وصل مع العصا إلى شعيب فأعطاهما موسى.. ويقال: حجر مربع يخرج من كل وجه ثلاث أعين, لكل سبط عين وكانت من أس الجنة, طولها عشرة أذرع على طول موسى, لها شعبتان تتقدان في الظلمة نورا حيثما كان, وأمامهم في التيه فلهم عمود من نور ليلا حملها معه آدم من الجنة وتوارثها الأنبياء إلى شعيب فأعطاها موسى١.
وذكر في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ ٢ الآية، قصة قتيل بني إسرائيل، فقال: "وقد قتل لهم قتيل لا يدرى قاتله اسمه عاميل, وسألوا موسى أن يدعو الله أن يبينه لهم والقتيل ذو مال قتله بنو عمه وقيل: ابنا عمه اثنان، وقيل: أخوه وقيل: ابن أخيه، وهم فقراء ليرثوه، وحملوه إلى باب قرية وألقوه فيه فطلبوا آثاره, وادعوا القتل على رجال جاءوا بهم إلى موسى ﵇ وروى أنه قتله قريب له ليتزوج زوجه، وقيل: ليتزوج بنته وقد أبى"٣.
واستمر في سرد هذه القصة, وإنما أوردت أولها لبيان شدة اهتمامه بكل تفاصيل هذه الإسرائيليات واستقصائه للأقوال فيها.
وفي تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ٤ الآية, ذهب يذكر أنواع السموات فقال: "فالأولى من زبد الماء متجمدا, والثانية من رخام أبيض, والثالثة من حديد, والرابعة من نحاس, والخامسة من فضة, والسادسة من ذهب, والسابعة من ياقوت أحمر، وقيل: الأولى زبد جامد, والثانية من نحاس, والثالثة من فضة, والرابعة من ذهب, والخامسة من ياقوت, والسادسة من زمرد, والسابعة من نور العرش"٥.
стр. 317
ويلاحظ أني أوردت أكثر ما أوردت من الأمثلة من تفسيره: تيسير التفسير وفيه الكثير, وقصدي من هذا أنه إذا كان هذا ما أورده في المختصر ففي المطول أكثر منه وأطول, وهذا هو الواقع، فللإسرائيليات في التفسيرين مجال رحب.
اهتمامه بالمسائل النحوية واللغوية والبلاغية:
ومن السمات البارزة أيضا في هذا التفسير إسهاب صاحبه في المسائل النحوية خاصة وفي اللغوية والبلاغية لكنهما أقل من الأولى. ومن أمثلة ذلك ما ذكره في إعراب ﴿غَيْرِ﴾ من قوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ ١، فقال: " ﴿غَيْرِ﴾ هو بدل من ﴿الَّذِينَ﴾ بدل مطابق نظرا إلى معنى أن ﴿الْمَغْضُوبِ ٢ عَلَيْهِمْ﴾ هم الذين سلموا من الغضب والضلال، وذكر ابن هشام أن البدل بالمشتق ضعيف، لكن لفظه ﴿غَيْرِ﴾ ليست مشتقة وتأويلها بالمشتق مثل المخالف والمغاير لا يمنع إبدالها ولا يضعفه, فإن الاسمية غالبة عليه وتأويلها فرع, ويجوز أن تكون نعتا للذين مبينا إن أريد بـ ﴿الَّذِينَ﴾ المؤمنون فقط، ومقيدا إن أريد به كل من أنعم الله عليه بنعمته دنيوية أو أخروية أو بمطلق الإيمان, وعلى كل من الإبدال والنعت بوجهيه يكون المعنى أنهم جمعوا بين النعمة المطلقة وهي نعمة الإيمان وبين السلامة من غضب الله والضلال، وإن قلت: ﴿الَّذِينَ﴾ معرفة و ﴿غَيْرِ﴾ لا يتعرف بإضافة, فكيف تنعت المعرفة بالنكرة؟ قلت: التحقيق أنها تتعرف بالإضافة إذا وقعت بين المتضادين كما هنا, وذلك إن كان الضد له ضد واحد كما هنا، فإنه ليس في المكلفين إلا المغضوب عليهم والمنعم عليهم, وكما في قولك: الحركة غير السكون. وأما الضدان اللذان لهما أجزاء وأكثر فلا تتعرف بالوقوع بينهما نحو البياض غير السواد, فإن هناك صفرة وحمرة وغير ذلك، والتعريف في ذلك والتعريف في الآية للجنس, فإن المنعم عليه ليس شخصا واحدا وكذا المغضوب عليه كما نصت عليه الآية بصيغة الجمع, وأيضا إذا
стр. 318
تقرر أن المراد بـ ﴿الَّذِينَ﴾ الجنس جاز نعته بغير ولو قلنا: إن غير هو نكرة لجواز نعت المعرفة بأل الجنسية والموصول الجنسي بالنكرة نحو قوله:
في أنيابها السم ناقع
فنعت السم بناقع, ومقتضى الظاهر أن يقول: سم ناقع أو السم الناقع وبسطت الكلام على هذه في النحو وقد أجازوا في الجملة بعد ذلك أن يكون نعتا حالا"١.
وفي إعراب: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ ٢، قال: "لم يقع النداء في القرآن بغير يا، وهي الأصل، فما حذف منه حرف النداء مثل: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا﴾ وآية المؤمنون٣ قدر فيه يا لذكرها في غيره ولأصالتها"٤.
ويناقش أحيانا المفسرين في إعراب الآيات وما يراه فيها, فمن ذلك إعرابه لقوله تعالى: ﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ ٥، فقال: "و ﴿أَمْ﴾ متصلة متعلقة بقوله: ﴿أَتُحَاجُّونَنَا﴾ , أو منقطعة للانتقال من التوبيخ على المحاجة إلى التوبيخ على الافتراء على الأنبياء ووجه الاتصال ذمهم بجمعهم بين المحاجة في الله والقول بأن إبراهيم ومن معه كانوا هودا أو نصارى، مع كون واحد منهما كافيا في القبح، وأبو حيان لما رأى أن الغالب في المتصلة استدعاء وقوع إحدى الجملتين والسؤال عن أحدهما وما هنا ليس كذلك، اقتصر على المنقطعة وهكذا عادته، يرى غير الغالب كأنه غير موجود فيقتصر على الغالب٦.
وأحيانا يستشهد لصحة الإعراب ببعض القراءات, فمن ذلك إعراب قوله
стр. 319
تعالى: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾ ١, فقال: " ... ومفعول ﴿أَضَاءَ﴾ محذوف أي: كلما أضاء لهم مومضا أو شيا شجرة "كذا" أي: نوره مشوا في مطرح نوره, فالهاء عائدة إلى البرق ويجوز عودها إلى الوضع الذي أضاء لهم المحذوف, ويجوز كونه لازما أي: كلما ظهر لهم البرق ولمع مشوا فيه، ويدل له قراءة ابن أبي عبلة: "كلما أضاء٢ لهم" بترك الهمزة الأولى والهاء للبرق"٣.
ويعتني في تفسيره بالمسائل اللغوية والبلاغية ويوليها اهتماما بالغا وبيانا واضحا، فقال مثلا في تفسير قوله تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ ٤: "والعمى عدم البصر مما في شأنه أن يبصر فلا يقال لغير الحيوانات: أعمى ولا لما لا عين له منها فمن خلق بلا عينين لا يقال له أعمى؛ لأنه ليس من شأنه أن ينظر بلا عين وكذا من خلق بعين واحدة لا يقال لموضع عينه الأخرى أعمى، ويطلق العمى أيضا على عدم نور القلب فمن لا نور في قلبه يميز به الحق فلا فائدة في نظر عينيه لما لم يستعملوا آذانهم وألسنتهم وعيونهم فيما خلقت له من الهدى سموا بأسماء من لا سمع ولا نطق ولا بصر لهم إذ لم ينتفعوا بها، فكانت كالعدم فهم كمن إيفت حاسته -بكسر الهمزة وإسكان الياء كبيعت- أي: أصيبت بآفة، قال الشاعر:
ما بال قوم صديق ثم ليس لهم ... عهد وليس لهم دين إذا أتمنوا
صم إذا سمعوا خيرا ذكرت به ... وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا
أي: إذا سمعوا خيرا ذكرت به صاروا كمن لا يسمع فلا ينطقون به ولا ينشرونه, وإن ذكرت بسوء كانت لهم آذان السمع فيعونه وينشرونه أو من أذنت للشيء إذا أصغيت إليه. وقال آخر:
أصم عما ساءه سميع
стр. 320
وقال آخر:
أصم عن الشيء الذي لا أريده ... وأسمع خلق الله حين أريد
وعدي أصم بعن لتضمين معنى التغافل, وقال آخر:
وأصممت عمرا وأعميته ... عن الجود والفخر يوم الفخار
وكل من لفظ أصم وأبكم وأعمى صفة مشبهة لا اسم تفضيل، والآية من باب الاستعارة التصريحية باعتبار كل واحد من لفظ صم ولفظ بكم ولفظ عمي فتلك ثلاث استعارات، أو ذلك كله استعارة تمثيلية، وإنما قلت بأن ذلك من الاستعارة مع كون المشبه والمشبه به كليهما مجتمعين في الكلام من حيث إن المشبه به خبر للمشبه المحذوف المقدر المجعول من أجزاء الكلام فكأنه مذكور، أي: هم صم بكم عمي، أو هؤلاء صم بكم عمي؛ لأنه لا فرق عندي في الاستعارة بين عدم كون المشبه من أجزاء الكلام وكونه من أجزائه مذكورا أو مقدرا، إذا لم يقصد المتكلم التشبيه بل قصد أن المشبه هو نفس المشبه به مبالغة"١، ثم ذهب يوجه هذا القول في شيء من الاستطراد لا حاجة لنقله هنا.
