← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 8679

اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر

فهد الرومي

Полный текст (1 278 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

سهم ذي القربى: والمراد قرابة الرسول ﷺ ، وقد اختُلف في "ذي القربى" على ثلاثة أقوال: ١- قيل: إنهم قريش جميعًا. ٢- وقيل: إنهم بنو هاشم فقط. ٣- وقيل: إنهم بنو هاشم وبنو المطلب، هذا هو الرأي الصحيح والراجح، ومما يدل عليه ما رواه البخاري عن "مطعم بن جبير" من -بني نوفل- قال: مشيت أنا وعثمان بن عفان -من بني عبد شمس - إلى رسول الله ﷺ فقلنا: يا رسول الله، أعطيت بني المطلب وتركتنا ونحن وهم بمنزلة واحدة، فقال رسول الله ﷺ : "إنما بنو المطلب وبنو هاشم شيء واحد، إنهم لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام"، فدل الحديث على أن المراد بذي القربى "بنو المطلب وبنو هاشم". ويرى بعضهم أن القرابة لا يعطون إلا أن يكونوا فقراء، وهذا الحكم ثابت للرسول ﷺ ولذي قرباه في حياته، وأما بعد وفاته فإنه يرجع إلى بيت مال المسلمين. قال أبو حنيفة: يقسم الخمس على ثلاثة: "اليتامى، والمساكين، وابن السبيل"؛ لأنه قد ارتفع سهم الرسول ﷺ بموته، كما ارتفع سهم أقربائه بموته، وهذا منقول عن الشافعي أيضًا، قالوا: ويبدأ من الخمس بإصلاح القناطر، وبناء المساجد، وأرزاق القضاة والجند، ويُصرف في مصالح المسلمين. سهم اليتامى: وهذا السهم يُصرف على أطفال المسلمين الذين هلك آباؤهم وهم في سن الصغر، وأما بعد البلوغ فيزول عنهم وصف اليتيم. سهم المساكين: وهم أهل الفاقة والحاجة من ضعفاء المسلمين، الذين لا يملكون من حطام الدنيا شيئًا، ويحتاجون إلى مواساة ومساعدة.

стр. 457

سهم ابن السبيل: وهو الغريب الذي انقطع في سفره، فإنه يُعطَى من الخمس حتى ولو كان غنيًّا في بلده؛ ذلك لأننا نعتبر حالته التي هو عليها الآن. مذهب المالكية: وقد خالف المالكية هذه الأقوال المتقدمة جميعًا، ورأوا أن الخمس -خمس الغنيمة- يُجعل في بيت المال يُنفق منه على ما ذُكر في الآية وعلى غيرهم بحسب ما يراه الإمام من المصلحة، وقالوا: إن ذكر هذه الأصناف في الآية الكريمة إنما هو على سبيل المثال لا على سبيل التمليك، وهو من باب إطلاق "الخاص وأريد به العام"١، ثم ساق أدلة هذا القول وعقَّب عليه بقوله: "وهذا الرأي للمالكية سديد ووجيه"١. هذا غالب ما قاله في الغنائم والخمس؛ وإنما أطلت فيما نقلت حتى أعطي صورة لطريقته في تناول الآية من جوانب عدة، ثم لما في تفسيره من بيان واضح، وسأختصر -إن شاء الله- ما سأذكره من أمثلة لتفسيره بعد. نكاح المتعة: وشبهة مَن أباحه قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ ٢، وتحت عنوان: "الأحكام الشرعية" رد الشيخ الصابوني على مَن أباح نكاح المتعة، ووضح الحكم الصحيح، وذلك في الحكم الخامس منها، فقال: "الحكم الخامس: حكم المتعة وآراء الفقهاء فيها وقد أجمع العلماء وفقهاء الأمصار قاطبة على حرمة "نكاح المتعة"، لم يخالف فيه إلا الروافض والشيعة، وقولهم مردود؛ لأنه يصادم النصوص الشرعية من الكتاب والسنة، ويخالف إجماع علماء المسلمين والأئمة المجتهدين.

стр. 458

وقد كانت المتعة في صدر الإسلام جائزة، ثم نُسخت واستقر على ذلك النهي والتحريم، وما رُوي عن ابن عباس من القول بحلها؛ فقد ثبت رجوعه عنه، كما أخرج الترمذي عنه ﵁ أنه قال: "إنما كانت المتعة في أول الإسلام؛ كان الرجل يقدم البلدة ليس له بها معرفة، فيتزوج المرأة بقدر ما يرى أنه مقيم؛ فتحفظ له متاعه، وتصلح له شأنه، حتى نزلت الآية الكريمة: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ ١، فكل فرج سواهما فهو حرام"٢. فقد ثبت رجوعه عن قوله، وهو الصحيح، وحكي أنه إنما أباحها حالة الاضطرار والعنت في الأسفار؛ فقد روي عن ابن جبير أنه قال: قلت لابن عباس: لقد سارت بفتياك الركبان وقال فيها الشعراء، قال: "وما قالوا؟ " قلت: قالوا: قد قلت للشيخ لما طال مجلسه ... يا صاح هو لك في فتوى ابن عباس هل لك في رخصة الأطراف آنسة ... تكون مثواك حتى مصدر الناس فقال: "سبحان الله ما بهذا أفتيت؟! وما هي إلا كالميتة والدم ولحم الخنزير، ولا تحل إلا للمضطر". ومن هنا قال الحازمي: "إنه ﷺ لم يكن أباحها لهم وهم في بيوتهم وأوطانهم؛ وإنما أباحها لهم في أوقات بحسب الضرورات حمى حرَّمها عليهم في آخر الأمر تحريم تأبيد". ثم ذكر الأدلة الشرعية والعقلية على تحريم المتعة؛ ذكر منها خمسة أدلة ثم ختمها بقول الخطابي: "تحريم المتعة كالإجماع إلا عن بعض الشيعة، ولا يصح على قاعدتهم في الرجوع في المخالفات إلى "علي" ﵁ فقد صح عنه أنها نُسخت، ونقل البيهقي عن "جعفر بن محمد" أنه سُئل عن المتعة فقال: هي الزنا بعينه، فبَطَلَ بذلك كل مزاعم الشيعة"٣.

стр. 459

الحجاب: وقد أفاض في الحديث -جزاء الله خيرًا - عن حجاب المرأة المسلمة وأجاد، ولئن كان لا يتسنى لنا أن نشم كل الورود التي قطفها كما قال في مقدمة تفسيره، فإنه أيضًا لا يسعنا إلا أن نقف عند بعضها وقفة تُبهج النفس وتمتع النظر وتشنف الأسماع بسامي المعاني وقويم العبارات. وكان مما قال في تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ، وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ ١ الآية. قال تحت عنوان: "الأحكام الشرعية"، وتحت الحكم الثاني: وأما عورة المرأة بالنسبة للرجل: فجميع بدنها عورة على الصحيح، وهو مذهب "الشافعية والحنابلة"، وقد نص الإمام أحمد ﵀ على ذلك فقال: وكل شيء من المرأة عورة حتى الظفر، وذهب "مالك وأبو حنيفة" إلى أن بدن المرأة كله عورة ما عدا "الوجه والكفين"، ولكل أدلة سنوضحها بإيجاز إن شاء الله تعالى. أدلة المالكية والأحناف: استدل المالكية والأحناف على أن "الوجه والكفين" ليسا بعورة بما يلي: أولًا: قوله تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ فقد استثنت الآية ما ظهر منها؛ أي: ما دعت الحاجة إلى كشفه وإظهاره وهو الوجه والكفان. وقد نُقِلَ هذا عن بعض الصحابة والتابعين؛ فقد قال "سعيد بن جبير" في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قال: الوجه والكف. وقال "عطاء": الكفان والوجه، وروي مثله عن الضحاك.

