← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 8679

اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر

فهد الرومي

Полный текст (1 278 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

والإشارات والاصطلاحات التي لا يكاد يعرف لها معنى, بل هي أشبه ما تكون بالطلاسم. قصة خلق آدم: ونبدأ ذكر الأمثلة على إشاراته ورموزه وتفسيره الصوفي بما فسر به الآيات القرآنية في خلق آدم وحواء ﵉ حيث قال: "اعلم أن قصة خلق آدم "على" وحواء "على" من الطين ومن ضلعه الأيسر ومن أمر الملائكة بسجود آدم١ "على" وإباء إبليس عن السجدة وإسكان آدم "على" وحواء "على" الجنة, ونهيهما عن أكل شجرة من أشجارها ووسوسة إبليس لهما وأكلهما من الشجرة المنهية وهبوطهما من المرموزات المذكورة في كتب الأمم السالفة وتواريخهم كما ذكرنا سابقا, فالمراد بآدم في العالم الصغير اللطيفة العاقلة الآدمية الخليفة على الملائكة الأرضيين وعلى الجنة والشياطين المطرودين عن وجه أرض النفس والطبع المسجودة للملائكة المخلوقة من الطين الساكنة في جنة النفس الإنسانية, وهي أعلم عن مقام النفس الحيوانية من المخلوق من ضلع جنبها الأيسر الذي يلي النفس الحيوانية زوجتها المسماة بحواء؛ لكدرة لونها بقربها في النفس الحيوانية، والمراد بالشجرة المنهية مرتبة النفس الإنسانية التي هي جامعة لمقام الحيوانية، والمرتبة الآدمية والمراد بالحية واختفاء إبليس بين لحييها القوة الواهمة, فإنها لكونها مظهرا لإبليس تسمى بإبليس في العالم الصغير ووسوسته تزيينها ما لا حقيقة له للجنب الأيسر من آدم المعبر عنه بحواء وهبوط آدم "على" وحواء "على" عبارة عن تنزلهما إلى مقام الحيوانية وهبوط إبليس والحية وذريتهما عبارة عن تنزلها عن مقام التبعية لآدم, فإن إبليس لما كان الواهمة أحد مظاهره كان رفعتها رفعته وشرافتها باستخدام آدم لها شرافته، وهبوط الواهمة كان هبوطا له، وإذا أريد بالشجرة النفس الإنسانية ارتفع الاختلاف من الأخبار, فإن النفس الإنسانية شجرة لها أنواع الثمار والحبوب وأصناف الأوصاف والخصال؛ لأن الحبوب والثمار وإن لم تكن بوجوداتها العينية الدانية الموجودة فيها لكن الكل بحقائقها

стр. 387

موجودة فيها، فتعيين تلك الشجرة بشيء من الحبوب والثمار أو العلوم والأوصاف بيان لبعض شئونها. روى في تفسير الإمام "على" أنها شجرة علم محمد "صلى" وآل محمد "صلى" الذين آثرهم الله تعالى به دون سائر خلقه فقال الله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَة﴾ ، شجرة العلم فإنها لمحمد "صلى" وآله "صلى" دون غيرهم ولا يتناول منها بأمر الله إلا هم، ومنها ما كان يتناوله النبي "صلى" وعلي "على" وفاطمة "على" والحسن "على" والحسين "على" بعد إطعامهم المسكين واليتيم والأسير حتى لم يحسوا بجوع ولا عطش ولا تعب ولا نصب وهي شجرة تميزت من بين سائر الأشجار بأن كلا منها إنما يحمل نوعا من الثمار, وكانت هذه الشجرة وجنسها تحمل البر والعنب والتين والعناب وسائر أنواع الثمار والفواكه والأطعمة؛ فلذلك اختلف الحاكون فقال بعضهم: برة وقال آخرون: هي عنابة وهي الشجرة التي من تناول منها بإذن الله ألهم علم الأولين والآخرين من غير تعلم, ومن تناول بغير إذن الله خاب من مراده وعصى ربه "أقول: آخر الحديث يدل على ما قالته الصوفية من أن السالك ما لم يتم سلوكه ولم ينته إلى مقام الفناء ولم يرجع إلى الصحو بعد المحو بإذن الله, لم يجز له الاشتغال بالكثرات ومقتضيات النفس زائدا على قدر الضرورة وشجرة علم محمد "صلى" وآل محمد "صلى" إشارة إلى مقام النفس الجامع لكمالات الكثرة والوحدة"١. وهذا النوع من التفسير عنده وعند الصوفية لا يدرك بالقوة البشرية ولا بالمدارك الشيطانية, فلم يبق إلا الإلهام الإلهي حيث يقول: "ولما كان قصة آدم وخلقته وأمر الملائكة بسجدته وإباء إبليس عن السجود وهبوطه عن الجنة وبكاؤه في فراق الجنة ... إلخ, من مرموزات الأوائل وقد كثر ذكره في كتب السلف خصوصا كتب اليهود وتواريخهم ورد أخبارنا٢ مختلفة في هذا الباب اختلافا كثيرا مرموزا بها إلى ما رمزوه ومن أراد أن يحملها على ظاهرها تحير فيها, ومن رام أن يدرك المقصود بقوته البشرية والمدارك الشيطانية منها طرد عنها ولم يدرك منها

стр. 388

إلا خلاف مدلولها"١. وهذا النوع من التفسير هو الذي سلكه الأستاذ الإمام محمد عبده في تفسيره, فقال في تفسير الآيات السابقة في قصة آدم ﵇: "وتقرير التمثيل في القصة على هذا المذهب هكذا أن إخبار الله الملائكة بجعل الإنسان خليفة في الأرض هو عبارة عن تهيئة الأرض وقوى هذا العالم وأرواحه التي بها قوامه ونظامه لوجود نوع من المخلوقات يتصرف فيها, فيكون به كمال الوجود في هذه الأرض, وسؤال الملائكة عن جعل خليفة يفسد في الأرض؛ لأنه يعمل باختياره ويعطي استعدادا في العلم والعمل لا حد لهما هو تصوير لما فيه استعداد الإنسان لذلك, وتمهيد لبيان أنه لا ينافي خلافته في الأرض, وتعليم آدم الأسماء كلها بيان لاستعداد الإنسان لعلم كل شيء في هذه الأرض وانتفاعه به في استعمارها, وعرض الأسماء على الملائكة وسؤالهم عنها وتنصلهم في الجواب، تصوير لكون الشعور الذي يصاحب كل روح من الأرواح المدبرة للعوالم محدودا لا يتعدى وظيفته, وسجود الملائكة لآدم عبارة عن تسخير هذه الأرواح والقوى له ينتفع بها في ترقية الكون بمعرفة سنن الله تعالى في ذلك, وإباء إبليس واستكباره عن السجود تمثيل لعجز الإنسان عن إخضاع روح الشر وإبطال داعية خواطر السوء التي هي مثار التنازع والتخاصم والتعدي والإفساد في الأرض, ولولا ذلك لجاء على الإنسان زمن يكون فيه أفراده كالملائكة بل أعظم, أو يخرجون عن كونهم من هذا النوع البشري"٢. وهو أيضا نفس التأويل الذي أوّل به محمد عبده المراد بالملائكة بقوله: "يشعر كل من فكر في نفسه ووازن بين خواطره عندما يهم بأمر فيه وجه للحق أو للخير، ووجه للباطل أو للشر بأن في نفسه تنازعا كأن الأمر قد عرض فيها على مجلس شورى, فهذا يورد وذاك يدفع, وأحد يقول: افعل وآخر يقول: لا تفعل حتى ينتصر أحد الطرفين ويترجح أحد الخاطرين فهذا الشيء

стр. 389

الذي أودع في أنفسنا ونسميه قوة وفكرا, وهو في الحقيقة معنى لا يدرك كنهه وروح لا تكتنه حقيقتها, لا يبعد أن يسميه الله تعالى ملكا أو يسمي أسبابه ملائكة أو ما شاء من الأسماء فإن التسمية لا حجر فيها على الناس فكيف يحجر فيها على صاحب الإرادة المطلقة والسلطان النافذ والعلم الواسع"، ثم قال: "ولو أن نفسا مالت إلى قبول هذا التأويل لم تجد في الدين ما يمنعها من ذلك والعمدة على اطمئنان القلب وركون النفس إلى ما أبصرت من الحق"، وقد علق تلميذه السيد رشيد رضا على هذا بقوله: "إن غرض الأستاذ من هذا التأويل الذي عبر عنه بالإيماء وبالإشارة إقناع منكري الملائكة بوجودهم بتعبير مألوف عندهم, تقبله عقولهم"١. ولا أشك في ضلال هذا النوع من التفسير الذي يصرف أخبار القرآن عن ظاهرها وحقائقها إلى أوهام يتخيلها إيماءات أو إشارات, مهما كان هدف قائلها, ومهما كان مراده ما دامت المعاني التي ساقها لا تمت إلى النص بصلة أصيلة, أو أدلة قوية صريحة. الإنسان بين نشأتي الجذب والسلوك: وظهر تفسيره الصوفي المليء باصطلاحات ورموز وإشارات الصوفية في تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ ٢. وقد ذكر في سبب نزولها ما خلاصته أن عليا ﵁ حلف أن لا ينام بالليل، وأن بلالا ﵁ حلف أن لا يفطر بالنهار أبدا, وأما عثمان بن مظعون فإنه حلف أن لا ينكح أبدا. فلما علم الرسول ﷺ بذلك "صعد المنبر, فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "ما بال أقوام يحرمون على أنفسهم الطيبات، إني أنام الليل وأنكح وأفطر بالنهار, فمن رغب عن سنتي فليس مني" فقام هؤلاء فقالوا: يا رسول الله فقد حلفنا على ذلك, فأنزل الله آيات الحلف الآتية"٣.

