← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 8679

اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر

فهد الرومي

Полный текст (1 278 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

وهناك مؤلفات في تفسير آيات الأحكام لغير هذه المذاهب، لا أرى موجبًا لذِكْرِها. وما ذكرتُه من أمثلة للمؤلفات ليس كل ما كتب فيها؛ فقد اعتنى العلماء في القديم بهذا اللون من التفسير، وإذا ما حوَّلنا النظر إلى العصر الحديث فلا نكاد نجد منها ما يتجاوز أصابع اليد الواحدة، وقد تبين لي من مُطالعتي لهذه التفاسير أن هناك فروقًا بين المؤلفات الحديثة والمؤلفات القديمة؛ أذكر منها: أولًا: أن غالب المؤلفات الحديثة غير شاملة لآيات الأحكام كلها؛ بل تقتصر على بعض الآيات من بعض السور، ولعل سبب ذلك أن هذه المؤلفات إنما وضعت لطلبة الدراسات في الكليات؛ فكان ما يُكتب فيها حسب مناهج الدراسة في هذه الكليات، بخلاف المؤلفات في القديم؛ فهي شاملة لآيات الأحكام الصريحة وغير الصريحة؛ لأنه لا يلتزم منهجًا وضعه له غيره لا يحيد عنه. ثانيًا: أن التفاسير في العصر الحديث لا تلتزم مذهبًا بعينه، فهي تفسر آيات القرآن الكريم حسب المتبادر منها من غير توجيه لها أو صرف إلى مذهب معين؛ ولهذا فلا تجد فيها التعصب للمذهب الذي سرى في بعض المؤلفات القديمة؛ بل إن مؤلفي العصر الحديث يُصرحون في مقدِّمة تفاسيرهم بأنهم لا يلتزمون مذهبًا بعينه؛ وإنما يتبعون ما يرون أنه الحق. ثالثًا: أن التفاسير في العصر الحديث لا تستطرد في الحديث عن فروع الفروع؛ بل تكتفي ببيان مهمات الآيات المدروسة ودلالتها من غير توسع يحوِّل التفسير إلى كتاب فقهي موسَّع بكل أبعاده وجوانبه. وهذا خلاف بعض التفاسير القديمة التي تذكر في تفسير الآية ما لا يمت لها بصلة، ولا مكان له إلا كتب الفقه المطولة. رابعًا: وهذا الفارق متولِّد عن الفارق الذي قبله؛ وهو أن اقتصار المؤلفات الحديثة -على ما ذكرنا- وكونها تؤلف للدارسين جعلها أقل حجمًا من المؤلفات القديمة؛ إذ لا يتجاوز حجم أكبرها مجلدين، بخلاف المؤلفات القديمة التي وصل بعضها إلى عشرة مجلدات كبار.

стр. 422

خامسًا: اختلاف الأسلوب بين العصرين؛ ذلكم أن المؤلِّفين في القديم يكتبون بأسلوب علمي مركز، تحتاج بعض العبارات فيه إلى شرح وبيان، خلاف الأسلوب الحديث الذي يكتب به المتأخرون؛ حيث يُوفِّي العبارة حقها؛ بل قد يزيد التوضيح إلى درجة الإطناب. سادسًا: اعتنى بعض المؤلفين في العصر الحديث بالرد على ما يُثار حول بعض القضايا الفقهية من شبهات؛ كحد قطع يد السارق، ورجم الزاني، وتحريم الربا، وتعدد الزوجات، ونحو ذلك، ولم يكن هذا موجودًا بهذا الاهتمام عند الأولين. وبعد: فإن هذه المزاينا وإن كان ظاهرها أنها لصالح المؤلفين في العصر الحديث؛ فإنها لا تعني أن مؤلفاتهم هي الأفضل؛ بل الأفضل لو كتب أحد المعاصرين تفسيرًا شاملًا لآيات الأحكام -كفعل السابقين- غير ملتزم بمنهج دراسي، وبأسلوب حديث، ويعتني فيه بالرد الواضح على ما يُثار من شبهات، أقول: لو وُجد هذا لكان عندي هو الأفضل، أما والأمر على غير ذلك فلكل من هؤلاء وأولئك فضل لا يُنكر. وإذا ما أردنا أن ندرس تفسير آيات الأحكام في العصر الحديث بشيء من التفصيل؛ فإني أؤثر تقسيمها تقسيمًا عقائديًّا؛ ذلكم أن أتباع المذاهب الأربعة في الفقه كلهم ينص على أنه لا يتعصب لمذهب بعينه من المذاهب الأربعة، فآراؤهم في مجملها لا تخرج عن هذه المذاهب، ورابطتها مذهب أهل السنة. أما الفقه الجعفري؛ فهو وإن كان مذهبًا غير معترَف به عند العلماء المعتبرين، إلا أنا رأينا عدم إغفاله ونحن نكتب عن تفسير آيات الأحكام؛ لتناول مفسري الشيعة لها، وتأويلهم لها حسب مذهبهم الشيعي، وكذا الإباضية تناول بعض مفسريهم آيات الأحكام بما يخالف المذهب الصحيح، فرغبت الإشارة إليه؛ وعلى هذا فسيكون تناولي للفقه على هذا الترتيب. أولًا: فقه أهل السُّنة والجماعة

стр. 423

ثانيًا: فقه الشيعة "الإمامية الاثنا عشرية". ثالثًا: فقه الإباضية. علمًا أن تناولي لفقه أهل السُّنة سيكون على الإجمال ثم على التفصيل: أما الإجمال، فأعرض فيه لتفسير آيات الأحكام عند مَن فسَّر القرآن الكريم كاملًا، أما التفصيل، فدراسة لتفاسير أَفردتْ آيات الأحكام ولم تتناول سواها. وهذا في فقه أهل السُّنة، أما فيمن سواهم فعلى الإجمال دون التفصيل؛ وذلك إما لعدم حصولي على تفسير خاص بآيات الأحكام عندهم، أو لعدم وجود هذا النوع من التفاسير لديهم.

стр. 424

أولا: فقه أهل السنة والجماعة مدخل ... أولًا: فقه أهل السُّنة والجماعة من المسائل الفقهية ما وافقت فيه الشيعة والإباضية أهل السنة والجماعة تمام الموافقة، أو خالفتهم فيه مخالفة لا تُذكر. ومن المسائل -وهو محصور ومعدود- ما كان الاختلاف فيه كبيرًا، وقد يصل إلى درجة التضاد، هذا النوع الأخير من المسائل هو ما أتوسع في الحديث فيه هنا، أما غيره فنذكره -إن ذكرناه- لبيان طريقة تناول هؤلاء وأولئك لآيات الأحكام ليس إلا. ونحن نذكر رأي كل فرقة في مكانه؛ ولذا تتكرر الأبحاث حسب تكرر المذاهب؛ فتتناول مثلًا بحث نكاح المتعة عند أهل السنة عامة، ثم عند مفسري آيات الأحكام آحادًا، ثم نتناوله بإيراد آراء الشيعة عند دراسة فقههم وهكذا. أولًا: غسل الرِّجْلين في الوُضوء في تفسير قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ ١ الآية. اتفق أصحاب المذاهب الأربعة أن فرض الرجلين الغسل وليس المسح، وبسطوا في ذلك حججهم ومنهم؛ الشيخ الشنقيطي -رحمه الله تعالى- حيث قال في تفسيرها: "في قوله: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ ثلاث قراءات: واحدة شاذة، واثنتان متواترتان؛ أما الشاذة: فقراءة الرفع، وهي قراءة الحسن، وأما المتواترتان: فقراءة النصب وقراءة الخفض؛ أما النصب فهي قراءة نافع وابن عامر والكسائي وعاصم في رواية حفص من السبعة، ويعقوب من الثلاثة.

стр. 425

وأما الجر، فهو قراءة ابن كثير وحمزة وأبي عمرو وعاصم في رواية أبي بكر. أما قراءة النصب فلا إشكال فيها؛ لأن الأرجل فيها معطوفة على الوجوه، وتقرير المعنى عليها: فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق، وأرجلكم إلى الكعبين، وامسحوا برءوسكم؛ وإنما أدخل مسح الرأس بين المغسولات محافظة على الترتيب؛ لأن الرأس يمسح بين المغسولات؛ ومن هنا أخذ جماعة من العلماء وجوب الترتيب في أعضاء الوضوء حسبما في الآية الكريمة. وأما على قراءة الجر، ففي الآية الكريمة إجمال؛ وهو أنها يُفهم منها الاكتفاء بمسح الرِّجْلين في الوضوء عن الغسل كالرأس، وهو خلاف الواقع للأحاديث الصحيحة الصريحة في وجوب غسل الرجلين في الوضوء، والتوعد بالنار لمن ترك ذلك؛ كقوله ﷺ . "ويل للأعقاب من النار" ١. اعلم أولًا أن القراءتين إذا ظهر تعارضهما في آية واحدة لها حُكْم الآيتين كما هو معروف عند العلماء، وإذا علمت ذلك فاعلم أن قراءة ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بالنصب صريح في وجوب غسل الرجلين في الوضوء، فهي تفهم أن قراءة الخفض إنما هي لمجاورة المخفوض مع أنها في الأصل منصوبة بدليل قراءة النصب، والعرب تخفض الكلمة لمجاورتها للمخفوض مع أن إعرابها النصب أو الرفع. وما ذكره بعضهم من أن الخفض بالمجاورة معدود في اللحن الذي يتحمل لضرورة الشعر خاصة، وأنه غير مسموع في العطف، وأنه لم يجز إلا عند أَمْنِ اللبس؛ فهو مردود بأن أئمة اللغة العربية صرحوا بجوازه؛ وممن صرح به الأخفش وأبو البقاء وغير واحد، ولم ينكره إلا الزجاج، وإنكاره له مع ثبوته في كلام العرب وفي القرآن العظيم يدل على أنه لم يتتبع المسألة تتبعًا كافيًا. والتحقيق أن الخفض بالمجاورة أسلوب من أساليب اللغة العربية، وأنه جاء في القرآن لأنه بلسان عربي مبين ... ". ثم ذكر الشيخ الشنقيطي ﵀