وهو لا يسلم دائما بما يقوله علماء اللغة، بل يناقشهم ويرد عليهم فمن ذلك ما جاء في تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ ٢، فقال: "والبعوضة واحد البعوض وهو البق الصغار فيما ذكره الجوهري, وليس كذلك بل هو الحيوان الذي يطير وينتشر في الأجنة صيفا, سمي من البعض بمعنى القطع، يقال: بعضة وبضعة وعضبة أي: قطعة. قال الشاعر:
لنعم البيت بيت بني دثار ... إذا ما خاف بعض القوم بعضا
أي: قطعا"٣.
стр. 321
وأحيانا يستشهد من اللغة لأسلوب القرآن, ففي الآية السابقة مثلا يقول: "ومما قيل في الاستخفاف بالبعوض قوله:
إذا كان شيء لا يساوي جميعه ... جناح بعوض عند من كنت عبده
وأشغل جزء منه كلك ما الذي ... يكون على ذا الحال قدرك عنده
يعني الدنيا، وقوله:
لا تستخفن الفتى بعداوة ... أبدا وإن كان العدو ضئيلا
إن القذى يؤذي العيون قليله ... ولربما جرح البعوض الفيلا
وقوله:
لا تحقرن صغيرا في عداوته ... إن البعوضة تدمي مقلة الأسد"
وهو لا يتعصب لرأيه في اللغة فيستدل للرأي الآخر كما يستدل لرأيه، ففي تفسير الفوقية في قوله تعالى: ﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾ من الآية السابقة، يرى أن المراد بها: "ما زاد على بعوضة في صغر الجثة كجناحها كما ضرب به المثل في الحديث, وهكذا كنت أفسر الفوقية بالغلبة في الصغر والزيادة فيه ورأيت بعد ذلك زكريا قال: إنه مذهب المحققين لمطابقته البلاغة، ولما سيق له الكلام" إلى أن قال: "وقيل: معنى ما فوقها وما زاد عليها في الكبر كالذباب والعنكبوت أي: لا يستحي أن يضرب مثلا بالبعوضة فضلا عما فوقها ويحتمل الوجهين ما روى مسلم عن إبراهيم عن الأسود أنه دخل شباب من قريش على عائشة وهي بمنى وهم يضحكون فقالت: ما يضحككم؟ فقالوا: فلان خر على طنب فسطاط فكادت عنقه أو عينه تذهب، فقالت:
لا تضحكوا إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من مسلم يشاك شوكة فما فوقها, إلا كتبت له بها درجة ومحيت عنه بها خطيئة" ١.
стр. 322
فإنه يحتمل أن يكون المراد ما جاوز الشوكة في القلة كنخبة النمل أي: عضتها في قوله ﷺ : "ما أصاب المؤمن من مكروه فهو كفارة لخطاياه حتى نخبة النملة"، ويحتمل ما هو أشد من الشوكة وأوجع كالخرور على طنب الفسطاط"١.
وقارئ هذا التفسير يعجب لسعة معارف المؤلف اللغوية, خاصة إذا عرف أن لغته الأصلية هي البربرية، فقد قال في أحد المواضع: "وذلك متبين في لغتنا البربرية"٢، وقال في موضع آخر: إنا نقول: في لغتنا البربرية ... "٣.
اهتمامه بالقراءات وتوجيه بعضها:
اعتنى المفسر في تفسيريه ببيان أوجه القراءات فيما يتناوله من الآي, مما يدل على سعة اطلاعه في هذا المجال وهو حينما يتناول هذا لا يقف موقفا سلبيا، بل تراه يوجه بعض القراءات ويستدل لها ويبين معنى الآية على تلك القراءة، قال في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ ٤: "وقرأ ابن أبي عبلة: "لأذهب بأسماعهم وأبصارهم" فالباء فيها صلة للتأكيد ومدخولها مفعول به والتعدية بالهمزة لا بها بخلافها في قراءة الجمهور، فإنها للتعدية لعدم الهمزة فيها وإنما جعلت حرف التعدية في قراءة ابن أبي عبلة هو الهمزة والصلة هي الباء؛ لأن الأصل في التعدية الهمزة لا الباء, ولأنها الكثير في التعدية والباء فيها قليلة بالشبه"٥.
وقال في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ ٦: "وقرأ عبيد بن عمير: "مطّهّرة" بتشديد الطاء وكسر الهاء مشددة, والأصل: متطهرة أبدلت التاء طاء
стр. 323
فأدغمت في الطاء بعدها, قال بعض العرب: ما أحوجني إلى بيت الله فأطهر به تطهرة، وفي هذا الكلام دليل على جواز لحوق التاء للمصدر الذي على وزن التفعل ولو كان صحيح اللام إذا أريدت الوحدة مثل: تعلم تعلمة، وإن قلت: لم لم يقل: طاهرة أو متطهرة؟ قلت: لأن مطهرة أبلغ لأن معناه أن غيرهن قد طهرهن، وما هو إلا الله . وأما طاهرة ومتطهرة فمعناهما طاهرات لا أن مطهرا طهرهن، ومتطهرة أبلغ من طاهرة؛ لأن التفعل للكسب والعلاج, فكأنهن قصدن الطهارة وبالغن فيها، وكذا قرأ به عبيد لكن أدغم١.
ويستدل أحيانا لبعض الأقوال في التفسير ببعض القراءات, فمن ذلك ما جاء في تفسيره لقوله تعالى: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ ٢.
"والمراد: مصرا من الأمصار، أو القاهرة أو أعمالها، وعلى الأخيرين نون مع أنه علم القاهرة أو أعمالها؛ لأنه ثلاثي ساكن الوسط كهند، أو بتأويل البلد أو المحل، ويدل لهما قراءة عدم التنوين"٣.
وقال عند قوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ ٤: "وقرأ ابن كثير بنصب ﴿آدَمُ﴾ ، ورفع ﴿كَلِمَاتٍ﴾ ؛ لأن المتلاقيين, كل منهما لقي الآخر, فالكلمات جئن إلى آدم واستقبلنه حتى وصلنه, تقول: تلقيت المسافر وتلقاني. والتلقي استقبال من جاء من بعد واستعماله في آدم على قراءة الجمهور وفي الكلمات على قراءة ابن كثير مجاز، وما ذكرته أولى من حمل قراءة ابن كثير على القلب"٥.
وفي قوله تعالى: ﴿الَّتِي وَقُودُهَا﴾ ٦ قال: "أي: ما توقد به, وأما الوقود
стр. 324
-بضم الواو- فمصدر بمعنى اشتعال النار، وقرأ به عيسى بن عمر الهمداني. أما على المصدرية مبالغة بحيث نزل قوة الاشتعال منزلة الناس والحجارة، كأن نفس الناس والحجارة هي الاشتعال، كقولك: زيد صوم إذا أكثر الصوم وقولهم: حياة السراج الزيت أي: ما يحيا إلا به، فكأنه نفس الزيت، وما تتقد النار إلا بالناس والحجارة, فكأن الاتقاد نفس الناس والحجارة. وأما على المصدرية وتقدير مضاف أي: متعلق ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ , أو محل ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ , أو وقودها احتراق الناس والحجارة, أو اشتعال الناس والحجارة بها, أما على التسمية بالمصدر بدون أن تعتبر المبالغة ولا تقدير مضاف كقولك: زيد فخر قومه وزين بلده أي: والذي يفتخر قومه به ويتزين بلده به وقيل: كل من الوقود بالفتح، والوقود بالضم يكون اسما لما تتقد به, ومصدرا بمعنى الاتقاد, قال سيبويه: سمعنا من يقول: وقدت النار وقودا عاليا، والاسم بالضم"١.
ولا أدل من اهتمام المؤلف بالقراءات وتوجيهها من أنه يعقد أحيانا فصولا استطرادية, فمن ذلك مثلا الفصول التي عقدها في أحكام الياء عند القراء، فصل كل ياء بعدها همزة مفتوحة، فصل كل ياء بعدها همزة مكسورة، فصل كل ياء بعدها همزة مضمومة، فصل كل ياء بعدها ألف ولام، فصل كل ياء بعدها ألف مفردة، فصل أحكام الياء عند باقي حروف المعجم٢.
عنايته بالأحكام الفقهية:
قلت في الحديث عن آراء الأباضية الفقهية: إنه ليس بينهم وبين أهل السنة فارق يذكر, فهم يوافقونهم في الأصول, أما في الفروع فخلافهم كالخلاف بين المذاهب الأربعة وقد يتجاوزونه فينفردون برأي دون المذاهب الأربعة.
وصاحب التفسيرين سار في تفسيره لآيات الأحكام وفق مذهبه الأباضي, ولا يمنعه هذا من أن يورد آراء المذاهب الفقهية الأخرى.
стр. 325
قال في تفسير قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ ١:
"استدل المعتزلة والفخر بالآية على أن الأشياء قبل ورود الشرع على الحل إن كانت نافعة، وعليه كثير من الشافعية والحنفية ولا تحتمل الآية أن اللام للضرر، مثل: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ ولا دليل على أن المراد بالآية الإباحة على شرط نزول الوحي بها، وقيل: إنها قبل الشرع على الحظر، وقيل بالوقف، والأول أولى"٢.
