من قوله تعالى في وصف المنافقين ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ ١ قال: "أقول: قال الراغب بعد الذكر: الشعر "بفتح الشين وسكون العين وفتحها" من مفرداته. وشعرت أصبت الشعر، ومنه استعير: شعرت كذا أي علمت علما هو في الدقة كإصابة الشعر، ومنه يسمى الشاعر شاعرًا لفطنته ودقة معرفته، فالشعر في الأصل اسم للعلم الدقيق في قولهم: ليت شعري. وصار في التعارف اسما للموزون المقفى من الكلام. ا. هـ.
أقول ويناسب هذا الشعار "بالكسر" للكساء الباطن الذي يمس شعر الإنسان، والمعروف في كتب اللغة أن شعر به -كنصر وكرم- يشعر شعرا "بالكسر والفتح" وشعورا معناه علم به وفطن له وأدركه، والفطنة تتعلق بالأمور الدقيقة وأطلق بعض المفسرين أن الشعور إدراك المشاعر أي الحواس الخمس، والتحقيق أنه إدراك ما دق من حسي وعقلي، فلا تقول: شعرت بحلاوة العسل وبصوت الصاعقة وبألم كية النار، وإنما تقول: أشعر بحرارة ما في بدني، وبملوحة أو مرارة في هذا الماء، إذا كانت قليلة وبهينمة وراء الجدار، وما ورد في القرآن من هذا الحرف يدل على هذا المعنى، أي إدراك ما فيه دقة وخفاء. فمعنى نفي الشعور عن المنافقين في مخادعتهم الله تعالى أنهم يجرون في كذبهم وتلبيسهم وريائهم على ما ألفوا وتعودوا، فلا يحاسبون أنفسهم عليه ولا يراقبون الله فيه، وما كلهم يؤمنون بوجود الله وإحاطة علمه، ومن يؤمن بوجوده لم يترب "كذا" على خشيته ومراقبته، ولا يفكر فيما يرضيه وفيما يغضبه، فهو يعمل عم ل المخادع له وما يشعر بذلك وأما مخادعتهم للمؤمنين فظاهرة؛ لأنهم اتخذوهم أعداء وهم عاجزون عن إظهار عداوتهم، فأعمالهم التي يقصدون بها إرضاء المؤمنين كلها خداع ورياء"٢.
تلكم أمثلة ثلاثة قلنا إنها مع أمثالها في تفسير محمد عبده وتلميذه السيد رشيد رضا تعد -كما أسلفت القول- لمحات عابرة تكشف عن نكتة بلاغية
стр. 912
خفية أو لمحة بيانية ذكية ولم تكن تؤلف في جملتها منهجا أدبيا متكاملا يمكن نسبته إليها وتميزا به.
ولئن كان لا يسعنا هنا أن نذكر الفوارق بين منهج الأستاذ الإمام والمنهج الأدبي الذي استوى على سوقه من بعده حتى نستوفي عناصر هذا الأخير فإنه لا يمنعنا أن نذكر فارقا واحدا به يتضح مدى البون بين الطرفين.
ذلكم أن الإمام نص في مقدمة تفسير المنار على الهدف الذي يرمي إليه من تفسيره فقال: "والتفسير الذي نطلبه هو فهم الكتاب من حيث هو دين يرشد الناس إلى ما فيه سعادتهم في حياتهم الدنيا، وحياتهم الآخرة فإن هذا هو المقصد الأعلى منه، وما وراء هذا من المباحث تابع له أو وسيلة لتحصيله"١.
بينا يرى الأستاذ أمين الخولي أن "المقصد الأول للتفسير اليوم أدبي محض صرف، غير متأثر بأي اعتبار وراء ذلك وعليه يتوقف تحقق كل غرض آخر يقصد إليه؛ هذه هي نظرتنا إلى التفسير اليوم وهذا غرضنا منه وعلى هذا الأساس نتقدم لبيان طريقة تناوله ومنهج درسه"٢.
وشتان بين منهج يتناول القرآن كقطعة أدبية كقصيدة شاعر أو خطبة خطيب أو نثر كاتب وبين منهج يتناوله طالبا الهداية والرشد أولا وما سواها ثانيا، ولست بحاجة إلى مزيد بيان للبون بينهما ولعلي بعد هذا ألقي عن كاهلي عبء دمج المنهجين في منهج واحد، وأتحدث بعد هذا عن المنهج الأدبي المحض! الصرف.
стр. 913
قصة تأصيل هذا المنهج:
حين أذكر وأكرر أن المنهج البياني في التفسير خاص بالقرن الرابع عشر الهجري فإني لا أعني أبدا نفي الدراسات البيانية في القرون الماضية كيف وقد
стр. 914
ذكرت سلسلة منها فيما سلف من هذه الورقات؟! وإنما أعني أن الدراسات السابقة لم تصل في مقصدها إلى ما وصلت إليه في القرن الرابع عشر الهجري.
كان هدف الدراسات السابقة هو الهدف الذي ذكرته في تفسير محمد عبده آنفا وأزيد على هذا ما لاحظه الدكتور حفني محمد شرف بعد أن درس "إعجاز القرآن البياني بين النظرية والتطبيق" وانتهى به المطاف إلى ملاحظة هامة دونها في خاتمة رسالته حين قال: "والذي لاحظته أثناء هذا التطواف، وتلك المقابلات أن أكثر علماء الإعجاز درسوا البلاغة العربية وأرخوا لها وطوروا دراستها؛ لأنهم كانوا مؤمنين بأن دراسة البلاغة وسيلة لغاية أسمى، وهي إعجاز القرآن البياني، ويمكن التأكد من هذا بالرجوع إلى مقدمات مؤلفاتهم في البلاغة التي كثيرا ما يصرحون فيها بهذه الملاحظة التي أشرت إليها"١.
بمعنى آخر: إن الدراسات السابقة كانت وسيلة وليست غاية أما الدراسات هذه في الفترة التي نريد جلاءها فهي غاية تدرس النص القرآني "وقصدها الأول أدبي محض صرف غير متأثر بأي اعتبار وراء ذلك، وعليه يتوقف تحقق كل غرض آخر يقصد إليه"٢، ولذا فلا فرق بين أن يقوم بهذه الدراسة مسلم أو غير مسلم كما يقولون هم بأنفسهم.
إذًا فالدراسات الحديثة أصل الدراسة البيانية للقرآن الكريم واستميحكم هنا عذرا بتقديم الدكتورة عائشة عبد الرحمن تلميذة المؤصل -إن صحت التسمية- لهذا المنهج الأستاذ أمين الخولي أقدمها لتوضح لنا بداية هذا التأصيل وإن شئت فسمها قصة هذا التأصيل.
تقول بنت الشاطئ: "لكل لغة روائع من آدابها، تعتبرها النماذج العالية لذوقها الأصيل، والمثل الرفيعة لفنها القولي وقد غبرت الأجيال منا تجه إلى نصوص مختارة من شعر العربية ونثرها تضعها بين أيدي القراء أو تقدمها إلى التلاميذ والطلاب وشغلنا نحن أصحاب الدرس الأدبي، أو شغلت الجمهرة
стр. 915
منا بالمعلقات والنقائض والمفضليات، ومشهور الخمريات والحماسيات والمراثي والمدائح والغزليات ومأثور الرسائل والأمالي والمقامات، شغلنا بهذا ومثله عن الاتجاه إلى القرآن الكريم الذي لا جدال في أنه كتاب العربية الأكبر ومعجزتها البيانية الخالدة، ومثلها العالي الذي يجب أن يتصل به كل ذي عروبة أراد أن يكسب ذوقها ويدرك حسها ومزاجها ويستشف أسرارها في التعبير والأداء، مسلمًا كان أو غير مسلم.
ونحن في الجامعة نترك هذا الكنز الغالي لدرس التفسير، وقلَّّ فينا من حاول أن ينقله إلى مجال الدراسة الأدبية الخالصة التي قصرناها على دواوين الشعر ونثر مشهوري الكتاب، وكان المنهج المتَّبع في درس التفسير -إلى نحو ربع قرن من الزمان-١ تقليديًّا أثريًّا، لا يتجاوز فهم النص القرآني على نحو ما كان يفعل المفسرون من قديم حتى جاء شيخنا الإمام "الأستاذ أمين الخولي"، فخرج به عن ذلك النمط التقليدي وتناوله نصًّا أدبيًّا على منهج أصله، وتلقاه عنه تلامذته وأنا منهم"٢.