стр. 426

تعالى- عددًا من الأمثلة من الشعر العربي، فذكر بيتًا لامرئ القيس ثم لذي الرمة ثم للنابغة ثم لامرئ القيس ثانية ثم لزهير ثم لشاعر لم يسمِّه، وأورد بعد ذلك أمثلة لورود الخفض بالمجاورة في القرآن الكريم، وقال بعد هذا كله: "وبهذا تعلم أن دعوى -كون الخفض بالمجاورة لحنًا لا يحتمل إلا لضرورة الشعر- باطلة، والجواب عما ذكروه من أنه لا يجوز إلا عند أمن اللبس هو أن اللبس هنا يزيله التحديد بالكعبين؛ إذ لم يرد تحديد الممسوح وتزيله قراءة النصب كما ذكرنا، فإن قيل: قراءة الجر الدالة على مسح الرجلين في الوضوء هي المبيِّنة لقراءة النصب بأن تجعل قراءة النصب عطفًا على المحل؛ لأن الرءوس مجرورة بالباء في محل نصب على حد قول ابن مالك في الخلاصة: وجر ما يتبع ما جر ومن ... راعى في الاتباع المحل فحسن وابن مالك وإن كان أورد هذا في "إعمال المصدر" فحكمه عام؛ أي: وكذلك الفعل والوصف، كما أشار له في الوصف بقوله: واجرر أو انصب تابع الذي انخفض ... كمبتغي جاه ومالًا من نهض "فالجواب" أن بيان قراءة النصب بقراءة الجر -كما ذكر- تأباه السنة الصريحة الصحيحة الناطقة بخلافه، وبتوعد مرتكبه بالويل من النار، بخلاف بيان قراءة الخفض بقراءة النصب، فهو موافق لسنة رسول الله ﷺ الثابتة عنه قولًا وفعلًا. فقد أخرج الشيخان في صحيحيهما عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: تخلَّف عنا رسول الله ﷺ في سفرة سافرناها فأدركنا، وقد أرهقتنا الصلاة -صلاة العصر- ونحن نتوضأ؛ فجعلنا نمسح على أرجلنا، فنادى بأعلى صوته: "أسبغوا الوضوء، ويل للأعقاب من النار". وكذلك هو في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁. وفي صحيح مسلم عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "أسبغوا الوضوء، ويل للأعقاب من النار". وروى البيهقي والحاكم بإسناد صحيح عن عبد الله بن حارث بن جزء أنه سمع رسول الله صلى

стр. 427

الله عليه وسلم يقول: "ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار". وروى الإمام أحمد وابن ماجه وابن جرير عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "ويل للأعقاب من النار". وروى الإمام أحمد عن معيقيب أن النبي ﷺ قال: "ويل للأعقاب من النار". وروى ابن جرير عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : "ويل للأعقاب من النار"، قال: فما بقي في المسجد شريف ولا وضيع إلا نظرت إليه يقلب عرقوبيه ينظر إليهما. وثبت من أحاديث الوُضوء عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان وعلي وابن عباس ومعاوية وعبد الله بن زيد بن عاصم والمقداد بن معد يكرب: أن رسول الله ﷺ غسل الرِّجْلين في وضوئه إما مرة أو مرتين أو ثلاثًا، على اختلاف رواياتهم. وفي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جَده: أن رسول الله ﷺ توضأ فغسل قدميه، ثم قال: "وهذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به" ١. والأحاديث في الباب كثيرة جدًّا، وهي صحيحة صريحة في وجوب غسل الرجلين في الوضوء، وعدم الاتجزاء بمسحهما٢. ذلكم تفسير الشيخ الشنقيطي لهذه الآية، وقد قال بهذا أيضًا الشيخ عبد الرحمن السعدي -رحمه الله تعالى- ولكن باختصار فقال معددًا الأحكام التي تُؤخذ من الآية المذكورة: "الثالث عشر: الأمر بغسل الرجلين إلى الكعبين، ويقال فيهما ما يقال في اليدين. الرابع عشر: فيها الرد على الرافضة، على قراءة الجمهور بالنصب، وأنه لا يجوز مسحهما ما دامتا مكشوفتين. الخامس عشر: في الإشارة إلى مسح الخفين، على قراءة "وأَرْجُلِكم" وتكون كل من القراءتين

стр. 428

محمولة على معنى؛ فعلى قراءة النصب فيها غسلهما إن كانتا مكشوفتين، وعلى قراءة الجر فيها مسحهما إذا كانتا مستورتين بالخف"١. وكذا الدكتور محمد سيد طنطاوي، فإنه أورد ملخصًا لتفسير القرطبي -رحمه الله تعالى- للآية، ثم أشار إلى أن ابن كثير عقد فصلًا أورد فيه كثيرًا من الأحاديث التي وردت في غسل الرجلين وجعل عنوانه: "ذكر الأحاديث الواردة في غسل الرجلين وأنه لَا بُدَّ منه". وأورد بعض الأحاديث التي ساقها ابن كثير، ثم استدل ببعض الأقوال الأخرى، وختم نُقولَه هذه بقوله: "هذا ومن كل ما تقدم نرى وجوب غسل الرجلين في الوضوء، سواء أكانت القراءة بالنصب أم بالجر، وقد بسطت بعض كتب الفقه والتفسير هذه المسألة بسطًا موسعًا، فليرجع إليها مَن شاء"٢. وبهذا ترى أنه اكتفى بعرض آراء العلماء السابقين المعتبرين في تفسير الآية، واكتفى بتأييد هذه الآراء. ثانيًا: صلاة الجمعة وقد أفاض الشيخ عطية محمد سالم -تلميذ الشيخ محمد الأمين الشنقيطي- في تتمته لتفسير شيخه، أفاض الحديث في أحكام صلاة الجمعة والأذان من قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ ٣ الآية، حتى فاق في فصوله التي عقدها كثيرًا من كتب الفقه المتخصصة، ومن بين هذه الفصول فصل تحت عنوان: "حُكْم صلاة الجمعة عند الفقهاء"، قال فيه بعد إيراد الآية السابقة: "وفيه الأمر بالسعي إذا نُودي إليها، والأمر يقتضي الوجوب ما لم يوجد له صارف، ولا صارف له هنا؛ فكان يكفي حكاية الإجماع على وجوبها، كما حكاه ابن المنذر وابن قدامة وغيرهما، ونقله الشوكاني، وهو قول الأئمة الأربعة ﵏ ولكن وُجد مَن يقول: إن

стр. 429

الجمعة ليست بواجبة، ولعله ظن أن في الآية صارفًا للأمر عن الوجوب، وهو ما جاء في آخر السياق في قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ ، فقالوا: "إن ألأمر لتحصيل الخير المذكور، وقد نُقل عن بعض أتباع بعض الأئمة ﵏ ما يُوهم أنها ليست بفرض، وهو مسطر في كتبهم، مما قد يغتبر به بعض البسطاء، ولا سيما مع ضعف الوازع وكثرة الشاغل في هذه الآونة، مما يستوجب إيراده وبيان ردِّه من أقوال أصحابهم وأئمتهم، ﵏ جميعًا"١. ثم أورد أقوال أصحاب المذاهب الأربعة وأئمتهم بما يثبت به قولهم جميعًا بوجوبها، ثم قال بعدما أورده كله: "فهذه نصوص المذاهب الأربعة في وجوب الجمعة وفَرْضِها على الأعيان؛ فلم يبقَ لأحد بعد ذلك أدنى شبهة يلتمسها من أيِّ مذهب ولا تتبع شواذه للتهاون بفرض الجمعة لنيابة الظهر عنها. ثم اعلم أن في الآية قرينة على هذا الوجوب، وأنه لا صارف للأمر عن وجوب السعي إليها؛ وذلك أن مع الأمر بالسعي إليها الأمر بترك البيع والنهي عنه، وإذا كان ترك البيع واجبًا من أجلها فما وجب هو من أجله كان وجوبه هو أَوْلَى، قال في المغني: فأمر بالسعي، ويقتضي الأمر الوجوب، ولا يجب السعي إلا إلى الواجب، ونهى عن البيع لئلا يشغل به عنها، فلو لم تكن واجبة لما نهى عن البيع من أجلها، وهو واضح كما ترى، والأحاديث في الوعيد لتاركها بدون عذر مشهورة تؤكد الوجوب"٢، ثم ذكر بعض الأحاديث في ذلك. أما الشيخ جمال الدين القاسمي، فقد أوجز العبارة في أحكام صلاة الجمعة، ورَدَّ على مَن زعم فرضية الظهر بعدها، فقال رحمه الله تعالى: "وظاهره أنه لا يشرع بعدها صلاة ما، غير أنه كان ﷺ يتنفل بعدها في بيته ركعتين -وفي رواية: أربعًا- وأما اعتقاد فرضية الظهر بعدها إذا تعددت؛ فتعصب مذهبي لا برهان له"٣.

