المتحضرة في هذا العصر إلى قريب مما صنفه علماء الحديث، من وضع هذه الموسوعات الضخمة في تراجم الرجال ورواة الحديث، فحفظوا على مدى الأيام التعريف الكامل برواة الحديث ونقلته، فجزاهم الله عنا خيرا، وإليك بعض الأسماء لهذه الكتب:
١- التاريخ الكبير، للبخاري، وهو عام للرواة الثقات، والضعفاء.
٢- الجرح والتعديل، لابن أبي حاتم، كذلك هو عام للرواة الثقات والضعفاء، ويشبه الكتاب الذي قبله.
٣- الثقات، لابن حبان، كتاب خاص بالثقات.
٤- الكامل في الضعفاء، لابن عدي، وهو خاص بتراجم الضعفاء، كما هو ظاهر من اسمه.
٥- الكمال في أسماء الرجال، لعبد الغني المقدسي. كتاب عام، في الثقات والضعفاء، إلا أنه خاص برجال الكتب الستة.
٦- ميزان الاعتدال، للذهبي، كتاب خاص بالضعفاء والمتروكين "أي كل من جرح وإن لم يقبل الجرح فيه".
٧- تهذيب التهذيب، للحافظ ابن حجر، ويعد من تهذيبات كتاب "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" ومختصراته.
٨- تقريب التهذيب، للحافظ ابن حجر، وهو اختصار لكتاب "تهذيب التهذيب" للمؤلف نفسه.
стр. 177
الفصل الثالث: مراتب الجرح والتعديل
لقد قسم ابن أبي حاتم في مقدمة كتابه "الجرح والتعديل" كُلًّا من مراتب الجرح والتعديل إلى أربع مراتب، وبين حكم كل مرتبة منها، ثم زاد العلماء على كل من مراتب الجرح والتعديل مرتبتين، فصارت كل من مراتب الجرح والتعديل ستًّا، وإليك هذه المراتب مع ألفاظها:
١- مراتب التعديل وبعض ألفاظها:
أ- ما دل على المبالغة في التوثيق، أو كان على وزن أفعل. وهي أرفعها، مثل: فلان إليه المنتهى في التثبت، أو فلان أثبت الناس.
ب- ثم ما تأكد بصفة أو صفتين من صفات التوثيق: كثقة ثقة، أو ثقة ثبت.
ج- ثم ما عُبِّرَ عنه بصفة دالة على التوثيق من غير توكيد، كثقة، أو حجة.
د- ثم ما دل على التعديل من دون إشعار بالضبط: كصدوق. أو محله الصدق، أو لا بأس به، عند غير ابن معين؛ فإن "لا بأس به" إذا قالها ابن معين في الراوي، فهو عنده ثقة.
هـ- ثم ما ليس فيه دلالة على التوثيق أو التجريح، مثل: فلان شيخ، أو روى عنه الناس.
стр. 178
و ثم ما أشعر بالقرب من التجريح: مثل: فلان صالح الحديث، أو يكتب حديثه.
٢- حكم هذه المراتب:
أ- أما المراتب الثلاث الأولى فيحتج بأهلها، وإن كان بعضهم أقوى من بعض.
ب- وأما المرتبة الرابعة والخامسة، فلا يحتج بأهلهما، ولكن يكتب حديثهم ويختبر١، وإن كان أهل المرتبة الخامسة دون أهل المرتبة الرابعة.
د- وأما أهل المرتبة السادسة فلا يحتج بأهلها، ولكن يكتب حديثهم للاعتبار فقط، دون الاختبار؛ وذلك لظهور أمرهم في عدم الضبط.
٣- مراتب الجرح وألفاظها:
أ- ما دل على التليين: "وهي أسهلها في الجرح" مثل: فلان لين الحديث، أو فيه مقال.
ب- ثم ما صرح بعدم الاحتجاج به وشبهه: مثل، فلان لا يحتج به، أو ضعيف، أو له مناكير.
стр. 179
جـ- ثم ما صرح بعدم كتابة حديثه ونحوه: مثل: فلان لا يكتب حديثه، أو لا تحل الراوية عنه، أو ضعيف جدا، أو واهٍ بِمَرَّةٍ.
د- ثم ما فيه اتهام بالكذب ونحوه: مثل: فلان متهم بالكذب، أو متهم بالوضع، أو يسرق الحديث، أو ساقط، أو متروك، أو ليس بثقة.
هـ- ثم ما دل على وصفه بالكذب ونحوه: مثل: كذاب، أو دجال، أو وضَّاع، أو يكذب، أو يضع.
و ثم ما دل على المبالغة في الكذب "وهي أسوؤها" مثل: فلان أكذب الناس، أو إليه المنتهى في الكذب، أو هو ركن الكذب.
٤- حكم هذه المراتب:
أ- أما أهل المرتبتين الأُولَيَيْنِ فإنه لا يحتج بحديثهم طبعا، لكن يكتب حديثهم للاعتبار فقط، وإن كان أهل المرتبة الثانية دون أهل المرتبة الأولى.
ب- وأما أهل المراتب الأربع الأخيرة، فلا يحتج بحديثهم، ولا يكتب، ولا يعتبر به.
стр. 180
الباب الثالث: الرواية وآدابها وكيفية ضبطها
الفصل الأول: كيفية ضبط الرواية، وطرق تحملها
المبحث الأول: كيفية سماع الحديث وتحمله، وصفة ضبطه
١- تمهيد:
المراد "بكيفية سماع الحديث" بيان ما ينبغي وما يشترط فيمن يريد سماع الحديث من الشيوخ سماعَ روايةٍ وتحمُّلٍ؛ ليؤديه فيما بعد لغيره، وذلك مثل اشتراط سن معينة وجوبا، أو استحبابا.
والمراد "بتحمله" بيان طرق أخذه وتلقيه عن الشيوخ. والمراد "بصفة ضبطه" بيان كيف يضبط الطالب ما تلقاه من الحديث ضبطا يؤهله لأن يرويه لغيره على شكل يُطمَأَنُّ إليه.
