← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 8679

اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر

فهد الرومي

Полный текст (1 278 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

"ألا إن من أعجب العجب غفلة جماهير الفقهاء عن هذه الرخصة الصريحة في عبارة القرآن، التي هي أظهر وأَوْلَى من قصر الصلاة وترك الصيام، وأظهر في رفع الحرج والعسر الثابت بالنص وعليه مدار الأحكام، واحتمال ربط قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ بقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ بعيد؛ بل ممنوع ألبتة -كما تقدم- على أنهم لا يقولون به في المرض؛ لأن اشتراط فقد الماء في حقهم لا فائدة له؛ لأن الأصحاء مثلهم فيه؛ فيكون ذكرهم لغوًا يتنزه عنه القرآن. ونقول: إن ذكر المسافرين كذلك؛ فإن المقيم إذا لم يجد الماء يتيمم بالإجماع، فلولا أن السفر سبب الرخصة كالمرض لم يكن لذكره فائدة؛ ولذلك عللوه بما هو ضعيف متكلف، وما ورد في سبب نزولها من فقد الماء في السفر أو المكث مدة على غير ماء لا ينافي ذلك. رووا "أنها نزلت في بعض أسفار النبي ﷺ ، وقد انقطع فيها عقد لعائشة؛ فأقام النبي ﷺ على التماسه والناس معه، وليسوا على ماء وليس معهم ماء، فأغلظ أبو بكر على عائشة وقال: حبست رسول الله ﷺ والناس وليسوا على ماء وليس معهم ماء؛ فنزلت الآية، فلما صلوا بالتيمم جاء أسيد بن حضير إلى مضرب عائشة فجعل يقول: ما أكثر بركتكم يا آل أبي بكر" رواه الستة، وفي رواية: "يرحمكِ الله تعالى يا عائشة، ما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل الله تعالى فيه للمسلمين فرجًا". فهذه الرواية -وهي من واقع الأحوال- لا حكم لها في تغيير مدلول الآية، ولا تُنافي جعل الرخصة أوسع من الحال التي كانت سببًا لها، ألا ترى أنها شملت المرض، ولم يذكر في هذه الواقعة أنه كان فيها مرضى شق عليهم استعمال الماء على تقدير وجوده، وليس فيها دليل على أن كل الجيش كان فاقدًا للماء، ولا أن النبي ﷺ جعل التيمم فيها خاصًّا بفاقدي الماء دون غيرهم، ومثلها سائر الروايات المصرحة بالتيمم في السفر لفقد الماء، التي هي عمدة الفقهاء على أنها منقولة بالمعنى، وهي وقائع أحوال مجملة لا تنهض دليلًا، ومفهومها مفهوم مخالفة، وهو غير معتبر عند الجمهور، ولا سيما في معارضة منطوق الآية"١.

стр. 877

إلا أنه لا يقول به في ربا الفضل؛ بل ينكر على ابن حجر قوله: "إن ما ورد من الوعيد على الربا شامل لجميع أنواعه". ويعد السيد رشيد قول ابن حجر خطأ؛ فإن منها عنده -أي: عند ابن حجر- بيع قطعة من الحلي كسوار بأكثر من وزنها دنانير، أو بيع كيل من التمر الجيد بكيل وحفنة من التمر الرديء، مع تراضي المتبايعين وحاجة كل منهما إلى أخذه، ومثل هذا لا يدخل في نهي القرآن، ولا في وعيده، ولا يصح أن يُقاس عليه، كما لا يصح أن يقال: إن خلوة الرجل بامرأة لا يشتهيها ولا تشتهيه كالزنا في حرمته ووعيده١. بل تجاوز هذا حين قامت البلاد المصرية وقعدت في أيامه لمسألة الربا، واقترح كثيرون إنشاء بنك الإسلامي؛ فكان العلاج الذي قدمه من وجهين: "أما الأول: فيوجه إلى فريق المقلدين، وهم أكثر المسلمين في هذا العصر، فيقال لهم: إن في مذاهبكم التي تتقلدونها مخرجًا من هذه الضرورة التي تدعونها، وذلك بالحيلة "!! " التي أجازها الإمام الشافعي، الذي ينتمي إلى مذهبه أكثر أهل هذا الفطر، والإمام أبو حنيفة، الذي يتحاكمون على مذهبه كافة، ومثلهم في ذلك أهل المملكة العثمانية التي أنشئت فيها مصارف "بنوك" الزراعة بأمر السلطان، وهي تقرض بالربا المعتدل "!! " مع إجراء حيلة المبايعة التي يسمونها المبايعة الشرعية. وأما الثاني: فيوجه إلى أهل البصيرة في الدين، الذين يتبعون الدليل ويتحرون مقاصد الشرع، فلا يبيحون لأنفسهم الخروج عنها بحيلة ولا تأويل، فيقال لهم: إن الإسلام كله مبني على قاعدة اليسر ورفع الحرج والعسر الثابتة بنص قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [٢: ١٨٥] ، وقوله: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ [٥: ٦] . وإن المحرمات في الإسلام قسمان: الأول: ما حرم لذاته لما فيه من الضرر، وهو لا يباح إلا لضرورة، ومنه

стр. 878

ربا النسيئة المتفق على تحريمه، وهو ما لا تظهر الضرورة إلى أكله؛ أي: إلى أن يقرض الإنسان غيره فيأكل ماله أضعافًا مضاعفة، كما تظهر في أكل الميتة وشرب الخمر احيانًا. والثاني: ما هو محرم لغيره كربا الفضل المحرم؛ لئلا يكون ذريعة وسببًا لربا النسيئة، وهو يباح للضرورة؛ بل وللحاجة"١. والطريف أنك لا تجد فرقًا بين ما حرم لذاته وما حرم لغيره إلا الاختلاف في لفظ الحكم، فهو يقول عن الأول: "لا يباح إلا لضرورة"، وقال عن الثاني: "يباح للضرورة والحاجة"، فأي فرق صار بينهما إذًا؟ وعلى أي أساس ساق هذا التقسيم؟ لا أظنه ساقه إلى هذا المأزق إلا ضعف الحجة في مواجهة الدليل الصحيح. وليس بوسعي أن أذكر الحجج والأدلة الصحيحة في هذا المقام؛ حتى لا يتحول حديثنا إلى بحث فقهي؛ وإنما أكتفي بهذا، ولعل فيه بيانًا أو بعضه لمنهجه، رحمه الله تعالى وتجاوز عنا وعنه في التفسير. وبعد: هذه أمثلة لتفسير المنار حاولت فيها التنوع والشمول، ولم أحاول التعمق والتفصيل، لعله يظهر صورة واضحة لمنهجه الذي سلكه.

стр. 879

ثانيا: التفسير ومع أنه يكتب بقلمه أن الحديث يقول: "ليسوا على ماء وليس معهم ماء" مع هذا فإنه يقول: "وليس فيها دليل على أن كل الجيش كان فاقدًا للماء"، ويصف هذه الرواية بأنها من وقائع الأحوال لا حكم لها في تغيير مدلول الآية؟!! ولا أظن الشيخ رشيد ينكر أن السنة تبين مدلول الآية، وتبقى علامة استفهام معلقة ومعها التعجب في عبارته السالفة، دَعْ عنك بعد هذا عباراته الأخرى التي لا أظنها تخفى أو يخفى جوابها. وبهذا يظهر ما أدى به اجتهاده الذي دعا إليه، وهو بهذا التأويل ونحوه يجعلنا أكثر حرصًا على توفر شروط الاجتهاد والدعوة إلى تطبيقها، عفا الله عنا وعنه وسائر المسلمين. حكم الربا: وحكمه في الإسلام معلوم لا يخفى كالخمر يحرم قليله وكثيرة، وليس هذا المقام مقام بسط الأدلة والبراهين. لكن السيد رشيد رضا يرى أن الربا المحرم هو ما كان فاحشًا؛ ففسر قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ١ بقوله: "والمراد بالربا فيها ربا الجاهلية المعهود عند المخاطبين عند نزولها لا مطلق المعنى اللغوي الذي هو الزيادة، فما كل ما يسمى زيادة محرم"٢. والربا كما هو معلوم ينقسم إلى قسمين: ربا الفضل، وربا النسيئة. ويرى الأستاذ رشيد أن ربا الفضل إنما حرم لأنه ذريعة إلى ربا النسيئة المحرم لذاته، تمامًا كالنظر إلى الأجنبية بشهوة، أو لمس يديها كذلك، أو الخلوة بها ولو مع عدم الشهوة؛ لأن هذه الأشياء ليست محرمة لذاتها؛ بل لسد الذريعة؛ لئلا تكون وسيلة إلى الزنا المحرم لذاته٣. ومع أنه يعلم أن النظر إلى الأجنبية ولمسها والخلوة بها محرم، ولا ينكر هذا،

стр. 880

ثانيًا: تفسير جزء تبارك أولًا: المؤلف هو عبد القادر بن مصطفى المغربي، وُلد في اللاذقية سنة ١٢٨٤، وانتقل مع والده إلى طرابلس الشام، ولزم الشيخ حسين الجسر -علامة طرابلس- ثم اتصل بالسيد جمال الدين الأفغاني، وذلك عن طريق مجلة العروة الوثقى التي كان يصدرها الأفغاني في باريس. ودفعه الشوق إلى رؤية الأفغاني؛ فسافر إليه في الأستانة سنة ١٣١٠، وظل في جواره سنة واحدة؛ حيث استدعاه محمد عبده إلى مصر، فعمل في الصحافة. وكانت أعنف فترة في حياته خلال سنتي ١٩٠٦-١٩١١م؛ حيث قام بحملة على الحجاب، ودعا إلى سفور المرأة، وقد وصف من أحوال نساء أوربا وأمريكا ومخالطتهن للرجال ما يشعر باستحسانه له، وتمنيه لنسائنا مثله؛ حتى هاج عليه الشيوخ١. وهو يرجو من قاسم أمين أن يتحفنا بكتاب في المرأة يكون ثالث القمرين "يعني بهما: كتابي تحرير المرأة، والمراة الجديدة لقاسم أمين" وشاهدًا لصاحبه بالحسنيين٢. وأهم مؤلفاته: ١- كلمتان في السفور والحجاب، طبع سنة ١٩١٠، ١٩١١م.