стр. 460

ثانيًا: واستدلوا بحديث عائشة ونصه: أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على رسول الله ﷺ وعليها ثياب رقاق؛ فأعرض عنها رسول الله ﷺ ، وقال لها: "يا أسماء، إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يُرى منها إلا هذا وهذا" وأشار إلى وجهه وكفيه. ثالثًا: وقالوا: مما يدل على أن الوجه والكفين ليسا بعورة أن المرأة تكشف وجهها وكفيها في صلاتها وتكشفهما أيضًا في الإحرام، فلو كانا من العورة لما أُبيح لها كشفها؛ لأن ستر العورة واجب لا تصح صلاة الإنسان إذا كان مكشوف العورة. أدلة الشافعية والحنابلة: ١- استدل الشافعية والحنابلة على أن الوجه والكفين عورة بالكتاب والسنة والمعقول: أولًا: أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ فقد حرمت الآية الكريمة إبداء الزينة، والزينة على قسمين: خِلْقِية ومكتسبة، والوجه من الزينة الخِلْقِية؛ بل هو أصل الجمال ومصدر الفتنة والإغراء، وأما الزينة المكتسبة فهي ما تحاوله المرأة في تحسين خِلْقَتِها؛ كالثياب والحلي والكحل والخضاب. والآية الكريمة منعت المرأة من إبداء الزينة مطلقًا، وحرمت عليها أن تكشف شيئًا من أعضائها أمام الرجال أو تظهر زينتها أمامهم، وتأولوا قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ إن المراد ما ظهر بدون قصد ولا عمد؛ مثل: أن يكشف الريح عن نحرها أو ساقها أو شيء من جسدها، ويصبح معنى الآية على هذا التأويل: ولا يبدين زينتهن أبدًا، وهن مؤاخذات على إبداء زينتهن إلا ما ظهر منها بنفسه، وانكشف بغير قصد ولا عمد، فلسن مؤاخذات عليه؛ فيكون الوجه والكف من الزينة التي يحرم إبداؤها. ثانيًا: وأما السنة، فما ورد من الأحاديث الصحيحة الكثيرة التي تدل على حرمة النظر؛ منها:

стр. 461

أ- حديث جرير بن عبد الله: سألت رسول الله ﷺ عن نظر الفجأة فقال: "اصرف نظرك" ١. ب- حديث علي: "يا علي، لا تتبع النظرة النظرة؛ فإنما لك الأُولَى وليست لك الآخرة" ٢. ج- حديث الخثعمية الذي رواه ابن عباس ﵄ وفيه: أن النبي ﷺ أردف الفضل بن العباس يوم النحر خلفه، وكان رجلًا حسن الشعر أبيض وسيمًا، فجاءته امرأة من خثعم تستفتيه؛ فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه؛ فجعل رسول الله ﷺ يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر ... "٣، الحديث في حجة الوداع. فجميع هذه النصوص تفيد حرمة النظر إلى الأجنبية، ولا شك أن الوجه مما لا يجوز النظر إليه؛ فهو إذًا عورة٤. قلت: هذا ما رأيت ذكره من الأدلة التي أوردها، ثم رجح رأي الشافعية والحنابلة، وردَّ على ما ذكر من أدلة المالكية والحنفية، ثم قال بعد ذلك: "أقول: الأئمة الذين قالوا بأن "الوجه والكفين" ليسا بعورة اشترطوا بألا يكون عليهما شيء من الزينة، وألا يكون هناك فتنة، أما ما يضعه النساء في زماننا من الأصباغ والمساحيق على وجوههن وأكفهن بقصد التجميل، ويظهرن به أمام الرجال في الطرقات؛ فلا شك في تحريمه عند جميع الأئمة، ثم إن قول بعضهم: إن الوجه والكفين ليسا بعورة، ليس معناه أنه يجب كشفهما أو أنه سنة وسترهما بدعة، فإن ذلك ما لا يقول به مسلم؛ وإنما معناه أنه لا حرج في كشفهما عند

стр. 462

الضرورة، وبشرط أمن الفتنة. أما في مثل هذا الزمان الذي كثر فيه أعوان الشيطان، وانتشر فيه الفسق والفجور، فلا يقول أحد بجواز كشفه، لا من العلماء ولا من العقلاء؛ إذ مَن يرى هذا الداء والوباء الذي فشا في الأمة -وخاصة بين النساء بتقليدهن لنساء الأجانب- فإنه يقطع بحرمة كشف الوجه؛ لأن الفتنة مؤكدة والفساد محقق، ودعاة السوء منتشرون، ولا نجد المجتمع الراقي المهذب الذي يتمسك بالآداب الفاضلة، ويستمع لمثل قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ ولا لقول رسول الله ﷺ : "اصرف بصرك"، فالاحتياط في مثل هذا العصر والزمان واجب، والله يهدي مَن يشاء إلى صراط مستقيم"١. هذا ما قاله -وفقه الله- هنا، وقال مثله أو أحسن منه تحت عنوان: بدعة كشف الوجه، وجعله خاتمة لهذا البحث، وقال مثل هذا في سورة الأحزاب، وكله حري به أن يقرأ ويدرك، كيف لا وهي فتنة ترقب الشباب، وكيف لا وهم عماد الأمة ومستقبلها. قطع يد السارق: قال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيم﴾ ١، قال في بيان موضع قطع اليد: "دل قوله تعالى: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ على وجوب قطع اليد في السرقة، وقد أجمع الفقهاء على أن اليد التي تُقطع هي "اليمنى"؛ لقراءة بن مسعود: "فاقطعوا أيمانهما". ثم اختلفوا: من أين تقطع اليد؟ فقال فقهاء الأمصار: تقطع من المفصل -مفصل الكف- لا من المرفق ولا من المنكب، وقال الخوارج: تقطع إلى المنكب، وقال قوم: تُقطع الأصابع فقط.

стр. 463

حجة الجمهور ما رُوي أن رسول الله ﷺ قطع يد السارق من الرسغ، وكذلك ثبت عن "علي" و"عمر بن الخطاب" أنهما كانا يقطعان يد السارق من مفصل الرسغ؛ فكان هو المعول عليه"١. وقال في حكمة هذا التشريع: "وأعداء الإنسانية يستعظمون قتل القاتل وقطع يد السارق، ويزعمون أن هؤلاء المجرمين ينبغي أن يحظوا بعطف المجتمع؛ لأنهم مرضى بمرض نفساني، وأن هذه العقوبات الصارمة لا تليق بمجتمع متحضر يسعى لحياة سعيدة كريمة، إنهم يرحمون المجرم من المجتمع ولا يرحمون المجتمع من المجرم الأثيم الذي سلب الناس أمنهم واستقرارهم وأقلق مضاجعهم، وجعلهم مهددين بين كل لحظة ولحظة في الأنفس والأموال والأرواح. وقد كان من أثر هذه النظريات التي لا تستند إلى عقل ولا إلى منطق سليم أن أصبح في كثير من البلاد "عصابات" للقتل وسفك الدماء وسلب الأموال، وزادت الجرائم واختل الأمن وفسد المجتمع، وأصبحت السجون ممتلئة بالمجرومين وقطاع الطريق. والعجيب أن هؤلاء الغربيين الذين يرون في الحدود الإسلامية شدة وقسوة لا تليق بعصرنا المتحضر، والذين يدعون إلى إلغاء عقوبة "القتل والزنا وقطع يد السارق" ... إلخ، هم أنفسهم يفعلون ما تشيب له الرءوس، وتنخلع لهوله الأفئدة، فالحروب الهجمية التي يثيرونها، والأعمال الوحشية التي يقومون بها؛ من: قتل الأبرياء، والاعتداء على الأطفال والنساء، وتهديم المنازل على مَن فيها، لا تعتبر في نظرهم وحشية، ولقد أحسن الشاعر حين صور منطق هؤلاء الغربيين بقوله: قتل امرئ في غابة ... جريمة لا تغتفر وقتل شعب آمن ... مسألة فيها نظر

стр. 464

نعم، إن الإسلام شرع عقوبة قطع يد السارق، وهي عقوبة صارمة؛ ولكنه أمن الناس على أموالهم وأرواحهم، وهذه اليد الخائنة التي قُطعت إنما هي عضو أشل تأصل فيها الداء والمرض، وليس من المصلحة أن نتركها حتى يسري المرض إلى جميع الجسد؛ ولكن الرحمة أن نبرتها ليسلم سائر البدن، ويد واحدة تُقطع كفيلة بردع المجرمين، وكف عدوانهم، وتأمين الأمن والاستقرار للمجتمع. فأين تشريع هؤلاء من تشريع الحكيم العليم، الذي صان به النفوس والأموال والأرواح!! "١. هذا ما قاله -وفقه الله- في هذا الحد الشرعي، وأحب أن أهمس في أذنه -ومثله خبير بهذا- أن أولئك القوم ما نقموا هذه الحدود لبشاعتها بزعمهم، وما نقموها لوحشيتها كما يدعون؛ وإنما نقموها لأنهم ينقمون أصلها؛ أعني: الدين الإسلامي كله، وفي التاريخ المعاصر شواهد على ما أقول كثيرة، إن أردت أن أذكر منها شاهدًا واحدًا ذكرت موقف الولايات المتحدة الأمريكية، وهي أم المكائد والمشاكل في العصر الحديث؛ من باكستان الإسلامية، ما أن فكرت أو اتجهت باكستان لصناعة القنبلة الذرية؛ حتى وضعت أمامها العراقيل والعقبات، وحتى صاحت في آذان جنودها: احذروا القنبلة الذرية الإسلامية، لم ترفع هذه الصيحة وهذا النداء وهذه السمة ضد القنبلة النصرانية، ولا ضد القنبلة الشيوعية ولا اليهودية، ولا حتى الهندوسية؛ ولكن قد كانت الدولة المعنية تحمل الصبغة الإسلامية، فإن لجنة الشئون الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي توقف آية مساعدة عسكرية أو تكنولوجية لباكستان ما لم يلتزم الرئيس الأمريكي، بأن لا تجوز باكستان سلاحًا نوويًّا أو تسعى لحيازة مثل هذه الأسلحة٢. لا أقصد من هذا أن أقول: لا تردوا على شبهاتهم في الحدود ونحوها؛ لأن عداءهم أكبر من ذلك؛ ولكني قصدت القول: لا تطمعوا منهم باعتراف، ولا تمنوا أنفسكم به، وصدق الله العظيم ﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ ٣.