ولئن قرأنا ما كتبته التلميذة فمن الأولى أن نقرأ ما كتبه الأستاذ بنفسه ولئن كان في نصه طول ففيه استيفاء وشمول لبيان المراد. قال مبينا المقصد الحقيقي للتفسير عند الإمام محمد عبده ومعقِّبا عليه: فالمقصد الحقيقي عنده هو: الاهتداء بالقرآن وهو مقصد جليل ولا شك يحتاج المسلمون إلى تحقيقه. لكن ليس بدعا من الرأي أن ننظر في هذا المقصد لنقول: إنه ليس الغرض الأول من التفسير وليس أول ما يعنى به ويقصد إليه. بل إن قبل ذلك كله مقصدا أسبق وغرضا أبعد. تنشعب عنه الأغراض المختلفة، وتقوم عليه المقاصد المتعددة
ولا بد من الوفاء به قبل تحقيق أي مقصد آخر، سواء أكان ذلك المقصد الآخر، علميًّا أم عمليًّا، دينيًّا أم دنيويًّا، وذلك المقصد الأسبق والغرض الأبعد هو النظر في القرآن من حيث هو كتاب العربية الأكبر وأثرها الأدبي الأعظم، فهو الكتاب الذي أخلد العربية وحمى كيانها وخلد معها
стр. 916
فصار فخرها، وزينة تراثها، وتلك صفة للقرآن يعرفها العربي مهما يختلف به الدين أو يفترق به الهوى ما دام شاعرا بعربيته مدركًا أن العروبة أصله في الناس وجنسه بين الأجناس، وسواء بعد ذلك أكان العربي مسيحيًّا أو وثنيًّا أم كان طبيعيًّا دهريًّا، لا دينيًّا، أم كان المسلم المتحنف، فإنه سيعرف بعروبته منزلة هذا الكتاب في العربية، ومكانته في اللغة، دون أن يقوم ذلك على شيء من الإيمان بصفة دينية للكتاب أو تصديق خاص بعقيدة فيه وليس هذا شأن العرب فحسب، بل إن الشعوب التي ليست عربية الدم أصلا، ولكن وصلها التاريخ وسير الحياة بهذه العروبة فارتضت الإسلام دينا، أو خالطت العرب فساطت دماءها بدمائهم، ثم اتخذت العربية أصلا من أصول حياتها الأدبية حتى ربطتها العربية هذه الأواصر الوثقى، إلى أن صارت العربية عنصرا أساسيًّا وجانبا جوهريًّا من شخصيتها اللغوية الفنية، قد صار لكِتاب العربية الأعظم وقرآنها الأكرم مكانة بين ما تعنى به، من دراسة أدبية وآثار فنية قولية، فألزمها كل أولئك تناول هذا الكتاب بدراسة أدبية، تتفهم بها أصول ما ورثت من تلك العروبة إن كانت عربية النجار، أو كانت قد اتصلت بتلك العروبة اتصالا حيويًّا قويًّا دفع شخصيتها وسير وجودها ووجه حياتها فالعربي القح، أو من ربطته بالعربية تلك الروابط يقرأ هذا الكتاب الجليل ويدرسه درسا أدبيًّا كما تدرس الأمم المختلفة عيون آداب اللغات المختلفة، وتلك الدراسة الأدبية لأثر عظيم كهذا القرآن هي ما يجب أن يقوم به الدارسون أولا وفاءا بحق هذا الكتاب ولو لم يقصدوا الاهتداء به أو الانتفاع بما حوى وشمل "!! " بل هي ما يجب أن يقوم به الدارسون أولا، ولو لم تنطوِ صدورهم على عقيدة ما فيه، أو انطوت على نقيض ما يردده المسلمون الذين يعدونه كتابهم المقدس، فالقرآن كتاب الفن العربي الأقدس سواء أنظر إليه الناظر على أنه كذلك في الدين أم لا.
وهذا الدرس الأدبي للقرآن في ذلك المستوى الفني، دون نظر إلى أي اعتبار ديني هو ما نعتده وتعتده معنا الأمم العربية أصلا والعربية اختلاطا، مقصدا أول وغرضا أبعد يجب أن يسبق كل غرض ويتقدم كل مقصد ثم
стр. 917
لكل ذي غرض أو صاحب مقصد بعد الوفاء بهذا الدرس الأدبي أن يعمد إلى ذلك الكتاب، فيأخذ منه ما يشاء ويقتبس منه ما يريد ويرجع إليه فيما أحب من تشريع أو اعتقاد أو أخلاق أو إصلاح اجتماعي أو غير ذلك. وليس شيء من هذه الأغراض الثانية يتحقق على وجهه إلا حين يعتمد على تلك الدراسة الأدبية لكِتاب العربية الأوحد دراسة صحيحة كاملة مفهمة له، وهذه الدراسة هي ما نسميه اليوم تفسيرا؛ لأنه لا يمكن بيان غرض القرآن ولا فهم معناه إلا بها.
فجملة القول: أن التفسير فيما أفهمه هو الدراسة الأدبية الصحيحة المنهج، الكاملة المناحي، المتسقة التوزيع، والمقصد الأول للتفسير اليوم أدبي محض صرف، غير متأثر بأي اعتبار، وراء ذلك.. وعليه يتوقف تحقق كل غرض آخر يقصد إليه هذه هي نظرتنا إلى التفسير اليوم وهذا غرضنا منه"١.
وإنما نقلت هذا النص بطوله لما فيه من بيان نظرة الأستاذ أمين الخولي إلى التفسير ولما فيه من بيان غرضه، وكفى بهما من مطلب بسطه لنا صاحب المنهج ومؤصله.
وسأرجئ إبداء رأيي في نظرته إلى التفسير وغرضه منه إلى آخر هذا الفصل حيث سأبين رأيي الخاص في المنهج كله أجمعه هناك حتى لا يتفرق.
стр. 918
مراحله ومعالمه:
وحين نتحدث عن مراحله ومعالمه تلك، فإنا لا نقصد بها المراحل التي مر بها التفسير البياني عبر تاريخ التفسير فهذا قد سبقت الإشارة إليه. ولكني أقصد ذكر المراحل التي يمر بها المفسر الواحد في العصر الحديث لتطبيق المنهج البياني في التفسير كما بسطها صاحبه.
ولئن كان الأستاذ أمين الخولي لم يوردها مسلسلة مرتبة فإني بعد نظر تأمل قد حصرتها بأربع أو خمس مراحل هذا بيانها:
стр. 919
المرحلة الأولى: التفسير الموضوعي
وهي المرحلة التي أشار إليها أمين على أنها النظر بين يدي الخطة حيث قال: "والقرآن كما هو المعروف لم يرتب على الموضوعات والمسائل فيفرد كل شيء منها بباب أو فصل، يجمع ما ورد فيه عن هذا الموضوع أو تلك المسألة فليس على ترتيب كتب العقائد مع ما فيه من أصول العقيدة وليس على ترتيب كتب التشريع مع ما فيه من أصول التشريع. ولا هو كذلك على نسق كتب الأخلاق أو التاريخ ولا القصص ولا غير ذلك، بل ليس على ترتيب بعض كتب الدين حين أفردت أحداث الحياة بأسفار عنونت كل سفر منها بحادث، أو حين جرت على تسلسل حياة فرد خصت كل حين منها بقسم. كما لم يرتب على شيء من تاريخ ظهور آياته إنما جرى القرآن على غير هذا كله. فعرض لكثير من الموضوعات ولم يجمع منها واحدا بعينه، فيلتقي أوله بآخره ويعثر به في مكان معين وإنما نثر ذلك كله نثرا وفرقه تفريقا؛ فالحكم التشريعي في أكثر من موضع والأصل الاعتقادي قد عرض له غير مرة والقصة قد وزعت مناظرها ومشاهدها في جملة أماكن، وهكذا تقرأ في السورة الواحدة فنونا من القول وتمر بألوان من الأغراض المختلفة تعرض لها سورة أخرى فيتكامل العرضان، وتتم الفكرة بتتبعها في مواطن متعددة وذلك لحكمة ومرمى"١.
ويؤكد الأستاذ أمين أن لهذا الواقع في موضوعات القرآن الكريم أثره في طريقة تناول القرآن بالتفسير وأن طريقة السلف في تفسيره مرتَّبًا لا تمكن من الفهم الدقيق والإدراك الصحيح لمعانيه وأغراضه ولا أظن الأستاذ أمين الخولي إلا مخطئا في نظته تلك إلى تفسير السلف ذلك أنهم حين يتناولون بالتفسير حكما تشريعيًّا لا ينظرون إلى آياته التي حملته نظرة منفصلة عن الآيات الأخرى بل ولا عن ما هو خارج عن الآيات أعني السنة وغيرها فلا تعد نظرتهم تلك نظرة قاصرة وخذ القصة مثلا حين يتناولها السلفي يستكمل مناظرها ومشاهدها من نصوص آيات أخرى في مواضع متفرقة وكذا آيات العقائد لا ينظر إلى آحادها
стр. 920
نظرة مستقلة، عن سواها كل هذا يدل على كمال النظرة السلفية في تفسير الآية القرآنية وأن لا أثر لسلوكهم التفسير المرتب على الفهم الدقيق أو الإدراك الصحيح كما فهم الأستاذ أمين.
عودة إلى الأستاذ أمين الخولي لنجمل رأيه في المرحلة الأولى في التفسير البياني أن التفسير لا يكون إلا بأسلوب التفسير الموضوعي الذي يجمع الآيات ذات الموضوع الواحد من أماكنها المتفرقة وينظر إليها نظرة واحدة وبهذا يكون الفهم الصحيح: "فالناظر في سورة البقرة مثلا يجد من الحديث عن المؤمنين وحالهم ما أحسب أنه يفهم الفهم الصحيح إذا ما قورن بما في سورة "المؤمنون" من الجزء الثامن عشر ثم هو واجد في سورة البقرة عن المنافقين وحالهم ما لا يفهم وجهه إلا مع سورة "المنافقون" في الجزء الثامن والعشرين وقصة آدم في البقرة إنما تفسر مع ما ورد عنها في سورة الأعراف والحجر والكهف وغيرها"١.
هذه هي الخطوة الأولى التي يجب أن يخطوها المفسر تفسيرا بيانيا كما يراها الأستاذ أمين الخولي.
المرحلة الثانية: الترتيب الزمني للآيا ذات الموضوع الواحد:
وهي ذات صلة وعلاقة قوية بالمرحلة السابقة حتى وكأنها خطوة أو مرحلة واحدة.
تلكم المرحلة هي مراعاة الترتيب الزمني للآيات ذات الموضوع الواحد ويقصد بها أن المفسر بعد أن يجمع آيات موضوع بعينه يجب أن يخطو الخطوة الثانية فيرتب هذه الآية حسب ترتيب نزولها وأكد هذا الأستاذ أمين الخولي حين قال: "وترتيب القرآن لم يرع شيئا من تقدم الزمن وتأخره فمكيه يتخلل مدنيه ويحيط به ومدنيه يتخلل مكيه ويحيط به. وهكذا ترى من النظر في ترتيب القرآن على سوره -أي ترتيب كان في المصاحف المختلفة- ما لا يساير حاجات مفسره المتفهم لهن بل يقضي ما كان من أمر الترتيب: بالنظر الجديد والترتيب الخاص لآي الموضوع بحيث يكشف هذا الترتيب لنا عن تلك النواحي التي عرفت أن
стр. 921
المفسر المتفهم مضطر إلى مراعاتها وتقديرها توصلا إلى الفهم الصحيح والمعنى الدقيق"١.