وأفاض في تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ ٣ الآية، فمما قال: "وائتوا بهما تامين بشروطهما وأركانهما ولا تكدروهما بشيء، والأمر فيهما واجبان ذاتا وتماما"٤.
ثم رد على من قال: إن العمرة ليست واجبة، أما الإحصار في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ فقال: "أي: منعتم عن الإتمام بعدو أو مرض أو غيرهما كضياع نفقة"، ثم قال: "هذا مذهبنا ومذهب أبي حنيفة, ويدل له قوله ﷺ : "لا إحصار إلا من مرض أو عدو أو أمر حابس" وهو عموم. قال عروة: كل شيء حبس المحرم فهو إحصار, وروي عن بعض الصحابة: من أحرم بحج أو عمرة ثم حبس عن البيت بمرض يجهده أو عدو يحبسه, فعليه ذبح ما استيسر من الهدي، وأهل عمر بن سعيد بعمرة فلسع فقال ابن مسعود: ابعثوا بالهدي واجعلوا بينكم وبينه يوم أمارة, فإذا كان ذلك فليحل, وخص مالك والشافعي الحكم بحصر العدو لقوله: ﴿فَإِن أَمِنْتُمْ﴾ وقول ابن عباس: لا حصر إلا حصر العدو ويعترض بالحديث المرفوع قبل هذا، وليس ضعيفا, قيل: لأنه روي من طرق مختلفة، وأن شرط الحاج محلي حيث حبست فلا هدي عليه أن حبس بعدو أو غيره لقوله ﷺ لضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب: "حجي
стр. 326
واشترطي وقولي: محلي حيث حبستني يا الله"١ والأصل أنه لا يختص هذا بها بل هو لها ولغيرها عند أحمد وأحد قولي الشافعي, والحديث حجة لنا ولأبي حنيفة أن غير العدو كالعدو في الآية, والعمرة كالحج٢.
ويرى أن المرض الذي يبيح الفطر في رمضان لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا﴾ ٣ الآية: "مرضا يشق معه الصوم بعض مشقة أو يضره أو يتأخر معه برؤه أو يزيد به المرض, وذلك بالتجربة أو بإخبار الطبيب المسلم الحاذق لقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ ٤ فإذا كان الصوم يعسر مع مرض حل الإفطار، لا كما قيل عن ابن سيرين أنه أفطر لوجع أصبعه ولا كما قال الشافعي: لا يفطر حتى يجهده الجهد الذي لا يحتمل, وروي عن مالك أنه يفطر صاحب الرمد الشديد أو الصداع المضر وليس به مرض يضجعه إن شاء، واحتج من أباح الإفطار بالمرض ولو لم يعسر ولم تكن فيه مشقة بإطلاق الآية وهو رواية عن الشافعي وهو قول ابن سيرين والحسن البصري، وبأن السفر قد يخلو من مشقة وحل الإفطار فيه ولو بلا مشقة لأنه سبب لهما، ويجاب بأن الرخصة لم تتعلق بنفس المرض لتنوعه إلى ما يزاد بالصوم، وإلى ما يخفف به، ولا يكون مرخصا البتة، فجعل ما يزاد به مرخصا بخلاف السفر؛ لأنه لا يعرى عن المشقة فجعل نفسه عذرا"٥.
أما القدر المباح عند الضرورة من الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به في قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ ٦ "في الأكل من ذلك بقدر ما يوصله أو يحيا به ولا يأخذ معه من ذلك، والمذهب تحريم
стр. 327
الزيادة على ما يمسك الرمق وكذا روي عن أبي حنيفة والشافعي, وقال عبد الله بن الحسن البصري: يأكل قدر ما يدفع الجوع, وقال مالك: يأكل حتى يشبع ويتزود, فإذا وجد الحلال طرحه"١.
وغالب آراء المؤلف الفقهية بل المذهب الأباضي موافق لمذهب أبي حنيفة -رحمه الله تعالى- لذا كثيرا ما نرى المؤلف يقول: ومذهبنا ومذهب أبي حنيفة بل قال في أحد المواضع عن أبي حنيفة -رحمه الله تعالى: "وهو كثير الوفاق بينه وبيننا, معاشر الأباضية الوهبية في المسائل"٢.
وقد يختلفون برأي عن الحنفية بل عن المذاهب الأربعة كلها, فشذوا مثلا بالقول بفطر من أصبح جنبا, حيث قال المؤلف في تفسير قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ ٣: "حتى غاية للأكل والشرب لا لهما وللجماع لقوله ﷺ : "من أصبح جنبا أصبح مفطرا" ٤، فيجب الكف عنه إذا لم يبق ما يتطهر فيه"٥, فهو إذًا يرى أن تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر إنما هو غاية للأكل والشرب
стр. 328
فقط. أما الجماع فغايته قبل هذا التبين بوقت كافٍ للغسل, وهو خلاف مذهب الأئمة الأربعة وجمهور العلماء سلفا وخلفا١.
والمؤلف لا يلتزم كثيرا المذهب الأباضي في الفقه بل يخالف أحيانا بعض أصحابه, فهو يرى فيمن أفطر شهر رمضان كله لعذر أن يقضي عدد أيام شهر رمضان الذي أفطره "إن كان تسعة وعشرين قضى تسعة وعشرين فقط. ولو بدأ القضاء من أول شهر وكان فيه ثلاثون, فلا تهم فإنما عليه قضاء شهر رمضان الذي خوطب به, فإذا كان من تسعة وعشرين لم يزدد, والآية حجة لي وذكر بعض أصحابنا وشهروه وبعض قومنا أنه إن بدأ من أول الشهر أتمه زاد على رمضان أو نقص, وبعض إن نقص أتمه"٢.
وكذا في إفطار المريض أيلزمه تبييت النية للإفطار أم لا؟ فقال: "أما المريض فيبيت الإفطار من الليل وإن أفطر بلا تبييت وخاف على نفسه أو عضوه أفطر بقدر ما يصل به الليل، وقيل: أو بما يشاء فيبيت نية الإفطار في الليل المستقبل، وزعم بعض قومنا أن يفطر المريض بلا تبييت إفطار بخلاف المسافر لقوله تعالى: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ وليس بشيء لقوله تعالى: ﴿لا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ فليتم المريض يومه إن قدر على إتمامه كالمسافر"٣.
وأحيانا يصرح بخلافه للمذهب, فمن ذلك قوله: "والمذهب أن شرع من قبلنا ليس شرعا لنا, والذي عندي أنه شرع لنا وأنه يقدم على الاجتهاد ما لم ينافه القرآن أو الحديث أو الإجماع بدليل راجح, ولا خلاف في أنه ليس شرعا لنا إذا صرح في ذلك بخلافه ولا يصح أن شيئا شرع لمن قبلنا إلا إن ذكر عنهم في القرآن أو الحديث أو الإجماع أو رواه ثقة أسلم منهم كعبد الله بن سلام"٤.
стр. 329
التزام المذهب الأباضي في العقيدة:
التزم المفسر في تفسيريه المذهب الأباضي في العقيدة وهو كغيره من المفسرين أصحاب المذاهب الأخرى لا يكاد يجد آية يوافق ظاهرها مذهبه إلا جعلها دليلا عليه ولا آية تخالف مذهبه إلا أولها بما لا يكون بينها وبين مذهبه خلاف أو معارضة، ونحن حين نسوق تأويله لبعض الآيات من هذا وذاك نعني بالعرض أكثر من سواه -كما هو مسلكنا في غيره من المذاهب- فنقول:
الأسماء والصفات:
يرى المؤلف "أن أسماء الله توقيفية، وقيل: تقاس فيما ورد فيه لفظ الفعل أو غيره مسندا فنقول: الله تائب على عباده؛ لورود تاب عليه وتاب عليهم، وباني السماء وداحي الأرض"١.
وينكر الجهة لله تعالى فيقول: "والله ينزه عن الجهات والأمكنة والتنقل"٢.
أما الغضب في قوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ ٣ فقال عنه: "والغضب هيجان النفس إرادة الانتقام، وعبارة بعضهم: تغير يحصل عند غليان دم القلب لإرادة الانتقام, وقيل: هيجان دم القلب لإرادة الانتقام وذلك كله في حق المخلوق، وإذا كان مسندا إلى الله تعالى كما هو المراد في الآية فالمقصود لازم ذلك ومسببه, وهما الانتقام وإن شئت فقل: العقاب"٤.
أما الاستواء في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ ٥ فقال: "ومعنى استوئه تعالى إلى السماء: قصده إليها وتوجيه الإرادة إليها بأن يخلقها, يقال: استوى زيد إلى كذا كالسهم المرسل إذا قصده من غير أن يميل إلى غيره فكذا
стр. 330
خلق ما في الأرض وخلق بعده السموات بلا خلق شيء بين خلقهن وخلق ما في الأرض ووزن استوى: افتعل بمعنى تكلف السواء وهو أصل معناه وأطلق في اللغة على الاعتدال: تسوية وضع الأجزاء، تقول: استوى زيد على الأرض أي: جلس عليها جلوسا مستوية إليه أعضاؤه التي جلس بها معتدلا, ولا يصح حمل الآية على ذلك؛ لأنه من خواص الجسم والله -جل وعلا- ليس جسما ولا عرضا, لو كانت الآية على هذا المعنى لقال: ثم استوى في السماء أو على السماء لا ﴿اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ لكن الله -جل وعلا- لا يوصف بهذا المعنى ولو قال: في السماء أو على السماء لكان ماولا١ بالقهر والغلبة, ويجوز تأويل الآية بهما، لكن تأويلها بالقصد والإرادة أولى لأنه أقرب إلى أصل الاستواء وهو تكلف السواء ولتعديته بإلى وللتسوية المرتبة عليه بالفاء، وعن ابن عباس: ﴿اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ ارتفع إليها, وفي رواية صعد والمراد: ارتفاع أمره أو صعد أمره أو ارتفع إليها وصعد بقصد وإرادة, قال الطبري: علا أمره وقدرته وسلطانه، وقال ابن كيسان: قصد إلى السماء أي: بخلقه واختراعه؛ وذلك لأنه تعالى منزه عن الانتقال والحلول, والمراد بالسماء الجهة العليا التي فيها السموات؛ لأنه ليس فيها حين الاستواء إليها سماء ولا سموات"٢.