стр. 390

وبما أن المؤلف إمامي يعتقد بعصمة علي ﵁ فإن في هذا الأمر إشكالين وضحهما ورد عليهما بقوله: "أولا بأن أمثال هذه المعاتبات ونسبة التحريم والاعتداء والتقوى ولغو الإيمان غير مناسبة لمقام علي ﵇ وثانيا بأنه ﵇ ما كان عالما بأن تحريم الحلال إن كان بالاستبداد والرأي كان من البدع والضلال, وإن كان بالنذر وشبهه كما دل عليه الخبر كان مرجوحا غير مرضي لله تعالى, ومع ذلك حرمه على نفسه أو كان جاهلا بذلك, وكلا الوجهين غير لائق بمقامه, ﵇. والجواب الجلي لطالبي الآخرة والسالكين إلى الله الذين بايعوه بالولاية وتابعوه بقدم صدق واستشموا نفحات نشأته حال سلوكه أن يقال: إن السالك إلى الله يتم سلوكه باستجماعه بين نشأتي الجذب والسلوك, بمعنى توسطه بين تفريط السلوك الصرف وإفراط الجذب الصرف, فإنه إن كان في نشأة السلوك فقد جمد طبعه ببرودة السلوك حتى يقف عن السير، وإن كان من نشأة الجذب فقط فني بحرارة الجذب عن أفعاله وصفاته وذاته بحيث لا يبقى منه أثر ولا خبر, وهو وإن كان في روح وراحة لكنه ناقص كمال النقص من حيث إن المطلوب منه حضوره بالعود لدى ربه مع جنوده وخدمه وأتباعه وحشمه, وهو طرح الكل وتسارع بوحدته, فالسالك إلى الله تكميله مربوط بأن يكون في الجذب والسلوك منكسرا برودة سلوكه بحرارة جذبه, فالجذب والسلوك كالليل والنهار أو كالصيف والشتاء من حيث إنهما يربيان المواليد بتضادهما, فهما مع كونهما متنازعين متآلفان متوافقان. إذا علمت ذلك, فاعلم أن السالك إذا وقع في نشأة الجذب وشرب من شراب الشوق الزنجبيلي, سكر وطرب ووجد بحيث لا يبقى في نظره سوى الخدمة للمحبوب, وكلما رآه منافيا للخدمة رآه ثقلا ووبالا على نفسه ومكروها لمولاه فيصمم في طرحه ويعزم على ترك الاشتغال به, وهو من كمال الطاعة لا أنه ترك الطاعة كما يظن, فلا ضير أن يكون أمير المؤمنين على حال سلوكه وقع في تلك النشأة وحرم على نفسه كل ما يشغله عن الخدمة لكمال الاهتمام بالطاعة, ولما لم يمكن تحصيل الكمال التام إلا بالجمع بين النشأتين أسقاه محمد ﷺ من شراب السلوك؛ لأنه كان مكملا مربيا له ولغيره؛ ولذا قالوا: لا بد

стр. 391

أن يكون للسالك شيخ وإلا فيوشك أن يقع في الورطات المهلكة ولا منقصة في أمثال هذه المعاتبات على الأحباب, بل فيها من اللطف والترغيب في الخدمة ما لا يخفى وعلي كان عالما بأن الكمال لا يحصل إلا بالنشأتين, لكنه يرى حين الجذب أن كل ما يشغله عن الخدمة فهو مكروه المحبوب ومرجوح عنده فحلف على ترك المرجوح، أو يقال: إن عليا لما كان شريكا للرسول ﷺ في تكميل السلاك لقوله: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى" وكان له شأن الدلالة ولمحمد ﷺ شأن الإرشاد والمرشد بنشأته النبوية شأنه تكميل السالك بحسب نشأة السلوك وإن كان بنشأته الولوية, وشأن الإرشاد شأنه التكميل بحسب الجذب والدليل بنشأته الولوية شأنه التكميل بحسب نشأة الجذب وإن كان بنشأته النبوية وشأن الدلالة شأنه التكميل بحسب السلوك, فالدليل بولايته يقرب السالك إلى الحضور ويعلمه آداب الحضور وطريق العبودية من عدم الالتفات إلى ما سوى المعبود وطرح جميع العوائق من طريقه والمرشد بنبوته يبعده عن الحضور ويقربه إلى السلوك ويرغبه فيه, فهما في فعلهما كالنشأتين متضادان متوافقان, فأمير المؤمنين علي لما رأى بلالا وعثمان مستعدين لنشأة الجذب رغبهما إلى تلك النشأة بطرح المستلذات وترك المألوفات, وشاركهما في ذلك ليستكمل بذلك شوقهما ويتم جنبهما, ولما مضى مدة ورأى الرسول ﷺ أن عودهما إلى السلوك أوفق وأنفع لهما, ردهما إلى نشأة السلوك وعاتبهما بألطف عبارة ولا يرد نقص على أمير المؤمنين علي"١. مراتب السالك: وضح المؤلف في تفسيره المراتب التي يمر بها السالك, وذلك عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ ٢، فقال: "اعلم أن للإنسان من أول تخيره إلى آخر مراتبه تطورات

стр. 392

ونشآت, وبحسب كل نشأة له أعمال وإرادات وشرور وخيرات وللسالك إلى الله من بدو سلوكه إلى آخر مراتبه غير المتناهية مقامات ومراحل وأسفار ومنازل، والتقوى تارة تطلق على التحفظ عن كل ما يضر الإنسان في الحال أو في المآل, وهو معناها اللغوي وبهذا المعنى تكون قبل الإسلام وقبل الإيمان ومعهما وبعدهما، وتارة تطلق على التحفظ عما يصرفه عن توجهه إلى الإيمان, وبهذا المعنى تكون مع الإسلام وقبل الإيمان ومع الإيمان, لكن في مرتبة الإسلام فإنه ما لم يسلم لم يتصور له توجه واهتداء إلى الإيمان حتى يتصور صارف له عن الإيمان وحفظ عن ذلك الصارف، والتقوى بهذا المعنى عبارة عن تحفظ النفس عن جملة المخالفات الشرعية, وتارة تطلق على ما يصرفه عن الطريق الموصل له إلى غايته ويدخله في الطريق الموصلة إلى الجحيم, وبهذا المعنى لا تكون قبل الإيمان؛ لأنه لم يكن ح١ في الطريق بل تكون مع الإيمان الخاص الذي به يكون الوصول إلى الطريق, والإيمان قد يطلق على الإذعان وهو معناه اللغوي, وقد يطلق على ما يحصل بالبيعة العامة وهو الإيمان العام المسمى بالإسلام, وقد يطلق على ما قد يحصل بالبيعة الخاصة الولوية وهو الإيمان الحقيقي, وقد يطلق على شهود ما كان موقنا به وهو الإيمان الشهودي" إلى أن قال: "والإنسان من أول تميزه نشأته نشأة الحيوان لا يدري خيرا إلا ما اقتضته القوى الحيوانية، ولا شرا إلا ما استكرهته، ولا يتصور له التقوى سوى التقوى اللغوية, فإذا بلغ مقام المراهقة حصل له في الجملة تميز الخير والشر الإنسانيين وتعلق به زاجر إلهي باطني بحيث يستعد لقبول الأمر والنهي من زاجر بشري, لكن لا يكلف لضعفه ويمرن لوجود الاستعداد والزاجر الباطني ويتصور له التقوى بالمعنى الأول والثاني في هذا المقام بمقدار تميز الخير والشر الإنسانيين, فإذا بلغ أوان التكليف وقوى التميز والاستعداد والزاجر الإلهي تعلق به التكليف من الله بواسطة النذر، وبقبوله التكليف بالبيعة والميثاق يحصل له الإسلام ويتصور له التقوى أيضا بالمعنى الأول والثاني, ولا يتصور له التقوى بالمعنى الثالث لعدم وصوله إلى الطريق بعد، وفي هذا المقام يكلفه المكلف الإلهي بالتكاليف الغالبية, وينبهه على أن للإنسان طريقا

стр. 393

إلى الغيب وله بحسب هذا الطريق تكاليف أخر ويدله على من يريه الطريق ويكلفه التكليفات الأخر إشارة أو تصريحا أو يريه بنفسه الطريق, فإذا ساعده التوفيق وتمسك بصاحب الطريق حتى قبله وكلفه بالبيعة والميثاق التكليفات القلبية صار مؤمنا بالإيمان الخاص, ومتمسكا بالطريق متقيا بالمعنى الثالث وسالكا إلى الله وله في سلوكه مراحل ومقامات وزكاة وصوم وصلاة وترؤات وفناءات ففي المرتبة الأولى يرى من نفسه الفعل والترك وجملة صفاته, فإذا ترقى وطرح بعض ما ليس له ويرى الفعل من الله -ولا حول ولا قوة إلا بالله- صار فانيا من فعله باقيا بفعل الحق, فإذا ترقى وطرح بعضا آخر بحيث لا يرى من نفسه صفة صار فانيا من صفته باقيا بصفة الله, فإذا ترقى وطرح الكل بحيث لا يرى نفسه في البين صار فانيا من ذاته, وفي هذا المقام -إن أبقاه الله- صار باقيا بعد الفناء ببقاء الله وتم له السلوك وصار جامعا بين الفرد والجمع والوحدة والكثرة, وجعل العرفاء الشامخون بحسب الأمهات أسفار السالك وسيره أربعة وسموها أسفارا أربعة: السفر الأول السير من النفس إلى حدود القلب وهو سيره في الإسلام وعلى غير الطريق ويسمونه السفر من الخلق إلى الحق, والثاني سيره من حدود القلب إلى الله وهو سيره في الإيمان وعلى الطريق وبدلالة الشيخ المرشد وفي هذا السير يحصل الفناءات الثلاثة ويسمونه السفر من الحق في الحق إلى الحق, والثالث سيره بعد الفناء في المراتب الإلهية من غير ذات وشعور بذات, ويسمونه السفر بالحق في الحق, والرابع سيره بالحق في الخلق بعد صحوه وبقائه بالله ويسمونه السفر بالحق في الخلق إذا علمت ذلك فنقول: معنى الآية أنه ليس على الذين بايعوا بالبيعة العامة النبوية وقبول الدعوة الظاهرة, وأسلموا بقبول الأحكام القالبية وتوجهوا من ديار الإسلام التي هي صدورهم إلى ديار الإيمان التي هي قلوبهم وعملوا الأعمال التي أخذوها من صاحب إسلامهم جناح فيما فعلوا وحصلوا من الأفعال والعلوم, ولما كان المراد بالتقوى في لسان الشارع هو المعنى الثاني والثالث دون الأول لم يقل تعالى شأنه: ليس على الذين اتقوا وآمنوا في تلك المرتبة واقتصر على الإيمان والعمل الصالح, لكن نفى الجناح بشرط أن اتقوا صوارفهم عن التوجه إلى الإيمان والترحل إلى السفر الثاني والوصول إلى

