نسبه بعضهم إلى جده، فقال: "محمد بن بشر" وسماه بعضهم "حماد بن السائب" وكناه بعضهم "أبا النضر"، وكناه بعضهم "أبا سعيد"، وكناه بعضهم "أبا هشام"، فصار يظن أنه جماعة، وهو واحد.
ب- مثال قلة رواية الراوي، وقلة من روى عنه:
"أبو العُشَرَاء الدارمي" من التابعين، لم يرو عنه غير حماد بن سلمة.
ج- مثال عدم التصريح باسمه: قول الراوي: أخبرني فلان، أو شيخ، أو رجل، أو نحو ذلك.
٤- تعريف المجهول:
هو من لم تعرف عينه، أو صفته.
ومعنى ذلك أنه الراوي الذي لم تعرف ذاته أو شخصيته، أو عرفت شخصيته، ولكن لم يعرف عن صفته شيء. أي لم يعرف عن عدالته وضبطه شيء.
٥- أنواع المجهول:
يمكن أن يقال: إن أنواع المجهول ثلاثة، وهي:
أ- مجهول العين:
١- تعريفه: هو من ذكر اسمه، ولكن لم يروِ عنه إلا راوٍ واحد.
стр. 142
٢- حكم روايته: عدم القبول، إلا إذا وُثِّقَ.
٣- كيف يوثق: بأحد أمرين:
أ- إما أن يوثقه غير من روى عنه.
ب- وإما أن يوثقه من روى عنه، بشرط أن يكون من أهل الجرح والتعديل.
٤- هل لحديثه اسم خاص؟ ليس لحديثه اسم خاص، وإنما حديثه من نوع الضعيف.
ب- مجهول الحال: "ويسمى المستور"
١- تعريفه: هو من روى عنه اثنان فأكثر، لكن لم يوثق.
٢- حكم روايته: الرد، على الصحيح الذي قاله الجمهور.
٣- هل لحديثه اسم خاص؟ ليس لحديثه اسم خاص، وإنما حديثه من نوع الضعيف.
جـ- المبهم: ويمكن أن نعد المبهم من أنواع المجهول، وإن كان علماء الحديث قد أطلقوا عليه اسما خاصا، لكن حقيقته تشبه حقيقة المجهول.
١- تعريفه: هو من لم يصرح باسمه في الحديث.
٢- حكم روايته: عدم القبول، حتى يصرح الراوي عنه باسمه، أو يعرف اسمه بوروده من طريق آخر مصرحًا فيه باسمه.
وسبب رد روايته جهالة عينه؛ لأن من أبهم اسمه
стр. 143
جهلت عينه، وجهلت عدالته من باب أولى، فلا تقبل روايته.
٣- لو أبهم بلفظ التعديل، فهل تقبل روايته، وذلك مثل أن يقول الراوي عنه: "أخبرني الثقة".
والجواب: أنه لا تقبل روايته أيضا على الأصح؛ لأنه قد يكون ثقة عنده، غير ثقة عند غيره.
٤- هل لحديثه اسم خاص؟ نعم، لحديثه اسم خاص، هو "المبهم" والحديث المبهم هو الحديث الذي فيه راوٍ لم يصرح باسمه، قال البيقوني في منظومته: "ومبهم ما فيه راوٍ لم يسم".
٦- أشهر المصنفات في أسباب الجهالة:
أ- كثرة نعوت الراوي: صنف فيها الخطيب كتاب "موضح أوهام الجمع والتفريق".
ب- قلة رواية الراوي: صنف فيها كتب سميت "كتب الوحدان" أي الكتب المشتملة على من لم يروِ عنه إلا واحد، ومن هذه الكتب "الوحدان" للإمام مسلم.
جـ- عدم التصريح باسم الراوي: وصنف فيه كتب "المبهمات" مثل كتاب "الأسماء المبهمة في الأنباء المحكمة" للخطيب البغدادي. وكتاب "المستفاد من مبهمات المتن والإسناد" لولي الدين العراقي.
стр. 144
البدعة ١:
١- تعريفها:
أ- لغة: هي مصدر، من "بدع" بمعنى "أنشأ" كابتدع، كما في القاموس.
ب- اصطلاحا: الحدث في الدين بعد الإكمال، أو ما استحدث بعد النبي ﷺ من الأهواء والأعمال.
٢- أنواعها:
البدعة نوعان:
أ- بدعة مكفرة: أي يكفر صاحبها بسببها، كأن يعتقد ما يستلزم الكفر. والمعتمد أن الذي ترد روايته من أنكر أمرا متواترا من الشرع معلوما من الدين بالضرورة، أو من اعتقد عكسه٢.
ب- بدعة مفسقة: أي يفسق صاحبها بسببها، وهو من لا تقتضي بدعته التكفير أصلا.
٣- حكم رواية المبتدع:
أ- إن كانت بدعته مكفرة: ترد روايته.
ب- وإن كانت بدعته مفسقة: فالصحيح الذي عليه الجمهور أن روايته تقبل بشرطين:
стр. 145
١- ألا يكون داعية إلى بدعته.
٢- وألا يروي ما يروج بدعته.
٤- هل لحديث المبتدع اسم خاص؟:
ليس لحديث المبتدع اسم خاص به، وإنما حديثه من نوع المردود، كما عرفت، ولا يقبل إلا بالشروط التي ذكرت آنفا.
стр. 146
سوء الحفظ ١:
١- تعريف سيئ الحفظ:
هو من لم يرجح جانب إصابته على جانب خطئه٢.
٢- أنواعه:
سيئ الحفظ نوعان، وهما:
أ- إما أن ينشأ سوء الحفظ معه من أول حياته، ويلازمه في جميع حالاته، ويسمى خبره الشاذ على رأي بعض أهل الحديث.