стр. 430

ثالثًا: الخمس في الغنائم: يرى فقهاء المذاهب الأربعة أن المراد بالغنيمة ما حواه المسلمون من أموال الكفار، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ ١. فقال الشيخ الشنقيطي في تفسيره لها: "ظاهر هذه الآية الكريمة أن كل شيء حواه المسلمون من أموال الكفار، فإنه يخمس حسبما نص عليه في الآية، سواء أوجفوا عليه الخيل والركاب أو لا؛ ولكنه تعالى بيَّن في سورة الحشر أن ما أفاء الله على رسوله من غير إيجاف المسلمين عليه الخيل والركاب أنه لا يخمس، ومصارفه التي بيَّن أنه يصرف فيها كمصارف خمس الغنيمة المذكورة هنا؛ وذلك في قوله تعالى في فيء بني النضير: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ﴾ ٢ الآية، ثم بيَّن شمول الحكم لكل ما أفاء الله على رسوله من جميع القرى بقوله: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ ٣ الآية. اعلم أولًا أن أكثر العلماء فرَّقوا بين الغنيمة والفيء؛ فقالوا: الفيء هو ما يسره الله للمسلمين من أموال الكفار من غير انتزاعه منهم بالقهر ... وأما الغنيمة فهي ما انتزعه المسلمون من الكفار بالغلبة والقهر ... وقال بعض العلماء: "إن الغنيمة والفيء واحد، فجميع ما أُخذ من الكفار على أي وجه كان غنيمة وفيئًا، وهذا قول قتادة ﵀ وهو المعروف في اللغة"٤. هذا ما قاله -رحمه الله تعالى- في الغنيمة. أما تفسيره للخمس الذي يُؤخذ من هذه الغنيمة فقال عنه: "ظاهر الآية أنه يجعل ستة أنصباء: نصيب لله

стр. 431

جل وعلا، ونصيب للرسول ﷺ ، ونصيب لذي القربى، ونصيب لليتامى، ونصيب للمساكين، ونصيب لابن السبيل". ثم قال: "والتحقيق أن نصيب الله جل وعلا ونصيب الرسول ﷺ واحد، ذكر اسمه جل وعلا استفتاح كلام للتعظيم"، ثم استدل لهذا القول بعدة أدلة أعقبها بقوله: "فإذا عرفت أن التحقيق أن الخمس في حياة النبي ﷺ يقسم خمسة أسهم؛ لأن اسم الله ذكر للتعظيم وافتتاح الكلام به، مع أن كل شيء مملوك له جل وعلا، فاعلم أن النبي ﷺ كان يصرف نصيبه الذي هو خمس الخمس في مصالح المسلمين؛ بدليل قوله في الأحاديث التي ذكرناها آنفًا: "والخمس مردود عليكم"١، وهو الحق ... ". ثم ذكر الأقوال في نصيبه ﷺ بعد وفاته وعقَّب عليها قائلًا: "ولا يخفى أن كل الأقوال في نصيب النبي ﷺ بعد وفاته راجعة إلى شيء واحد؛ وهو صرفه في مصالح المسلمين"٢. أما نصيب ذوي القربى من الخمس، فقد ذكر فيه ثلاث مسائل: الأولى: هل يسقط بوفاته أم لا؟ وقال فيها: "وقد ذكرنا أن الصحيح عدم السقوط خلافًا لأبي حنيفة". أما الثانية فعن المراد بذي القربى، وقال عن ذلك: "أما ذوو القربى فهم بنو هاشم وبنو المطلب، على أظهر الأقوال دليلًا، وإليه ذهب الشافعي وأحمد بن حنبل وأبو ثور ومجاهد وقتادة وابن جريج ومسلم بن خالد". أما المسألة الثالثة: فهل يفضل ذكرهم على أنثاهم؟ ورجح -رحمه الله تعالى- أنه لا يفضل ذكرهم على أنثاهم٣. ثم عقب على هذه الأبحاث في الخمس بقوله: "وأما قول بعض أهل البيت كعبد الله بن محمد بن علي وعلي بن الحسين ﵃: بأن الخمس كلهم دون غيرهم، وأن المراد باليتامى والمساكين يتاماهم ومساكينهم، وقول مَن

стр. 432

زعم أنه بعد النبي ﷺ يكون لقرابة الخليفة الذي يوليه المسلمون، فلا يخفى ضعفهما والله تعالى أعلم"١. وخلاصة رأيه -رحمه الله تعالى- أن الخمس من الغنائم في الحروب يُقسم إلى خمسة أسهم: أما سهم رسول الله ﷺ بعد وفاته فيصرف في مصالح المسلمين، وسهم ذوي القرى فيصرف لبني هاشم والمطلب، أما أسهم اليتامى والمساكين وابن السبيل فليس المراد بهم يتامى ومساكين أهل البيت؛ بل هو عام ليتامى ومساكن المسلمين. وهذا الذي قاله الشيخ الشنقيطي ﵀ هو الذي قال به أصحاب المذاهب الأربعة مع بعض الاختلافات الفرعية خلافًا للشيعة كما سيأتي بيانه إن شاء الله، وهو أيضًا ما قال به طائفة المفسرين في العصر الحديث. ومنهم الشيخ جمال الدين القاسمي؛ فقد بين هذا إجمالًا وتفصيلًا، قال في إجماله: " ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي: قل أو كثر من الكفار ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ﴾ أي: الذي منه النصر المتفرع عليه الغنيمة ﴿خُمُسَهُ﴾ شكرًا له على نصره وإعطائه الغنيمة، و ﴿وَلِلرَّسُولِ﴾ أي: الذي هو الأصل في أسباب النصر، و ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ وهم بنو هاشم والمطلب، و ﴿وَالْيَتَامَى﴾ أي: مَن مات آباؤهم ولم يبلغوا؛ لأنهم ضعفاء. ﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾ لأنهم أيضًا ضعفاء كاليتامى. ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ وهو المسافر الذي قطع عليه الطريق، ويريد الرجوع إلى بلده، ولا يجد ما يتبلغ به"٢. هذا ما ذكره -رحمه الله تعالى- إجمالًا، ولا موجب لذكر تفصيله خشية الإطالة. ومن المفسرين أيضًا الذين ذكروا ما ذكره الشيخ عبد الرحمن السعدي -رحمه الله تعالى- فقال: " ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي: أخذتم من مال الكفار قهرًا بحق، قليلًا كان أو كثيرًا". ثم قال: "وأما هذا الخمس فيقسم خمسة أسهم: سهم لله ولرسول يصرف في مصالح المسلمين العامة من غير تعيين

стр. 433

لمصلحة؛ لأن الله جعله له ولرسوله، والله ورسوله غنيان عنه؛ فعُلم أنه لعباد الله، فإذا لم يعين الله له مصرفًا دلَّ على أن مصرفه للمصالح العامة. والخمس الثاني: لذي القربى؛ وهم قرابة النبي ﷺ من بني هاشم وبني المطلب، وإضافة الله إلى القرابة دليلٌ على أن العلة فيه مجرد القرابة؛ فيستوي فيه غنيهم وفقيرهم، ذكرهم وأنثاهم. والخمس الثالث: لليتامى؛ وهم الذين فقدت آباؤهم وهم صغار، جعل الله لهم خمس الخمس رحمة بهم؛ حيث كانوا عاجزين عن القيام بمصالحهم، وقد فُقد مَن يقوم بمصالحهم. والخمس الرابع: للمساكين؛ أي: المحتاجين الفقراء من صغار وكبار وذكور وإناث. والخمس الخامس: لابن السبيل؛ وهو الغريب المنقطع به في غير بلده. وبعض المفسرين يقول: "إن خمس الغنيمة لا يخرج عن هذه الأصناف، ولا يلزم أن يكونوا فيه على السواء؛ بل ذلك تبع للمصلحة، وهذا هو الأَوْلَى"١. وقد أجمل الغزالي خليل عيد -رحمه الله تعالى- المعنى العام للآية فقال: "بيَّن الله تعالى لعباده أن الأشياء التي غنموها من الكفار، وحصلوا عليها بالقوة، يجب أن تخمس؛ أي: تقسم إلى خمسة أخماس، وأن يكون خمسها لله ولرسوله، ولأقرباء الرسول ﷺ من بني هاشم وبني المطلب، وللأيتام الذين فقدوا آباءهم وهم صغار لم يبلغوا الحلم، وللمساكين الذين ليس عندهم ما يكفيهم، ولأبناء السبيل المسافرين الذين يحتاجون إلى ما يساعدهم في سفرهم"٢. ولن أطيل بذكر غير مَن ذكرت، والخلاصة: أن رأي فقهاء أهل السنة أن الخمس إنما هو من غنائم الحرب، وأنه للرسول، ويصرف في مصالح المسلمين، ولبني