وقد اعتنى علماء المصطلح بهذا النوع من علوم الحديث، ووضعوا له القواعد والضوابط والشروط بشكل دقيق رائع، وميزوا بين طرق تحمل الحديث، وجعلوها على مراتب، بعضها أقوى من بعض، وذلك تأكيدا منهم للعناية بحديث رسول الله ﷺ ، وحسن انتقاله من شخص إلى شخص؛ كي يطمئن المسلم إلى حسن طريقة وصول الحديث النبوي إليه، ويوقن أن هذه الطريقة في منتهى السلامة والدقة.
٢- هل يشترط لتحمل الحديث الإسلام والبلوغ؟:
لا يشترط لتحمل الحديث الإسلام والبلوغ على الصحيح،
стр. 181
لكن يشترط ذلك للأداء١، كما مر بنا في شروط الراوي، وبناء على ذلك فتقبل رواية المسلم البالغ ما تحمله من الحديث قبل إسلامه، أو قبل بلوغه، لكن لا بد من التمييز بالنسبة لغير البالغ.
وقد قيل إنه يشترط لتحمل الحديث البلوغ، ولكنه قول غير معتمد؛ لأن المسلمين قبلوا رواية صغار الصحابة، كالحسن، وابن عباس، وغيرهما من غير فرق بين ما تحملوه قبل البلوغ أو بعده.
٣- متى يستحب الابتداء بسماع الحديث؟:
أ- قيل يستحب أن يبتدئ الطالب بسماع الحديث في سن الثلاثين، وعليه أهل الشام.
ب- وقيل في سن العشرين، وعليه أهل الكوفة.
ج- وقيل في سن العاشرة، وعليه أهل البصرة.
د- والصواب في الأعصار المتأخرة التبكير بسماع الحديث من حين يصح سماعه؛ لأن الحديث منضبط في الكتب.
٤- هل لصحة سماع الصغير سِنٌّ مُعينة؟:
أ- حدد بعض العلماء ذلك بخمس سنين، وعليه استقر العمل بين أهل الحديث.
ب- وقال بعضهم: الصواب اعتبار التمييز؛ فإن فهم الصغير الخطاب، وردُّ الجواب، كان مميزا صحيح السماع، وإلا فلا.
стр. 182
المبحث الثاني: طرق التحمل، وصيغ الأداء ١
طرق تحمل الحديث ثمانية، وهي: السماع من لفظ الشيخ، القراءة على الشيخ، الإجازة، المناولة، الكتابة، الإعلام، والوصية، والوجادة.
وسأتكلم على كل منها تباعا باختصار، مع بيان ألفاظ الأداء لكل منها، باختصار أيضا:
١- السماع من لفظِ الشيخ:
أ- صورته: أن يقرأ الشيخ، ويسمع الطالب؛ سواء قرأ الشيخ من حفظه، أو كتابه، وسواء سمع الطالب، وكتب ما سمعه، أو سمع فقط ولم يكتب.
ب- رتبته: السماع أعلى أقسام طرق التحمل عند الجماهير.
جـ- ألفاظ الأداء:
١- قبل أن يشيع تخصيص بعض الألفاظ لكل قسم من طرق التحمل، كان يجوز للسامع من لفظ الشيخ أن يقول في الأداء: "سمعت، أو حدثني، أو أخبرني، أو أنبأني، أو قال لي، أو ذكر لي".
стр. 183
٢- وبعد أن شاع تخصيص بعض الألفاظ لكل قسم من طرق التحمل، صارت ألفاظ الأداء على النحو التالي:
- للسماع من لفظ الشيخ: سمعت، أو حدثني.
- للقراءة على الشيخ: أخبرني.
- للإجازة: أنبأني.
- لسماع المذاكرة١: قال لي، أو ذكر لي.
٢- القراءة على الشيخ:
ويسميها أكثر المحدثين "عرضا".
أ- صورتها: أن يقرأ الطالب، والشيخ يسمع٢؛ سواء قرأ الطالب، أو قرأ غيره وهو يسمع، وسواء كانت القراءة من حفظ، أو من كتاب، وسواء كان الشيخ يتبع للقارئ من حفظه، أو أمسك كتابه هو، أو ثقةٌ غيرُهُ.
ب- حكم الرواية بها: الرواية بطريق القراءة على الشيخ رواية صحيحة بلا خلاف في جميع الصور المذكورة، إلا ما حكي عن بعض من لا يعتدُّ به من المتشددين.
ج- رتبتها: اختلف في رتبتها على ثلاثة أقوال:
стр. 184
١- مساوية للسماع: روي ذلك عن مالك، والبخاري، ومعظم علماء الحجاز والكوفة.
٢- أدنى من السماع: روي ذلك عن جمهور أهل المشرق، "وهو الصحيح".
٣- أعلى من السماع: روي ذلك عن أبي حنيفة، وابن أبي ذئب، ورواية عن مالك.
د- ألفاظ الأداء:
١- الأحوط: أن يقول الطالب: "قرأت على فلان" أو "قرئ عليه وأنا أسمع فأقرَّ به".
٢- ويجوز: بعبارات السماع مقيدة بلفظ القراءة كـ "حدثنا قراءة عليه".
٣- الشائع الذي عليه كثير من المحدثين: إطلاق لفظ "أخبرنا" فقط، دون غيرها.
٣- الإجازة:
أ- تعريفها: الإذن بالرواية، لفظا أو كتابة.
ب- صورتها: أن يقول الشيخ لأحد طلابه: "أجزت لك أن تروي عني صحيح البخاري".
ج- أنواعها: للإجازة أنواع كثيرة، سأذكر منها خمسة أنواع، وهي:
١- أن يجيز الشيخ معينا لمعين: كأجزتك صحيح
стр. 185
البخاري، وهذا النوع أعلى أنواع الإجازة المجردة على المناولة.
٢- أن يجيز معينا بغير معين: كأجزتك رواية مسموعاتي.
٣- أن يجيز غير معين بغير معين: كأجزت أهل زماني رواية مسموعاتي.
