← Фатава

Фатава · id 879

تقريب فتاوى ابن تيمية

أحمد بن ناصر الطيار

Полный текст (3 539 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

(أئمة المذاهب) ١٢٣٩ - مَذَاهِبُ الْأَئِمَّةِ تُؤخَذُ مِن أَقْوَالِهِمْ، وَأَمَّا أَفْعَالُهُم فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي فِعْلِ الْإِمَامِ أَحْمَد: هَل يُوخَذُ مِنْهُ مَذْهَبُهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَا؛ لِجَوَازِ الذَّنْبِ عَلَيْهِ، أَو أَنْ يَعْمَلَ بِخِلَافِ مُعْتَقَدِهِ أَو يَكُونُ عَمَلُهُ سَهْوًا أَو عَادَةً أَو تَقْلِيدًا. وَالثَّانِي: بَل يُؤخَذُ مِنْهُ مَذْهَبُهُ؛ لِمَا عُرِفَ مِن تَقْوَى أَبِي عَبْدِ اللهِ وَوَرَعِهِ وَزُهْدِهِ. ثُمَّ يُقَالُ: فِعْلُ الْأئِمَّةِ وَتَرْكُهُم يَنْقَسِمُ كَمَا تَنْقَسِمُ أَفْعَالُ النَّبِيِّ ﷺ : تَارَةً يَفْعَلُهُ عَلَى وَجْهِ الْعِبَادَةِ وَالتَّدَيُّنِ فَيَدُلّ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ عِنْدَهُ، وَأَمَّا رُجْحَانُهُ فَفِيهِ نَظَرٌ. وَأَمَّا عَلَى غَيْرِ وَجْهِ التَّعَبُّدِ فَفِي دَلَالَتِهِ الْوَجْهَانِ، فَعَلَى هَذَا مَا يُذْكَرُ عَنِ الْأَئِمَّةِ مِن أَنْوَاعِ التَّعَبُّدَاتِ والتزهدات والتورعات يَقِفُ عَلَى مُقَدِّمَاتٍ: إحْدَاهَا: هَل يَعْتَقِدُ حُسْنَهَا بِحَيْثُ يَقُولُهُ ويُفْتِي بِهِ، أَو فَعَلَهُ بِلَا اعْتِقَادٍ لِذَلِكَ، بَل تَأَسّيًا بِغَيْرِهِ أَو نَاسِيًا؟ عَلَى الْوَجْهَيْنِ كَالْوَجْهَيْنِ فِي الْمُبَاحِ. وَالثَّانِيَةُ: هَل فِيهِ إرَادَةٌ لَهَا تُوَافِق اعْتِقَادَهُ؟ فَكَثِيرًا مَا يَكُونُ طَبْعُ الرَّجُلِ يُخَالِفُ اعْتِقَادَهُ. وَالثَّالِثَةُ: هَل يَرَى ذَلِكَ أَفْضَلَ مِن غَيْرِهِ، أَو يَفْعَلُ الْمَفْضُولَ لِأَغْرَاضٍ أخْرَى مُبَاحَةٍ؟ وَالْأَوَلُ أَرْجَحُ. وَالرَّابِعَةُ: أَنَّ ذَلِكَ الرُّجْحَانَ هَل هُوَ مُطْلَقٌ، أَو فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ؟ وَاللهُ أَعْلَمُ. [١٩/ ١٥١ - ١٥٢] ١٢٤٠ - الْمُنْحَرِفُونَ مِن أَتْبَاعِ الْأَئِمَّةِ فِي الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ انْحِرَافُهُم أَنْوَاعٌ: أَحَدُهَا: قَوْلٌ لَمْ يَقُلْهُ الْإِمَامُ وَلَا أَحَدٌ مِنَ الْمَعْرُوفَيْنِ مِن أَصْحَابِهِ بِالْعِلْمِ.