وفي تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ ٣ قال: "و ﴿اسْتَوَى﴾ بمعنى استولى بالملك والغلبة والقوة والتصرف فيه كيف شاء, و ﴿الْعَرْشِ﴾ جسم عظيم, وذلك مذهبنا ومذهب المعتزلة وأبي المعالي وغيره من حذاق المتكلمين وخص العرش بذكر الاستيلاء لعظمه, ويصح أن يكون المعنى استوى أمره ولم يكن فيه عوج, فكنى عن ذلك باستوى على العرش"٤.
أما يمين الرحمن فأولها بقوله: "ويمين الرحمن عبارة عن المنزلة الرفيعة
стр. 331
والعرب تذكر "يمين" في الأمر الحسن, ودل لذلك قوله: "كلتا يديه يمين"١, التأويل في مثل ذلك هو الحق وأما قول سلف الأشعرية في مثل ذلك: إنا نؤمن به وننزهه عن صفة الخلق ونكل معناه إلى الله نقول: هو على معنى يليق وكذا طوائف من المتكلمين فجمود وتعامٍ عن الحق"٢.
إنكار الرؤية:
وهو ينكر إمكان رؤية الله تعالى في الدنيا والآخرة، بل يكفر من قال بها أو أجازها. فعد طلب قوم موسى ﵇ لرؤية الله "ارتدادا منهم"٣. وقد ذكر في هذا الموضع عددا من الروايات عن طلب قوم موسى رؤية الله ثم ذكر رواية أن موسى ﵇ سأل ربه أن ينظر إليه بالمجاهرة ثم عقب على هذه الرواية بقوله: "وهذه الرواية تقتضي أن موسى يجيز الرؤية حتى سألها ومُنعها وليست كذلك بل إن صح سياق هذه الرواية فقد سألوه الرؤية قبل ذلك, فنهاهم عن ذلك وحرمه أو سكت انتظارا للوحي في ذلك, فلما فرغ وخرج عاودوه ذكر ذلك فقال لهم: قد سألته على لسانكم كما تحبون, لأخبركم بالجواب الذي يقمعكم لا لجواز الرؤية فتجلى للجبل بعض آياته فصار دكا فكفروا بطلب الرؤية لاستلزامها اللون والتركيب والتحيز والحدود والحلول والعجز عن الاستقلال وعما بعد عن المحل كل العجز أو بعضه والجهل به كل الجهل أو بعضه, وذلك كله يستلزم الحدوث وذلك كله محال عن الله وإذا كان ذلك مستلزما عقلا لم يختلف دنيا وأخرى فالرؤية محال دنيا وأخرى، ولا بالإيمان والكفر والنبوة وعدمها"٤.
والمؤلف ينكر على من علل أخذ الصاعقة لهم بسبب اشتراطهم الرؤية
стр. 332
للإيمان: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ ١ وليست الصاعقة لمجرد طلبهم الرؤية، ينكر المؤلف هذا القول، حيث يقول: "فأخذتهم الصاعقة بظلمهم, إذ سألوا رؤية الله جل وعلا الموجبة لتشبيهه بالخلق, والصاعقة نار لطيفة من السماء, وقالت الأشعرية: الصاعقة إنما هي من أجل امتناعهم من الإيمان بما وجب إيمانه٢ إلا بشرط الرؤية لا من أجل طلب الرؤية وهو خلاف ظاهر الآية مع أن الرؤية توجب التحيز والجهات والتركيب والحلول واللون وغير ذلك من صفات الخلق, ويدل لما قلته قوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ ٣ والأشعرية لما أفحموا قالوا: بلا كيف, وحديث الرؤية إن صح فمعناه: يزدادون يقينا بحضور ما وعد الله في الآخرة, فلا تشكون في وجود الله وكمال صدقه وقدرته كما لا تشكون في البدر"٤.
وقال في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ ٥ الآية: "والآية دليل على كفر مجيز الرؤية دنيا أو أخرى؛ وذلك لأن إجازتها ولو في القلب إجازة لتكييفه، وتكييفه ممتنع لأن فيه تشبيها، وإدراكه بالقلب تكييف لا يتصور بدونه فلا يصح قولهم: بلا كيف وتكييفه في القلب بلا تقدير أن يكيفه لغيره هو من نفس المحذور، فبطل قول طوائف من المبتدعة أن الصاعقة ليست لمجرد الطلب بل لعنادهم واشتراطهم, وإذا كان المنع للتشبيه لم يضرنا أنها نزلت لطالبها في الدنيا"٦.
القول بخلق القرآن:
جرى المؤلف في تفسيريه على مذهبه المذهب الأباضي في القول بأن كلام الله مخلوق, فقال في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى
стр. 333
نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ ١ الآية: "والقائلون هم السبعون الذين اختارهم موسى من قومه الذين لم يعبدوا العجل لميقات وقت لهم من خيارهم, أمره الله أن يأتي بهم إلى طور سيناء ليعتذروا ويطلبوا العفو عن عبادة العجل فأتى بهم وأمرهم أن يتطهروا ويطهروا ثيابهم ويصوموا وقالوا له: ادع الله أن يسمعنا كلامه فأسمعهم" إلى أن قال: "سمعوا كلام الله بأن خلق صوتا في أبدانهم أو في الهواء أو حيث شاء وفي أبدانهم وأسماعهم"٢.
بل قال ما هو أصرح من هذا في تفسير قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ ٣، حيث قال: "النسخ دليل على أن القرآن حادث مخلوق، ولا نثبت الكلام النفسي فضلا عن أن يقال: التعبير من عوارض ما يتعلق به الكلام النفسي، وهي الأفعال، في الأمر والنهي، والنسب الخبرية في الخبر، وفي إثبات الكلام النفسي إثبات كون الله ظرفا ومتحيزا, وإن رجع ذلك إلى العلم لزم أن كل ما علمه قديم، والقرآن هو هذه الألفاظ لا غيرها"٤.
حقيقة الإيمان:
أفاض الشيخ أطفيش الحديث في تفسير قوله تعالى في وصف المتقين بـ ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ ٥، أفاض في الحديث عن الإيمان فكتب فيه من ص١٩٣ إلى ص٢١٠ أي: ما يقرب من ثماني عشرة صفحة ليس بوسعنا هنا نقلها بل أذكر ما يعطي صورة واضحة عن عقيدة المؤلف عن المذهب الأباضي.
بعد أن عرف الإيمان لغة قال: "والإيمان في الشرع يطلق تارة على التصديق بما علم بالضرورة أنه من دين سيدنا محمد ﷺ
стр. 334
كنفي الشركة عن الله وإثبات النبوة والرسالة والبعث والجزاء، ومعنى كون ذلك معلوما بالضرورة أنه مشهور، حتى كأنه أمر ضروري لا يحتاج إلى كسب، ثم ما لوحظ إجمالا كالملائكة والكتب والرسل، كنفي١ الإيمان به إجمالا وما لوحظ تفصيلا كجبريل وموسى والإنجيل اشترط الإيمان به تفصيلا حتي إن من لم يصدق بمعين من ذلك فهو مشرك، كذا ذكر بعض الشافعية وهو حق كما نقول معشر الأباضية الوهبية، إلا أن جمهورنا يوجب معرفة جبريل وآدم، ولا يمهل المكلف إلى ورود معرفتهما عليه، كما لا نمهله نحن ولا قومنا في معرفة النبي محمد ﷺ والقرآن، ولا يشرك الإنسان بإنكار نبي لم يتواتر".
