"أيها الشاعرون بروعة القرآن: لقد قصروا النزول على المعنى المادي في الانتقال، والهبوط، والانحدار، ونحوه، وليس هذا كل معنى الكلمة، وليس هذا كل ما استعمل فيه القرآن هذه الكلمة لقد استعملها القرآن في حسيات ليس فيها انتقال، ولا هبوط. فهو يقول: ﴿أَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيد﴾ ١.
وليس هابطا من السماء، وهو يقول: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا﴾ ٢، وليس يعني انحدار هذا من الأعلى إلى الأرض.
بل يلاحظ أنه حين يقصد هذا الانتقال المادي يذكر مبداه ويصرح به فيقول:
﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاء﴾ ٣، ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا﴾ ٤، ﴿أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاء﴾ ٥، ولم يذكر هذا المبدأ في آية رمضان ونزول القرآن فيه!!
ومن المفروغ منه أن الألفاظ لا تقتصر على معناها الحسي أبدا، بل تنتقل عنه انتقالات كثيرة إلى إطلاقات معنوية وهم أنفسهم قالوا: الإنزال تقريب الشيء والهداية إليه، وإنزال الله نعمه، ونعمه على الخلق إعطاؤهم إياها ففيم إذنْ هذا الوقوف عند معنى النزول المادي من سماء إلى سماء أو الوصول إلى الأرض والإبلاغ إلى شخص".
وكأن الأستاذ أحس بأن هناك اعتراضا يقول: إذا كان المراد بالنزول: التقريب والهداية فلم خصه الله بشهر رمضان مع أن هداية القرآن غير مخصوصة به؟! فذهب الأستاذ الخولي يلتمس ما حسبه مستمسكا وما هو بمستمسك قال: "القرآن نعمة وهداية، تعطى للناس، وتقرب إليهم، وتيسر لهم ظروف ومناسبات مع رياضة خاصة، أو عبادة خاصة فإنزال القرآن في رمضان يمكن أن
стр. 947
يكون بتقريبه إلى الناس، وأنسهم به في شهر رمضان عندما يرتاضون بالصوم ويدركون من الصوم ما رأينا من غاية تتسق مع الفكرة الجامعة في فهم الدين وفهم الحياة، ففي كل رمضان إذ الناس يشعرون من الصوم بما يشعرون به، يقرب القرآن إلى نفوسهم، ويستبينون منه الهدى والبينات من الهدى في تفسير الحياة وتدبير الحياة والقرآن في ذلك فرقان واضح، يتميز به تاريخ الإنسانية عصر عن أعصر قبله، وهذا معنى الفرق والتميز في كلمة الفرقان الذي فيه منه بينات.
على هذا الوجه يفهم أن نزول القرآن في رمضان هو تقريبه والإيناس به فيزيد الاستشفاف لهداه، وبيناته"١.
ولا أحسب أن هذا التعليل الذي جاء به الأستاذ الخولي مقنعا؛ إذ إن الهداية بالقرآن الكريم وتقريبه إلى الناس وأنسهم به ليس خاصا بشهر رمضان حتى يقصر عليه. زد على هذا أن النصوص كثية من الكتاب والسنة في نزول القرآن الكريم في شهر رمضان، ولا يلزم اقتران النزول المادي بذكر المبدأ خذ مثلا: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَة﴾ ٢، ﴿قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلائِكَة﴾ ٣، ﴿وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾ ٤، ﴿حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ﴾ ٥، ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ ٦، ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ ٧، والآيات الدالة على هذا كثير.
وفي حديثين آخرين تناول الأستاذ الخولي معنى الجوع وصلته بالصيام
стр. 948
وذلك تحت عنوان "عن فلسفة الجوع" ذكر فيه أن الجوع ليس طابع الصوم، وقال في الحلقة الثانية: "حدثتكم قبل عن الفقهاء وتعريفهم الصوم بالجوع وترك الأكل والشرب ... إلخ، وإدارتهم الشاهد العقلي لفرضية الصوم على فعل الجوع بالنفس وردهم حكمة الصوم إلى أثر الجوع أيضا، كما رأينا الصوفية يفلسفون هذا الجوع، فيسببون به كل خير كما ينسبون إلى شهوة الطعام كل شر، ويروون في فضل الجوع ما يرووون مما يعدونه حديثًا، ويذكرون مآثر العابدين في الصوم ومدته ونريد هنا أن نعرض هذه الآراء على هدي القرآن لنرى إلى أي مدى يؤيدها أو يرفضها فاستمع إليه حين يقول لقريش: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ، الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ ١، فيعد نعمتي الإطعام والإيمان اللتين خلص بهما قريشا من نقمتي الجوع والخوف. وهو بمثل هذا يعد نعم الجنة. دارالنعيم المقيم والسعادة الكبرى فيقول لآدم: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى، وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى﴾ ٢، فالجوع والعري والظمأ والضحو -بالتعرض للشمس وحرها- كلها آلام يأمن منها من يكون في الجنة وإذا نعم أهل الجنة بألا يجوعوا فقد شقى أهل الجحيم في وصف القرآن بألا يجدوا إلا ما لا يشبع فقال عنهم: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ، لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾ ٣.
وعلى هذا ندرك أن الجوع والحرمان من الطعام لون من العذاب القاسي في تعبير القرآن الأدبي، وحسه الفني، الذي نفرغ إليه كما اتفقنا لمعرفة نظرة القرآن إلى الجوع.
ولعلنا نستطيع أن نقول؛ بعد الذي أنسنا إليه من هدي القرآن: إن ما اتجه إليه القوم من تلمس الآثار في فضل الجوع وفلسفتهم لذلك الجوع على ما سمعناها منهم ليس مما يرحب به هدي القرآن كثيرا وليس بكثير أن
стр. 949
نقول: إن نظرية القوم في الجوع ليس ذات أساس سليم وهي غريبة عن الروح الإسلامية؛ بل إنها ليست في شيء من روح القرآن في مثل قوله: ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾ ١، أيها المهتدون بهدي القرآن: أحسبكم تقدرون ما قصد إليه هذان الحديثان عن فلسفة الجوع في عمل الفقهاء ورياضة الصوفية، وأن هذا الجوع ليس أفضل العبادة ولا مخ الطاعة بل نقول في طمأنينة: إن هذا الجوع ليس مخ الصوم نفسه، وليس من الصواب أن يكون الجوع طابع الصوم الظاهر عند المتكلمين في الحكمة وفضل الصوم وحبذا الصوم إمساكا عن جميع الأهواء والأخطاء والعوائد الواهمة والفاسدة؛ ليكون الصوم رياضة مُصلِحة للنفوس، مجدية على الفرد والجماعة مروضة على ما لا يسهل الارتياض عليه في سائر الأوقات؛ لضعف أو إهمال أو عدم رقابة، فيكون رمضان وسيلة إلى التقوى التي رجاها القرآن وختم بها آية هذا الفرض: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَْ﴾ ٢، ٣.
وها أنت ترى الأستاذ يقترب أكثر من قبل إلى أسس منهجه، وإن كان الفاصل لا يزال بعيدا.
تراه في هذه المرحلة الثالثة يولي المفردات عناية خاصة، فينظر لكلمة النزول ويقارن بين ورودها في الآية التي يتناولها وبين ورودها في آيات أخرى ثم يستنبط المعنى الذي هداه إليه عمله ويظهره وإن خالف فيه كل من سبقه.
وفي الجوع نظر نظرة موضوعية وصل بها إلى أن الجوع ليس طابعا وليس هدفا بل هو لون من العذاب القاسي في تعبير القرآن الأدبي وحسه الفني، ويصل من هذا إلى أن الصوم إمساك عن جميع الأهواء والأخطاء والعوائد الواهمة والفاسدة؛ ليكون الصوم رياضة مُصلِحة للنفوس مجدية على الفرد والجماعة ... إلخ.
стр. 950
المرحلة الرابعة: في أموالهم.. مثالية لا مذهبية
وهي أحاديث إذاعية تباعدت سنوها -كما يقول الخولي- من سنة ١٩٤٤م، إلى سنة ١٩٥٢م.
ولا يسعني بحال من الأحوال أن أستوفي عناصر المنهج من دراسة جاءت في حوالي ١٣٠ صفحة في عرض سريع كهذا؛ أقول هذا؛ عذرا لقصور مؤكد فإن قبل هذا مني عذرا فإني أقول:
إن الأستاذ الخولي قدم لأحاديثه هذه التي وصفها بأن في ثناياها إشارات متعددة للمعالم الكبرى لهذا المنهج الأدبي في تفسير القرآن -قدم لها بذكر طائفة من الآيات في موضوع المال من نحو قوله تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ ١، و ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ ٢، ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ ٣، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ٤، وغير ذلك من الآيات، لكنه لم يرتبها حسب نزولها كما هو الأصل في المنهج الذي يدعو إليه.
ثم- وبعد ذلك نظر نظرة عامة عنوانها: "لمحات عامة" وهي التزام منه للأساس الذي دعا إليه وهو الدراسة العامة لكن هذه اللمحات العامة لم تأتِ من الزوايا التي دعا إلى النظر منها تمامًا بين ما يريده في هذه اللمحات فقال: "نريد لنتذكر ما يشف به الحس القرآني الكريم في ذكر القرض الحسنن إذ يسمى هذا الإعطاء والنضال في سبيل الخير العام قرضًا حسنًا وقرضا لله تعالى فلا يسميه منحا ولا تفضلا أو ما يشبه هذا"٥.