стр. 394

الطريق وجملة المخالفات الشرعية صوارف عن هذا التوجه وآمنوا بالبيعة الخاصة الولوية وقبول الدعوة الباطنة وعملوا الصالحات التي أخذوها من صاحب الطريق, ثم اتقوا نسبة الأفعال والصفات إلى أنفسهم وآمنوا شهودا بما آمنوا به غيابا, وفي هذا المقام يقع السالك في ورطات الحلول والاتحاد والإلحاد وسائر أنواع الزندقة من الثنوية وعبادة الشيطان والرياضة بخلاف الشرائع الإلهية ومغلطة الأرواح الخبيثة بالأرواح الطيبة, فإنه مقام تحته مراتب غير متناهية وورطات غير محصورة وأكثر ما فشا في القلندرية من العقائد والأعمال نشأ من هذا المقام والسالك في هذه المرتبة لا يرى صفة لنفسه ولا فعلا من نفسه؛ ولذلك أسقط العمل الصالح ولم يذكره ثم اتقوا من رؤية ذواتهم, وهذا هو الفناء التام والفناء الذاتي, وفي هذا المقام لا يكون لهم ذات بعد التقوى حتى يتصور لهم إيمان أو عمل والسالك في هذا السفر لا نهاية لسيره ولا تعين لوجوده ولا نفسية له ويظهر منه الشطحيات التي لا تصح من غيره كما تظهر منه في المقام السابق أيضا, وكما لا يرى السالك في هذا المقام لنفسه عينا ولا أثرا لا يرى لغيره أيضا عينا ولا أثرا, ومن هذا المقام نشأت الوحدة الممنوعة وما يترتب عليها من العقائد الباطلة والأعمال الكاسدة, فإن أدركته العناية وأفاق من فنائه وصار باقيا ببقاء الله صار محسنا بحسب الذات والصفات والأفعال؛ ولذلك قال تعالى بعد ذكر التقوى ﴿وَأَحْسَنُوا﴾ وأسقط الإيمان والعمل جميعا؛ لأنه بعد فنائه الذاتي وبقائه بالله صار ذاته وصفته وفعله حسنا وإحسانا حقيقيا, وأما قبل ذلك فإنه لا يخلو من شوب سوئه وإساءته بقدر بقاء نسبة الوجود إلى نفسه قبل فنائه, وأيضا قبل الفناء بقدر نسبة الوجود إلى نفسه يكون مبغوضا لا محبوبا على الإطلاق وبعد الفناء وقبل الفناء بالله لا موضوع له حتى يحكم عليه بالمحبوبية والمبغوضية وبعد البقاء بالله يصير محبوبا على الإطلاق؛ ولذلك قال: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ في آخر الآية"١.

стр. 395

مراتب الكمال: وتحدث في تفسيره عن مراتب كمال الإنسان عند تفسيره لقوله تعالى مخاطبا إبراهيم ﵇: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ ١ فقال: "فالإمامة آخر جميع مراتب كمالات الإنسان, فإن أول كمالاته العبودية من أولى درجاتها, وهي أولى درجات السلوك إلى الطريق متدرجا فيه إلى الوصول إلى الطريق متدرجا في السلوك على الطريق إلى الله, إلى أن خرج من أنانيته ورقيَّة نفسه ودخل في زمرة عباده واستكمل العبودية, وصار عبدا خالصا, فإن أدركته العناية وأبقاه الله بعد فنائه وأحياه بحياته لتكميل خلقه, فإما أن يوكله بإصلاح قلبه الذي هو بيت الله حقيقة وبإصلاح أهل مملكة نفسه من غير إذن له في الرجوع إلى خارج مملكته, وهو مقام النبوة المفردة عن الرسالة أو يأذن له مع ذلك بإصلاح المملكة الخارجة وهو الرسالة المفردة عن الخلة أو يختاره مع ذلك لنفسه ممتازا به عن سائر رسله معيدا له كرة أخرى غير العود الأول, فإن العود الأول كان بطرح كل ما أخذ وبهذا العود يعود معه جميع ما أعطاه الله وهو جميع ما سواه وهو الخلة, فإن استكمل مقام الخلة بأن كان مقامه مع الحق هو مقامه مع الخلق مع التمكن في ذلك اختاره للإمامة وتفويض جملة الأمور إليه بحيث لا يسقط ورق من شجر إلا بإذن وكتاب وأجل منه, وليس وراء هذه مقام ومرتبة, وقد علم من هذا أن كل إمام خليل وكل خليل رسول وكل رسول نبي وكل نبي عبد وليس بالعكس, وأن الإمامة بهذا المعنى هو الجمع بين المقام في الخلق والمقام عند الحق من غير قصور في شىء منهما, مع التمكن في ذلك"٢. هذا ما قاله ذلكم المفسر عن مقام الإمامة, ولئن كان وقوفي عند كثير من كلماته كثيرا وكثيرا, فإن أشده دهشة وأعظمه استغرابا عند قوله المنقول آنفا " ... اختاره للإمامة وتفويض جملة الأمور إليه بحيث لا يسقط ورق من شجر إلا بإذن وكتاب وأجل منه" لا يدهشني قوله: "وليس وراء هذه مقام ورتبة" لأني

стр. 396

أعتقد أنه ليس بعد مقام الألوهية مقام والرجل خص مقام الإمامة بأدق خصائص الألوهية والعياذ بالله, فهل يعتقد أن المرء يترقى في مقامات الكمال حتى يصل إلى مقام الإمامة بخصائص الألوهية, أو يعتقد أن مقام الإمامة ومقام الألوهية سيان ورمزان لمعنى واحد, أو يعتقد غير هذا وذاك؟ وكلها اعتقادات لا تخرج بحال من الأحوال عن الانحراف, والإلحاد في آيات الله. اصطلاحات ورموز: وتفسيره مليء باصطلاحات الصوفية ورموزها, ولو ذهبنا نذكر أمثلة لخرجنا عن حد الاعتدال في عرض المقصود إلى الإطناب ونسلم من الخروج عنه بذكر بعضها, فمن ذلك: القرية: للقرية في قوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ ١. فسرها بقوله: "إن كان النزول في ضعفاء مكة فلا اختصاص لها بهم كما في الخبر فالقرية مكة, وكل قرية لا يجد الشيعة فيها وليا من الإمام ومشايخهم، وكل قرية وقع بها الأئمة بين منافقي الأمة وقرية النفس الحيوانية التي لا يجد الجنود الإنسانية فيها وليا, ويطلبون الخروج منها إلى قرية الصدور ومدينة القلب ويسألون الحضور عند إمامهم أو مشايخهم في بيت القلب خاليا عن مزاحمة الأغيار بقولهم: ﴿وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ "٢. اليتيم: في قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُم﴾ ٣, قال في تفسيره: "اعلم أن

стр. 397

اليتيم كالرحم روحاني وجسماني, فالجسماني من انقطع من صغره عن أبيه الجسماني، والروحاني من انقطع عن إمامه الذي هو أبوه الروحاني كما ورد تصريحا وإشارة. واليتيم عن الإمام إما بغيبته عن شهود حسه بموت وغيره أو بغيبته عن شهود بصيرته بعدم استعداد الحضور وعدم حصول الفكر الذي هو مصطلح الصوفية, فإن من لم يتمثل مثال الشيخ في صدره ولم يشاهد صورته المثالية بعين بصيرته كان منقطعا عن إمامة وحقه الخدمة والمواساة والمحبة والنصيحة التي يعطون الميثاق عليها, هذا هو اليتيم الروحاني في العالم الكبير. وأما في العالم الصغير فالقوى الحيوانية والبشرية ما لم تبلغ في التبعية للنفس إلى مقام التمتع والالتذاذ بشهود النفس لشيخها تكون يتامى ومالها وحقها التلذذ بمشتهياتها ومقتضياتها في الحلال, فإن التلذذ في الحلال جعل قسيما لتزود المعاد في الأخبار"١. البروج والسراج والقمر: وذلك في تفسيره لقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ ٢. فسر البروج بقوله: "يجوز أن يراد بالبروج الكواكب السيارة ... أو أن يراد اللطائف النبوية والولوية المحصورة كلياتها في اثنتي عشرة غير المنتهي جزئياتها إلى حد المحدودة بحسب الأمهات إلى مائة وأربعة وعشرين ألفا أو مائة وعشرين ألفا أو مائة ألف، وأن يراد الأنبياء "على" والأولياء "على" فإنهم بتعلقهم بأبدانهم الأرضية أركان الأرض، وبتجردهم الذاتي عن أرض الطبع أركان السماء, وأن يراد الجهات الفاعلية المحيية والمميتة والمفيضة للأرزاق أو المفيضة للعلوم والمعبر عنها بإسرافيل وعزرائيل وميكائيل وجبرائيل"٣. وفسر ﴿سِرَاجًا وَقَمَرًا﴾ بقوله: "والمراد بحسب التأويل من السراج لطيفة