وتارة يطلق على مجموع الاعتقاد والإقرار أو العمل٢ بمقتضى ذلك، فمن أخل بالاعتقاد وحده أو به وبالعمل فهو مشرك من حيث الإنكار, منافق أيضا من حيث إنه أظهر ما ليس في قلبه, ومن أخذ٣ بالإقرار وحده أو بالإقرار والعمل فهو مشرك عند جمهورنا وجمهور قومنا, وقال القليل: إنه إذا أخل بالإقرار وحده فمسلم عند الله من أهل الجنة, وإن أخل به وبالعمل ففاسق كافر كفر نعمة، ونريد باسم آخر له وهو لفظ منافق وإن أخل بالعمل فقط فمنافق عندنا فاسق ضال كافر كفرا دون شرك، غير مؤمن الإيمان التام، وقالت المعتزلة: خارج عن الإيمان غير داخل في اسم الكفر, سواء كفر الشرك وما دونه، وروى الإيمان: إقرار باللسان وعمل بالأركان واعتقاد بالجنان، وقيل: هو من كلام بعض السلف واختلفوا -الخوارج- وهم الذين خرجوا عن ضلالة علي٤، فقالت الأباضية الوهبية وسائر الأباضية فيمن أخلَّ بواحد من الثلاثة ما تقدم: من إشراكه بترك
стр. 335
الاعتقاد أو بترك الإقرار، وينافق بترك العمل، ويثبتون الصغيرة, وقال الباقون كذلك وأنه لا صغيرة، ومذهب المحدثين أن انضمام العمل والإقرار إلى الاعتقاد على التكميل لا على أنه ركن, ونحن نقول: انضمامها إليه ركن وهما جزء ماهيته، وقيل: شرط خارج عن الماهية لا ينتفع به بدونهما، وإن ماهيته هي التصديق بالقلب فقط وأما الإقرار فلإشهار دين الله ﵎ وتعظيمه والدعاء إليه، ونفي أحكام المشركين عن نفسه، وأما العمل فلوجوب الصدق، فمن لم يعمل فقد كذب اعتقاد وإقراره إن أقر وخرج عن عبادته من أقر له واعترف واعتقد أنه عبده، وعلى كلا القولين من أن الإقرار والعمل شرطان، أو شطران لماهية الإيمان يكفي إقراره وعمله في خلوة عن حضور أحد، وزعمت الكرامية الإيمان هو التلفظ بالشهادتين سواء طابقه الاعتقاد أم لا، فإن طابقه نجا ولو لم يعمل, وإلا فهو مخلد في النار من غير أن يسموه مشركا، فعندهم التلفظ ينفي اسم الشرك باطنا كما ينفيه ظاهرا، ولا ينفي حكمه وهو الجزاء بالنار إن لم يطابقه الاعتقاد، ويبطل قولهم ما وردت به لغة العرب والقرآن والسنة أن الإيمان تصديق بالقلب وإذعانه، وقال أبو حنيفة وبعض الأشاعرة: الإيمان تصديق بالجنان وإقرار باللسان؛ لأن التصديق لما اعتبر بكل من اللسان والجنان كان كل منهما جزءا من ماهية الإيمان، ولكن تصديق القلب ركن لا يحتمل السقوط، وتصديق اللسان يسقط لنحو خرس أو إكراه وهو موافق لما نقوله معشر الأباضية الوهبية غير أنا نقول:
"إن العمل جزء من ماهية الإيمان, لكن لا يخفى أنه جزء من ماهية الإيمان التام لا من مطلق الإيمان، بدليل أنه لا نحكم بالشرك على من ترك العمل، قال١: الإيمان باقٍ فيمن ترك العمل، ولكنه لا ينفيه فمطلق الإيمان تركت ماهيته عندنا بالاعتقاد والإقرار فقط, ورجح بأن الله جل وعلا ذم المعاند أكثر من الجاهل المقصر, ويجاب بأن الذم للإنكار والعناد لا لمجرد عدم الإقرار"٢.
стр. 336
ثم بعد هذا كله ذكر الشيخ محمد أطفيش الرأي الذي يميل إليه بين هذه الآراء فقال: "وقيل, أي الإيمان: الاعتقاد فقط، وأما الإقرار فلما مر من إشهار الدين والدعاء إليه ونفي أحكام الشرك ونحو ذلك، وللعبادة والثواب والتوكيد ويدل له إضافة الإيمان إلى القلب مثل: ﴿وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَان﴾ ١، ولم يؤمن قلبه: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ ٢، وعطف العمل الصالح عليه في مواضع لا تحصى، ونطق اللسان من العمل الصالح، وقرنه بالمعاصي كالاقتتال والقتل والظلم في نحو: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ ٣، ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ ٤، ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ ٥، مع ما في ذلك من قلة التغير عن معناه اللغوي، ومن قربه إليه ويدل لذلك تعديه بالباء يتبادر منه التصديق, ويدل له أنا إذا رأينا من أحد إمارة المؤمنين حكمنا بإيمانه وأزلنا عنه حكم الشرك, وكذا على عهد رسول الله ﷺ فعلم أن الإيمان في القلب، وأنه بأية علامة كشف عنه حكمنا به، سواء كشف عنه اللسان أو غير اللسان، ولست في ذلك قاصدا لمخالفة أصحابنا ﵏ ولكن ذكرت ما أدى إليه اجتهادي"٦.
وهو بما أدى به إليه اجتهاده من القول بأن الإيمان هو الاعتقاد, قد خالف جمهور الأباضية حيث يقول: "غير أن جمهورنا كما علمت إلا قليلا جدا وجمهور قومنا أيضا يقولون: لا إيمان بلا إقرار"٦.
وقد وهم الشيخ محمد حسين الذهبي -رحمه الله تعالى- فقد اعتقد أن المؤلف سار على رأي الأباضية في هذا, فقال في وصفه: "إنه يحاول محاولة جدية
стр. 337
في تحقيق أن العمل جزء من الإيمان، ولا يتحقق الإيمان بدونه"١ مع أن الذهبي نفسه نقل نصا للمؤلف خلاف هذا.
ففي تفسير قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ ٢ أكد المؤلف على قيمة العمل مع الإيمان, لكنه لم يجعله جزءا منه أو لا يتحقق الإيمان بدونه، بل صرح بأن عطف العمل الصالح على الإيمان يدل على المغايرة بين المتعاطفين ولنسق كلام المؤلف بنصه: " ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات﴾ ترى الإنسان يقيد كلامه مرة واحدة بقيد, فيحمل سائر كلامه المطلق على هذا القيد، فكيف يسوغ لقومنا أن يلغوا تقييد الله الإيمان بالعمل الصالح مع أنه لا يكاد يذكر الفعل من الإيمان إلا مقرونا بالعمل الصالح, بل الإيمان نفسه مفروض لعبادة من يجب الإيمان به وهو الله تعالى، إذ لا يخدم الإنسان مثلا سلطانا لا يعتقد بوجوده وبثبوت سلطنته, فالعمل الصالح كالبناء النافع المظلل المانع للحر والبرد والمضرات, والإيمان أس فلا ينفع الأس بلا بناء عليه ولو بنى الإنسان ألوفا من الأسوس ولم يبن عليها؛ لهلك باللصوص والحر والبرد وغير ذلك, فإذا ذكر الإيمان مفردا قيد بالعمل الصالح وإذا ذكر العمل الصالح فما هو إلا فرع الإيمان، إذ لا تعمل لمن لا تقر بوجوده, وفي عطف الأعمال الصالحات على الإيمان دليل على أن كلا منهما غير الآخر؛ لأن الأصل في العطف المغايرة بين المتعاطفين, ففي عطف الأعمال الصالحات على الإيمان إيذان بأن البشارة بالجنات إنما يستحقها من جمع بين الأعمال الصالحات والإيمان، لكن الأعمال الصالحات تشمل الفرض والنفل والمشروط الفرض وأما النفل فزيادة خير"٣.
وبهذا يتبين أن الإيمان عند المؤلف هو الاعتقاد فقط, أما الأعمال الصالحات والإيمان فكل منهما غير الآخر ولكن الجمع بينهما شرط لاستحقاق البشارة بالجنات.
стр. 338
حكم مرتكب الكبيرة:
سار الشيخ أطفيش في هذا على مذهبه مذهب الأباضية الوهبية, وهم كما سبق القول يطلقون على الموحد العاصي كلمة كافر, ويعنون بها كافر النعمة ويجرون عليه أحكام الموحدين، ويقسمون الكفر إلى قسمين: كفر نعمة ونفاق وهو هذا الذي نتحدث عنه، وكفر شرك وجحود وهو المخرج من الملة الإسلامية.
وقد قارن الشيخ أطفيش في تفسير قوله تعالى: ﴿وَيُؤْمِنُونَ بالغيب﴾ ١، بين آراء المذاهب فقال: "ثم إنه لا يخفى أن الحق معنا في قولنا: إن مرتكب الكبيرة كافر كفر نفاق وهو كفر نعمة, موحد, إيمانه ناقص، لا كما زعمت المرجئة أنه مؤمن كامل الإيمان ولا كما زعمت المعتزلة أنه لا كافر ولا مؤمن, فإن أرادوا: لا مؤمن إيمانا كاملا ولا كافر كفر شرك فقد صدقوا, وإن أرادوا نفي اسم الكفر عنه مطلقا كذبتهم آثار وأحاديث جمعتها في بعض ما منَّ الله به عليَّ من التأليف ... ولا كما قالت المالكية والشافعية والحنابلة والحنفية: إنه لا يسمى باسم كافر أصلا، ووافقنا محققوهم على أنه يسمى به على معنى كفر النعمة، ولا كما زعمت الصفرية من أنه مشرك، ولا كما زعم بعض الصفرية أنه مشرك بالمعصية مطلقا ولو لم تكن كبيرة"٢.
ويظهر لي والله أعلم أن الخلاف في هذه الجزئية لفظي؛ ذلكم أن أهل السنة يصفون مرتكب الكبيرة بأنه مؤمن ناقص الإيمان, أما الأباضية -والشيخ أطفيش من أئمتهم- فيعتقد أنه يجوز نفي الإيمان عن ناقص الإيمان باعتبار الكمال, فهؤلاء سموه ناقص الإيمان ووقفوا وهؤلاء قالوا: إنه غير مؤمن بل كافر كفر نعمة لا كفر شرك, لا يخرج من الملة ولا يحكم عليه بأحكام المرتدين ويعامل معاملة الموحدين، وهذا كلام الشيخ أطفيش في تفسير إحدى الآيات حيث يقول: "إنه يجوز نفي الإيمان عن ناقص الإيمان باعتبار الكمال كما في قوله صلى
стр. 339
تائب يرجى له أنه إن شاء الله عذبه بقدر ذنبه وأدخله النار, وإن شاء غفر له، ومذهبنا أن من مات على كبيرة غير تائب لا يرجى له"١.
