منهجه في التفسير:
الله عليه وسلم: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن"، أي: لا يزني وهو مؤمن إيمانا كاملا بل ناقصا، فحينئذ يقال له: آمن ولا يقال: مؤمن كما نفى عنه في الحديث اسم مؤمن؛ لأنه يوهم كمال إيمانه إلا بقيد، فيجوز: مؤمن ناقص الإيمان"١.
إذن: فالخلاف بين الفريقين لفظي, هؤلاء سموه ناقص الإيمان وهؤلاء قالوا: إن ناقص الإيمان لا يسمى مؤمنا لتوهم كمال الإيمان, فيجوز: ناقص الإيمان، وسموه هم كافر نعمة لا كافر شرك.
لكن الخلاف الشديد بين الفريقين في عقاب مرتكب الكبيرة, وهو حتما ليس خلافا لفظيا.
لا يغفر لصاحب الكبيرة ما لم يتب:
هذا أول خلاف بين الفريقين, ذلكم أن الأباضية يرفضون قول أهل السنة بأن صاحب الكبيرة تحت المشيئة, إن شاء غفر له وإن شاء عذبه.
فالشيخ أطفيش مثلا في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ٢ يقول: "ولا دليل في الآية على جواز المغفرة لصاحب الكبيرة الميت بلا توبة منها, كما زعم غيرنا لحديث: "هلك المصرون""٣، وكذا قال في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ٤: "والمراد بالآية التنبيه على أنه لا يجوز لمن عصى الله -أي عصيان كان- أن يظن أنه لا يغفر له ولا تقبل توبته، وذلك مذهبنا معشر الأباضية, وزعم القاضي -يقصد البيضاوي- وغيره أن غير الشرك يغفر بلا توبة، ومشهور مذهب القوم -يريد أهل السنة- أن الموحد إذا مات غير
стр. 352
رأيي في هذا التفسير:
وإلى هنا يقف القلم في دراسة هذين التفسيرين وهما ما أعرف من تفاسير الأباضية في العصر الحديث؛ لذا اعتمدتهما كمثال لمنهج الأباضية في تفسير القرآن وإن كان اعتبار مفسر واحد لا يدل دلالة قاطعة على منهج مذهبه إلا أنه, ولا شك في ذلك يعطي الخطوط العريضة التي تقوم عليها أسس مذهبه لن نزعم أن:
١- الإكثار من إيراد الإسرائيليات.
٢- الاهتمام بالمسائل النحوية والبلاغية واللغوية.
٣- الإطناب في المبهمات.
٤- العناية بتوجيه القراءات.
لن نزعم أن هذه الأسس هي أسس المنهج الأباضي في التفسير, ولكنا نجزم بأن من أسسهم:
стр. 353
١- تأويل ما يخالف عقيدتهم من آيات القرآن.
٢- تأويل ما يخالف عقيدتهم من السنة وتقديم ما رواه علماؤهم على ما سواه, وينبني عليه موقفهم من تفسير الآية وكذا رأيهم الفقهي.
٣- تأثرهم بالمعتزلة وهو وإن لم يكن تأثرا فهو موافقة لهم في كثير من الآراء في العقيدة, كالقول بخلق القرآن وإنكار الرؤية وتقديم العقل, ونحو ذلك.
٤- الولاية والبراءة وأثرهما في عقيدتهم, وتفسيرهم بين واضح.
٥- موقفهم من الصحابة -رضوان الله عليهم- وذم بعضهم والتهجم عليهم.
٦- إشادتهم بمذهبهم وذم ما سواه من المذاهب الأخرى، واعتقادهم أنهم هم أهل الحق وما سواهم كافر كفر نعمة.
نجزم أن هذه الأسس في منهجه هي من أسس المنهج الأباضي, ذلكم أن هذه الأسس متفرعة عن العقيدة وعقيدة الرجل التي يصرح بها هي الأباضية.
أما مناقشة آرائهم والرد على ما يخالف عقيدة أهل السنة منها, فإني أحيل القارئ إلى قراءة رأي أهل السنة في كل ما يعرض له من تفاسير ضالة, سواء كان في المنهج الأباضي أو في غيره, إذ جعلت منهج أهل السنة في أول المناهج؛ ليكون ميزانا حقا يوزن به ما يرد من أقوال وآراء لمذاهب أخرى تالية.
وإن كان لي من وقفة فإني أقف متسائلا: لِمَ يرفض الأباضية كل هذا الرفض تسميتهم بالخوارج ما داموا يدافعون عن الخوارج ويبررون أفعالهم ويتأولون ما ورد في حقهم من أحاديث، بل إن الشيخ أطفيش نفسه يعد أحيانا الفرقة الأباضية من الخوارج فيقول مثلا: "واختلف الخوارج وهم الذين خرجوا عن ضلالة علي, فقالت الأباضية الوهبية وسائر الأباضية ... "١؟!
стр. 354
لا أدري لم يرفض بعضهم هذا الوصف بشدة, ويقرره آخرون في مواضع أخرى؟!
ووقفة أخرى مع الأباضية ومنهجهم في التفسير فأقول: إذا كان الأباضية يعدون من الكبائر الإصرار على ترك السنة كإحفاء الشارب وجعل طرف العمامة تحت الحلق "!! " بلا استخفاف بهذه السنة يعدون هذا كفر نفاق١, ثم يحكمون على من كفر كفر نفاق، أن الله لا يغفر له وأنه خالد في النار ولا يشفع له أبدا, فإن هذا وحده كافٍ على بطلان مذهبهم وانحراف عقيدتهم؛ لأن الله سبحانه أرحم مما يزعمون, وهو الرحمن الرحيم.
الحكم عليهم:
وأختم حديثي عنهم ببيان أقوال أهل السنة فيهم, وقد أوجزه ابن قدامة فقال: "والخارجون عن قبضة الإمام أصناف أربعة" ثم قال: "الثالث الخوارج الذين يكفرون بالذنب ويكفرون عثمان وعليا وطلحة والزبير وكثيرا من الصحابة ويستحلون دماء المسلمين وأموالهم إلا من خرج معهم, فظاهر قول الفقهاء من أصحابنا المتأخرين أنهم بغاة حكمهم حكمهم, وهذا قول أبي حنيفة والشافعي وجمهور الفقهاء وكثير من أهل الحديث.
ومالك يرى استتابتهم, فإن تابوا وإلا قتلوا على إفسادهم لا على كفرهم, وذهبت طائفة من أهل الحديث إلى أنهم كفار مرتدون حكمهم حكم المرتدين وتباح دماؤهم وأموالهم, فإن تحيزوا في مكان وكانت لهم منعة وشوكة صاروا أهل حرب كسائر الكفار وإن كانوا في قبضة الإمام استتابهم كاستتابة المرتدين فإن تابوا, وإلا ضربت أعناقهم وكانت أموالهم فيئا لا يرثهم ورثتهم المسلمون.
ثم قال: "وأكثر الفقهاء على أنهم بغاة ولا يرون تكفيرهم، قال ابن المنذر: لا أعلم أحدا وافق أهل الحديث على تكفيرهم وجعلهم كالمرتدين ... وذكر ابن عبد البر عن علي ﵁ أنه سئل عن أهل النهر أكفار هم؟ قال: من
стр. 355
الكفر فروا. قيل: فمنافقون؟ قال: إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلا قيل: فما هم؟ قال: قوم أصابتهم فتنة فعموا فيها وصموا وبغوا علينا وقاتلونا فقاتلناهم. وهذا رأي عمر بن عبد العزيز فيهم وكثير من العلماء١. ومع هذا فقد رجح ابن قدامة جواز قتلهم ابتداء, والإجازة على جريحهم.
والذي أراه أنهم لا يكفرون إلا إذا استحلوا محرما كبدء قتال المسلمين أو تكفير مسلم أو استحلال ماله أو دمه من غير حله، والله الهادي.
стр. 356
الفصل الرابع: منهج الصوفية في تفسير القرآن الكريم
التعريف بالصوفية:
أول ما يواجه الباحث عن الصوفية الاختلاف في أصل وسبب هذه التسمية, والأقوال في ذلك كثيرة.
أورد عبد الحليم محمود طائفة منها نقلا عن القشيري في رسالته مع مناقشة لكل رأي بإيجاز, فقال: إن الآراء أصبحت معروفة, بل لقد كانت معروفة من قديم الزمان وصاحب الرسالة القشيرية يستعرضها رأيا رأيا, وينقضها جميعا.
١- فأما قول من قال: إنه من الصوف وتصوف إذا لبس الصوف كما يقال: تقمص إذا لبس القميص فذلك وجه، ولكن القوم لم يختصوا بلبس الصوف.