ب- وأما أن يكون سوء الحفظ طارئا عليه، إما لكبره، أو لذهاب بصره، أو لاحتراق كتبه. فهذا يسمى "المختلط".
٣- حكم روايته:
أ- أما الأول: وهو من نشأ على سوء الحفظ، فروايته مردودة.
ب- وأما الثاني: أي المختلط، فالحكم في روايته التفصيل الآتي:
١- فما حدَّث به قبل الاختلاط، وتميز ذلك: فمقبول.
٢- وما حدَّث به بعد الاختلاط: فمردود.
٣- وما لم يتميز أنه حدث به قبل الاختلاط أو بعده: توقف فيه حتى يتميز.
стр. 147
الفصل الثالث: خبر الأحاد المشترك بين المقبول والمردود:
المبحث الأول: تقسيم الخبر بالنسبة إلى من أسند إليه:
١- الحديث القدسي:
١- تعريفه:
أ- لغة: القدسي: نسبة إلى "القدس" أي الطهر، كما في القاموس١. أي الحديث المنسوب إلى الذات القدسية، وهو الله .
ب- اصطلاحا: هو ما نقل عن النبي ﷺ ، مع إسناده إياه إلى ربه عز وجل٢.
٢- الفرق بينه وبين القرآن:
هناك فروق كثيرة، أشهرها ما يلي:
أ- أن القرآن لفظه ومعناه من الله تعالى. والحديث القدسي معناه من الله، ولفظه من عند النبي ﷺ .
ب- أن القرآن يتعبد بتلاوته. والحديث القدسي لا يتعبد بتلاوته.
ج- أن القرآن يشترط في ثبوته التواتر. والحديث القدسي لا يشترط في ثبوته التواتر.
٣- عدد الأحاديث القدسية:
والأحاديث القدسية ليست بكثيرة بالنسبة لعدد الأحاديث النبوية. وعددها حوالي مائتي حديث.
стр. 148
٤- مثاله:
ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي ذر ﵁، عن النبي ﷺ ، فيما روى عن الله ﵎ أنه قال: "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرما، فلا تظالموا ... " ١.
٥- صِيَغُ روايته:
لراوي الحديث القدسي صيغتان يروي الحديث بأيهما شاء، وهما:
أ- قال رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه .
ب- أو قال الله تعالى، فيما رواه عنه رسوله ﷺ .
٦- أشهر المصنفات فيه:
"الإتحافات السنية بالأحاديث القدسية". لعبد الرءوف المناوي. جمع فيه ٢٧٢ حديثا.
стр. 149
٢- المرفوع:
١- تعريفه:
أ- لغةً: اسم مفعول من فعل "رفع" ضد "وضع" كأنه سمي بذلك؛ لنسبته إلى صاحب المقام الرفيع، وهو النبي ﷺ .
ب- اصطلاحًا: هو ما أضيف إلى النبي ﷺ من قول، أو فعل، أو تقرير، أو صفة١.
٢- شرح التعريف:
أي هو ما نسب أو ما أسند إلى النبي ﷺ ، وسواء كان هذا المضاف قولا للنبي ﷺ ، أو فعلا، أو تقريرا، أو صفة، وسواء كان المضيف هو الصحابي، أو من دونه، متصلًا كان الإسناد، أو منقطعًا، فيدخل في المرفوع الموصول، والمرسل، والمتصل، والمنقطع، هذا هو المشهور في حقيقته، وهناك أقوال أخرى في حقيقته وتعريفه.
٣- أنواعه:
يتبين من التعريف أن أنواع المرفوع أيضا، وهي:
أ- المرفوع القولي.
ب- المرفوع الفعلي.
جـ- المرفوع التقريري.
стр. 150
د- المرفوع الوصفي.
٤- أمثلة:
أ- مثال المرفوع القولي: أن يقول الصحابي أو غيره: "قال رسول الله ﷺ كذا ... ".
ب- مثال المرفوع الفعلي: أن يقول الصحابي أو غيره: "فعل رسول الله ﷺ كذا ... ".
جـ- مثال المرفوع التقريري: أن يقول الصحابي أو غيره: "فُعِلَ بحضرة النبي ﷺ كذا" ولا يروي إنكاره لذلك الفعل.
د- مثال المرفوع الوصفي: أن يقول الصحابي أو غيره: "كان رسول الله ﷺ أحسن الناس خُلُقا".
стр. 151
٣- الموقوف:
١- تعريفه:
أ- لغة: اسم مفعول، من "الوقف". كان الراوي وقف بالحديث عند الصحابي، ولم يتابع سرد باقي سلسلة الإسناد.
ب- اصطلاحا: هو ما أضيف إلى الصحابي من قول، أو فعل، أو تقرير١.
٢- شرح التعريف:
أي هو ما نسب أو أسند إلى صحابي، أو جمع من الصحابة؛ سواء كان هذا المنسوب إليهم قولا، أو فعلا، أو تقريرا، وسواء كان السند إليهم متصلا، أو منقطعا.
٣- أمثلة:
أ- مثال الموقوف القولي: قول الراوي، قال علي بن أبي طالب ﵁: "حدِّثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله"٢.
ب- مثال الموقوف الفعلي: قول البخاري: "وأَمَّ ابنُ عباس وهو متيمم"٣.
стр. 152
جـ- مثال الموقوف التقريري: قول بعض التابعين: "فعلت كذا أمام أحد الصحابة ولم ينكر علي".
٤- استعمال آخر له:
يستعمل اسم الموقوف فيما جاء عن غير الصحابة، لكن مقيدا. فقال مثلا: "هذا حديث وقفه فلان على الزهري، أو على عطاء"١، ونحو ذلك.