стр. 951
ثم عرض لبيان نظرة القرآن إلى هذا المال في أيدي الواجدين وصفته التي يعطونها به للفاقدين وأنهم إنما يعطونه حين يقرضونه إعطاء التارك المتجاوز غير المحدد لأجل للرد ولا الدائن بما يقرض.
ثم عرض الأستاذ الخولي لبيان غريزة حب التملك في الإنسان منذ الطفولة إلى الشيخوخة وآثارها الحسنة وآثارها السيئة، ثم بين هدي القرآن في حل تلك المشكلة الكبرى؟ وبين كيف عالجها القرآن وأن علاجه لم يكن دخولا في مشكلاته الاقتصادية أو مذهبيات اجتماعية يزيد بها الآراء رأيا والمذاهب مذهبا ويدعنا في حيرة لا نعرف الأصوب والأصلح؟ ووصف العلاج القرآني لهذه الفطرة نفساني دقيق يمسها مساسًا خبيرًا رشيدًا، فيجعل التدين والتأليه والمسئولية الآخرة عوامل فعالة في إحياء المضير وتقوية الإحساس بالكرامة وبالخير وتأسيس الشعور بالمسئولية على المراقبة الداخلية والرضا النفسي.
تلكم هي أبرز ملامح اللمحات العامة التي قدمها الأستاذ الخولي أمام دراسته تلك.
لكنه عاد في الحلقة التالية إلى "حب المال" وتحدث فيها عن نظرة القرآن إليه، وأن القرآن لم يعمد من ذلك إلى تجاهل أو كبت يصادم الواقع من قوة هذه الرغبة في البشر فهو يقول: ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا، وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ ١.
ثم بيَّن أن أصحاب القرآن يدركون أن هذا الهدى الخالد قد عرف للبشرية حبها للتملك، فأرضها لونا من الإرضاء يوفر ثقتها بما يوجهها إليه في تعلية هذه الغريزة ولا تحس معه بشك فيما يلقى إليها؛ لأنها قد عرفته مقدرا للواقع خبيرا به لطيفا في تناوله، فلتصغ إلى ما سيلقي إليها من حديث عن هذه الرغبة٢ ... إلخ.
стр. 952
وتحت عنوان "بين القصد والجور"
أورد المؤلف قوله تعالى: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِر﴾ ١.
تحدث فيه أيضا عن هذه الفطرة "حب التملك" وعما تحتاجه من مراقبة وملاحظة؛ لأنها حين تجنح إلى ما لا خير فيه تكون وبالًا على الفرد والأمة ومضيعة لما هي وسيلة إليه وسبب من العزة والغلبة والكرة والدولة فهي إذن بحاجة ماسة إلى التوجيه السديد وهذه المراقبة ليست يسيرة المؤونة ولا سهلة الممارسة.
وقد التفت القرآن التفاتا قويًّا لهذه الغريزة وهو يحد من شرها عند هذا الجموح في مثل قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ ٢، كما يسوق للعبرة حال من أفسد أمره ماله وولده في قوله عن نوح ﵇: ﴿رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا﴾ ٣، وفي مثل قوله تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ، هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ، مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ، عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ، أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾ ٤، بمثل هذه الحالة من فساد الحال بجموح نزعة التملك والتمول ينفي القرآن أن يكون المال والولد وسيلة إلى القربى والزلفى عند الله، فيقول: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ ٥.
وبهذا القصد والاعتدال ينهى القرآن عن الإعجاب والاغترار بالأموال والأولاد: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ ٦,
стр. 953
ففي هذه الآيات وما إليها لفت واضح إلى حال هذه النزعة البشرية للتملك والاقتناء إذا جنحت إلى الشر، ثم جعل الأستاذ أمين هذا الأساس ميزانا يزن به أقوال المفسرين.
ثم بين أن القرآن لفت إلى الرشاد والصواب في السلوك الذي يريده من أصحاب الأموال: ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ١ الآية، ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ٢، ولن يكون الإنفاق بالليل والنهار، وفي السر وفي العلن إلا من مال كثير يجدُّ في سبيل جمعه أولئك المنفقون.
بهذه الآيات وأمثالها لفت القرآن أقوى لفت إلى خيرية غريزة التملك المهذبة الموفقة، فالقرآن بعد مسلكه النفسي في تقرير هذه الحقيقة عن الفطرة يشير إلى أنها في حاجة إلى رقابة مرشدة وتوجيه سديد.
ووضَّح في "تحويل نفسي" أن القرآن حين يقصد إلى تعلية غريزة التملك وتوجيهها لم يعمد قط إلى هذا القمع الكابت فلم يجعل المال لعنة، ولا الغنى خطيئة ولا طد الغني من ملكوت الله ولا وجه إلى الزهد المنقطع عن الحياة"؛ بل "فتح مسالك ومنافذ للتحويل النفسي ببعض ما سمعنا من توجبه لا يضمن ويبخل ولا يبدد ويسرف ولا يغتر ويستكبر ولا ينكر القيم ويجحد اليقين ولا يحسب المال هو الدنيا والآخرة جميعا ولا ينسى ما هو خير ثوابا وخير أملا٣.
ثم تكلم الخولي عن "تعديل البيئة" فإذا كان أصحاب النفسيات يقدرون في تهذيب الغريزة تأثير التحويل النفسي، والتبديل النفسي، والاستعانة بغريزة على غريزة فإنهم يقدرون كذلك فعل المؤثرات الخارجية في هذا التهذيب،
стр. 954
ويقررون أن الإنسان يتأثر بما حوله من نُظُم وأوضاع يخضع لها، وفي الحق أن القرآن قد قدر الأثر النفسي للبيئة حينما قدر الوحدة الاجتماعية والصلة الوثيقة بين الفرد والجماعة، وفي الحق أيضا أن القول عن عمل القرآن في "تعديل البيئة" التعديل الخاص بتهذيب غريزة التملك قول تتسع آفاقه وينبسط مداه حتى ليقضينا النظر في أصول النظام المالي.
والقرآن حين يهذب غريزة التملك في أصحاب القرآن يجمع بين الواقعية والمثالية.
فهو حين يحمي الملكية الفردية واقعي لا يفجأ الناس بتجريدهم من أموالهم تجريدًا يفتر همتهم وينثي عزائمهم، ويقعدهم فلا يبتكرون، ولا يجدون ولا يذودون عن حماهم.
ثم هو حين يهز أسس هذه الملكية الخاصة يكون مثاليا يكف من غلواء الأغنياء، ويزلزل صلتهم بأموالهم ويجعلها للناس جميعا هم عليها أمناء مستخلفون وهي مال الله لا مالُهم.
بهذا التعديل الدينيّ الأساس، السماويّ الصبغة، الإلهيّ الروح يوقِّيهم أخطار الجموح في التملك والوصول إليه بأي وسيلة وإهدار الخلق والفضيلة"١.
و"استمع إليه حين يحدث كثيرا عن أداء هؤلاء الواجدين لما عليهم من واجبات الزكاة فيستعمل في ذلك كله كلمة من "الإيتاء" لا يغيرها في بضع وعشرين مرة استعمل فيها مادة واحدة هي: ﴿آتَى﴾ لم يغيرها على كثرة ما قال عن الزكاة فتراها في صورة متعددة: ﴿أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاة﴾ ٢، ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ ٣، ﴿وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ ٤، ﴿وَالْمُقِيمِينَ
стр. 955
الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ ١. وتقرأ هذا، فتسأل هل للكلمة حس فني خاص يجعل استعمالها موحيا بشعور نفسي يجده من ينصت لهذا القرآن المعجز؟
وإذا الجواب عن هذا السؤال: نعم إن المادة ترجع في أصل معناها جملة إلى الاستقامة في السير والسرعة في العطاء كما أن منها المجيء بسهولة ومن هنا تحس إيحاء التعبير القرآني حينما يخصها بالتعبير عن أداء الواجدين لزكاة أموالهم حين يؤدونها لأصحاب الحق فيها. ويؤدونها من مال الله الذي آتاهم وينفقون مما جعلهم مستخلفين فيه فما أقوى أن يشعر التالي المتأمل من قريب وفي قوة أن الحرص على استعمال هذه المادة في أداء الزكاة إنما هو التعبير عن إعطاء في سرعة واتجاه إلى الإعطاء يتم في سهولة"٢.
وفي قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ ٣. قال الخولي: "نشعر في مادة الأخذ بأنها التناول الجاد الحازم القوي تحسه واضحا في مثل قوله: ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُم﴾ ٤ ﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ﴾ ٤ ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ﴾ ٥، فنستشف هذا الجد المتناول٦ وبهذا يخرج الصدقة عن مفهوم الامتنان والتفضل، بل إن الإحسان في عامة استعماله هو ضد الإساءة: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لَأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ ٧، ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ ٨، وبذلك ينفر الحس القرآني الدقيق دائما من أن يستعمل في ذكر المال المصلح لحياة الجماعة هذا الإحسان بمعنى الإعطاء المتفضل، والبذل المنعم والأداء المترفع
стр. 956
المستعلي الذي يحز في القلوب ويهيج النفوس ويفسد ما بين المؤمنين وإنما المؤمنون إخوة"١.