стр. 881

٢- محاضرات عن محمد ﷺ والمرأة، طبع سنة ١٣٤٧. ٣- جمال الدين الأفغاني "ذكريات وأحاديث"، نشر في سلسلة أقرأ سنة ١٩٤٨م. ٤- تفسير جزء تبارك، وسيأتي الحديث عنه. ٥- على هامش التفسير، طبع سنة ١٣٦٨. ٦- النجم الآفل، وهي ترجمة لرواية "غادة الكاميليا" للإسكندر، وضع فيها الشيخ أشعارًا وأدوارًا غنائية؛ حيث عرضت على الجماهير في المسرح في ٣ أكتوبر سنة ١٩٠٨م، وقد رفض الشيخ طبعها ونشرها؛ لأنه كان لا يحب أن يعرف عنه أنه اهتم بالروايات والمسرحيات؛ لما في ذلك من الغض من سمعته ومكانته الدينية١. وقد تُوفي الشيخ عبد القادر في دمشق سنة ١٣٧٥ الموافق ١٩٥٦م.

стр. 882

ثانيًا: التفسير تفسير جزء تبارك: ويقع هذا التفسير في ١٣٦ صفحة من الحجم الكبير. ويرى المؤلف أن جزأي عم وتبارك جديران بأن يفسر كل منهما تفسيرًا حسن الوضع، صحيح الأسلوب، يقرب من أذهان العامة، ولا يجافي عقول الخاصة، ويقتصر فيه على ما يكشف الغموض عن الآيات من جهة اللغة والإعراب، ثم يشرح فيه المعنى المتبادر شرحًا وسطًا مجردًا عن التنطع بالمشاغبات وإيراد الخلافات والخرافات. وقال: "وقد وضع مولانا الأستاذ الشيخ محمد عبده ﵀ تفسيرًا لجزء عم، توخَّى فيه هذا النمط والأسلوب"٢. ثم ذكر أنه رغب في تأليف تفسير لجزء تبارك على مثال تفسير شيخه وطريقته، بيد أنه رأي أن يتوسع قليلًا في التعليق والتفسير والاستشهاد والتنظير

стр. 883

-لا سيما في المباحث اللغوية- أكثر مما فعله الأستاذ ﵀ في تفسير جزء عم، وعلل ذلك بمراعاة حال قُراء جزء تبارك، ومقدرًا أنهم سيكونون أكبر سنًّا، وأتم استعدادًا، وأشد اهتمامًا بالتحصيل من قُراء جزء عم١. وقد التزم بما قال، إلا أنه ينقل كثيرًا عن الأسفار القديمة ما يراه بيانًا للآيات، ومنها ما يخالف النص القرآني، ويتوسع في باب الآيات، والتي تعرض للأخلاق والآداب الإسلامية السامية في أدب الدعوة وغيرها، وله عناية ببيان أسرار البلاغة القرآنية، وأسلوب التعبير القرآني، وميل إلى التفسير العلمي، إضافة إلى الأسس التي بسطناها في منهج المدرسة العقلية الاجتماعية الحديثة، وسنذكر هنا أمثلة على عجل لهذا التفسير، أحاول فيها الإيجاز والشمول. تفسير القرآن بالقرآن: ومن تفسير المؤلف القرآن بالقرآن تفسيره للمرسلات في قوله تعالى: ﴿وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ ٢، فيقول: "وقلما ذكر القرآن إطلاق الرياح إلا عبر عنه بفعل أرسل؛ ففي سورة فاطر: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ﴾ ، وفي الحجر: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ ، وفي الأحزاب: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا﴾ ، وفي الأعراف: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاح﴾ ، وفي الروم: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ﴾ ، وفي آيات أخرى غيرها، فقوله تعالى هنا: ﴿وَالْمُرْسَلاتِ﴾ من هذا القبيل"٣. عدم الإطناب فيما أُبهم في القرآن: ومن ذلك تفسيره لقوله تعالى: ﴿زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ ٤، فقد توقف الشيخ عبد القادر عن الخوض في دقائق التفصيل فقال: "ونحن -معشر المسلمين- نعتقد بظاهر ما ورد في القرآن الكريم من أن النجوم قد ينفصل عنها رجوم تتبع الشياطين، وإذا لم يفهم العلم الطبيعي

стр. 884

هذه القضية فلذلك؛ لأنه لم تتوفر له أسباب الفَهْم اليوم، ويكفينا في صحة الإيمان بها على ظاهرها أن العقل لا يجعلها من المحالات العقلية"١. التفسير العلمي: ويفسر أحيانًا تفسيرًا علميًّا حديثًا، ففي قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا، أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ ٢ يقول: "هذا الاكتشاف -يعني: الجاذبية- يفسر لنا معنى ما قرره الكتاب الإلهي من أن الأرض كفات للأحياء مذ يكونون على ظهرها، فإنها تجذبهم إليها وتضمهم إلى صدرها، كما تفعل الأم الحنون، فلا تدعهم يتفلتون، وهم بذلك لا يشعرون"٣. وفي قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾ ٤ يقول: "والسماوات السبع هي طرائق السيارات ومداراتها، ولا ريب أن هذه المدارات طبقات، طبقة أدنى من طبقة، وفلك فوق فلك؛ وإنما اقتصر الوحي من ذكر السماوات على سبع مع أن العلم أثبت أنها أكثر من ذلك؛ لأنه تعالى إنما يخاطب القوم وقت البعثة بما عرفوا من أمر الأفلاك وكواكبها "!! " وليس القصد من ذكرها تقرير حقائق في علم الهيئة، وسكوت الوحي عن ذكر ما زاد على سبع السماوات لا ينفي وجود الزيادة "!! " وأما فلكا "أورانوس" و"نبتون" فلم يكونا اكتشفا بعد في ذلك العهد، فلو أحال الله البشر في قرآنه على ما لم يمكنهم النظر فيه والإحاطة علمًا بأمره من النجوم الثوابت والفلكين المذكورين؛ لكانت إحالته عبثًا وتكليفه محالًا، وقد أَبَى الله لنا ذلك في منزل وحيه ومحكم شرعه تفضلًا منه ورحمة"٥. ولا شك أن تفسيره هذا خاطئ، ليس من ناحية زعمه أن القرآن الكريم

стр. 885

خاطب القوم بما عرفوا فحسب؛ وإنما لأنه جزم أن المراد بالسماوات هي تلك الكواكب السيارة؛ فذهب يلتمس تعليلًا لوصف القرآن الكريم لها بأنها سبع. روايته للإسرائيليات: ومع أنه يحرض في تفسيره لجزء تبارك على الإيجاز، إلا أنه يورد فيه الإسرائيليات من غير موجب. ففي حديثه عن نوح ﵇ يقول: "وجاء في كتب الأوائل أن في زمن "أنوش بن شيث بن آدم" ابتدأت عبادة الأوثان، وجعل الناس يسمون المخلوقات آلهة؛ فكان أنوش يجمع أهل بيته وذويه للصلاة والتسبيح وعبادة الله وحده. وفي زمن إدريس ﵇ وهو "أخنوخ بن يارد بن مهلائيل بن قينان بن أنوش - كثر النفاق، وانغمس الناس في الآثام؛ فأنزل الله عليه وحيًا في سفر هو صحف إدريس المشهورة، ولم يبقَ من ذلك السفر سوى فقرة يقولون: إنها وجدت في أطواء بعض الكتب المقدسة"١. بل ويذكر الأستاذ المغربي من الإسرائيليات ما يخالف نص القرآن، ولا ينبه إلى ذلك مجرد تنبيه؛ وذلك قوله: "وذكر في الأسفار القديمة أن نوحًا ولد لسنة ١٨٢ من عمر أبيه "لامك" ولسنة ١٠٥٦ لجده الأكبر آدم ﵇ ومعنى نوح: الراحة والتعزية، وكان عمر نوح ٥٠٠ سنة لما أخذ يلد أولاده سامًا وحامًا ويافث، وكان عمره ٦٠٠ سنة لما حصل الطوفان"٢. وهذا الذي نقله يخالف نص قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ﴾ ٣. التحذير من البدع والمنكرات: وفي سبيل الإصلاح الاجتماعي يُحذِّر الشيخ عبد القادر المغربي من البدع والمنكرات التي تنتشر في المجتمع إذا ما جاءت مناسبة لذلك، ففي قوله تعالى:

стр. 886

﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ تحدث عن نشأة الوثنية ثم قال: "ومن تأمل ما قلناه في مناشئ ظهور الوثنية في البشر فَهِمَ السر في كون الدين الإسلامي يحرم إقامة الصور، ونصب التماثيل، وتشييد القبور وتجصيصها على رمم العظماء، وفي حديث علي ﵁: أرسلني رسول الله ﷺ وقال لي: "لا تدع صنمًا إلا طمسته، ولا قبرًا إلا سويته" ١، فإن الوثنيين كانوا يتخذون من مواثل القبور والأصنام ذكرى لرجالهم الصالحين، وليست ذكراهم لهم ذكرى عظة واعتبار؛ وإنما هي ذكرى استمداد أسرار واقتباس أنوار واستغراق واستحضار واسترزاق واستمطار والتماس منافع واستكفاء أضرار، فسَدَّ دين الإسلام الذريعة بتحريم هذه المواثل؛ خشية أن تسترهب ضعفاء العقول وتستهويهم، ومن مزالق الوثنية تقربهم وتدنيهم، فلله الإسلام ما أعدله فيما شرع وحكم! وما أوضح نهجه فما خط لنا من الهداية ورسم! "٢. ولولا خشية الإطالة لسقنا أمثلة أكثر من هذا، ولعل فيما ذكرنا السداد إن شاء الله تعالى.