٥- اصطلاح فقهاء خراسان:
يسمي فقهاء خراسان:
أ- المرفوع: خبرا.
ب- والموقوف: أثرا.
أما المحدثون فيسمون كل ذلك "أثرا"؛ لأنه مأخوذ من "أثرت الشيء" أي رويته.
٦- فروع تتعلق بالمرفوع حكما:
هناك صور من الموقوف في ألفاظها وشكلها، لكن المدقق في حقيقتها يرى أنها بمعنى الحديث المرفوع، لذا أطلق عليها العلماء اسم "المرفوع حكما" أي أنها من الموقوف لفظا، المرفوع حكما.
стр. 153
ومن تلك الصور:
أ- أن يقول الصحابي -الذي لم يعرف بالأخذ عن أهل الكتاب- قولا لا مجال للاجتهاد فيه، ولا له تعلق ببيان لغة، أو شرح غريب، مثل:
١- الإخبار عن الأمور الماضية؛ كبدء الخلق.
٢- أو الإخبار عن الأمور الآتية؛ كالملاحم، والفتن، وأحوال يوم القيامة.
٣- أو الإخبار عما يحصل بفعله ثواب مخصوص، أو عقاب مخصوص؛ كقوله: من فعل كذا فله من أجر كذا.
ب- أو يفعل الصحابي ما لا مجال للاجتهاد فيه؛ كصلاة علي ﵁ صلاة الكسوف في كل ركعة أكثر من ركوعين.
ج- أو يخبر الصحابي أنهم كانوا يقولون أو يفعلون كذا، أو لا يرون بأسا بكذا.
١- فإن أضافه إلى زمن النبي ﷺ ، فالصحيح أنه مرفوع؛ كقول جابر: "كنا نعزل على عهد رسول الله ﷺ "١.
стр. 154
٢- وإن لم يضفه إلى زمنه فهو موقوف عند الجمهور؛ كقول جابر: "كنا إذا صعدنا كبرنا، وإذا نزلنا سبحنا"١.
د- أو يقول الصحابي: "أمرنا بكذا، أو نهينا عن كذا، أو من السنة كذا". مثل قول بعض الصحابة: "أمر بلال أن يشفع الأذان، ويوتر الإقامة"٢. وكقول أم عطية: "نهينا عن اتباع الجنائز، ولم يعزم علينا"٣. وكقول أبي قلابة عن أنس: "من السنة إذا تزوج البكر على الثيب أقام عندها سبعا"٤.
هـ- أو يقول الراوي في الحديث عند ذكر الصحابي بعض هذه الكلمات الأربع، وهي: "يرفعه، أو يَنْمِيه، أو يبلغ به، أو روايةً" كحديث الأعرج، عن أبي هريرة رواية: "لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوما صغار الأعين" ٥.
و أو يفسر الصحابي تفسيرا له تعلق بسبب نزول آية: كقول جابر: "كانت اليهود تقول: من أتى امرأته من دبرها في
стр. 155
قُبُلِهَا جاء الولدُ أحولَ، فأنزل الله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ ... الآية"١.
٧- هل يحتج بالموقوف؟:
الموقوف -كما عرفت- قد يكون صحيحا، أو حسنا، أو ضعيفا، لكن حتى لو ثبت صحته فهل يجب العمل به؟
والجواب عن ذلك أن الأصل في الموقوف عدم وجوب العمل به؛ لأنه أقوال وأفعال لصحابة، لكنها إن ثبتت فإنها تقوي بعض الأحاديث الضعيفة؛ كما مر في المرسل؛ لأن حال الصحابة كان هو العمل بالسنة، وهذا إذا لم يكن له حكم المرفوع، أما إذا كان من الذي له حكم المرفوع فهو حجة يجب العمل به كالمرفوع.
стр. 156
٤- المقطوع:
١- تعريفه:
أ- لغة: اسم مفعول، من "قطع" ضد "وصل".
ب- اصطلاحا: هو ما أضيف إلى التابعي أو من دونه من قول أو فعل١.
٢- شرح التعريف:
أي هو ما نسب أو أسند إلى التابعي، أو تابع التابعي، فمن دونه، من قول، أو فعل. والمقطوع غير المنقطع؛ لأن المقطوع من صفات المتن، والمنقطع من صفات الإسناد، أي أن الحديث المقطوع من كلام التابعي فمن دونه، وقد يكون السند متصلا إلى ذلك التابعي. على حين أن المنقطع يعني أن إسناد ذلك الحديث غير متصل، ولا تعلق له بالمتن.
٣- أمثلة:
أ- مثال المقطوع القولي: قول الحسن البصري في الصلاة خلف المبتدع: "صلِّ وعليه بدعته"٢.
ب- مثال المقطوع الفعلي: قول إبراهيم بن محمد بن المنتشر:
стр. 157
"كان مسروق يرخي الستر بينه وبين أهله، ويقبل على صلاته، ويخليهم ودنياهم"١.
٤- حكم الاحتجاج به:
المقطوع لا يحتج به في شيء من الأحكام الشرعية. أي ولو صحت نسبته لقائله؛ لأنه كلام أحد المسلمين أو فعلهم، لكن إن كانت هناك قرينة تدل على رفعه، كقول بعض الرواة -عند ذكر التابعي: "يرفعه" مثلا، فيعد عندئذ له حكم المرفوع المرسل.
٥- إطلاقه على المنقطع:
أطلق بعض المحدثين -كالشافعي والطبراني- لفظ "المقطوع" وأرادوا به "المنقطع" أي الذي لم يتصل إسناده، وهو اصطلاح غير مشهور.
وقد يُعتذر للشافعي بأنه قال ذلك قبل استقرار الاصطلاح، أما الطبراني فإطلاقه ذلك يعد تجوزا في الاصطلاح.