стр. 434

هاشم وبني المطلب من قرابته ﷺ ، واليتامى والمساكن وابن السبيل من سائر أمته ﵊. رابعًا: إِرْث الأنبياء ﵈ والأنبياء لا يورثون؛ وإنما قال بأنهم يورثون بعض الرافضة، ومما استدلوا به -كما سيأتي بسط وجهه- قوله تعالى عن زكريا ﵇: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا، يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ ١، زاعمين أن الإرث هنا إرث مالي، وقد بيَّن الشيخ محمد الأمين الشنقيطي الموروث هنا بقوله رحمه الله تعالى: "معنى قوله: ﴿خِفْتُ الْمَوَالِيَ﴾ أي: خفت أقاربي وبني عمي وعصبتي أن يضيعوا الدِّين بعدي، ولا يقوموا لله بدينه حق القيام؛ فارزقني ولدًا يقوم بعدي بالدين حق القيام، وبهذا التفسير تعلم أن معنى قوله: ﴿يَرِثُنِي﴾ أنه إِرْثُ عِلْم ونبوة ودعوة إلى الله والقيام بدينه، لا إرث مال. ويدل لذلك أمران: "أحدهما": قوله: ﴿وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ ومعلوم أن آل يعقوب انقرضوا من زمان؛ فلا يورث عنهم إلا العلم والنبوة والدِّين. "والأمر الثاني": ما جاء من الأدلة على أن الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم- لا يورث عنهم المال؛ وإنما يورث عنهم العلم والدين؛ فمن ذلك ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما عن أبي بكر الصديق ﵁ عنه ﷺ أنه قال: "لا نورَّث، ما تركنا صدقة" ٢. ومن ذلك أيضًا ما رواه الشيخان أيضًا عن عمر ﵁ أنه قال لعثمان وعبد الرحمن بن عوف والزبير وسعيد وعلي والعباس ﵃: أُنشدكم الله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض، أتعلمون أن رسول الله ﷺ

стр. 435

قال: "لا نورث، ما تركناه صدقة"، قالوا: نعم١. ومن ذلك ما أخرجه الشيخان أيضًا عن عائشة ﵂ أن أزواج النبي ﷺ حين تُوفي أردن أن يبعثن عثمان إلى أبي بكر يسألنه ميراثهن، فقالت عائشة: أليس قال النبي ﷺ : "ما تركنا صدقة" ٢. ومن ذلك ما رواه الشيخان أيضًا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تقتسم ورثتي دينارًا، ما تركت بعد نفقة نسائي ومئونة عاملي فهو صدقة" ٢. وفي لفظ عند أحمد: "لا تقتسم ورثتي دينارًا ولا درهمًا". ومن ذلك أيضًا ما رواه أحمد والترمذي وصححه٣ عن أبي هريرة: أن فاطمة ﵂ قالت لأبي بكر ﵁: مَن يرثك إذا مت؟ قال: ولدي وأهلي، قالت: فما لنا لا نرث النبي ﷺ ؟ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "إن النبي لا يورث"؛ ولكن أعول مَن كان رسول الله ﷺ يعوله، وأُنفق على مَن كان رسول الله ﷺ ينفق. فهذه الأحاديث وأمثالها ظاهرة في أن الأنبياء لا يورَّث عنهم المال؛ بل العلم والدين"٤. ثم ذكر -رحمه الله تعالى- عددًا من الأحاديث في عموم عدم الإرث المالي في جميع الأنبياء، وقال بعد ذلك: "وبهذا الذي قررنا تعلم أن قوله هنا: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ يعني: وراثة العلم والدين لا المال. وكذلك قوله: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ﴾ ٥ الآية، فتلك الوراثة أيضًا وراثة عِلْمٍ ودين، والوراثة قد

стр. 436

تُطلق في الكتاب والسنة على وراثة العلم والدين؛ كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ ١ الآية، وقوله: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ ٢، وقوله: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ﴾ ٣ الآية، إلى غير ذلك من الآيات. ومن السنة الواردة في ذلك ما رواه أبو الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "العلماء ورثة الأنبياء"، وهو في المسند والسنن٤، ٥. هذا بعض ما ذكره -رحمه الله تعالى- في إِرْث الأنبياء، وأكتفي به كمثال لتفسير هذه الآية عند علماء السُّنة والجماعة. خامسًا: نكاح المتعة أجمع فقهاء أهل السُّنة والجماعة -بل سائر المذاهب- على تحريم نكاح المتعة إلا طائفة الشيعة؛ بل صار القول بها سمة من سمات التشيع العديدة. واستدلوا بقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُن﴾ ٦ الآية، وفسرها أهل السُّنة بما مثاله في تفسير الشيخ الشنقيظي -رحمه الله تعالى- حيث قال: "يعني: كما أنكم تستمتعون بالمنكوحات فأعطوهن مهورهن في مقابلة ذلك، وهذا المعنى تدل له آيات من كتاب الله؛ كقوله تعالى: ﴿وكيف تأخذونه وقد

стр. 437

أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْض﴾ ١ الآية، فإفضاء بعضهم إلى بعض المصرح بأنه سبب لاستحقاق الصداق كاملًا هو بعينه الاستمتاع المذكور هنا في قوله: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ ٢، وقوله: ﴿وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ ٣ الآية. فالآية في عقد النكاح لا في نكاح المتعة، كما قال به مَن لا يعلم معناها، فإن قيل التعبير بلفظ الأجور يدل على أن المقصود الأجرة في نكاح المتعة؛ لأن الصداق لا يُسمَّى أجرًا؛ فالجواب: أن القرآن جاء فيه تسمية الصداق أجرًا في موضع لا نزاع فيه؛ لأن الصداق لما كان في مقابلة الاستمتاع بالزوجة كما صرح به تعالى في قوله: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَه﴾ الآية، صار له شبه قوي بأثمان المنافع فسُمي أجرًا، وذلك الموضع هو قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ ٤ أي: مهورهن بلا نزاع، ومثله قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ ٥ الآية؛ أي: مهورهن؛ فاتضح أن الآية في النكاح لا في نكاح المتعة، فإن قيل: كان ابن عباس وأُبي بن كعب وسعيد بن جبير والسدي يقرءون: فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى، وهذا يدل على أن الآية في نكاح المتعة؛ فالجواب من ثلاثة أوجه٦: الأول: أن قولهم: إلى أجل مسمى، لم يثبت قرآنًا لإجماع الصحابة على عدم كَتْبه في المصاحف العثمانية، وأكثر الأصوليين على أن ما قرأه الصحابي على أنه قرآن ولم يثبت كونه قرآنًا لا يستدل به على شيء؛ لأنه باطل من أصله؛ لأنه لم ينقله إلا على أنه قرآن؛ فبَطَل كونه قرآنًا ظهر بطلانه من أصله. الثاني: أنا لو مشينا على أنه يحتج به كالاحتجاج بخبر "لآحاد" كما قال به

стр. 438

قوم، أو على أنه تفسير منهم للآية بذلك فهو معارض بأقوى منه؛ لأن جمهور العلماء على خلافه، ولأن الأحاديث الصحيحة الصريحة قاطعة بكثرة بتحريم نكاح المتعة، وصرح ﷺ بأن ذلك التحريم دائم إلى يوم القيامة، كما ثبت في صحيح مسلم من حديث سبرة بن معبد الجهني ﵁ أنه غزا مع رسول الله ﷺ يوم فتح مكة فقال: "يأيها الناس، إني قد كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيله، ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئًا". وفي رواية لمسلم في حجة الوداع١، ولا تعارض في ذلك لإمكان أنه ﷺ قال ذلك يوم فتح مكة، وفي حجة الوداع أيضًا، والجمع واجب إذا أمكن، كما تقرر في علم الأصول وعلوم الحديث. الثالث: أنا لو سلمنا تسليمًا جدليًّا أن الآية تدل على إباحة نكاح المتعة؛ فإن إباحتها منسوخة -كما صح نسخ ذلك- في الأحاديث المتفق عليها عنه ﷺ ، وقد نسخ ذلك مرتين: الأولى يوم خيبر، كما ثبت في الصحيح، والأخرى يوم فتح مكة، كما ثبت في الصحيح أيضًا. الرابع: أنه تعالى صرح بأنه يجب حفظ الفرج عن غير الزوجة والسرية في قوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ ٢ في الموضعين، ثم صرح بأن المبتغي وراء ذلك من العادين بقوله: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِك﴾ الآية. ومعلوم أن المستمتَع بها ليست مملوكة ولا زوجة؛ فمتبغيها إذن من العادين بنص القرآن، أما كونها غير مملوكة فواضح، وأما كونها غير زوجة فلانتفاء لوازم الزوجية عنها؛ كالميراث والعدة والطلاق والنفقة، ولو كانت زوجة لورثت واعتدَّت، ووقع عليها الطلاق، ووجبت لها النفقة كما هو ظاهر"٣.

стр. 439

وخشية الإطالة في هذا البحث، ولما سيأتي من زيادة بيان -إن شاء الله- نكتفي بما أوردناه هنا في نكاح المتعة وفي غيره. وهذا ما وعدنا بذِكْرِه مجملًا لتفاسير شاملة تناولت آيات الأحكام. أما ما وعدنا بذِكْرِه مفصلًا أو ببعض التفصيل، فهي دراسة تفاسير تناولت آيات الأحكام خاصة ولم تتناول سواها، وهنا مكان الوفاء بالوعد.