стр. 465

وبعد: هذه أمثلة لتفسير الشيح محمد علي الصابوني لآيات الأحكام في القرآن الكريم، التي التزم فيها منهجه الذي بيَّنه وذكرناه في مقدمة تفسيره وفي مقدمة حديثنا عنه. وقد اتسم تفسيره لها بمزية قد لا تجدها في كثير من التفاسير مثل تفسيره؛ فقد حَرَصَ على ألا يورد الأحكام جافة من غير أن يدعو إلى تطبيقها في المجتمعات الإسلامية، أو إزالة ما أصابها من دنس أصحاب الشبهات والشهوات، فقَلَّ أن يتناول حكمًا شرعيًّا إلا وبيَّن محاسنه ومزاياه، وردَّ ما يلصق به من لدن خصومه؛ كتشريع تعدد الزوجات، والحجاب الذي أوردنا بعض ما قال فيه وأبدع، وردَّ على دعاة الاختلاط وأصحاب الصور والتماثيل، وألجم الناقمين على الحدود الإسلامية وقطع كيدهم. وإن كان لي من ملاحظات -إن صحت تسميتها بذلك- فهي أنه وفقه الله لم يتناول كثيرًا من آيات الأحكام وبعضها هام جدًّا، ولم يتناول كذلك آيات الميراث في سورة النساء، ونحو ذلك. وأذكر منها أيضًا أنه تناول آيات القرآن على شكل محاضرات، ولو تناولها على طريقة السلف بأن يورد السورة ثم الآيات التي يريد دراستها مرتبة، ويشير إليها في الفهارس على هذا النحو لكان أفضل، لا أفضل هذه الطريقة لكونها طريقة السلف فحسب؛ ولكن لكونها أيسر على الباحث في حصوله على مراده. وأذكر منها أيضًا ضرورة التوسع في بعض الأبحاث، والاختصار في بعضها، والأطناب المحبب في حكم التشريع، التي يذكرها لبعض الأحكام الشرعية، خاصة أنه قلَّ أن تجد تفسيرًا يعتني بها على هذا النحو. هذا ما أردت بيانه، واللهَ أسألُ أن ينفع به وبتفسيره، إنه سميع مجيب.

стр. 466

ثالثًا: تفسير آيات الأحكام أولًا: المؤلف العجيب أن هذا الكتاب القيِّم لا يُعرف له مؤلف، وكثير من طلبة العلم يعده للشيخ محمد علي السايس، وبين يدي طبعة صدرت سنة ١٣٥٦-١٩٣٧م خالية من اسم مؤلفها، وطبعة أخرى بين يدي صدرت سنة ١٣٧٣ كتب على غلافها: أشرف على تنقيحها وتصحيحها فضيلة الأستاذ الشيخ محمد على السايس، ولعل هذا هو ما جعل الكتاب إلى الشيخ. بقي أن نقول: إن الصحيح أنها نسبة تنقيح وتصحيح وليست جمعًا وتأليفًا؛ ولهذه النسبة نكتب تعريفًا للشيخ محمد على السايس. المنقح المصحح ١: ولد في مدينة مطوبس التابعة لمحافظة كفر الشيخ إحدى محافظات الوجه البحري لمصر في يوم ١٦ أغسطس ١٨٩٩ ميلادية "١٣١٩ هجرية"، وتُوفي عن عمر ٧٧ عامًا في فجر يوم الأربعاء الموافق ٢٤ نوفمبر ١٩٧٦م "أول ذي الحجة ١٣٩٦هـ" حفظ القرآن كله في سن التاسعة، والتحق بالأزهر، وتدرج فيه حتى حصل على عالمية الأزهر في سن ٢٨، وعُين في مدينة أسيوط، ثم نقل إلى كلية

стр. 467

أصول الدين مدرِّسًا، وتدرج في الرقي حتى أصبح عميدًا لكلية أصول الدين، ثم عميدًا لكلية الشريعة سنة ١٩٥٧م. نال الشهادة العالمية "عودلت بالدكتوراه" ١٩٢٧م الموافق ذي القعدة ١٣٤٥هـ، ثم نال تخصص القضاء الشرعي "إبريل ١٩٣٢م" الموافق ذي الحجة ١٣٥٠هـ، ثم عضوية جماعة كبار العلماء "١٩٥٠م"، وبعد أن أُلغيت الجماعة نال عضوية مجمع البحوث الإسلامية في ٥/ ٧/ ١٩٦١م، وكان عضوًا في المجلس الأعلى للأزهر من ١٨/ ٢/ ١٩٥٤ حتي تُوفي، وكانت تجدد له ٨ كل ثلاثة أعوام. وعُين عميدًا لكلية أصول الدين سنة ١٩٥٤م لمدة ثلاث سنوات، فعميدًا لكلية الشريعة الإسلامية سنة ١٩٥٧م لمدة سنتين؛ حيث أحيل على المعاش في ١/ ٣/ ١٩٥٩ قبل السن القانونية؛ وذلك لمعارضته لتغيير نظام التعليم في الأزهر. وعُين أمينًا لمجمع البحوث الإسلامية، ثم أحيل على المعاش في السن القانونية في ١٦/ ٨/ ١٩٦٤ بعد بلوغه ٦٥ سنة. أهم مؤلفاته "تاريخ التشريع الإسلامي"، وبقية المؤلفات خاصة بمناهج الدراسة في كلية الشريعة، ومن بحوثه "تحديد أوائل الشهور العربية". أشرف وناقش عددًا كبيرًا من الرسائل العلمية، ومن أصحاب تلك الرسائل الشيخ محمد حسين الذهبي، ومنهم الدكتور يوسف القرضاوي. وكانت له جلسات علمية مع بعض المشايخ بقاعة محمد عبده في الأزهر؛ مثل: الشيخ عبد الرحمن تاج، والشيخ محمود شلتوت، والشيخ محمد أبو زهرة، والشيخ محمد دراز، وغيرهم. وحصل على عدد من الأوسمة؛ منها: الوسام الملكي في عهد الملك فاروق، ووسام الشرف لجمهورية مصر في الطبقة الأولى في عهد الثورة. وتُوفي عقب مناقشته لإحدى رسائل الدكتوراه بثلاث ساعات، ﵀ رحمة واسعة.

стр. 468

ثانيًا: تفسير آيات الأحكام: قلت آنفًا: إن بين يدي طبعة صدرت سنة ١٣٥٦، وعليها ما يدل على صدورها عن الجامع الأزهر -كلية الشريعة الإسلامية- وجاء عنوانها: "مذكرة في تفسير آيات الأحكام"، ثم صدرت طبعة أخرى بعد ذلك سنة ١٣٧٣ حُذف منها كلمة "مذكرة في" وبقي الاسم "تفسير آيات الأحكام"، وأضيف إليها اسم مَن أشرف على التنقيح والتصحيح. وأحسب أن هذه المذكرة وضعها أحد المشايخ لتلاميذه في الأزهر، ثم تناوبتها أيدي المشايخ من بعده بالحذف والإضافة والتنقيح والتغيير ونحو ذلك؛ فلم ينسبها أحد لنفسه؛ فبقيت مجهولة المؤلف. كما أن هناك فارقًا بين الطبعتين المذكورتين: أن الأولى تزيد على الأخيرة بتفسير آيات الأحكام في سورتي العنكبوت والروم، بينما حذف من الأخيرة. وسأعتمد في الإشارة إلى النقول هنا على الطبعة الأخيرة المنقحة المصححة، والله الهادي. نماذج من تفسيره: فرض الرجلين في الوضوء: قال في ذلك عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ ١: "قوله: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بالنصب معطوف على وجوهكم؛ فيجب غسل الأرجل إلى الكعبين، يؤيد ذلك عمل النبي ﷺ وعمل أصحابه في حياته وبعد مماته، فكان الحكم مجمَعًا عليه. وأما قراءة الجر، فمحمولة على الجوار، كما في قوله في سورة هود: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ بجر "أليم" لمجاورة "يوم" المجرورة، وفائدة الجر للجوار هنا في قوله: "وأرجلكم" التنبيه على أنه ينبغي الاقتصاد في صب الماء على الأرجل، وخص الأرجل بذلك لأنها مظنة

стр. 469

الإسراف لما يعلق بها من الأدران"١. خمس الغنائم: والنص الوارد في ذلك -كما مر بنا- قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ ٢ الآية. قال المؤلف: "هذه الآية بيَّنت أن غنائم الحرب تخمس؛ فيجعل خمس لله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، وأربعة الأخماس الباقية بيَّنت السنة أنها تُقسم على الجيش، للراجل سهم وللفارس ثلاثة أسهم أو سهمان، على اختلاف في الروايات". وقال: "وقد ذكرت الآية أن الخمس لستة: أولهما: الله ، وقد اختلف المفسرون فيه على قولين: ١- أن قوله: ﴿لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ مفتاح كلام لم يقصد به أن الخمس يقسم على ستة منها الله -لله الدنيا والآخرة- بل يقسم الخمس على خمسة: للرسول ولذي القربى ... إلخ، ويكون الغرض من ذكر الله تعليمنا التبرك بذكره، وافتتاح الأمور باسمه، أو يكون معناه أن الخمس مصروف في وجوه القرب إلى الله، ثم بيَّن تلك الوجوه فقال: للرسول ولذي القربى فأجمل أولًا ثم فصل. ٢- أن المراد لبيت الله، فسهمُ الله يصرف في الكعبة، نقل عن أبي العالية، والظاهر القول الأول لإجماع الحجة عليه. ثانيها: رسول الله، وقد ذكر بعضهم أنه افتتاح كلام كما قالوه في "الله"، والغنيمة تقسم على أربعة، وقال الأكثرون: إن الغنيمة تُقسم على خمسة؛ أولها: سهم الرسول يضعه حيث رأى.