وبين الخولي عناية القرآن بـ "الوسط" أي "الاتزان" في المال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ ٢، ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ ٣. وهذا الاتزان هو الأساس الأول والفكرة العامة في حل مشكلة المال حلًّا يوقِّي الحياة وَيْلَاتِ الآراء الخاطئة٤.
ذلكم عرض سريع وسريع لما جاء به الأستاذ أمين الخولي مما سماه التفسير الأدبي للقرآن الكريم وجعل موضوعه "في أموالهم" وعددناه المرحلة الرابعة من خطوات التفسير التي خطاها الأستاذ الخولي في سبيل تطبيق المنهج الذي دعا إليه.
وسبق القول مني أن الأستاذ الخولي قدم لموضوعه هذا بآيات في موضوع المال، وأنه لم يرتبها حسب النزول وهذه مخالفة للمنهج الذي يدعو إليه.
ثم قدم دراسة عامة لهذه الآيات لكنها كما قلنا دراسة غير شاملة وغير وافية بما أوجبه الأستاذ للدراسة الأدبية.
ثم نظر في هذه الآيات وغيرها نظرة شاملة. وقلَّ نظره في مفرداتها -وهو تجاوز آخر لعناصر منهجه ثم نظر في معانيها المركبة لا ينظر إليها آية آية بل نظر إليها جميعا مفردا كل نظرة بحديث.
ولست أوافق الدكتور كامل علي سعفان في التماسه العذر للأستاذ أمين الخولي في مخالفاته هذه وقصوره عن تطبيق منهجه في أحاديثه تلك بأنها طبيعة أحاديث الإذاعة٥ باعتبار أن الأستاذ الخولي كان يبثها عبر الإذاعة عند كتابتها.
стр. 957
لا أوافقه لأني أرى أن عناصر المنهج كلها ملائمة للإذاعة لا تنبو عنها ولا تثقل بها؛ خاصة أنه أحيانا يتحدث عن المفردات -مثلا- في موضع لكنه في مواضع أخرى يهملها. ولا أعرف سببا لذلك. والله أعلم.. ومن الأستاذ إلى تلميذته.
стр. 958
عائشة عبد الرحمن "بنت الشاطئ ":
تلقت علوم الإسلام والعربية على مناهج الأزهر الشريف على والدها وزملائه الشيوخ بالمعهد الديني الأزهري بدمياط وتقدمت من المنزل لامتحان كفاءة المعلمات سنة ١٩٢٩م ثم الشهادة العامة الابتدائية سنة ١٩٣١م والكفاءة والثانوية سنة ١٩٣٢م والبكالوريا أدبي سنة ١٩٣٤م دون أن تلتحق بأية مدرسة لهذه المراحل.
ثم تابعت الدراسة الجامعية في قسم اللغة العربية بكلية الآداب جامعة القاهرة حتى نالت:
الليسانس الممتازة في اللغة العربية سنة ١٩٣٩م.
الماجستير في الآداب سنة ١٩٤١م.
الدكتوراه في الآداب، تخصص نصوص سنة ١٩٥٠م.
وتدرجت في المناصب الجامعية من معيدة بقسم اللغة العربية بآداب القاهرة سنة ١٩٣٩م ومدرس مساعد بالقسم سنة ١٩٤٢-١٩٤٤م إلى مدرس أ. بجامعة عين شمس سنة ١٩٥٢م وأستاذ مساعد سنة ١٩٥٧م ثم أستاذ كرسي اللغة العربية وآدابها سنة ١٩٦٢م حتى استقرت أستاذا للتفسير والدراسات العليا بكلية الشريعة جامعة القرويين سنة ١٩٧٠ إلى اليوم.
مؤلفاتها:
قدمت المؤلفة إلى المكتبة العربية نحو أربعين كتابا؛ منها: في الدراسات القرآنية والإسلامية:
١- التفسير البياني للقرآني الكريم: في جزءين "طبع خمس طبعات".
стр. 959
٢- الإعجاز البياني للقرآن ومسائل ابن الأزرق "طبعتان".
٣- مقال في الإنسان "دراسة قرآنية".
٤- القرآن والتفسير العصري، سلسلة اقرأ "٣٣٥".
٥- القرآن وقضايا الإنسان: "ست طبعات".
٦- الشخصية الإسلامية "دراسة قرآنية" "خمس طبعات".
٧- مع المصطفى ﵊ "أربع طبعات".
٨- تراجم سيدات بيت النبوة في "خمسة أجزاء" "خمس عشرة طبعة".
٩- الإسرائيليات في الغزو الفكري.
١٠- مقدمة ابن الصلاح في علوم الحديث "نص محقق".
١١- محاسن الإصطلاح للسراج البلقيني "نص محقق".
في الدراسات اللغوية والأدبية والتاريخية لها عدد من المؤلفات أذكر منها:
١- لغتنا والحياة.
٢- تراثنا بين ماضٍ وحاضر.
٣- الخنساء.
٤- أبو العلاء المعري.
٥- الحياة الإنسانية عند أبي العلاء.
٦- مع أبي العلاء في رحلة حياته.
٧- قراءة جديدة في رسالة الغفران.
٨- الغفران دراسة نقدية.
٩- رسالة الغفران لأبي العلاء "تحقيق".
١٠- أرض المعجزات.
ولها غير ذلك من المؤلفات والبحوث وأشرفت على عدد كبير من الرسائل العلمية في مختلف البلدان العربية وشاركت في عدد من المؤتمرات١.
стр. 960
تفسيرها:
تصف بنت الشاطئ الأصل في المنهج الذي تلقته عن أستاذها بقولها: "والأصل في منهج التفسير الأدبي كما تلقيته عن أستاذي هو التناول الموضوعي الذي يفرغ لدراسة الموضوع الواحد فيه، فيجمع كل ما في القرآن عنه ويهتدي بمألوف استعماله للألفاظ والأساليب بعد تحديد الدلالة اللغوية لكل ذاك، وهو منهج يختلف تماما عن الطريقة المعروفة، في تفسير القرآن سورة سورة، يؤخذ اللفظ أو الآية فيه مقتطعا من سياقه العام في القرآن كله مما لا سبيل معه إلى الاهتداء إلى الدلالة القرآنية لألفاظه أو استجلاء ظواهره الأسلوبية وخصائصه البيانية"١.
وإذا ما أردنا أن نستقرئ تفسير الدكتورة عائشة منهجًا فيه فإنا سنجد له معالم واضحة، أهمها أن الأستاذ الخولي جعل "المقصد الأول للتفسير أدبيا محضا صرفا" كما نقلناه عنه وجاءت تلميذته لتؤكد هذا بقولها: "إن الذين يعنون بدراسة نواحٍ أخرى فيه -أي في القرآن- والتماس مقاصد بعينها منه لا يستطيعون أن يبلغوا من تلك المقاصد شيئا دون أن يفقهوا أسلوبه الفذ ويهتدوا إلى أسراره البيانية كي لا يغيب عنه شيء من دلالاته فسواء أكان الدارس يريد أن يستخرج من القرآن أحكامه الفقهية أو يستبين موقفه من القضايا الاجتماعية أو اللغوية أو البلاغية أم كان يريد أن يفسر آيات الذكر الحكيم تفسيرا عاما على النحو الذي ألفناه في كتب التفسير فهو مطالب بأن يتهيأ أولا لما يريد ويعد لمقصده عدته من فهم مفردات القرآن وأساليبه فَهْمًا يقوم على الدرس المنهجي الاستقرائي ولمح أسراره في التعبير"٢.
وتأتي بعد ذلك قواعد منهجها في التفسير، وأهمها٣:
стр. 961
أولا- العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب:
وقررت هذا في مقدمة تفسيرها ورتبت عليه نظرتها إلى أسباب النزول حيث قالت: "إن المرويات في أسباب النزول موضع اعتبار في فهم الظروف التي لابست نزول الآية مع تقدير أن الصحابة الذين عاصروا نزولها ورويت عنهم أقوال فيها ربطها كل منهم بما وهم أو فهم أنه السبب في نزولها وهذا هو معنى قول علماء القرآن: إن المرويات في أسباب النزول يكثر فيها الوهم، ونقدر معه أن السببية فيها ليست بمعنى العلية التي لولاها لما نزلت الآية وأن العبرة في كل حال بعموم اللفظ المفهوم من صريح نصها لا بخصوص السبب الذي نزلت فيه"١.
أما المرحلة التطبيقية عندها فهي تورد سبب النزول ثم تعقب عليه بقاعدة الأصوليين هذه وتعلق عليه، وخذ مثلا لذلك ما قالته في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ٢، قالت: "وللمفسرين في الإنسان قولان: أنه لعموم الجنس أو أن "أل" للعهد مرادا بالإنسان جماعة من المشركين: الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل والأسود بن عبد المطلب ولا نقف عند ما اختلفوا فيه فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب الذي نزلت فيه الآية، والسياق ظاهره لا يخص الإنسان بفلان أو بآخر والتعميم فيه مستفاد صراحة من الإطلاق ثم استثناء ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات﴾ ٣.
فهي كما ترى لا تكتفي بإيراد القاعدة الأصولية بل تحرر سبب رفضها، ولكنها أحيانا تكتفي بإيراد القاعدة خذ مثلا لذلك ما قالته في ما ورد من سبب نزول قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّين﴾ ٤، قالت: "وقالوا في أسباب
стр. 962
النزول أنها نزلت في: أبي سفيان أو العاص بن وائل السهمي أو الوليد بن المغيرة، أو أبي جهل وقال ابن عباس: "نزلت في منافق جمع بين البخل والمراءاة" والعبرة على كل حال بعموم اللفظ"١.