أما إذا صدمته بالآية التي تنص على مغفرة الله لمن يشاء وتعذيبه لمن يشاء في قوله سبحانه: ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ قال: ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ الغفران له: أن يوفقه للتوبة ﴿وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ تعذيبه بأن لا يوفقه. وليس من الحكمة أن يعذب المطيع الموفي وليس منها أن يرحم العاصي المصر وقد انتفى الله من أن يكون ظالما وعد من الظلم النقص من حسنات المحسن والزيادة في سيئات المسيء وليس من الجائز عليه ذلك خلافا للأشعرية في قوله٢: يجوز أن يدخل الجنة جميع المشركين والنار جميع الأبرار, وقد أخطئوا في ذلك لا يجوز ذلك ولو شخص واحد"٣.
هذا هو الخلاف الأول نحو مرتكب الكبيرة, فأهل السنة كما ذكرنا قالوا: إنه تحت المشيئة والأباضية قالوا: لا يغفر له إلا بالتوبة، أما الخلاف الثاني ففي خلوده في النار بعد دخوله.
خلود مرتكب الكبيرة في النار:
أما أهل السنة فيعتقدون أن أصحاب الكبائر في النار لا يخلدون, هذا إن أدخلهم الله إياها ولم يغفر لهم قبل الدخول، أما الأباضية فيعتقدون خلود أصحاب الكبائر في النار لا يفنون ولا تفنى، ففي تفسير قوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ٤، قال: "لا يخرجون منها: المشركون والفاسقون والأصل في الخلود الدوام، وحمله على المكث الطويل إنما يصح لدليل ولا خلاف في دوام المشرك في النار, ومعنى إحاطة الخطيئة به أنها أهلكته إذ لم يتخلص منها بالتوبة, وليس المراد أنها به بمعنى
стр. 340
أنها في قلبه وجوارحه, فلا دليل في الآية على أن الخلود إنما هو لمن عمَّت١ قلبه بالشرك؛ لأنه إذا صرنا إلى معنى تعميم البدن بالمعصية, ورد علينا أن من جسد الكافر ما لم تصدر منه معصية مثل عنقه وأعلى صدره إذا لم تصدر منهما"٢.
وفسر الخلود بالدوام في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ٣، حيث قال: "دائمون, وخلود أهل النار فيها وأهل الجنة فيها دوام"٤.
وقال في تفسير قوله تعالى عن آكلي الربا: ﴿وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ٥: وأصحاب الكبائر من أهل التوحيد مخلدون.
أما الخلاف الثالث في حق مرتكب الكبيرة بين أهل السنة والأباضية, ففي الشفاعة لأصحاب الكبائر إذ ينكرها الأباضية إلا للموحدين, لا لأصحاب الكبائر ولا للمشركين.
الشفاعة:
أما أهل السنة, فيعتقدون شفاعته ﷺ لأهل الكبائر من أمته ويشاركه فيها الملائكة والنبيون والمؤمنون أيضا٦، أما الأباضية فقال الشيخ أطفيش في تفسير قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ ٧: والآية دليل لنا وللمعتزلة على أن لا شفاعة لأهل الكبائر؛ لأن الآية ولو كانت في المشركين لكنها في صفة يوم من شأنه أنه لا شفاعة فيه بدفع العذاب عن مستحقه, ولا مقام أو زمان من مقامات الموقف وأزمنته نص
стр. 341
فيهما على ثبوتها للفساق١, ولا الشخص المصر٢.
وقال في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلا تَنْفَعُهَا شَفَاعَة﴾ ٣، قال: "وذلك مخصوص بالمشرك, فإنه لا شفاعة له هنالك إلا شفاعة القيام لدخول النار, ولا نفع له في دخول النار وإنما الشفاعة للموحد التائب"٤.
وفي تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ ٥، قال: "فالآية نص أو كالنص في أن لا شفاعة لأهل الكبائر, أي: أنت بريء منهم على كل وجه"٦.
إذن: فخلاصة رأي الشيخ أطفيش في تفسيريه بل مذهبه الأباضي أن مرتكب الكبيرة كافر كفر نعمة، لا يغفر الله له إن لم يتب، خالد في النار لا تفنى ولا يفنى، ولا يشفع له فيخرج منها أو يخفف عنه، والله أرحم مما قالوا.
خلق أفعال العباد:
يعتقد المؤلف أن الله هو الخالق لأفعال العباد, وأن وقوع المعاصي بإرادته ومشيئته مع اختيار العاصي جاء ذلك في تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ ٧، حيث قال: "ولو شاء الله عدم إشراكهم بالله تعالى ما أشركوا به تعالى شيئا, فالآية دليل على أن إشراكهم بإرادة الله ومشيئته، وفيه رد على المعتزلة في قولهم: لم يرد معصية العاصي ... وزعموا أن المعنى لو شاء الله لأكرههم على عدم الإشراك، ولزم
стр. 342
عليهم أن يكون مغلوبا على أمره إذا عصى ولم يرد المعصية، بل أراد الإيمان منهم ولم يقع -تعالى الله عن ذلك- والحق أن المعصية بإرادته ومشيئته مع اختيار العاصي، لا جبر، للذم عليها والعقاب والنهي عنها"١.
وكذا عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ٢، قال: "من إيمان وكفر وخير وشر, مما هو كائن دنيا وأخرى"٣.
أما الإرادة في قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ ٤، فقال: " ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ في دينه أي: بشرعه، وهو مراد أبي حيان إذ فسر الإرادة بالطلب, قال ذلك خروجا عن تبديل الإرادة فإن إرادة الله لا تتبدل وذلك منه خروج عن مذهب الاعتزال, إذ زعمت المعتزلة أن إرادته تعالى قد يخالفها العبد وتبطل"٥.
موقفه من الصحابة، رضوان الله عليهم:
هم يوالون أبا بكر الصديق وعمر الفاروق ﵄ ويذمون عثمان وعليا ﵄ وهذا أطفيش يقول في تفسير قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ ٦، فقال: "قال المخالفون عن الضحاك: إن ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ هم عمر وأبو بكر وعثمان وعلي, وإن استخلافهم إمامتهم العظمى وسيأتي -وقد مر أيضا- ما يدل على بطلان دخول عثمان وعلي في ذلك"٧.
وقال أيضا: "وفي أيام أبي بكر وعمر وعثمان وعلي بعدهم كانت الفتوح العظيمة, وتمكن الدين لأهله, لكن لا دليل في ذلك على إصابة عثمان وعلي فإنهما
стр. 343
-ولو كانت خلافتهما حقا برضى الصحابة- لكن ما ماتا إلا وقد بدلا وغيرا فسحقا"١ "!! ".
أما ما قاله في عثمان ﵁ وحده, فمنه ما قاله في تفسير قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُون﴾ ، من الآية السابقة حيث قال: "وأقول والله أعلم بغيبه: إن أول من كفر تلك النعمة وجحد حقها عثمان بن عفان"٢، ثم ذهب يذكر من مثالبه ما هو منه بريء أو لا يصل به ﵁ إلى حد الجرأة على ذمه وقدحه.
وكعادته في تأويل ما يخالف مذهبه من الآي أو الحديث, ذهب يؤول تأويلا باطلا ما ورد من الحديث في فضل عثمان ﵁ من مثل ما قاله فيه ﷺ بعد أن جهز عثمان جيش العسرة, فقال ﵊: "ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم" فقال في تأويل ذلك مشككا في صحة الحديث: "فإن صح هذا, فذلك أيضا دعاء"٣.
وقال في الحديث الآخر في ذلك أيضا: "لا يضر عثمان ما عمل بعدها", قال: "فإن صح ذلك فمعنى ذلك الدعاء له بالخير, لا القطع بأنه من أهل الجنة"٣.
ولن نذهب نذكر درجة هذين الحديثين ومدى دلالتهما في البشارة لعثمان ﵁ بالجنة ولكن نذكر حديثا رواه البخاري في صحيحه, قال النبي ﷺ : "من يحفر بئر رومة فله الجنة" فحفرها عثمان، وقال: "من جهز جيش العسرة فله الجنة" فجهزه عثمان٤.
ولا ننسى الحديث الآخر الذي رواه البخاري أيضا في صحيحه عن
стр. 344
النبي ﷺ حين صعد أحدا فرجف, فقال ﵊: "اسكن أحد, فليس عليك إلا نبي وصديق وشهيدان" ١.
هذا من ناحية عثمان ﵁ أما ما قال في علي ﵁ فمنه ما قد مر بنا من وصفه للخوارج بأنهم: "الذين خرجوا عن ضلالة علي"٢، وقال في موضع آخر معرضا بعلي, ﵁: "وأيضا الباغي من يرى التحكيم فيما كان لله فيه حكم، والسافك دماء من لم يتبعه على هذه الزلة"٣.
وعند استدلال علي ﵁ بحديث سمعه من الرسول ﷺ قال: "يخرج قوم من أمتي يقرءون القرآن ليس قراءتكم إلى قراءتهم, ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء ... " إلخ الحديث. علق الشيخ أطفيش على هذا الاستدلال قائلا: "فترى علي بن أبي طالب وهو خصم يتأول الحديث فيمن خاصموه, أعني غلبوه في الخصومة فخصموه, والحمد لله رب العالمين وهو مدع ويأتيك ما يبطل هذه الدعوى, ولا يخفي بطلانها"٤.