стр. 470

ثالثها: ذو القربى، والمراد بها قرابة الرسول ﷺ ، وقد اخْتُلف في ذوي القربى؛ فقيل: هم قرابة رسول الله من بني هاشم، وقيل: هم قريش كلها، وقيل: هم بنو هاشم وبنو المطلب، وهو الراجح. رابعها: اليتامى؛ وهم أطفال المسلمين الذين هلك آباؤهم. خامسها: المساكين؛ وهم أهل الفاقة والحاجة من المسلمين. سادسها: ابن السبيل؛ وهو المجتاز سفرًا قد انقطع به. وقد خالفت المالكية هذه الأقوال المتقدمة جميعها، ورأوا أن خمس الغنيمة يُجعل في بيت المال، ينفق منه على من ذُكر وعلى غيرهم بحسب ما يراه الإمام، وكأنهم رأوا أن ذكر هذه الأصناف على سبيل المثال، وهو من باب الخاص أُريد به العام، وأصحاب الأقوال المتقدمة رأوا أنه من باب الخاص أُريد به الخاص"١. نكاح المتعة: قال في قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ ٢. قال إنها "أمر بإتيان الأزواج مهورهن، وأجاز الحط بعد الاتفاق برضا الزوجين؛ وعلى ذلك تكون الآية نزلت في النكاح المتعارف. وقيل: نزلت في المتعة؛ وهي أن يستأجر الرجلُ المرأةَ بمال معلوم إلى أجل معين، وكان الرجل ينكح امرأة وقتًا معلومًا ليلة أو ليلتين أو أسبوعًا، بثبوت أو غير ثبوت، ويقضي منها وطرًا ثم يتركها. واتفق العلماء على أنها كانت جائزة، ثم اختلفوا؛ فذهب الجمهور إلى أنها نُسخت، وذهب ابن عباس إلى أنها لم تُنسخ، وهناك رواية عنه أنها نسخت، ورُوي أنه رجع عن القول بها قبل موته.

стр. 471

والراجح أن الآية ليست في المتعة؛ لأن الله ذكر المحرمات في النكاح المتعارف، ثم ذكر أنه أحل ما رواء ذلكم؛ أي: في هذا النكاح نفسه. والراجح أن حكم المتعة الثابت بالسنة قد نُسخ؛ لما أخرجه مالك عن علي أن الرسول ﷺ : نهى عن متعة النساء، وعن أكل لحوم الحمر الإنسية. وروى الربيع بن سبرة الجهني عن أبيه قال: غدوت على رسول الله ﷺ فإذا هو قائم بين الركن والمقام، مسندًا ظهره إلى الكعبة، يقول: "يأيها الناس، إني أمرتكم بالاستمتاع من هذه النساء، ألا وإن الله قد حرمها عليكم إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شيء فليخلِّ سبيلها، لا تأخذوا مما آتيتموهن شيئًا". ورُوي عن عمر: لا أُوتى برجل تزوج امرأة إلى أجل إلا رجمتهما بالحجارة١، ويدل على تحريم المتعة قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ، إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ ٢، والمستمتَع بها ليست ملك يمين بالاتفاق، وليست زوجة لانتفاء خصائص الزوجية عنها؛ لأنها لا ترثه ولا يلحق به ولدها"٢. نكاح الكتابيات: ذكر المؤلف في قوله تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ ٤ الآية، أنه "قد اختلف العلماء في هذه الآية؛ فذهب بعضهم إلى أن لفظ المشركات يعم كل مشركة، سواء أكانت وثنية أم يهودية أم نصرانية، ولم يُنسخ أو يخص منها شيء؛ فيكن جميعًا قد حرم على المسلم زواجهن.

стр. 472

وذهب بعضهم إلى أن المراد بالمشركات مَن لا كتاب لهن من المجوس والعرب دون الكتابيات، وذهب بعضهم إلى أن المراد بالمشركات عام في جميع مَن ذكرنا، إلا أنه نُسخ بقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ ١. ثم ذكر المؤلف سبب الخلاف، وأنه فرع عن التفريق بين الكافر والمشرك، ثم علق على ما رُوي أن عمر بن الخطاب ﵁ فرَّق بين طلحة بن عبيد الله ﵁ وزوجته اليهودية، وبين حذيفة بن اليمان وزوجته النصرانية، فقال: "ورحم الله عمر بن الخطاب؛ فقد كان ينظر إلى مصالح المسلمين -نسائهم ورجالهم- ويسوسهم بالنظر والمصلحة، وما أحوجنا إلى مثل هذه السياسة؛ فإن كثيرًا من الشباب المسلمين في مصر رغبوا عن زواج المحصنات المسلمات إلى زواج الكتابيات الأجنبيات"٢. قطع يد السارق: ونص على ذلك قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ٣، قال المؤلف: "واليد تُطلق على العضو المخصوص إلى المنكب؛ وعلى هذا العضو إلى مفصل الكف، كما في قوله تعالى لموسى ﵇: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ ٤، والمراد ما كان إلى مفصل الكف، ولا خلاف بين السلف من الصدر الأول ولا بين فقهاء الأمصار في أن قطع يد السارق يكون إلى مفصل الكف، لا إلى المرفق، ولا إلى المنكب، وقال الخوارج: تُقطع إلى المنكب، وقال قوم: تُقطع الأصابع فقط. حجة الجمهور ما رواه محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قطع يد السارق من

стр. 473

الرسغ، وما رُوي عن علي بن أبي طالب وعمر بن الخطاب ﵄ أنهما كانا يقطعان يد السارق من مفصل الرسغ، فكان هو المعول عليه"١. رأيي في هذا التفسير: وإن كان لي من ملاحظات على هذا التفسير، فهي ملاحظات بعضها أشرت إليه في التفاسير التي قبله، وبعضها خاص به. أما الأول منها، فكونه مؤلَّفًا لطلاب يلتزم فيه المؤلف بالمنهج المقرر عليهم؛ فيؤدي به هذا الالتزام إلى الاختصار، لا أقصد الاختصار المحمود؛ بل الاختصار القاصر الذي يجعل صاحبه يعرض عن بيان بعض الأحكام جملة، وعن بيان أدلة بعض الآراء الأخرى أحيانًا، أو ترجيح رأي لم تستوفَ أدلة ترجيحه، ونحو ذلك. أما الثاني فملاحظة خاصة، وأحسبها ترجع إلى تعاقب المؤلفين على هذا التفسير أو تعددهم؛ وهي ذلك الاضطراب في بعض العبارات والأخطاء اللغوية في بعضها. والله الموفق.

стр. 474

رابعًا: تفسير آيات الأحكام أولًا: المؤلف ١ هو أبو محمد مناع خليل القطان. مولده: وُلد في شهر أكتوبر ١٩٢٥م في قرية "شنشور" مركز أشمون من محافظة المنوفية. حياته العلمية: بدأ حياته العلمية بحفظ القرآن الكريم في كُتَّاب القرية، والتحق بمدرستها الابتدائية، ثم التحق في شبين الكوم بالمعهد الديني، ومن أبرز مشايخه في تلك الفترة: الشيخ عبد الرزاق عفيفي، والشيخ عبد المتعال سيف النصر، والشيخ علي شلبي، ثم التحق بكلية أصول الدين، وتخرج سنة ١٩٥١م مع إجازة التدريس، ومن أساتذته في هذه الفترة: محمد زيدان، والدكتور محمد البهي، والدكتور محمد يوسف موسى. أعماله: أُعير للتدريس في المملكة العربية السعودية سنة ١٩٥٣، للتدريس بالمعاهد العلمية إلى سنة ١٩٥٨م، ثم انتقل للتدريس في كلية الشريعة بالرياض سنة ١٣٧٨، وشارك في التدريس بالمعهد العالي للقضاء منذ افتتاحه سنة ١٣٧٨، وعُين مديرًا للمعهد سنة ١٣٩٢. ثم أُسندت إليه إدارة الدراسات العليا في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية سنة ١٣٩٩، نال درجة الأستاذية، وأشرف على أكثر من ٣٠ رسالة