وهذا الأخير هو أكثر عملها في أسباب النزول تكتفي بإيراد القاعدة.
ثانيًا- استقراء اللفظ القرآني في كل مواضع وُرُودِه:
وقد بسطت هذا الأصل في مقدمة تفسيرها حيث قالت عنه: "والمنهج المتبع هنا هو الذي خضعت له فيما قدمت من قبل، بضوابطه الصارمة التي تأخذنا باستقراء اللفظ القرآني في كل مواضع وروده للوصول إلى دلالته، وإذ نضع معاجم العربية وكتب التفسير في خدمة هذا المنهج، فإننا نحاول أن ندرك حس العربية للألفاظ التي نتدربها من النص القرآني عن طريق لمح الدلالة المشتركة في شتى وجوه استعمالها لكل لفظ وواضح أنه لا سبيل إلى دراسة أي نص في لغة ما دون فقه لألفاظه في لغته، ثم يكون للنص بعد ذلك أن يحدد لكل لفظ دلالته الخاصة من شتى الدلالات المعجمية أو يضيف إليها ملحظا ينفرد به"٢.
ثم توضح بعد ذلك أن القول بدلالة خاصة للكلمة القرآنية لا يعني تخطئة سائر الدلالات المعجمية وإنما يعني أن لهذا القرآن معجمه الخاص وبيانه المعجز فلا يعترض معترض بأن العربية تعرف صيغا ودلالات أخرى للكلمة.
وقد اعتنت الدكتورة عائشة عبد الرحمن بهذا الأصل عناية كبيرة فجاء تفسيرها محتويا على معجم لألفاظ السور التي تناولتها بالتفسير، بل إن عنايتها تلك جاءت فيما أعتقد على حساب فكرة الموضوع التي طال ما دعت إليها كما سيأتي بيانه. إن شاء الله.
وهي حين تدرس كلمة قرآنية تبذل وسعها في استقراء معانيها في القرآن ومدلولاتها حتى تصل حسب فهمها إلى ما ترى أنه الصواب ولا شك أنها قد تصيب وقد تخطئ.
стр. 963
تقول الدكتور عائشة في معنى الساعة من قوله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ ١: "ولفظ ساعة في العربية يعني الجزء من الوقت، وأضيف إليه حديثا استعمالها في جزء محدد منه بستين دقيقة.
ويستعمل معرفا بـ "أل" للعهد في الوقت الحاضر فيقال: أزورك الساعة أي الآن، ثم غلب على الساعة استعمالها في الآلة الضابطة للوقت، بعد اختراعها.
لكن للقرآن استعماله الخاص للساعة، فهو لا يستعملها نكرة إلا في برهة من الوقت قصيرة دون تحديد لها بالدقائق والثواني:
﴿يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَة﴾ . [الروم: ٥٥] .
﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [النحل: ٦١] ، و [الأعراف: ٣٤] ، و [سبأ: ٣٠] ، و [يونس: ٤٩] .
﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ﴾ [يونس: ٤٥] .
﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ﴾ [الأحقاف: ٣٥] .
أما حين يستعمل القرآن الساعة معرفة بـ "أل" فتلك دائما هي ساعة الآخرة، ولم يتخلف هذا في أي موضع من المواضع الأربعين التي: جاءت الساعة فيها في القرآن الكريم.
والملحظ البياني في هذا الاستعمال المطرد أن هذه الساعة تنفرد دون ساعات الزمان كله بأنها الحاسمة الفاصلة التي يتغير فيها نظام الزمن وسير الكون، لما يحدث فيها من حدث هائل خطير وهو معنى يقوى ويتضح بإسناد القيام والإتيان والمجيء إلى هذه الساعة المتميزة الحاسمة دلالة على بروزها وشخوصها وفاعليتها.
﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً﴾ [الأنعام: ٣١] .
﴿أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَة﴾ [الأنعام: ٤٠] .
стр. 964
﴿أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً﴾ [يوسف: ١٠٧] ، ومعها: [الحج: ٥٥] ، و [الزخرف: ٦٦] ، و [محمد: ١٨] .
﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَة﴾ [الروم: ١٢، ١٤، ٥٥] ، ومعها [المؤمنون: ٤٦] ، و [الجاثية: ٢٧] .
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبأ: ٣] .
﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١] .
﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا، وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ [الكهف: ٣٦] .
﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ ١ [فصلت: ٥٠] .
وبمثل استقرائها للفظ "ساعة" و"الساعة" في القرآن الكريم كان استقراؤها لألفاظ أخرى كثيرة، منها "يتيما" في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾ ٢ لكنها هنا زادت عن ذاك بإيراد أقوال المفسرين في المراد باليتيم قالت: "ففي اليتم والإيواء قال "الرازي": إنه من قولهم درة يتيمة، والمعنى: ألم يجدك واحدا في قريش عديم النظير، فآواك أي جعل لك من تأوي إليه وهو أبو طالب، وقرئ: "فَأَوَى" بالتخفيف؛ أي رحم.
ويقول الزمخشري، محقًّا: "إن تفسير يتيم هنا بالدرة اليتيمة من بدع التفاسير" وإنما اليتم عنده فقدان الأب، ومثله أبو حيان في البحر، والشيخ محمد عبده.
وقال "الراغب" في المفردات: اليتم في آية الضحى انقطاع الصبي من أبيه قبل بلوغه.
стр. 965
وهذا هو الأصل في اليتم لغة، ثم قيل لكل منفرد: "يتيم ومنه الدرة اليتيمة أي المنفردة".
ثم بعد أن ساقت الدكتورة هذه الأقوال للمفسرين قالت: "ونحتكم إلى القرآن، فنراه استعمل اليتيم، مفردًا ومثنى وجمعًا ثلاثا وعشرين مرة كلها بمعنى اليتم الذي هو فقدان الأب ويلحظ فيه اقتران اليتم بالمسكنة في عشرة مواضع:
البقرة: ٩٣، ١٧٦، ٢١٥، والنساء: ٧، ٣٥، والأنفال: ٤١، والحشر: ٧، والدهر: ٨، والفجر: ١٧، والبلد: ١٥.
كما ذكر فيه من آثار اليتم: الجور، وأكل المال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠] ، ومعها الأنعام: ١٥٢، والإسراء: ٣٤، والنساء: ٢، ٦. وعدم الإكرام: ﴿كَلَّا بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ، وَلا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ [الفجر: ١٧، ١٨] .
والدع: الذي هو الدفع العنيف مع جفوة: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ، فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ، وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ [الماعون: ١-٣] . والقهر، في آية الضحى: ٩.
ثم قالت الدكتورة عائشة بعد هذا: "وأمام هذا التتبع لا نملك إلا أن نستبعد تفسير اليتم بغير ذاك الذي في القرآن وقد ولد محمد يتيما، ثم تضاعف يتمه بموت أمه وجده، لكنه تعالى نجاه من آثار اليتم التي هي: بشواهد من آيات الكتاب الكريم: الدع، والقهر، والانكسار، والجور، مما كان مظنة أن يكسر نفسه، فلا يتطلع إلى بعيد الآفاق، فذلك هو قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾ ، ترشيحا بهذا الإيواء الإلهي -غير المقيد بمتعلق- إلى ما بعده من نعمة الهداية بعد حيرة، وتهيئة لحمل الرسالة الكبرى"١.
стр. 966
وبهذا ترفض الدكتورة عائشة ما أوردته من تفسير الرازي لليتم، وتقصره على فقدان الأب.
ومثلا ثالثا نظهر به مدى عناية الدكتورة باستقراء ألفاظ القرآن ومدى انتشاره في تفسيرها فهي تفعل ذلك حتى ولو لم يرد اللفظ في القرآن إلا مرة واحدة كيف؟! خذ مثلا كلمة "المقابر" من قوله تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ، حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ ١ قالت: "وفي المقابر سر بياني آخر لفتني إليه أن المقابر لم يأتِ قط في غير آية التكاثر، على حين جاءت "القبور" خمس مرات، كما جاء "القبر" مفردا في المخلفين الذين قعدوا عن الخروج للجهاد مع الرسول: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٨٤] .
وقد تجد الصنعة البلاغية في استعمال المقابر هنا مجرد ملاءمة صوتية للتكاثر، وقد يحس أهل هذه الصنعة ونحس معهم فيها نسق الإيقاع وانسجام النغم لكن أهذا كل ما في الاستعمال القرآني للفظ المقابر في آية التكاثر؟
الذي أراه أن وراء هذا الملحظ البلاغي اللفظي، ملحظا بيانيا يتصل بالمعنى: فالمقابر جمع مقبرة وهي مجتمع القبور واستعمالها هنا ملائم معنوي لهذا التكاثر، دالٌّ على مصير ما يتكالب عليه المتكاثرون من متاع دنيوي فان ... هناك حيث مجتمع القبور ومحتشد الرمم ومساكن الموتى على اختلاف أعمارهم وطبقاتهم ودرجاتهم وأزمنتهم. وهذه الدلالة من السعة والعموم والشمول لا يمكن أن يقوم بها لفظ "القبور" بما هي جمع لقبر. فبقدر ما بين قبر ومقبرة من تفاوت يتجلى إيثار البيان القرآني "المقابر" على "القبور" حين يتحدث عن غاية ما يتكاثر به المتكاثرون وحين يلفت إلى مصير هذه الحشود من ناس يلهيهم تكاثرهم عن الاعتبار بتلكم المقابر التي هي مجتمع الموتى ومساكن الراحلين الفانين.