إذًا فهو يرى وجوب ترتيب آي الموضوع الواحد ترتيبا خاصا بحيث يكشف هذا الترتيب عن النواحي التي يحتاجها المفسر للوصول إلى الفهم الصحيح. ثم أجمل الأستاذ أمين القول في المرحلتين السابقتين بقوله:
"فجملة القول أن ترتيب القرآن في المصحف قد ترك وحدة الموضوع لم يلتزمها مطلقا، وقد ترك الترتيب الزمني لظهور الآيات لم يحتفظ به أبدا، وقد فرق الحديث عن الشيء الواحد والموضوع الواحد في سياقات متعددة، ومقامات مختلفة ظهرت في ظروف مختلفة وذلك كله يقضي في وضوح: بأن يفسر القرآن موضوعا موضوعا وأن تجمع آيه الخاصة بالموضوع الواحد جمعا إحصائيا مستقصى.
ويعرف ترتيبها الزمني ومناسباتها وملابساتها الحافة بها ثم ينظر فيها بعد ذلك لتفسر وتفهم فيكون ذلك التفسير أهدى إلى المعنى وأوثق في تحديده"٢.
بقي أن أقول: إن هذه الدعوة من الأستاذ أمين إلى الترتيب التاريخي لآيات الموضوع الواحد كانت دعوة مثالية بعيدة عن التطبيق الكامل بل إن الأستاذ أمين نفسه وتلاميذه من بعده لم يضع أحد منهم خطة لهذا الترتيب ولم يحل أحد منهم إلى ترتيب بعينه يراه الأفضل بالرغم من أنهم يعتبرون هذه الخطوة لا بد منها قبل القيام بالتفسير٣.
المرحلة الثالثة: الدراسة
وتعتبر المرحلتان السابقتان تمهيدا وتوطئة للمرحلة الثالثة؛ إذ إن هذه الأخيرة هي جسد التفسير البياني وإن المرحلتين السابقتين هما القاعدة لهذا الجسد.
стр. 922
تقسيم الأستاذ أمين الخولي:
ويقسم الأستاذ أمين الخولي هذه الدراسة إلى صنفين هما:
١- دراسة حول القرآن.
٢- دراسة في القرآن.
أولا- دراسة ما حول القرآن:
فقسمها أيضا إلى قسمين؛ دراسة خاصة ودراسة عامة قال عن أولهما:
"والدراسة الخاصة هي ما لا بد لمعرفته، مما حول كتاب جليل كهذا الكتاب:
ظهر في نحو عشرين عامًا أو كذا وعشرين عامًا، ثم ظل مفرقا سنين حتى جمع في أدوار مختلفة وأحوال مختلفة وكان جمعه وكتابته عملا ساير الزمن طويلا، وناله من ذلك ما ناله. ثم هناك قراءته ومسايرة هذه القراءة للتطور اللغوي الذي تعرضت له اللغة العربية بفعل النهضة الجادة التي أثارتها الدعوة الإسلامية والدولة الإسلامية. فقد كانت هذه القراءات عملا ذا أثر واضح في حياة الكتاب وفهمه. وتلك الأبحاث من نزول، وجمع، وقراءة، وما إليها؛ هي التي عرفت اصطلاحيا منذ حوالي القرن السادس الهجري باسم علوم القرآن١ بعد ما تناولها المفسرون المختلفون قبل ذلك بالبحث المجمل، والبيان المتفاوت في الاستيفاء حسب عناية المفسر واهتمامه، ومثل تلك الأبحاث جد لازمة في نظر دارسي الآثار الأدبية ولابد منها لفهم النصوص المدروسة والاتصال بها اتصالا مجديا"٢، إلى أن قال: "وهي دراسات ضرورية لتناول التفسير. حتى ما ينبغي مطلقا أن يتقدم لدرس التفسير من لم ينل حظه من تلك الدراسة القريبة الخاصة حول القرآن؛ ليستطيع فهمه فهما أدبيًّا صحيحًا مسترشدًا بتلك الملابسات الهامة في فهم القرآن"٢.
стр. 923
وخلاصة الأمر أن الأستاذ أمين الخولي يشترط للتفسير الأدبي دراسة خاصة حول القرآن الكريم نحو دراسة تاريخه ونزوله وجمعه وترتيبه وناسخه ومنسوخه، وبعبارة أخرى يشترط على المفسر أن يكون عالما بأصول العلوم المتصلة بالقرآن والمعروفة بعلوم القرآن، ولسنا بحاجة إلى أن نؤكد أن المفسرين السابقين أيضا لم يهملوا هذا الأمر وأولوه عنايتهم والأستاذ أمين نفسه يعترف بهذا وينقل قول السيوطي في مقدمة كتابه "الإتقان في علوم القرآن" أنه جعل هذا الكتاب مقدمة لتفسيره وأن أكثر المفسرين يُلمُّون في مقدمة تفاسيرهم بشيء من القول في النزول والجمع والقراءات والعلم بأصول الدين بما في القرآن من الآية الدالة بظاهرها على ما لا يجوز على الله تعالى واشترط العلم بالناسخ والمنسوخ والعلم بأسباب
النزول والقصص، وغير ذلك١. وإذًا فالأستاذ أمين مسبوق بهذا الشرط وبهذه الدراسة الخاصة.
وأما الدراسة العامة لما حول القرآن الكريم فقال عنه الأستاذ أمين: "وأما ما حول القرآن من دراسة عامة فهو ما يتصل بالبيئة المادية والمعنوية التي ظهر فيها القرآن وعاش، وفيها جمع وكتب وقرئ وحفظ وخاطب أهلها أول من خاطب، وإليهم ألقى رسالته؛ لينهضوا بأدائها، وإبلاغها شعوب الدنيا. فروح القرآن عربية، ومزاجه عربي "!! " وأسلوبه عربي: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ ٢، والنفاذ إلى مقاصده إنما يقوم على التمثل الكامل والاستشفاف التام لهذه الروح العربية وذلك المزاج العربي، والذوق العربي، ومن هنا لزمت المعرفة الكاملة لهذه البيئة العربية المادية أرضها بجبالها وحرارها وصحاريها وقيعانها وسمائها بسحبها ونجومها وأنوائها وجوها بحره وبرده وعواصفه وأنسامه وطبيعتها بجدبها وخصبها وقحولها أو نمائها ونباتها وشجرها ... إلخ، فكل ما يتصل بتلك الحياة المادية العربية وسائل ضرورية لفهم هذا القرآن العربي المبين.
стр. 924
مع هذا ما يتصل بالبيئة المعنوية بكل ما تتسع له هذه الكلمة من ماضٍ سحيق، وتاريخ معروف ونظام أسرة أو قبيلة، وحكومة في أي درجة كانت وعقيدة بأي لون تلونت، وفنون مهما تتنوع، وأعمال مهما تختلف وتتشعب، فكل ما تقوم به الحياة الإنسانية لهذه العروبة. وسائل ضرورية كذلك لفهم هذا القرآن العربي المبين.
وإذا جهدت الدراسة الأدبية في أن تعرف عن تلك العربية والعروبة أكثر وأعمق وأدق ما يعرف تبتغي بذلك درس أدبها درسا أدبيا صادقا يفي بحاجة المتعرض لتفسيره إلا بعد أن تستكمل كل وسائط تلك المعرفة للبيئة العربية أدبية ومعنوية.
أمَّا ما دمنا نقرأ التشبيه العربي القرآني، أو التمثيل العربي القرآني فإذا مادته الأضواء العربية، والظواهر الجوية العربية والحي أو الجماد المشهود في بلاد العرب لا نعرف عنه شيئا وليس عندنا عنه صورة خاصة. فما يحق لنا -مع هذا- أن نقول: إننا نفسر هذا القرآن أو نمهد لفهمه فهما أدبيا، يهيء للانتفاع به في نواحٍ أخرى.
وما دمنا نذكر الحجر، والأحقاف، والأيكة، ومدين، ومواطن ثمود ومنازل عاد، ونحن لا نعرف عن هذه الأماكن إلا تلك الإشارات الشاردة، فما ينبغي أن نقول: إننا فهمنا وصف القرآن لها ولأهلها أو أننا أدركنا مراد القرآن من الحديث عنها وعنهم، ثم لن تكون العبرة بهذا الحديث جلية ولا الحكمة ولا الهداية المرجوة مفيدة مؤثرة"١.
خلاصة الأمر أن الأستاذ أمين يشترط أن يدرس المفسر دراسة عامة لما يتصل بالبيئة التي نزل بها القرآن سواء أكانت هذه البيئة مادية كالظواهر الجوية والأرض بجبالها وأوديتها وحرارها والسماء ونجومها وأفلاكها أو كانت البيئة معنوية كتاريخ هذه الأمة في ماضيها ونظمها وأعرافها وعاداتها وتقاليدها.
стр. 925
وقد سبقه إلى نحو هذا الأستاذ الإمام محمد عبده حيث اشترط على المفسر علم أحوال البشر في أطوارهم وأدوارهم واشترط العلم بسيرة النبي ﷺ وأصحابه وما كانوا عليه من علم وعمل وتصرف في الشئون دنيويِّها وأخرويِّها١.
وحين أقول إن الأستاذ أمين سبق إلى موضوع كذا فلست أعني بحال من الأحوال سلب المنهجية الخاصة به. وإنما أعني إبراز وجوه الشبه بين منهجه والمناهج الأخرى، وقد تتفق مناهج عدة في خطوة أو خطوات ثم تختلف ولا يعني هذا اتحادهما حين تشابها أو انفصامهما حين اختلفا بقدر ما يعني من وجوه التشابه ووجوه الاختلاف وهي صفة مشتركة بين كل المناهج بل والاتجاهات في التفسير.
وأحسب أن الدراسة لما حول القرآن الكريم بشقيها العامة والخاصة ما هما إلا تمهيد وتوطئة لدراسة النص نفسه وهما: دراسة ما حول القرآن، ودراسة النص وإن كانا يشكلان مرحلة واحدة هي المرحلة الثالثة إلا أن أولهما تمهيد اشترط الأستاذ أمين استيفاءه للتقدم إلى دراسة النص نفسه حيث قال بعد أن استعرض الدراسة لما حول القرآن بشقيها: "تلك إلمامه بما حول القرآن من دراسة وهي في جملتها ترجع إما إلى تحقيق النص وضبطه وبيان تاريخ حياته وإما إلى التعريف بالبيئة التي فيها ظهر وعنها تحدث وبين مغانيها ومعانيها تقلب.
وبعد استيفاء ذلك يكون التقدم إلى دراسة القرآن نفسه"٢.