٤- أن يجيز بمجهول، أو لمجهول: كأجزتك كتاب السنن، وهو يروي عددا من السنن، أو أجزت لمحمد بن خالد الدمشقي، وهناك جماعة مشتركون في هذا الاسم.
٥- الإجازة للمعدوم: فإما أن تكون تبعا لموجود، كأجزت لفلان ولمن يولد له، وإما أن يكون لمعدوم استقلالا، كأجزت لمن يولد لفلان.
د- حكمها:
أما النوع الأول منها، فالصحيح الذي عليه الجمهور، واستقر عليه العمل، جواز الرواية والعمل بها، وأبطلها جماعات من العلماء، وهو إحدى الروايتين عن الشافعي.
وأما بقية الأنواع فالخلاف في جوازها أشد وأكثر، وعلى كل حال فالتحمل والرواية بهذا الطريق "أي الإجازة" تحمل هزيل، ما ينبغي التساهل فيه.
هـ- ألفاظ الأداء:
١- الأولى: أن يقول: "أجاز لي فلان".
стр. 186
٢- ويجوز: بعبارات السماع والقراءة مقيدة، مثل: "حدثنا إجازة"، أو "أخبرنا إجازة".
٣- اصطلاح المتأخرين: "أنبأنا" واختاره صاحب كتاب "الوجازة"١.
٤- المناولة:
أ- أنواعها: المناولة نوعان:
١- مقرونة بالإجازة: وهي أعلى أنواع الإجازة مطلقا، ومن صورها: أن يدفع الشيخ إلى الطالب كتابه، ويقول له: هذا روايتي عن فلان، فارْوِهِ عني، ثم يبقيه معه تمليكا، أو إعارة؛ لينسخه.
٢- مجردة عن الإجازة: وصورتها: أن يدفع الشيخ إلى الطالب كتابه مقتصرا على قوله: هذا سماعي.
ب- حكم الرواية بها:
١- أما المقرونة بالإجازة: فتجوز الرواية بها، وهي أدنى مرتبة من السماع، والقراءة على الشيخ.
٢- وأما المجردة عن الإجازة: فلا تجوز الرواية بها على الصحيح.
جـ- ألفاظ الأداء:
١- الأحسن: أن يقول: "ناولني" أو "ناولني، وأجاز
стр. 187
لي" إن كانت المناولة مقرونة بالإجازة.
٢- ويجوز بعبارات السماع والقراءة مقيدة، مثل: "حدثنا مناولة" أو "أخبرنا مناولة وإجازة".
٥- الكتابة:
أ- صورتها: أن يكتب الشيخ مسموعه لحاضر، أو غائب، بخطه، أو أمره.
ب- أنواعها: وهي نوعان:
١- مقرونة بالإجازة: كأجزتك ما كتبت لك أو إليك، ونحو ذلك.
٢- مجردة عن الإجازة: كأن يكتب له بعض الأحاديث، ويرسلها له، ولا يجيزه بروايتها.
جـ- حكم الرواية بها:
١- أما المقرونة بالإجازة: فالرواية بها صحيحة، وهي في الصحة والقوة كالمناولة المقرونة.
٢- وأما المجردة عن الإجازة: فمنع الرواية بها قوم، وأجازها آخرون. والصحيح الجواز عند أهل الحديث؛ لإشعارها بمعنى الإجازة.
د- هل تشترط البينة لاعتماد الخط؟
١- اشترط بعضهم البينة على الخط، وادعوا أن الخط يشبه الخط، وهو قول ضعيف.
٢- ومنهم من قال: يكفي معرفة المكتوب إليه خط
стр. 188
الكاتب؛ لأن خط الإنسان لا يشتبه بغيره، وهو الصحيح.
هـ- ألفاظ الأداء:
١- التصريح بلفظ الكتابة: كقوله: "كتب إلي فلان".
٢- أو الإتيان بألفاظ السماع والقراءة مقيدة: كقوله: "حدثني فلان كتابة، "أو أخبرني فلان كتابة".
٦- الإعلام:
أ- صورته: أن يخبر الشيخ الطالب أن هذا الحديث أو هذا الكتاب سماعه.
ب- حكم الرواية به: اختلف العلماء في حكم الرواية بالإعلام على قولين:
١- الجواز: وهو قول كثير من أصحاب الحديث والفقه والأصول.
٢- عدم الجواز: وهو قول غير واحد من المحدثين وغيرهم، وهو الصحيح؛ لأنه قد يعلم الشيخ أن هذا الحديث روايته، لكن لا تجوز لخلل فيه، نعم لو أجاز بروايته جازت روايته.
ج- ألفاظ الأداء:
يقول في الأداء: "أعلمني شيخي بكذا".
٧- الوصية:
стр. 189
أ- صورتها: أن يوصي الشيخ عند موته، أو سفره لشخص بكتاب من كتبه التي يرويها.
ب- حكم الرواية بها:
١- الجواز: وهو قول لبعض السلف، وهو غلط؛ لأنه أوصى له بالكتاب، ولم يوصِ له بروايته.
٢- عدم الجواز: وهو الصواب.
جـ- ألفاظ الأداء:
يقول: "أوصى إليَّ فلان بكذا"، أو "حدثني فلان وصية".
٨- الوِجَادَةُ:
بكسر الواو، مصدر "وجد"، وهذا المصدر مولد غير مسموع من العرب.
أ- صورتها: أن يجد الطالب أحاديث بخط شيخ يرويها، يعرف الطالب خطه، وليس له سماع منه، ولا إجازة.
ب- حكم الرواية بها: الرواية بالوجادة من باب المنقطع، لكن فيها نوع اتصال.
جـ- ألفاظ الأداء بها: يقول الواجد: "وجدت بخط فلان، أو قرأت بخط فلان كذا" ثم يسوق الإسناد والمتن.
стр. 190
المبحث الثالث: كتابة الحديث، وضبطه، والتصنيف فيه ١
١- حكم كتابة الحديث:
اختلف السلف من الصحابة والتابعين في كتابة الحديث على أقوال:
أ- فكرهها بعضهم: منهم: ابن عُمر، وابن مسعود، وزيد بن ثابت.