стр. 398

الولاية, فإنها المضيئة بذاتها ومن القمر لطيفة النبوة والرسالة, فإنها كاسبة للنور من الولاية"١. التعليم والتلقين: وقد بين كيفية التعليم والتلقين عند الصوفية عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ ٢, فقال: "وقد بقي بين الصوفية أن يكون التعليم والتلقين بتعاضد نفسين متوافقتين, يسمى أحد الشخصين هاديا والآخر دليلا والشيخ الهادي له الهداية وتولي أمور السالك فيما ينفعه ويجذبه والشيخ الدليل ينصره لمدافعته الأعداء ويخرجه عن الجهل والردى بدلالته طريق التوسل إلى شيخ الهدى, وفي الآية إشارة إلى أن السالك ينبغي له أن يطلب دائما حضوره عند شيخه بحسب مقام نورانيته ومقام صدره, وهو معنى انتظار ظهور الشيخ في عالم الصغير, وأما ظهور الشيخ بحسب بشريته على بشرية السالك فلا يصدق عليه أنه من لدن الله, وإذا ظهر الشيخ بحسب النورانية كان وليا من لدن الله ونصيرا من لدنه"٣. وبعد: هذه أمثلة من تفسيره الصوفي رأينا فيها كيف جنح بصوفيته في تفسير القرآن الكريم من معانيها الظاهرة إلى رموز واصطلاحات وإشارات, فجعل مثلا القرية قرية النفس واليتيم من لا إمام له والبروج الأنبياء والأولياء أو الجهات الفاعلية المحيية والمميتة والسراج الولاية والقمر النبوة والولي والنصير الشيخ الهادي والشيخ الدليل، وغير ذلك من الأوهام التي جرفه إليها تصوفه والمعاني التي لا يدل عليها لفظ ظاهر, ولا دليل صحيح. ولا يفوتني أن أذكر هنا أني إنما ذكرت من تفسيره الجانب الصوفي, إذ إني أكتب عن المنهج الصوفي عامة وليس عن تفسيره خاصة فإن طلبت أبرز عقائده

стр. 399

أجملتها بأنه شيعي إمامي متطرف يعتقد أن عليا وارث علم محمد ﷺ وبعده الأئمة الأحد عشر من ولده، وأن العترة هم المبينون للقرآن الكريم, وأن علم القرآن عندهم وما عداهم فعلمه قاصر ويعتقد بتحريف القرآن وتبديله, ويقول بالرجعة وجواز نكاح المتعة وبمسح الرجلين في الوضوء، وأن الأنبياء يورثون وينكر رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة، وغير ذلك من عقائد الشيعة. والتفسير يحتوي على خرافات وأوهام في العقائد وفي القصص وفي الأخبار لا يجمعها سليم العقيدة ولا يدونها سليم الرأي، لا أريد أن أعدد بعضها من غير إثبات لنصوصها, ولو فعلت هذا وذاك لطال بنا الحديث ودلفنا عن المراد, ولعل فيما ذكرنا من تفسيره الصوفي وفاء ولو بعض وفاء بالموضوع.

стр. 400

ثانيا: ضياء الأكوان في تفسير القرآن المؤلف: قالوا في تعريفه: إنه العارف بالله تعالى أحمد سعد عثمان علي العقاد. ولد بمدينة الفيوم سنة ١٣٠٧, وإنه من سلالة الأولياء والصالحين فقد كان أجداده من السادة الصوفية, ولهم مؤلفات عديدة ومخطوطات كثيرة في كافة علوم التصوف والفقه والتفسير. وقالوا: إن العناية الإلهية أرادت به أن يلتقي بالعارف بالله السيد محمد ماضي أبي العزائم فوجهه نحو الاستقامة. والتحق بالأزهر سنة ١٣٢٤ ولما انتهت دراسته فيه عينته وزارة الأوقاف إماما وخطيبا في أحد المساجد, فاشتغل فيه بالتدريس للعامة. وله عدد من المؤلفات منها ما طبع, ومنها ما لم يزل مخطوطا. ومن الأول: ١- الدين النصيحة. ٢- كنوز العارفين في ميراث الأنبياء والصالحين. ٣- كتاب الهجرة النبوية. ٤- كتاب مواهب الإنسان. ٥- الأنوار القدسية في شرح أسماء الله الحسنى. ٦- السعادة في الدخول من باب التوبة. ومن الثاني: ١- ريحانة العارفين في حكمة أحكام الدين.

стр. 401

٢- الشرف الأعلى في إسراء من "دنا فتدلى". ٣- الإنسان الكامل. ٤- مقامات أهل اليقين. ٥- الفقه على المذاهب الأربعة. وفاته: توفي في ١٦ صفر سنة ١٣٧٣ ١. تفسيره: وأما تفسيره "ضياء الأكوان في تفسير القرآن" فقد صدر منه تفسير الجزء الأول والجزء الثاني من القرآن الكريم، وصدرت الطبعة الأولى سنة ١٣٩١ ولم أحصل إلا على الجزء الثاني من التفسير, ويحتوي على تفسير الجزء الثاني من القرآن الكريم. وقد حدَّد المؤلف في مقدمة الجزء الأول منهجه بقوله: "فقد عزمت -بحول الله تعالى وقوته- على كتابة تفسير للقرآن الكريم يكون سهل العبارة ريّق الإشارة يجمع بين جمال تفسيره وأسرار تأويله متحريا في ذلك الصحيح من الأقوال مجتنبا الحشو، والتطويل"٢. وكتب الدكتور عبد الحليم محمود مقدمة للجزء الثاني جاء فيها: "ولصاحب الفضيلة الشيخ أحمد في تفسيره أنفاس مباركة ولمحات روحية طيبة نابعة من ممارسته للتصوف علما وعملا. وقد شاعت هذه الأنفاس واللمحات في تفسيره؛ فزادته بهجة إلى بهجة ونورا على نور"٣. وقد انتشرت هذه الأنفاس التي أشار إليها عبد الحليم في هذا التفسير وتباعدت, وتتبعت عددا منها وجعلت لها عناوين هي من عبارات الصوفية أولا,

стр. 402

ويدور عليها الحديث ثانيا, ووردت بحروفها ثالثا, قصدت من إيرادها إثبات نهجه النهج الصوفي في التفسير وهذه بعضها: التجلي: في تفسير قوله تعالى: ﴿مِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ ١ قال: "ويعني: التوجه للكعبة حق وكأن الله تعالى يقول: أنا الحق وتجليت بنور الحق على الكعبة المكرمة. فالمعظم لها إنما يعظم الحق والزائر لها إنما يزور الحق فبنور الروح ترى الحق متجليا في رسول الله وفي كتاب الله وفي الكعبة المكرمة تجليا خاصا لأهل المعرفة, جعلنا الله ممن خضعوا للحق وعرفوا الحق"٢. الصلاة: وفي تفسير قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ ٣, قال: "وللعارفين مشاهد, فصلاة الجسم بالحركات الظاهرة, وصلاة القلب بالحضور والخشية, وصلاة النفس بالخوف والأدب, وصلاة الروح بشهود الحق متجليا مشهودا بأنواره, حيث أشار لذلك رسول الله بقوله: "وجعلت قرة عيني في الصلاة" فالمؤمن لا تقر عينه ويشرح صدره إلا بشهود مولاه قريبا حاضرا جميلا جليلا"٤. الحج: وفي قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّه﴾ ٥ تحدث عن الحج المعروف عند المسلمين ثم ذكر نوعا آخر من الحج هو الحج عند من سماهم العارفين

стр. 403

فقال: "ولكن للعارفين حج آخر يحجونه متى اشتاقوا لحبيبهم وهو حج الروح لا يتكلفون سفرا ولا انتقالا؛ لأن مطلوبهم في أنفسهم وهو القلب الذي هو بيت الله العامر بأسرار الله وأنواره, وقد قال بعض العارفين: عجبت لمن يحن ويرحل لبيت الخليل١ وهو الكعبة, كيف لا يحن ويشاهد العجائب في بيت بناه الرب الجليل وهو القلب والغرض من القلب هو العامر بالإيمان والحب والتقوى والرحمة, فهو كنز السعادة فكعبة الأشباح بمكة المكرمة وكعبة الأرواح معك وهو قلبك, فاحرص على الطواف حول المعاني التي فيك يتجل لك خالقك وبارئك متعنا الله بتلك المعاني"٢. أما نحن المسلمون فنحمد الله أن حمانا من هذه المعاني الضالة التي تمس حرمة بيت الله, وتقلل من شأن ركن من أركان الإسلام لمصلحة شبهة من شبهات الشيطان. شراب المعاني: وأشار إلى هذا عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ ٣, فقال: "فحرمها الله تحريما كليا؛ لأنه علم من قلوبهم الاستعداد لقبول الأمر وذوقهم لحلاوة المعاني الروحية التي هي ألذ عند النفوس من كل شراب, وهي الراح الطهور التي من شرب منها كأسا هام في الحبيب واطلع على السر العجيب"٤. الذكر: قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُم﴾ ٥ فسر المؤلف الذكر هنا بقوله: "والذكر له ثلاث حقائق: ذاكر ومذكور وذكر. فالذاكر هو