ذلكم أن الشق الثاني من المرحلة الثالثة هو روح الدراسة البيانية وأُسها، وهذا أمين نفسه يبسط لنا مرة أخرى الحديث عن هذه الخطوة الجديدة.
стр. 926
دراسة القرآن نفسه:
وحتى تظهر معالم الطريق في هذه المرحلة أحب أن أجمل الخطوات في هذه الدراسة لننطلق منها إلى التفاصيل.
فدراسة النص نفسه تنقسم كما يريد الأستاذ أمين إلى قسمين:
١- دراسة في المفردات، من ناحيتين:
أ- من ناحية معناها اللغوي.
ب- من ناحية معناها القرآني.
٢- دراسة في المركبات.
قال الأستاذ أمين الخولي في بسط النظر في المفردات: "وهي تبدأ بالنظر في المفردات. والمتأدب يجب أن يقدر عند ذلك تدرج دلالة الألفاظ، وتأثرها في هذا التدرج يتفاوت ما بين الأجيال وبفعل الظواهر النفسية والاجتماعية، وعوامل حضارة الأمة وما إلى ذلك مما تعرضت له ألفاظ العربية في تلك الحركة الجياشة المتوثبة التي نمت بها الدولة الإسلامية، والنهضة الدينية والسياسية والثقافية التي خلفت هذا الميراث الكبير من الحضارة وقد تداولت هذه اللغة العربية في تلك النهضات أفواه أمم مختلفة الألوان والدماء والماضي والحاضر، فتهيأت من كل ذلك خطوات تدريجية فسيحة متباعدة في حياة ألفاظ اللغة العربية حتى أصبح من الخطأ البيِّن أن يعمد متأدب إلى فهم ألفاظ هذا النص القرآني الأدبي الجليل فهمًا لا يقوم على تقدير تام لهذا التدرج والتغيير الذي مس حياة الألفاظ ودلالتها، وعلى التنبه إلى أنه إنما يريد ليفهم هذه الألفاظ في الوقت الذي ظهرت فيه وتليت أول ما تليت على من حول تاليها الأول ﵇" إلى أن قال: "إذا كان هذا هو الأصل الأول في فهم دلالة ألفاظ القرآن فمن لنا به مع أن معاجمنا لا تسعف عليه ولا تعين؟ "١.
ثم تحول الأستاذ أمين لنقد معاجم اللغة وبيان أنها لا تفي بهذا الغرض
стр. 927
الذي يدعو إليه فلسان العرب مثلا تجاورت فيه نصوص تباعدت عصور أصحابها، وتمازجت فيه اللغويات بالدينيات كما يقول. أما القاموس المحيط فهو عنده عصارات غير ممتزجةٍ لثقافات متغايرة متباينة من فلسفية عقلية إلى طبية عملية فأدبية لغوية. فدينية اعتقادية أو غيرها. ثم عقب الأستاذ أمين على هذا بقوله: "معاجمنا لا تسعف على شيء من تحقيق هذا الأصل الثابت في تدرج الألفاظ. فليس أمام مفسر القرآن حين يبتغي المعنى الأول لألفاظه إلا أن يقوم بعمل في ذلك مهما يكن مؤقتا وقاصرا فإنه هو كل ما يمكن اليوم وإلى أن نملك قاموسا اشتقاقيًّا تتدرج فيه دلالات الألفاظ وتتمايز فيه المعاني اللغوية على ترتيبها عن المعاني الاصطلاحية على ظهورها"١.
إذًا فالأستاذ الخولي يرى أن الخطوة الأولى في دراسة النص نفسه هي النظر في المفردات وذلك بوضع ترتيب زمني لتدرج دلالات الألفاظ ليعرف معنى اللفظة الواحدة وقت نزول القرآن الكريم ومعناها بعد أن تداولتها أفواه مختلفة الألوان والدماء ليتم التمييز بين المعنى اللغوي والمعنى القرآني.
وهو أيضا يرى أنه لا يوجد معجم يفي بهذا الغرض حتى الآن ورتب على هذا أن يقوم المفسر الأدبي بتحمل عبء متابعة تدرج اللفظ ومن ثم اختيار ما يراه مناسبا للفظة القرآنية وقت نزول القرآن الكريم من معانٍ أخرى.
ورتب الأستاذ الخولي على هذا أيضا أن ينظر المفسر الأدبي في الألفاظ القرآنية من ناحيتين:
١- النظر في المادة اللغوية للفظ الذي يريد تفسيره؛ لينحي فيها المعاني اللغوية عن غيرها، ثم ينظر في تدرج المعاني اللغوية للمادة نظرة ترتبها على الظن الغالب لتقدم الأسبق الأقدم منها على السبق حتى يطمئن ما استطاع إلى شيء في ذلك ينتهي منه إلى ترجيح معنى لغوي للكلمة كان هو المعروف حين سمعتها العرب في آي الكتاب. والمفسر في هذا التمييز
стр. 928
والنظر ملم ما أمكن بمحدث الدراسة في أنسب اللغات وصلة ما بينها؛ ليطمئن كذلك إلى أن الكلمة عربية أصيلة، أو هي دخيلة، وإن كانت فما بيئتها؟ وما معناها الأول؟ ثم هو محاذر كذلك من اندفاع معاجمنا في رد الكلمات إلى أصل عربي يشابهها في اللفظ، مع التكلف في الاشتقاق والربط.
٢- وإذا ما فرغ من البحث في معنى اللفظة اللغوي انتقل بعده إلى معناها الاستعمالي في القرآن يتتبع ورودها فيه كله؛ لينظر في ذلك فيخرج منه برأي عن استعمالها، هل كانت له وحدة أطردت في عصور القرآن المختلفة ومناسباته المتغيرة؟ وإن لم يكن الأمر كذلك فما معانيها المتعددة التي استعملها فيها القرآن؟ وبذا يهتدي بمعناها أو معانيها اللغوية إلى معناها أو معانيها الاستعمالية في القرآن، وهو بما ينتهي إليه من كل أولئك يفسرها مطمئنا في موضعها من الآية التي جاءت فيها"١.
وكما بيَّن الأستاذ الخولي خلوّ الساحة من معجم للترتيب الزمني لتداول الألفاظ العربية أكد أيضا خلوها من معجم يعنى بمفردات القرآن ويتتبع الألفاظ فيه إلا ما وصفه بمحاولة الراغب الأصفهاني منذ قرابة ألف عام أن يعطينا مفردات القرآن في قاموس خاص بها ووصفه بأنه "عانى فيها شبيها بما وصفنا أو بشيء من أصل فكرته ولكنه لم يتم التعقب اللغوي ولم يستوفِ التتبع القرآني، وفاته مع ذلك كله فرق ما بين عصره وعصرنا في دراسة اللغات وصلاتها إلا أنه في كل حال نواة تُخجِل مَن بعده وبخاصة أهل هذا العصر الطموح فيؤلمهم ألا يملكوا إلا هذا القاموس القرآني الناقص بل البدائي وبالتزام هذا المنهج الأدبي يرجى كمال هذا القاموس وقواميس أخرى تتطلبها حياة القرآن كتاب العربية الأعظم"١.
وهذا ولا شك عبء آخر على المفسير الأدبي للقرآن الكريم يتطلب منه
стр. 929
جهدا إلى جهده السابق على أن من الحق الواجب قوله هنا إن الأستاذ أمين لم يكن قد أشار إلى خطة لتصنيف القرآن موضوعيًّا، وساق حديثه عن هذا مجرد نظرية وإذا كان قد سكت أيضا عن طريقة ترتيب الآيات في الموضوع الواحد ولم يرشد إلى ترتيب معين وجاء حديثه أيضا هنا مجرد نظرية فقد كان موقفه في دراسة المفردات غير ذلك حيث عالج تطبيقيًّا بعض الأحرف الهجائية على الطريقة التي أشار إليها في معجم ألفاظ القرآن الكريم وهو وإن لم يتمه إلا أنه مثل عملي لما يمكن أن يقوم به المفسر الأدبي بجهده الذاتي في غيبة المعجم المطلوب، ولا شك أيضا أنه مهد الطريق الوعر في هذا المقام لمن أراد أن يسلك سبيل المعجم التاريخي لألفاظ القرآن الكريم١.
من هاتين الناحيتين الناحية اللغوية وناحية الاستعمال القرآني أوجب الأستاذ الخولي النظر في مفردات القرآن؛ لينتقل المفسر الأدبي بعد هذه النظرة إلى النظر في المركبات.
٢- دراسة في المركبات:
والخطوة التالية للنظر في المفردات هي النظر في المركبات وقد وضح الأستاذ الخولي أصول هذه النظرة وما تحتاج إليه بقوله: "ثم بعد المفردات يكون نظر المفسر الأدبي في المركبات وهو في ذلك ولا مرية مستعين بالعلوم الأدبية من نحو وبلاغة ... إلخ، ولكن لا على أن الصنعة النحوية عمل مقصود لذاته، ولا لون يلون التفسير كما كان الحال قديما بل على أنها أداة من أدوات بيان المعنى وتحديده، والنظر في اتفاق معاني القراءات المختلفة للآيات الواحدة والتقاء الاستعمالات المتماثلة في القرآن كله ثم على أن النظرة البلاغية في هذه المركبات ليست هي تلك النظرة الوصفية التي تعنى بتطبيق اصطلاح بلاغي بعينه، وترجيح أن ما في الآية منه هو كذا لا كذا،
стр. 930
أو إدراج الآية في قسم من الأقسام البلاغية دون قسم آخر!! كلا بل على أن النظرة البلاغية هي النظرة الأدبية الفنية التي تتمثل الجمال القولي في الأسلوب القرآني وتستبين معارف -هذا الجمال وتستجلي قسماته في ذوق بارع قد استشف خصائص التركيب العربي منضما إلى ذلك التأملات العميقة في التراكيب والأساليب القرآنية لمعرفة مزاياها الخاصة بها بين آثار العربية، بل لمعرفة فنون القول القرآني وموضوعاته فنًّا فنًّا، وموضوعًا موضوعًا، معرفة تبين خصائص القرآن في كل فن ومزاياه التي تجلو جماله"١.