٦- من مظنات الموقوف والمقطوع:
أ- مصنف ابن أبي شيبة.
ب- مصنف عبد الرزاق.
ج- تفاسير ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن المنذر.
стр. 158
المبحث الثاني: أنواع أخرى مشتركة بين المقبول والمردود:
١- المسند:
١- تعريفه:
أ- لغة: اسم مفعول، من "أسند" بمعنى أضاف، أو نسب.
ب- اصطلاحا: ما اتصل سنده مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم١.
٢- مثاله:
ما أخرجه البخاري قال: "حدثنا عبد الله بن يوسف، عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: إن رسول الله ﷺ قال: "إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا" ٢.
فهذا حديث اتصل سنده من أوله إلى منتهاه، وهو مرفوع إلى النبي ﷺ .
стр. 159
٢- المتصل:
١- تعريفه:
أ- لغة: اسم فاعل، من "اتصل" ضد "انقطع" ويسمى هذا النوع بـ"الموصول" أيضا.
ب- اصطلاحا: ما اتصل سنده؛ مرفوعا كان أو موقوفا على من كان١.
٢- مثاله:
أ- مثال المتصل المرفوع: "مالك، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ أنه قال: كذا ... "
ب- مثال المتصل الموقوف: "مالك، عن نافع، عن ابن عمر، أنه قال: كذا ... ".
٣- هل يسمى قول التابعي متصلا؟
قال العراقي: "وأما أقوال التابعي -إذا اتصلت الإسانيد إليهم فلا يسمونها متصلة في حالة الإطلاق؛ أما مع التقييد فجائز وواقع في كلامهم، كقولهم: هذا متصل إلى سعيد بن المسيب، أو إلى الزهري، أو إلى مالك، ونحو ذلك. قيل: والنكتة في ذلك أنها تسمى "مقاطيع" فإطلاق المتصل عليها كالوصف لشيء واحد بمتضادين لغة".
стр. 160
٣- زيادات الثقات:
١- المراد بزيادات الثقات:
الزيادات: جمع زيادة، والثقات: جمع ثقة، والثقة: هو العدل الضابط. والمراد بزيادة الثقة: ما نراه زائدا من الألفاظ في رواية بعض الثقات لحديث ما، عما رواه الثقات الآخرون لذلك الحديث.
٢- أشهر من اعتنى بها:
هذه الزيادات من بعض الثقات في بعض الأحاديث لَفَتَتْ أنظار بعض العلماء، فتتبعوها واعتنوا بجمعها ومعرفتها، وممن اشتهر بذلك هؤلاء الأئمة، وهم:
أ- أبو بكر عبد الله بن محمد بن زياد النيسابوري.
ب- أبو نعيم الجرجاني.
جـ- أبو الوليد حسان بن محمد القرشي.
٣- مكان وقوعها:
تقع الزيادة في المتن، كما تقع في السند.
أ- أما في المتن: فتكون بزيادة كلمة أو جملة.
ب- وأما في الإسناد: فتكون برفع موقوف، أو وصل مرسل.
٤- حكم الزيادة في المتن:
أما الزيادة في المتن فقد اختلف العلماء في حكمها على أقوال:
أ- فمنهم من قبلها مطلقا.
стр. 161
ب- ومنهم من رَدَّهَا مطلقا.
جـ- ومنهم من ردَّ الزيادة من راوي الحديث الذي رواه أولا بغير زيادة، وقبلها من غيره١.
وقد قسم ابن الصلاح الزيادة بحسب قبولها وردها إلى ثلاثة أقسام، وهو تقسيم حسن، وافقه عليه النووي وغيره، وهذا التقسيم هو:
أ- زيادة ليس قبلها منافاة لما رواه الثقات أو الأوثق، فهذه حكمها القبول؛ لأنها كحديث تفرد برواية جملته ثقة من الثقات.
ب- زيادة منافية لما رواه الثقات أو الأوثق، فهذه حكمها الرد، كما سبق في الشاذ.
جـ- زيادة فيها نوع منافاة لما رواه الثقات أو الأوثق، وتنحصر هذه المنافاة في أمرين:
١- تقييد المطلق.
٢- تخصيص العام.
وهذا التقسيم سكت عن حكمه ابن الصلاح، وقال عنه النووي: "والصحيح قبول هذا الأخير"٢.
стр. 162
٥- أمثلة للزيادة في المتن:
أ- مثال الزيادة التي ليس فيها منافاة:
ما رواه مسلم١ من طريق علي بن مسهر، عن الأعمش، عن أبي زرين وأبي صالح، عن أبي هريرة، ﵁، من زيادة كلمة "فَلْيُرِقْهُ" في حديث ولوغ الكلب، ولم يذكرها سائر الحفاظ من أصحاب الأعمش، وإنما رووه هكذا: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرار"، فتكون هذه الزيادة كخبر تفرد به علي بن مسهر، وهو ثقة، فتقبل تلك الزيادة.
ب- مثال للزيادة المنافية:
زيادة "يوم عرفة" في حديث: "يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام، وهي أيام أكل وشرب"؛ فإن الحديث من جميع طرقه بدونها، وإنما جاء بها موسى بن علي بن رباح، عن أبيه، عن عقبة بن عامر، والحديث أخرجه الترمذي وأبو داود وغيرهما.
ج- مثال للزيادة التي فيها نوع منافاة:
ما رواه مسلم من طريق أبي مالك الأشجعي، عن ربعي، عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ : " ... وجعلت لنا الأرض كلها مسجدًا، وجعلت تربتها لنا
стр. 163
طهورا"، فقد تفرد أبو مالك الأشجعي بزيادة "تربتها" ولم يذكرها غيره من الرواة، وإنما رووا الحديث هكذا: "وجعلت لنا الأرض مسجدا وطهورا" ١.