стр. 967
فتأويل المفسرين -فيما قرأت- المقابر بالقبور ليس إلا أثرا لمنهجهم في تناول مفردات القرآن تناولًا لفظيًّا معجميًّا مجردًا عن إيحاء سياقه وسره البياني، معزولا عن الاستعمال القرآني الذي لم يجئ بالمقابر هنا لمجرد المشاكلة اللفظية والرنين الصوتي، وإنما هي الملاءمة المعنوية أيضا بين التكاثر والمقابر بما فيهما من سعة وشمول وعموم وهو هو الإعجاز البياني لا يقوم فيه لفظ القبور مقام المقابر بما تلفت إليه من مصير للحشد والتكاثر، وبما تضع أمام المتكاثرين من عبرة رادعة زاجرة حين تصدمهم بذكر المقابر إثر ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ ١.
وكون الدكتورة عائشة تستنبط هذا مع أن اللفظة هذه لم ترد في القرآن إلا مرة واحدة يدل على مدى حرصها على جلاء معاني المفردات جلاءا لا ينظر صاحبه إلى اللفظة المفردة مجردة من مثيلاتها أو حتى من جملتها.
ومثلا أخيرا من عنايتها بالمفردات نذكره لتأكيد اهتمامها في ذلك، ذلكم تفسيرها لـ "السعي" في قوله تعالى: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ ٢، أوردت المعنى اللغوي أولًا: "والسعي في اللغة المشي، لحظ فيه أن الساعي يبتغي عملا أو يتجه إلى مقصد يدأب له، فكان السعي بمعنى العمل مع القصد والدأب".
ثم أوردت الاستعمال القرآني فقالت: "وفي الاستعمال القرآني للمادة نجد الدلالة الأولى للسعي بمعنى: المشي والحركة على الحقيقة أو التخييل والمجاز، في آيتي "طه" عن عصا موسى ألقاها: ﴿فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾ ٣، وحبال السحرة وعصيهم ألقوها: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ ٤، وفي آيتي التحريم والحديد، في نور المؤمنين: ﴿يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِم﴾ يوم القيامة، كما نجد دلالة السعي على العمل مع الدأب في آيات: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ﴾ [الأنبياء: ٩٤] ،
стр. 968
﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٩] ، ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا، الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٤] .
ودلالة القصد أوضح في آيات:
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ [البقرة: ١١٤] .
﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ [المائدة: ٣٣، ٦٤] . وواضح أن السعي في آية الليل هو من العمل الكسبي مع القصد والدأب ومثله السعي في آيات "الإنسان: ٢٢، النجم: ٤٠، الغاشية: ٩"١.
ولا أظن الدكتورة عائشة مصيبة في تصنيفها آية البقرة السالفة "١١٤"، وآيتي المائدة "٣٣، ٦٤" على أن السعي فيهما بمعنى القصد، ذلكم أن الذين منعوا مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعوا في خرابها، لم يقفوا عند درجة القصد وإنما جاوزوها إلى العمل وزادوا عليه الدأب. وقل مثل ذلك في الذين يسعون في الأرض فسادا؛ فإنهم جاوزوا القصد إلى العمل والدأب عليه فلا يصح أن يجعل هذا معنى للسعي هنا.
ولعل حماسها الشديد لتقرير هذا الأساس في التفسير أوقعها من حيث لا تدري في أنواع ثلاثة من الأخطاء:
أولها- القصور في الاستقراء:
وذلك بأن تنظر في بعض الآيات المشتركة في لفظ واحد وتقرر المعنى على ضوئها ويفوتها أن تنظر في آيات أخرى مشتملة على اللفظ ذاته، ولو أدركت ذلك ونظرت فيه لاختلف الحكم الذي وصلت إليه أولا.
ومن الأمثلة على ذلك أنها في تفسيرها لقوله تعالى: ﴿وَالضُّحَى، وَاللَّيْلِ إِذَا
стр. 969
سَجَى﴾ ١: "ترددت في تأويله بـ "أقسم بالضحى وأقسم بالليل إذا سجى"، قالت: "لأن القرآن الكريم لا يستعمل القسم مسندًا إلى الله سبحانه إلا مع لا النافية، باستقراء كل آيات القسم في القرآن، فكان لي من هذا الاستقراء ما يؤذن بأنه سبحانه في غير حاجة إلى القسم"٢.
وإذا نظرنا في آيات القسم هذه التي تقول الدكتورة عائشة أنها لم تجد القسم فيها مسندا إلى الله إلا مع لا النافية وجدنا الأمر غير ذلك فهناك مواضع أقسم الله بها بنفسه من غير أن ينفيها بـ "لا"، فمن ذلك قوله سبحانه: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ﴾ ٣، وقوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ٤، وقوله: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ ٥. فهذه كلها أقسام مسندة إلى الرب وهو الله وغير منفية بـ "لا"، وعلى هذا يظهر قصورها في الاستقراء.
ونذكر مثلا آخر على ذلك عندها أنها ممن يرفض القول بالترادف اللغوي وترفض تفسير القسم بالحلف وتقول: "وفي القاموس: حلف: أي أقسم
لكن التتبع للاستعمال القرآني يمنع هذا الترادف: فلقد جاءت مادة "حلف" في القرآن الكريم في ثلاثة عشر موضعا كلها بغير استثناء في مقام الحنث باليمين وأكثرها مسند إلى المنافقين"٦، ثم ساقت المؤلفة الآيات تلك وقالت: "أما القسم فيغلب مجيئه في الأيمان الصادقة"٦.
стр. 970
ولنا معها وقفة عند آيات من القرآن الكريم جاء فيها القسم في مقام الحنث باليمين وهو خلاف ما توصلت إليه، نذكر من هذه الآيات:
قوله تعالى: ﴿أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ﴾ ١.
وقال سبحانه: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوت﴾ ٢.
وقال سبحانه: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَة﴾ ٣.
وقال سبحانه: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾ ٤.
وقال سبحانه: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا﴾ ٥.
وقال سبحانه: ﴿أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ ٦.
وقال سبحانه: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ﴾ ٧.
هذه بعض الآيات في القسم التي جاءت في مقام الحنث، صحيح أن الدكتورة عائشة عدت هذا النوع وقالت: "وحين يسند القسم في القرآن إلى المجرمين فإنهم في ظنهم غير حانثين"٨.
стр. 971
لكن هل يصح القول أنهم يظنون أنهم كذلك في آية المائدة السالفة:
﴿أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ﴾ ، لا شك أنهم وهم يقسمون يعلمون أنهم حانثون؛ لأن ما أقسموا عليه ليس في درجة الظن، بل حقيقته بينة في قلوبهم.
وهل يصح ذلك أيضا في آية سورة إبراهيم: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ﴾ ، فهل كانوا يعتقدون حقيقة الخلود؟! أم أنهم كانوا يقسمون وهم يعلمون كذبهم وحنثهم، عنادا واستكبارا.
وبهذا الذي قلناه وغيره يظهر لنا أن الحلف والقسم على معنى سواء من ناحية الحنث وعدمه، ولا تصح هذه التفرقة التي توصلت إليها الدكتورة عائشة.
وتخطئ الدكتورة عائشة -وكلنا يخطئ ويصيب- أحيانا بعد أن تستقرئ آيات القرآن في لفظة واحدة لكنها والحماس يدفعها لا تصيب البيان الصحيح لبعض الآيات وذلك كالمثال السابق مباشرة، حيث ظنت أن المجرمين في ظنهم غير حانثين بالقسم، فبنت على ذلك ما بنت.
ومنه المثال الذي ذكرته قبل صفحات في استقرائها لدلالة "السعي" في القرآن الكريم.
ومنه أيضا ما قالته في معنى "مثقال" في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه﴾ ١، فقد ذكرت أن "مثقال" وردت في القرآن الكريم ثماني مرات في اثنتين منها أضيف مثقال إلى حبة من خردل. ثم رجحت أن المقصود بمثقال حبة من خردل هنا ليس خفة الوزن وإنما ضآلة الحجم. وفي المرات الست الباقية أضيف "مثقال" إلى ذرة رجحت في اثنتين منها "ضآلة الحجم"، ثم قالت: "على حين تتعين دلالة "مثقال ذرة" على خفة الوزن في الآيات الأربع٢ الباقية.
стр. 972
وحين ننظر في استقرائها هذا فإنا نجدها جعلت المراد بـ "مثقال" في قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ ١، ضآلة الحجم وليس خفة الوزن، ولا أدري ما الذي جعلها تحمله على ذلك مع أن الآية تتحدث عن وضع الموازين لوزن الأعمال، فكان هذا قرينة على أن المراد بالحبة من خردل الوزن، وليس الحجم.
وفي مقابل هذا جزمت الدكتورة عائشة بأن المراد بـ "مثقال" في قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ﴾ ٢، جزمت بغير قرينة بأن المراد خفة الوزن مع أنه قابل لضآلة الحجم أيضا.
والأمثلة على أخطائها في الاستقراء كثيرة نكتفي بما ذكرنا منها.