стр. 475

دكتوراه، كما أشرف على ما يزيد على ثمانين رسالة ماجستير، وقام بفحص الإنتاج العلمي لأساتذة بعض الجامعات للترقية إلى درجة أستاذ مشارك وأستاذ داخل المملكة وخارجها، وناقش كثيرًا من الرسائل العلمية؛ ومنها هذه الرسالة التي بين يديك. مؤلفاته: له عدد من المؤلفات؛ منها: ١- مباحث في علوم القرآن. ٢- تفسير آيات الأحكام. ٣- نظام الأسرة في الإسلام. ٤- التشريع والفقه في الإسلام تاريخًا ومنهجًا. ٥- نظرية التملك في الإسلام. ٦- الثقافة الإسلامية. ٧- الدعوة إلى الإسلام. ٨- الحديث والثقافة الإسلامية. ثانيًا: التفسير: تفسير آيات الأحكام: ويقع في جزأين: الأول منهما يحوي مقرر السنة الثالثة في كلية الشريعة بالرياض، وعدد صفحاته ١٨٧، والثاني يحوي مقرر السنة الرابعة فيها، وعدد صفحاته ٢٢٠ بدون الفهارس. وصدرت الطبعة الأولى من التفسير عن المكتب الإسلامي سنة ١٣٨٤. طريقته في التفسير: ذكر المؤلف في مقدمته الحامل له على تأليف هذا التفسير فقال: "وقد حملني على كتابته -حين عهد إليَّ بتدريس مادة التفسير بكلية الشريعة بالرياض- رغبة الطلاب في تدوين الدرس وإملائه؛ حتى يتوفر عليهم الجُهْد في البحث بأمهات الكتب، وإني إذ أتسجيب لرغبتهم أوصيهم بالاعتماد على المراجع، والتدريب على منهج المفسرين؛ فذلك سبيل العلم".

стр. 476

إذًا فهو من التفاسير التي أُلفت لفئة معينة أولًا، وعلى حسب منهج مرسوم سلفًا لا يزيد عنه ولا ينقص منه ثانيًا؛ لذا فقد بدأ في التفسير من سورة الأنعام، وانتهى بسورة الأحزاب. والمؤلف يذكر الآية التي يريد تفسيرها، ثم يذكر بعدها سبب نزولها إن كان له سبب، ثم أحيانًا يذكر صلة الآية بما قبلها تحت عنوان الربط حينًا، وتحت عنوان مكان هذه الآيات من السورة حينًا آخر، وتحت عنوان صلة الآية بما قبلها حينًا ثالثًا، ثم المفردات والإعراب، ويذكر فيه القراءات إن كان في الآية قراءات، ثم بعد ذلك إن كان بين العلماء اختلاف في تفسير الآية عقد عنوان "الأحكام"، وإن لم يكن بينهم خلاف جعل العنوان "ما يستفاد من الآيات"، ويختم بعض الآيات ببيان حكمة التشريع. هذه هي عناصر تفسيره لآيات الأحكام، قد تجتمع في آية -وهو قليل- وقد لا تجتمع على ما أشرنا إليه. وهو في كل هذا يلتزم عقيدة أهل السنة والجماعة في آيات العقائد إن عرضت له، ويلتزم المذاهب الصحيحة في آيات الأحكام، مُعرضًا عن المذاهب الباطلة، منتقدًا لها. نماذج من تفسيره: غاية الجهاد في الإسلام: يرى الشيخ مناع أن غاية القتال في الإسلام ألا يوجد شرك يدفع المسلمين إلى البلاء والشدة، وحتى لا يفتن مسلم عن دينه بضروب الإلحاد والفساد، ودليله لهذا قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ، وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ ١. فقال في حديثه عن الأحكام في الآية: "حددت الآية غاية القتال في الإسلام؛ وهي زوال الأديان الباطلة جميعًا من

стр. 477

العالَم؛ حتى لا يبقى شرك، ويكون التوحيد خالصًا لله ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ ، وفي الصحيحين: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله " ١، ومقتضى ذلك: قتال مَن امتنع عن الدخول في الإسلام، أما ترك قتال مَن يؤدي الجزية؛ فلتخصيص أهل الكتاب من العموم في الآية والحديث؛ حيث إن المراد التعبير عن إعلاء كلمة الله، وإذعان المخالفين، والغرض من دفع أو ضرب الجزية اضطرارهم إلى الإسلام، فالمعنى المقصود: الأمر بالقتال حتى يُسلموا، أو يلتزموا ما يؤدي بهم إلى الإسلام؛ وبهذا يتبين أن القتال بأي دافع آخر -كالوطنية والقومية- ليس قتالًا في سبيل الله"٢. وأكد الشيخ مناع -وفقه الله- هذا المفهوم عند حديثه عن حكمة التشريع في هذه الآية؛ حيث رَدَّ على طائفة من المسلمين بقوله: "وهذه الآية ترد على هؤلاء الذين يتملقون خصوم الإسلام، بتحريف الكلم عن مواضعه في رد دعوى انتصار الإسلام بالسيف؛ حيث يقولون بحرية الأديان، مستدلين بما جاء في صدر الإسلام؛ مثل قوله تعالى: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّين﴾ [البقرة: ٢٥٦] وتظهر حكمة مشروعية القتال في الإسلام إذا عرفنا أنه ضرورة اجتماعية لإقامة الحق وإعلاء الدين، وإلا لتغلب أهل الشر والفساد ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [الحج: ٤٠] وما بُعث رسول الله ﷺ لسفك الدماء، وما كان

стр. 478

انتشار دينه على أشلاء أعدائه؛ ولكنه رحمة الله المسداة لإنقاذ الإنسانية من أوضار الشرك والشقاء، وبلمسها الشافي لعلاج أمراضها؛ حتى يحقق لها السعادة والأمن والرخاء تحت لواء شريعة الله، فلا ضير على الإسلام أن يجبر١ الكفار على الدخول فيه؛ لأنه يقدم لهم السعادة في الدنيا، والثواب في الآخرة، كما لا ضير على طبيب أن يجبر مريضًا على تناول الدواء؛ لأنه يقدم له ما فيه علاجه وعافيته"٢. خمس الغنائم: في الحكم الخامس من الأحكام التي ذكرها في قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ ٣ الآية، قسم الشيخ مناع أقوال العلماء في خمس الغنائم فقال: "اختُلف في كيفية تقسيم الخمس؛ فقال بعضهم: ١- يقسم الخمس على ستة لظاهر الآية؛ فالسدس الأول لله ويجعل للكعبة، وورد عن أبي العالية أثر ضعيف في ذلك. ٢- وزعم بعض أهل البيت أن الخمس كله لهم دون غيرهم، وهذا زعم باطل. ٣- وقال كثير من أهل العلم: يُقسم الخمس على خمسة، وسهم الله وسهم رسوله واحد، يُصرف في مصالح المسلمين، وذُكر اسم الله في الآية استفتاح كلام للتعظيم، وبهذا قال أحمد والشافعي وأبو حنيفة، إلا أنهم اختلفوا في سهم رسول الله وسهم ذوي القربى بعد وفاة الرسول ﷺ ، والمشهور: أن سهم الرسول باقٍ للإمام.

стр. 479

٤- وقال جماعة: إن خمس الغنيمة موكول إلى نظر الإمام واجتهاده، فيأخذ منه من غير تقدير، ويعطي القرابة باجتهاده، ويصرف الباقي في مصالح المسلمين، والمراد بذكر الله في الآية بيان أن الخمس يُصرف في وجوه القُرَب إلى الله، وتخصيص الوجوه المذكورة للتنبيه على فَضْلِها، وهو قول مالك، وأيده ابن تيمية وقال: عليه أكثر السلف، وهو أصح الأقوال"١. الدولة دين وسياسة: وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ ٢. أنكر الشيخ مناع -وفقه الله- على أولئك الذين فصلوا بين الدين والسياسة، فعدَّ من الأحكام لهذه الآية أن "فيها جمع سلطة النبوة والحكم وسياسة الأمور وحماية الدولة في الشريعة، فكيف يسوغ للمارقين عن شريعة الإسلام فصل الدين عن الدولة مع عموم رسالة الإسلام وكمالها؟! "٣. ثم قال في المعنى الإجمالي لهذه الآية: "وبهذا جمع الله في سلطة داود الدين والدولة، أو النبوة والحكم، وقد عرف الناس في تاريخ الحضارة الغربية ثورتها على الكنيسة ورجالها؛ لأسباب ليست في طبيعة الإسلام وحضارته، ويأبى ببغاواتنا المستغربون إلا أن ينهجوا نهج أساتذتهم؛ فيقفوا من الإسلام ورجاله موقف أولئك من الكنيسة ورجالها؛ حتى فصلوا بين الدولة والدولة، وعزلوا الإسلام عن تنظيم حياة المجتمع، وسياسة شئون الأمة؛ فأصبحت الشريعة المحمدية في معظم ديار الإسلام طقوسًا تعبدية، يؤديها مَن يشاء في المنزل أو المسجد، أفلا ينظر هؤلاء إلى داود في نبوته وحكمه، وقد كانت رسالته قبل رسالة محمد ﷺ بعشرات القرون؛ ليأخذوا من ذلك العظة والعبرة؟! "٤.