٦- حكم الزيادة في الإسناد:
أما الزيادة في الإسناد، فتنصب هنا على مسألتين رئيسيتين يكثر وقوعهما، وهما: تعارض الوصل من الإرسال، وتعارض الرفع مع الوقف، أما باقي صور الزيادة في الإسناد فقد أفرد العلماء لها أبحاثا خاصة، مثل "المزيد في متصل الأسانيد".
هذا وقد اختلف العلماء في قبول الزيادة، وردها على أربعة أقوال، وهي:
أ- الحكم لمن وصله أو رفعه "أي قبول الزيادة" وهو قول جمهور الفقهاء والأصوليين٢.
ب- الحكم لمن أرسله أو وقفه "أي رد الزيادة"، وهو قول أكثر أصحاب الحديث.
ج- الحكم للأكثر: وهو قول بعض أصحاب الحديث.
د- الحكم للأحفظ: وهو قول بعض أصحاب الحديث.
ومثاله: حديث: "لا نكاح إلا بولي"، فقد رواه يونس بن أبي إسحاق السبيعي، وابنه إسرائيل وقيس بن الربيع، عن أبي إسحاق
стр. 164
مسندا متصلا، ورواه سفيان الثوري، وشعبة بن الحجاج، عن أبي إسحاق مرسلا١.
стр. 165
٤- الاعتبار والمتابع والشاهد:
١- تعريف كل منها:
أ- الاعتبار:
١- لغة: مصدر "اعتبر" ومعنى الاعتبار: النظر في الأمور؛ ليعرف بها شيء آخر من جنسها.
٢- اصطلاحا: هو تتبع طرق حديث انفرد بروايته راوٍ واحد؛ ليعرف هل شاركه في روايته غيره أم لا.
ب- المتابع: ويسمى التابع:
١- لغة: هو اسم فاعل من "تابع" بمعنى وافق.
٢- اصطلاحا: هو الحديث الذي يشارك فيه رواته رواة الحديث الفرد لفطا ومعنى، أو معنى فقط، مع الاتحاد في الصحابي.
ج- الشاهد:
١- لغة: اسم فاعل من "الشهادة"؛ وسمي بذلك لأنه
стр. 166
يشهد أن للحديث الفرد أصلا، ويقويه، كما يقوي الشاهد قول المدعي، ويدعمه.
٢- اصطلاحا: هو الحديث الذي يشارك فيه رواته رواة الحديث الفرد لفظا ومعنى، أو معنى فقط، مع الاختلاف في الصحابي.
٢- الاعتبار ليس قسيما للتابع والشاهد:
ربما يتوهم شخص أن الاعتبار قسيم للتابع والشاهد، لكن الأمر ليس كذلك، وإنما الاعتبار هو هيئة التوصل إليهما، أي هو طريقة البحث والتفتيش عن التابع والشاهد.
٣- اصطلاح آخر للتابع والشاهد:
ما ذكر من تعريف التابع والشاهد هو الذي عليه الأكثر، وهو المشهور، لكن هناك تعريف آخر لهما وهو:
أ- التابع: أن تحصل المشاركة لرواة الحديث الفرد باللفظ، سواء اتَّحَدَ الصحابي أو اختلف.
ب- الشاهد: أن تحصل المشاركة لرواة الحديث الفرد بالمعنى، سواء اتَّحَدَ الصحابي أو اختلف. هذا وقد يطلق اسم أحدهما على الآخر، فيطلق اسم التابع على الشاهد، كما يطلق اسم الشاهد على التابع، والأمر سهل كما قال
стр. 167
الحافظ ابن حجر١؛ لأن الهدف منهما واحد، وهو تقوية الحديث بالعثور على رواية أخرى للحديث.
٤- المتابعة:
أ- تعريفها:
١- لغة: المتابعة لغة: مصدر "تابع" بمعنى "وافق" فالمتابعة إذن: الموافقة.
٢- اصطلاحا: أن يشارك الراوي غيره في رواية الحديث.
ب- أنواعها: والمتابعة نوعان.
١- متابعة تامة: وهي أن تحصل المشاركة للراوي من أول الإسناد.
٢- متابعة قاصرة: وهي أن تحصل المشاركة للراوي في أثناء الإسناد.
٥- أمثلة:
سأذكر مثالا واحد مثل به الحافظ ابن حجر٢، فيه المتابعة التامة، والمتابعة القاصرة، والشاهد، وهو:
ما رواه الشافعي في الأم، عن مالك، عن عبد الله بن دينار،
стр. 168
عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: "الشهر تسع وعشرون، فلا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غُمَّ عليكم فأكملوا العدة ثلاثين".
فهذا الحديث بهذا اللفظ، ظن قوم أن الشافعي تفرد به عن مالك، فعدوه في غرائبه؛ لأن أصحاب مالك رووه عنه بهذا الإسناد، وبلفظ: "فإن غُمَّ عليكم فاقدروا له" لكن بعد الاعتبار وجدنا للشافعي: متابعة تامة، ومتابعة قاصرة، وشاهدًا.
أ- أما المتابعة التامة: فما رواه البخاري عن عبد الله بن مسلمة القعنبي، عن مالك، بالإسناد نفسه، وفيه: "فإن غُمَّ عليكم فأكملوا العدة ثلاثين".
ب- وأما المتابعة القاصرة: فما رواه ابن خزيمة من طريق عاصم بن محمد، عن أبيه محمد بن زيد، عن جده عبد الله بن عمر، بلفظ: "فكمِّلوا ثلاثين".
ج- وأما الشاهد: فما رواه النسائي من رواية محمد بن حنين، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال، وفيه: "فإن غُمَّ عليكم فأكملوا العدة ثلاثين".