ثانيها- تحديد المعنى قبل الاستقراء اللغوي:
وقد سبقني بإدراك هذا الدكتور كامل سعفان، حيث قال: "إن الدكتورة عائشة تمضي في الاستقراء اللغوي بعد تحديد المعنى فيبدو عملا لا مبرر له"٣.
والأمثلة أيضا على هذا كثيرة.
في تفسير قوله تعالى: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ ٤، حددت معنى الطغيان أوَّلًا، ثم اتجهت إلى الاستقراء ثانيا، فقالت: "والطغيان تجاوز الحد، ويستعمل لغة في الماء يتجاوز الحد إلى الخطر، ومنه في القرآن: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَا الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ ٥، وفسروا الطاغية كذلك بالطوفان في قوله تعالى:
стр. 973
﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَة﴾ ١.
على أن أكثر استعماله القرآني: في تجاوز الحد في العصيان والكفر وهو المعنى القريب في آيات ذكرت المؤلفة عددًا منها، ثم قالت: كما جاء بمعنى تجاوز الحد في التجبر والعتو والظلم في آيات"٢.
وهي كما ترى حددت المعنى أولًا، ثم استقرأت الآيات ثانيا ووصلت بها إلى أن أكثر استعماله القرآني في تجاوز الحد وهو ما ذكرته أولًا فبدا عملها لا مبرر له.
ومثلا آخر تفسير الشَّدّ حيث قالت في: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيد﴾ ٣:
"الأصل في الشد قوة العقد والوثاق والإحكام ماديا كما في آية محمد: ٤، ومعنويا في مثل آيات: يونس: ٨٨، الدهر: ٢٨، طه: ٣١، القصص: ٣٥، ص: ٢٠ كما يعبر القرآن عن بلوغ الرشد والقوة بصيغة بلغ، أو يبلغ أشده في مثل آيات: الأنعام: ١٥٢، الإسراء: ٣٤، يوسف: ٢٢، القصص: ١٤، غافر: ٦٧، الأحقاف: ١٥، الكهف: ٨٢، الحج: ٥.
أما صيغة شديد فجاءت في القرآن في نحو أربعين موضعا٤.
وهي هنا أيضا -كما ترى- قدمت تحديد المعنى على الاستقراء وهو خلاف الأصل في هذا المنهج، لكنها والحق يقال كثيرا ما تلتزم الأصل في ذلك.
ثالثها- اعتدادها الشديد باستقرائها:
وظهر هذا بصور متعددة وأنماط مختلفة منها:
١- أنها تتيه بما توصلت إليه من معنى لكلمة قرآنية على المفسرين وأنها لم تقرأ لأحد منهم مثل هذا، وكثيرا ما تفعل هي ذلك.
стр. 974
٢- تقلل وتستصغر بصيغ متعددة متنوعة من شأن المفسرين السابقين وما توصلوا إليه من آراء.
٣- جزمها بصحة ما وصلت إليه وأنه هو المتعين وتخطئتها كل قول سواه.
٤- أنها تضع نفسها في مقابل المفسرين، فتذكر إجماعهم على معنى أو تسوق القول منسوبا إليهم بصيغة الجمع. ثم تذكر مقابل ذلك رأيها المخالف لما جاءوا به.
هذه أهم صور اعتدادها برأيها أذكرها هنا إجمالا وللتفصيل موضعه عند بيان رأيي في تفسيرها إجمالا وإنما ذكرته هنا؛ لأن جهودها في استقراء ألفاظ القرآن هي مبعث ذلك وسببه، بل إنا نجده في هذه المواضع التي تستقرئ بها كلمة أو كلمات قرآنية.
هذه -فيما أرى- أهم الأمور التي أوقعها فيها حماسها الشديد لتقرير أساس "الاستقراء لألفاظ القرآن الكريم عند التفسير".
ولئن أطلت الحديث عن هذا الأساس فلأنه جوهر منهجها وأصله؛ بل عموده الذي يقوم عليه. ولعلي بعد هذا أذكر الأساس الثالث الذي يقوم عليه تفسيرها.
ثالثا- الاهتمام بدلالة السياق:
وهي سمة قصرتها المؤلفة على منهجها الموضوعي وقطعت السبيل على المناهج الأخرى للاهتداء إلى تفسير القرآن إن لم تسلك منهجها وأنهم لم يبلغوا مبلغا لذلك.
قالت: "والأصل في منهج التفسير الأدبي كما تلقيته عن أستاذي هو التناول الموضوعي الذي يفرغ لدراسة الموضوع الواحد فيه، فيجمع كل ما في القرآن عنه ويهتدي بمألوف استعماله للألفاظ والأساليب بعد تحديد الدلالة اللغوية لكل ذاك، وهو منهج يختلف تماما عن الطريقة المعروفة في تفسير القرآن سورة سورة، يؤخذ اللفظ أو الآية فيه مقتطعًا من سياقه العام في القرآن كله مما لا سبيل معه إلى الاهتداء إلى الدلالة القرآنية لألفاظه، أو استجلاء
стр. 975
ظواهره الأسلوبية وخصائصه البيانية ويلتزم في دقة بالغة قولة السلف الصالح: "القرآن يفسر بعضه بعضا" -وقد قالها المفسرون ثم لم يبلغوا منها مبلغا- ويحرر مفهومه من كل العناصر الدخيلة والشوائب المقحمة على أصالته البيانية"١.
وإذا نظرنا إلى الجانب التطبيقي عندها وجدنا مجموعة من الأمثلة منها:
"العقبة" في قوله تعالى: ﴿فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَة﴾ ٢ قالت: "لكن ما العقبة التي يتحدث عنها القرآن هنا؟ أتعب المفسرون أنفسهم في تأويلها: ففي الطبري عن الحسن: عقبة والله شديدة، مجاهدة الإنسان نفسه وهواه وعدوه الشيطان، وقريب منه ما قاله الزمخشري ونقله الشيخ محمد عبده، وقيل: العقبة جهنم أو جبل فيها إلى أن قالت الدكتورة: والواقع أننا في غير حاجة إلى شيء من هذا ومثله، فالقرآن نفسه قد تولى بيان "العقبة" حين أتبعها بالسؤال اللافت: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ، فَكُّ رَقَبَةٍ، أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ، يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ، أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ، ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ فهذا بيان مفصل للعقبة التي يجب أن يقتحمها الإنسان بما تهيأ له من وسائل المكابدة والنضال والإدراك والتمييز وهو كذلك بيان لأوضاع ظالمة نشأت عن غرور القادرين وطغيان أصحاب المال في "هذا البلد" فليس ما كان المجتمع المكي يعانيه من مآسي الرق ومن التصدع الطبقي ومن البغي والاستبداد إلى حد انتهاك حرمة الرسول في البلد الحرام وليس هذا كله إلا أثرا لطغيان هذا الإنسان الذي غرته قوته فاستعبد مخلوقين مثله وملك رقابهم بأغلال الاسترقاق المهين، كما زين له جاه الثراء أن يباهي بأنه أهلك مالا لبدا، وعلى مقربة منه يتيم محتاج أو مسكين لاصق بالتراب؛ أوضاع مريضة استقرت على مر الأجيال وتوارثها "هذا البلد" ولدًا عن والد وطبقة في إثر طبقة، وكان الإنسان جديرا بأن يقاوم طغيان المال وغرور القوة، وأن يحتمل أعباء البذل والإيثار من أجل خير
стр. 976
الجماعة على ما في ذلك من مشقة وعناء"١.
ومثلا آخر "الكبد" في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَد﴾ ٢ فهي تذكر أن المفسرين لم يختلفوا في أن معناها في آية البلد هو: الشدة لكن أقوالهم شتى في تحديد هذه الشدة، ثم ساقت المؤلفة عددا من الأقوال وعقبت عليها بقولها: "ما نظن المكابدة هنا تنصرف إلى ما ذكروه من مشاق الحمل والنمو والعيش والموت والحساب كما نأبى أن يكون "الكبد" في الآية هو مرض القلب وفساد الباطن كما قال الزمخشري".
ثم أبدت الدكتورة رأيها: "وإنما الكبد فيما نرجح هو ما هُيِءَ له الإنسان بفطرته من احتمال المسئولية ومشقة الاختيار بين الخير والشر".
وعللت ذلك بـ "ووجه ارتباطه بالقسم قبله، بحال أهل مكة وما اختاروا لأنفسهم من استحلال أذى الرسول وهو مقيم بالبلد الحرام واضح ظاهر
وهو أوضح ارتباطا بالآيات بعده من ضلال الغرور بهذا الإنسان الذي وهبه الله وسائل الإدراك والتمييز وبيَّن له معالم الطريقين: الخير والشر"٣.
وفي تفسير النازعات لم تطمئن الدكتورة إلى ما اطمأن إليه أكثر المفسرين كما تقول من أنها الملائكة تنزع الأرواح واختارت أنها الخيل وما نطمئن إليه من تفسير النازعات بالخيل يوجه الآيات بعدها في يسر وبلا تكلف فهي تنزع في عدوها وتغرق فيه وهو الملحظ نفسه في السبح الذي يجمع له السابح قوته وبهذا النزع السابح تسبق إلى الغاية فتدبر من الأمر ما أجمعت له في معاناة"٤.