стр. 404

العبد الطائع، والمذكور هو الرب النافع, والذكر صفة تسكن في قلب العبد فتوقظه وتنوره وتشرح صدره وتصله بربه" ثم ذكر صفة الذكر فقال: "والذكر إما باللسان ليذكر غيره, أو بالقلب ليتذكر ما فيه من أسرار ربه وذكر القلب أنفع للذاكر, والكمال أن يجمع العبد بين ذكر القلب واللسان فينفع نفسه وينفع إخوانه، أما ذكر اللسان فهو أن تقول: الله الله بأدب وخشوع حتى يشرق عليك نور الاسم أو تذكر إخوانك بنعم الله وتشوقهم إلى جماله حتى يصطلحوا عليه, أما ذكر القلب فهو أن تفكر وتتذكر ما فيك من روح وعقل وحواس وإيمان وجمال"١. حقيقة الإنسان: تحدث بذلك عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِين﴾ ٢ فقال: "ولما كان الإنسان مكونا من حقيقتين: الأولى روحية والثانية بشرية, فالروحية تتنجس بالمعاصي والبشرية تتنجس بالجنابة والحيض والنفاس وجميع النجاسات والعبد لا يؤذن له بالدخول في الحضرة الإلهية إلا إذا تطهر من النجاستين، وتجمل بالطهارتين" ثم قال: "فيعلم من ذلك أن سالك الطريق إلى الله يجب عليه أن يعتني بالظاهر والباطن حتى يتجمل بجمال أسمائه تعالى الظاهر والباطن؛ ولهذا السر قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِين﴾ يعني: يا أيها المؤمن لست معصوما من الوقوع في النقائص, فبادر بالتوبة وهي انغماسك في بحر اسمه التواب فتخرج وعليك حلل الجمال والكمال ويمنحك الله الحب بسبب اعترافك بالنقص, وذلك يكون بكثرة تكرار التوبة والتواب هو الذي يشعر بالنقص في نفسه فيجعله يتوب في كل نفس, فينال مقام المحبة فالنقص عند العارفين معراج إلى الكمال" ثم قال: "فاعرف سبيل الوصول إلى مقام المحبة وحافظ على طهارة الضمير وطهارة الجسم فتتمكن من مقام المحبوبين"٣.

стр. 405

جنة الشهود: وإن شئت أن تعرف بعد هذا رأيه في ثواب التائبين قبل ثواب الآخرة, فقد أورده عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ١ فقال: "وقد ذاق العارفون حلاوة هذا السر, فرجعوا من الأكوان إلى المكون ورجعوا من أنفسهم إلى بارئها, ومن رجع إلى الله بالتوبة فقد وصل إلى الله وقامت قيامته ونصب له الميزان ودخل جنة الشهود وسيدخل جنة النعيم, إن شاء الله بغير حساب"٢. إيلام الحواس: ذلكم أن المؤلف جرى على نهج الصوفية في اعتقادهم أن إيلام الحواس يوصل العبد للصفات الملكية, وهذا ما زعمه عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ ٣. فقال: "والمراد بالجوع الصيام, فإنه يؤلم البشرية ويوصل العبد للصفات الملكية, بل يرفعه إلى الحظائر القدسية" إلى أن قال: "ومن هذه الآية عرف أهل الطريق أن الحس لا يأخذ العبد بشهادته وحكمه فهو كثير الخطأ يرى: اللذة في الأموال والأنفس والثمرات والحق تعالى يراها في المؤلم للحس والمخوف للنفس, فالحس قاطع لطريق الآخرة محجوب بمناظره وظواهره. فكل مؤلم فيه خير كما قال الحكماء: كل مر دواء ومتى انكشفت تلك الحقائق يسجد العبد شكرا لله على عنايته به في البلاء وترتفع ستائر عن النتائج؛ فتزول المرارة وتحل محلها اللذة والبهجة والسرور"٤. ومما لا شك فيه أن هذا ليس هو منهج الإسلام الذي أطلق ميزانه بقوله:

стр. 406

"عجبا لأمر المؤمن, إن أمره كله خير وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن, إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له, وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له" ١ وأطلقه بقوله: "وفي بضع أحدكم صدقة" قالوا: يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: "أرأيتم لو وضعها في حرام كان عليه وزر, فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر" ٢ وأطلقه بقوة لأولئك النفر الذين قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر, وقال ثالثهم: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا, فأعلنها رسول الحق: "أما والله, إني لأخشاكم لله وأتقاكم له, لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء, فمن رغب عن سنتي فليس مني" ٣. هذا هو منهج الإسلام في إيلام الحواس وما أخال هؤلاء الذين اعتقدوا أن إيلام الحواس يوصل العبد للصفات الملكية, ما أخالهم إلا رغبوا عن سنته ﵊ ولذلك فهم يفرحون ويستبشرون بالابتلاء, ويسألون الله الحفظ إذا وقعت عليهم النعمة, وهذا ما قالوه في الابتلاء. الابتلاء: وذلك عند قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ ٤. فقال: "ولا بد أن يكون الاسترجاع بالقلب والروح لا باللسان فقط, فالمؤمن إن أتته النعمة تنبه وخاف أن تكون بلية وسأل الله الحفظ, وإن أتته البلية فرح واستبشر؛ لأن في طيها عطية, جعلنا الله من أهل اليقظة٥ والحضور"٦.

стр. 407

الصيام: والصيام الحقيقي كما يقول في تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْل﴾ ١: "والصيام الحقيقي يكون بسبع جوارح: صوم البطن عن الأكل والشراب, وصوم الفرج عن النكاح, وصوم اللسان عن كل ما لا يرضي الله تعالى, وصوم العين عن النظر إلى المحرمات, والأذن عن التجسس على العورات, واليد عن إيذاء الخلق أو كتابة ما يسيء لأحد, والرجل عن السعي إلى ما يغضب الله, وهذا هو الصيام الكامل الذي يجعل صاحبه تتفتح له أبواب الجنان, وتغلق له أبواب النيران"٢. حدود الله: أما المراد بقربها المنهي عنه في قوله تعالى من الآية السابقة: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا﴾ فخصه بأهل اليقين فقال: "يعني: يا أهل اليقين, لا تقربوا الحدود واجعلوا بينكم وبينها سدا من الحلال حتى لا تقربوا منها, ولقد كان بعض الصحابة يقول: كنا نترك سبعين بابا من الحلال مخافة أن نقع في باب واحد من الحرام, والعارفون بالله يرون أن الدنو من المنكر أشد من الدنو من النار الملتهبة أو الوحوش المغتالة أو الحشرات السامة"٣. إتيان البيوت: المبين في قوله تعالى: ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون﴾ ٤. فسره بقوله: "وفي الآية إشارة لأهل الذوق والفهم, وهي أن العلوم التي يجب أن يطلبها العبد أولا ويحرص عليها ويجتهد في البحث عنها هي العلوم

стр. 408

الدينية كعلم التوحيد وعلم الفقه وعلم التصوف, أما بحث الإنسان عن علم الفلك وعلوم الحساب والرياضة والجغرافيا قبل أن يتمكن من العلوم الدينية فهو خطأ, ومثاله كمن يأتي البيوت من ظهورها فكأن الحق يقول: ادخلوا إلى حضرات القرب من باب السعادة والعناية, وهو فهم العلوم الشرعية, ولا تعكسوا الأمر فتطلبوا علوم الدنيا فقط"١. جهاد النفس: وتحدث عن جهاد النفس في تفسيره لقوله تعالى: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٢ قال: "ومن أراد أن يذوق حلاوة الجهاد في نفسه فعليه أن يسل عليها سيوف العزم والمحاسبة, ويقهرها في قيود الشريعة حتى لا تلتفت إلى منكر أو محرم وتحيا فيها المعاني اللطيفة فيكون صاحبها فتح الله له باب الملكوت, ونصره على أعدى الأعداء وهي النفس, فإذا حارب الكفار تمت له السعادتان: سعادة النفس والآفاق, فيتجلى له الحق ويأنس بالحق ويزول الباطل, جعلنا الله من المجاهدين في سبيله"٣. منى: ومنى من المشاعر المقدسة في الحج, لكن المؤلف يفهم منه معنى آخر عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَات﴾ ٤ فقال: "لما أكرم الله الحجاج بالوقوف بعرفة ثم الذهاب إلى منى, وفيه الإشارة بأن الله تعالى أعطاهم المنى أو تجلى لهم بسر كرمه وحبه ونوره وظهوره؛ لهذا قال لهم: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَات﴾ "٥.

стр. 409

أدب الدعاء: وهي آداب خص بها العقل والقلب والروح, بينها عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ ١. فقال في بيانها: "ونحن نؤمن أن هذا القرب كما يليق بنزاهة جنابه فالعقل نقول له: تأدب واعتقد أن قرب الله هو إحاطة بك وقهر لك تحت سلطانه, فلا تخرج عن الحدود والقلب نقول له: شاهد أنوار الله في آياته الدالة على أنه أقرب إلينا من كل قريب, فالأشياء قامت به وهو قيومها وهي عدم والوجود منه, فإن جاءتك نعمة فهو الموصل لها إليك بالوسائل والأسباب, ونقول للروح: شاهدي أنوار تجليه وظهور معانيه فظهور المعاني يستر المباني ويجعلها أقرب للقلب من كل روحاني وجسماني, وقد وصل العارفون إلى الله على معراج اسمه القريب, فإنهم خشعوا وتأدبوا وشاهدوه قريبا مجيبا"٢ الأولياء: وقد خص المؤلف في تفسيره الأولياء بخصائص وأولاهم عناية كبيرة, وهذه بعض تلك المواضع: شهادة الأولياء: يختلف الأولياء بالشهادة عن غيرهم, فغيرهم يستشهد بالقتل في ميدان الجهاد, أما الأولياء فاستشهادهم بالقتل بسيف المحبة وسهام مخالفة النفس وسيف طلب العلم, نص على هذا عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ ٣ حيث قال: "والأولياء لهم قدم صدق في هذه الحياة, فإن منهم من قتل بسيف المحبة, ومنهم من قتل بسهام مخالفة النفس, ومنهم من قتل بسيف طلب العلم والسهر في تحصيله والتلذذ به ونسيان