٢- ومن قال: إنهم منسوبون إلى صفة مسجد رسول الله ﷺ فالنسبة إلى الصفة لا تجيء على نحو الصوفي.
٣- ومن قال: إنه من الصفاء, فاشتقاق الصوفي من الصفاء بعيد في مقتضى اللغة.
٤- وقول من قال: إنه مشتق من الصف, فكأنهم في الصف الأول بقلوبهم من حيث المحاضرة من الله تعالى: المعنى صحيح ولكن اللغة لا تقتضي هذه النسبة إلى الصف.
стр. 357
وإذا كان صاحب الرسالة القشيرية ينتقد كل هذه الآراء, فإنه إذًا لا يرى الاشتقاق ويقول: هذه التسمية غلبت على هذه الطائفة فيقال: رجل صوفي وللجماعة: صوفية ومن يتوصل إلى ذلك يقال له: متصوف وللجماعة: المتصوفة.
وليس يشهد للاسم من حيث العربية قياس ولا اشتقاق, وإلا ظهر فيه أنه كاللقب١.
وحقيقة, إنني لا أرى من ثمرة لإعمال الذهن وتضييع الوقت في الربط بين الاسم والمسمى فليس من المحتم دائما -كما يقول عبد الحليم- أن يكون المعنى الأصلي للاسم هو المراد مما وضع الاسم له؛ إذ المعنى الأصلي قد يتطور ويتغير ويختلف وقد يقصد عكسه ... حقيقة, إن الباحثين كثيرا ما يجدون صلة وثيقة بين المعنى الأصلي للاسم وما وضع الاسم له أو بين الاسم والمسمى, ولكن ذلك ليس مطردا٢.
ومما يزيد الانفصام بين الاسم والمسمى خاصة في عصرنا هذا, ما اعترف به عبد الحليم هذا حيث قال: "على أني أرى -كما يرى كثير غيري وكما يثبت التاريخ- أن هذه الكلمة "تصوف" لم توضع في الأصل للتصوف بمعناه العادي الذي نفهمه الآن، وإنما وضعت في المبدأ لتدل على نمط من العزوف عن الدنيا، إنها كانت علامة الزاهدين والمتنسكين فسمي بها هؤلاء الذين انصرفوا عن الدنيا٣.
стр. 358
المراد بالتصوف:
وأكثر من اختلافهم ذاك اختلفوا في معنى التصوف ولا أعد مبالغا إذا ما قلت: إنهم ذكروا مئات المعاني للتصوف, ونحن نحرص هنا على أن نذكر أقوال المعاصرين أو ما يصرح المعاصرون بترجيحه, فمن الأول ما ذكره الشيخ عبد الواحد يحيى حيث قال: "أما أصل هذه الكلمة "صوفي" فقد اختلف فيه
стр. 359
اختلافا كبيرا ووضعت فروض متعددة وليس بعضها أولى من بعض وكلها غير مقبولة أنها في الحقيقة تسمية رمزية, وإذا أردنا تفسيرها ينبغي لنا أن نرجع إلى القيمة العددية لحروفها وأنه لمن الرائع أن نلاحظ أن القيمة العددية لحروف "صوفي" تماثل القيمة العددية لحروف "الحكيم الإلهي" فيكون الصوفي الحقيقي إذًا هو الرجل الذي وصل إلى الحكمة الإلهية, إنه "العارف بالله" إذ إن الله لا يعرف إلا به"١.
وإني لأعجب لهذه العقليات التي تقيم عقائدها على أوهام ومتى كانت الأوهام أساسا تقام عليه العقائد؟! ولسنا نوافق الدكتور عبد الحليم محمود على وصفه للقول السابق بأنه رأي لا يمكن أن ينقض بالأدلة المنطقية وأنه ينفر منه آخرون من غير ما حجة وإن كنا نوافقه على أنه "ولكنه لا يمكن أيضا أن يؤيد بالأدلة المنطقية ويستسيغه قوم دون برهان"١ لا نوافقه في النصف الأول من عبارته ونحمد الله أنه لم يطلب الرد عليه بالأدلة الشرعية, إذ ننزه هذه الأدلة عن الخوض بها في مثل هذه الأوهام, أما الرد على الرجل بمثال منطقه فنقول قياسا على قوله: إن القيمة العددية لحروف "صوفي" تماثل القيمة العددية لحروف "مزل الحكيم"٢ فيكون الصوفي الحقيقي إذًا هو الرجل الذي أوصل نفسه إلى منطقه إن كان حكيما زل بها, وإن كان دون كان أزل.
هذا هو الرد حسب منطقه وحسب مفهومه, وما كنا لنستدل بمثل هذه الأدلة لولا أنه جرنا إليها جرا.
ولندع هذا التعريف ونورد هنا بعض التعاريف التي رأى الدكتور عبد الحليم أنها تتجه الوجهة الصحيحة فيما يتعلق بالمعنى الحقيقي لهذا الموضوع, فأورد من هذه الأقوال:
١- أبو سعيد الخراز, المتوفى سنة ٢٦٨هـ.
стр. 360
سئل عن الصوفي فقال: "من صفّى ربه قلبه, فامتلأ قلبه نورا, ومن دخل في عين اللذة بذكر الله".
٢- "الجنيد البغدادي" المتوفى سنة ٢٩٧هـ.
التصوف هو أن يميتك الحق عنك ويحييك به "!! ".
٣- أبو بكر الكتاني, المتوفى سنة ٣٢٢هـ.
التصوف صفاء ومشاهدة.
٤- جعفر الخلدي, المتوفى سنة ٣٤٨هـ.
التصوف: طرح النفس في العبودية, والخروج من البشرية "!! " والنظر إلى الحق بالكلية.
ونقد هذه الأقوال ونقاشها يخرج بنا عن الحدود التي رسمناها في منهج البحث, وأشرنا إليها كثيرا.
стр. 361
نشأة التصوف وتطوره:
يقسم بعض الباحثين الأدوار التي مر بها التصوف من نشأته إلى عصرنا هذا إلى أربعة أدوار:
الدور الأول, الدور التمهيدي: ويبدأ بوفاة الرسول ﷺ وينتهي بنهاية القرن الثاني الهجري, وهو دور الزهد.
الدور الثاني, الدور الفلسفي: ويبدأ من أوائل القرن الثالث الهجري وينتهي في منتصف القرن السابع, وهو دور البلوغ والكمال.
الدور الثالث, دور الانحطاط: ويبدأ من منتصف القرن السابع وينتهي في منتصف القرن الثالث عشر.
الدور الرابع, وهو دور التجديد: ويبدأ من منتصف القرن الثالث عشر حتى وقتنا الحاضر, وهو دور النهضة والانطلاق١.
стр. 362
وهذا التقسيم وإن كان ليس دقيقا كل الدقة إلا أنه يرسم الخطوط العريضة التي أحاطت بالتصوف يمنة ويسرة حتى يومنا هذا, وإن كان مدلول التصوف في كل دور يختلف عن مفهومه في الدور الآخر, وقد نقلنا آنفا عبارة الدكتور عبد الحليم محمود أن إطلاق كلمة تصوف في الأصل غير إطلاقها الذي نفهمه الآن. ذلكم أن المراد به في الدور الأول نمط من العزوف عن الدنيا وأنه كان علامة الزاهدين والمتنسكين إلى أن انتقل إلى الدور الثاني حيث دخلت الفلسفة التصوف فتحول إلى التصوف الفلسفي, فأصبح بعض الصوفية يدين بمسائل "فلسفية لا تتفق ومبادئ الشريعة بما أثار عليهم جمهور أهل السنة وجعلهم يحاربون التصوف الفلسفي, ويؤيدون التصوف الذي يدور حول الزهد والتقشف وتربية النفس وإصلاحها، حتى كادوا يقضون عليه في نهاية القرن السابع الهجري"١. وبهذا دخل التصوف الدور الثالث وهو دور الانحطاط حيث تحولت الصوفية شيئا فشيئا عن الفلسفة والبحث فيما وراء الطبيعة إلى جلسات الذكر والمجاهدة مع الغناء والرقص وتأسست التكايا ونشأت الطرق وكثر المرتزقة والدجالون والمحتالون والمشعوذون وكثر التكلم بالكرامات وخوارق العادات واشتد الإيمان بالأولياء, فنصبت فوق قبورهم القباب وأقيمت لهم الموالد والأعياد ونسبت إليهم شتى المعجزات, وكانت قبورهم تزار لجلب الأولاد أو الشفاء من الأمراض والعاهات أو جلب الحظ والإكثار من الرزق٢.