ولا شك أن هذا المنهج في التفسير بأصوله التي وضعها صاحبه منهجٌ إن كان ممكنا فبمشقة وجهد ودراية قلَّ أن توجد عند أحد بل إن الأستاذ أمين نفسه شعر بهذا العبء حين قال: ولئن كان مثل هذا مما يطلب أو يوصف في قليل من الجمل أو الأسطر فإن تحقيقه ليس بهذه السهولة والقرب، وإنما يقوم على إصلاح أدبي بلاغي أحسب أن الحياة الأدبية اليوم تحاوله وهي بالغة منه إن شاء الله مبلغا حسنا، ومستفيدة به في التفسير الأدبي للقرآن كما تستفيد هذه المحاولة الإصلاحية نفسها بمزاولتها للتفسير القرآني"٢ وإذا كان الخولي يقول هذا فإنه تجب الإشارة إلى أن المنهج -كما يقول الدكتور محمد إبراهيم شريف- بهذه الصورة من القيود والمتطلبات لم ير النور في محاولة ما من محاولات أتباعه، وإنما وقعت محاولاتهم موقعًا بعيدًا عن الأمل الطموح بصورة أو بأخرى٣.
زد على هذا أن الأستاذ أمين يوجب مراعاة أمر هام في التفسير الأدبي ينبغي على المفسر الاهتمام به هو:
стр. 931
التفسير النفسي:
قال: "لأن ما استقر من تقدير صلة البلاغ بعلم النفس قد مهد السبيل إلى القول بالإعجاز النفسي للقرآن، كما كشف عن وجه الحاجة إلى تفسير نفساني للقرآن يقوم على الإحاطة المستطاعة بما عرف العلم من أسرار حركات النفس البشرية في الميادين التي تناولتها دعاوة القرآن الدينية، وجلده الاعتقادي، ورياضته للوجدانات والقلوب واستلالها لقديم ما اطمأنت إليه، وتوارثته عن الأسلاف والأجيال وتزيينها بما دعا إليه من إيمان، ينقض مبرم هذا القديم ويهدم أصوله وكيف تلطف القرآن لذلك كله، وماذا استخدم من حقائق نفسية في هذه المطالب الوجدانية والمرامي القلبية، وماذا أجدت رعاية ذلك كله في إنجاح الدعوة وإعلاء الكلمة. فالتفسير النفسي يقوم على أساس وطيد من صلة الفن القولي بالنفس الإنسانية، وأن الفنون على اختلافها ومن بينها الأدب ليست إلا ترجمة لما تجده النفس"١.
وأكد الأستاذ الخولي على أهمية التفسير النفسي حين قال: إن اللمحة النفسية في المعنى القرآني ربما تكون أحسم لخلاف بعيد الغور كثير الشعب بين المفسرين"١.
إلى أن قال: "فالملاحظة النفسية حين تعلل نسج الآية وصياغتها وتعرف بجو الآية وعالمها، ترفع المعنى الذي يفهم منها إلى أفق باهر السناء، وبدون هذه الملاحظة يرتدُّ المعنى ضئيلا ساذجا لا تكاد النفس تطمئن إليه، ولا هو خليق بأن يكون من مقاصد القرآن"١.
تلكم هي الخطوط الرئيسية التي رسمها الأستاذ أمين الخولي للتفسير الأدبي للقرآن الكريم وإن أردنا أن نذكرها إجمالا فهي:
أولا: جمع الآيات ذات الموضوع الواحد بعضا إلى بعض وتدبرها جميعا وتفسيرها كذلك.
стр. 932
ثانيا: ترتيب آيات الموضوع الواحد ترتيبا زمنيا حسب تاريخ نزولها.
ثالثا: دراسة خاصة حول النص تقوم على تاريخه ونزوله وجمعه وكتابته وقراءته ونحو ذلك من علوم القرآن.
رابعا: دراسة عامة للبيئة التي نزل بها هذا النص، البيئة المادية في الأرض والسماء والجبال والسهول والأودية وبيئة معنوية في تاريخ هذه الأمة ونظمها وأعرافها وعاداتها وتقاليدها.
خامسا: دراسة النص القرآني في مفرداته وذلك بدراسة: استعمالات هذه المفردة لغويا. ودراسة استعمالها في القرآن الكريم في مواضع مختلفة ومدلولها في كل موضع.
سادسا: دراسة النص القرآني في معانيه المركبة وذلك بالاستعانة بالعلوم الأدبية من نحو وبلاغة على أن النحو أداة من أدوات بيان المعنى وتحديده، وعلى أن البلاغة هي النظرة الأدبية الفنية التي تتمثل الجمال القولي في الأسلوب القرآني، مع التأملات العميقة في التراكيب والأساليب القرآنية لمعرفة مزايا كل منها ولمعرفة فنون القول القرآني وموضوعاته.
تلكم هي أبرز الخطوط التي رسمها الأستاذ أمين الخولي لمنهجه في التفسير حرصت كل الحرص على أن أسوقها بنصوصها التي خطها صاحبها ودونها به، حتى ولو أطلت الحديث وحتى لو أكثرت النقل حتى أحاذر وأتحاشى اختصارا مخلا أو فهما خاطئا أقع فيه أو فيهما، وأعرف سلفا أن خير من يتحدث عن منهج الخولي هو الخولي نفسه وكيف أعبر عنه وأتحدث عن منهجه وقلمه لما يجف بعد؟.
فمعذرة إن كان فيما سقت من نصوصه إطالة فما اردت إلى الوفاء وما أردت إلى الإصابة.
على أنا وقد وصلنا إلى هذه المرحلة يجب أن نذكر أن الأستاذ الخولي نفسه وهو الذي وضع هذه الخطوط لم يخرج لنا دراسة تطبيقية كاملة لهذا المنهج وإن كان قد حاول ذلك مرارًا ويعلن في خاتمة بيانه لمنهجه هذا أنه لن يكون من
стр. 933
العاجزين مع اعترافه سلفا بالقصور عن الكفاية الكاملة والقدرة الموفورة حيث يقول: "مهما يكن لهذه المطالب من أثر يثقل خطانا ويؤخر أثمار دراستنا ويشعرنا بالنقص ويعود علينا باللائمة فإن هذه هي الحقيقة، وهذا هو الواجب، وأولى لنا أن نؤثر تقرير هذه الحقيقة على أن نكذب على أنفسنا وعلى الأجيال، فنزعم الكفاية الكاملة والقدرة الموفورة، ولئن لم يكن لنا من الكمال إلا الشعور بالنقص فذلك أجمل بنا من التزيد الزائف وليس الذي نبغيه من هذا المنهج مستحيلا ولا بعيد التحقق، فقد شعر أسلافنا بجملته، وفاموا ببعضه للقرآن، ثم قام المحدثون به كله لكتبهم الأدبية والدينية، ولن نكون نحن بين هؤلاء وأولئك الضائعين العاجزين!! "١.
ولئن كان الأستاذ الخولي قد صرح مرارا أن الدافع له لتأصيل هذا المنهج والدعوة إليه هو إشارة القدماء حين قسموا العلوم الإسلامية إلى ثلاثة أقسام عدُّوا منها علما لا نضج ولا احترق وهو علم البيان والتفسير -إن كان الخولي عد هذا منطلقا لقيامه بخدمة علم البيان وعلم التفسير في كلية الآداب بجامعة فؤاد الأول٢، فلقد انتهى به الأمر بالتفسير في نهاية نظريته إلى أن أصبح علما لم يبدأ بعد كما يقول د/ محمد شريف، ولكن من الممكن له أن يبدأ بل أن ينمو وينضج إذا ما سار على ذلك الدرب الشاق٣ الذي شقه الأستاذ أمين وسار فيه خطوات.
стр. 934
الدراسات التطبيقية
أمين الخولي
...
الدراسات التطبيقية:
كثير من الدراسات التي سعت إلى تطبيق هذا المنهج والأخذ بأصوله وقواعده، وليس بوسعنا أن نذكرها كلها ولا أن نذكر أكثرها وإنما بوسعنا أن ندرس أهمها وأشهرها.
وبهذا المقياس فليس في هذا المنهج أهم من المحاولات التطبيقية التي قدمها أستاذ هذه المدرسة ويليه فيها تلميذان من أنجب تلاميذه هما الدكتورة عائشة عبد الرحمن "بنت الشاطئ" والدكتور "محمد خلف الله" ولعل في تقديمي لهؤلاء الثلاثة الكفاية في ضرب المثل لهذه الدراسات في هذا المنهج، وبالأستاذ نبتدئ:
أمين الخولي:
ترجمته:
ولد سنة ١٨٩٥م بشوشاي مركز أشمون بمحافظة المنوفية وتخرج في القسم العالي بمدرسة القضاء الشرعي سنة ١٩٢٠م واختير مدرسًا بها. وترأس تحرير مجلتها في سنتيها الأولى والثانية.
وفي سنة ١٩٢٣م عين إماما للمفوضية المصرية بروما ثم في برلين ولهذا ألَمَّ باللغتين الإيطالية والألمانية واطلع على بحوث المستشرقين في الإسلاميات بهاتين اللغتين. وعاد إلى مصر سنة ١٩٢٧م ليدرس بقسم التخصص في مدرسة القضاء الشرعي وفي العام التالي نقل إلى كلية الآداب بالجامعة المصرية "جامعة القاهرة الآن" مدرسا فأستاذا مساعدا فأستاذا فرئيسا لقسم اللغة العربية واللغات الشرقية ثم أستاذا للأدب المصري ثم وكيلا لكلية الآداب وظل فيها حتى سنة ١٩٥٣م حيث نقل مستشارا فنيا لدار الكتب المصرية ثم عين مديرا لإدارة الثقافة في وزارة التربية والتعليم حتى بلغ سن التقاعد سنة ١٩٥٦م.
وأنشأ الأستاذ أمين هو وتلاميذه سنة ١٩٤٣م مدرسةأدبية هي "الأمناء" نسبة إليه، رسالتها الفن والحياة. وهدفها تحقيق أهداف فنية نظرية وعملية.
وأصدرت في سبيل تحقيق ذلك "مجلة الآداب" سنة ١٩٥٦م حيث رأس الأستاذ أمين تحريرها. وعين سنة ١٩٦١م عضوا في مجمع اللغة العربية بالقاهرة.