стр. 440

تفاسير آيات الأحكام: وهذا النوع من التفسير -كما أشرت سابقًا- لم يؤلَّف فيه الكثير؛ بل هي مؤلفات معدودة، حصلت منها على ما يأتي: ١- نيل المرام في تفسير آيات الأحكام، تأليف: السيد محمد صديق حسن، وبين يدي طبعة ١٣٩٩هـ، في مجلد واحد صفحاته تقريبًا ٥٧٠، وبتحقيق وتعليق: علي السيد صبح المدني. ٢- روائع البيان تفسير آيات الأحكام، تأليف: محمد علي الصابوني. ٣- تفسير آيات الأحكام، أشرف على طَبْعِه وتنقيحه: محمد علي السايس. ٤- تفسير آيات الأحكام، تأليف: مناع القطان. ٥- قبس من التفسير الفقهي، الدكتور الشافعي عبد الرحمن السيد. ٦- دراسات في تفسير بعض آيات الأحكام، للدكتور كمال جودة أبو المعاطي. وسنعرض لها آحادًا بشيء من التفصيل، وعلى هذا الترتيب السالف:

стр. 441

أولًا: نيل المرام في تفسير آيات الأحكام أولًا: المؤلف١ هو أبو الطيب محمد صديق خان بن حسن بن علي بن لطف الله الحسيني البخاري القنوجي. ولد في "بريلي" ثم رحل صغيرًا إلى قنوج، وتعلم بـ"دلهي" في الهند، وانتهى به الترحال في "بهوبال"؛ حيث تزوج ملكتها، عُرف بكثرة الكتابة فكان يكتب في اليوم الواحد عند كراريس، ومن مؤلفاته: الإذاعة لما كان ويكون بين يدي الساعة، والدين الخالص، والعبرة بما جاء في الغزو والشهادة والهجرة، وفتح البيان في مقاصد القرآن في عشرة مجلدات، وغير ذلك، وقد بلغت مؤلفاته نيِّفًا وستين مصنفًا بالعربية والفارسية والهندية. ولد سنة ١٢٤٨، وتُوفي سنة ١٣٠٧. ثانيًا: التفسير تناول -رحمه الله تعالى- في تفسيره الآيات التي يَحتاج إلى معرفتها كلُّ راغب في معرفة الأحكام الشرعية القرآنية، ويرى أنها مائتا آية أو قريب من ذلك، ولم يصح عنده القول بأنها خمسمائة آية، قال: "وإن عدلنا عند وجعلنا الآية كل جملة مفيدة يصح أن تسمى كلامًا في عُرْف النحاة كانت أكثر من خمسمائة آية

стр. 442

وهذا القرآن مَن شك فيه فليعد"١. ثم بيَّن -رحمه الله تعالى- أنه لم يستقصِ في تفسيره هذا نوعين من آيات الأحكام: أحدهما: ما مدلوله بالضرورة؛ كقوله : ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ للأمان من جهله إلا أن تشتمل الآية من ذلك على ما لا يُعلم بالضرورة؛ بل بالاستدلال، فأذكرها لأجل القسم الاستدلالي منها؛ كآية الوضوء والتيمم. وثانيهما: ما اختلف المجتهدون في صحة الاحتجاج به على أمر معين، وليس بقاطع الدلالة ولا واضحها، فإنه لا يجب على مَن لا يعتقد فيه دلالة أن يعرفه؛ إذ لا ثمرة لإيجاب معرفة الاستدلال به، وذلك كالاستدلال على تحريم لحوم الخيل بقوله تعالى: ﴿لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَة﴾ ٢، وهذا لا تجب معرفته إلا على مَن يحتج به مِن المجتهدين؛ إذ لا سبيل إلى حصر كل ما يظن أو يجوز فيه استنباط الأحكام من خفي معانيه، ولا طريق إلى ذلك إلا عدم الوجدان، وهي من أضعف الطرق عند علماء البرهان"٣. ثم بعد أن بيَّن ما لا يريد ذكره وضَّح ما يقصد ذكره بقوله: "وليس القصد إلا ذكر ما يدل على الأحكام دلالة واضحة؛ لتكون عناية طالب الأحكام به أكثر، وإلا فليس يحسن من طالب العلم أن يهمل النظر في جميع كتاب الله تعالى مقدمًا للعناية فيه، شاملًا للطائف معانيه، مستنبطًا للأحكام والآداب من ظواهره وخوافيه؛ فإنه الأمان من الضلال والعبود الأعظم في جميع الأحوال"٤. ثم أوجز منهجه فيما تناوله من هذه الآيات لقوله: "وهأنا أُفسر تلك الآيات المشار إليها بتفسير وجيز جامع لما له وعليه، ولم آخذ فيها من الأقوال

стр. 443

المختلفة إلا الأرجح، ومن الدلائل المتنوعة إلا الأصح الأصرح، ولعمري لا يوجد قَطُّ تفسير موجز بهذا النمط"١. نماذج من تفسيره: والأمثلة على التزامه المنهج الذي رسمه لنفسه آنفًا كثيرة، نقتبس منها بعض الأبحاث التي وقع فيها خلاف بين أهل السنة ومَن عداهم؛ حتى يتضح منها انتماؤه، فمن ذلك: غسل الرجلين في الوضوء: قال تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ ٢، فجاء تفسيهر لها بقوله: قرأ نافع بنصب أرجل، وهي قراءة الحسن البصري والأعمش، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة بالجر، فقراءة النصب تدل على أنه يجب غسل الرجلين؛ لأنها معطوفة على الوجوه والأيدي، وإلى هذا ذهب جمهور العلماء. والفصل بالمسموح بين المغسولات يفيد وجوب الترتيب في تطهير هذه الأعضاء، وعليه الشافعي. وقراءة الجر تدل على أنه يجوز الاقتصار على مسح الأرجل؛ لأنها معطوفة على الرءوس، وإليه ذهب ابن جرير الطبري، وهو مروي عن ابن عباس. قال داود الظاهري: "يجب الجمع بين الأمرين على اقتضاء القراءتين". وقال ابن العربي: "اتفقت الأمة على وجوب غسلهما، وما علمت مَنْ رَدَّ ذلك إلا الطبري من فقهاء المسلمين، والرافضة من غيرهم، وتعلق الطبري بقراءة الجر". ثم قال رحمه الله تعالى: ولكن قد ثبت في السنة المطهرة بالأحاديث الصحيحة مِن فعله ﷺ وقوله غسل الرجلين فقط.

стр. 444

وثبت عنه أنه قال: "ويل للأعقاب من النار"، وهو في الصحيحين وغيرهما؛ فأفاد وجوب غسل الرجلين، وأنه لا يجزئ مسحهما؛ لأن شأن المسح أن يصيب ما أصاب ويخطئ ما أخطأ، فلو كان مجزئًا لما قال: "ويل للأعقاب من النار". وقد ثبت أنه قال بعد أن توضأ وغسل رجليه: "هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به"، وقد ثبت في صحيح مسلم وغيره أن رجلًا توضأ فترك على قدمه مثل موضع الظفر؛ فقال له: "ارجع فأحسن وضوءك"١ ٢. الخمس من الغنائم: وذلك من قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ ٣. فقال -رحمه الله تعالى- في بيانها: قال القرطبي: "اتفقوا على أن المراد بالغنيمة في هذه الآية مالُ الكفار إذا ظفر بهم المسلمون على وجه الغلبة والقهر"، قال: "ولا تقتضي اللغة هذا التخصيص؛ ولكن عرف الشرع قيد اللفظ بهذا النوع". ثم قال: وقد حكى الإجماع جماعةٌ من أهل العلم عن أن أربعة أخماس الغنيمة للغانمين، وممن حكى ذلك ابن المنذر وابن عبد البر والداودي والمازري والقاضي عياض وابن العربي. والأحاديث الواردة في قسمة الغنيمة من الغانمين وكيفيتها كثيرة جدًّا، قال القرطبي: "ولم يقل أحدٌ -فيما أعلم- إن قوله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَنْفَال﴾ الآية، ناسخ لقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ الآية؛ بل قال الجمهور: إن قوله: ﴿أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ ناسخ، وهم الذين لا يجوز عليهم التحريف ولا التبديل لكتاب الله"٤.