أما الدور الرابع الذي ذكره بعض الدارسين وهو دور النهضة والتجديد فلا أعتقد صحته؛ ذلكم أن الصوفية قد لاقت في العصور المتأخرة صحوة إسلامية كانت حربا عليها؛ فنهضت في الجزيرة العربية دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب فهدمت القباب, وأبطلت النذور لها وإقامة الموالد ونحوها حتى كاد التصوف أن يزول لولا طائفة لا تزال تبث سمومها المخدرة في المجتمع.
وقامت ضد الصوفية دعوات أخرى ورجال آخرون في مناطق شتى في
стр. 363
العالم الإسلامي في مصر والشام والهند وغير ذلك, لكن لم يكن لهذه الدعوات ما للدعوة الإسلامية في الجزيرة العربية.
ولذا فلا تزال الصوفية في تلك المناطق على تفاوت بينها, تزاول شعائرها وتبث خرافاتها وأوهامها ولا أدري لم يسمي بعض الباحثين هذه الفترة بالدور الرابع عصر النهضة والتجديد, إلا إن كانوا يقصدون به تجديد الخرافات والبدع والمنكرات؟!
وإلا فكيف يزعم زاعم أن الرسول ﷺ أوتي علم كل شيء"!! " حتى الروح والخمس التي في آية: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ "!! " وكيف يزعم أن للرسول ﷺ أن يقطع أرض الجنة "!! " وكيف يصف الرسول ﷺ أنه لم يقع ظله على الأرض ولا رئي له ظل في شمس ولا قمر لأنه كان نورا١!!.
إذا كان قائل هذا القول من المنتسبين إلى العلماء فلا عجب أن تنتشر بين عامتهم هذه المجالس والتكايا والغناء والرقص فيما يسمونه مجالس الذكر وأن يكثر بينهم المرتزقة والمشعوذون والدجالون.
ولا شك أن واجبا كبيرا يلقى اليوم على عاتق العلماء المسلمين لتحرير هؤلاء العامة من أولئك الأدعياء.
стр. 364
عقائد التصوف:
لن نذهب بعيدا في إيراد النصوص وبسطها لبيان ذلك, ونقصر الحديث على بيان جوهر التصوف وهل هناك أكثر بيانا للشيء من بيان جوهره؟ كيف وصاحب البيان من الصوفية؟ يقول الدكتور عبد الحليم محمود: "وجوهر الطريق الصوفي هو ما سماه الصوفية المقامات والأحوال"١.
فما هي المقامات؟ وما هي الأحوال؟
стр. 365
قال: "والمقامات هي المنازل الروحية التي يمر بها السالك إلى الله فيقف فيها فترة من الزمن مجاهدا في إطارها حتى يهيئ الله له سلوك الطريق إلى المنزل الثاني لكي يتدرج في السمو الروحي من شريف إلى أشرف, ومن سامٍ إلى أسمى, وذلك مثلا كمنزل "التوبة" الذي يهيئ إلى منزل "الورع" ومنزل "الورع" يهيئ إلى منزل "الزهد" وهكذا حتى يصل الإنسان إلى منزل المحبة, وإلى منزل الرضى"١.
"أما الأحوال, فإنها النسمات الروحية التي تهب على السالك فتنتعش بها نفسه لحظات خاطفة، ثم تمر تاركة عطرا تتشوق الروح للعودة إلى تنسم أريجه, وذلك مثل الأنس بالله"١.
وقد اختلف الصوفية في المقامات والأحوال بين مجمل لها ومفصل, ولكن الملاحظ -كما يقول عبد الحليم- أنه ليس اختلاف تناقض وتعارض, وإنما هو اختلاف بسط وإيجاز٢.
وللتفريق بين الأحوال والمقامات, قال أحد أئمتهم:
"فالأحوال مواهب والمقامات مكاسب والأحوال تأتي من عين الجواد, والمقامات تحصل ببذل المجهود, وصاحب المقام ممكن في مقامه, وصاحب الحال مترق عن حاله"٣.
منازل المقامات: للصوفي عند الصوفي منازل للسالكين, ومقامات للطالبين يرتقي فيها منزلة منزلة ومقاما مقاما, هذه المنازل والمقامات هي:
التوبة: فالتوبة أول منزل من منازل السالكين, وأول مقام من مقام الطالبين٤.
стр. 366
الورع: قالوا: وإذا صدقت التوبة استلزمت لا محالة الورع, والورع هو أن يترك الإنسان كل ما فيه شبهة١.
الزهد: قال أحد أئمتهم: "والورع يقتضي الزهد"١.
التوكل: وللتوكل درجات هي: التوكل, التسليم، التفويض، ومع ذلك فإن كلمة التوكل تطلق على كل درجاته وتستعمل في كل أنواعه٢.
المحبة: ولن يتأتى حب الله سبحانه دون أداء الفرائض, والحب دون أداء الفرائض زيف وكذب٣.
الرضا: قالوا: وإذا كانت المحبة تبعها الرضا, وذلك أن المحب راضٍ دائما عن أعمال محبوبه٤.
وقالوا: "والرضا آخر المقامات, ثم يقتضي من بعد ذلك أحوال أرباب القلوب ومطالعة الغيوب وتهذيب الأسرار لصفاء الأذكار, وحقائق الأحوال"٥!!.
стр. 367
من شروط التصوف:
ويكفي هنا ذكر شرط جوهري للتصوف ذكره أحد علمائهم, ننقله هنا بنصه: "ولا بد في التصوف من شرط جوهري هو التأثير الروحي أو بتعبير أدق "البركة" وهي لا تتأتى إلا بواسطة "شيخ" ومن هنا كانت السلسلة، وهل السلسلة إلا بركات تنتقل من شيخ إلى مريد يوشك أن يصبح شيخا فيؤثر بدوره في مريد أو مريدين؟ "١.
стр. 368
طبيعة التصوف:
وقد أشار إليها الدكتور عبد الحليم محمود فقال عن طبيعة التصوف: "إن التصوف ليس عملا علميا ولا بحثا نظريا, إنه لا يتعلم بواسطة الكتب على الطريقة المدرسية بل إن ما كتبه كبار مشايخ الصوفية أنفسهم لا يستخدم إلا كحافز مقوٍّ للتأمل والإنسان لا يصير بمجرد قراءته متصوفا, على أن ما كتبه كبار الصوفية لا يفهمه إلا من كان أهلا لفهمه, ولأجل أن يسير الإنسان في طريق التصوف لا بد له من:
١- استعداد فطري خاص لا يغني عنه اجتهاد أو كسب.
٢- الانتساب إلى "سلسلة" صحيحة, إذ إن "البركة" التي تحصل من الانتساب إلى السلسلة الصحيحة هي الشرط الأساسي الذي لا يصل الإنسان بدونه إلى أية درجة من درجات التصوف حتى البدائية منها.
٣- ثم يأخذ المتصوف, الطيب الفطرة، الذي باركه شيخه في الجهاد الأكبر: التأمل الروحي، وفي الذكر, أي: استحضار الله في كل ما يأتي وما يدع وفي تركيز الذهن في الملأ الأعلى؛ فيصل موفقا من درجة إلى درجة حتى يصل إلى أعلى الدرجات, وهي حالة تسمو على حدود الوجود المؤقت فيصبح ربانيا, ذلك هو الصوفي الحقيقي١.
هذا ما قاله أحد علمائهم المعاصرين الذين حرصت كثيرا على أن أعتمد على ما كتبه في بيان عقائد الصوفية لمعاصرته لفترة البحث أولا, ولكونه من الصوفية ثانيا, ولكونه من كبار علمائهم بل شيخ الأزهر ثالثا.
ولا أدري من أين جاء أو جاءوا باشتراط هذه السلسلة في العبادة؟! ومتى كان التعبد في الإسلام بواسطة وقد جاء بالقضاء على الواسطة بين العبد وربه؟! وما الفرق بينهم وبين: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ؟! ٢.
﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُم﴾ ٣, فألغى كل واسطة بين العبد وربه، إلا أنها عودة إلى الجاهلية وشر منها, نسأل الله لنا ولهم الهداية.
стр. 369
أقسام التصوف:
مما سبق في بيان أدوار الصوفية يتبين أن التصوف ينقسم إلى قسمين:
الأول: تصوف نظري فلسفي وهو التصوف الذي يقوم على دراسات وأبحاث فلسفية، وقد تطور هذا النوع وأدى بأكثر أصحابه إلى الإلحاد, والخروج عن الإسلام بما أوردوه من اصطلاحات وعبارات تخالف الإسلام من أصوله, وهو إلحاد فكري.