وقال في بعض الأحاديث في فضل آل محمد: "وذلك كله صحيح الرواية, لكن المراد بآله: آله الذين لم يبدلوا, فخرج علي ونحوه ممن بدل فإنه قتل من قال ﷺ : "لا يدخل قاتله الجنة" ٥.
وهكذا بعد عثمان وعلي ﵄ سلك الأباضية في بقية الصحابة, فجعلوا القياس من بعدهما التحكيم, فمن رضي بالتحكيم فهو مبطل وذموه، وصرح بهذا الشيخ أطفيش في تأويله لقوله تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ ٦.
стр. 345
فقال: "إن الراضين بالتحكيم هم المبطلون"١.
إشادته بمذهبه:
كثيرا ما يشيد الشيخ أطفيش بمذهبه الأباضي الوهبي ويحسنه ويرجح أدلته ويصفه بالحق وأهله أهل الحق, وها هو في تفسير قوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْت َ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾ ٢ يقول: "واعلم يا أخي -رحمك الله- أني استقريت المذاهب المعتبرة كمذهبنا معشر الأباضية ومذهب المالكية ومذهب الشافعية ومذهب الحنفية ومذهب الحنبلية بالمنقول والمفعول٣, ولم أر مستقيما منها في علم التوحيد والصفات سوى مذهبنا؛ فإنه مستقيم خالٍ عن التشبيه والتعطيل, حججه لا تقاومها حجة ولا تثبت لها, والحمد لله وحده"٤.
ومن قام بالقرآن والسنة فهو الجماعة والسواد الأعظم وأهل السنة ولو كان واحدا ومن خالفهما فهو مبتدع ضال. ولذا فهو يرى أن الأباضية هم الجماعة والسواد الأعظم وهم أهل السنة أيضا، وها هو يقول في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ... ﴾ الآية٥, فقال: والآية مانعة لمن قدر على الاجتهاد من التقليد ومانعة لمن قدر على النظر والترجيح أن يقلد قولا من الأقوال ويترك نظره وترجيح ما يظهر ترجيحه له واتباع القرآن والسنة ليس تقليدا, واعلم أن الحق هو القرآن والسنة وما لم يخالفها من الآثار, فمن قام بذلك فهو الجماعة والسواد الأعظم ولو كان واحدا؛ لأنه نائب النبي ﷺ والصحابة والتابعين الذين اهتدوا وكل مهتد، ومن خالف ذلك فهو مبتدع ضال ولو كان جمهورا, هذا ما يظهر لي بالاجتهاد وكنت أقرره للتلاميذ عام تسعة وسبعين ومائتين وألف, فأصحابنا الأباضية الوهبية هم
стр. 346
الجماعة والسواد الأعظم وهم أهل السنة, ولو كانوا أقل الناس؛ لأنهم المصيبون في أمر التوحيد وعلم الكلام والولاية والبراءة والأصول دون غيرهم, وأما الفروع فقولهم فيها أصح لأدلته, لكن قد يشاركهم غيرهم في الصحة فيما خالفهم, ثم اطلعت بعد ذلك بنحو عامين على ما ذكرته ووجدته نصا للثوري, قال الشعراني: كان سفيان الثوري يقول: المراد بالسواد الأعظم هم من كان من أهل السنة والجماعة ولو كان واحدا, والحمد لله والشاهد في قوله: ولو كان واحدا مع حقيقة قوله: أهل السنة والجماعة الصادقة على أصحابنا ولو أراد هو أهل المذاهب الأربعة وهم أهل أهواء"١!!
موقفه من المذاهب الأخرى:
جرى المؤلف على إطلاق لقب "أصحابنا" ويريد به أتباع المذهب الأباضي. أما أهل السنة والجماعة فيسميهم"القوم" أو "قومنا" ويطلق عليهم غالبا التقسيم الفقهي: "الحنفية والشافعية والمالكية والحنبلية" فيقول مثلا وهو يبحث في العقيدة لا الفقه: "لا كما قالت المالكية والشافعية والحنابلة والحنفية"٢. يقول هذا تهربا من إطلاق وصف أهل السنة، أما إذا أراد أن يذكر هذا اللقب فإنه يقول: "ووافقنا على ذلك محققو المتسمين بأهل السنة"٣؛ لأن أهل السنة عنده -كما مر آنفا- هم الأباضية.
وهو مع هذا يخصهم بمزية من بين المذاهب الأخرى, فهو يقدم أقوال أهل السنة بقوله: "قالوا" أو "وقال" أما بقية المذاهب الأخرى فيقدم أقوالهم بالزعم فيقول: وزعمت المرجئة، وزعمت المعتزلة وزعمت الشيعة وزعمت الصفرية ونحو ذلك٤, وهو أحيانا يتجاوز هذا كله ويتعصب ضدهم بشدة ويصف أهل المذاهب الأربعة بأنهم أهل أهواء٥ ولكن هذا في تفسيريه قليل.
стр. 347
المعتزلة:
وتأثر الشيخ أطفيش, بل المذهب الأباضي بالمعتزلة واضح بين في بعض العقائد، بل حرص المؤلف على النص في مقدمته القصيرة لتفسيره: "هميان الزاد" حرص على أن ينص على أنه "يوافق نظر جار الله والقاضي وهو الغالب والحمد لله, وتارة يخالفهما ويوافق وجها أحسن مما أثبتاه أو مثله"١.
لذا فقد وافق المعتزلة مثلا في أنه "لو لم يبعث الله رسلا ولا كتبا لوجب الإيمان من العقل كما قال: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُون﴾ لما نصب من الأدلة في أنفسهم وفي غيرهم وإنما الرسل والكتب لتفصيل الأحكام والشريعة, هذا تحقيق المقام ولو اشتهر في المذهب أن حجة الله الكتب والرسل"٢.
ووافقهم أيضا في صفات الله تعالى وفي إنكار الرؤية وفي القول بخلق القرآن وفي خلود أهل الكبائر في النار وإنكار الشفاعة لأهل الكبائر وفي التهجم على بعض الصحابة ﵃ وفي غير ذلك.
وهو مع هذا يخالفهم في بعض الأمور مثل أن مرتكب الكبيرة كافر كفر نعمة لا كما قالت المعتزلة لا كافر ولا مؤمن، بل منزلة بين المنزلتين, ويخالفهم أيضا في نحو أن العبد يخلق فعله فهو يرى -كما مر- أن الله هو خالق الأفعال من غير إنكار اختيار العبد, وغير ذلك.
الصفرية:
وهي إحدى فرق الخوارج, فإن المؤلف كثيرا ما يرد أقوال هذه الفرقة ويصفها بالزعم ويخصها بالأحاديث الواردة عن الخوارج, ومن ذلك أنه أورد الحديث الذي رواه علي بن أبي طالب ﵁ "أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يخرج قوم من أمتي يقرءون القرآن ليس
стр. 348
قراءتكم إلى قراءتهم, ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء" ١. فيعلق أطفيش على هذا الحديث بقوله: "فلعل الحديث فيمن رضي بالتحكيم بعد زمان علي من المخالفين الفائقين في العبادة المصوبين للتحكيم الذي أخذوا به وفي الصفرية ونحوهم"٢. ثم أضاف حديثا آخر خصهم به فقال: "ومن ذلك ما روي عن رسول الله ﷺ يقول وأهوى بيده إلى العراق: "يخرج منه قوم يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم, يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمية" ٣ هذا نفس الحديث فأخطأ سهل بن حنيف في تأويله هذا الحديث بمن لم يرض الحكومة وإنما هو في الصفرية٤, وهو كثيرا ما يرد أقوالهم وينكر عليهم ويذمهم٥.
الصوفية:
أما التصوف والصوفية وتفسيرها, فقد أنحى عليهم باللائمة وذمهم ولم يعذرهم, وأعلن أنه لا يقبل شهادتهم ويتقرب إلى الله ببغضهم والبراءة منهم, وأن تفاسيرهم لم يأذن الشرع بها، بل يضعف الأقوال بمقدار قربها من تفسير الصوفية, ولعلي أكتفي بعد هذه المقدمة بسوق النصوص.
قال في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُون﴾ ٦: "وقيل: المعنى: ومما خصصناهم به من أنوار معرفة الله جل وعلا يفيضون, وهذا القول الذي قبله٧ أظنهما للصوفية أو لمن يتصوف وليس تفسير الصوفية عندي مقبولا إذا خالف الظاهر وكان تكلفا أو خالف أسلوب العربية, ولا أعذر من يفسر به ولا أقبل شهادته وأتقرب إلى الله تعالى ببغضه والبراءة منه، فإنه لو كان في نفسه
стр. 349
حقا, لكن جعله معنى للآية أو للحديث خطأ؛ لأنه خروج عن الظاهر وأساليب العرب الذين يتخاطبون بها, وتكلف من التكلف الذي يبغضه الله"١.
وفي تفسير قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ ٢، أنكر تفسيرها بـ"أن هذا٣ رزقناه في الجنة هو الذي يرزقنا الله في الدنيا من المعارف والطاعات أي: جزاؤها, فهو يتفاوت بتفاوتها في اللذة ووجه الشبه والشرف والمزية وعلو الطبقة" أنكر هذا التفسير وقال: "وتفسيرها بهذا قريب من تفاسير الصوفية وبمقدار قربها منها يضعف؛ لأن تفاسيرهم لم يأذن الشرع بها, وبها خرجوا عنه إذا اعتقدوا أنها معانٍ نزل القرآن على إرادتها, أعاذنا الله -جل وعلا- والله أعلم"٤.