стр. 887

رأيي في هذا المنهج: ليس من السهل أن أنقد هنا منهج المدرسة العقلية الاجتماعية الحديثة؛ ذلكم أن مثل هذا لا يكفيه عشرات الصفحات إن أردت الوفاء. ولئن كان لا يسعنا هذا، فإنه لا يسعنا أن نضرب عنه صفحًا ونتركه هملًا؛ فليكن السداد والمقاربة، ولن أسلك في بيان رأيي لهذا منهج النقد المستوفي، فلن أذكر رأي السلف في التفسير العقلي، ولا رأي المعاصرين لرجال المدرسة فيهم -الأنصار والخصوم- ولن أذكر أثر هذه المدرسة في الفكر الإسلامي الحديث، وإذًا لو فعلت لاحتاج الأمر إلى مجلدات، ومما لا ريب فيه -عندي- أن هذه المدرسة العقلية الاجتماعية الحديثة قد أحدثت في العصر الحديث من الأثر ما لم تحدثه أيُّ مدرسة أخرى نعرض لها، حتى مدرسة التفسير العلمي التجريبي. ذلكم أن المدرسة الأخيرة تناولت جانبًا واحدًا من جوانب التفسير؛ بل ومن جوانب الحياة عامة، أما المدرسة موضوع حديثنا هذا فقد توغلت أبحاثها ومازجت جسد الأمة الإسلامية؛ فلا تكاد تجد عضوًا فيه -كدت أقول: ولا خلية- إلا وقد عرضت له، وفيه منها أثر. عرضت فيما عرضت لعقيدة الألوهية والنبوة والوحي والمعجزات والبعث وأمارات الساعة والقضاء والقدر وأصل الإنسان والملائكة والجن. وعرضت للقرآن الكريم في تفسيره ومقاصده وشموله وترجمته وقصصه وإعجازه وجدله وناسخه ومنسوخه والتفسير العلمي والإسرائيليات والتفسير بالمأثور وبالعقل.

стр. 888

وعرضت للفقه وأصوله، وحذرت من التقليد، وأنكرت على المقلدين، واجتهدت في كثير من القضايا الفقهية، وجاءت بما هو جديد. وتناولت قضية المرأة، وهي الوتر الحساس في هذا العصر من جوانب شتى؛ في مكانتها ومنزلتها في المجتمع، وعملها، وتعدد الزوجات، والطلاق، وتعلمها، وسائر ما يتعلق بها. وتناولت وباشرت السياسة والحكومة الإسلامية، والعَلاقة مع الاستعمار في سائر البلاد الإسلامية، وأمورًا شتى يطول تَعْدَادها. لا شك أن حركة هذا بعض مجالها سيكون لأثرها رُقعة واسعة في المجتمع الإسلامي، وهكذا كان الأمر؛ ذلكم أن تلاميذ وأتباع هذه المدرسة بما مكن لهم في المجتمع والدولة من مراتب عليا، وما كان لهم من نشاط كبير، والسمعة التي اكتسبوها؛ فقد تهيأت لهم الفرصة -بل الفرص- لبث ما يشاءون في المجتمع، ولا يعني هذا أن البيئة التي استقروا فيها كانت خالية من المعارضة؛ لكنها لم تكن من القدرة؛ بحيث يكون لها من أثر كبير تُجاهها. وعلى كل حال، وكما هي سنن المجتمع ما أن تنجح أو تتجه الأنظار إلى مبدأ من المبادئ أو حركة من الحركات حتى تصبح هدفًا مستهدفًا من طواف شتى وملل ونحل بعضها صادق وبعضها محتال. وهكذا كان الأمر في هذه المدرسة، سلكت منهجها طائفة من الناس مؤمنين مؤيدين مقتنعين، واستغلت طائفة أخرى هذا القبول؛ فبثوا باسمها -وألصقوا أنفسهم بها إلصاقًا- مبادئ منحرفة وآراء زائغة لا لشيء إلا ليكسبوا التأييد ويحظوا بالقبول. وقامت طائفة أخرى تشيد بمبادئ المدرسة ورجالها لا لشيء إلا لمنصب أو كسب جاه أو مكانة. ورفضت طوائف أخرى هذه المدرسة، وهم ملل شتى لا يقلون عن النور الآخر أصنافًا. رفضتهم طائفة غيرة على الإسلام حقًّا، ورأوا أن لهم آراء خاطئة ومفاهيم

стр. 889

قاصرة، فأرادوا أن يُحذِّروا المسلمين من هذه الأخطاء، وأن يعرف الناس مكانة هؤلاء وينزلونهم منزلتهم. ورفضتهم طائفة لأنهم رأوا فيهم أعلامًا مسلمين، يسعون لنشر مبادئ الإسلام؛ فغاظهم هذا؛ فذهبوا يشككون بهم، ويذكرون مع الحقيقة ألف كذبة. ورفضتهم طائفة عجزت عن الوصول إلى درجتهم، فرأت أن أقصر سبيل هو النيل منهم. والحق الذي لا مراء فيه أن هذه المدرسة العقلية الاجتماعية الحديثة لها من المحاسن كثير، ولها من المساوئ كثير، فضلًا عن العلاقات الغامضة والحوادث المبهمة والأسرار والألغاز التي تحيط ببعض رجال هذه المدرسة، ولا زالت ولن تزال موضع أخذ وردٍّ بين الأنصار والخصوم والمعتدلين. وعلينا إن أردنا الخير والصلاح وما فيه الفلاح أن نأخذ من حسنات هذا المنهج: ١- الأسلوب الذي سلكوه في بث أفكارهم؛ بالحديث المباشر في المساجد والمجتمعات والمنتديات والمحاضرات، وفي الصحافة، وفي المؤلفات. ٢- الأسلوب الذي نهجوه في صياغة الحديث، فليس بالحديث المتكلَّف الذي يرقى عن مدارك العامة، ولا الأسلوب الذي يمجه ويأنفه الخاصة. ٣- توجيه الاهتمام للقضايا التي تهم المجتمع، وتجلب انتباه سائر الفئات والأجناس وتشد انتباههم، ثم الولوج من هذا لبث مبادئ الإسلام الصحيحة. ٤- الاتصال والتعرف على مختلف الطبقات من الملوك والوزراء والأمراء والعلماء والموظفين والفلاحين، والاتصال بكل الفئات، وتوجيه كل منها حسب فلكها ومدارها إلى الوجهة الإسلامية الصحيحة. ٥- للمدرسة جهود لا تُنكر في الإصلاح الاجتماعي في شتى نواحيه، ولها أخطاء وانحرفات، ولنأخذ ما هو مقبول، ولنوسع الحديث فيه، ونُحذِّر من سواه ونبينه للناس.

стр. 890

٦- تفسير القرآن بالقرآن، والإعراض عن الخوض في المبهمات، والتحذير من الإسرائيليات، والقول بالشمول في القرآن الكريم، وأنه المصدر الأول للتشريع، كلها أسس سليمة في التفسير، فلنقوِّم هذه الأسس ولنلتزمها، ولنحذر من الوقوع في مخالفتها كما وقع بعض رجال المدرسة أنفسهم وهم يدعون إليها، ولا شك أن هذه خطوة جيدة للوصول إلى الأفضل. ٧- بسط السيرة النبوية والأخلاق المحمدية بأسلوب ميسر وسيلة ناجحة لنشر المبادئ الإسلامية بين المسلمين بمختلف طبقاتهم. ليست هذه فحسب حسنات هذا المنهج الذي سلكه رجال المدرسة العقلية الاجتماعية؛ وإنما هي مجرد الإشارة. وفي مقابلها جوانب أخرى أحسبها أخطاء يجب تفاديها، والتحذير منها، وعدم الوقوع في براثنها، فإني أعتقدها مهلكة؛ ومنها: ١- ما يحيط بعض رجال هذه المدرسة من غموض وشبهات، وقد اشترط سلفُنا الصالح فيمن يفسر القرآن الكريم بأن يكون معروفًا بالصلاح والاستقامة وحسن السيرة والسلوك، وألا يكون موضع تهمة. ٢- أن بعض رجال هذه المدرسة يفتقدون شروطًا هامة في المفسِّر؛ فبعضهم يجهل السنة، ولا يعرف من الأحاديث إلا القليل؛ بل وأحيانًا يرد من الأحاديث ما هو متفق على صحته لا لشيء من أصول معرفة الحديث ودرجته؛ وإنما لمخالفته لفَهْمِه الخاطئ، وبعضهم لا يعرف من اللغة ما يمكنه من تقرير المعنى الصحيح للآية؛ بل ينكر بعضهم اشتراط معرفة اللغة على المفسِّر. ٣- أن بعض رجال المدرسة لم يلتزم الأصول التي يدعو إليها في التفسير؛ فيطنب فيما أُبهم في القرآن، ويروي بل ويكثر من رواية الإسرائيليات، ويورد من التفسير العلمي ما لم تثبت حقائقه. ٤- من أخطاء رجال المدرسة -أو غالبهم- عدم اعتدادهم بالتفسير بالمأثور وإنزاله منزلة بعد القرآن الكريم، وهو -ولا شك- خطأ لا يُغتفر، تولد منه انحرافات جِسَامٌ.