الثاني: تصوف عملي وهو القائم على التقشف والزهد والتفاني في الطاعة، وقد أدى هذا القسم بطائفة كبيرة من المنتسبين إليه إلى أمور شركية من اتخاذ الأولياء وعبادة القبور واتخاذ التكايا وما يسمى مجالس الذكر, فكثر فيهم المشعوذون والدجالون, واتخذوا بعض الاصطلاحات والعبارات وضمنوها أسرارا ومكنونات لا يكشفها ولا يدريها إلا أصحاب المقامات, وفسروا على ضوئها آيات القرآن الكريم.
وعلى ضوء هذين القسمين, انقسم التفسير عند الصوفية إلى اتجاهين:
١- تفسير صوفي نظري.
٢- تفسير صوفي فيضي أو إشاري.
التفسير الصوفي النظري:
وقد سلك هذا الاتجاه في التفسير فلاسفة الصوفية, ويعد ابن عربي شيخ هذه الطريقة١, وهي طريقة قصدها الشيخ محمد حسين الذهبي حين قال: "يأبى الصوفي إلا أن يحول القرآن عن هدفه ومقصده إلى ما يقصده هو, ويرمي
стр. 370
إليه, وغرضه بهذا كله أن يروج لتصوفه على حساب القرآن, وأن يقيم نظرياته وأبحاثه على أساس من كتاب الله, وبهذا الصنيع يكون الصوفي قد خدم فلسفته التصوفية ولم يعمل للقرآن شيئا, اللهم إلا هذا التأويل الذي كله شر على الدين, وإلحاد في آيات الله"!!! ١.
وإذا كان الذهبي -رحمه الله تعالى- يصرح بـ:"هذا, ولم نسمع بأن أحدا ألف في التفسير الصوفي النظري كتابا خاصا يتبع القرآن آية آية, كما ألف مثل ذلك بالنسبة للتفسير الإشاري, وكل ما وجدناه من ذلك هو نصوص متفرقة اشتمل عليها التفسير المنسوب إلى ابن عربي, وكتاب الفتوحات المكية له, وكتاب الفصوص له أيضا, كما يوجد بعض من ذلك في كثير من كتب التفسير المختلفة المشارب"٢.
إذا كان الذهبي يصرح بهذا والفترة التي يدرسها فترة طويلة من نشأة التصوف إلى عصرنا هذا, وضمنها فترة انتشر فيها التصوف وكثر فيها أربابه، فإني أقول أيضا: إني لم أجد في هذا العصر أيضا أحدا كتب في هذا الاتجاه من التفسير الصوفي, وإن كان هناك من يقول به إلا أنه لم يتعرض في دراسته له إلى القرآن الكريم والحمد لله، فلنعرض عن هذا اللون من التفسير الصوفي.
التفسير الفيضي "الإشاري":
تعريفه: هو تأويل آيات القرآن الكريم بغير ظاهرها بمقتضى إشارات خفية تظهر لأرباب السلوك, ويمكن الجمع بينها وبين الظاهر المراد أيضا.
وقد ذكر الشيخ محمد حسين الذهبي وجهين للتفريق بين التفسير الصوفي الإشاري, والتفسير الصوفي النظري هما:
أولا: أن التفسير الصوفي النظري ينبني على مقدمات علمية تنقدح في ذهن الصوفي أولا, ثم ينزل القرآن عليها بعد ذلك.
стр. 371
وأما التفسير الإشاري فلا يرتكز على مقدمات علمية, بل يرتكز على رياضة روحية يأخذ بها الصوفي نفسه حتى يصل إلى درجة تنكشف لها فيها من سجف العبارات هذه الإشارات القدسية, وتنهل على قلبه من سحب الغيب ما تحمله الآيات من المعارف السبحانية.
ثانيا: أن التفسير الصوفي النظري يرى صاحبه أنه كل ما تحتمله الآية من المعاني وليس وراءه معنى آخر يمكن أن تحمل الآية عليه, هذا بحسب طاقته طبعا. أما التفسير الإشاري فلا يرى الصوفي أنه كل ما يراد من الآية, بل يرى أن هناك معنى آخر تحتمله الآية ويراد منها أولا وقبل كل شيء: ذلك هو المعنى الظاهر الذي ينساق إليه الذهن قبل غيره١.
стр. 372
موقف العلماء من هذا اللون في التفسير:
اختلف العلماء في قبول التفسير الإشاري أو رده, فمنهم من قبله, ومنهم من اعتبره من صفات الكمال والعرفان, ومنهم من رده, ومنهم من اعتبره إلحادا في آيات الله وخروجا به عن الحق.
وليس لنا أن نطلب من الرافضين لهذا التفسير دليلا؛ ذلكم أن الأصل عدم قبول هذا النوع من التفسير لأن تفسير القرآن لا يكون إلا بالقرآن أو بالسنة أو بالمتبادر من عموم لغة العرب؛ لأن القرآن الكريم نزل بلسان عربي مبين, فلا يصح تفسيره بخلاف ظاهر اللفظ إلا بدليل يصرف المعنى المراد من ظاهر اللفظ إلى معنى آخر.
أما من قال بهذا اللون من التفسير, ومال إليه فهو المطالب بالدليل.
أدلة المؤيدين:
ومن الأدلة التي استدلوا بها:
١- ما رواه الفريابي بسنده عن الحسن عن النبي ﷺ أنه
стр. 373
قال: "لكل آية ظهر وبطن, ولكل حرف حد, ولكل حد مطلع" وسبق ذكر القول الصحيح في هذا الحديث ونحوه.
٢- ما رواه البخاري عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- أنه قال: كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر فكأن بعضهم وجد في نفسه فقال: لم تدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال عمر: إنه من حيث علمتم, فدعاه ذات يوم فأدخله معهم فما رئيت أنه دعاني يومئذ إلا ليريهم. قال: ما تقولون في قول الله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ ؟ فقال بعضهم: أمرنا نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا, وسكت بعضهم فلم يقل شيئا. فقال لي: أكذلك تقول يابن عباس؟ فقلت: لا، قال: فما تقول؟ قلت: هو أجل رسول الله ﷺ أعلمه له قال: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ وذلك علامة أجلك فسبح بحمد ربك واستغفره, إنه كان توابا، فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تقول"١.
٣- ما أخرجه ابن أبي حاتم من طريق الضحاك عن ابن عباس أنه قال: "إن القرآن ذو شجون وفنون وظهور وبطون لا تنقضي عجائبه ولا تبلغ غايته, فمن أوغل فيه برفق نجا, ومن أخبر فيه بعنف هوى, أخبار وأمثال وحلال وحرام وناسخ ومنسوخ ومحكم ومتشابه وظهر وبطن, فظهره التلاوة وبطنه التأويل فجالسوا به العلماء وجانبوا به السفهاء.
وما روي عن أبي الدرداء أنه قال: "لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يجعل للقرآن وجوها".
وما روي عن ابن مسعود أنه قال: "من أراد علم الأولين والآخرين فليثور القرآن".
قالوا: وهذا الذي قاله هؤلاء الصحابة -رضوان الله عليهم- لا يحصل بمجرد تفسير الظاهر٢.
стр. 374
ونختم حديثنا عن التفسير الإشاري بإيراد أقوال بعض العلماء في ذلك, فمنهم:
الزركشي في برهانه:
قال الزركشي في البرهان: "كلام الصوفية في تفسير القرآن قيل: إنه ليس بتفسير, وإنما هو معانٍ ومواجيد يجدونها عند التلاوة"١.
ابن الصلاح في فتاويه:
وقال ابن الصلاح في فتاويه, وقد سئل عن كلام الصوفية في القرآن: "وجدت عن الإمام أبي الحسن الواحدي المفسر أنه قال: صنف أبو عبد الرحمن السلمي حقائق التفسير, فإن كان قد اعتقد أن ذلك تفسير فقد كفر. قال ابن الصلاح وأنا أقول الظن بمن يوثق به منهم أنه إذا قال شيئا من أمثال ذلك أنه لم يذكره تفسيرا, ولا ذهب به مذهب الشرح للكلمة المذكورة من القرآن العظيم, فإنه لو كان كذلك كانوا قد سلكوا مسلك الباطنية وإنما ذلك منهم تنظير لما ورد به القرآن, فإن النظير يذكر بالنظير". ثم قال: "ومع ذلك فيا ليتهم لم يتساهلوا في مثل ذلك؛ لما فيه من الإبهام والإلباس"٢.
النسفي والتفتازاني:
قال النسفي في العقائد: "النصوص على ظواهرها والعدول عنها إلى معانٍ يدعيها أهل الباطل: إلحاد", وعلق التفتازاني في شرحه للعقائد على هذا بقوله:
"سميت الملاحدة باطنية لادعائهم أن النصوص ليست على ظاهرها, بل لها معانٍ لا يعرفها إلا المعلم وقصدهم بذلك نفي الشريعة بالكلية". قال: "وأما ما يذهب إليه بعض المحققين من أن النصوص على ظواهرها, ومع ذلك ففيها إشارات خفية إلى دقائق تنكشف لأرباب السلوك يمكن التوفيق بينها وبين الظواهر المرادة, فهو من كمال الإيمان ومحض العرفان"٣.