وكلف بعد تقاعده بأعمال عديدة، فانتدب مثلا لتدريس الأخلاق والفلسفة وتاريخ الملل والنحل في الأزهر في قسم التخصص شعبة الأخلاق والتاريخ. وشعبة الوعظ وكذلك في كلية أصول الدين ورأس قسم اللغة العربية
стр. 935
في معهد الدراسات العليا للمدرسين، وحاضر في معهد الدراسات العربية العالية سنة ١٩٥٧-١٩٥٨م، وفي معهد الدراسات الإسلامية، وحضر عددا من المؤتمرات١، وتوفي سنة ١٩٦٦م.
وله مقالات وبحوث في اللغة والأدب والبلاغة والنحو والتفسير نشرت في مجلات علمية وأدبية، وله تعليقات على كثير من مواد دائرة المعارف الإسلامية في الأدب والفقه، ومن أهمها ما كتبه في مواد التفسير وأصول الفقه والبلاغة، وجمع أكثرها في كتاب اسمه "مناهج تجديد في النحو والبلاغة والأدب والتفسير" وطبع تعليقه على مادة "تفسير" مستقلا مرة بعنوان "التفسير معالم حياته منهجه اليوم" طبعته جماعة الكتاب سنة ١٩٤٤م ومرة بعنوان "التفسير نشأته تدرجه وتطوره" تحت سلسلة "كتب دائرة المعارف الإسلامية" وصدرت طبعته الأولى سنة ١٩٨٢م في بيروت.
وله كتاب "من هدي القرآن" ويحتوي على ثلاثة من مؤلفاته "القادة والرسل" و"في رمضان" و"في أموالهم" وله أيضا كتاب عن مالك بن أنس رحمه الله تعالى، وهو العدد "١١" من سلسلة أعلام العرب.
والذي يهمنا هنا من مؤلفاته ما كتبه من الدراسات القرآنية تحت عنوان "من هدى القرآن".
تفسيره:
أسلفنا القول أنك لا تكاد تجد فيما قدمه الأستاذ أمين الخولي دراسة تطبيقية شاملة كاملة للمنهج الذي أصله بل ظل الفارق بعيدا بين الواقع الذي سلكه والمثال الذي دعا إليه.
لكن مع هذا، فإنك واجد في تفسيره تدرُّجا يكاد يظهر واضحا في تقلص وانكماش الفاصل بين الواقع والمثال.
стр. 936
يظهر هذا في دراسات أربع ندرسها هنا دراسة موجزة نبدأ بأبعدها عن المثال وننتهي بأقربها إليه وبها تظهر المراحل التي مر بها الأستاذ الخولي في دراسته التطبيقية.
وقدم الأستاذ أمين الخولي هذه الدراسات تحت عنوان "من هدي القرآن" واشتملت على مجموعات متعددة من الأبحاث ذات الموضوع الواحد كالسلام والإسلام، والطغيان في العلم والمال والحكم، وحكومة القرآن، والحكم بما أنزل الله، والفن والبيان في القرآن، والقرآن والحياة، والقسم القرآني، والجندية والسلم، والقادة الرسل، وفي أموالهم، وشخصية محمد، وفي رمضان ... وغير ذلك من الدراسات.
وإذا نظرنا إلى هذه الدراسات وغيرها مجتمعة وجدناها تحتفظ من المنهج بالخصائص التالية:
١- أنها تدرس القرآن الكريم حسب الموضوعات وليس حسب تسلسل السور في القرآن الكريم.
٢- إنها تهدف إلى التدبير النفسي والاجتماعي في القرآن للحياة الإنسانية، وترى أن هذا هو المجال الخاص للقرآن وهو السبيل المفردة لتحقيق أهداف الرسالة الإسلامية.
٣- إنها تعمد إلى معاني الآيات التي تؤديها ألفاظ العربية كما كان يفهمها أهل العربية في عهد نزول القرآن ولا تتجاوزه إلا لاتماس ما للفظ والنظم من إيحاءات أدبية وفنية١.
أما المراحل التي مر بها تفسيره كما أشرت إليه آنفا، فهي أربع، نقدم مثالا من هذه الدراسات لكل مرحلة.
المرحلة الأولى: الجندية والسلم.. واقع ومثال
وكان أول حديث له عن السلام في يوليه سنة ١٩٣٧ ثم تتابعت
стр. 937
الأحاديث وأكتفى هنا بالصورة التي قدمها الدكتور كامل علي سعفان لهذه الأحاديث علما أن هذه الصورة ليست إلا خطوطا رئيسة لأفكارها وحسبي وحسبه أنها تشير إلى طريقة الأستاذ في التفسير أو مرحلة مر بها وهي خلاصة لهذا البحث، قال:
"إن في الإنسان غريزة فطرية إذا ما واتتها التربية الصحيحة كانت تلك الغريزة مصدر خير ونفع للإنسان، ومبعث آمال تقية الخطر وتجنبه الضرر وتحمي وجوده وحضارته، وإذا ما لاقت تربية سيئة لا تسلم معها الروح كانت مصدر شقاء وضرر، ومبعث نقائص تخزي الإنسان، وتعرض وجوده للدمار، وتكتب عليه الهزيمة والخذلان"، "تلك الغريزة فيما يقول قوم من النفسيين غريزة الخوف"، "هذا الخوف الغريزي النافع باعتداله هو ما يعنيه الناس حين يقولون: من خاف سلم، وهذا الخوف الأدبي المصلح هو ما يريده القرآن في مثل قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى، فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ ١.
لكن هذه الفائدة المادية والأدبية، وهذا الخير في الجسم والروح ينقلب شرا ذريعا إذا ما جاوزت الغريزة اعتدالها فآلت إلى ذعر وهرب".
ومع غريزة الخوف غريزة السيطرة التي يعليها القرآن حين "يردف القوة بالعزة في مثل قوله: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ ٢، ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيز﴾ ٣ إلى كثير مما ورد في ذلك.
فالإله في وصف القرآن: قوي عزيز غالب، له الغلبة ولرسله وله من السماء ما يناسب ذلك فهو القهار، الجبار، والمعز، والمذل، والخافض، والرافع، وما ماثل هذا.
والعبد الرباني هو الذي يتحلى بمعاني صفات الله وأسمائه ويسعى
стр. 938
لاكتساب الممكن من ذلك" لكنه لم يترك الغريزة دون كبح قوي وتنسيق فعال.
إنه يروض هذه الغريزة، حيث يتحدث عن القوة والعزة، فيضع معها في وصف الإله معاني السمو والخير وحسن التدبير: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم﴾ ١، كذلك يضع إلى جانب العزة العلم وهو الذي على وفقه تجري الأشياء صحيحة سالمة، طبق قوانينها، ومضبوط نظمها: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيم﴾ ٢.
بل يضع إلى جانب العزة المغفرة، وعدم المؤاخذة على الإساءة والذنب: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُور﴾ ٣.
وطالما يقرن العزة بالرحمة وفيض التلطف والترفق: ﴿يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ ٤ كما يقرن القوة بالأمانة: ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ ٥؛ القوي بأبعد معاني القوة نفسا وعقلا وجسما، والأمين بأخطر معاني الأمانة وأكمل استعداد للمسؤولية -هو القوي الأمين الذي يشير إليه القرآن ورجل القرآن الذي يحقق القوة الجامعة، ويمثل العزة التي يجمل مثلها لله ولرسوله، هو الرجل الذي يبني منه القرآن أمة هي: خير ما أخرج للناس؛ أمة تحقق السلام القائم على العدل، السلام الذي أصبح شعار هذه الأمة، يلقى الناس به إخوانهم في الغدو والرواح، السلام الذي "يأسوا جراح الإنسانية ويسعفها في صراع الغرائز، وقتال الشهوات". السلام الذي سمى الله به نفسه وجعل الجنة "دار السلام" وأهل الجنة: ﴿تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلام﴾ ٦، ٧
стр. 939
تلكم هي الصورة التفسيرية التي قدمها في "الجندية والسلم" وهي مرحلة لا نكاد نستبين بينها وبين المنهج الذي دعا إليه من صلة.
المرحلة الثانية: القادة الرسل
وهي مجموعة أحاديث أذاعها بين عامي ١٩٤١-١٩٤٢م وجاءت أحاديثه عنهم ﵈ في عدة حلقات تحدث عن "رسل ورسالات" وعن "القادة الرسل" وعن "عزمات القادة" وعن "شمائل القادة" وعن "تبعات القادة" وعن "قادة لا جبابرة".
