بدل من ﴿الَّذِينَ﴾ بدل مطابق نظرا إلى معنى أن ﴿الْمَغْضُوبِ ٢ عَلَيْهِمْ﴾ هم الذين سلموا من الغضب والضلال، وذكر ابن هشام أن البدل بالمشتق ضعيف، لكن لفظه ﴿غَيْرِ﴾ ليست مشتقة وتأويلها بالمشتق مثل المخالف والمغاير لا يمنع إبدالها ولا يضعفه, فإن الاسمية غالبة عليه وتأويلها فرع, ويجوز أن تكون نعتا للذين مبينا إن أريد بـ ﴿الَّذِينَ﴾ المؤمنون فقط، ومقيدا إن أريد به كل من أنعم الله عليه بنعمته دنيوية أو أخروية أو بمطلق الإيمان, وعلى كل من الإبدال والنعت بوجهيه يكون المعنى أنهم جمعوا بين النعمة المطلقة وهي نعمة الإيمان وبين السلامة من غضب الله والضلال، وإن قلت: ﴿الَّذِينَ﴾ معرفة و ﴿غَيْرِ﴾ لا يتعرف بإضافة, فكيف تنعت المعرفة بالنكرة؟ قلت: التحقيق أنها تتعرف بالإضافة إذا وقعت بين المتضادين كما هنا, وذلك إن كان الضد له ضد واحد كما هنا، فإنه ليس في المكلفين إلا المغضوب عليهم والمنعم عليهم, وكما في قولك: الحركة غير السكون. وأما الضدان اللذان لهما أجزاء وأكثر فلا تتعرف بالوقوع بينهما نحو البياض غير السواد, فإن هناك صفرة وحمرة وغير ذلك، والتعريف في ذلك والتعريف في الآية للجنس, فإن المنعم عليه ليس شخصا واحدا وكذا المغضوب عليه كما نصت عليه الآية بصيغة الجمع, وأيضا إذا

стр. 318

تقرر أن المراد بـ ﴿الَّذِينَ﴾ الجنس جاز نعته بغير ولو قلنا: إن غير هو نكرة لجواز نعت المعرفة بأل الجنسية والموصول الجنسي بالنكرة نحو قوله: في أنيابها السم ناقع فنعت السم بناقع, ومقتضى الظاهر أن يقول: سم ناقع أو السم الناقع وبسطت الكلام على هذه في النحو وقد أجازوا في الجملة بعد ذلك أن يكون نعتا حالا"١. وفي إعراب: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ ٢، قال: "لم يقع النداء في القرآن بغير يا، وهي الأصل، فما حذف منه حرف النداء مثل: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا﴾ وآية المؤمنون٣ قدر فيه يا لذكرها في غيره ولأصالتها"٤. ويناقش أحيانا المفسرين في إعراب الآيات وما يراه فيها, فمن ذلك إعرابه لقوله تعالى: ﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ ٥، فقال: "و ﴿أَمْ﴾ متصلة متعلقة بقوله: ﴿أَتُحَاجُّونَنَا﴾ , أو منقطعة للانتقال من التوبيخ على المحاجة إلى التوبيخ على الافتراء على الأنبياء ووجه الاتصال ذمهم بجمعهم بين المحاجة في الله والقول بأن إبراهيم ومن معه كانوا هودا أو نصارى، مع كون واحد منهما كافيا في القبح، وأبو حيان لما رأى أن الغالب في المتصلة استدعاء وقوع إحدى الجملتين والسؤال عن أحدهما وما هنا ليس كذلك، اقتصر على المنقطعة وهكذا عادته، يرى غير الغالب كأنه غير موجود فيقتصر على الغالب٦. وأحيانا يستشهد لصحة الإعراب ببعض القراءات, فمن ذلك إعراب قوله