стр. 480

حجاب المرأة: في قوله تعالى مخاطبًا نساء المؤمنين: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ ١، قال الشيخ مناع: "والذي يدل عليه سياق الآية النهي عن إبداء الزينة إلا ما كان ظاهرًا لا يمكن إخفاؤه، أو ظهر بدون قصد، فيما لا بد منه للمرأة من حركة أو إصلاح شأن أو هبوب ريح أو نحو ذلك، مما تدعو إليه الضرورة؛ لأن قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ يفيد أنه ظهر بنفسه من غير قصد، وهذا بخلاف ما يتعمد الإنسان إظهاره. وعلى هذا، فلا يصح أن يرجع الخلاف في وجوب ستر الوجه والكفين أو عدم وجوب ذلك إلى الآية؛ وإنما يرجع غلى اختلاف الأدلة من السنة؛ فيستدل مَن يرى عدم الوجوب بحديث خطبة العيد؛ حيث يقول الراوي: فقامت امرأة من وسط النساء سفعاء الخدين٢، وبحديث المرأة الخثعمية في الحج التي جاءت تستفتي رسول الله ﷺ ، وقد أردف خلفه الفضل بن عباس، فأخذ يلتفت إليها وتنظر إليه، والرسول يحول وجهه من الشق الآخر، وبعدم وجوب ستر ذلك في الصلاة والحج. واستدل مَن يرى وجوب ستر الوجه والكفين بقول عائشة في حديث الإفك حين استيقظت على استرجاع صفوان: فخمرت وجهي بجلبابي، وبقولها: كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله ﷺ محرمات، فإذا جازونا أسدلت إحادنا جلبابها من رأسها على وجهها، والنهي عن انتقاب المرأة المحرمة ولبس القفاز دليل على أن النقاب والقفاز كانا معروفَيْنِ في النساء اللاتي لم يحرمن، وذلك يقتضي ستر وجوههن وأيديهن. وفَرْقٌ بين لباس الصلاة والحجاب، فالمرأة لا يجوز لها أن تصلي مكشوفة الرأس، ولو كانت في بيتها لا يراها أحد، وفي غير الصلاة يجوز لها ذلك؛ فالحجاب شيء آخر فوق

стр. 481

زينة الصلاة، وإن سَمَّى ذلك الفقهاء "باب ستر العورة في الصلاة". هذا، وقد اتفق الجميع على منع النساء أن يخرجن سافرات الوجوه عند خوف الفتنة أو كثرة الفُساق، ونحن في عصر تفنن فيه النساء في تزيين وجوههن وأيديهن بأنواع من الزينة والأصبغة، وضَعُفَ الإيمان، وكثر الفساد، وأُهدرت الفضيلة، وعمت الفتنة؛ فلا ينبغي لمسلم أن يشك في وجوب ستر الوجه والكفين قطعًا لدابر الشر، ولو وقف الأمر عند الوجه والكفين في المجتمعات السافرة لهان الخطب؛ بل كشفت المرأة باسم المدينة ... والحرية في ديار الإسلام عن الساق والفخذ والرأس والصدر والظهر، وأظهرت تفاصيل ما سترته من جسدها بما يثير الفتنة، ويجعل العري أهون شرًّا منه"١. وبعد: هذه بعض الأمثلة من تفسير آيات الأحكام عند الشيخ مناع القطان؛ وإنما لم نذكر بعض الأحكام الأخرى التي وقع الخلاف فيها بين أهل السنة ومَن عداهم؛ لكون المؤلف لم يتناولها في تفسيره؛ إذ بدأ تفسيره -كما أشرنا- من سورة الأنعام وانتهى بسورة الأحزاب؛ فلم يكن شاملًا لسور القرآن، ولم يكن لأحكام السورة كلها متقصيًا، وهي -كما قلنا- فيمن سبقه ضريبة الالتزام بالمنهج الدراسي؛ إذ الكتاب مؤلَّف لطائفة من الطلاب، وليس تفسيرًا شاملًا، وفيما ذكرنا كفاية -إن شاء الله- للدلالة على اتجاه المؤلف، جزاه الله خيرًا، وأجزل له الأجر والمثوبة.

стр. 482

خامسًا: قبس من التفسير الفقهي أولًا: المؤلف هو: الدكتور الشافعي عبد الرحمن السيد، ولم أعثر له على ترجمة. ثانيًا: التفسير هو قبس من التفسير الفقهي "بحوث في بعض آيات القرآن الكريم"، ومن عنوان الكتاب "قبس" و"بعض آيات" يتضح أن مادة الكتاب ما هي إلا بحوث فقهية في بعض آيات الأحكام في القرآن الكريم. وإذا ما ألقينا نظرة على هذا التفسير وجدنا عدد صفحاته تبلغ ٢٠٨ صفحة كَمًّا، وخمسة دروس -أو إن شئت فقل: تفسير خمس آيات- كيفًا، والكتاب يُذَكرني بتفسير الجصاص وابن العربي والقرطبي في توسعهم في تفسير آيات الأحكام؛ حتى كادت تختلط بكتب الفقه، وأحسبه لو فسر آيات الأحكام كلها لجاء تفسيره هذا لا يقل عنها حجمًا أيضًا. وقد وضح الدكتور الشافعي في مقدمة تفسيره هذا منهجه في التفسير بقوله: "ولما كان من الخطأ الذي يقع فيه البعض أن يقدم على بحث مسألة من المسائل، أو تقرير حكم من الأحكام، وفي ذهنه ترجيح مسبَق لبعض الآراء على بعضها الآخر، أو لديه حافز يغريه بالعمل على نصر فريق على آخر، ربما كان هذا الحافز ولاءه لمذهب من المذاهب أو حاكم من الحكام. فإنني سوف أعمل ما وسعني من جُهْدٍ لتجنب هذا الخطأ، وسأعرض في تناولي لبعض آيات الأحكام بعض معاني مفرداتها من الناحية اللغوية والعربية

стр. 483

"كذا" بقدر ما يتصح بها المعنى، ثم أُجمل المعنى العام للآية الكريمة، وأربطها بما يسبقها، مع ذكر سبب نزولها إن وجد. وبعد ذلك أعرض لما تشتمل عليه من أحكام في مسألة أو مسائل على حسب ما يقتضيه المقام، وسأذكر -إن شاء الله- المسألة والآراء فيها، وأدلة كل رأي، والمناقشات التي وردت عليها، ثم إن بدا لي ترجيح بعضها فعلت، وإلا فحسبي أنني ذكرت الأدلة ومناقشاتها من مصادرها المختلفة، ثم صغتها في عبارة سهلة ميسرة، وترتيب حَسَنٍ، يعطي فكرة شاملة للموضوع كله"١. وقسم تفسيره إلى خمسة دروس، تناول في كل درس آية من آيات الأحكام، هن -حسب ورودها عنده- كما يلي: الدرس الأول: في الحج تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾ ٢، وجاء في ٥٢ صفحة. الدرس الثاني: المحافظة على أموال السفهاء واليتامى تفسير قوله تعالى: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ ٣، وجاء في ٥٠ صفحة. الدرس الثالث: القتل الخطأ وما يتعلق به من أحكام تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ ٤ الآية، وجاء تفسيرها في ٥٣ صفحة. الدرس الرابع: بعض أحكام القتل العمد:

стр. 484

تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ ١، وجاء تفسيرها في ٢٤ صفحة. الدرس الخامس: قصر الصلاة في السفر: تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ ٢. هذه هي الدروس الخمسة، وهذه هي الآيات الخمس أو تزيد، وكما أنه لا يسعنا أن نورد مثالًا كاملًا لتفسير آية فإنه لا يسعنا إلا أن نورد عرضًا لتفسير درس من دروسه؛ حتى نرى عمق الأبحاث الفقهية فيه، والتي قد لا تجدها في كبير كتب الفقه، ومثال ذلك: الدرس الثاني: المحافظة على أموال السفهاء واليتامى: ذكر أولًا نص الآية، ثم صلتها بما قبلها، ثم معاني المفردات، ثم المعنى العام للنص الكريم، وكل هذه الأبحاث التفسيرية حقًّا لم تتجاوز تسع صفحات، أما البقية فعقد بحثًا عنوانه: "بعض المطالب التي يتضح من خلالها ما في النص الكريم من أحكام"، ومن هذه المطالب: المطلب الأول: في الحجر على السفيه: بيَّن فيه معنى الحجر لغةً واصطلاحًا، ومعنى السفه كذلك، ثم آراء العلماء في الحجر على السفيه، وبسط أدلة كل قول من الكتاب والسنة، ثم بحث في مَن يضرب الحجر على السفيه. المطلب الثاني: في تصرفات السفيه: تحدث عن تصرفاته قبل الحجر عليه، ثم بعد الحجر عليه، وقسم الأخير