نختار منها مثالا أولها: "رسل ورسالات" وقد ألقاه إذاعة في حلقتين، قال في الأولى:
﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ ١ لقد جاءكم من هدي القرآن ما يمس مشكلات كثارا من عقد الحياة العاملة، ورأيتموه يتولى التنسيق الاجتماعي ماضيا إلى أغوار المصاعب ماسًّا أصولها البعيدة، وفي القرآن من ذلك كما سلف كثير وكثير والآن يلتمس هدى القرآن في تقدير قيم الأشخاص والأشياء والأعمال، ووزن البواعث والغايات التي ينبعث الناس بها في حياتهم ويصدرون عنها في تصرفهم، ويرمون إليها في سلوكهم ويجعلونها هدفهم في سعيهم، فقد اضطربت في ذلك الأهواء، ولاذ الناس في تقديرهم وتأثرهم بأحكام ومذاهب أبت إلا أن تقيس كل ما في الوجود بالعروض والنقود ورأت ألا تقدر كل أجر إلا بالرطل والمتر ولم يرضها وراء ذلك جزاء، ولا قبلت دونه ثمنا، واطمأن من حولنا وفيهم كثير من الخاصة إلى متع من الحياة يشركهم فيها الحيوان الأعجم وقد يغلبهم عليها الإنسان الأول٢ ساكن الغابة والمجهل، فأفاضوا بذلك على دنياهم، ودنيا غيرهم، قسوة وقتاما، وزادوها برودا وظلاما؛ إذ حالوا بين أنفسهم وبين متع من الروح والنعيم، ومباهج من السنا والنور،
стр. 940
ولذائذ من الرضا والحبور، وحينما أنكروا ذلك وحقروه لم يحرموا أنفسهم منه فحسب، بل شوشروه١ على من يبتغيه، وشوهوه على من يؤثره ففسدوا وأفسدوا، وتأذوا وآذوا، وعُذبوا وعذبوا معهم غيرهم والله المستعان" إلى أن قال: فيأتيها القلوب المؤمنة كيف تناول القرآن أصول التقدير وما هديه في بيان الغايات الكريمة، وأي اللذائذ الراقية قد تخير لكرام الناس في حياتنا المشهودة؟ التمسوا الجواب عن ذلك فيما علمه لرسله وهداهم إلى أن يقولوه لقومهم، وأن يعلنوا أنه الغاية من أدائهم لرسالاتهم مع أنهم أولئك البشر الذين قرر القرآن بشريتهم ولم يثبت لهم وراءها شيئا فستجدون في ذلك ما تريدون من هدي القرآن في هذه المشكلات الدقيقة ستجدون حقيقة ثابتة مطردة في الأديان كلها وستعرفون المطلب الذي ابتغاه الرسل جميعا من أدائهم رسالاتهم جميعا، ستستمعون نوحا ﷺ منذ الدهر الأول يقول لقومه: ﴿وَيَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ ٢، ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ٣ ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ ٤ إلى أن قال الأستاذ أمين:
"واسمعوا كذلك في الرسالات الأولى هودا يقول لقومه: ﴿يَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ٥ ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِين﴾ ٣ وهكذا قال صالح لقومه، تلك المقالة، وقالها لوط، كما قالها شعيب ﵈ جميعا، فتقرأ في سورة الشعراء من قصص هؤلاء الأنبياء تلك النغمة السماوية
стр. 941
المرددة: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ١ تردد بضع مرات في سورة واحدة١ وأن يقلها سالفوا الأنبياء مرة ومرة فقد قالها رسول القرآن ﷺ مرارا في صورة متفننة متعددة فحينا ينفي ابتغاء الأجر بأن يهبهم ما يطلبه في مثل قوله: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ ٢، وحينا ينفي الأجر بأن يطلب منهم ما هو خير لهم هم لا له هو في مثل: ﴿مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ ٣، ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ ٤ أي بِرَّهُمْ قرابتَهم بهن وصلتهم ما بينه وبينهم من رحم، وآنا يؤمر أن يجهر بنفي ابتغاء الأجر في مثل قوله: ﴿وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ ٥، ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾ ٦، ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ، إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ، وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ ٧ وطورا ينفي هذا الطلب في صورة الاستفهام المبعد له مثل قوله في غير موضع: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ ٨ وهكذا يصف القرآن الرسل بهذا العزوف عن الأجر فيقول: ﴿اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُون﴾ ٩.
أيتها القلوب المؤمنة تلك الرسالة التي أداها الأنبياء طوال حياتهم، ولقوا فيها من العنت والإيذاء ما لقوا، واحتملوا بسببها ما احتملوا، وهي بعد
стр. 942
ذلك عمل لا مال فيه ولا أجر من حطام الدنيا عليه، ثم هم آخر الأمر كما قال خاتمهم ﵇: "نحن معاشر الأنبياء لا نورث؛ ما تركناه صدقة"١ وكذلك ترقى النفس البشرية، فترقى لذتها ويهون عندها ما حببت إلى النفس من زينة الدنيا، وهكذا بسط القرآن هديه".
إلى أن قال: "وإن ما أحدث عنه من اللذات الراقية والتي اكتفى بها رسل الله الكرام فيما أدوا من رسالات تلك اللذات الراقية ليست من بعيد الفلسفة ولا عسير الآمال وممنع المطالب بل هي منزلة قد ارتقى إليها الكرام جميعا وبلغها في الأمم السعيدة، رجال العلم ورواد الكشف وأهل الجهاد، ولولاها ما أقدم رجل العلم على تجاريب يجربها حتى في نفسه، ولما جازف رجل الكشف يقتحم المجاهيل والمخاطر ولما حمل المجاهد يجالد المنايا ويعانق الفواتك المدمرة وما خطت الإنسانية خطوة واحدة في سبيل رقيها إلا على يد أولئك الذين استهوتهم اللذائذ الراقية فنسوا أنفسهم، وسعدوا بخير من حولهم، أولئك رسل الحضارة وتلك رسالاتهم"٢.
وواصل الأستاذ أمين حديثه هذا في الحلقة الثانية حيث قال: "وإذا ما عرفنا كيف نختار غايتنا الكريمة في هذه الحياة فقد بقي أن نعرف هدي القرآن في السير إلى تحقيق تلك الغاية المرجوة والوصول إلى المقصد الجليل كيف يخوض الناس الصعاب إلى أهدافهم؟ كيف يواجهون ما يعترضهم من عقبات، ماذا يعدون لتذليلها والتغلب عليها؟ تجد هدي القرآن عن هذا في حديث الرسل الكرام وما لقوا في سبيل تحقيق رسالاتهم وكيف واجهوا ذلك واحتملوه وماذا علمهم الله أن يفعلوا في هذا السبيل فتقرأ في غير موضع أخبار تكذيبهم وسبهم في إقذاع جريء من مثل قول قومهم لواحد منهم: ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ
стр. 943
فِي ضَلالٍ مُبِين﴾ ١، ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَة﴾ ٢، ﴿وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِين﴾ ٣، ﴿سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُون﴾ ٤ إلخ.
بل نراهم يكيدون لهم بالقوة الباطشة الطائشة: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ ٥، ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوك﴾ أي يعجزوك عن الحركة ﴿أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ ٦، كان ذلك وما يشبهه من عنف أهوج نصيب الرسل ممن يدعون، فإذا القرآن يعالجه بتهوين وقعه على الرسل وإصلاح نفسيتهم وإرشادهم إلى ما يحفظ طمأنينتهم من مثل قوله: ﴿فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ ٧، ﴿وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ ٨ واسمعه إذ يأمر الرسول بالصبر على ما يقال فيعينه على الصبر بأن يكره بالقدوة الصالحة من أسلافه الأقوياء فيقول: ﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ ٩ والأيد القوة والاضطلاع بالأعباء والمشاق، ويقول: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ ١٠، واستمع إذ يغريه بتسبيح الله؛ ليعتز بعزته ويستمد القوة من قوته ويحتفظ بالمقاومة والاحتمال في قوله: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ
стр. 944
وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ ١. والشعر بقسمات الحسن الفني في نظم القرآن والمدرك لإشارته النفسية يقف عند خاتمة الآية الخيرة يترجى الرضا، وقوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّك﴾ .... ﴿لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ يقف وقفة يتمثل فيها ذلك المعنى النفسي الذي أدرنا عليه هذا الحديث من تقبل الألم والشعور في ذلك باللذة؛ إذ لا يكون هذا إلا حين يكون الرضا النفسي ويظهر به الإنسان فتكون العظمة الروحية والمقاومة النبيلة وجلال الترفع ولأصحاب هذه النفوس يكون الأمر بالصبر"٢.
وهذه الخلاصة لحديث الأستاذ الخولي عن "رسل ورسالات" من سلسلة أحاديثه عن "القادة الرسل" تلمح فيها أنها أقرب من سابقتها "المرحلة الأولى" إلى تمثل منهجه والتزامه، فنرى فيها هنا شيئا من الموضوعية في التفسير التي يدعو إليها هذ المنهج ونرى فيها أيضا إبراز الجانب النفسي في التفسير، وإن كان هذا وذاك لم ينالا حظا كبيرا كما يتطلب المنهج، لكنهما وردا على كل حال.
وما زالت هذه المرحلة بعيدة عن التزام خط المنهج.
المرحلة الثالثة: في رمضان
وهي مجموعة أحاديث أذاعها في شهر رمضان خلال ثمانية عشر عاما امتدت من سنة ١٣٦٠ إلى سنة ١٣٧٨هـ، وسأختار من هذه الأحاديث موضوعين أما أولهما فعنونه صاحبه بـ "في رمضان" وثانيهما في حلقتين عنوانهما "عن فلسفة الجوع" ولعل فيما اخترت دلالة على ما أردت.
تحدث الخولي في الأولى عن "معنى حي -كما وصفه- لنزول القرآن في رمضان"، بين فيه المراد بإنزال القرآن في شهر رمضان الوارد في قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ ٣، وذكر أن المفسرين منذ أولهم إلى اليوم يدورون حول أقوال بعينها
стр. 945
التماسا لبيان كيف أن القرآن أنزل في شهر رمضان مع أنه إنما نزل مفرقا في عشرين سنة أو أكثر عند المناسبات وليس في شهر رمضان فقط، وذكر أن هؤلاء المفسرين تارة يقولون: إن القرآن نزل جملة من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا، فجعل في بيت العزة وكان ذلك في رمضان، ورد الأستاذ الخولي هذا القول بأنه: "ما كان القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان"، بنزوله من سماء إلى سماء حتى يفسر بذلك نزوله في رمضان"١، وذكر أنهم تارة أخرى يقولون أن القرآن نزل في سائر الشهور لكن جبريل كان يعارض الرسول ﷺ بالقرآن في رمضان ويقابله معه فيه، ورد هذا القول أيضا بقوله: "لكن هل المقابلة هي النزول أو هي بعد النزول؟ وهل يسهل تفسير النزول بالمقابلة أو المعارضة أو المدارسة؟ ما أظن"١ وقال: أنهم حينا يرون أن المراد أنزل بشأن رمضان قرآن أي جاءت عنه في القرآن آية الصيام، ورد على هذا الرأي بأن هذا ليس مما يمتاز به رمضان، كما أن آية الصيام لا يظهر وصفها خاصة بما ورد بعد من هدى وبينات من الهدى والفرقان بل هو وصف للقرآن كله وذكر أنه يفسرون المراد بالإنزال بابتداء النزول، ورد هذا القول أيضا بما فيه ضعف حيث شكك في معرفة البدء بالنزول حيث قال: "وهل هذا البدء معين محدد فيشبه بمبادئ الدول والملل في انضباطها؟ وأين كان هذا التاريخ بذلك البدء"١، وفات على الأستاذ الخولي أن الذي حدد البدء ليس بشرا وإنما هو الله الذي أنزل القرآن فهو أعلم ببدء نزوله وبتاريخ نزوله. وزاد الأستاذ الخولي ردًّا آخر حيث قال: "ثم قبل هذا وذاك لم عبر بالنزول عن بدء النزول وبأي شيء صرفوه إلى ذلك؟ وهم يرون أن فائدة وصف الشهر "بإنزال القرآن فيه" هي التنبيه على علة تخصيصه بالصوم فيه"١.