стр. 445

أما بيانه لكيفية قسمة الخمس فقال فيه: قد اختلف العلماء في كيفية قسمة الخمس على أقوال ستة: الأول: قالت طائفة: يقسم الخمس على ستة؛ فيجعل السدس للكعبة وهو الذي لله، والثاني لرسول الله ﷺ ، والثالث لذوي القربى، والرابع لليتامى، والخامس للمساكين، والسادس لابن السبيل. القول الثاني: قال أبو العالية والربيع: إنها تُقسَّم -أي: الغنيمة- على خمسة، فيعزل منها سهم واحد ويقسم أربعة على الغانمين، ثم يضرب يده في السهم الذي عزله، فما قبضه من شيء جعله للكعبة، ويقسم بقية السهم الذي عزله على خمسة للرسول من بعده في الآية. القول الثالث: عن زين العابدين علي بن الحسين أنه قال: إن الخمس لنا، فقيل له: إن الله يقول: ﴿وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيل﴾ ؟ فقال: يتامانا وماسكيننا وأبناء سبينا. القول الرابع: قول الشافعي: إن الخمس يقسم على خمسة، وإن سهم الله وسهم رسوله واحد، يصرف في مصالح المؤمنين، والأربعة الأخماس على الأصناف الأربعة المذكورة في الآية. القول الخامس: قول أبي حنيفة: إنه يقسم الخمس على ثلاثة: اليتامى، والمساكين، وابن السبيل، وقد ارتفع حكم قرابة رسول الله ﷺ بموته كما ارتفع حكم سهمه، قال: ويبدأ من الخمس بإصلاح القناطر، وبناء المساجد، وأرزاق القضاة والجند، ورُوي نحو هذا عن الشافعي. القول السادس: قول مالك: إنه موكول إلى نظر الإمام واجتهاده، فيأخذ منه بغير تقدير، ويعطي منه الغزاة باجتهاده، ويصرف الباقي في مصالح المسلمين، قال القرطبي: "وبه قال الخلفاء الأربعة وبه عملوا"، وعليه يدل قوله ﷺ : "ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس، والخمس مردود عليكم"، فإنه لم يقسمه أخماسًا ولا أثلاثًا؛ وإنما ذَكَرَ ما في الآية مَنْ ذَكَرَ على وجه التنبيه عليهم؛ لأنهم مِن أهم مَن يدفع إليه.

стр. 446

قال الزجاج محتجًّا لهذا القول: "قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾ ١، وجائز بالإجماع أن ينفق في غير هذه الأصناف إذا رأى ذلك"٢. أما سهم "ذي القربى" فقال عنه: "اختلف أهل العلم: هل ثبت وبقي سهمهم اليوم أم سقط بوفاته ﷺ ، وصار الكل مصروفًا إلى الثلاثة الباقية؟ فذهب الجمهور -ومنهم مالك والشافعي- إلى الثبوت واستواء الفقراء والأغنياء للذكر مثل حظ الأنثيين، وقال أبو حنيفة وأهل الرأي بسقوط ذلك، والتفصيل يُطلب من مواطنه"٣. نكاح المتعة: والآية مثار البحث هذا هي قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ ٤، وقد بحثها -رحمه الله تعالى- بحثًا شافيًا كافيًا فقال: وقد اختلف أهل العلم في معنى الآية؛ فقال الحسن ومجاهد وغيرهما: المعنى فيما انتفعتم وتلذذتم بالجماع من النساء بالنكاح الشرعي فآتوهن أجورهن؛ أي: مهورهن. وقال الجمهور: إن المراد بهذه الآية نكاح المتعة الذي كان في صدر الإسلام، ويؤيد ذلك قراءة أُبي بن كعب وابن عباس وسعيد بن جبير: "فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فآتوهن أجورهن"، ثم نهى عنها النبي ﷺ ، كما صح ذلك من حديث علي ﵇ قال: "نهى النبي ﷺ عن نكاح المتعة وعن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر"، وهو في الصحيحين٥ وغيرهما.

стр. 447

وفي صحيح مسلم من حديث سبرة بن معبد الجهني عن النبي ﷺ أنه قال يوم فتح مكة: "يأيها الناس، إني قد كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، والله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شيء فليخلِّ سبيلها، ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئًا". وفي لفظ لمسلم: أن ذلك كان في حجة الوداع، فهذا هو الناسخ، وقال سعيد بن جبير: نستختها آية الميراث؛ إذ المتعة لا ميراث فيها. وقال القاسم بن محمد وعائشة: تحريمها ونسخها في القرآن، وذلك قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ، إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ ١، وليست المنكوحة بالمتعة من أزواجهم ولا مما ملكت أيمانهم، فإن من شأن الزوجة أن ترث وتورث، وليست المتمتع بها كذلك. وقد رُوي عن ابن عباس أنه قال بجواز المتعة، وأنها باقية لم تنسخ، ورُوي عنه أنه رجع عن ذلك عندما بلغه الناسخ. وقد قال بجوازها جماعة من الروافض، ولا اعتبار بأقوالهم، وقد أتعب نفسه بعض المتأخرين بتكثير الكلام على هذه المسألة، وتقوية ما قاله المجوزون لها، وليس هذا المقام مقام بيان بطلان كلامه. وقد طول الشوكاني ﵀ البحث، ودفع الشبهة الباطلة التي تمسك بها المجوزون لها في شرحه للمنتقى فليرجع إليه، وأشرنا إليه في مسك الختام شرح بلوغ المرام٢. نكاح المشركات والكتابيات: وذلك في قوله تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ ٣، فقال رحمه الله تعالى: "في هذه الآية النهي عن نكاح المشركات وتزوجهن. قيل: المراد

стр. 448

بالمشركات الوثنيات، وقيل: إنها تعم الكتابيات؛ لأن أهل الكتاب مشركون، ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ ١، وقد اختلف أهل العلم في هذه الآية؛ فقالت طائفة: إن الله حرَّم نكاح المشركات فيها، والكتابيات من الجملة ثم جاءت آية المائدة٢ فخصت الكتابيات من هذا العموم، وهذا محكي عن ابن عباس ومالك وسفيان بن سعيد وعبد الرحمن بن عمر والأوزاعي، وذهبت طائفة إلى أن هذه الآية ناسخة لآية المائدة، وأنه يحرم نكاح الكتابيات والمشركات -وهذا أحد قولي الشافعي- وبه قال جماعة من أهل العلم، ويجاب عن قولهم: إن هذه الآية ناسخة لآية المائدة بأن سورة البقرة من أول ما نزل، وسورة المائدة من آخر ما نزل، والقول الأول هو الراجح"٣. قطع يد السارق: وذلك في قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾ ٤، قال ﵀ في تحديد موضع القطع: "والقطع معناه الإبانة والإزالة وجمع الأيدي لكراهة الجمع بين اثنتين، وقد بينت السُّنة المطهرة أن موضع القطع الرسغ، وقال قوم: يقطع من المرفق، وقال الخوارج: من المنكب"٥. وبعد: هذه أمثلة من تفسيره -رحمه الله تعالى- لآيات الأحكام، ومنها يتضح عدم تأويله لأيٍّ منها بما تقول به بعض الفرق؛ كالشيعة والخوارج ونحوهم؛ بل

стр. 449

التزم أقوالَ علماء أهل السنة والجماعة؛ بل لم يخرج فيها عن المذاهب الأربعة من غير تعصب لأحدها. وسبق أن ذكرنا بيانه -رحمه الله تعالى- أنه لم يتناول في تفسيره إلا الآيات الصريحة في الدلالة على الأحكام الفقهية؛ بل وترك من هذا النوع الأخير ما هو متفق عليه أو معلوم بالضرورة؛ كإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة. وهو بحق كتاب في آيات الأحكام، جَمَعَ فيه صاحبه نفائس الأقوال بعبارة قصيرة؛ فحق له أن يكون من أصول المراجع في ذلك.

стр. 450

ثانيًا: روائع البيان تفسير آيات الأحكام من القرآن أولًا: المؤلف ١: هو الأستاذ محمد علي بن جميل الصابوني، ولد في مدينة حلب عام ١٩٢٨م. تحصيله العلمي: تخرج من الثانوية الشرعية، وهي آخر مراحله الدراسية في سوريا، وأكمل دراسته في الأزهر؛ فنال الشهادة العالية "الليسانس" سنة ١٩٥٢م، ونال شهادة الماجستير في تخصص القضاء الشرعي سنة ١٩٥٤م، وكان موفدًا من جهة وزارة الأوقاف السورية لإتمام الدراسة العليا. أعماله: اشتغل بالتدريس ثماني سنوات في الثانويات العامة بحلب، ثم انتدب للتدريس بمكة المكرمة في كلية الشريعة، وقد أمضى في التدريس بالكلية ما يزيد على عشرين عامًا. مؤلفاته: له عدة مؤلفات هي: ١- من كنوز السنة "دراسات أدبية ولغوية من الحديث الشريف". ٢- المواريث في الشريعة الإسلامية على ضوء الكتاب والسنة. ٣- النبوة والأنبياء.

стр. 451

٤- روائع البيان في تفسير آيات الأحكام في القرآن. ٥- شبهات وأباطيل حول تعدد زوجات الرسول ﷺ . ٦- مختصر تفسير ابن كثير في ثلاثة مجلدات. ٧- صفوة التفاسير في ثلاثة مجلدات. ٨- التبيان في علوم القرآن. ثانيًا: الكتاب: هو: روائع البيان تفسير آيات الأحكام من القرآن، جاء وصفه على الغلاف بأنه: "تفسير خاص لآيات الأحكام، مستمد من أوثق مصادر التفسير القديمة والحديثة بأسلوب مبتكر وطريقة جديدة، مع عرض شامل لأدلة الفقهاء، وبيان الحكمة التشريعية". ويقع هذا التفسير في مجلدين متوسطي الحجم، تبلغ صفحات المجلد الأول ٦٣١ صفحة "بدون فهارسه"، والمجلد الثاني كذلك يقع في ٦١٩ صفحة، وانتهى المؤلف منه في غرة رجب سنة ١٣٩١هـ. وصدرت طبعته الأولى في نفس العام، والطبعة الثانية سنة ١٣٩٧هـ. طريقته في التفسير: وقد وضح الشيخ طريقته في التفسير بقوله: "جمعت فيه الآيات الكريمة -آيات الأحكام خاصة- على شكل محاضرات علمية جامعة تجمع بين القديم في رصانته، والحديث في سهولته، وسلكتُ في هذه المحاضرات طريقة ربما تكون جديدة ميسرة؛ وهي أنني عمدت إلى التنظيم الدقيق مع التحري العميق؛ فتناولت الآيات التي كتبت عنها من عشرة وجوه، على الشكل الآتي: أولًا: التحليل اللفظي مع الاستشهاد بأقوال المفسرين وعلماء اللغة. ثانيًا: المعنى الإجمالي للآيات الكريمة بشكل مقتضب. ثالثًا: سبب النزول إن كان للآيات الكريمة سبب.