стр. 169
الباب الثاني: صفة من تقبل روايته وما يتعلق بذلك من الجرح والتعديل
الفصل الأول: في الراوي، وشروط قبوله
...
الباب الثاني: صفة من تقبل روايته وما يتعلق بذلك من الجرح والتعديل
الفصل الأول: في الرواي، وشروط قبوله
١- مقدمة تمهيدية:
بما أن حديث رسول الله ﷺ يصلنا عن طريق الرواة، فهم الركيزة الأولى في معرفة صحة الحديث، أو عدم صحته، لذلك اهتم علماء الحديث بالرواة، وشرطوا لقبول روايتهم شروطا دقيقة محكمة تدل على بُعْدِ نظرهم وسداد تفكيرهم، وجودة طريقتهم.
وهذه الشروط التي اشترطوها في الراوي، والشروط الأخرى التي اشترطوها لقبول الحديث والأخبار، لم تتوصل إليها أي ملة من الملل، حتى في هذا العصر الذي يصفه أصحابه بالمنهجية والدقة؛ فإنهم لم يشترطوا في نقلة الأخبار الشروط التي اشترطها علماء المصطلح في الراوي، بل ولا أقل منها، فبعض الأخبار التي تتناقلها وكالات الأنباء الرسمية لا يوثق بها، ولا يركن إلى صدقها، وذلك بسبب رواتها المجهولين:
وما آفة الأخبار إلا رواتها
وكثيرا ما يظهر عدم صحة تلك الأخبار بعد مدة، بعد قليل.
٢- شروط قبول الراوي:
أجمع الجماهير من أئمة الحديث والفقه على أنه يشترط في الراوي شرطان أساسيان، هما:
стр. 170
أ- العدالة: ويعنون بها: أن يكون الراوي: مسلما، بالغا، عاقلا، سليما من أسباب الفسق، سليما من خوارم المروءة.
ب- الضبط: ويعنون به: أن يكون الراوي: غير مخالف الثقات، ولا سيئ الحفظ، ولا فاحش الغلط، ولا مغفلا، ولا كثير الأوهام.
٣- بم تثبت العدالة؟:
تثبت العدالة بأحد أمرين:
أ- إما بتنصيص معدِّلين عليها، أي أن ينص علماء التعديل أو واحد منهم عليها.
ب- وإما بالاستفاضة والشهرة، فمن اشتهرت عدالته بين أهل العلم، وشاع الثناء عليه كفاه ذلك، ولا يحتاج بعد ذلك إلى معدِّل ينص عليها، وذلك مثل الأئمة المشهورين، كالأئمة الأربعة، والسفيانين، والأوزاعي، وغيرهم.
٤- مذهب الحافظ ابن عبد البر في ثبوت العدالة:
رَأْيُ ابن عبد البر أن كل حامل علم معروف العناية به، محمول أمره على العدالة حتى يتبين جرحه، واحتج بحديث: "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين"١. وقوله هذا غير مرضِيٍّ عند
стр. 171
العلماء؛ لأن الحديث لم يصح، وعلى فرض صحته، فإن معناه "ليحمل هذا العلم من كل خلف عدوله"؛ بدليل أنه يوجد من يحمل هذا العلم وهو غير عدل.
٥- كيف يعرف ضبط الراوي؟:
يعرف ضبط الراوي بموافقته الثقات المتقنين في الرواية؛ فإن وافقهم في روايتهم غالبا فهو ضابط، ولا تضر مخالفته النادرة لهم، فإن كثرت مخالفته لهم اختل ضبطه، ولم يُحْتَجَّ به.
٦- هل يقبل الجرح والتعديل من غير بيان سببه؟:
أ- أما التعديل فيقبل مِنْ غير ذكر سببه على الصحيح المشهور؛ لأن أسبابه كثيرة يصعب حصرها؛ إذ يحتاج المعدل أن يقول مثلا: لم يفعل كذا، لم يرتكب كذا، أو يقول: هو يفعل كذا، ويفعل كذا، وهكذا ...
ب- أما الجرح فلا يقبل إلا مفسرا؛ لأنه لا يصعب ذكره، ولأن الناس يختلفون في أسباب الجرح، فقد يجرح أحدهم بما ليس بجارح. قال ابن الصلاح: "وهذا ظاهر مقرر في الفقه وأصوله، وذكر الخطيب الحافظ أنه مذهب الأئمة من حفاظ الحديث ونقاده، مثل البخاري ومسلم وغيرهما، ولذلك احتج البخاري بجماعة سبق من غيره الجرح لهم، كعكرمة، وعمرو بن مرزوق، واحتج مسلم بسويد بن سعيد، وجماعة اشتهر الطعن فيهم، وهكذا
стр. 172
فعل أبو داود. وذلك دالٌّ على أنهم ذهبوا إلى أن الجرح لا يثبت إلا إذا فسر سببه"١.
٧- هل يثبت الجرح والتعديل بقولِ واحدٍ؟:
أ- الصحيح أنه يثبت الجرح والتعديل بقولِ واحدٍ.
ب- وقيل: لا بد من اثنين، وهذا القول غير معتمد.
٨- اجتماع الجرح والتعديل في راوٍ واحد:
إذا اجتمع في راوٍ واحد الجرح والتعديل.
أ- فالمعتمد أنه يقدم الجرح إذا كان مفسَّرًا.
ب- وقيل: إن زاد عدد المعدلين على عدد الجارحين قدم التعديل، وهو قول ضعيف غير معتمد.
٩- حكم رواية العدل عن شخص:
أ- رواية العدل عن شخص لا تعد تعديلا له عند الأكثرين، وهو الصحيح، وقيل: هو تعديل.