стр. 410

البشرية فيحييهم الله في برازخهم, ويكتبهم عنده شهداء, جعلنا ممن استنارت بصائرهم فشاهدوا تلك الحقائق"١. زيارة الأولياء: وهو لا يحث على زيارة الأولياء فحسب, بل يوجب إعانة زوار الأولياء وتقديم المال والطعام اللازمين لهم, وعد زوار الأولياء من أبناء السبيل الذين تدفع إليهم الزكاة المستحبة والواجبة "وساوى" بين المسافر الذي يطلب العلم والمسافر الذي يزور الأولياء, قال بهذا عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ..﴾ ٢ الآية, ففسر ابن السبيل بقوله: "وابن السبيل هو المسافر الذي يطلب العلم أو يزور الأولياء أو ينظر في آيات الله أو يتعرف بإخوان المؤمنين, فله حق على من نزل بهم أن يكرموه ويدخلوا عليه السرور ويعطوه مما أعطاهم الله" ثم قال: "وإذا دعا ابن السبيل لمن أكرمه استجاب الله دعاءه, فهو من رتبة المهاجرين الذين تركوا الأوطان والخلان"٣. رياض الأولياء: ولم يكتف بوجوب إعانة زوار الأولياء, بل جعل رياض الأولياء من الأماكن الطاهرة التي تستجاب فيها الدعوات, فقال: "والأفضل أن يتحرى العبد أوقات الإجابة كوقت السحر والأماكن الطاهرة كالمساجد ورياض الأولياء, ويقدم التوبة والاستغفار ويتوسل برسول الله ﷺ ويرفع شكواه إلى الله معتقدا في نفسه أنه كالغريق, ولا يأخذ بيده إلا مولاه القادر"٤ ومن المعلوم أن التوسل برسول الله ﷺ لا يجوز أيضا.

стр. 411

ذنوب الأولياء: ولكن والحق يقال لم يعتقد العصمة للأولياء, ونص على هذا عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُم﴾ ١ فقال: "فإذا وقع من الولي ذنب فلا تعرض عنه؛ فإنه يذنب ويتوب, ومن اعتقد العصمة في الأولياء فقد أخطأ, فاقتدِ برسول الله ﷺ فهو الإمام المعصوم"٢. وإلى هنا نكتفي بما ذكرنا من تفسيره الصوفي, ولعل فيه إن شاء الله كفاية لمرادنا.

стр. 412

رأيي في التفسير الصوفي الحديث: استدل المتصوفة على صحة تفسيرهم بقوله تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ ١, وقوله سبحانه: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ ٢, وبقوله ﷺ : "لكل آية ظهر وبطن, ولكل حرف حد, ولكل حد مطلع" ٣ واستدلوا بحادثة استدعاء عمر لابن عباس في مجلسه مع أشياخ بدر ﵃ أجمعين- وقد سبق بيان الحادثة. هذا هو أهم ما استدلوا به لصحة تفسيرهم, وأن هذا دليل على سلامة تفاسيرهم وأن لها أصلا شرعيا. ونحن لا ننكر وجوب التدبر في القرآن الكريم, ولا ننكر أيضا أن يكون لمعاني القرآن معانٍ ظاهرة متبادرة للذهن ومعانٍ أخرى حق تحتاج إلى تدبر وتمعن, يؤتيه الله من يشاء من عباده وتتفاوت فيه الدرجات, لكنا نرفض كل الرفض أن يكون هذا النوع هو الذي يزعمه الصوفية من إشارات ورموز وطلاسم قوامها الوجد والذوق، تذهب صفاء القرآن الكريم ونقاءه. ولا بد أن نبين هنا رأيا لم نكد نجد أحدا قال به إلا الدكتور السيد أحمد خليل, الذي أجمل الإشارة إليه وليته زادها تفصيلا٤.

стр. 413

إنه يجب أن نفرق بين نوعين من التفسير, هما: ١- التفسير الإشاري. ٢- التفسير الرمزي. أما الأول فحق, وهو ينقسم إلى قسمين: تفسير إشاري معنوي. وتفسير إشاري لفظي. ونريد بالتفسير الإشاري المعنوي: التفسير المرتبط بإشارة المعنى العام للآية أو السورة, وهي الدلالة على معنى آخر يستبطن المعنى الإجمالي فهما يؤتيه الله من يشاء من عباده لا يخالف نصا, ولا يجافي لفظا, ولا يجاوز معنى حقا. ومن هذا النوع ما سبق ذكره من استدعاء عمر لابن عباس ﵃ في مجلسه مع شيوخ بدر ﵁ وسؤال عمر لهم: ما تقولون في قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ ؟ فقال بعضهم: أمرنا نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا, وسكت بعضهم فلم يقل شيئا, فقال لي: أكذلك تقول يابن عباس؟ فقلت: لا قال: فما تقول؟ قلت: هو أجل رسول الله ﷺ , أعلمه له قال: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ وذلك علامة أجلك, ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تقول, رواه البخاري. ومن هذا النوع أيضا ما رواه ابن جرير الطبري لما نزلت: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ ١ وذلك يوم الحج الأكبر, بكى عمر فقال له النبي ﷺ : "ما يبكيك؟ " قال: أبكاني أنا كنا في زيادة من ديننا, فأما إذ كمل فإنه لم يكمل شيء إلا نقص! فقال: "صدقت" ٢. كل هذا المعاني معانٍ باطنة لا تخالف المعنى الظاهر للآية, ولا تنتهك نطاق لفظه ولا حدود معانيه, فكان القبول لها حليفا. ونريد بالتفسير الإشاري اللفظي: التفسير المرتبط بإشارة لفظه خاصة

стр. 414

يستدل بها على معنى آخر يستبطن معناها في سياقها العام, ومن هذا النوع من التفسير ما استدل به العز بن عبد السلام على صحة أنكحة الكفار من قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ ١ ومنه أيضا ما استدل به المفسرون من قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ ٢ بأنه "عبر عنه بهذه العبارة إشارة إلى جهة وجوب المؤن عليه؛ لأن الوالدات إنما ولدن للآباء ولذلك ينسب الولد للأب دون الأم"٣. هذا هو التفسير الإشاري السليم بقسميه, فهم لا يعكر معنى ولا يخالف نصا ولا يجافي لفظا بل يستمد مقوماته من النص الماثل أمامه من غير تحريف ولا تأويل خارج عن حدود الدين واللغة, وهو الذي تدل عليه النصوص والأدلة التي استدلوا بها لصحة التفسير الإشارى إذ هذا هو ما تدل عليه. أما النوع الذي يجب أن نفرق بينه وبين التفسير الإشاري فهو التفسير الرمزي, وهو التفسير الذي سلكه الصوفيون وهم يحسبون أنهم يسلكون الأول وما هم بسالكيه. ذلكم أن التفسير الرمزي تفسير صوفي يعتمد في سبيل الوصول إلى المعرفة على منهج قوامه الوجد والذوق والترقي في مقاماتهم, حتى يصل المتصوف مقام العرفان فتفيض عليه -بزعمهم- مكنونات العلم وأسرار المعرفة, بل يصل إلى أبعد من هذا فتفوض جملة الأمور إليه بحيث لا يسقط ورق من شجر إلا بإذن وكتاب وأجل منه, وليس وراء هذه مقام ومرتبة٤. ولأن تفاسيرهم لا تخضع لقاعدة ولا لأصل, بل تختلف باختلاف مقام الصوفي ومواجده وذوقه؛ لذا "تختلف تفسيراتهم اختلافا شديدا لا يمكن حده أو النظر في أبعاده"٥.

стр. 415

ولهذا جعل الصوفية معجما خاصا باصطلاحات حتى هم أنفسهم لا يعرفون بعضها ويحذرون المريد من الشك فيما لا يفهمه من طلاسمهم, وهذا النوع هو الذي أراده الإمام الغزالي في الصنف الثاني من الشطح عند الصوفية, حيث قال عنه: "كلمات غير مفهومة لها ظواهر رائعة وفيها عبارات هائلة, وليس وراءها طائل, وتلك إما أن تكون غير مفهومة عند قائلها بل يصدرها عن خبط في عقله وتشويش في خياله لقلة إحاطته بمعنى كلام قرع سمعه, وهذا هو الأكثر وإما أن تكون مفهومة له ولكنه لا يقدر على تفهيمها وإيرادها بعبارة تدل على ضميره لقلة ممارسته للعلم وعدم تعلمه طريق التعبير عن المعاني بالألفاظ الرشيقة, ولا فائدة لهذا الجنس من الكلام إلا أنه يشوش القلوب ويدهش العقول ويحير الأذهان أو يحمل على أن يفهم منها معانٍ ما أريدت, ويكون فهم كل واحد على مقتضى هواه وطبعه"١. هذه ناحية من ناحيتين يؤدي إليهما التفسير الذي يقوم على الوجد, والذوق. أما الناحية الثانية فهو ما زعموه من الحب لله وتفريغ القلب من سواه والعشق والهيام, وقسموا أنفسهم حسب تفاوتهم في هذا إلى مراتب, وأعلاها مرتبة الفناء, وهي أن ينتهي سلوكه إلى الله تعالى في الله يستغرق في بحر التوحيد والعرفان بحيث تضمحلّ ذاته في ذاته وصفاته في صفاته, ويغيب عن كل ما سواه ولا يرى في الوجود إلا الله, وهو الذي يسمونه: الفناء في التوحيد"٢. وقد مر بنا أن الغزالي عدّ هذا النوع من شطح الصوفية وأنها "الدعاوى الطويلة العريضة في العشق مع الله تعالى والوصال المغني عن الأعمال الظاهرة, حتى ينتهي قوم إلى دعوى الاتحاد وارتفاع الحجاب والمشاهدة بالرؤية والمشافهة بالخطاب, فيقولون: قيل لنا: كذا وقلنا: كذا"٣.