رابعًا- القرآن هو القاعدة:
ففي التفسير تقول: "نحتكم إلى سياق النص في الكتاب المحكم ملتزمين
стр. 977
ما يحتمله نصا وروحا ونعرض عليه أقوال المفسرين فنقبل منها ما يقبله النص، ونتحاشى ما أقحم على كتب التفسير من مدسوس الإسرائيليات والتأويلات المذهبية"١.
وليس الأمر كذلك في التفسير بل في كل قاعدة لغوية أو بلاغية حيث تقول: "يكفي أن يأتي التعبير في القرآن معجزة البيان؛ ليكون هو الشاهد والحجة والأصل الذي تعرض عليه كل قاعدة لغوية أو بلاغية لا أن نحكم فيه قواعد من صنع النحاة والبلاغيين وأكثرهم طارئون على العربية لم يكسبوها ذوقا وسليقة وإن أجادوها علما وصنعة"٢.
ولهذا فهي ترفض كثيرا من تأويلات المفسرين؛ لتوافق قواعد النحو ولا يسعنا إلا أن نأتي ولو بمثال واحد لهذا.
ففي تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ ٣ قالت: "وفي الصنعة الإعرابية: أثار بعض المفسرين هنا مشكلات ما أغنى البيان القرآني عنها: القاعدة النحوية عندهم أن اللام في "سوف" إن كانت للقسم لا تدخل على المضارع إلا مع نون التوكيد، وإن كانت اللام للابتداء فإنها لا تدخل إلا على الجملة من المبتدأ والخبر".
لا بد إذن من تكلف واحتيال؛ لتسوية الصنعة!
وقد رأى الزمخشري أنه: "لا بد من تقدير مبتدأ محذوف وأن يكون أصل العبارة: ولأنت سوف يعطيك ربك فترضى وكذلك قال أبو حيان: "إن اللام هنا لام ابتداء أكدت مضمون الجملة على إضمار مبتدأ؛ أي: ولأنت سوف يعطيك.
وندرك جور الصنعة الإعرابية على هذا البيان العالي إذا احتكمنا إلى حس
стр. 978
العربية، ووازنَّا بين وقع التعبير القرآني: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ ، ووقع ذلك التعبير الآخر المقدر: ولأنت سوف يعطيك الذي قال عنه "الزمخشري" إنه الأصل!!
وأنَّى لبشر يعجزه أن يأتي بسورة من مثل هذا القرآن أن يقول في آية منه ما يقول "الزمخشري" في آية الضحى لا بد من تقدير كذا؛ لأن أصل التعبير كذا!! ١.
وكما قلت: الأمثلة على هذا كثيرة والغرض البيان لا الاستقصاء ولعله فيما ذكرنا إن شاء الله.
خامسا- ترك الإطناب عما أُبهم في القرآن الكريم:
وكثيرا ما تَذُمُّ أولئك الذين يطنبون في بيان أمر أغفله النص القرآني، إذ لو كان في ذكره فائدة أو ترتب عليه معنى لذكره القرآن.
ففي النعيم في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيم﴾ ٢ تقول: "وقد اختلف المفسرون في هذا السؤال عن النعيم، ممن يكون؟ ولمن يكون؟ وأين يكون؟ فمنهم من قال: إن السؤال يكون من الملائكة ومنهم من قال أن السؤال من الله.
واعجبا! آثر القرآن أن يسكت عن ذكر السائل، تركيزا للاهتمام في السؤال نفسه، ويأبى المفسرون إلا أن يختلفوا فيمن يكون السائل، مع أن صنيع القرآن صريح في الصرف عمدا عن مثل هذا"٣.
وفي قوله تعالى: ﴿فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى﴾ ٤، قالت: "ونؤثر ألا نحدد الآية هنا ما دام القرآن نفسه لم ير تعيينها في هذا الموضع، مكتفيًا بوصفها بالكبرى
стр. 979
وهي صيغة تشهد بمبلغ دلالة الآية على صدق موسى وعلى قدرة ربه، رب فرعون والناس جميعا"١.
وفي قوله تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ ٢ قالت: "ولا نرى أن نقف هنا عند ما ورد في بعض كتب التفسير من تحديد سبب الإبطاء في الوحي بتأويلات دخيلة وما نراها وأشباهها مما يتعلق به النظم القرآني، وإلا لما سكت عنها كذلك لا نرى وجهًا للوقوف عندما ذكر مفسرون في تحديد مدة الإبطاء؛ إذ يغنينا عن مثل هذا سكوت القرآن نفسه عن تحديد فترة الوحي باليوم أو بالشهر، ولو كان البيان القرآني يرى حاجة إلى هذا التحديد؛ ليزيد في اليقين النفسي أو يبلغ غايته من البيان لما أمسك عن ذلك؛ لأن مقتضى البيان أن يستوفي كل ما يدعو إليه المقام مما يتصل بغايته، فإذا أمسك هنا عن ذكر سبب الإبطاء وتحديد مدته فلأن الذي يعنيه من الموقف هو جوهر الموقف لا تفصيلاته الجزئية فالمهم هنا هو جوهر الموقف ولا شيء من جزئياته بذي جدوى على المعنى وإلا لكان إهماله والسكوت عنه قصورا في حساب البلاغة باعتراف أصحابها أنفسهم ومعاذ البيان المعجز أن يظن به أي وجه من القصور"٣.
لكن ما نأخذه عليها في هذا أنها وهي تعيب على هؤلاء المفسرين خوضهم فيما أبهمه القرآن نراها أحيانا تورد أقوالهم وتوازن بينها وتنقل نصوص أصحابها من مصادرها الأصلية ثم بعد هذا كله تقول: "والأليق بجلال الموقف أن يكتفى فيه بالرضى على ما أراد له البيان القرآني فوق كل تحديد ووراء كل وصف"، وتدعو إلى عدم الخوض في مثل هذا وكان الأولى أن لا تورد هذه القوال التي عابتها عليهم وتكتفي بالإشارة إليها وانظر مثلا لذلك ما أوردته لهم في بيان ما أعطاه الله لنبيه في قوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ ٤، ٥.
стр. 980
سادسا- رفض التفسير العلمي التجريبي:
لا أعرف أحدًا في العصر الحديث فيما قرأت رفض التفسير العلمي بقدر رفض الدكتورة عائشة له فهي تبدي حماسا شديدا للرفض، فلها في ذلك كتاب مستقل وفصول في كتاب ومقالات في مجلات.
ويبدو أن موقفها هذا متأثر بموقف أستاذها أمين الخولي الذي علمها هذا المنهج في التفسير في ضميرها وقلبها وعقلها كما تقول في إهداء غالب مؤلفاتها.
ولا يخفى أن رفض التفسير العلمي من أول ما يرد بناءا على أصول منهجهم وهم يرفضونه لثلاثة أسباب:
الأول: الناحية اللغوية في حياة الألفاظ وتدرج دلالتها لو ملكنا منها -ما لا بد أن نملكه- في تحديد هذا التدرج وتأريخ ظهور المعاني المختلفة للكلمة الواحدة، وعهد استعمالها فيها لوجدنا من ذلك ما يحول بيننا وبين هذا التوسع العجيب في فهم ألفاظ القرآن وجعلها تدل على معانٍ وإطلاقات لم تعرف لها ولم تستعمل فيها.
الثاني: الناحية الأدبية أو البلاغية، والبلاغة فيما يقال مطابقة الكلام لمقتضى الحال فهل كان القرآن على هذا النحو المتوسع في التفسير العلمي كلاما يوجه إلى من خوطب به من الناس في ذلك العهد مرادا به تلك المعاني المذكورة مع أنها معانٍ من العلم لم تعرفها الدنيا إلا بعد ما جازت آمادا فسيحة.
الثالث: الناحية الدينية أو الاعتقادية: وهي التي تبين مهمة كتاب الدين وهل هو كتاب يتحدث إلى عقول الناس وقواهم العالمة عن مشكلات الكون وحقائق الوجود العلمية؟ والحق البين أن كتاب الدين لا يعني بهذا من حياة الناس ولا يتولاه بالبيان ولا يكفيهم مؤنته حتى يلتسموه عنده ويعدوه مصدرا فيه"١.
ولئن كان هذا قول الأستاذ فلقد وصفت التلميذة التفسير العلمي بأنه
стр. 981
"خطر على عقلية الجماهير أن نخايلها بهذه الألفاظ المضخمة من بدع التأويلات العصرية العلمية، تمسخ عقليتهم ويختل بها منطقهم وتخدر وعيهم بغرور السبق إلى علوم العصر"١.
وانظر ما قالته الدكتورة في تفسير قوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ عَلَق﴾ ٢ فقد أوردت تفسير الزمخشري: "إن في الآية تفخيما لخلق الإنسان ودلالة على عجيب فطرته" قالت: "وقد نقله الرازي ثم أضاف إليه في تأويل ﴿عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ كون الإنسان من علقة وهي أخس الأشياء ثم صيرورته عالما والعلم أشرف المراتب ثم أوردت الدكتورة عائشة قول أبي حيان وعقبت على هذه الأقوال بقوله: "وكل هذا مما يمكن أن يقال، وليس هو على أي حال بأبعد مما ابتدعه محدثون اتجهوا بهذه الآية إلى مجال البحث في علم الأجنة والتمسوا المراجع الأجنبية لعلماء الفسيولوجيا والبيولوجيا لفهم آية نزلت على النبي الأمي في قوم أميين لم يسمعوا قط ولا سمع عصرهم بعلم الأجنة، وغير متصور أن يكون القرآن الكريم قدم لهم من آيات ربوبية الخالق وقدرته ما لا سبيل لأحد منهم إلى تصوره فضلا عن فهمه وإدراكه.