стр. 485

إلى تصرفات فيما ليس بمال، وتصرف بما كان ماليًّا، وتصرف بما يُفضي إلى المالية، وبحث كل نوع على حدة. والمطلب الثالث: الإنفاق على السفهاء وفصَّل القول فيه، وذكر أقوال العلماء وأدلتهم. المطلب الرابع: كيفية اختبار اليتامى، وشروط دفع أموالهم إليهم؛ فتحدث أولًا عن كيفية اختبارهم، ثم ثانيًا عن شروط دفع المال إلى اليتيم، فذكر أقوال العلماء في الشرط الأول "بلوغ النكاح"، وفصَّل القول فيه، ثم في الشرط الثاني "إيناس الرشد"، ثم ذكر الخلاف في شرط ثالث. ثم تحدث عن تصرف المرأة في مالها، وذكر آراء العلماء وأدلتهم، ثم عن الإشهاد على الدفع، ثم تحذير للأولياء. المطلب الخامس: ما يحل للأولياء من مال اليتامى ذكر فيه أقوال العلماء في المخاطَب بهذه الآية: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ الآية، وأدلة كل قوم، ثم عقد بحثًا عنوانه: التكييف الفقهي لما يأكله الولي، والقول بأنه أجره، ثم بحث ما وُجِّهَ لهذا الرأي من نقد، ثم القول بأنه قرض، ثم القول بأنه رزق للأولياء، ثم استنتاج. ومن هذا العرض للأبحاث التي تناولها عند تفسير الآية السالفة يتضح لنا مدى تعمقه في الأبحاث الفقهية؛ حتى يحسبه القارئ كتابًا في الفقه، قدَّم صاحبه لكل درس فيه بآية وبعض تفسير لها. ومعذرة إذا كان عرضي لهذا التفسير من دون ذكر أمثلة، فما تركت ذلك إلا خشية الإطالة، وفيما عرضت بيان لمنهجه، وفيه الكفاية والسداد إن شاء الله.

стр. 486

سادسًا: دراسات في تفسير بعض آيات الأحكام أولًا: المؤلف: هو: الدكتور كمال جودة أبو المعاطي. مدرس الفقه المقارن، بكلية الشريعة والقانون في جامعة الأزهر، وهو أيضًا لم أجد له ترجمة. ثانيًا: التفسير: دراسات في تفسير بعض آيات الأحكام، صدرت الطبعة التي بين يدي سنة ١٤٠٠، وعدد الصفحات ١٨١ صفحة بدون الفهارس. لخص المؤلف طريقته فيه بقوله: "فهذه دراسات في تفسير بعض آيات الأحكام، وقد حاولت في هذه الدراسات تفسير الآيات المختارة بما قاله علماء التفسير القدامى منهم والمحدثون، مرجحًا ما رأيته جديرًا بالترجيح، ومضعفًا ما كان جديرًا بالتضعيف. كما حاولت المحافظة على الأسلوب العلمي الرصين والممتاز لأعلام المفسرين، موضحًا ما يحتاج إلى توضيح، وقد نسقت ذلك كله في صورة ميسرة تُوفر على الدارس الكثير من العناء والجَهْد"١. وهذا التفسير قريب من سابقه؛ فقد قسمه مؤلفه إلى أربعة أبواب، تناول في

стр. 487

الباب الأول أربع آيات من سورة الأنفال، وفي الباب الثاني ثماني آيات من سورة التوبة، وفي الباب الثالث مثلها من سورة النحل، وفي الباب الرابع آيتين من سورة الإسراء، وآية من سورة الكهف. ومن هذا يظهر أنه غير شامل لسور القرآن؛ بل ولا لآيات الأحكام في السور التي تناولها؛ وإنما قصد صاحبه فيه الاختصار. والمؤلف يقدِّم أحيانًا تمهيدًا للسورة التي يتناول آيات الأحكام منها، ثم يتناول الآية الأولى تحت عنوان الفصل الأول، أما الأبحاث التي يعقدها تحت هذه الفصول عادة فهي: مبحث في توضيح بعض المفردات، ومبحث في أسباب النزول، ومبحث فيما يُستنبط من الآية، وأحيانًا يربط الآية بما قبلها، وأحيانًا يُجْمِلُ معنى الآية، وعدة أبحاث في دراسات فقهية للآية التي يتناولها. مثال من تفسيره: وهذه بعض الأمثلة من تفسيره: خمس الغنائم: وذلك في قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ ١ الآية. قال: "المبحث الأول: في توضيح بعض المفرادات: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾ والغنيمة في اللغة: ما ينال الرجل أو الجماعة بسعي، والمغنم والغنيمة بمعنى واحد، يقال: غنم القوم غنمًا ومغنمًا. واعلم أن الاتفاق حاصل على أن المراد بقوله تعالى: ﴿غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ مال الكفار إذا ظفر به المسلمون على وجه الغلبة والقهر، ولا تقتضي اللغة هذا التخصيص على ما بيَّناه؛ ولكن عرف الشرع قيد اللفظ بهذا النوع ... "٢.

стр. 488

المبحث الثاني: في كيفية قسمة الغنائم: وقال فيه: "اعلم أن هذه الآية يقتضي أن يُؤخذ خمسها، وفي كيفية قسمة ذلك الخمس قولان: الأول: وهو المشهور أن ذلك الخمس يخمس؛ فسهم لرسول الله ﷺ ، وسهم لذوي قرباه من بني هاشم وبني المطلب، دون بني شمس وبني نوفل ... وثلاثة أسهم لليتامى والمساكين وابن السبيل، وأما بعد وفاة الرسول ﷺ ، فعند الشافعي ﵀ أنه يقسم على خمسة أسهم: سهم لرسول الله يُصرف إلى ما كان يصرفه إليه من مصالح المسلمين؛ كعدة الغزاة من الكراع والسلاح، وسهم لذوي القربى -أغنيائهم وفقرائهم- يُقسَّم بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين، والباقي للفِرَق الثلاثة؛ وهم: اليتامى، والمساكين، وابن السبيل، وقال أبو حنيفة: إنه بعد وفاة الرسول ﵇ سهمه ساقط بسبب موته، وكذلك سهم ذوي القربى، وإنما يعطون لفقرهم، فهم أسوة بسائر الفقراء، ولا يعطى أغنياؤهم، فيقسم على اليتامى والمساكين وابن السبيل، وقال مالك: الأمر في الخمس مفوض إلى رأي الإمام، إن رأى قسمته على هؤلاء فعل، وإن رأى إعطاء بعضهم دون بعض فله ذلك. واعلم أن ظاهر الآية مطابق لقول الشافعي ﵀ وصريح فيه، لا يجوز العدول عنه إلا لدليل منفصل أقوى منها، وكيف وقد قال في آخر الآية ﴿إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّه﴾ ؟ يعني: إن كنتم آمنتم بالله فاحكموا بهذه القسمة، وهو يدل على أنه متى لم يحصل الحكم بهذه القسمة لم يحصل الإيمان بالله. القول الثاني: وهو قول أبي العالية أن خمس الغنيمة يقسم على ستة أقسام؛ فواحد منها لله، وواحد لرسول الله، والثالث لذوي القربى، والثلاثة الباقية لليتامى والمساكن وابن السبيل، والدليل عليه أنه تعالى جعل خمس الغنيمة لله ثم للطوائف الخمسة ... "١.

стр. 489

المبحث الثالث: تناول فيه هذه الآية من حيث إنها منسوخة أو محكمة، ورجح أن الآية محكمة غير منسوخة المبحث الرابع: في الباقي من الغنيمة بعد الخمس قال فيه: "لما بيَّن الله حكم الخمس، وسكت عن الأربعة الأخماس، دل ذلك على أنها ملك للغانمين ... وذلك ما لا خلاف فيه بين الأمة ولا بين الأئمة، على ما حكاه ابن العربي في "أحكامه" وغيره١. المبحث الخامس: وفيه معنى الآية الإجمالي، وذكر أيضًا ما يستفاد منها فقال في المعنى الإجمالي: "واعلموا -أيها المسلمون- إن ما ظفرتم به من مال الكفار فحكمه أن يقسم خمسة أخماس: خمس منها لله وللرسول ولقرابة النبي واليتامى؛ وهم أطفال المسلمين الذين مات آباؤهم وهم فقراء، والمساكين؛ وهم ذوو الحاجة من المسلمين، وابن السبيل؛ وهو المنقطع في سفره المباح، والمخصص من خمس الغنيمة لله وللرسول يرصد للمصالح العامة التي يقررها الرسول في حياته والإمام بعد وفاته، وباقي الخمس يصرف للمذكورين، وأما الأخماس الأربعة الباقية من الغنيمة التي سكتت عنها الآية، فهي للمقتالين، فاعلموا ذلك، واعملوا به إن كنتم آمنتم بالله حقًّا، وآمنتم بما أنزلنا على عبدنا محمد من آيات التثبيت والمدد، ويوم الفرقان الذي فرقنا فيه بين الكفر والإيمان، وهو اليوم الذي التقى فيه جمعكم وجمع الكافرين ببدر، والله عظيم القدرة على كل شيء، وقد نصر المؤمنين مع قلتهم، وخذل الكافرين مع كثرتهم"٢. وبهذا انتهى تفسيره للآية. والمؤلف كثير النقل عن: الرازي والقرطبي وابن العربي وأبي السعود،