стр. 319

تعالى: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾ ١, فقال: " ... ومفعول ﴿أَضَاءَ﴾ محذوف أي: كلما أضاء لهم مومضا أو شيا شجرة "كذا" أي: نوره مشوا في مطرح نوره, فالهاء عائدة إلى البرق ويجوز عودها إلى الوضع الذي أضاء لهم المحذوف, ويجوز كونه لازما أي: كلما ظهر لهم البرق ولمع مشوا فيه، ويدل له قراءة ابن أبي عبلة: "كلما أضاء٢ لهم" بترك الهمزة الأولى والهاء للبرق"٣. ويعتني في تفسيره بالمسائل اللغوية والبلاغية ويوليها اهتماما بالغا وبيانا واضحا، فقال مثلا في تفسير قوله تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ ٤: "والعمى عدم البصر مما في شأنه أن يبصر فلا يقال لغير الحيوانات: أعمى ولا لما لا عين له منها فمن خلق بلا عينين لا يقال له أعمى؛ لأنه ليس من شأنه أن ينظر بلا عين وكذا من خلق بعين واحدة لا يقال لموضع عينه الأخرى أعمى، ويطلق العمى أيضا على عدم نور القلب فمن لا نور في قلبه يميز به الحق فلا فائدة في نظر عينيه لما لم يستعملوا آذانهم وألسنتهم وعيونهم فيما خلقت له من الهدى سموا بأسماء من لا سمع ولا نطق ولا بصر لهم إذ لم ينتفعوا بها، فكانت كالعدم فهم كمن إيفت حاسته -بكسر الهمزة وإسكان الياء كبيعت- أي: أصيبت بآفة، قال الشاعر: ما بال قوم صديق ثم ليس لهم ... عهد وليس لهم دين إذا أتمنوا صم إذا سمعوا خيرا ذكرت به ... وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا أي: إذا سمعوا خيرا ذكرت به صاروا كمن لا يسمع فلا ينطقون به ولا ينشرونه, وإن ذكرت بسوء كانت لهم آذان السمع فيعونه وينشرونه أو من أذنت للشيء إذا أصغيت إليه. وقال آخر: أصم عما ساءه سميع

стр. 320

وقال آخر: أصم عن الشيء الذي لا أريده ... وأسمع خلق الله حين أريد وعدي أصم بعن لتضمين معنى التغافل, وقال آخر: وأصممت عمرا وأعميته ... عن الجود والفخر يوم الفخار وكل من لفظ أصم وأبكم وأعمى صفة مشبهة لا اسم تفضيل، والآية من باب الاستعارة التصريحية باعتبار كل واحد من لفظ صم ولفظ بكم ولفظ عمي فتلك ثلاث استعارات، أو ذلك كله استعارة تمثيلية، وإنما قلت بأن ذلك من الاستعارة مع كون المشبه والمشبه به كليهما مجتمعين في الكلام من حيث إن المشبه به خبر للمشبه المحذوف المقدر المجعول من أجزاء الكلام فكأنه مذكور، أي: هم صم بكم عمي، أو هؤلاء صم بكم عمي؛ لأنه لا فرق عندي في الاستعارة بين عدم كون المشبه من أجزاء الكلام وكونه من أجزائه مذكورا أو مقدرا، إذا لم يقصد المتكلم التشبيه بل قصد أن المشبه هو نفس المشبه به مبالغة"١، ثم ذهب يوجه هذا القول في شيء من الاستطراد لا حاجة لنقله هنا. وهو لا يسلم دائما بما يقوله علماء اللغة، بل يناقشهم ويرد عليهم فمن ذلك ما جاء في تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ ٢، فقال: "والبعوضة واحد البعوض وهو البق الصغار فيما ذكره الجوهري, وليس كذلك بل هو الحيوان الذي يطير وينتشر في الأجنة صيفا, سمي من البعض بمعنى القطع، يقال: بعضة وبضعة وعضبة أي: قطعة. قال الشاعر: لنعم البيت بيت بني دثار ... إذا ما خاف بعض القوم بعضا أي: قطعا"٣.
следующие страницы →