وفي تفسير قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيه﴾ ٥ قال: "وقيل: المعنى أخرجهما من رفعة المنزل إلى سفالة الذنب, وهذا ضعيف قريب من تفسير الصوفية لا يتبادر من اللغة العربية ولا يرد فيها"٦.
حكم اتباع هذه المذاهب:
رد الشيخ أطفيش حديث علي ﵁ السابق عن الخوارج أنهم "يقرءون القرآن ليس قراءتكم إلى قراءتهم ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء" رد تأويله بأنهم الذين خرجوا على علي ﵁ لأن عباد أهل السنة وقراءهم أكثر عبادة وقراءة فقال: "فإن عباد قومنا -يعني أهل السنة- فيما نرى من اجتهادهم في كتب القوم أكثر عبادة وقراءة وهم المعروفون بذلك أكثر وليس نافع لهم مع بغضهم المسلمين واعتقادهم
стр. 350
الرؤية وغيرها مما يقدح في توحيدهم وإسلامهم"١.
هذا رأيه في أهل السنة الذين يصفهم بقومنا، ويعد مذهبهم من المذاهب المعتبرة٢، ورأيه في غيرهم من المذاهب الأخرى أشد، وهؤلاء وأولئك أصحاب كبائر لأنهم اقترفوا ما يقدح في توحيدهم وإسلامهم مع بغضهم للمسلمين واعتقادهم بالرؤية, فما موقفه من أصحاب هذه المذاهب أو أصحاب الكبائر؟
خلاصة رأيه أن حكمهم "حكم المؤمن في أنه يناكح ويوارث ويغسل ويصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين، وهو كالمشرك في الذم واللعن والبراءة منه واعتقاد عداوته وألا تقبل له شهادة"٣.
стр. 351
منهجه في التفسير:
الله عليه وسلم: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن"، أي: لا يزني وهو مؤمن إيمانا كاملا بل ناقصا، فحينئذ يقال له: آمن ولا يقال: مؤمن كما نفى عنه في الحديث اسم مؤمن؛ لأنه يوهم كمال إيمانه إلا بقيد، فيجوز: مؤمن ناقص الإيمان"١.
إذن: فالخلاف بين الفريقين لفظي, هؤلاء سموه ناقص الإيمان وهؤلاء قالوا: إن ناقص الإيمان لا يسمى مؤمنا لتوهم كمال الإيمان, فيجوز: ناقص الإيمان، وسموه هم كافر نعمة لا كافر شرك.
لكن الخلاف الشديد بين الفريقين في عقاب مرتكب الكبيرة, وهو حتما ليس خلافا لفظيا.
لا يغفر لصاحب الكبيرة ما لم يتب:
هذا أول خلاف بين الفريقين, ذلكم أن الأباضية يرفضون قول أهل السنة بأن صاحب الكبيرة تحت المشيئة, إن شاء غفر له وإن شاء عذبه.
فالشيخ أطفيش مثلا في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ٢ يقول: "ولا دليل في الآية على جواز المغفرة لصاحب الكبيرة الميت بلا توبة منها, كما زعم غيرنا لحديث: "هلك المصرون""٣، وكذا قال في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ٤: "والمراد بالآية التنبيه على أنه لا يجوز لمن عصى الله -أي عصيان كان- أن يظن أنه لا يغفر له ولا تقبل توبته، وذلك مذهبنا معشر الأباضية, وزعم القاضي -يقصد البيضاوي- وغيره أن غير الشرك يغفر بلا توبة، ومشهور مذهب القوم -يريد أهل السنة- أن الموحد إذا مات غير
стр. 352
رأيي في هذا التفسير:
وإلى هنا يقف القلم في دراسة هذين التفسيرين وهما ما أعرف من تفاسير الأباضية في العصر الحديث؛ لذا اعتمدتهما كمثال لمنهج الأباضية في تفسير القرآن وإن كان اعتبار مفسر واحد لا يدل دلالة قاطعة على منهج مذهبه إلا أنه, ولا شك في ذلك يعطي الخطوط العريضة التي تقوم عليها أسس مذهبه لن نزعم أن:
١- الإكثار من إيراد الإسرائيليات.
٢- الاهتمام بالمسائل النحوية والبلاغية واللغوية.
٣- الإطناب في المبهمات.
٤- العناية بتوجيه القراءات.
لن نزعم أن هذه الأسس هي أسس المنهج الأباضي في التفسير, ولكنا نجزم بأن من أسسهم:
стр. 353
١- تأويل ما يخالف عقيدتهم من آيات القرآن.
٢- تأويل ما يخالف عقيدتهم من السنة وتقديم ما رواه علماؤهم على ما سواه, وينبني عليه موقفهم من تفسير الآية وكذا رأيهم الفقهي.
٣- تأثرهم بالمعتزلة وهو وإن لم يكن تأثرا فهو موافقة لهم في كثير من الآراء في العقيدة, كالقول بخلق القرآن وإنكار الرؤية وتقديم العقل, ونحو ذلك.
٤- الولاية والبراءة وأثرهما في عقيدتهم, وتفسيرهم بين واضح.
٥- موقفهم من الصحابة -رضوان الله عليهم- وذم بعضهم والتهجم عليهم.
٦- إشادتهم بمذهبهم وذم ما سواه من المذاهب الأخرى، واعتقادهم أنهم هم أهل الحق وما سواهم كافر كفر نعمة.
نجزم أن هذه الأسس في منهجه هي من أسس المنهج الأباضي, ذلكم أن هذه الأسس متفرعة عن العقيدة وعقيدة الرجل التي يصرح بها هي الأباضية.
أما مناقشة آرائهم والرد على ما يخالف عقيدة أهل السنة منها, فإني أحيل القارئ إلى قراءة رأي أهل السنة في كل ما يعرض له من تفاسير ضالة, سواء كان في المنهج الأباضي أو في غيره, إذ جعلت منهج أهل السنة في أول المناهج؛ ليكون ميزانا حقا يوزن به ما يرد من أقوال وآراء لمذاهب أخرى تالية.
وإن كان لي من وقفة فإني أقف متسائلا: لِمَ يرفض الأباضية كل هذا الرفض تسميتهم بالخوارج ما داموا يدافعون عن الخوارج ويبررون أفعالهم ويتأولون ما ورد في حقهم من أحاديث، بل إن الشيخ أطفيش نفسه يعد أحيانا الفرقة الأباضية من الخوارج فيقول مثلا: "واختلف الخوارج وهم الذين خرجوا عن ضلالة علي, فقالت الأباضية الوهبية وسائر الأباضية ... "١؟!
стр. 354
لا أدري لم يرفض بعضهم هذا الوصف بشدة, ويقرره آخرون في مواضع أخرى؟!
ووقفة أخرى مع الأباضية ومنهجهم في التفسير فأقول: إذا كان الأباضية يعدون من الكبائر الإصرار على ترك السنة كإحفاء الشارب وجعل طرف العمامة تحت الحلق "!! " بلا استخفاف بهذه السنة يعدون هذا كفر نفاق١, ثم يحكمون على من كفر كفر نفاق، أن الله لا يغفر له وأنه خالد في النار ولا يشفع له أبدا, فإن هذا وحده كافٍ على بطلان مذهبهم وانحراف عقيدتهم؛ لأن الله سبحانه أرحم مما يزعمون, وهو الرحمن الرحيم.
الحكم عليهم:
وأختم حديثي عنهم ببيان أقوال أهل السنة فيهم, وقد أوجزه ابن قدامة فقال: "والخارجون عن قبضة الإمام أصناف أربعة" ثم قال: "الثالث الخوارج الذين يكفرون بالذنب ويكفرون عثمان وعليا وطلحة والزبير وكثيرا من الصحابة ويستحلون دماء المسلمين وأموالهم إلا من خرج معهم, فظاهر قول الفقهاء من أصحابنا المتأخرين أنهم بغاة حكمهم حكمهم, وهذا قول أبي حنيفة والشافعي وجمهور الفقهاء وكثير من أهل الحديث.
ومالك يرى استتابتهم, فإن تابوا وإلا قتلوا على إفسادهم لا على كفرهم, وذهبت طائفة من أهل الحديث إلى أنهم كفار مرتدون حكمهم حكم المرتدين وتباح دماؤهم وأموالهم, فإن تحيزوا في مكان وكانت لهم منعة وشوكة صاروا أهل حرب كسائر الكفار وإن كانوا في قبضة الإمام استتابهم كاستتابة المرتدين فإن تابوا, وإلا ضربت أعناقهم وكانت أموالهم فيئا لا يرثهم ورثتهم المسلمون.
ثم قال: "وأكثر الفقهاء على أنهم بغاة ولا يرون تكفيرهم، قال ابن المنذر: لا أعلم أحدا وافق أهل الحديث على تكفيرهم وجعلهم كالمرتدين ... وذكر ابن عبد البر عن علي ﵁ أنه سئل عن أهل النهر أكفار هم؟ قال: من
стр. 355
الكفر فروا. قيل: فمنافقون؟ قال: إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلا قيل: فما هم؟ قال: قوم أصابتهم فتنة فعموا فيها وصموا وبغوا علينا وقاتلونا فقاتلناهم. وهذا رأي عمر بن عبد العزيز فيهم وكثير من العلماء١. ومع هذا فقد رجح ابن قدامة جواز قتلهم ابتداء, والإجازة على جريحهم.
والذي أراه أنهم لا يكفرون إلا إذا استحلوا محرما كبدء قتال المسلمين أو تكفير مسلم أو استحلال ماله أو دمه من غير حله، والله الهادي.