стр. 891

٥- أما التزامهم لما سموه "الحكم العقلي"، فقد أوقعهم في شراك انحرافات كثيرة في الوحي، ومعجزات الأنبياء ﵈ وغير ذلك كثير. ٦- أنهم فسروا كثيرًا من الآيات تفسيرًا تقربوا به إلى رُوح العصر على حساب الفَهْم الصحيح لمدلول الآية؛ كالقول بأصل الإنسان والملائكة والجن، والولادة من غير أب، والحجاة السجيل. ٧- أوَّلوا القصص في القرآن -أو بعضهم- تأويلات باطلة، تشبث بها بعضهم، وصارت سلمًا سهلًا له لإنكار الصدق في قصص القرآن الكريم، وقالوا في المرأة أقوالًا كانت مرقاة لدعاة تحريرها المزعوم، وقالوا في تعدد الزوجات أقوالًا كانت مستند مَن دعا إلى منعه قانونًا. وبعد: فلا شك -كما أسلفت- أن لهذه المدرسة -بل لهذا المنهج- مساوئه، وله حسناته، منها ما ذكرناه ومنها ما لا يخفى. وعلينا أن نبين للناس ما لها وما عليها، فما يزال في الناس طائفة -ومنهم علماء!! - إذا ناقشته في قضية أو أمر أجابك بأن هذا قد قاله فلان من رجال المدرسة، يقول هذا بثقة وقوة وكأنه أسنده إلى نبي معصوم، وهو يحسب بهذا أنه قد أقام الحجة عليك، وإذا لم تنقطع في الجدل بعد هذا الاستدلال نظر إليك شَزْرًا، وكأنك قد أتيت بأمر تكاد الجبال أن تكون له هدًّا. وهذا مما يزيد المصلحين عبئًا إلى عبئهم، فلينزعوا هذا المفهوم الضال أولًا، ثم ليبثوا النبت الصالح ثانيًا. وفَّق الله العاملين المصلحين، الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا. انتهى الجزء الثاني ويليه -إن شاء الله تعالى- الجزء الثالث وأوله الباب الرابع الاتجاه الأدبي في التفسير

стр. 892

المجلد الثالث الباب الرابع: الإتجاه الأدبي في التفسير تمهيد ... الباب الرابع: الإتجاه الأدبي في التفسير تمهيد: لا أخفي أبدًا أني قد كنت ممن التبست عليهم معالم هذا الاتجاه في التفسير واختلطت عندهم خطوطه وحدوده. وحتى بعد أن قرأت فيه كثيرا من الكتب، بل زادته بعض هذه المؤلفات لبسا إلى لبسه وغموضًا إلى غموضه. وليس أدل على ذلك من أن بعض المؤلفين ينكرون كل تأليف قديم فيه ويزعمون اتجاهًا جديدًا بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى؟! وزعم آخرون أنه قديم قدم التفسير، زد على هذا اختلافهم في مدلوله وتعريفه و ... و ... وما زالت أقرأ وأتأمل حتى ظهر لي ما أحسبه الحقيقة وقد ظهرت لغيري من قبل. وحين تظهر الحقيقة فإنها توجب على صاحبها إظهارها وإلا كانت حقيقة مكتومة يبوء صاحبها بإثم كتمانها. كنت أعتقد أن الاتجاه الأدبي في التفسير يشمل مناهج ثلاثة: أولا: النهج البياني. ثانيهما: المنهج الموضوعي. ثالثها: منهج التذوق الأدبي. كنت أحسبه كذلك فإذا به غير ما ظننت، وقع الخلط بين أولها وثانيها ما حدود المنهج البياني وما حدود المنهج الموضوعي وهل بينهما من صلة أو هما اسمان لمسمى واحد؟!

стр. 893

وإذا بالحقيقة غير ذلك كله، فليست الموضوعية في التفسير منهجا؟! حتى وإن وصفها كثيرون بذلك؛ إذ هي ليست إلا أسلوبا من أساليب التفسير ووسيلة من وسائله ومركبا من مراكبه. وأساليبه محدودة ومعلومة قسمها العلماء إلى: ١- التفسير التحليلي. ٢- التفسير الإجمالي. ٣- التفسير المقارن. ٤- التفسير الموضوعي. أما التفسير التحليلي فهو أن يلتزم المفسر تسلسل النظم القرآني والسير معه سورةً سورةً وآيةً آيةً. وهو النمط الذي سلكه سائر المفسرين القدامى إلا القليل النادر. وأما التفسير الإجمالي فهو أن يلتزم المفسر تسلسل النظم القرآني أيضا سورةً سورةً، إلا أنه يقسم السورة إلى مجموعات من الآيات يتناول كل مجموعة بتفسير معانيها إجمالا، مبرزا مقاصدها موضحا معانيا مظهرا مراميها، ويجعل بعض "ألفاظ" الآيات رابطا بين النص وبين تفسيره، فيورد بين الفينة والأخرى لفظا من ألفاظ النص القرآني لإشعار القارئ أو السامع بأنه لم يبعد في تفسيره عن سياق النص القرآني ولم يجانب ألفاظه وعباراته ومشعرًا بما انتهى إليه في تفسيره من النص. وأما التفسير المقارن فهو أن يعمد المفسر إلى جملة من الآيات في موضع واحد في سورة واحدة يورد أقوال المفسرين السابقين لا ويوازن بينهما ويقارن، وينقد الضعيف ويؤيد الصحيح. وأما التفسير الموضوعي فهو أن يلتزم المفسر موضوعا قرآنيا واحدا يجمع الآيات الواردة فيه؛ ليتناولها بالتفسير مجتمعة ليصل بعد ذلك -حسب جهده- إلى حكم القرآن النهائي في موضوعه الذي يتناوله.

стр. 894

وإذا كانت هذه هي أساليب التفسير في القرآن الكريم وليست مناهجه، بدليل أنه يصح أن يتناول بكل أسلوب منها كل مناهج التفسير فليس الأسلوب إلا مطية، وليس المنهج إلا طريقا للهدف. فيصح أن يسلك بالتفسير التحليلي منهج أهل السنة والجماعة ويصح أن يسلك به منهج الشيعة، بل يصح أن يسلك به الاتجاه العلمي بمناهجه والعقلي وحتى الإلحادي. وكل هذه الاتجاهات موجودة في تفاسير العلماء السابقين، هي من هذا الأسلوب في التفسير وكذا التفسير الإجمالي والمقارن. ويصح أن يسلك بالتفسير الموضوعي الاتجاه العقدي فيكتب عن "آيات الإيمان بالله" وعن "آيات الإيمان بالآخرة"، وعن "آيات الحجة على المشركين بالله"١، وعن "قضايا العقيدة في ضوء سورة ق"٢، وعن "سورة الواقعة ومنهجها في العقائد"٣، وعن "تصور الألوهية كما تعرضه سورة الأنعام"٤، وعن "صراع المذهب والعقيدة في القرآن"٥، وعن "المصطلحات الأربعة في القرآن: الإله، الرب، العبادة، الدين"٦، وعن "مع الإيمان في رحاب القرآن"٧، وعن "الأنبياء في القرآن"٨، وعن "النبوة والأنبياء في ضوء القرآن الكريم"٩، وعن "رسول الله في القرآن الكريم"١٠، وعن "نبوة محمد

стр. 895

صلى الله عليه وسلم في القرآن"١، وعن "اليهود في القرآن الكريم"٢، وعن "المسيح في القرآن"٣، وعن "بنو إسرائيل في القرآن"٤، وعن "رحلة الآخرة في القرآن الكريم"٥، وعن "القرآن والشيطان"٦، وعن "أفعال العباد في القرآن الكريم"٧. وكل هذا تفسير موضوعي، وكله من المنهج العقدي في التفسير. ويصح أن يسلك بالتفسير الموضوعي الاتجاه العلمي بمنهجه الفقهي، والعلمي التجريبي، أما الفقهي فكله لا أستثني منه شيئا من التفسير الموضوعي، ذلكم أن صاحبه يتجه إلى آيات الأحكام في القرآن الكريم، فيفردها بالحديث ويقتصر عليها بالتفسير والبيان وهذا أُسُّ التفسير الموضوعي. وقد يقتصر على موضوع واحد فقهي. فيفسر الآيات التي تناولته فيكتب مثلا عن "آيات الجهاد في القرآن الكريم"٨، وعن "المال في القرآن"٩، وعن "أحكام الحجاب في القرآن"١٠، وعن "تفسير آيات الربا"١١ وكلها تفسير موضوعي من المنهج الفقهي. ويصح أن يسلك بالتفسير الموضوعي الاتجاه العلمي بمنهجه العلمي التجريبي فيتناول بالتفسير الآيات العلمية عامة أو طائفة معينة ذات موضوع واحد منها فيكتب في علم الفلك مثلا: "ما دل عليه القرآن مما يعضد الهيئة