ب- وأباحها بعضهم: منهم: عبد الله بن عمرو، وأنس، وعمر بن عبد العزيز، وأكثر الصحابة.
جـ- ثم أجمعوا بعد ذلك على جوازها: وزال الخلاف. ولو لم يدون الحديث في الكتب لضاع في الأعصار المتأخرة، لا سيما في عصرنا.
٢- سبب الاختلاف في حكم كتابته:
وسبب الخلاف في حكم كتابته أنه وردت أحاديث متعارضة في الإباحة والنهي، فمنها:
أ- حديث النهي: ما رواه مسلم أن رسول الله ﷺ قال:
стр. 191
"لا تكتبوا عني، ومن كتب عَنِّي غير القرآن فليمحه" ١.
ب- حديث الإباحة: ما أخرجه البخاري أن رسول الله ﷺ قال: "اكتبوا لأبي شاهٍ" ٢، وهناك أحاديث أخرى في إباحة الكتابة، منها: الإذن لعبد الله بن عمرو بكتابة الحديث.
٣- الجمع بين أحاديث الإباحة وبين أحاديث النهي:
لقد جمع العلماء بين أحاديث النهي وبين أحاديث الإباحة على وجوه، منها:
أ- قال بعضهم: الإذن بالكتابة لمن خيف نسيانه للحديث. والنهي لمن أمن النسيان، وخيف عليه اتكاله على الخط إذا كتب.
ب- وقال بعضهم: جاء النهي حين خيف اختلاطه بالقرآن، ثم جاء الإذن بالكتابة حين أمن ذلك، وعلى هذا يكون النهي منسوخا.
٤- ماذا يجب على كاتب الحديث؟:
ينبغي على كاتب الحديث أن يصرف همته إلى ضبطه وتحقيقه شكلا ونقطا ويؤمن معهما اللبس، ويشكل المشكل، لا سيما أسماء
стр. 192
الأعلام؛ لأنها لا تدرك بما قبلها ولا بما بعدها، وأن يكون خطه واضحا على قواعد الخط المشهورة، وألا يصطلح لنفسه اصطلاحا خاصا برمز لا يعرفه الناس، وينبغي أن يحافظ على كتابة الصلاة والتسليم على النبي ﷺ كلما جاء ذِكْرُهُ، ولا يسأم من تكرار ذلك، ولا يتقيد في ذلك بما في الأصل إن كان ناقصا، وكذلك الثناء على الله سبحانه ووتعالى كـ " "، وكذلك الترضي والترحم على الصحابة والعلماء، ويُكرهُ الاقتصارُ على الصلاة وحدها، أو التسليم وحده، كما يكره الرمز إليها بـ "ص" ونحوه، مثل "صلعم" وعليه أن يكتبهما كاملتين.
٥- المقابلة وكيفيتها:
يجب على كاتب الحديث بعد الفراغ من كتابته، مقابلة كتابه بأصل١ شيخه، ولو أخذه عنه بطريق الإجازة؟
وكيفية المقابلة: أن يمسك هو وشيخه كتابيهما حال التسميع، ويكفي أن يقابل له ثقة آخر في أي وقت، حال القراءة أو بعدها، كما يكفي مقابلته بفرع مقابَل بأصل الشيخ.
٦- اصطلاحات في كتابة ألفاظ الأداء وغيرها:
غلب على كثير من كتاب الحديث الاقتصار على الرمز في ألفاظ الأداء. فمن ذلك أنهم يكتبون:
стр. 193
أ- حدثنا: "ثنا" أو "نا".
ب- أخبرنا: "أنا" أو "أرنا".
ولكن ينبغي للقارئ أن يتلفظ بها كاملة عند قراءتها، ولا يجوز له أن ينطق بها كما هي مرسومة.
ج- تحويل الإسناد إلى إسناد آخر: يرمزون له بـ "ح" وينطق القارئ بها هكذا "حا".
د- جرت العادة بحذف كلمة "قال" ونحوها بين رجال الإسناد خطًّا، وذلك لأجل الاختصار، لكن ينبغي للقارئ التلفظ بها، مثل "حدثنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك" فينبغي للقارئ أن يقول: "قال: أخبرنا مالك" كما جرت العادة بحذف "أنه" في أواخر الإسناد اختصارا.
مثل "عن أبي هريرة قال" فينبغي للقارئ النطق بـ "أنه" فيقول "أنه قال" وذلك تصحيحا للكلام من حيث الإعراب.
٧- الرحلة في طلب الحديث:
لقد اعتنى سلفنا الصالح بالحديث عناية ليس لها نظير، وصرفوا في جمعه وضبطه من الاهتمام والجهد والوقت ما لا يكاد يصدقه العقل، فبعد أن يجمع أحدهم الحديث من شيوخ بلده يرحل إلى بلاد وأقطار أخرى قريبة أو بعيدة؛ ليأخذ الحديث من شيوخ تلك البلاد، فيتجشم مشاق السفر، ويتحمل شظف العيش بنفس راضية. وقد صنف الخطيب البغدادي كتابا سماه "الرحلة في طلب
стр. 194
الحديث" جَمَعَ فيه من أخبار الصحابة والتابعين فمن بعدهم في الرحلة في طلب الحديث ما يعجب الإنسان لسماعه، فمن أحب سماع تلك الأخبار الشائقة، فعليه بذلك الكتاب؛ فإنه منشط لطلاب العلم، شاحذ لهممهم، مقوٍّ لعزائمهم.
٨- أنواع التصنيف في الحديث:
يجب على من يجد في نفسه المقدرة على التصنيف في الحديث -وغيره- أن يقوم بالتصنيف، وذلك لجمع المتفرق، وتوضيح المشكل، وترتيب غير المرتب، وفهرسة غير المفهرس، مما يسهل على طلبة الحديث الاستفادة منه بأيسر طريق، وأقل وقت. وليحذر من إخراج كتابه قبل تهذيبه وتحريره وضبطه، وليكن تصنيفه فيما يعم نفعه، وتكثر فائدته.