وإنما فهموا من العلق ما تعرفه لغتهم وبيئتهم وعصرهم، والعربية قد استعملت العلق ماديًّا في كل ما يعلق وينشب: كالدم، والمحور الذي تعلق عليه البكرة، وعلقت المرأة: حملت، ومعنويا في العلاقة تنشب بين إثنين حبًّا أو بغضًا وفي الصلة تربط بينهما.
ولم يكونوا في حاجة إلى درس في علم الأجنة أو مراجعة كتاب في المكتبة الأميركية التي ظهرت بعدهم بقرون؛ ليفهموا آية خلق هذا الإنسان من علق في أرحام الأمهات وهم الذين ألفوا استعمال: علقت المرأة، بمعنى حملت.
واستعمال العلق هنا، جمع علقة، إيذان بما ذهبنا إليه من إطلاق في عموم لفظ الإنسان.
стр. 982
ولا يشير السياق إلى أن القصد من: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ توجيه المصطفى ومن يؤمنون برسالته إلى النظر في علم الأجنة، وإنما هي آية الله في هذا الإنسان؛ خلقه من علق وخصه بالعلم، واحتمل أمانة التكليف، فازدهاه الغرور وأطغاه الشعور بوهم الاستغناء عن خالقه، فنسي أن إليه سبحانه الرجعى والمصير"١.
وتصف الدكتورة عائشة التفسير العلمي بأنه "بدعة" عند تناولها بالتفسير لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه﴾ ٢ حيث تقول: "وجاء محدثون ببدعة التفسير العلمي فذهبوا إلى أنها الذرة التي اكتشف العلم سرها في القرن العشرين!!
ثم علقت على هذا قائلة: "والواقع أن مثل هذا التحديد ليس مراد، القرآن ولا هو من مألوف بيانه. والعربية قد عرفت الذر في كل ما يمثل الضآلة والصغر وخفة الوزن؛ تقول: ذررت الملح والدقيق والفتات: نثرته بأطراف الأصابع والذر الهباء يُرى في شعاع الشمس وبولغ في وصف تناثر النمل الصغير المنبث فقيل: ذر، وفي لسان العرب نص صريح على أن "الذرة ليس لها وزن"؛ لفرط صغرها وخفتها.
ونؤثر أن نفهمها في ضوء هذا الحس اللغوي وعلى هدى البيان القرآني دون تكلف لتقدير الأوزان والأحجام والألوان وما فهم العرب الذين بعث فيهم رسول منهم من قوله تعالى: ﴿مِثْقَالُ ذَرَّةٍ﴾ إلا أنه التناهي في الضآلة والخفة والصغر، حتى ليكون من الهباء الذي لا وزن له.
وهو ما يتلاءم ماديًّا وفنيًّا مع جو الموقف ونسق السياق من الزلزلة والانفجار والتفتيت والتشتيت فهم يخرجون أثقالا ويصدرون أشتاتا ويرون أعمالهم مثقال ذرة من خير أو شر"٣.
стр. 983
ولعل فيما ذكرناه ما يظهر حقيقة موقفها من التفسير العلمي ترفضه كل الرفض وتذمه كل الذم؛ لأنه يخالف قواعد وأصول منهجها الأدبي ولا شك أنها وفَّقَها الله قد تطرفت في الرفض دفعها إلى ذلك فيما أحسب تطرف خصومها في التفسير العلمي والحق وسط بينها وبينهم، وقد أفردناه بدراسة خاصة في حديثنا عن المنهج العلمي التجريبي ولا نرى موجبا لإعادته هنا، فلينظر هناك.
سابعًا- التفسير الموضوعي:
لا شك أن الأسس -أي أسس- ليست على درجة واحدة دائما فقد يكون بينها تباين في القيمة، وإن استوت في النوع، وإذا نظرنا إلى أسس منهج التفسير البياني فإنا ولا شك نرى أن أهم هذه الأسس اثنان:
١- الاستقراء للمفردات.
٢- التفسير الموضوعي.
وللتناول الموضوعي عند الدكتورة عائشة منزلته أيضا بل عدته في مقدمة تفسيرها الأصل الذي يقوم عليه المنهج في التفسير قالت: "والأصل في منهج التفسر الأدبي -كما تلقيته عن أستاذي- هو التناول الموضوعي الذي يفرغ لدراسة الموضوع الواحد فيه فيجمع كل ما في القرآن عنه، ويهتدي بمألوف استعماله لألفاظ والأساليب بعد تحديد الدلالة اللغوية لكل ذاك واتجه بمحاولتي اليوم إلى تطبيق المنهج في تفسير بعض سور قصار ملحوظ فيها وحدة الموضوع فضلا عن كونها من السور المكية حيث العناية بالأصول الكبرى للدعوة الإسلامية"١.
لكن هل التزمت الدكتورة عائشة هذا الأصل الذي دعت إليه؟ سجل مخالفتها لهذا الدكتور عفت الشرقاوي ومن بعده الدكتور محمد إبراهيم شريف فقال الأول ونقل عنه الثاني: "ولقد نلاحظ أن المؤلفة قد خالفت أستاذها
стр. 984
فلم ترتبط بفكرة الموضوع التي طال دعوته إليها، ولو فعلت لكان أمامها فسحة من الدراسات المنتجة الخصبة ذلك أن التحديد الموضوعي يسعف على تنبُّه دقيق إلى الدلالات المستخدمة في الموضوع، وعلى كل حال فإن المؤلفة فسرت هذه السور القصار، فلم تبعد كثيرا عن التفسير الموضوعي؛ لأن الوحدة الموضوعية ملحوظة في كل سورة على حدة إلى حد ما، وفوق ذلك فإن تفسير السور يفتح مجالات أخرى أمام المفسر، قد تختلف عن الدراسة الموضوعية، ومن ذلك مثلا مسألة المناسبة بين الآيات وملاحظة السياق في السورة الواحدة"١.
وكان من ذلك ما قدمته الدكتورة عائشة في تفسير سورة العاديات حيث قالت: وتبدأ بعرض صورة مثيرة لغارة عنيفة مفاجئة، تباغت القوم صبحا فلا ينتبهون إليها إلا وقد توسطت جمعهم فبعثرتهم وسط عاصفة من النقع المثار.
وتقع هذه الصورة العنيفة بعد واو القسم لافتة إلى ما عهد القوم من مثل تلك الغارات المفاجئة المصبحة، وما تحدث من بعثرة وحيرة
وارتباك ثم تأتي بعدها صورة أخرى لغيب غير مشهود، ولكنه واقع حتما ذلك هو البعث يفجأ على غير موعد فإذا هم في حيرة وبعثرة وارتباك، وقد لفظتهم القبور لليوم الآخر كالفراش المبثوث، وإذا كل ما في صدورهم قد حصل لم تفلت منه خافية مضمرة، مطوية في أعماق الصدور ومستكن الضمير.
وفي كل لفظ من الصورة٢ بل في كل حرف منها سره البياني الرائع فيما قصد إليه القرآن من إحضار مشهد ليوم البعث شاخصا مجسما، وتأكيد وقوعه، والإنذار بما ينتظر الإنسان فيه من حساب دقيق عسير"٣.
هذا مثل من الأمثلة القليلة لتطبيق التناول الموضوعي في التفسير عند الدكتورة عائشة.
стр. 985
رأيي في تفسيرها:
ذكرت أثناء عرض أسس منهجها بعض المخالفات للمنهج أو الأخطاء التي أحسب أن الدكتورة عائشة قد وقعت فيها، ولعلي أذكر هنا الملاحظات العامة.
فمنها ما سبق أيضا أن أشرت إليه وإلى صوره إجمالا ووعدت بضرب الأمثلة فيما بعد وهذا أوان إنفاذ الوعد.
قلت هناك إن من عيوبها -وجلَّ من لا عيب فيه- اعتدادها الشديد بآرائها وذكرت له أربع صور:
أولها: إنها تتيه بما وصلت إليه من معنى لكلمة قرآنية على المفسرين.
والأمثلة على هذا كثيرة منها قولها: "هذا ما نطمئن إليه في التفسير البياني للقسم بالضحى والليل إذا سجى، ولا أعرف -فيما قرأت- أحدا من المفسرين التفت إلى هذا الملحظ التفاتا واضحا متميزا، وإن يكن بعضهم قد استشرف له من بعيد، لكن وسط حشد من تأويلات شتى، لا تخلو من تكلف وإغراب"١.
وفي موضع آخر تقول: "ولا أعرف أحدا من المفسرين أو البلاغيين التفت إلى إطراد هذه الظاهرة الأسلوبية في القرآن مع وضوحها إلى درجة العمد والإصرار"٢ قالت هذا في طبعة تفسيرها الأولى ولما أعادت طبعه عدلت العبارة إلى: "وقد شغل أكثر المفسرين والبلاغيين بتأويل الفاعل عن الالتفات إلى اطِّراد هذه الظاهرة الأسلوبية في هذا الموقف مع وضوحها إلى درجة العمد والإصرار، وسرها البياني دقيق جليل"٣.
وثانيها: أنها تقلل بصيغ شتى من شأن المفسرين السابقين وتفسيرهم