ب- وعمل العالم وفتياه على وفق حديث ليس حكما بصحته، وليست مخالفته له قدحا في صحته، ولا في رواته.
وقيل: بل هو حكم بصحته، وصححه الآمدي وغيره من الأصوليين، وفي المسألة كلام طويل.
стр. 173
١٠- حكم رواية التائب من الفسق:
أ- تقبل رواية التائب من الفسق.
ب- ولا تقبل رواية التائب من الكذب في حديث رسول الله ﷺ ؛ وذلك زجرا له ولغيره.
١١- حكم رواية من أخذ على التحديث أجرًا:
أ- لا تقبل روايته عند البعض؛ كأحمد، وإسحاق، وأبي حاتم.
ب- وتقبل عند البعض الآخر؛ كأبي نعيم الفضل بن دكين.
ج- وأفتى أبو إسحاق الشيرازي لمن امتنع عليه الكسب لعياله بسبب التحديث بجواز أخذ الأجر.
١٢- حكم رواية من عرف بالتساهل، أو بقبول التلقين، أو كثرة السهو:
أ- لا تقبل رواية من عرف بالتساهل في سماعه، أو إسماعه؛ كمن لا يبالي بالنوم وقت السماع، أو يحدث من أصل غير مقابل.
ب- ولا تقبل رواية من عرف بقبول التلقين في الحديث، بأن يلقن الشيء، فيحدث به من غير أن يعلم أنه من حديثه.
ج- ولا تقبل رواية من عرف بكثرة السهو في روايته.
١٣- حكم رواية من حدَّث ونَسِيَ:
أ- تعريف من حدث ونسي:
هو ألا يذكر الشيخ رواية ما حدث به تلميذه عنه.
стр. 174
ب- حكم روايته:
١- الرد: إن نفاه نفيا جازما، بأن قال: ما رويته، أو هو يكذب علي، ونحو ذلك.
٢- القبول: إن تردد في نفيه، كأن يقول: لا أعرفه، أو لا أذكره، ونحو ذلك.
ج- هل يعد ردُّ الحديث قادحا في واحد منهما؟
لا يعد رد الحديث قادحا في واحد منهما؛ لأنه ليس أحدهما أولى بالطعن من الآخر.
د- مثاله:
ما رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، من رواية ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، "أن رسول الله ﷺ قضى باليمين مع الشاهد" قال عبد العزيز بن محمد الدراوردي: حدثني به ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن سهيل، فلقيت سهيلا، فسألته عنه، فلم يعرفه، فقلت: حدثني ربيعة عنك بكذا، فصار سهيل بعد ذلك يقول: حدثني عبد العزيز، عن ربيعة، عني أني حدثته عن أبي هريرة ﵁ مرفوعا بكذا ...
هـ- أشهر المصنفات فيه:
كتاب "أخبار من حدث ونسي" للخطيب البغدادي.
стр. 175
الفصل الثاني: فكرة عامة عن كتب الجرح والتعديل
بما أن الحكم على الحديث صحة وضعفًا مبنيٌّ على أمور، منها عدالة الرواة وضبطهم، أو الطعن في عدالتهم وضبطهم، لذلك قام العلماء بتصنيف الكتب التي فيها بيان عدالة الرواة وضبطهم منقولة عن الأئمة المعدلين الموثوقين، وهذا ما يسمى بـ "التعديل" كما بينوا في تلك الكتب الطعون الموجهة إلى عدالة بعض الراوة أو إلى ضبطهم وحفظهم، منقولة أيضا عن الأئمة غير المتعصبين، وهذا ما يسمى بـ "الجرح" ومن هنا أطلق على تلك الكتب "كتب الجرح والتعديل".
وهذه الكتب كثيرة ومتنوعة، فمنها المفردة لبيان الراوة الثقات، ومنها المفردة لبيان الضعفاء والمجروحين، ومنها كتب لبيان الرواة الثقات والضعفاء. ومن جهة أخرى فإن بعض هذه الكتب عام لذكر رواة الحديث، بغض النظر عن رجال كتاب أو كتب خاصة من كتب الحديث، ومنها ما هو خاص بتراجم رواة كتاب خاص أو كتب معينة من كتب الحديث.
هذا ويعد عمل علماء الجرح والتعديل في تصنيف هذه الكتب عملا رائعا مهمًّا جبارا؛ إذ قاموا بمسح دقيق لتراجم جميع رواة الحديث، وبيان الجرح أو التعديل الموجه إليهم أولا، ثم بيان من أخذوا عنه، ومن أخذ عنهم، وأين رحلوا، ومتى التقوا ببعض الشيوخ، وما إلى ذلك من تحديد زمنهم الذي عاشوا فيه بشكل لم يسبقوا إليه، بل لم تصل الأمم
стр. 176
المتحضرة في هذا العصر إلى قريب مما صنفه علماء الحديث، من وضع هذه الموسوعات الضخمة في تراجم الرجال ورواة الحديث، فحفظوا على مدى الأيام التعريف الكامل برواة الحديث ونقلته، فجزاهم الله عنا خيرا، وإليك بعض الأسماء لهذه الكتب:
١- التاريخ الكبير، للبخاري، وهو عام للرواة الثقات، والضعفاء.
٢- الجرح والتعديل، لابن أبي حاتم، كذلك هو عام للرواة الثقات والضعفاء، ويشبه الكتاب الذي قبله.
٣- الثقات، لابن حبان، كتاب خاص بالثقات.
٤- الكامل في الضعفاء، لابن عدي، وهو خاص بتراجم الضعفاء، كما هو ظاهر من اسمه.
٥- الكمال في أسماء الرجال، لعبد الغني المقدسي. كتاب عام، في الثقات والضعفاء، إلا أنه خاص برجال الكتب الستة.