هذا وقد صنف العلماء الحديث على أشكال متنوعة، فمن أشهر أنواع التصنيف في الحديث ما يلي:
أ- الجوامع: جمع جامع، والجامع: كل كتاب يَجمع فيه مؤلفه جميع الأبواب من العقائد، والعبادات، والمعاملات، والسير، والمناقب، والرِّقاق، والفتن، وأخبار يوم القيامة. مثل "الجامع الصحيح للبخاري".
ب- المسانيد: جمع مسند، والمسند: كل كتاب جمع فيه مرويات كل صحابي على حدة، من غير النظر إلى
стр. 195
الموضوع الذي يتعلق فيه الحديث، مثل "مسند الإمام أحمد بن حنبل".
ج- السنن: وهي الكتب المصنفة على أبواب الفقه؛ لتكون مصدرا للفقهاء في استنباط الأحكام، وتختلف عن الجوامع في أنها لا يوجد فيها ما يتعلق بالعقائد، والسير، والمناقب، وما إلى ذلك، بل هي مقصورة على أبواب الفقه وأحاديث الأحكام. مثل "سنن أبي داود".
د- المعاجم: جمع معجم، والمعجم: كل كتاب جمع فيه مؤلفه الحديث مرتبا على أسماء شيوخه، على ترتيب حروف المعجم غالبا، مثل معجمي الطبراني: الأوسط، والصغير.
هـ- العلل: كتب العلل: هي الكتب المشتملة على الأحاديث المعلولة، مع بيان عللها، وذلك مثل "العلل لابن أبي حاتم" و "العلل للداقطني".
و الأجزاء: جمع جزء، والجزء: كل كتاب صغير جمع فيه مرويات راوٍ واحد من رواة الحديث، أو جمع فيه ما يتعلق بموضوع واحد على سبيل الاستقصاء، مثل "جزء رفع اليدين في الصلاة" للبخاري.
ز- الأطراف: كل كتاب ذكر فيه مصنفه طرف كل حديث
стр. 196
الذي يدل على بقيته، ثم يذكر أسانيد كل متن من المتون إما مستوعبا، أو مقيدا لها ببعض الكتب، مثل "تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف" للمزي.
حـ- المستدركات: جمع مستدرك، والمستدرك: كل كتاب جمع فيه مؤلفه الأحاديث التي استدركها على كتاب آخر، مما فاتته على شرطه، مثل "المستدرك على الصحيحين" لأبي عبد الله الحاكم.
ط- المستخرجات: جمع مستخرج، والمستخرج: كل كتاب خرج فيه مؤلفه أحاديث كتاب لغيره من المؤلفين بأسانيد لنفسه، من غير طريق المؤلف الأول، وربما اجتمع معه في شيخه، أو من فوقه، مثل "المستخرج على الصحيحين" لأبي نعيم الأصبهاني.
стр. 197
المبحث الرابع: صفة رواية الحديث ١
١- المراد بهذه التسمية:
المراد بهذا العنوان: بيان الكيفية التي يروى بها الحديث، والآداب التي ينبغي التحلي بها، وما يتعلق بذلك، وقد تقدم شيء من ذلك في المباحث السابقة، وإليك ما بقي:
٢- هل يجوز رواية الراوي من كتابه إذا لم يحفظ ما فيه؟:
هذا أمر اختلف فيه العلماء، فمنهم من شدد فأفرط، ومنهم من تساهل ففرط، ومنهم من اعتدل فتوسط.
أ- فأما المتشددون: فقالوا: "لا حجة إلا فيما رواه الراوي من حفظه"، روي ذلك عن مالك، وأبي حنيفة، وأبي بكر الصيدلاني الشافعي.
ب- وأما المتساهلون: فقوم رووا من نسخ غير مقابلة بأصولها، منهم: ابن لهيعة.
ج- وأما المعتدلون المتوسطون: "وهم الجمهور" فقالوا: إذا قام الراوي في التحمل والمقابلة بما تقدم من الشروط، جازت الرواية من الكتاب، وإن غاب عنه الكتاب، إذا كان الغالب على الظن سلامته من التغيير والتبديل، لا سيما إن كان ممن لا يخفي عليه التغيير غالبا.
٣- حكم رواية الضرير الذي لا يحفظ ما سمعه:
стр. 198
إذا استعان الضرير الذي لا يحفظ ما سمعه بثقة في كتابة الحديث الذي سمعه، وضبطه، والمحافظة على الكتاب، واحتاط عند القراءة عليه بحيث يغلب على ظنه سلامته من التغيير، صحت روايته عند الأكثر، ويكون كالبصير الأمي الذي لا يحفظ.
٤- رواية الحديث بالمعنى، وشروطها:
اختلف السلف في رواية الحديث بالمعنى، فمنهم من منعها، ومنهم من جوزها.
أ- فمنعها فريق من أصحاب الحديث والفقه والأصول، منهم ابن سيرين، وأبو بكر الرازي.
ب- وأجازها جمهور السلف والخلف من المحدثين، وأصحاب الفقه والأصول، منهم الأئمة الأربعة، لكن إذا قطع الراوي بأداء المعنى.
ثم إن من أجاز الرواية بالمعنى، اشترط لها شروطا، وهي:
١- أن يكون الراوي عالما بالألفاظ ومقاصدها.
٢- أن يكون خبيرا بما يحيل معانيها.
هذا كله في غير المصنفات، أما الكتب المصنفة فلا يجوز رواية شيء منها بالمعنى، وتغيير الألفاظ التي فيها، وإن كان بمعناها؛ لأن جواز الرواية بالمعنى كان للضرورة إذا غابت عن الراوي كلمة من الكلمات، أما بعد تثبيت الأحاديث في الكتب فليس هناك ضرورة لرواية ما فيها بالمعنى.
هذا وينبغي للراوي بالمعنى أن يقول بعد روايته الحديث: "أو كما قال" أو "نحوه" أو "شبهه".