стр. 375
الغزالي في الإحياء:
وقال الغزالي في إحياء علوم الدين: "وأما الشطح فنعني به صنفين من الكلام أحدثه بعض الصوفية:
"أحدهما" الدعاوى الطويلة العريضة في العشق مع الله تعالى والوصال المغني عن الأعمال الظاهرة حتى ينتهي قوم إلى دعوى الاتحاد وارتفاع الحجاب والمشاهدة بالرؤية والمشافهة بالخطاب فيقولون: قيل لنا: كذا وقلنا: كذا ... وهذا فن من الكلام عظيم ضرره في العوام حتى ترك جماعة من أهل الفلاحة فلاحتهم, وأظهروا مثل هذه الدعاوى, فإن هذا الكلام يستلذه الطبع إذ فيه البطالة من الأعمال مع تزكية النفس بدرك المقامات والأحوال.
فلا تعجز الأغبياء عن دعوى ذلك لأنفسهم, ولا عن تلقف كلمات مخبطة مزخرفة, ومهما أنكر عليهم ذلك لم يعجزوا عن أن يقولوا: هذا إنكار مصدره العلم والجدل والعلم حجاب والجدل عمل النفس, وهذا الحديث لا يلوح إلا من الباطن بمكاشفة نور الحق. فهذا ومثله مما قد استطار في البلاد شرره وعظم في العوام ضرره, حتى من نطق بشيء منه فقتله أفضل في دين الله من إحياء عشرة.
الصنف الثاني من الشطح: كلمات غير مفهومة, لها ظواهر رائقة وفيها عبارات هائلة وليس وراءها طائل, وذلك إما أن تكون غير مفهومة عند قائلها، بل يصدرها عن خبط في عقله وتشويش في خياله لقلة إحاطته, بمعنى كلام قرع سمعه وهذا هو الأكثر، وإما أن تكون مفهومة له ولكنه لا يقدر على تفهيمها وإيرادها بعبارة تدل على ضميره لقلة ممارسته للعلم وعدم تعلمه طريق التعبير عن المعاني بالألفاظ الرشيقة, ولا فائدة لهذا الجنس من الكلام إلا أنه يشوش القلوب ويدهش العقول ويحير الأذهان, أو يحمل على أن يفهم منها معاني ما أريدت بها ويكون فهم كل واحد على مقتضى هواه وطبعه".
إلى أن قال: "وأما الطامات فيدخلها ما ذكرناه في الشطح, وأمر آخر يخصها وهو صرف ألفاظ الشرع عن ظواهرها المفهومة إلى أمور باطنة لا يسبق منها إلى
стр. 376
الإفهام فائدة كدأب الباطنية في التأويلات, فهذا أيضا حرام وضرره عظيم, فإن الألفاظ إذا صرفت عن مقتضى ظواهرها بغير اعتصام فيه بنقل عن صاحب الشرع من غير ضرورة تدعو إليه من دليل العقل, اقتضى ذلك بطلان الثقة بالألفاظ وسقط به منفعة كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ فإن ما يسبق منه إلى الفهم لا يوثق به والباطن لا ضبط له, بل تتعارض فيه الخواطر ويمكن تنزيله على وجوه شتى, وهذا أيضا من البدع الشائعة العظيمة الضرر وإنما قصد أصحابها الإغراب؛ لأن النفوس مائلة إلى الغريب ومستلذة لها, وبهذا الطريق توصل الباطنية إلى هدم جميع الشريعة بتأويل ظواهرها وتنزيلها على رأيهم ... ومثال تأويل أهل الطامات قول بعضهم في تأويل قوله تعالى: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ : إنه إشارة إلى قلبه وقال: هو المراد بفرعون وهو الطاغي على كل إنسان. وفي قوله تعالى: ﴿أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ ، أي: كل ما يتوكأ عليه ويعتمده مما سوى الله فينبغي أن يلقيه ... " إلى أن قال: "ومن يستجيز من أهل الطامات مثل هذه التأويلات مع علمه بأنها غير مرادة بالألفاظ, ويزعم أنه يقصد بها دعوة الخلق إلى الخالق يضاهي من يستجيز الاختراع والوضع على رسول الله ﷺ , لما هو في نفسه حق ولكن لم ينطق به الشرع ... بل الشر في تأويل هذه الألفاظ أطم وأعظم؛ لأنها مبطلة للثقة بالألفاظ, وقاطعة طريق الاستفادة والفهم من القرآن بالكلية"١.
هذا ما قاله الإمام الغزالي -رحمه الله تعالى- وإنما أطلت في نقل نصوصه لما فيها من الدقة والشمول, بحيث لم يبق لأحد منهم حجة فيما ادعاه.
ولا أحب في ختام حديثي هذا عن موقف العلماء من التفسير الإشاري إلا أن أجعل في ختامه رأي عالم أو عالمين من العلماء المعاصرين في التفسير الإشاري, فأكتفي بنقل رأي الذهبي والزرقاني؛ ففيهما الكفاية والسداد.
стр. 377
رأي الذهبي:
بعد أن نقل الذهبي رأي ابن الصلاح والتفتازاني وابن عطاء الله السكندري قال: "فهؤلاء العلماء حسنوا ظنهم بالقوم فحملوا أقوالهم الغريبة التي قالوها في القرآن على أنها ذكر لنظير ما ورد به القرآن أو على أنها إشارات خفيفة ومعانٍ إلهامية تنهل على قلوب العارفين وتزهوهم عن إرادة التفسير الحقيقي لكتاب الله بمثل هذه الشروح الغريبة التي نقلت عنهم, وهذا عمل حسن وصنيع جميل من هؤلاء العلماء, وقد تابعناهم عليه حملا لحال المؤمن على الصلاح ... ولكن لم يلبث أن تبدد حسن ظننا بالقوم على أثر تلك المقالة التي قرأناها لابن عربي في فتوحاته, وفيها يصرح بأن مقالات الصوفية في كتاب الله ليست إلا تفسيرا حقيقيا لمعاني القرآن وشرحا لمراد الله من ألفاظه وآياته, ويذكر لنا أن تسميتها إشارة ليس إلا من قبيل التقية والمداراة لعلماء الرسوم أهل الظاهر, وفي هذه المقالة يحمل حملة شعواء على أهل الرسوم -على حد تعبيره- الذين ينكرون عليه وعلى غيره من الصوفية"١.
رأي الزرقاني:
أما الشيخ عبد العظيم الزرقاني فيقول عن التفسير الإشاري: "ولعلك تلاحظ معي أن بعض الناس قد فتنوا بالإقبال على دراسة تلك الإشارات والخواطر فدخل في روعهم أن الكتاب والسنة، بل الإسلام كله ما هي إلا سوانح وواردات على هذا النحو من التأويلات والتوجيهات, وزعموا أن الأمر ما هو إلا تخييلات, وأن المطلوب منهم هو الشطح مع الخيال أينما شطح, فلم يتقيدوا بتكاليف الشريعة ولم يحترموا قوانين اللغة العربية في فهم أبلغ النصوص العربية كتاب الله وسنة رسول الله, ﷺ .. فواجب النصح لإخواننا المسلمين يقتضينا أن نحذرهم الوقوع في هذه الشباك ونشير عليهم أن ينفضوا أيديهم من أمثال تلك التفاسير الإشارية الملتوية, ولا يعولوا على أشباهها مما ورد في كلام القوم بالكتب الصوفية؛ لأنها كلها أذواق ومواجيد خارجة
стр. 378
عن حدود الضبط والتقييد, وكثيرا ما يختلط فيها الخيال بالحقيقة والحق بالباطل, وإذا تجردت من ذلك فقلما يظهر منها مراد القائل, وإذا ظهر فقد يكون من الكفريات الفاحشة التي نستبعد صدورها من العلماء والمتصوفة، بل من صادقي عامة المسلمين ... فالأحرى بالفطن العاقل أن ينأى بنفسه عن هذه المزالق وأن يفر بدينه من هذه الشبهات, وأمامه في الكتاب والسنة وشروحهما على قوانين الشريعة واللغة رياض وجنات: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ "١.
стр. 379
شروط قبول التفسير الإشاري:
ثم إن العلماء الذين قبلوا هذا النوع من التفسير وضعوا له شروطا أربعة هي:
١- ألا يتنافى وظاهر النظم القرآني الكريم.
٢- أن يكون له شاهد شرعي يؤيده.
٣- ألا يكون له معارض شرعي أو عقلي.