стр. 452

رابعًا: وجه الارتباط بين الآيات السابقة واللاحقة. خامسًا: البحث عن وجوه القرآءات المتواترة. سادسًا: البحث عن وجوه الإعراب بإيجاز. سابعًا: لطائف التفسير، وتشمل: "الأسرار والنكات البلاغية والدقائق العلمية". ثامنًا: الأحكام الشرعية وأدلة الفقهاء، مع الترجيح بين الأدلة. تاسعًا: ما ترشد إليه الآيات الكريمة بالاختصار. عاشرًا: خاتمة البحث، وتشمل: "حكمة التشريع" لآيات الأحكام المذكورة"١. ثم وبتواضع العلماء أنكر أن يكون ما جاء في هذا الكتاب بجُهْده فحسب؛ بل هو خلاصة نتاج أدمغة فطاحل العلماء، ثم شبه نفسه بقوله: "وما مثلي إلا كمثل إنسان رأى جواهر ولآلئ ودررًا ثمينة مبعثرة هنا وهناك؛ فجمعها ونظمها في عقد واحد، أو كمثل شخص دخل حديقة غنَّاء، فيها أحاسن الأثمار والورود والأزهار ما يدهش الأبصار، فامتدت يده برفق إليها؛ فجعلها في باقة واحدة، ووضعها في كأس؛ فكانت بهجة للقلب وفتنة للعين"١. وقال: "وما كنت أسطر شيئًا حتى أقرأ ما يزيد على خمسة عشر مرجعًا من أمهات المراجع في التفسير عدا عن مراجع اللغة والحديث، ثم أكتب هذه المحاضرات مع التنبيه إلى المصادر التي نقلت عنها بكل دقة وأمانة"١. وسنذكر أمثلة من تفسيره لأحكام خاصة، ثم نذكر بعدها ما رأينا من ملاحظات.

стр. 453

نماذج من تفسيره: خمس الغنائم: قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ . وقد بسط العلماء أحكام الغنائم، وكيفية تقسيم الخمس منها، مستندين إلى هذه الآية. وقد وضح الشيخ الصابوني هذه الأحكام بالوجوه التي أشار إليها آنفًا، فقال تحت عنوان: "التحليل اللفظي": "غنمتم: الغنيمة ما أُخذ من الكفار قهرًا بطريقة القتال والغلبة، أما ما أُخذ منهم بغير حرب أو قتال فهو "فيء" -كما مر سابقًا١- قال الشاعر: وقد طوفت في الآفاق حتى ... رضيت من الغنيمة بالإياب خمسه: بضم الميم وإسكانها لغتان، وقد قُرئ بهما، والخمس أن يقسم الشيء إلى خمسة أجزاء، ثم يؤخذ جزء واحد منه، والواجب الشرعي أن تخمس الغنائم فيصرف الخمس فيما ذكره الله، ويوزع الباقي -وهو أربعة أخماس- بين الغانمين، قال القرطبي: لما بيَّن الله تعالى حكم الخمس وسكت عن الباقي دلَّ ذلك على أنه ملك للغانمين. لذي القربى: هم قرابة الرسول ﷺ وهم "بنو هاشم، وبنو المطلب" على الصحيح من الأقوال، كما سيأتي إن شاء الله. اليتامى: هم أولاد المسلمين الذين هلك آباؤهم في سن الصغر قبل البلوغ؛ لأنه لا يتم بعد البلوغ. المساكين: هم أهل الفاقة والحاجة من المسلمين. ابن السبيل: هو المنقطع في سفره مع شدة حاجته؛ وإنما قيل: "ابن السبيل" لأنه لما انقطع في سفره أصبح الطريق كأنه أب له"١ ... إلخ.

стр. 454

وقال تحت عنوان: "المعنى الإجمالي": "يقول الله جل ثناؤه ما معناه: اعلموا أيها المؤمنون أن كل ما غنمتموه من الكفار المحاربين -أيًّا كان قليلًا أو كثيرًا- حق ثابت لكم. وحكمه: أن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل؛ فاقسموه خمسة أقسام، واجعلوا خمسه لله يُنفق في مصالح الدين وإقامة الشعائر وعمارة الكعبة وكسوتها، ثم أعطوا الرسول ﷺ منه كفايته لنفسه ولنسائه، ثم أعطوا منه ذي القربى من أهله وعشيرته، ثم المحتاجين من سائر المسلمين؛ وهم اليتامى والمساكن وابن السبيل، ثم بيَّن أن هذا هو مقضتى الإيمان، وهو الإذعان والخضوع لأوامره وأحكامه، وعدم الخلاف والنزاع فيما بينهم؛ لأن الله هو الذي قسم فأعطى كل ذي حق حقه، كما راعى مصالح العباد جميعًا، فما على المؤمنين إلا الرضا والتسليم لحكم الله العلي الكبير"١. ومن بيانه في المعنى الإجمالي هذا يظهر أنه يرجح القول: إن الغنائم توزع إلى خمسة أقسام، وأن الخمس يوزع إلى ستة أسهم: لله ولرسوله ولذي القربى واليتامى والمساكن وابن السبيل، خلافًا لمن قال: إن سهم الله وسهم رسوله واحد، ثم ذكر -وفقه الله تعالى- لطائف تحت عنوان: "لطائف التفسير". نذكر منها قوله: "اللطيفة الأولى: التنكير في قوله تعالى: ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ يفيد التقليل؛ أي: أي شيء كان، سواء كان هذا الشيء قليلًا أو كثيرًا، عظيمًا أو حقيرًا، حتى الخيط والمخيط "الإبرة". اللطيفة الثانية: ذكر الله تعالى في القسمة في قوله تعالى: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَه﴾ لتعليمنا التبرك بذكر اسم الله المعظم، واستفتاح الأمور باسمه تعالى، ولا يقصد منه أن الخمس يقسم على ستة؛ منها: "الله" فإن الله الدنيا والآخرة، والله هو الغني الحميد، أو يراد منه إنفاقه في سبيل الله؛ فيكون الكلام على حذف مضاف"١. ومما ذكرنا في المعنى الإجمالي علمنا أن المؤلف قسَّم الخمس إلى ستة أسهم،

стр. 455

عَدَّ منها سهم الله ، وذكر أنه يُنفق في مصالح الدين وإقامة الشعائر وعمارة الكعبة وكسوتها، فهو إذًا يؤيد أن الكلام على حذف مضاف، وليس ذكر اسمه تعالى لمجرد التبرك. ثم ذكر -وفقه الله تعالى- عددًا من الأحكام المستفادة من الآية تحت عنوان: "الأحكام الشرعية". نذكر منها: الحكم الثاني: كيف يوزع الخمس بين الغانمين؟ وجاء فيه قوله: "ذكرت الآية الكريمة أن خمس الغنائم يُوزع لمن سماهم الله في كتابه العزيز، وهم ستة: "الله، الرسول، ذو القربى، اليتامى، المساكين، ابن السبيل"، وسكتت عن الباقي؛ فدل ذلك على أنه يوزع على الغانمين. سهم الله: أما سهم الله ، فقد اختلف المفسرون فيه على قولين: أ- أنه يصرف على الكعبة؛ لأن قوله: "الله" أي: لبيت الله، فهو على حذف مضاف. ب- وقال الجمهور: إن قوله "الله" استفتاح كلام يقصد به التبرك، فلله الدنيا والآخرة، وهو المالك لكل ما في السماوات والأرض. وعلى هذا الرأي يكون الخمس بين خمسة: "الرسول، ذي القربى، اليتامى، المساكين، ابن السبيل". سهم الرسول: أما سهم الرسول ﷺ ، فإنه حق له ﷺ ، يأخذه من الغنيمة ويضعه حيث شاء لأهل بيته أو في مصالح المسلمين، يدل على ذلك قوله ﷺ : "ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس، والخمس مردود عليكم". وقال آخرون: إن لفظ "الرسول" في الآية استفتاح كلام، كما قالوا في قوله: "لله"، وإن الخمس يقسم على أربعة أسهم: "ذوي القربى، واليتامى، والمساكين، وابن السبيل".