стр. 416

وقد حرصت في التفسيرين اللذين درسناهما في التصوف وهما: بيان السعادة في مقامات العبادة، وضياء الأكوان في تفسير القرآن: أن يكون أولهما من النوع الأول في التفسير الرمزي وهو التفسير الذي يكثر فيه الألفاظ الغامضة والطلاسم والاصطلاحات، وأن يكون ثانيهما من النوع الثاني فيه وهو ما تكثر فيه عبارات العشق والشوق، حيث جعل الحج عند العارفين حج الروح إلى القلب الذي هو بيت الله العامر وليس إلى بيت الخليل؟! وزعم حلاوة المعاني راحا طهورا من شربها هام في الحبيب, وجعل الذكر ترديد: الله الله حتى يشرق عليك نور الاسم, وجعل شهادة الأولياء بقتلهم بسيوف المحبة وسهام مخالفة النفس ونحو ذلك. وقد حان وقت صلاة الظهر وأنا في مكتبة أحدهم في بلد إسلامي وعدت بعد أدائها والرجل لا يزال في مكانه, وحين سألته: لِمَ لم يصلِّ؟ اكتفى بضحكة أحسبها ساخرة وكأنه يقول كما وصفهم الغزالي في النص السابق: "إنه قام بالوصال المغني عن الأعمال الظاهرة" أما وصاله فقد امتلأت كتبه بشنيع الأقوال, فهو يزعم حب الإله فينادي إلهه بقوله: "أحببتك حبا لا يعدله حب مخلوق لك, اللهم سوى مصطفاك وحده الذي خلقته بالحب ومن الحب وفي الحب" ثم ندم على هذا الاستثناء فأعاده بدونه: "لقد أحببتك يا مولاي حبا لا يساويه حب أحد قبلي, ولن يدانيه حب أحد بعدي"١. وهو يزعم أنه رأى الله لا في صنعه, بل في الحقيقة وعلى الحقيقة فقال: إلهي لم أرد أني رأيتك في صنعك وفي إبداعك وفيما أنشأته في ملكك وتنشئه في ملكوتك فحسب, فهذا ما تراه البهم والعجماوات بل رأيتك في الحقيقة: على الحقيقة"٢. ذكرني هذا بقول الغزالي عنهم: وصال مغن عن الأعمال الظاهرة وادعاء المشاهدة بالرؤية.

стр. 417

خلاصة الرأي: أن المقبول هو التفسير الإشاري على المعنى الذي ذكرته, والمرفوض هو التفسير الرمزي الصوفي الذي لا يقوم على قواعد صحيحة ولا أسس سليمة, وإنما قوامه الوجد والذوق الذي ما أنزل الله به من سلطان. انتهى الجزء الأول, ويليه -إن شاء الله- الجزء الثاني, وأوله الباب الثاني: الاتجاهات العلمية في التفسير

стр. 418

المجلد الثاني الباب الثاني: الاتجاهات العلمية في التفسير الفصل الأول: المنهج الفقهي في التفسير مدخل ... الباب الثاني: الاتجاهات العلمية في التفسير الفصل الأول: المنهج الفقهي في التفسير أنزل الله هذا القرآن العظيم لحِكَم عظيمة، غايتها ونهايتها: ١- تصحيح العقيدة. ٢- تقويم السلوك. أما أولها: فقامت به آيات العقائد، وبنته على قواعد سليمة قوامها أركان الإيمان. أما الثاني؛ فتفلت به آيات الأحكام على وجه اختاره الله لعباده، ضلوا إن عملوا بسواه، وكفروا إن حكموا بغيره. وقد استحوذ هذان الركنان على جُلِّ -أو إن شئت فقل: كل- آيات القرآن الكريم، وما عداهما من آيات القصص والأمثال والوعد والوعيد لا يخرج كله عن تقرير عقيدة أو تقويم سلوك، فهو داخل في دائرة هذين الركنين، لا يخرج عنهما بحال من الأحوال. ولكونه ﵊ هو المبيِّن لما نزل؛ فقد أَوْلَى هذين الركنين جُلَّ اهتمامه وكبير عنايته، فلا تكاد تمر مناسبة أو يقع انحراف في العقيدة عن خطأ أو جهل أو عن عمد من المشركين إلا وبيَّن ﵊ العقيدة الصحيحة ونقاها، من الشوائب كما يُنقى الثوب الأبيض من الدنس فتعود بيضاء نقية؛ بل هي المحجة البيضاء التي لا يزيغ عنها إلا هالك، ولا تكاد تقع حادثة أو قضية من القضايا إلا وبيَّن لهم ﷺ حِكَمَ الله فيها

стр. 419

بما يزول به الباطل، ويظهر به الحق، ويُذعن له المؤمنون، ويحكِّمونه فيما بينهم، ثم لا يجدون في أنفسهم حرجًا مما قضى ويسلموا تسليمًا. بل لم يكن ﷺ في كل هذا أو ذاك ينتظر وقوع حادثة أو سؤال سائل؛ بل كان يشرح لهم جوانب العقيدة، ويبسط لهم أحكام الشريعة على كل حال وفي كل آنٍ، قد يبين هذا من نفسه، وقد تنزل به آيات القرآن؛ فصار هذان منهلَيْنِ ينهل منهما العلماء الأحكام الشرعية. إذًا فلم تكن السنة وحدها مختصة ببيان الأحكام، ولم يكن القرآن الكريم كذلك؛ بل هما معًا المصدر الحق لاستمداد كل هذا. ولا شك أن دلالة النصوص القرآنية لا تظهر بصورة شاملة للحُكْم في كثير من الأحوال، كما أنها لا تدل بصورة قطعية على الأحكام في بعض الأحوال. كما أن السُّنة النبوية ليست على درجة واحدة في الثبوت عن الرسول ﷺ ؛ بل هي تتفاوت بين الصحة والضعف؛ فكان لزامًا لمن أراد استنباط الأحكام الشرعية أن يأخذ بالكتاب والسُّنة معًا، فكلاهما مبيِّن للآخر بالخصوص والعموم أو الإطلاق والتقييد وغير ذلك، ولا يُنكر هذا إلا مكابر معاند. ولهذه الاختلافات في دلالة النصوص القرآنية، وتفاوت ثبوت بعض الأحاديث، وللعَلاقة الثابتة بين الكتاب والسنة، لهذا كله أصبح المجال في غالبه مجال اجتهاد وإعمال ذهن واستنباط؛ بل سَمِّه فقهًا. وبهذا نكون نشأة الفقه مبكرة في صدر الإسلام؛ لكن تطور الاختلاف في الفروع إلى أن يكون لكل طريقة في الاستنباط مذهب فقهي، له قواعده وأصوله ومنهجه في استخراج الأحكام؛ إنما حدث في القرن الثاني الهجري؛ حيث نشأت المذاهب الفقهية المعروفة، والمعترَف بسلامة أصولها وصحة قواعدها، وهي: ١- المذهب الحنفي. ٢- المذهب المالكي. ٣- المذهب الشافعي. ٤- المذهب الحنبلي.

стр. 420

وقد ظهرت مذاهب أخرى؛ لكنها اندثرت أو لم تكن كالمذاهب الأربعة؛ من حيث: سلامتها، وكثرة أتباعها، وصحة قواعدها، وأمثلة هذا مدرسة الليث وابن أبي ليلى والأوزاعي والطبري، وأبي داود الظاهري والجعفري والزيدي والإباضي، وغير ذلك. وقد سعى أتباع كل مذهب فقهي إلى آيات الأحكام في القرآن الكريم؛ يفردونها بالتأليف، يفسرونها حسب قواعد مذهبهم في استنباط الأحكام؛ فخرجت تفاسير لآيات الأحكام لا تكاد تجد بينها وبين كتب الفقه كبير فارق؛ ذلكم أن أصول الاستنباط وقواعده واحدة، وخالط بعضها تعصب للمذهب مذموم، وجاء بعضهاالآخر محمودًا. فمن المؤلفات في ذلك: - من المذهب الحنفي: تفسير أحكام القرآن لأبي بكر الرازي المعروف بالجصاص، ويقع في ثلاثة مجلدات. - ومن المذهب المالكي: تفسير أحكام القرآن لأبي بكر ابن العربي، ويقع في أربعة مجلدات، ومنه أيضًا تفسير الجامع لأحكام القرآن لأبي عبد الله القرطبي، ويقع في عشرة مجلدات كبار. - ومن المذهب الشافعي: كتاب أحكام القرآن، جمعه أبو بكر البيهقي من نصوص الإمام الشافعي، ويقع في مجلد واحد، وأحكام القرآن للكيا الهراسي، ويقع في مجلدين، وكتاب الإكليل في استنباط التنزيل لجلال الدين السيوطي في مجلد. - أما المذهب الحنبلي: فلم أجد تفسيرًا -مطبوعًا- لآيات الأحكام على أصول هذا المذهب، ولعل تفسير زاد المسير لابن الجوزي وإن لم يكن خاصًّا بآيات الأحكام إلا أنه حنبلي المذهب، وهناك من المخطوطات تفسير أحكام القرآن لأبي يعلى، وتفسير الخرقي، وقد سبقت الإشارة إليهما في التمهيد١.