стр. 896

الجديدة"١، أو "التفسير العلمي للآيات الكونية في القرآن"٢، أو "تفسير الآيات الكونية"٣. وفي علم الطب مثلا: "القرآن والطب"٤، أو "مع الطب في القرآن الكريم"٥، وغير ذلك من العلوم التجريبية، وكل هذا تفسير موضوعي من المنهج العلمي التجريبي. ويصح أن يسلك بالتفسير الموضوعي الاتجاه الاجتماعي فيكتب عن "دستور الأخلاق في القرآن"٦، وعن "المجتمع الإسلامي كما تنظمه سورة النساء"٧، وعن "الفلسفة التربوية في القرآن"٨، وعن "التربية في كتاب الله"٩، وعن "الأمة الإسلامية كما يريدها القرآن"١٠، وعن "القرآن والمبادئ الإنسانية"١١، وعن "وصايا لقمان في القرآن الكريم"١٢، وعن "فقه الكلمة ومسئوليتها في القرآن والسنة"١٣، وعن "منزلة الأم في القرآن الكريم١٤، وعن "الأم في القرآن الكريم"١٥، وعن "المرأة من خلال الآيات القرآنية"١٦، وعن

стр. 897

"القرآن والمرأة"١، وعن "القرآن والمجتمع"٢، وعن "منهج القرآن في تطوير المجتمع"٢، وكل هذا تفسير موضوعي من منهج الإصلاح الاجتماعي. فهل يصح أن تسلك هذه المؤلفات كلها على مختلف مواضيعها واتجاهاتها في منهج واحد من مناهج التفسير؟! لا أحسب هذا يقبله ذو علم. فلا شك إذًا أن التفسير الموضوعي ليس منهجا مستقلا عما سواه من المناهج، بل لا يصح أن يوصف بالمنهجية وشأنه كذلك. فهو ليس إلا وسيلة من وسائل التفسير يتناول بواسطته كل المناهج التفسيرية. ولذا فلا يصح أن يعد منهجا وإنما هو أسلوب من أساليب التفسير، وحين ينحصر هذا الجزء من المناهج الثلاثة التي حسبتها تكون الاتجاه الأدبي في التفسير ويبقى المنهجان: ١- المنهج البياني. ٢- منهج التذوق الأدبي. يزول اللبس وتظهر المعالم وتنجلي الحقيقة. ولست أزعم لنفسي كشفها، ولست ممن يضع في إحدى أذنيه قطنا وفي الأخرى عجينا -كما يقولون- فلا يسمع رأيا ولا يقبل قولا وقد يكشف له حقائق كانت عن بصره مستورة أو يجلو غشاوة في بصره كانت تعميه، وما زلت أطلب الحقيقة فهي ضالتي وأحسبني والحمد لله قد وصلت إليها. وعلى هذا فسأقتصر في حديثي عن هذا الاتجاه على المنهجين السابقين: ١- المنهج البياني. ٢- منهج التذوق الأدبي.

стр. 898

الفصل الأول: المنهج البياني في التفسير مدخل ... الفصل الأول: المنهج البياني في التفسير في أمة كانت تقيم للشعر أسواقا وللخطابة ندوات وتعد الشعر ديوانا وسجلًّا للمفاخر نزل القرآن الكريم بلسان عربي مبين. كانت أمة تمسك بزمام البلاغة والفصاحة لا تجاري عرفت بحسن الأداء وجمال المنطق وسلاسة التعبير وما يزال الناس بعد أربعة عشر قرنا من الزمان يرددون قصائدهم ويحفظون خطبهم وهم يعدونها مثالا للبلاغة والفصاحة، فقد نزل عليهم القرآن الكريم وهم في ذروة من البلاغة وقمة من الفصاحة فكانوا ملوكها وأساطينها. وأشد ما تكون المعجزة إعجازا إذا نزلت في قوم برعوا في موضوعها وقد كانت معجزة القرآن الكريم كذلك. وعلى قدر قوة هذه المعجزة كانت الصدمة للقوم بعد عجزهم قوية، فمنهم من بادر من فوره إلى رسول الله ﷺ مذعنا مسلما، ومنهم من عاند واستكبر ولم يعِ ما يقول، قال وقالوا شعرا، وقال وقالوا سحرا، وقال وقالوا كهانة وهو وهم يعرفون أنه ليس بهذا ولا بذاك ولا بذلك. وكما طوعت لهم أنفسهم أن يقولون بهذا يخدعون أنفسهم طوعت لهم أن يقولوا: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَر﴾ ١ ولم يكونوا صادقين وإنما كانوا يلتمسون

стр. 899

لأنفسهم عذرا بعجزهم عن مجاراته ويدرؤون عن أنفسهم معرة الإفحام فأخطأوا السبيل وهم لا يعُونَ لهول الصدمة لم يجعلوا هذا البشر المزعوم منهم فهم يعرفون قصورهم عن درك هذا القول، فنسبوه إلى رجل هل تدرون من هو؟! إذًا ستسخرون!! لرجل كان حدادًا منهمكًا في مطرقته وسندانه عامي الفؤاد لا يعلم الكتاب إلا أماني أعجمي اللسان لا تعدو قراءته أن تكون رطانة لا يعرفها محمد ﷺ ولا أحد من قومه. ولكن ذلك كله لم يكن ليحول بينه وبين لقب "الأستاذية" الذي منحوه إياه على رغم أنف الحاسدين! هكذا ضاقت بهم دائرة الجدر فما وسعهم إلا فضاء الهزل وهكذا مضوا في هزلهم حتى خرجوا عن وقار العقل، فكان مثلهم كمثل من يقول: إن العلم يستقي من الجهل وإن الإنسان يتعلم كلامه من الببغاء! وكفى بهذا هزيمة وفضيحة لقائله: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ ١، ٢. ومع هذا فإنا نسمع حينا في دياجير الظلام أصواتا لم تستطع أن تخرق طبقات الحق إلى ظلمة الباطل فلا تجد إلا الاعتراف والإذعان فتقول: "والله إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإن أسفله لمغدق وإن أعلاه لمثمر وما يقول هذا بشر" لكنها لا تلبث وقد طغى عليها العناد إلا أن تعود إلا ضلالها، فتزعم الباطل كره أخرى. والاعترافات عديدة والعناد كثير لذا فلم يكلف رسول الله ﷺ أن "يهدي من أحب" ومن لم يحب أيضا إلى الإيمان، وإنما كلف بأن يسمع المشركين كلام الله: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٣ لم يكلف بما بعد الإسماع؛ لأن المانع بعده ليس "الإقناع"، فقد حملته الآيات وإنما هو العناد، والعناد لا تنفع معه الحجة والبرهان، وإذا لم يكن ثم عناد فقد حدثنا القرآن عن قوم:

стр. 900

﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا﴾ ١. وهذا عمر ﵁ وهو من هو يقع في أسر البيان القرآني في وقت كان الشرر يتطاير من عينيه حين علم بإسلام أخته فذهب ليفتك بها، فإذا به يقع في أسر بيان آيات من سورة طه لا يملك معها إلا الإذعان والإيمان، حيث لا عناد. وهذا جبير بن مطعم ﵁ يقع في أسر البيان القرآني حين سمع من في الرسول ﷺ قوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ ٢ حتى اعترف "كاد قلبي أن يطير" وآمن: "وذلك أول ما وقر الإسلام في قلبي"٣؛ لأنه لم يكن ثم عناد. ومما يؤكد تأصل العناد في قلوب المشركين ضربهم الحصار حول القرآن الكريم حتى لا يسمعه سماعًا القادمون في موسم الحج ومع هذا فقد فتح مصعب بن عمير ﵁ يثرب بآيات من القرآن مكث فيها يقرأ القرآن على أهلها، فآمنوا ودعوا رسول الله ﷺ إلى الهجرة إليهم حتى قيل: "فتحت الأمصار بالسيوف وفتحت المدينة بالقرآن"٤، وهل هناك من سلاح أقوى من سلاح البيان القرآن؟!. ليس الجديد في القرآن لغته لكن من الجديد فيه أنه أمة وحده في البلاغة العربية: "وأنه في كل شأن يتناوله يختار له أشرف المواد وأمسَّها رحمًا بالمعنى المراد وأجمعها للشوارد وأقبلها للامتزاج ويضع كل مثقال ذرة في موضعها الذي هو أحق بها وهي أحق به بحيث لا يجد المعنى في لفظة إلا مرآته الناصعة وصورته الكاملة ولا يجد اللفظ في معناه إلا وطنه الأمين وقراره المكين. لا يوما أو بعض يوم، بل على أن تذهب العصور وتجيء العصور فلا المكان يريد بساكنه