٤- أن لا يدعي أن التفسير الإشاري هو المراد وحده دون الظاهر, بل لا بد من الاعتراف والتسليم بالمعنى الظاهر أولا إذ لا يطمع في الوصول إلى الباطن قبل أحكام الظاهر, ومن ادعى فهم أسرار القرآن ولم يحكم التفسير الظاهر فهو كمن ادعى البلوغ إلى صدر البيت قبل أن يجاوز الباب"١.
ثم إن المراد بالقبول هنا عدم رفضه لا وجوب اتباعه والأخذ به. أما عدم رفضه فلعدم منافاته لظاهر القرآن ولوجود الشاهد الذي يعضده من الشرع وكل ما كان كذلك لا يرفض. أما عدم وجوب الأخذ به فلأن النص القرآني لم يوضع للدلالة عليه، بل هو من قبيل الوجدانيات التي لا تقوم على دليل ولا تستند إلى برهان, والتي لا تنضبط بلغة ولا تتقيد بقانون.
стр. 380
أهم المؤلفات في التفسير الإشاري
مدخل
...
أهم المؤلفات في التفسير الإشاري:
انقسم المفسرون السابقون في تفاسيرهم من ناحية التفسير الإشاري إلى أقسام خمسة:
الأول: من أعرض كل الإعراض عن هذا اللون من التفسير ولا تجد له فيه ذكرا, وأمثلة هذا النوع كثيرة.
الثاني: من التزم في أكثر تفسيره التفسير بالظاهر مع إشارات قليلة إلى التفسير الإشاري, ومثاله تفسير النيسابوري.
الثالث: من جعل غالب همه في التفسير الإشاري, لكن يضيف إليه بقلة التفسير الظاهر, كتفسير سهل التستري.
الرابع: من جعل همه كله في التفسير الإشاري ولا يشير مطلقا إلى التفسير الظاهر, كتفسير أبي عبد الرحمن السلمي.
الخامس: من جمع بين التفسير الإشاري والتفسير الصوفي النظري مع الإعراض كل الإعراض عن التفسير بالظاهر, وذلك كتفسير ابن عربي.
هذه أقسام خمسة كان المفسرون عليها قديما, وإذا عدت إلى الحاضر لم تكد تجد أحدا من الأنواع الثلاثة الأخيرة، على حد علمي. أما اللون الأول فهو الموجود وبكثرة, وأما اللون الثاني فموجود ولكن أقل كثرة من سابقه.
ومما زاد القلة قلة أن بعض أقطاب التصوف في العصر الحديث ألفوا في التفسير، ولا يكاد القارئ يجد أية دلالة لا من قريب ولا من بعيد على انتمائهم الصوفي في التفسير, بينما تنضح بل تفيض كتبهم الأخرى برموزهم واصطلاحاتهم.
وفي مقابل هؤلاء وجد في تفاسير بعض غير الصوفيين، بل ومن المعروفين بمحاربة بدع الصوفية، وجد في تفاسيرهم هذا اللون من التفسير وهو وإن كان بقلة إلا أنهم عرفوا به وذلك كبعض تفاسير محمد عبده في تفسير المنار. وهم وإن كانوا لا يشيرون لا من قريب ولا من بعيد إلى انتماء هذا النوع من التفسير لديهم إلى اللون الصوفي إلا أن العلاقة بينهما واضحة, فكلاهما يصرف ظاهر الآية عن معناه الحقيقي إلى معنى باطني لا صلة له لفظية أو معنوية بها فهو صرف
стр. 381
للفظ عن ظاهره من غير سبب, سواء سمي تفسيرا رمزيا أو إشاريا أو تمثيليا.
ولعلي بعد هذا أذكر بعض المؤلفات الصوفية التي تضمنت تفسيرا إشاريا, فمن ذلك:
١- بيان السعادة في مقامات العبادة، "في مجلدين كبيرين": تأليف سلطان محمد بن حيدر الجنابذي.
٢- أسرار القرآن: السيد محمد ماضي أبو العزائم.
٣- ضياء الأكوان في تفسير القرآن: صدر منه جزآن، تأليف أحمد سعاد العقاد.
كما أن هناك تفاسير أخرى هي لعلماء الصوفية, وسأذكر بعضها علما بأن بعضها خالٍ من أية دلالة على صوفية صاحبه حسب قراءتي، وبعضها لم أطلع عليه, فمن الأول:
١- "مراح لبيد لكشف معاني القرآن المجيد" والمشهور بـ"التفسير المنير لمعالم التنزيل": وهو في مجلدين, صدرت طبعته الثالثة سنة ١٣٧٤, والمؤلف محمد نووي الجاوي ت ١٣١٦.
٢- أوضح التفاسير: محمد عبد اللطيف "ابن الخطيب", لا يزال حيا.
٣- قرة العين من البيضاوي والجلالين: يوسف بن إسماعيل النبهاني ت ١٣٥٠.
ومن الثاني:
١- تفسير القرآن: الحسن بن محمد بوجمعة البعقيلي ت ١٣٦٨.
٢- تفسير القرآن العظيم: عثمان بن محمد شطا البكري ت ١٣١٠ إلى سورة "المؤمنون".
٣- الواردات الإلهية: محمد بن عبد الغني البيطار ت ١٣٢٨.
٤- نفحة الرحمن في تفسير القرآن: محمد بن حسن الصيادي "أبو الهدى" ت ١٣٢٨.
٥- تفسير سورة البقرة: محمود الرفاعي ت ١٣٥٠.
وغير ذلك.
وسنتناول اثنين من هذه التفاسير بشيء من التفصيل, إن شاء الله.
стр. 382
أولا: بيان السعادة في مقامات العبادة
المؤلف:
أما اسم مؤلفه كما جاء في تفسيره, فهو سلطان محمد بن حيدر محمد بن سلطان محمد بن دوست محمد بن نور محمد بن الحاج محمد بن الحاج قاسم علي البيرختي الجنابذي الخراساني، من علماء الشيعة الإمامية، نسبته إلى جنابذ "كونابذ" قرية في نواحي نيسابور, توفي سنة ١٣١١/ ١٨٩٤م.
التفسير:
وهو تفسير "بيان السعادة في مقامات العبادة".
ويقع في مجلدين كبيرين، فرغ منه مؤلفه في الرابع عشر من شهر صفر المظفر من شهور السنة الحادية عشرة بعد الثلاثمائة بعد الألف من الهجرة النبوية، وتم طبعه في الرابع عشر من شهر رمضان المبارك "سنة ١٣١٤"١ في طهران.
منهجه في التفسير:
لا أريد هنا أن أدرس منهج هذا التفسير دراسة مستوفية إلا من الجانب الصوفي ليس غير، ولكن هذا لا يعني أن نغفل الإشارة إلى ذكر أهم سمات هذا التفسير واتجاهاته.
стр. 383
فأقول: إن صاحب التفسير مع أنه صوفي فهو شيعي متطرف من الشيعة الإمامية الاثني عشرية نضرب مثلا من آرائه الشيعية المتطرفة:
الأئمة هم ورثة علم محمد ﷺ :
قال المؤلف في مقدمة تفسيره: "إن عليا أول العشرة ووارث علم محمد ﷺ وبعده الأحد عشر من ولده, وإن الحادي عشر منهم غائب قائم منتظر لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يخرج, ويملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا, وإن هؤلاء الاثني عشر أئمته وشفعاؤه يوم القيامة"١.
وقال عن العترة: "إن العترة مبينون٢ القرآن, فالقرآن إمام صامت والعترة قرآن ناطق, وكما أن محبة العالم من العترة وتعظيمه والنظر إليه والجلوس عنده واستماع قوله والتدبر في أفعاله وأحواله وأخلاقه والتفكر في شئونه والتسليم له ولمتشابهات ما مسه٢ وتخلية بيت القلب لنزوله بملكوته فيه بملاحظة أنه حبل الله الممدود إلى الناس ومن غير عناد معه من أعظم العبادات"٣.
وعقد الفصل العاشر في مقدمته لتأكيد هذه الأمور السابقة, وجاء في هذا الفصل: "الفصل العاشر في أن علم القرآن بتمام مراتبه منحصر في محمد ﷺ وأوصيائه الاثني عشر وليس لغيرهم إلا بقدر مقامه. قد مضى أن بطون القرآن وحقائقه كثيرة متعددة وأن بطنه الأعلى وحقيقته العليا هو محمدية محمد وعلوية علي وهو مقام المشيّة التي هي فوق الإمكان وكل نبي ووصي كان لا يتجاوز مقامه إلا مكان سوى محمد وأوصيائه ومن لم يبلغ إلى مقام المشية لا يعلم ما فيه ولا يبين من ذلك المقام شيئا إلى أن قال: "ولما كان مقام محمد ﷺ وعلي ﵇ وأولاده المعصومين مقام المشية
стр. 384
كان علم القرآن كله عندهم وكان علي هو من عنده علم الكتاب, كما في الآية بإضافة العلم إلى الكتاب المفيد للاستغراق"١.