стр. 199
٥- اللحن في الحديث، وسببه:
اللحن في الحديث، أي الخطأ في قراءته، وأبرز أسباب اللحن:
أ- عدم تعلم النحو واللغة: فعلى طالب الحديث أن يتعلم من النحو واللغة ما يسلم به من اللحن والتصحيف، فقد روى الخطيب عن حماد بن سلمة قال: مثل الذي يطلب الحديث، ولا يعرف النحو، مثل الحمار، عليه مخلاة لا شعير فيها١.
ب- الأخذ من الكتب والصحف، وعدم التلقي عن الشيوخ: مر بنا أن لتلقي الحديث وتحمله عن الشيوخ طرقًا بعضها أقوى من بعض، وأن أقوى تلك الطرق السماع من لفظ الشيخ، أو القراءة عليه، فعلى المشتغل بالحديث أن يتلقى حديث رسول الله ﷺ من أفواه أهل المعرفة والتحقيق، حتى يسلم من التصحيف والخطأ، ولا يليق بطالب الحديث أن يعمد إلى الكتب والصحف، فيأخذ منها، ويروي عنها، ويجعلها شيوخه، فإنه بذلك تكثر أخطاؤه وتصحيفاته، لذا قال العلماء قديما: "لا تأخذ القرآن من مصحفيٍّ، ولا الحديث من صحفيٍّ"٢.
стр. 200
غريب الحديث:
١- تعريفه:
أ- لغة: الغريب في اللغة، هو البعيد عن أقاربه، والمراد به هنا الألفاظ التي خفي معناها. قال صاحب القاموس: "غرب ككرم: غمض وخفي"١.
ب- اصطلاحا: هو ما وقع في متن الحديث من لفظة غامضة بعيدة من الفهم؛ لقلة استعمالها٢.
٢- أهميته وصعوبته:
وهو فن مهم جدًّا، يقبح جهله بأهل الحديث، لكن الخوض فيه صعب، فليتحرَّ خائضه، وليتقِّ الله أن يقدم على تفسير كلام نبيه ﷺ بمجرد الظنون، وكان السلف يتثبتون فيه أشد التثبت.
٣- أجود تفسيره:
وأجود تفسيره ما جاء مفسرا في رواية أخرى، مثل: حديث عمران بن حصين ﵁ في صلاة المريض: "صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب" ٣.
وقد فسر قوله: "على جنب" حديث علي ﵁، ولفظه: "على جنبه الأيمن مستقبل القبلة بوجهه"٤.
стр. 201
٤- أشهر المصنفات فيه:
أ- غريب الحديث، لأبي عبيد القاسم بن سلام.
ب- النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير؛ وهو أجود كتب الغريب.
جـ- الدر النثير، للسيوطي، وهو تلخيص للنهاية.
د- الفائق، للزمخشري.
стр. 202
الفصل الثاني: آداب الرواية
المبحث الأول: آداب المحدث
١- مقدمة:
بما أن الاشتغال بالحديث من أفضل القربات على الله تعالى، وأشرف الصناعات، فينبغي على من يشتغل به وينشره بين الناس أن يتحلى بمكارم الأخلاق، ومحاسن الشيم، ويكون مثالا صادقا لما يعلمه الناس، مطبقا له على نفسه قبل أن يأمر به غيره.
٢- أبرز ما ينبغي أن يتحلى به المحدث:
أ- تصحيح النية وإخلاصها، وتطهير القلب من أغراض الدنيا، كحب الرئاسة أو الشهرة.
ب- أن يكون أكبر همه نشر الحديث، والتبليغ عن رسول الله ﷺ ، مبتغيا من الله جزيل الأجر.
ج- ألا يحدِّث بحضرة من هو أولى منه؛ لسنه أو علمه.
د- أن يرشد من سأله عن شيء من الحديث -وهو يعلم أنه موجود عند غيره- إلى ذلك الغير.
هـ- ألا يمتنع من تحديث أحد؛ لكونه غير صحيح النية؛ فإنه يرجى له صحتها.
стр. 203
و أن يعقد مجلسا لإملاء الحديث وتعليمه، إذا كان أهلا لذلك؛ فإن ذلك أعلى مراتب الرواية.
٣- ما يستحب فعله إذا أراد حضور مجلس الإملاء:
أ- أن يتطهر ويتطيب، ويُسَرِّح لحيته.
ب- أن يجلس متمكنا بوقار وهيبة؛ تعظيما لحديث رسول الله ﷺ .
ج- أن يقبل على الحاضرين كلهم، ولا يخص بعنايته أحدا دون أحد.
د- أن يفتتح مجلسه ويختمه بحمد الله تعالى، والصلاة على النبي ﷺ ، ودعاء يليق بالحال.
هـ- أن يجتنب ما لا تحتمله عقول الحاضرين، أو ما لا يفهمونه من الحديث.
و أن يختم الإملاء بحكايات ونوادر؛ لترويح القلوب، وطرد السأم.
٤- ما هي السن التي ينبغي للمحدث أن يتصدى للتحديث فيها؟:
اختلف في ذلك على أقوال:
أ- فقيل: خمسون، وقيل: أربعون، وقيل: غير ذلك.
ب- والصحيح أنه متى تأهل واحتيج إلى ما عنده جلس للتحديث في أي سن كان.
стр. 204
٥- أشهر المصنفات فيه:
أ- "الجامع لأخلاق الراوي، وآداب السامع" للخطيب البغدادي.
ب- "جامع بيان العلم وفضله، وما ينبغي في روايته وحمله" لابن عبد البر.
стр. 205
المبحث الثاني: آداب طالب الحديث
١- مقدمة:
المراد بآداب طالب الحديث، ما ينبغي أن يتصف به الطالب من الآداب العالية والأخلاق الكريمة التي تناسب شرف العلم الذي يطلبه، وهو حديث رسول الله ﷺ ، فمن هذه الآداب ما يشترك فيها مع المحدِّث، ومنها ما ينفرد بها عنه.
٢- الآداب التي يشترك فيها مع المحدِّث:
أ- تصحيح النية، والإخلاص لله تعالى في طلبه.