стр. 421

وهناك مؤلفات في تفسير آيات الأحكام لغير هذه المذاهب، لا أرى موجبًا لذِكْرِها. وما ذكرتُه من أمثلة للمؤلفات ليس كل ما كتب فيها؛ فقد اعتنى العلماء في القديم بهذا اللون من التفسير، وإذا ما حوَّلنا النظر إلى العصر الحديث فلا نكاد نجد منها ما يتجاوز أصابع اليد الواحدة، وقد تبين لي من مُطالعتي لهذه التفاسير أن هناك فروقًا بين المؤلفات الحديثة والمؤلفات القديمة؛ أذكر منها: أولًا: أن غالب المؤلفات الحديثة غير شاملة لآيات الأحكام كلها؛ بل تقتصر على بعض الآيات من بعض السور، ولعل سبب ذلك أن هذه المؤلفات إنما وضعت لطلبة الدراسات في الكليات؛ فكان ما يُكتب فيها حسب مناهج الدراسة في هذه الكليات، بخلاف المؤلفات في القديم؛ فهي شاملة لآيات الأحكام الصريحة وغير الصريحة؛ لأنه لا يلتزم منهجًا وضعه له غيره لا يحيد عنه. ثانيًا: أن التفاسير في العصر الحديث لا تلتزم مذهبًا بعينه، فهي تفسر آيات القرآن الكريم حسب المتبادر منها من غير توجيه لها أو صرف إلى مذهب معين؛ ولهذا فلا تجد فيها التعصب للمذهب الذي سرى في بعض المؤلفات القديمة؛ بل إن مؤلفي العصر الحديث يُصرحون في مقدِّمة تفاسيرهم بأنهم لا يلتزمون مذهبًا بعينه؛ وإنما يتبعون ما يرون أنه الحق. ثالثًا: أن التفاسير في العصر الحديث لا تستطرد في الحديث عن فروع الفروع؛ بل تكتفي ببيان مهمات الآيات المدروسة ودلالتها من غير توسع يحوِّل التفسير إلى كتاب فقهي موسَّع بكل أبعاده وجوانبه. وهذا خلاف بعض التفاسير القديمة التي تذكر في تفسير الآية ما لا يمت لها بصلة، ولا مكان له إلا كتب الفقه المطولة. رابعًا: وهذا الفارق متولِّد عن الفارق الذي قبله؛ وهو أن اقتصار المؤلفات الحديثة -على ما ذكرنا- وكونها تؤلف للدارسين جعلها أقل حجمًا من المؤلفات القديمة؛ إذ لا يتجاوز حجم أكبرها مجلدين، بخلاف المؤلفات القديمة التي وصل بعضها إلى عشرة مجلدات كبار.

стр. 422

خامسًا: اختلاف الأسلوب بين العصرين؛ ذلكم أن المؤلِّفين في القديم يكتبون بأسلوب علمي مركز، تحتاج بعض العبارات فيه إلى شرح وبيان، خلاف الأسلوب الحديث الذي يكتب به المتأخرون؛ حيث يُوفِّي العبارة حقها؛ بل قد يزيد التوضيح إلى درجة الإطناب. سادسًا: اعتنى بعض المؤلفين في العصر الحديث بالرد على ما يُثار حول بعض القضايا الفقهية من شبهات؛ كحد قطع يد السارق، ورجم الزاني، وتحريم الربا، وتعدد الزوجات، ونحو ذلك، ولم يكن هذا موجودًا بهذا الاهتمام عند الأولين. وبعد: فإن هذه المزاينا وإن كان ظاهرها أنها لصالح المؤلفين في العصر الحديث؛ فإنها لا تعني أن مؤلفاتهم هي الأفضل؛ بل الأفضل لو كتب أحد المعاصرين تفسيرًا شاملًا لآيات الأحكام -كفعل السابقين- غير ملتزم بمنهج دراسي، وبأسلوب حديث، ويعتني فيه بالرد الواضح على ما يُثار من شبهات، أقول: لو وُجد هذا لكان عندي هو الأفضل، أما والأمر على غير ذلك فلكل من هؤلاء وأولئك فضل لا يُنكر. وإذا ما أردنا أن ندرس تفسير آيات الأحكام في العصر الحديث بشيء من التفصيل؛ فإني أؤثر تقسيمها تقسيمًا عقائديًّا؛ ذلكم أن أتباع المذاهب الأربعة في الفقه كلهم ينص على أنه لا يتعصب لمذهب بعينه من المذاهب الأربعة، فآراؤهم في مجملها لا تخرج عن هذه المذاهب، ورابطتها مذهب أهل السنة. أما الفقه الجعفري؛ فهو وإن كان مذهبًا غير معترَف به عند العلماء المعتبرين، إلا أنا رأينا عدم إغفاله ونحن نكتب عن تفسير آيات الأحكام؛ لتناول مفسري الشيعة لها، وتأويلهم لها حسب مذهبهم الشيعي، وكذا الإباضية تناول بعض مفسريهم آيات الأحكام بما يخالف المذهب الصحيح، فرغبت الإشارة إليه؛ وعلى هذا فسيكون تناولي للفقه على هذا الترتيب. أولًا: فقه أهل السُّنة والجماعة

стр. 423

ثانيًا: فقه الشيعة "الإمامية الاثنا عشرية". ثالثًا: فقه الإباضية. علمًا أن تناولي لفقه أهل السُّنة سيكون على الإجمال ثم على التفصيل: أما الإجمال، فأعرض فيه لتفسير آيات الأحكام عند مَن فسَّر القرآن الكريم كاملًا، أما التفصيل، فدراسة لتفاسير أَفردتْ آيات الأحكام ولم تتناول سواها. وهذا في فقه أهل السُّنة، أما فيمن سواهم فعلى الإجمال دون التفصيل؛ وذلك إما لعدم حصولي على تفسير خاص بآيات الأحكام عندهم، أو لعدم وجود هذا النوع من التفاسير لديهم.

стр. 424

أولا: فقه أهل السنة والجماعة مدخل ... أولًا: فقه أهل السُّنة والجماعة من المسائل الفقهية ما وافقت فيه الشيعة والإباضية أهل السنة والجماعة تمام الموافقة، أو خالفتهم فيه مخالفة لا تُذكر. ومن المسائل -وهو محصور ومعدود- ما كان الاختلاف فيه كبيرًا، وقد يصل إلى درجة التضاد، هذا النوع الأخير من المسائل هو ما أتوسع في الحديث فيه هنا، أما غيره فنذكره -إن ذكرناه- لبيان طريقة تناول هؤلاء وأولئك لآيات الأحكام ليس إلا. ونحن نذكر رأي كل فرقة في مكانه؛ ولذا تتكرر الأبحاث حسب تكرر المذاهب؛ فتتناول مثلًا بحث نكاح المتعة عند أهل السنة عامة، ثم عند مفسري آيات الأحكام آحادًا، ثم نتناوله بإيراد آراء الشيعة عند دراسة فقههم وهكذا. أولًا: غسل الرِّجْلين في الوُضوء في تفسير قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ ١ الآية. اتفق أصحاب المذاهب الأربعة أن فرض الرجلين الغسل وليس المسح، وبسطوا في ذلك حججهم ومنهم؛ الشيخ الشنقيطي -رحمه الله تعالى- حيث قال في تفسيرها: "في قوله: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ ثلاث قراءات: واحدة شاذة، واثنتان متواترتان؛ أما الشاذة: فقراءة الرفع، وهي قراءة الحسن، وأما المتواترتان: فقراءة النصب وقراءة الخفض؛ أما النصب فهي قراءة نافع وابن عامر والكسائي وعاصم في رواية حفص من السبعة، ويعقوب من الثلاثة.

стр. 425

وأما الجر، فهو قراءة ابن كثير وحمزة وأبي عمرو وعاصم في رواية أبي بكر. أما قراءة النصب فلا إشكال فيها؛ لأن الأرجل فيها معطوفة على الوجوه، وتقرير المعنى عليها: فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق، وأرجلكم إلى الكعبين، وامسحوا برءوسكم؛ وإنما أدخل مسح الرأس بين المغسولات محافظة على الترتيب؛ لأن الرأس يمسح بين المغسولات؛ ومن هنا أخذ جماعة من العلماء وجوب الترتيب في أعضاء الوضوء حسبما في الآية الكريمة. وأما على قراءة الجر، ففي الآية الكريمة إجمال؛ وهو أنها يُفهم منها الاكتفاء بمسح الرِّجْلين في الوضوء عن الغسل كالرأس، وهو خلاف الواقع للأحاديث الصحيحة الصريحة في وجوب غسل الرجلين في الوضوء، والتوعد بالنار لمن ترك ذلك؛ كقوله ﷺ . "ويل للأعقاب من النار" ١. اعلم أولًا أن القراءتين إذا ظهر تعارضهما في آية واحدة لها حُكْم الآيتين كما هو معروف عند العلماء، وإذا علمت ذلك فاعلم أن قراءة ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بالنصب صريح في وجوب غسل الرجلين في الوضوء، فهي تفهم أن قراءة الخفض إنما هي لمجاورة المخفوض مع أنها في الأصل منصوبة بدليل قراءة النصب، والعرب تخفض الكلمة لمجاورتها للمخفوض مع أن إعرابها النصب أو الرفع. وما ذكره بعضهم من أن الخفض بالمجاورة معدود في اللحن الذي يتحمل لضرورة الشعر خاصة، وأنه غير مسموع في العطف، وأنه لم يجز إلا عند أَمْنِ اللبس؛ فهو مردود بأن أئمة اللغة العربية صرحوا بجوازه؛ وممن صرح به الأخفش وأبو البقاء وغير واحد، ولم ينكره إلا الزجاج، وإنكاره له مع ثبوته في كلام العرب وفي القرآن العظيم يدل على أنه لم يتتبع المسألة تتبعًا كافيًا. والتحقيق أن الخفض بالمجاورة أسلوب من أساليب اللغة العربية، وأنه جاء في القرآن لأنه بلسان عربي مبين ... ". ثم ذكر الشيخ الشنقيطي ﵀
следующие страницы →