تحريف القرآن:
ذكرنا في المنهج الشيعي لتفسير القرآن استفاضة الأخبار عن أئمتهم بوقوع التحريف في القرآن وهو ما يؤكده صاحب هذا التفسير محمد حيدر الخراساني, إذ جاء في مقدمة تفسيره وفي الفصل الحادي عشر منها قوله: "الفصل الثالث عشر في وقوع الزيادة والنقيصة والتقديم والتأخير والتحريف والتغيير في القرآن الذي بين أظهرنا٢ الذي أمرنا بتلاوته وامتثال أوامره ونواهيه ... إلخ". اعلم أنه قد استفاضت الأخبار عن الأئمة الأطهار "ع" بوقوع الزيادة والنقيصة والتحريف والتغيير فيه بحيث لا يكاد لا يقع٣ شك في صدور بعضها منهم, وتأويل الجميع بأن الزيادة والنقيصة والتغيير إنما هي في مدركاتهم من القرآن لا في لفظ القرآن كلفة، ولا يليق بالكاملين في مخاطباتهم العامة؛ لأن الكامل يخاطب بما فيه حظ العوام والخواص وصرف٤ للفظ من ظاهره من غير صارف وما توهموه صارفا من كونه مجموعا عندهم في زمن النبي وكانوا يحفظونه ويدرسونه وكان الأصحاب مهتمين بحفظه عن التغيير والتبديل, حتى إنهم ضبطوا قراءات القراء وكيفيات قراءاتهم, فالجواب عنه: أن كونه مجموعا غير مسلم, فإن القرآن نزل في مدة رسالته إلى آخر عمره نجوما. وقد استفاضت الأخبار بنزول بعض السور وبعض الآيات في العام الآخر, وما ورد من أنهم جمعوه بعد رحلته وأن عليا جلس في بيته مشتغلا بجمع القرآن أكثر من أن يمكن إنكاره, وكونهم يحفظونه ويدرسونه مسلم, لكن كان الحفظ والدرس فيما كان بأيديهم واهتمام الأصحاب بحفظه وحفظ قراءات القراء وكيفيات قراءاتهم كان
стр. 385
بعد جمعه وترتيبه وكما كان الدواعي متوفرة في حفظه كذلك كانت متوفرة من المنافقين في تغييره, وما قيل: إنه لم يبق لنا حينئذ اعتماد عليه والحال أنا مأمورون بالاعتماد عليه واتباع أحكامه والتدبر في آياته وامتثال أوامره ونواهيه وإقامة حدوده وعرض الأخبار عليه لا يعتمد عليه في صرف مثل هذه الأخبار الكثيرة الدالة على التغيير والتحريف عن ظواهرها؛ لأن الاعتماد على هذا المكتوب ووجوب اتباعه وامتثال أوامره ونواهيه وإقامة حدوده وأحكامه إنما هي للأخبار الكثيرة الدالة على ما ذكر, لا للقطع بأن ما بين الدفتين هو الكتاب المنزل على محمد ﷺ من غير نقيصة, وزيادة, وتحريف فيه"١.
نزول القرآن بتمامه في الأئمة, وفي أعدائهم:
وعقد المؤلف الفصل الرابع عشر في أن القرآن نزل بتمامه في الأئمة الاثني عشر بوجه, ونزل فيهم وفي أعدائهم بوجه, ونزل أثلاثا: ثلث فيهم وفي أعدائهم، وثلث سنن وأمثال، وثلث فرائض وأحكام بوجه"٢.
هذه أمور ثلاثة حرصت على سياقها مستطردا؛ لأنها ما اجتمعت إلا في متطرفي الشيعة الاثني عشرية وهو ما أردت إثباته بادئ ذي بدء لهذا التفسير، ومن ثَمَّ ننطلق إلى مرادنا من هذا التفسير وهو التفسير الصوفي فيه.
المنهج الصوفي في تفسيره:
وأول ما يواجهنا في تفسيره من انتمائه إلى التفسير الإشاري قوله في مقدمة تفسيره: "وقد كان يظهر لي بعض الأحيان من إشارات الكتاب وتلويحات الأخبار لطائف ما كنت أجدها في كتاب ولا أسمعها من خطاب, فأردت أن أثبتها في وريقات, وأجعلها نحو تفسير للكتاب"٣.
وقد أغرق المؤلف تفسيره بكثرة التأويلات الصوفية والشطحات والمواجيد
стр. 386
والإشارات والاصطلاحات التي لا يكاد يعرف لها معنى, بل هي أشبه ما تكون بالطلاسم.
قصة خلق آدم:
ونبدأ ذكر الأمثلة على إشاراته ورموزه وتفسيره الصوفي بما فسر به الآيات القرآنية في خلق آدم وحواء ﵉ حيث قال: "اعلم أن قصة خلق آدم "على" وحواء "على" من الطين ومن ضلعه الأيسر ومن أمر الملائكة بسجود آدم١ "على" وإباء إبليس عن السجدة وإسكان آدم "على" وحواء "على" الجنة, ونهيهما عن أكل شجرة من أشجارها ووسوسة إبليس لهما وأكلهما من الشجرة المنهية وهبوطهما من المرموزات المذكورة في كتب الأمم السالفة وتواريخهم كما ذكرنا سابقا, فالمراد بآدم في العالم الصغير اللطيفة العاقلة الآدمية الخليفة على الملائكة الأرضيين وعلى الجنة والشياطين المطرودين عن وجه أرض النفس والطبع المسجودة للملائكة المخلوقة من الطين الساكنة في جنة النفس الإنسانية, وهي أعلم عن مقام النفس الحيوانية من المخلوق من ضلع جنبها الأيسر الذي يلي النفس الحيوانية زوجتها المسماة بحواء؛ لكدرة لونها بقربها في النفس الحيوانية، والمراد بالشجرة المنهية مرتبة النفس الإنسانية التي هي جامعة لمقام الحيوانية، والمرتبة الآدمية والمراد بالحية واختفاء إبليس بين لحييها القوة الواهمة, فإنها لكونها مظهرا لإبليس تسمى بإبليس في العالم الصغير ووسوسته تزيينها ما لا حقيقة له للجنب الأيسر من آدم المعبر عنه بحواء وهبوط آدم "على" وحواء "على" عبارة عن تنزلهما إلى مقام الحيوانية وهبوط إبليس والحية وذريتهما عبارة عن تنزلها عن مقام التبعية لآدم, فإن إبليس لما كان الواهمة أحد مظاهره كان رفعتها رفعته وشرافتها باستخدام آدم لها شرافته، وهبوط الواهمة كان هبوطا له، وإذا أريد بالشجرة النفس الإنسانية ارتفع الاختلاف من الأخبار, فإن النفس الإنسانية شجرة لها أنواع الثمار والحبوب وأصناف الأوصاف والخصال؛ لأن الحبوب والثمار وإن لم تكن بوجوداتها العينية الدانية الموجودة فيها لكن الكل بحقائقها
стр. 387
موجودة فيها، فتعيين تلك الشجرة بشيء من الحبوب والثمار أو العلوم والأوصاف بيان لبعض شئونها. روى في تفسير الإمام "على" أنها شجرة علم محمد "صلى" وآل محمد "صلى" الذين آثرهم الله تعالى به دون سائر خلقه فقال الله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَة﴾ ، شجرة العلم فإنها لمحمد "صلى" وآله "صلى" دون غيرهم ولا يتناول منها بأمر الله إلا هم، ومنها ما كان يتناوله النبي "صلى" وعلي "على" وفاطمة "على" والحسن "على" والحسين "على" بعد إطعامهم المسكين واليتيم والأسير حتى لم يحسوا بجوع ولا عطش ولا تعب ولا نصب وهي شجرة تميزت من بين سائر الأشجار بأن كلا منها إنما يحمل نوعا من الثمار, وكانت هذه الشجرة وجنسها تحمل البر والعنب والتين والعناب وسائر أنواع الثمار والفواكه والأطعمة؛ فلذلك اختلف الحاكون فقال بعضهم: برة وقال آخرون: هي عنابة وهي الشجرة التي من تناول منها بإذن الله ألهم علم الأولين والآخرين من غير تعلم, ومن تناول بغير إذن الله خاب من مراده وعصى ربه "أقول: آخر الحديث يدل على ما قالته الصوفية من أن السالك ما لم يتم سلوكه ولم ينته إلى مقام الفناء ولم يرجع إلى الصحو بعد المحو بإذن الله, لم يجز له الاشتغال بالكثرات ومقتضيات النفس زائدا على قدر الضرورة وشجرة علم محمد "صلى" وآل محمد "صلى" إشارة إلى مقام النفس الجامع لكمالات الكثرة والوحدة"١.