стр. 901

بدلا. ولا الساكن يبغي عن منزله حولا وعلى الجملة يجيئك من هذا الأسلوب بما هو المثل الأعلى في صناعة البيان"١. خلاصة الأمر أن هذا البيان القرآني يجمع أمورا جملتها النظم الفريد العجيب الحسن المخالف لأساليب العرب، والصور البيانية التي تؤلف أبدع تأليف بين أفصح الألفاظ الجزلة وأصح المعاني الحسنة"٢. هذه الأمور هي التي اتجهت إليها همة طائفة من المفسرين وأولوها اهتماما واتسعت الدراسات حولها وكثرت، ولئن كان للعصر الحديث منها نصيب كبير فإن جذورها تمتد إلى عصر نزول القرآن الكريم. وقد حسب بعض المؤرخين للمنهج البياني في التفسير خلو صدر الإسلام منه وتجاوزه إلى ما بعده حين ظهرت المصطلحات البلاغية في صدر العصر العباسي هم يحسبون أن معرفة البيان القرآني فرع عن معرفة "المصطلحات البلاغية" وفاتهم أن قوم الفطرة قد درسوا القرآن دراسة من يعرف مناحي البيان وإن فاتهم معرفة مصطلحاته التي ظهرت من بعدهم فهم يعرفون مناحي الإيجاز والإطناب ومواضع الحقيقة والمجاز وقد كفانا الجاحظ مؤنة الرد على من أنكر ذلك فقال: "فإذا زعم زاعم أنه لم يكن في كلامهم تفاضل ولا بينهم في ذلك تفاوت فلم ذكروا العي والبكئ والحصر والمفحم، والخطل، المسهب والمتشدق والمتفقه والهماز والثرثار والمكثار والمهماز؟ ولم ذكروا الهجر والهذر والهذيان والتخليط؟ وقالوا: رجل تلفاعة وتلهاعة وفلان يتلهيع في خطبته. وقالوا: فلان يخطئ في جوابه، ويحيل في كلامه، ويناقض في خبره ولولا أن هذه الأمور قد كانت تكون في بعضهم دون بعض لما سمي ذلك البعض والبعض الآخر بهذه الأسماء"٣. ولا شك أن هذه الأوصاف والمسميات التي ذكرها الجاحظ ترسم الجو

стр. 902

البلاغي الذي تنفست فيه المعاني البيانية قبل أن ترسمها المصطلحات البلاغية المحدثة وفي ذلك ما يدفعنا إلى تلمس الأصول الأولى للتفسير البياني للقرآن الكريم لدى الأوائل من سامعيه١. وإذا ما فعلنا ذلك فإنا سنجد في تفسير الرسول ﷺ جملة من ذلك نذكر لها مثالا: بيانه ﵊ للخيط الأبيض والخيط الأسود في قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ ، ببياض النهار وسواد الليل٢ منتقلا بالمعنى من الحقيقة إلى المجاز. وفي تفسير الصحابة رضوان الله عليهم نجد جذور وبذور التفسير البياني للقرآن الكريم وأشهر من عرف عنه هذا اللون من التفسير حبر هذه الأمة عبد الله بن عباس، ﵄. ولذا فقد جرى بعض المؤرخين للتفسير على اعتبار ابن عباس ﵄ صاحب الرأي الخاص بتفسير القرآن تفسيرًا لغويا يرجع فيه إلى شعر العرب لمعرفة ما قد يغمض من الألفاظ والتراكيب٣. وتاريخ التفسير يحدثنا مرارا عن لقاء نافع بن الأزرق بابن عباس ﵄ فيقول: "بينا عبد الله بن عباس جالس بفناء الكعبة قد اكتنفه الناس يسألونه عن تفسير القرآن، فقال نافع بن الأزرق لنجدة بن عويمر: قم بنا إلى هذا الذي يجترئ على تفسير القرآن بما لا علم له به، فقاما إليه فقالا: إنا نريد أن نسألك عن أشياء من كتاب الله فتفسرها لنا وتأتينا بمصادقة من كلام العرب فإن الله تعالى إنما أنزل القرآن بلسان عربي مبين، فقال ابن عباس: سلاني عما بدا لكما"٤، فسأله نافع عن أكثر من مئة وثمانٍ وثمانين مسألة أوردها السيوطي

стр. 903

رحمه الله تعالى في الإتقان"١. وليس ابن عباس ﵁ بالوحيد٢ بينهم ﵃، فقد شاركه في هذا جملة من الصحابة ﵃ لكنه من أولهم وأشهرهم فذكرناه واقتصرنا عليه. وقد ورث عن ابن عباس ﵄ تفسيره طائفة من تلاميذه بما فيه من جذور التفسير البياني، فجاء تفسير مجاهد متأثِّرًا بهذا اللون من التفسير وقد ذكر الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي رحمه الله تعالى جملة من هذا وذاك في كتابه "معجم غريب القرآن". كل هذا كان قبل عصر التدوين. ولعل هذه الخاصة فيه هي التي جعلت كثيرا من المؤرخين يتجاوزون هذه المرحلة ويعرضون عنها مبتدئين تاريخهم للتفسير البياني ببداية عصر التدوين.

стр. 904

وأول ما يصادفنا في هذا العصر -عصر التدوين- كتاب "مجاز القرآن" لأبي عبيدة معمر بن المثنى رحمه الله تعالى المتوفى سنة ٢١٠، وينبغي أن أذكر هنا ما ذكره ابن تيمية رحمه الله تعالى عن المراد بالمجاز هنا حيث قال: "أول من عرف أنه تكلم بلفظ المجاز أبو عبيدة معمر بن المثنى في كتابه ولكن لم يُعنَ بالمجاز ما هو قسيم الحقيقة وإنما عنى بمجاز الآية ما يعبر به عن الآية"١، وذلك أنه حين يتعرض للنصوص القرآنية يشير إلى ما تدل عليه من حقيقة أو مثل أو تشبيه أو كناية وما يتضمن من ذكر أو حذف أو تقديم أو تأخير فوضع بذلك اللبنة الأولى في صرح الدراسات البلاغية للقرآن الكريم، وقد يكون في ذلك بعض التجوز في التحديد ولكنه منهج مبدئي وله بذلك موضعه من التقدير٢. وجاء من بعده سيل من المؤلفين في هذا المضمار فألف الفراء كتابه "معاني القرآن" ومع أن الفراء هذا يقول: "لو حمل إلي أبو عبيدة لضربته عشرين في كتاب المجاز"٣ فإن كتابه المعاني جاء على نفس طريقة أبي عبيدة وإن غلب النحو على نهجه ودراسة الكتابين توحي باتحاد المنحى لدى الرجلين في البدء بتفسير الآيات حسب ترتيبها في المصحف واتَّبعه في إيراد المسائل البيانية من كناية وتشبيه ومثل واستعارة ومجاز٤، واتبعه كظله في تذييل تفسيره بذكر الحديث والأمثلة الشعرية والنثرية لبيان المعنى وتوضيحه ولا يفوته أحيانا أن يورد بعض المأثور عن الصحابة والتابعين٥. وجاء من بعدهم الجاحظ "ت٢٢٥" فألف كتابه "نظم القرآن" وهو كتاب مفقود لكن كتب الجاحظ نفسه والدارسين من بعده لا تخلو من الإشارة إليه وبيان غرضه.

стр. 905

وابن قتيبة "٢٧٦" ألف كتابه تأويل مشكل القرآن رد فيه على الطاعنين في بلاغته، والجاحظ خطيب المعتزلة وابن قتيبة خطيب أهل السنة كما يقولون١. ودخل القرن الرابع الهجري الذي اختار أصحابه لهذا اللون من التفسير عنوان "إعجاز القرآن" ٢ فألف فيه من أهله أبو الحسن علي بن عيسى الرماني "ت٣٨٦" كتابه "النكت في إعجاز القرآن" وألف أبو سليمان حمد بن محمد الخطابي "ت٣٨٨": "بيان إعجاز القرآن". وفي هذا القرن أيضا ألف قاضي المعتزلة أبو الحسن عبد الجبار الهمداني "ت٣١٥" كتابه "المغني في أبواب التوحيد والعدل" خص إعجاز القرآن بجزء منه مستقل. ومن أهل هذا القرن أيضا أبو بكر الباقلاني "٤٠٣" وقد ألف كتاب "إعجاز القرآن". وجاء القرن الخامس وأظهر ما فيه وأشهر كتاب عبد القاهر الجرجاني "ت٤٧١": "دلائل الإعجاز" ورسالته التي سماها "الرسالة الشافية في إعجاز القرآن الكريم". وجاء القرن السادس وما أدراك ما القرن السادس؛ ألف فيه أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري "ت٥٣٨" كتابه "تفسير الكشاف" وحسبك به في هذا اللون من التفسير. وفي أواخر هذا القرن ألف فخر الدين الرازي "ت٦٠٦" رسالته "نهاية الإيجاز في دراية الإعجاز". وفي القرن السابع وضع أبو الأصبع المصري "ت٦٥٤" كتابه "بديع القرآن" وكتابه "الخواطر السوانح في أسرار الفواتح".

стр. 906

وفي القرن الثامن وضع الإمام يحيى بن حمزة العلوي "ت٧٤٩" كتابه "الطراز" أملاه على أصحابه بعد أن قرأوا تفسير الكشاف فطلبوا منه أن يملي عليهم في إعجاز القرآن كتابًا، فأملاه عليهم. وفي القرن التاسع ألف برهان الدين بن عمر البقاعي "ت٨٨٥" كتابه "نظم الدرر في تناسب الآيات والسور". وفي أواخر هذا القرن وأوائل القرن العاشر جاء الإمام جلال الدين السيوطي "ت٩١١" صاحب المؤلفات والمصنفات في هذا الموضوع وغيره ومنها كتابه "تناسق الدرر في تناسب السور" وغيره كثير. ولا أعرف كتابا أو تفسيرا من هذا اللون في القرنين الحادي عشر والثاني عشر أما القرن الثالث عشر فقد ألف فيه شهاب الدين السيد محمود الألوسي "ت١٢١٧" تفسيره "روح المعاني" حتى عده بعض المعاصرين "امتداد لتفسير الكشاف للزمخشري في الاهتمام بالمسائل البلاغية والنحوية"١. هذه إشارة سريعة لم أقصد بها استيفاءً ولا شمولًا ولا استقصاءً وإنما قصدت الإشارة إلى وجود الدراسات البيانية للقرآن الكريم عند الأقدمين وتسلسلها عبر القرون واتصالها بعضها ببعض من عصر نزول القرآن الكريم إلى القرن الرابع عشر الهجري. ولم أضرب الأمثلة؛ إذ أن ضرب المثال في مثل هذا المقام يوجب استيفاء جوانبه الفكرية ولو فعلت هذا وذاك لكان في كتاب ضخم وقد كفاني مؤونة ذلك أستاذان فاضلان تتبعا خطوات التفسير البياني حتى العصر الحديث هما الدكتور محمد رجب البيومي في خطوات التفسير البياني للقرآن الكريم، والدكتور حفني محمد شرف في كتابه "إعجاز القرآن البياني بين النظرية والتطبيق". ولعلِّي بعد هذا أجد مبررا للولوج إلى ميدان القرن الرابع عشر الهجري حيث أسمع جلبة، لعلي آتيكم منها بخبر.