ب- الحذر من أن تكون الغاية من طلبه التوصل إلى أغراض الدنيا.
فقد أخرج أبو داود وابن ماجه من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من تعلم علما مما يُبتغى به وجه
стр. 206
الله تعالى، لا يتعلمه إلا ليصيب به غرضا من الدنيا، لم يجد عُرْف الجنة يوم القيامة" ١.
جـ- العمل بما يسمعه من الأحاديث.
٣- الآداب التي ينفرد بها عن المحدِّث:
أ- أن يسأل الله تعالى التوفيق والتسديد والتيسير والإعانة على ضبطه الحديث وفهمه.
ب- أن ينصرف إليه بكليته، ويفرغ جهده في تحصيله.
ج- أن يبدأ بالسماع من أرجح شيوخ بلده إسنادا وعلما ودينا.
د- أن يعظم شيخه، ومن يسمع منه، ويوقره، فذلك من إجلال العلم، وأسباب الانتفاع، وأن يتحرى رضاه، ويصبر على جفائه لو حصل.
هـ- أن يرشد زملاءه وإخوانه في الطلب إلى ما ظفر به من فوائد، ولا يكتمها عنهم؛ فإن كتمان الفوائد العلمية عن الطلبة لؤم يقع فيه جهلة الطلبة الوضعاء؛ لأن الغاية من طلب العلم نشره.
و ألا يمنعه الحياء أو الكبر من السعي في السماع والتحصيل وأخذ العلم، ولو ممن هو دونه في السن، أو المنزلة.
стр. 207
ز- عدم الاقتصار على سماع الحديث وكتابته، دون معرفته وفهمه، فيكون قد أتعب نفسه دون أن يظفَرَ بِطَائِلٍ.
ج- أن يقدم في السماع والضبط والتفهم الصحيحين، ثم سنن أبي داود والترمذي والنسائي، ثم السنن الكبرى للبيهقي، ثم ما تمس الحاجة إليه من المسانيد والجوامع، كمسند أحمد، وموطأ مالك، ومن كتب العلل، علل الدارقطني، ومن الأسماء التاريخ الكبير للبخاري، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم، ومن ضبط الأسماء كتاب ابن ماكولا. ومن غريب الحديث النهاية لابن الأثير.
стр. 208
الباب الرابع: الإسناد وما يتعلق به
الفصل الأول: لطائف الإسناد
المبحث الأول: الإسناد العالي والنازل
١- تمهيد:
الإسناد خصيصة فاضلة لهذه الأمة، وليست لغيرها من الأمم السابقة، وهو سنة بالغة مؤكدة، فعلى المسلم أن يعتمد عليه في نقل الأحاديث والأخبار. قال ابن المبارك: "الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء" وقال الثوري: "الإسناد سلاح المؤمن" كما أن طلب العلو فيه سنة أيضا، قال أحمد بن حنبل: "طلب الإسناد العالي سنة عمن سلف"؛ لأن أصحاب عبد الله بن مسعود كانوا يرحلون من الكوفة إلى المدينة، فيتعلمون من عمر، ويسمعون منه، ولذلك استحبت الرحلة في طلب الحديث. ولقد رحل غير واحد من الصحابة في طلب علو الإسناد، منهم أبو أيوب، وجابر ﵄.
٢- تعريفه:
أ- لغة:
العالي: اسم فاعل من "العلو" ضد النزول، والنازل: اسم فاعل من "النزول" ضد العلو.
ب- اصطلاحا:
١- الإسناد العالي: هو الذي قل عدد رجاله بالنسبة إلى سند آخر يَرِدُ به ذلك الحديث بعدد أكثر.
стр. 209
٢- الإسناد النازل: هو الذي كثر عدد رجاله بالنسبة إلى سند آخر يرد به ذلك الحديث بعدد أقل.
٣- أقسام العلوِّ:
يقسم العلوُّ إلى خمسة أقسام، واحد منها علوٌّ مطلق، والباقي علوٌّ نسبي. وهي:
أ- القرب من رسول الله ﷺ بإسناد صحيح نظيف: وهذا هو العلوُّ المطلق، وهو أجلُّ أقسام العلوِّ.
ب- القرب من إمام من أئمة الحديث: وإن كثر بعده العدد إلى رسول الله ﷺ . مثل القرب من الأعمش، أو ابن جريج، أو مالك، أو غيرهم، مع الصحة ونظافة الإسناد أيضا.
جـ- القرب بالنسبة إلى رواية أحد الكتب الستة، أو غيرها من الكتب المعتمدة:
وهو ما كثر اعتناء المتأخرين به من الموافقة، والأبدال، والمساواة، والمصافحة.
١- فالموافقة: وهي الوصول إلى شيخ أحد المصنفين من غير طريقه بعدد أقل مما لو روى من طريقه عنه.
مثاله: ما قاله ابن حجر في شرح النخبة "روى البخاري عن قتيبة، عن مالك حديثا، فلو رويناه من طريقه١
стр. 210
كان بيننا وبين قتيبة ثمانية، ولو روينا ذلك لحديث بعينه من طريق أبي العباس السراج١، عن قتيبة مثلا. لكان بيننا وبين قتيبة فيه سبعة، فقد حصلت لنا الموافقة مع البخاري في شيخه بعينه، مع علو الإسناد على الإسناد إليه"٢.
٢- البدل: هو الوصول إلى شيخ شيخ أحد المصنفين من غير طريقه، بعدد أقل مما لو روى من طريقه عنه.
مثاله: ما قاله ابن حجر: "كأن يقع لنا ذلك الإسناد بعينه، من طريق أخرى إلى القعنبي٣، عن مالك، فيكون القعنبي فيه بدلا من قتيبة".
٣- المساواة: هي استواء عدد الإسناد من الراوي إلى آخره، مع إسناد أحد المصنفين.