стр. 456

سهم ذي القربى: والمراد قرابة الرسول ﷺ ، وقد اختُلف في "ذي القربى" على ثلاثة أقوال: ١- قيل: إنهم قريش جميعًا. ٢- وقيل: إنهم بنو هاشم فقط. ٣- وقيل: إنهم بنو هاشم وبنو المطلب، هذا هو الرأي الصحيح والراجح، ومما يدل عليه ما رواه البخاري عن "مطعم بن جبير" من -بني نوفل- قال: مشيت أنا وعثمان بن عفان -من بني عبد شمس - إلى رسول الله ﷺ فقلنا: يا رسول الله، أعطيت بني المطلب وتركتنا ونحن وهم بمنزلة واحدة، فقال رسول الله ﷺ : "إنما بنو المطلب وبنو هاشم شيء واحد، إنهم لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام"، فدل الحديث على أن المراد بذي القربى "بنو المطلب وبنو هاشم". ويرى بعضهم أن القرابة لا يعطون إلا أن يكونوا فقراء، وهذا الحكم ثابت للرسول ﷺ ولذي قرباه في حياته، وأما بعد وفاته فإنه يرجع إلى بيت مال المسلمين. قال أبو حنيفة: يقسم الخمس على ثلاثة: "اليتامى، والمساكين، وابن السبيل"؛ لأنه قد ارتفع سهم الرسول ﷺ بموته، كما ارتفع سهم أقربائه بموته، وهذا منقول عن الشافعي أيضًا، قالوا: ويبدأ من الخمس بإصلاح القناطر، وبناء المساجد، وأرزاق القضاة والجند، ويُصرف في مصالح المسلمين. سهم اليتامى: وهذا السهم يُصرف على أطفال المسلمين الذين هلك آباؤهم وهم في سن الصغر، وأما بعد البلوغ فيزول عنهم وصف اليتيم. سهم المساكين: وهم أهل الفاقة والحاجة من ضعفاء المسلمين، الذين لا يملكون من حطام الدنيا شيئًا، ويحتاجون إلى مواساة ومساعدة.

стр. 457

سهم ابن السبيل: وهو الغريب الذي انقطع في سفره، فإنه يُعطَى من الخمس حتى ولو كان غنيًّا في بلده؛ ذلك لأننا نعتبر حالته التي هو عليها الآن. مذهب المالكية: وقد خالف المالكية هذه الأقوال المتقدمة جميعًا، ورأوا أن الخمس -خمس الغنيمة- يُجعل في بيت المال يُنفق منه على ما ذُكر في الآية وعلى غيرهم بحسب ما يراه الإمام من المصلحة، وقالوا: إن ذكر هذه الأصناف في الآية الكريمة إنما هو على سبيل المثال لا على سبيل التمليك، وهو من باب إطلاق "الخاص وأريد به العام"١، ثم ساق أدلة هذا القول وعقَّب عليه بقوله: "وهذا الرأي للمالكية سديد ووجيه"١. هذا غالب ما قاله في الغنائم والخمس؛ وإنما أطلت فيما نقلت حتى أعطي صورة لطريقته في تناول الآية من جوانب عدة، ثم لما في تفسيره من بيان واضح، وسأختصر -إن شاء الله- ما سأذكره من أمثلة لتفسيره بعد. نكاح المتعة: وشبهة مَن أباحه قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ ٢، وتحت عنوان: "الأحكام الشرعية" رد الشيخ الصابوني على مَن أباح نكاح المتعة، ووضح الحكم الصحيح، وذلك في الحكم الخامس منها، فقال: "الحكم الخامس: حكم المتعة وآراء الفقهاء فيها وقد أجمع العلماء وفقهاء الأمصار قاطبة على حرمة "نكاح المتعة"، لم يخالف فيه إلا الروافض والشيعة، وقولهم مردود؛ لأنه يصادم النصوص الشرعية من الكتاب والسنة، ويخالف إجماع علماء المسلمين والأئمة المجتهدين.

стр. 458

وقد كانت المتعة في صدر الإسلام جائزة، ثم نُسخت واستقر على ذلك النهي والتحريم، وما رُوي عن ابن عباس من القول بحلها؛ فقد ثبت رجوعه عنه، كما أخرج الترمذي عنه ﵁ أنه قال: "إنما كانت المتعة في أول الإسلام؛ كان الرجل يقدم البلدة ليس له بها معرفة، فيتزوج المرأة بقدر ما يرى أنه مقيم؛ فتحفظ له متاعه، وتصلح له شأنه، حتى نزلت الآية الكريمة: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ ١، فكل فرج سواهما فهو حرام"٢. فقد ثبت رجوعه عن قوله، وهو الصحيح، وحكي أنه إنما أباحها حالة الاضطرار والعنت في الأسفار؛ فقد روي عن ابن جبير أنه قال: قلت لابن عباس: لقد سارت بفتياك الركبان وقال فيها الشعراء، قال: "وما قالوا؟ " قلت: قالوا: قد قلت للشيخ لما طال مجلسه ... يا صاح هو لك في فتوى ابن عباس هل لك في رخصة الأطراف آنسة ... تكون مثواك حتى مصدر الناس فقال: "سبحان الله ما بهذا أفتيت؟! وما هي إلا كالميتة والدم ولحم الخنزير، ولا تحل إلا للمضطر". ومن هنا قال الحازمي: "إنه ﷺ لم يكن أباحها لهم وهم في بيوتهم وأوطانهم؛ وإنما أباحها لهم في أوقات بحسب الضرورات حمى حرَّمها عليهم في آخر الأمر تحريم تأبيد". ثم ذكر الأدلة الشرعية والعقلية على تحريم المتعة؛ ذكر منها خمسة أدلة ثم ختمها بقول الخطابي: "تحريم المتعة كالإجماع إلا عن بعض الشيعة، ولا يصح على قاعدتهم في الرجوع في المخالفات إلى "علي" ﵁ فقد صح عنه أنها نُسخت، ونقل البيهقي عن "جعفر بن محمد" أنه سُئل عن المتعة فقال: هي الزنا بعينه، فبَطَلَ بذلك كل مزاعم الشيعة"٣.

стр. 459

الحجاب: وقد أفاض في الحديث -جزاء الله خيرًا - عن حجاب المرأة المسلمة وأجاد، ولئن كان لا يتسنى لنا أن نشم كل الورود التي قطفها كما قال في مقدمة تفسيره، فإنه أيضًا لا يسعنا إلا أن نقف عند بعضها وقفة تُبهج النفس وتمتع النظر وتشنف الأسماع بسامي المعاني وقويم العبارات. وكان مما قال في تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ، وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ ١ الآية. قال تحت عنوان: "الأحكام الشرعية"، وتحت الحكم الثاني: وأما عورة المرأة بالنسبة للرجل: فجميع بدنها عورة على الصحيح، وهو مذهب "الشافعية والحنابلة"، وقد نص الإمام أحمد ﵀ على ذلك فقال: وكل شيء من المرأة عورة حتى الظفر، وذهب "مالك وأبو حنيفة" إلى أن بدن المرأة كله عورة ما عدا "الوجه والكفين"، ولكل أدلة سنوضحها بإيجاز إن شاء الله تعالى. أدلة المالكية والأحناف: استدل المالكية والأحناف على أن "الوجه والكفين" ليسا بعورة بما يلي: أولًا: قوله تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ فقد استثنت الآية ما ظهر منها؛ أي: ما دعت الحاجة إلى كشفه وإظهاره وهو الوجه والكفان. وقد نُقِلَ هذا عن بعض الصحابة والتابعين؛ فقد قال "سعيد بن جبير" في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قال: الوجه والكف. وقال "عطاء": الكفان والوجه، وروي مثله عن الضحاك.

стр. 460

ثانيًا: واستدلوا بحديث عائشة ونصه: أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على رسول الله ﷺ وعليها ثياب رقاق؛ فأعرض عنها رسول الله ﷺ ، وقال لها: "يا أسماء، إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يُرى منها إلا هذا وهذا" وأشار إلى وجهه وكفيه. ثالثًا: وقالوا: مما يدل على أن الوجه والكفين ليسا بعورة أن المرأة تكشف وجهها وكفيها في صلاتها وتكشفهما أيضًا في الإحرام، فلو كانا من العورة لما أُبيح لها كشفها؛ لأن ستر العورة واجب لا تصح صلاة الإنسان إذا كان مكشوف العورة. أدلة الشافعية والحنابلة: ١- استدل الشافعية والحنابلة على أن الوجه والكفين عورة بالكتاب والسنة والمعقول: أولًا: أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ فقد حرمت الآية الكريمة إبداء الزينة، والزينة على قسمين: خِلْقِية ومكتسبة، والوجه من الزينة الخِلْقِية؛ بل هو أصل الجمال ومصدر الفتنة والإغراء، وأما الزينة المكتسبة فهي ما تحاوله المرأة في تحسين خِلْقَتِها؛ كالثياب والحلي والكحل والخضاب. والآية الكريمة منعت المرأة من إبداء الزينة مطلقًا، وحرمت عليها أن تكشف شيئًا من أعضائها أمام الرجال أو تظهر زينتها أمامهم، وتأولوا قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ إن المراد ما ظهر بدون قصد ولا عمد؛ مثل: أن يكشف الريح عن نحرها أو ساقها أو شيء من جسدها، ويصبح معنى الآية على هذا التأويل: ولا يبدين زينتهن أبدًا، وهن مؤاخذات على إبداء زينتهن إلا ما ظهر منها بنفسه، وانكشف بغير قصد ولا عمد، فلسن مؤاخذات عليه؛ فيكون الوجه والكف من الزينة التي يحرم إبداؤها. ثانيًا: وأما السنة، فما ورد من الأحاديث الصحيحة الكثيرة التي تدل على حرمة النظر؛ منها:
следующие страницы →