стр. 907

تطور التفسير البياني: أشرقت شمس القرن الرابع عشر الهجري وطوقت بإشعتها الذهبية منارات الأزهر الشريف وفي ظلها وتحت فيئها يجلس عالم يلبس عمامة الأزهر وجلبابه وحوله عدد من تلاميذه جثيًّا على الركب يطلبون العلم والمعرفة. ذلكم الشيخ محمد عبده يقرر لتلاميذه في بداية درسه القرآن الكريم الأمور التي يجب أن يلتزمها المفسر، فتسارق النظر إلى أوراق تلميذه السيد رشيد رضا تستدرك ما فاتك من الدرس فتقرأ فيها: "للتفسير مراتب: أدناها: أن يبين بالإجمال ما يشرب القلب عظمة الله وتنزيهه، ويصرف النفس عن الشر ويجذبها إلى الخير وهذه هي التي قلنا: إنها متيسرة لكل أحد ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ ١. وأما المرتبة العليا: فهي لا تتم إلا بأمور: "أحدها": فهم حقائق الألفاظ المفردة التي أودعها القرآن -بحيث يحقق المفسر ذلك من استعمالات أهل اللغة، غير مكتفٍ بقول فلان وفهم فلان، فإن كثيرا من الألفاظ كانت تسعمل في زمن التنزيل لمعانٍ ثم غلبت على غيرها بعد ذلك بزمن قريب أو بعيد إلى أن قال: يجب على من يريد الفهم الصحيح أن يتتبع الاصطلاحات التي حدثت في الملة، ليفرق بينها وبين ما ورد في الكتاب فكثيرا ما يفسر المفسرون كلمات القرآن بالاصطلاحات التي حدثت في الملة بعد القرون الثلاثة الأولى، فعلى المدقق أن يفسر القرآن بحسب المعاني التي كانت مستعملة في عصر نزوله، والأحسن أن يفهم اللفظ من القرآن نفسه بأن يجمع ما تكرر في مواضع منه، وينظر فيه، فربما استعمل بمعانٍ مختلفة كلفظ الهداية. ويحقق كيف يتفق معناه مع جملة معنى الآية فيعرف المعنى المطلوب من بين معانيه، وقد قالوا: إن القرآن يفسر بعضه ببعض، وإن أفضل قرينة تقوم على حقيقة معنى اللفظ: موافقته لما سبق له من القول واتفاقه مع جملة المعنى وائتلافه مع القصد الذي جاء له الكتاب بجملته.

стр. 908

ثانيها: الأساليب فينبغي أن يكون عنده من علمها ما يفهم به هذه الأساليب الرفيعة. وذلك يحصل بممارسة الكلام البليغ ومزاولته مع التفطن لنكته ومحاسنه والعناية بالوقوف على مراد المتكلم منه؛ نعم إننا لا نتسامى إلى فهم مراد الله تعالى كله على وجه الكمال والتمام، ولكن يمكننا فهم ما نهتدي به بقدر الطاقة ويحتاج في هذا إلى الإعراب وعلم الأساليب "المعاني والبياني"، ولكن مجرد العلم بهذه الفنون وفهم مسائلها وحفظ أحكامها لا يفيد المطلوب. ثالثها: علم أحوال البشر. رابعها: العلم بوجه هداية البشر كلهم بالقرآن. فجيب على المفسر القائم بهذا الفرض الكفائي: أن يعلم ما كان عليه الناس في عصر النبوة من العرب وغيرهم؛ لأن القرآن ينادي بأن الناس كلهم كانوا في شقاء وضلال، وأن النبي ﷺ بعث به لهدايتهم وإسعادهم وكيف يفهم المفسر ما قبحته الآيات من عوائدهم على وجه الحقيقة أو ما يقرب منها إذا لم يكن عارفا بأحوالهم وما كانوا عليه؟ خامسها: العلم بسيرة النبي ﷺ وأصحابه وما كانوا عليه من علم وعمل وتصرف في الشئون دنيويها وأخرويها"١. ونجد أيضا تلميذه السيد رشيد رضا ينقل عن أستاذه في موضع آخر قوله: "لا يتَّعِظُ الإنسان بالقرآن فتطمئن نفسه بوعده وتخشع لوعيده إلا إذا عرف معانيه وذاق حلاوة أساليبه. ولا يأتي هذا إلا بمزاولة الكلام العربي البليغ مع النظر في بعض النحو، كنحو ابن هشام وبعض فنون البلاغة كبلاغة عبد القاهر وبعد ذلك يكون له ذوق في فهم اللغة يؤهله لفهم القرآن"٢. وبهذا يتضح سبب تفضيل الأستاذ الإمام محمد عبده تفسير الكشاف حين سأله تلميذه رشيد رضا: "أي التفاسير أنفع لطلبة العلم؟ قال: الكشاف. قلت:

стр. 909

تحديد المعاني ونكت البلاغة بالعبارة الدقيقة المختصرة"١. هذه بعض النصوص الكثيرة التي جاءت في تفسير المنار أحسبها نواة التفسير البياني للقرآن الكريم والأستاذ الإمام وإن خط لنا أهم قواعد هذا النهج إلا أنه كما يقول الدكتور كامل سعفان. لم يلتزمه فقد غلبه طابع الإصلاح الاجتماعي٢. وحين ننفي الالتزام فإنا لا ننكر أنها وضعت بذور هذا الاتجاه في العصر الحديث ولكن جهودهم -كما يقول الدكتور عفت الشرقاوي لم تَعْدُ اللمحات العابرة التي تكشف عن نكتة بلاغية خفية، أو لمحة بيانية ذكية، فهي لم تكن تؤلف في جملتها منهجا أدبيا واضحا يمكن أن ينسب إليها"٣. وحتى لا أغمط الرجل حقه وحتى لا أنكر جهده أذكر أمثلة للتفسير البياني عنده تظهر جليا بذور هذ المنهج. خذ مثلا تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ، وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ ٤ تراه يقول: "كثر خلاف المفسرين والرواة في معنى كل من الفجر وليال عشر إلى آخر ما أقسم به. وقد يفسر الواحد منهم الفجر بمعنى، ثم يأتي في الليالي العشر بما لا يلائمه وغالب ذلك يجري على لا ما عودنا الله في نسق كتابه الكريم. وقد جرت سنة الكتاب بأنه إذا أريد تعيين يوم أو وقت ذكره بعينه. كيوم القيامة في لا اقسم بيوم القيامة وكاليوم الموعود في سورة والسماء ذات البروج. وكَلَيْلَةِ القدر في سورتها فإذا أطلق الزمن ولم يقيد كان المراد ما يعمه معنى الاسم، كما سبق في

стр. 910

قوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ، وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ ١ فالفجر على هذا هو جنس ذلك الوقت المعروف الذي يظهر فيه بياض النهار في جلد الليل الأسود. وينبعث الضياء لمطاردة الظلام، وهو وقت تنفُّس الصبح، وهو معهود في كل يوم فصح أن يعرف بالألف واللام، والمراد والله أعلم من ليالٍ عشر يتشابه حالها مع حال الفجر، وهي ما يكون ضوء القمر فيها مطاردًا لظلام الليل إلى أن تغلبه الظلمة، فكأنه وضع التناسب على شيء من التقابل، فضوء الصبح يهزم ظلمة الليل ثم يسطع النهار ولا يزال الضوء إلى الليل وضوء الأهلة في عشر ليال من أول كل شهر يشق الظلام ثم لا يزال الظلام يغالبه إلى أن يغلبه فيسدل على الكون حجبه"٢. ومثلًا آخر في تفسيره لقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ ٣ يقول: "ال" في العسر للاستغراق ولكنه استغراق المعهود عند المخاطبين من أفراده أو أنواعه. فهو العسر الذي يعرض من الفقر والضعف وجهل الصديق وقوة العدو وقلة الوسائل إلى المطلوب ونحو ذلك مما هو معهود ومعروف، فهذه الأنواع من العسر مهما اشتدت وكانت النفس حريصة على الخروج منها طالبة لكشف شدتها، واستعملت من وسائل الفكر والنظر والعمل ما من شأنه أن يعد لذلك في معروف العقل، واعتصمت بعد ذلك بالتوكل على الله حتى لا تضعفها الخيبة لأول مرة ولا يفسخ عزيمتها من تلاقيه عند الصدمة الأولى، فلا ريب أن النفس تخرج منها ظافره إلى أن قال: "وتنكير اليسر؛ لأن الذي يأتي بعد العسر أي نوع من أنواعه لا يختص بيسر معين، والتعبير بالمعية لتوثيق الأمل بأنه لا بد منه كأنه معه"٤. ومثلا ثالثا لكنه لتلميذه محمد رشيد رضا في تفسير كلمة ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ .

стр. 911

من قوله تعالى في وصف المنافقين ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ ١ قال: "أقول: قال الراغب بعد الذكر: الشعر "بفتح الشين وسكون العين وفتحها" من مفرداته. وشعرت أصبت الشعر، ومنه استعير: شعرت كذا أي علمت علما هو في الدقة كإصابة الشعر، ومنه يسمى الشاعر شاعرًا لفطنته ودقة معرفته، فالشعر في الأصل اسم للعلم الدقيق في قولهم: ليت شعري. وصار في التعارف اسما للموزون المقفى من الكلام. ا. هـ. أقول ويناسب هذا الشعار "بالكسر" للكساء الباطن الذي يمس شعر الإنسان، والمعروف في كتب اللغة أن شعر به -كنصر وكرم- يشعر شعرا "بالكسر والفتح" وشعورا معناه علم به وفطن له وأدركه، والفطنة تتعلق بالأمور الدقيقة وأطلق بعض المفسرين أن الشعور إدراك المشاعر أي الحواس الخمس، والتحقيق أنه إدراك ما دق من حسي وعقلي، فلا تقول: شعرت بحلاوة العسل وبصوت الصاعقة وبألم كية النار، وإنما تقول: أشعر بحرارة ما في بدني، وبملوحة أو مرارة في هذا الماء، إذا كانت قليلة وبهينمة وراء الجدار، وما ورد في القرآن من هذا الحرف يدل على هذا المعنى، أي إدراك ما فيه دقة وخفاء. فمعنى نفي الشعور عن المنافقين في مخادعتهم الله تعالى أنهم يجرون في كذبهم وتلبيسهم وريائهم على ما ألفوا وتعودوا، فلا يحاسبون أنفسهم عليه ولا يراقبون الله فيه، وما كلهم يؤمنون بوجود الله وإحاطة علمه، ومن يؤمن بوجوده لم يترب "كذا" على خشيته ومراقبته، ولا يفكر فيما يرضيه وفيما يغضبه، فهو يعمل عم ل المخادع له وما يشعر بذلك وأما مخادعتهم للمؤمنين فظاهرة؛ لأنهم اتخذوهم أعداء وهم عاجزون عن إظهار عداوتهم، فأعمالهم التي يقصدون بها إرضاء المؤمنين كلها خداع ورياء"٢. تلكم أمثلة ثلاثة قلنا إنها مع أمثالها في تفسير محمد عبده وتلميذه السيد رشيد رضا تعد -كما أسلفت القول- لمحات عابرة تكشف عن نكتة بلاغية

стр. 912

خفية أو لمحة بيانية ذكية ولم تكن تؤلف في جملتها منهجا أدبيا متكاملا يمكن نسبته إليها وتميزا به. ولئن كان لا يسعنا هنا أن نذكر الفوارق بين منهج الأستاذ الإمام والمنهج الأدبي الذي استوى على سوقه من بعده حتى نستوفي عناصر هذا الأخير فإنه لا يمنعنا أن نذكر فارقا واحدا به يتضح مدى البون بين الطرفين. ذلكم أن الإمام نص في مقدمة تفسير المنار على الهدف الذي يرمي إليه من تفسيره فقال: "والتفسير الذي نطلبه هو فهم الكتاب من حيث هو دين يرشد الناس إلى ما فيه سعادتهم في حياتهم الدنيا، وحياتهم الآخرة فإن هذا هو المقصد الأعلى منه، وما وراء هذا من المباحث تابع له أو وسيلة لتحصيله"١. بينا يرى الأستاذ أمين الخولي أن "المقصد الأول للتفسير اليوم أدبي محض صرف، غير متأثر بأي اعتبار وراء ذلك وعليه يتوقف تحقق كل غرض آخر يقصد إليه؛ هذه هي نظرتنا إلى التفسير اليوم وهذا غرضنا منه وعلى هذا الأساس نتقدم لبيان طريقة تناوله ومنهج درسه"٢. وشتان بين منهج يتناول القرآن كقطعة أدبية كقصيدة شاعر أو خطبة خطيب أو نثر كاتب وبين منهج يتناوله طالبا الهداية والرشد أولا وما سواها ثانيا، ولست بحاجة إلى مزيد بيان للبون بينهما ولعلي بعد هذا ألقي عن كاهلي عبء دمج المنهجين في منهج واحد، وأتحدث بعد هذا عن المنهج الأدبي المحض! الصرف.

стр. 913

قصة تأصيل هذا المنهج: حين أذكر وأكرر أن المنهج البياني في التفسير خاص بالقرن الرابع عشر الهجري فإني لا أعني أبدا نفي الدراسات البيانية في القرون الماضية كيف وقد

стр. 914

ذكرت سلسلة منها فيما سلف من هذه الورقات؟! وإنما أعني أن الدراسات السابقة لم تصل في مقصدها إلى ما وصلت إليه في القرن الرابع عشر الهجري. كان هدف الدراسات السابقة هو الهدف الذي ذكرته في تفسير محمد عبده آنفا وأزيد على هذا ما لاحظه الدكتور حفني محمد شرف بعد أن درس "إعجاز القرآن البياني بين النظرية والتطبيق" وانتهى به المطاف إلى ملاحظة هامة دونها في خاتمة رسالته حين قال: "والذي لاحظته أثناء هذا التطواف، وتلك المقابلات أن أكثر علماء الإعجاز درسوا البلاغة العربية وأرخوا لها وطوروا دراستها؛ لأنهم كانوا مؤمنين بأن دراسة البلاغة وسيلة لغاية أسمى، وهي إعجاز القرآن البياني، ويمكن التأكد من هذا بالرجوع إلى مقدمات مؤلفاتهم في البلاغة التي كثيرا ما يصرحون فيها بهذه الملاحظة التي أشرت إليها"١. بمعنى آخر: إن الدراسات السابقة كانت وسيلة وليست غاية أما الدراسات هذه في الفترة التي نريد جلاءها فهي غاية تدرس النص القرآني "وقصدها الأول أدبي محض صرف غير متأثر بأي اعتبار وراء ذلك، وعليه يتوقف تحقق كل غرض آخر يقصد إليه"٢، ولذا فلا فرق بين أن يقوم بهذه الدراسة مسلم أو غير مسلم كما يقولون هم بأنفسهم. إذًا فالدراسات الحديثة أصل الدراسة البيانية للقرآن الكريم واستميحكم هنا عذرا بتقديم الدكتورة عائشة عبد الرحمن تلميذة المؤصل -إن صحت التسمية- لهذا المنهج الأستاذ أمين الخولي أقدمها لتوضح لنا بداية هذا التأصيل وإن شئت فسمها قصة هذا التأصيل. تقول بنت الشاطئ: "لكل لغة روائع من آدابها، تعتبرها النماذج العالية لذوقها الأصيل، والمثل الرفيعة لفنها القولي وقد غبرت الأجيال منا تجه إلى نصوص مختارة من شعر العربية ونثرها تضعها بين أيدي القراء أو تقدمها إلى التلاميذ والطلاب وشغلنا نحن أصحاب الدرس الأدبي، أو شغلت الجمهرة

стр. 915

منا بالمعلقات والنقائض والمفضليات، ومشهور الخمريات والحماسيات والمراثي والمدائح والغزليات ومأثور الرسائل والأمالي والمقامات، شغلنا بهذا ومثله عن الاتجاه إلى القرآن الكريم الذي لا جدال في أنه كتاب العربية الأكبر ومعجزتها البيانية الخالدة، ومثلها العالي الذي يجب أن يتصل به كل ذي عروبة أراد أن يكسب ذوقها ويدرك حسها ومزاجها ويستشف أسرارها في التعبير والأداء، مسلمًا كان أو غير مسلم. ونحن في الجامعة نترك هذا الكنز الغالي لدرس التفسير، وقلَّّ فينا من حاول أن ينقله إلى مجال الدراسة الأدبية الخالصة التي قصرناها على دواوين الشعر ونثر مشهوري الكتاب، وكان المنهج المتَّبع في درس التفسير -إلى نحو ربع قرن من الزمان-١ تقليديًّا أثريًّا، لا يتجاوز فهم النص القرآني على نحو ما كان يفعل المفسرون من قديم حتى جاء شيخنا الإمام "الأستاذ أمين الخولي"، فخرج به عن ذلك النمط التقليدي وتناوله نصًّا أدبيًّا على منهج أصله، وتلقاه عنه تلامذته وأنا منهم"٢. ولئن قرأنا ما كتبته التلميذة فمن الأولى أن نقرأ ما كتبه الأستاذ بنفسه ولئن كان في نصه طول ففيه استيفاء وشمول لبيان المراد. قال مبينا المقصد الحقيقي للتفسير عند الإمام محمد عبده ومعقِّبا عليه: فالمقصد الحقيقي عنده هو: الاهتداء بالقرآن وهو مقصد جليل ولا شك يحتاج المسلمون إلى تحقيقه. لكن ليس بدعا من الرأي أن ننظر في هذا المقصد لنقول: إنه ليس الغرض الأول من التفسير وليس أول ما يعنى به ويقصد إليه. بل إن قبل ذلك كله مقصدا أسبق وغرضا أبعد. تنشعب عنه الأغراض المختلفة، وتقوم عليه المقاصد المتعددة ولا بد من الوفاء به قبل تحقيق أي مقصد آخر، سواء أكان ذلك المقصد الآخر، علميًّا أم عمليًّا، دينيًّا أم دنيويًّا، وذلك المقصد الأسبق والغرض الأبعد هو النظر في القرآن من حيث هو كتاب العربية الأكبر وأثرها الأدبي الأعظم، فهو الكتاب الذي أخلد العربية وحمى كيانها وخلد معها
следующие страницы →