مثاله: ما قاله ابن حجر: "كأن يروي النسائي مثلا حديثا، يقع بينه وبين النبي ﷺ فيه أحد عشر نفسا، فيقع لنا ذلك الحديث بعينه بإسناد آخر، بيننا وبين النبي ﷺ فيه أحد عشر نفسا، فنساوي النسائي من حيث العدد".
стр. 211
٤- المصافحة: هي استواء عدد الإسناد من الراوي إلى آخره، مع إسناد تلميذ أحد المصنفين.
وسميت مصافحة؛ لأن العادة جرت في الغالب بالمصافحة بين من تلاقيا.
د- العلو بتقدم وفاة الراوي: ومثاله ما قاله النووي: "فما أرويه عن ثلاثة عن البيهقي، عن الحاكم، أعلى من أن أرويه عن ثلاثة، عن أبي بكر بن خلف، عن الحاكم؛ لتقدم وفاة البيهقي، عن ابن خلف"١.
هـ- العلو بتقديم السماع: أي بتقدم السماع من الشيخ. فمن سمع منه متقدما كان أعلى ممن سمع منه بعده.
مثاله: أن يسمع شخصان من شيخ، وسماع أحدهما منذ ستين سنة مثلا، والآخر منذ أربعين سنة، وتساوى العدد إليهما، فالأول أعلى من الثاني، ويتأكد ذلك في حق من اختلط شيخه أو خرف.
٤- أقسام النزول:
أقسام النزول خمسة، وتعرف من ضدها، فكل قسم من أقسام العلو ضد قسم من أقسام النزول.
стр. 212
٥- هل العلو أفضل أم النزول؟:
أ- العلو أفضل من النزول على الصحيح الذي قاله الجمهور؛ لأنه يبعد كثرة احتمال الخلل عن الحديث، والنزول مرغوب عنه. قال ابن المديني: "النزول شؤم"، وهذا إذا تساوى الإسنادان في القوة.
ب- ويكون النزول أفضل إذا تميز الإسناد النازل بفائدة١.
٦- أشهر المصنفات فيه:
لا توجد مصنفات خاصة بالأسانيد العالية أو النازلة بشكل عام، لكن أفرد العلماء بالتصنيف أجزاء أطلقوا عليها اسم "الثلاثيات"، ويعنون بها الأحاديث التي فيها بين المصنف وبين رسول الله ﷺ ثلاثة أشخاص فقط، وفي ذلك إشارة إلى اهتمام العلماء بالأسانيد العوالي، فمن تلك الثلاثيات:
أ- ثلاثيات البخاري، لابن حجر.
ب- ثلاثيات أحمد بن حنبل، للسفاريني.
стр. 213
المبحث الثاني: المسلسل
١- تعريفه:
أ- لغة: اسم مفعول من "السلسلة" وهي اتصال الشيء بالشيء، ومنه سلسلة الحديد، وكأنه سمي بذلك لشبهه بالسلسلة، من ناحية الاتصال، والتماثل بين الأجزاء.
ب- اصطلاحا: هو تتابع رجال إسناده على صفة، أو حالة للرواة تارة، وللرواية تارة أخرى١.
٢- شرح التعريف:
أي أن المسلسل هو ما توالى رواة إسناده على:
أ- الاشتراك في صفة واحدة للرواة.
ب- أو الاشتراك في حالة واحدة لهم أيضا.
جـ- أو الاشتراك في صفة واحدة للرواية.
٣- أنواعه:
يتبين من شرح التعريف أن أنواع المسلسل ثلاثة، هي:
المسلسل بأحوال الرواة، والمسلسل بصفات الرواة، والمسلسل بصفات الرواية، وإليك فيما يلي بيان هذه الأنواع:
стр. 214
أ- المسلسل بأحوال الرواة:
وأحوال الرواة؛ إما أقوال، وإما أفعال، وإما أقوال وأفعال معًا.
١- المسلسل بأحوال الرواة القولية: مثل حديث معاذ بن جبل أن النبي ﷺ قال له: "يا معاذ، إني أحبك فقل في دبر كل صلاة: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك". فقد تسلسل بقول كل من رواته "وأنا أحبك، فقل" ١.
٢- المسلسل بأحوال الرواة الفعلية:
مثل: حديث أبي هريرة قال: شبك بيدي أبو القاسم ﷺ وقال: "خلق الله الأرض يوم السبت". فقد تسلسل بتشبيك كل من رواته بيد من رواه عنه٢.
٣- المسلسل بأحوال الرواة القولية والفعلية معا:
مثل: حديث أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يجد العبد حلاوة الإيمان حتى يؤمن بالقدر؛ خيره وشره حلوه ومره"، وقبض رسول الله ﷺ على لحيته وقال: "آمنت بالقدر؛ خير وشره، حلوه ومره" ٣ تسلسل بقبض كل راوٍ من رواته على لحيته، وقوله: "آمنت بالقدر خيره وشره، حلوه ومره".
стр. 215
ب- المسلسل بصفات الرواة:
وصفات الرواة: إما قولية وإما فعلية:
١- المسلسل بصفات الرواة القولية: مثل: الحديث المسلسل بقراءة سورة الصف، فقد تسلسل بقول كل راوٍ: "فقرأها فلان هكذا".
هذا وقد قال العراقي: "وصفات الرواة القولية وأحوالهم القولية متقاربة، بل متماثلة".
٢- المسلسل بصفات الرواة الفعلية: كاتفاق أسماء الرواة، كالمسلسل بـ "المحمدين"، أو اتفاق صفاتهم، كالمسلسل بالفقهاء، أو الحفاظ، أو اتفاق نسبتهم، كالمسلسل بالدمشقيين، أو المصريين.
جـ- المسلسل بصفات الرواية: وصفات الرواية إما أن تتعلق بصيغ الأداء، أو بزمن الرواية، أو مكانها:
١- المسلسل بصيغ الأداء: مثل حديث مسلسل بقول كل من رواته: "سمعت" أو "أخبرنا".
٢- المسلسل بزمان الرواية: كالحديث المسلسل بروايته يوم العيد.
٣- المسلسل بمكان الرواية: كالحديث المسلسل بإجابة الدعاء في الملتَزَم.