وهذا النوع من التفسير عنده وعند الصوفية لا يدرك بالقوة البشرية ولا بالمدارك الشيطانية, فلم يبق إلا الإلهام الإلهي حيث يقول: "ولما كان قصة آدم وخلقته وأمر الملائكة بسجدته وإباء إبليس عن السجود وهبوطه عن الجنة وبكاؤه في فراق الجنة ... إلخ, من مرموزات الأوائل وقد كثر ذكره في كتب السلف خصوصا كتب اليهود وتواريخهم ورد أخبارنا٢ مختلفة في هذا الباب اختلافا كثيرا مرموزا بها إلى ما رمزوه ومن أراد أن يحملها على ظاهرها تحير فيها, ومن رام أن يدرك المقصود بقوته البشرية والمدارك الشيطانية منها طرد عنها ولم يدرك منها
стр. 388
إلا خلاف مدلولها"١.
وهذا النوع من التفسير هو الذي سلكه الأستاذ الإمام محمد عبده في تفسيره, فقال في تفسير الآيات السابقة في قصة آدم ﵇: "وتقرير التمثيل في القصة على هذا المذهب هكذا أن إخبار الله الملائكة بجعل الإنسان خليفة في الأرض هو عبارة عن تهيئة الأرض وقوى هذا العالم وأرواحه التي بها قوامه ونظامه لوجود نوع من المخلوقات يتصرف فيها, فيكون به كمال الوجود في هذه الأرض, وسؤال الملائكة عن جعل خليفة يفسد في الأرض؛ لأنه يعمل باختياره ويعطي استعدادا في العلم والعمل لا حد لهما هو تصوير لما فيه استعداد الإنسان لذلك, وتمهيد لبيان أنه لا ينافي خلافته في الأرض, وتعليم آدم الأسماء كلها بيان لاستعداد الإنسان لعلم كل شيء في هذه الأرض وانتفاعه به في استعمارها, وعرض الأسماء على الملائكة وسؤالهم عنها وتنصلهم في الجواب، تصوير لكون الشعور الذي يصاحب كل روح من الأرواح المدبرة للعوالم محدودا لا يتعدى وظيفته, وسجود الملائكة لآدم عبارة عن تسخير هذه الأرواح والقوى له ينتفع بها في ترقية الكون بمعرفة سنن الله تعالى في ذلك, وإباء إبليس واستكباره عن السجود تمثيل لعجز الإنسان عن إخضاع روح الشر وإبطال داعية خواطر السوء التي هي مثار التنازع والتخاصم والتعدي والإفساد في الأرض, ولولا ذلك لجاء على الإنسان زمن يكون فيه أفراده كالملائكة بل أعظم, أو يخرجون عن كونهم من هذا النوع البشري"٢.
وهو أيضا نفس التأويل الذي أوّل به محمد عبده المراد بالملائكة بقوله: "يشعر كل من فكر في نفسه ووازن بين خواطره عندما يهم بأمر فيه وجه للحق أو للخير، ووجه للباطل أو للشر بأن في نفسه تنازعا كأن الأمر قد عرض فيها على مجلس شورى, فهذا يورد وذاك يدفع, وأحد يقول: افعل وآخر يقول: لا تفعل حتى ينتصر أحد الطرفين ويترجح أحد الخاطرين فهذا الشيء
стр. 389
الذي أودع في أنفسنا ونسميه قوة وفكرا, وهو في الحقيقة معنى لا يدرك كنهه وروح لا تكتنه حقيقتها, لا يبعد أن يسميه الله تعالى ملكا أو يسمي أسبابه ملائكة أو ما شاء من الأسماء فإن التسمية لا حجر فيها على الناس فكيف يحجر فيها على صاحب الإرادة المطلقة والسلطان النافذ والعلم الواسع"، ثم قال: "ولو أن نفسا مالت إلى قبول هذا التأويل لم تجد في الدين ما يمنعها من ذلك والعمدة على اطمئنان القلب وركون النفس إلى ما أبصرت من الحق"، وقد علق تلميذه السيد رشيد رضا على هذا بقوله: "إن غرض الأستاذ من هذا التأويل الذي عبر عنه بالإيماء وبالإشارة إقناع منكري الملائكة بوجودهم بتعبير مألوف عندهم, تقبله عقولهم"١.
ولا أشك في ضلال هذا النوع من التفسير الذي يصرف أخبار القرآن عن ظاهرها وحقائقها إلى أوهام يتخيلها إيماءات أو إشارات, مهما كان هدف قائلها, ومهما كان مراده ما دامت المعاني التي ساقها لا تمت إلى النص بصلة أصيلة, أو أدلة قوية صريحة.
الإنسان بين نشأتي الجذب والسلوك:
وظهر تفسيره الصوفي المليء باصطلاحات ورموز وإشارات الصوفية في تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ ٢. وقد ذكر في سبب نزولها ما خلاصته أن عليا ﵁ حلف أن لا ينام بالليل، وأن بلالا ﵁ حلف أن لا يفطر بالنهار أبدا, وأما عثمان بن مظعون فإنه حلف أن لا ينكح أبدا. فلما علم الرسول ﷺ بذلك "صعد المنبر, فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "ما بال أقوام يحرمون على أنفسهم الطيبات، إني أنام الليل وأنكح وأفطر بالنهار, فمن رغب عن سنتي فليس مني" فقام هؤلاء فقالوا: يا رسول الله فقد حلفنا على ذلك, فأنزل الله آيات الحلف الآتية"٣.
стр. 390
وبما أن المؤلف إمامي يعتقد بعصمة علي ﵁ فإن في هذا الأمر إشكالين وضحهما ورد عليهما بقوله: "أولا بأن أمثال هذه المعاتبات ونسبة التحريم والاعتداء والتقوى ولغو الإيمان غير مناسبة لمقام علي ﵇ وثانيا بأنه ﵇ ما كان عالما بأن تحريم الحلال إن كان بالاستبداد والرأي كان من البدع والضلال, وإن كان بالنذر وشبهه كما دل عليه الخبر كان مرجوحا غير مرضي لله تعالى, ومع ذلك حرمه على نفسه أو كان جاهلا بذلك, وكلا الوجهين غير لائق بمقامه, ﵇.
والجواب الجلي لطالبي الآخرة والسالكين إلى الله الذين بايعوه بالولاية وتابعوه بقدم صدق واستشموا نفحات نشأته حال سلوكه أن يقال: إن السالك إلى الله يتم سلوكه باستجماعه بين نشأتي الجذب والسلوك, بمعنى توسطه بين تفريط السلوك الصرف وإفراط الجذب الصرف, فإنه إن كان في نشأة السلوك فقد جمد طبعه ببرودة السلوك حتى يقف عن السير، وإن كان من نشأة الجذب فقط فني بحرارة الجذب عن أفعاله وصفاته وذاته بحيث لا يبقى منه أثر ولا خبر, وهو وإن كان في روح وراحة لكنه ناقص كمال النقص من حيث إن المطلوب منه حضوره بالعود لدى ربه مع جنوده وخدمه وأتباعه وحشمه, وهو طرح الكل وتسارع بوحدته, فالسالك إلى الله تكميله مربوط بأن يكون في الجذب والسلوك منكسرا برودة سلوكه بحرارة جذبه, فالجذب والسلوك كالليل والنهار أو كالصيف والشتاء من حيث إنهما يربيان المواليد بتضادهما, فهما مع كونهما متنازعين متآلفان متوافقان.
إذا علمت ذلك, فاعلم أن السالك إذا وقع في نشأة الجذب وشرب من شراب الشوق الزنجبيلي, سكر وطرب ووجد بحيث لا يبقى في نظره سوى الخدمة للمحبوب, وكلما رآه منافيا للخدمة رآه ثقلا ووبالا على نفسه ومكروها لمولاه فيصمم في طرحه ويعزم على ترك الاشتغال به, وهو من كمال الطاعة لا أنه ترك الطاعة كما يظن, فلا ضير أن يكون أمير المؤمنين على حال سلوكه وقع في تلك النشأة وحرم على نفسه كل ما يشغله عن الخدمة لكمال الاهتمام بالطاعة, ولما لم يمكن تحصيل الكمال التام إلا بالجمع بين النشأتين أسقاه محمد ﷺ من شراب السلوك؛ لأنه كان مكملا مربيا له ولغيره؛ ولذا قالوا: لا بد