٦- ميزان الاعتدال، للذهبي، كتاب خاص بالضعفاء والمتروكين "أي كل من جرح وإن لم يقبل الجرح فيه".
٧- تهذيب التهذيب، للحافظ ابن حجر، ويعد من تهذيبات كتاب "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" ومختصراته.
٨- تقريب التهذيب، للحافظ ابن حجر، وهو اختصار لكتاب "تهذيب التهذيب" للمؤلف نفسه.
стр. 177
الفصل الثالث: مراتب الجرح والتعديل
لقد قسم ابن أبي حاتم في مقدمة كتابه "الجرح والتعديل" كُلًّا من مراتب الجرح والتعديل إلى أربع مراتب، وبين حكم كل مرتبة منها، ثم زاد العلماء على كل من مراتب الجرح والتعديل مرتبتين، فصارت كل من مراتب الجرح والتعديل ستًّا، وإليك هذه المراتب مع ألفاظها:
١- مراتب التعديل وبعض ألفاظها:
أ- ما دل على المبالغة في التوثيق، أو كان على وزن أفعل. وهي أرفعها، مثل: فلان إليه المنتهى في التثبت، أو فلان أثبت الناس.
ب- ثم ما تأكد بصفة أو صفتين من صفات التوثيق: كثقة ثقة، أو ثقة ثبت.
ج- ثم ما عُبِّرَ عنه بصفة دالة على التوثيق من غير توكيد، كثقة، أو حجة.
د- ثم ما دل على التعديل من دون إشعار بالضبط: كصدوق. أو محله الصدق، أو لا بأس به، عند غير ابن معين؛ فإن "لا بأس به" إذا قالها ابن معين في الراوي، فهو عنده ثقة.
هـ- ثم ما ليس فيه دلالة على التوثيق أو التجريح، مثل: فلان شيخ، أو روى عنه الناس.
стр. 178
و ثم ما أشعر بالقرب من التجريح: مثل: فلان صالح الحديث، أو يكتب حديثه.
٢- حكم هذه المراتب:
أ- أما المراتب الثلاث الأولى فيحتج بأهلها، وإن كان بعضهم أقوى من بعض.
ب- وأما المرتبة الرابعة والخامسة، فلا يحتج بأهلهما، ولكن يكتب حديثهم ويختبر١، وإن كان أهل المرتبة الخامسة دون أهل المرتبة الرابعة.
د- وأما أهل المرتبة السادسة فلا يحتج بأهلها، ولكن يكتب حديثهم للاعتبار فقط، دون الاختبار؛ وذلك لظهور أمرهم في عدم الضبط.
٣- مراتب الجرح وألفاظها:
أ- ما دل على التليين: "وهي أسهلها في الجرح" مثل: فلان لين الحديث، أو فيه مقال.
ب- ثم ما صرح بعدم الاحتجاج به وشبهه: مثل، فلان لا يحتج به، أو ضعيف، أو له مناكير.
стр. 179
جـ- ثم ما صرح بعدم كتابة حديثه ونحوه: مثل: فلان لا يكتب حديثه، أو لا تحل الراوية عنه، أو ضعيف جدا، أو واهٍ بِمَرَّةٍ.
د- ثم ما فيه اتهام بالكذب ونحوه: مثل: فلان متهم بالكذب، أو متهم بالوضع، أو يسرق الحديث، أو ساقط، أو متروك، أو ليس بثقة.
هـ- ثم ما دل على وصفه بالكذب ونحوه: مثل: كذاب، أو دجال، أو وضَّاع، أو يكذب، أو يضع.
و ثم ما دل على المبالغة في الكذب "وهي أسوؤها" مثل: فلان أكذب الناس، أو إليه المنتهى في الكذب، أو هو ركن الكذب.
٤- حكم هذه المراتب:
أ- أما أهل المرتبتين الأُولَيَيْنِ فإنه لا يحتج بحديثهم طبعا، لكن يكتب حديثهم للاعتبار فقط، وإن كان أهل المرتبة الثانية دون أهل المرتبة الأولى.
ب- وأما أهل المراتب الأربع الأخيرة، فلا يحتج بحديثهم، ولا يكتب، ولا يعتبر به.
стр. 180
الباب الثالث: الرواية وآدابها وكيفية ضبطها
الفصل الأول: كيفية ضبط الرواية، وطرق تحملها
المبحث الأول: كيفية سماع الحديث وتحمله، وصفة ضبطه
١- تمهيد:
المراد "بكيفية سماع الحديث" بيان ما ينبغي وما يشترط فيمن يريد سماع الحديث من الشيوخ سماعَ روايةٍ وتحمُّلٍ؛ ليؤديه فيما بعد لغيره، وذلك مثل اشتراط سن معينة وجوبا، أو استحبابا.
والمراد "بتحمله" بيان طرق أخذه وتلقيه عن الشيوخ. والمراد "بصفة ضبطه" بيان كيف يضبط الطالب ما تلقاه من الحديث ضبطا يؤهله لأن يرويه لغيره على شكل يُطمَأَنُّ إليه.
وقد اعتنى علماء المصطلح بهذا النوع من علوم الحديث، ووضعوا له القواعد والضوابط والشروط بشكل دقيق رائع، وميزوا بين طرق تحمل الحديث، وجعلوها على مراتب، بعضها أقوى من بعض، وذلك تأكيدا منهم للعناية بحديث رسول الله ﷺ ، وحسن انتقاله من شخص إلى شخص؛ كي يطمئن المسلم إلى حسن طريقة وصول الحديث النبوي إليه، ويوقن أن هذه الطريقة في منتهى السلامة والدقة.
٢- هل يشترط لتحمل الحديث الإسلام والبلوغ؟:
لا يشترط لتحمل الحديث الإسلام والبلوغ على الصحيح،