стр. 490

والكتاب بحاجة لتوسعة بعض الأبحاث وتنقيح بعضها، وإصلاح بعض جُمَلِه من حيث اللغة، وحبذا لو قام صاحبه بتفسير بقية آيات الأحكام، نفع الله به. وبعد: هذه هي المؤلفات في تفسير آيات الأحكام عند أهل السنة والجماعة، والتي اطلعت عليها. وقد أجملت ما لاحظته عليها في أول هذا الفصل بما لا أرى موجبًا لإعادته. بقي أن أقول هنا ما قلته عن تفسير أهل السنة والجماعة لآيات العقائد، فكما قلت هناك: إن الحاجة ماسة لتأليف تفسير يُعْنَى بآيات العقائد، ويرد فيه على شبهات الخصوم وتأويلات الباطنية الباطلة؛ فإن الحاجة هنا أيضًا لا تقل عنها درجة في كتابة تفسير لا يلتزم منهجًا مدرسيًّا يقيد صاحبه؛ بل ينظر في مجتمعه فيفسر آياته بما يبرز علاجها لأمراضه، وينظر أخرى فينفي عنها التأويلات الزائفة للفِرَق الضالة، وينظر ثالثة فينشر أريجها بين المسلمين، داعيًا إلى امتثالها، ودفع وإزالة ما يعوق تطبيقها في المجتمعات الإسلامية كافة ... وإنا لمنتظرون.

стр. 491

ثانيا: فقه الشيعة الإمامية "الاثنى عشرية " فرض الرجلين في الوضوء ... ثانيًا: فقه الشيعة الإمامية "الاثنا عشرية" بعد بحث وتنقيب لم أعثر على تفسير لآيات الأحكام في القرآن الكريم عند الشيعة الإمامية "الاثنا عشرية"، وقد سبق القول مني أني سأعرض فقههم من كتب غير مقتصرة على آيات الأحكام؛ بل هي تفاسير شاملة لآيات القرآن الكريم. كما أن المجال لا يتسع لعرض كل مواضع الخلاف بين فقه أهل السنة وفقههم؛ وإنما نذكر بعض مواضعه؛ وذلك لأحد أمرين: أولهما: خشية الإطالة فيها لو أوردنا مواضع الخلاف كلها، حتى ولو كان العرض مختصرًا. ثانيهما: أن بعض مواضع الخلاف لم يرد دليله في القرآن الكريم؛ فلم يتناوله الفريقان أو تناوله أحدهما توسعًا في أبحاث الآية لا في تفسيرها، ومثله لا يدخل ي مجالنا هنا. أما المواضع التي رأينا تناولها، فهي المواضع التي عرضنا تفسيرها وأقوال العلماء يها عند أهل السنة والجماعة، وها نحن نعيد هذه الأبحاث لبيان الآراء الفقهية فيها عند الشيعة ليظهر رأي كل، والله الموفق. فرض الرجلين في الوضوء: وعرفنا -فيما سبق- أن فرض الرجلين عند أهل السنة غسلهما وأدلتهم في ذلك، أما الشيعة فيرون أن فرضهما المسح، وهذا محمد حسين الطباطبائي يقول في تفسير قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ ١: "وأما

стр. 492

قوله: ﴿وَأَرْجُلَكُم﴾ فقد قرئ بالجر، وهو لا محالة بالعطف على رءوسكم، وربما قال القائل: إن الجر للإتباع كقوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠] وهو خطأ، فإن الإتباع على ما ذكروه لغة رديئة لا يحمل عليها كلام الله تعالى، وأما قوله: ﴿كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ فإنما الجعل هناك بمعنى الخلق، وليس من الإتباع في شيء. على أن الإتباع -كما قيل- إنما ثبت يما ثبت في صورة اتصال التابع والمتبوع، كما قيل في قولهم: جحر ضبٍّ خربٍ، بجر الخرب إتباعًا، لا في مثل المورد مما يفضل العاطف بين الكلمتين. وقرئ: ﴿وَأَرْجُلَكُم﴾ بالنصب، وأنت إذا تلقيت الكلام مخلَّى الذهن غير مشوب الفهم لم يلبث دون أن تقضي أن "أرجلكم" معطوف على موضع "رءوسكم" وهو النصب، وفهمت من الكلام وجوب غسل الوجه واليدين ومسح الرأس والرجلين، ولم يخطر ببالك أن ترد "أرجلكم" إلى "وجوهكم" في أول الآية مع انقطاع الحكم في قوله: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ بحكم آخر وهو قوله: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾ ؛ فإن الطبع السليم يأبي عن حمل الكلام البليغ على ذلك، وكيف يرضى طبع متكلم بليغ أن يقول مثلًا: قبلت وجه زيد ورأسه ومسحت بكتفه ويدَه، بنصب "يد" عطفًا على "وجه زيد" مع انقطاع الكلام الأول، وصلاحية قوله "يده" لأن يعطف على محل المجرور المتصل به، وهو أمر جائز دائر كثير الورود في كلامهم. وعلى ذلك وردت الروايات عن أئمة أهل البيت ﵈، وأما الروايات من طرق أهل السنة فإنها وإن كانت غير ناظرة إلى تفسير لفظ الآية؛ وإنما تحكي عمل النبي ﵌، وفتوى بعض الصحابة؛ لكنها مختلفة: منها ما يوجب مسح الرجلين، ومنها ما يوجب غسلهما. وقد رجح الجمهور منهم أخبار الغسل على أخبار المسح، ولا كلام لنا

стр. 493

معهم في هذا المقام؛ لأنه بحث فقهي راجع إلى علم الفقه، خارج عن صناعة التفسير"١. إلى أن قال: "فالأحرى للقائل بوجوب غسل الرجلين في الوضوء أن يقول كما قال بعض السلف كأنس والشعبي وغيرهما على ما نقل عنهم: إنه نزل جبريل بالمسح والسنة الغسل "كذا"، ومعناه نُسخ الكتاب بالسنة. وينتقل البحث بذلك عن المسألة التفسيرية إلى المسألة الأصولية: هل يجوز نسخ الكتاب بالسنة أو لا يجوز؟ والبحث فيه من شأن الأصولي دون المفسر، وليس قول المفسر بما هو مفسر: إن الخبر الكذائي٢ مخالف للكتاب إلا للدلالة على أنه غير ما يدل عليه ظاهر الكتاب دلالة معولًا عليها في الكشف عن المراد دون الفتيا بالحكم الشرعي الذي هو شأن الفقيه"٣. ومن الشيعة أيضًا محمد جواد مغنية؛ حيث قال في تفسيره لهذه الآية ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ : ورد في الأرجل قراءتان؛ إحادها: النصب، والأخرى: الخفض. وقال: السنة يجب غسل الأرجل لا مسحها؛ لأنها معطوفة على الأيدي، على القراءتين. أما قراءة النصب فواضح إذ الأيدي منصوبة لفظًا ومحلًا. وأما على قراءة الجر فللجوار والإتباع؛ أي الرءوس مجرورة والأرجل مجاورة لها، فجرت الأرجل لعلاقة المجاورة، تمامًا كقول العرب: "جحر ضبٍّ خربٍ"، مع العلم بأن خرب يجب رفعه؛ لأنه صفة للجحر لا للضب؛ ولكنه خفض لمجاورته للضب. وقال الشيعة: يجب مسح الأرجل لا غسلها؛ لأنها معطفوة على الرءوس، أما على قراءة الجر فواضح؛ إذ الرءوس مجرورة بالياء، وأما على قراءة النصب فمعطوفة على محل الرءوس؛ لأن كل مجرور لفظًا منصوب محلًا. ثم قال الشيعة: إن العطف على الأيدي لا يجوز لأمرين:

стр. 494

الأول: إنه خلاف الفصاحة لوجود الفاصل بين الأيدي والأرجل؛ وهو قوله: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُم﴾ ولو كان الأرجل معطوفة على الأيدي لقال: "وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ" ولم يفصل بين الأيدي والأرجل بمسح الرأس. الثاني: إن العطف على الأيدي يستدعي أن يكون لكل قراءة معنى مغاير للآخر؛ إذ يكون المعنى على قراءة النصب الغسل، وعلى قراءة الجر المسح، وهذا بخلاف العطف على الرءوس، فإن المعنى يكون واحدًا على القراءتين، بالإضافة إلى أن الجر للجوار رديء لم يرد في كلام الله إطلاقًا١، ٢. هذا مذهب الشيعة في فرض الرجلين في الوضوء، ولا يخلو ما قاله الطباطبائي أولًا ومغنيه ثانيًا من بعض الأقوال التي يرد عليها؛ فتبطل وتهوى ولو تعقبناها لطال؛ وإنما بسطنا رأي أهل السنة قَبْلُ حتى يرجع إليه مَن لم يسعفه ذهنه بالدليل والحجة حتى يكون على المحجة، وسنفعل كذلك فيما سيأتي من أبحاث إن شاء الله تعالى.

стр. 495

صلاة الجمعة: قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ ١ الآية.
следующие страницы →