وبعد هذا العرض للأقوال في المراد بالنزول والردود عليها قال: "وهكذا لا تجد من هذه الأقوال التي دار حولها المفسرون جميعا في فهم آية رمضان هذه رأيا ترتاح إليه"، ثم ساق رايه في المراد بالنزول:
стр. 946
"أيها الشاعرون بروعة القرآن: لقد قصروا النزول على المعنى المادي في الانتقال، والهبوط، والانحدار، ونحوه، وليس هذا كل معنى الكلمة، وليس هذا كل ما استعمل فيه القرآن هذه الكلمة لقد استعملها القرآن في حسيات ليس فيها انتقال، ولا هبوط. فهو يقول: ﴿أَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيد﴾ ١.
وليس هابطا من السماء، وهو يقول: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا﴾ ٢، وليس يعني انحدار هذا من الأعلى إلى الأرض.
بل يلاحظ أنه حين يقصد هذا الانتقال المادي يذكر مبداه ويصرح به فيقول:
﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاء﴾ ٣، ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا﴾ ٤، ﴿أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاء﴾ ٥، ولم يذكر هذا المبدأ في آية رمضان ونزول القرآن فيه!!
ومن المفروغ منه أن الألفاظ لا تقتصر على معناها الحسي أبدا، بل تنتقل عنه انتقالات كثيرة إلى إطلاقات معنوية وهم أنفسهم قالوا: الإنزال تقريب الشيء والهداية إليه، وإنزال الله نعمه، ونعمه على الخلق إعطاؤهم إياها ففيم إذنْ هذا الوقوف عند معنى النزول المادي من سماء إلى سماء أو الوصول إلى الأرض والإبلاغ إلى شخص".
وكأن الأستاذ أحس بأن هناك اعتراضا يقول: إذا كان المراد بالنزول: التقريب والهداية فلم خصه الله بشهر رمضان مع أن هداية القرآن غير مخصوصة به؟! فذهب الأستاذ الخولي يلتمس ما حسبه مستمسكا وما هو بمستمسك قال: "القرآن نعمة وهداية، تعطى للناس، وتقرب إليهم، وتيسر لهم ظروف ومناسبات مع رياضة خاصة، أو عبادة خاصة فإنزال القرآن في رمضان يمكن أن
стр. 947
يكون بتقريبه إلى الناس، وأنسهم به في شهر رمضان عندما يرتاضون بالصوم ويدركون من الصوم ما رأينا من غاية تتسق مع الفكرة الجامعة في فهم الدين وفهم الحياة، ففي كل رمضان إذ الناس يشعرون من الصوم بما يشعرون به، يقرب القرآن إلى نفوسهم، ويستبينون منه الهدى والبينات من الهدى في تفسير الحياة وتدبير الحياة والقرآن في ذلك فرقان واضح، يتميز به تاريخ الإنسانية عصر عن أعصر قبله، وهذا معنى الفرق والتميز في كلمة الفرقان الذي فيه منه بينات.
على هذا الوجه يفهم أن نزول القرآن في رمضان هو تقريبه والإيناس به فيزيد الاستشفاف لهداه، وبيناته"١.
ولا أحسب أن هذا التعليل الذي جاء به الأستاذ الخولي مقنعا؛ إذ إن الهداية بالقرآن الكريم وتقريبه إلى الناس وأنسهم به ليس خاصا بشهر رمضان حتى يقصر عليه. زد على هذا أن النصوص كثية من الكتاب والسنة في نزول القرآن الكريم في شهر رمضان، ولا يلزم اقتران النزول المادي بذكر المبدأ خذ مثلا: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَة﴾ ٢، ﴿قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلائِكَة﴾ ٣، ﴿وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾ ٤، ﴿حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ﴾ ٥، ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ ٦، ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ ٧، والآيات الدالة على هذا كثير.
وفي حديثين آخرين تناول الأستاذ الخولي معنى الجوع وصلته بالصيام
стр. 948
وذلك تحت عنوان "عن فلسفة الجوع" ذكر فيه أن الجوع ليس طابع الصوم، وقال في الحلقة الثانية: "حدثتكم قبل عن الفقهاء وتعريفهم الصوم بالجوع وترك الأكل والشرب ... إلخ، وإدارتهم الشاهد العقلي لفرضية الصوم على فعل الجوع بالنفس وردهم حكمة الصوم إلى أثر الجوع أيضا، كما رأينا الصوفية يفلسفون هذا الجوع، فيسببون به كل خير كما ينسبون إلى شهوة الطعام كل شر، ويروون في فضل الجوع ما يرووون مما يعدونه حديثًا، ويذكرون مآثر العابدين في الصوم ومدته ونريد هنا أن نعرض هذه الآراء على هدي القرآن لنرى إلى أي مدى يؤيدها أو يرفضها فاستمع إليه حين يقول لقريش: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ، الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ ١، فيعد نعمتي الإطعام والإيمان اللتين خلص بهما قريشا من نقمتي الجوع والخوف. وهو بمثل هذا يعد نعم الجنة. دارالنعيم المقيم والسعادة الكبرى فيقول لآدم: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى، وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى﴾ ٢، فالجوع والعري والظمأ والضحو -بالتعرض للشمس وحرها- كلها آلام يأمن منها من يكون في الجنة وإذا نعم أهل الجنة بألا يجوعوا فقد شقى أهل الجحيم في وصف القرآن بألا يجدوا إلا ما لا يشبع فقال عنهم: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ، لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾ ٣.
وعلى هذا ندرك أن الجوع والحرمان من الطعام لون من العذاب القاسي في تعبير القرآن الأدبي، وحسه الفني، الذي نفرغ إليه كما اتفقنا لمعرفة نظرة القرآن إلى الجوع.
ولعلنا نستطيع أن نقول؛ بعد الذي أنسنا إليه من هدي القرآن: إن ما اتجه إليه القوم من تلمس الآثار في فضل الجوع وفلسفتهم لذلك الجوع على ما سمعناها منهم ليس مما يرحب به هدي القرآن كثيرا وليس بكثير أن
стр. 949
نقول: إن نظرية القوم في الجوع ليس ذات أساس سليم وهي غريبة عن الروح الإسلامية؛ بل إنها ليست في شيء من روح القرآن في مثل قوله: ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾ ١، أيها المهتدون بهدي القرآن: أحسبكم تقدرون ما قصد إليه هذان الحديثان عن فلسفة الجوع في عمل الفقهاء ورياضة الصوفية، وأن هذا الجوع ليس أفضل العبادة ولا مخ الطاعة بل نقول في طمأنينة: إن هذا الجوع ليس مخ الصوم نفسه، وليس من الصواب أن يكون الجوع طابع الصوم الظاهر عند المتكلمين في الحكمة وفضل الصوم وحبذا الصوم إمساكا عن جميع الأهواء والأخطاء والعوائد الواهمة والفاسدة؛ ليكون الصوم رياضة مُصلِحة للنفوس، مجدية على الفرد والجماعة مروضة على ما لا يسهل الارتياض عليه في سائر الأوقات؛ لضعف أو إهمال أو عدم رقابة، فيكون رمضان وسيلة إلى التقوى التي رجاها القرآن وختم بها آية هذا الفرض: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَْ﴾ ٢، ٣.
وها أنت ترى الأستاذ يقترب أكثر من قبل إلى أسس منهجه، وإن كان الفاصل لا يزال بعيدا.
تراه في هذه المرحلة الثالثة يولي المفردات عناية خاصة، فينظر لكلمة النزول ويقارن بين ورودها في الآية التي يتناولها وبين ورودها في آيات أخرى ثم يستنبط المعنى الذي هداه إليه عمله ويظهره وإن خالف فيه كل من سبقه.
وفي الجوع نظر نظرة موضوعية وصل بها إلى أن الجوع ليس طابعا وليس هدفا بل هو لون من العذاب القاسي في تعبير القرآن الأدبي وحسه الفني، ويصل من هذا إلى أن الصوم إمساك عن جميع الأهواء والأخطاء والعوائد الواهمة والفاسدة؛ ليكون الصوم رياضة مُصلِحة للنفوس مجدية على الفرد والجماعة ... إلخ.
стр. 950
المرحلة الرابعة: في أموالهم.. مثالية لا مذهبية
وهي أحاديث إذاعية تباعدت سنوها -كما يقول الخولي- من سنة ١٩٤٤م، إلى سنة ١٩٥٢م.
ولا يسعني بحال من الأحوال أن أستوفي عناصر المنهج من دراسة جاءت في حوالي ١٣٠ صفحة في عرض سريع كهذا؛ أقول هذا؛ عذرا لقصور مؤكد فإن قبل هذا مني عذرا فإني أقول:
إن الأستاذ الخولي قدم لأحاديثه هذه التي وصفها بأن في ثناياها إشارات متعددة للمعالم الكبرى لهذا المنهج الأدبي في تفسير القرآن -قدم لها بذكر طائفة من الآيات في موضوع المال من نحو قوله تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ ١، و ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ ٢، ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ ٣، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ٤، وغير ذلك من الآيات، لكنه لم يرتبها حسب نزولها كما هو الأصل في المنهج الذي يدعو إليه.
ثم- وبعد ذلك نظر نظرة عامة عنوانها: "لمحات عامة" وهي التزام منه للأساس الذي دعا إليه وهو الدراسة العامة لكن هذه اللمحات العامة لم تأتِ من الزوايا التي دعا إلى النظر منها تمامًا بين ما يريده في هذه اللمحات فقال: "نريد لنتذكر ما يشف به الحس القرآني الكريم في ذكر القرض الحسنن إذ يسمى هذا الإعطاء والنضال في سبيل الخير العام قرضًا حسنًا وقرضا لله تعالى فلا يسميه منحا ولا تفضلا أو ما يشبه هذا"٥.