стр. 1017

الثَّانِي: قَوْلٌ قَالَهُ بَعْضُ عُلَمَاءِ أَصْحَابِهِ وَغَلِطَ فِيهِ. الثَّالِثُ: قَوْلٌ قَالَهُ الْإِمَامُ فَزِيدَ عَلَيْهِ قَدْرًا أَو نَوْعًا كَتَكفِيرِهِ نَوْعًا مِن أَهْلِ الْبِدَع كالْجَهْمِيَّة؛ فَيَجْعَلُ الْبدَع نَوْعًا وَاحِدًا، حَتَّى يَدْخُلَ فِيهِ الْمُرْجِئَةُ وَالْقَدَرِيِّةُ، أَو ذَمَّهُ لِأَصْحَابِ الرَّأيِ بِمُخَالَفَةِ الْحَدِيثِ وَالْإِرْجَاءِ، فَيَخْرُجُ ذَلِكَ إلَى التَّكْفِيرِ وَاللَّعْنِ (١). الرَّابعُ: أَنْ يَفْهَمَ مِن كَلَامِهِ مَا لَمْ يُرِدْهُ أَو يَنْقُلَ عَنْهُ مَا لَمْ يَقُلْهُ. الْخَامِسُ: أَنْ يَجْعَلَ كَلَامَة عَامًّا أَو مُطْلَقًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ. السَّادِسُ: أَنْ يَكُونَ عَنْهُ فِي الْمَسْألَةِ اخْتِلَافٌ فَيَتَمَسَّكونَ بِالْقَوْلِ الْمَرْجُوحِ (٢). السَّابعُ: أَنْ لَا يَكُونَ قَد قَالَ، أَو نُقِلَ عَنْهُ مَا يُزِيلُ شُبْهَتَهُم مَعَ كَوْنِ لَفْظِهِ مُحْتَمِلًا لَهَا. الثَّامِنُ: أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ مُشْتَمِلًا عَلَى خَطَأٍ (٣). فَالْوُجُوهُ الستَّةُ تبيِّنُ مِن مَذْهَبِهِ نَفْسِهِ أَنَّهُم خَالَفُوهُ وَهُوَ الْحَقُّ. وَالسَّابعُ خَالَفُوا الْحَقَّ وَإِن لَمْ يُعْرفْ مَذْهَبُهُ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا. وَالثَّامِنُ خَالَفُوا الْحَقَّ وَإِن وَافَقُوا مَذْهَبَهُ. [٢٠/ ١٨٤ - ١٨٦] ١٢٤١ - [الإمامُ] أَحْمَدُ كَانَ أَعْلَمَ مِن غَيْرِهِ بِالْكِتَاب وَالسُّنَّةِ وَأَقْوَالِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُم بِإِحْسَانٍ؛ وَلهَذَا لَا يَكَادُ يُوجَدُ لَهُ قَوْلٌ يُخَالِفُ نَصًّا كَمَا يُوجَدُ

стр. 1018

لِغَيْرِهِ، وَلَا يُوجَدُ لَهُ قَوْلٌ ضَعِيفٌ فِي الْغَالِبِ إلَّا وَفِي مَذْهَبِهِ قَوْلٌ يُوَافِقُ الْقَوْلَ الْأَقْوَى، وَأَكْثَرُ مفاريده الَّتِي لَمْ يَخْتَلِفْ فِيهَا مَذْهَبُهُ يَكُونُ قَوْلُهُ فِيهَا رَاجِحًا؛ كَقَوْلِهِ بِجَوَازِ فَسْخِ الْإِفْرَادِ وَالْقِرَانِ إلَى التَّمَتّعِ، وَقَبُولِهِ شَهَادَةَ أَهْلِ الذمَّةِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ عِنْدَ الْحَاجَةِ. وَأَمَّا مَا يُسَمِّيهِ بَعْضُ النَّاسِ مُفْرَدَة لِكَوْنِهِ انْفَرَدَ بِهَا عَن أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ، مَعَ أَنَّ قَوْلَ مَالِكٍ فِيهَا مُوَافِق لِقَوْلِ أَحْمَد أَو قَرِيبٌ مِنْهُ .. فَهَذِهِ غَالِبُهَا يَكُونُ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَحْمَد أَرْجَحَ مِنَ الْقَوْلِ الْآخَرِ، وَمَا يَتَرَجَّحُ فِيهَا الْقَوْلُ الْآخَرُ يَكُونُ مِمَّا اخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ أَحْمَد، وَهَذَا كَإِبْطَالِ الْحِيَلِ الْمُسْقِطَهِ لِلزَّكَاةِ وَالشُّفْعَةِ وَنَحْوُ ذَلِكَ الْحِيَلُ الْمُبِيحَةُ لِلرِّبَا وَالْفَوَاحِشِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَكَاعْتِبَارِ الْمَقَاصِدِ وَالنِّيَّاتِ فِي الْعُقُودِ، وَالرُّجُوعِ فِي الْأَيْمَانِ إلَى سَبَبِ الْيَمِينِ وَمَا هَيَّجَهَا مَعَ نِيَّةِ الْحَالِفِ. [٢٠/ ٢٢٩ - ٢٣٠] * * * (هل لَازِمُ مَذْهَبِ الْإِنْسَانِ مَذْهَبٌ لَهُ ؟) ١٢٤٢ - الصَّوَابُ: أَنَّ لَازِمَ مَذْهَبِ الْإِنْسَانِ لَيْسَ بِمَذْهَبٍ لَهُ إذَا لَمْ يَلْتَزِمْهُ؛ فَإِنَّهُ إذَا كَانَ قَد أَنْكَرَهُ وَنَفَاهُ كَانَت إضَافَتُهُ إلَيْهِ كَذِبًا عَلَيْهِ، بَل ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ قَوْلِهِ وَتَنَاقُضِهِ فِي الْمَقَالِ، غَيْرِ الْتِزَامِهِ اللَّوَازِمَ الَّتِي يَظْهَرُ أَنَّهَا مِن قِبَلِ الْكفْرِ وَالْمِحَالِ مِمَّا هُوَ أَكْثَرُ. [٢٠/ ٢١٧] ١٢٤٣ - لَازِمُ قَوْلِ الْإِنْسَانِ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: لَازِمُ قَوْلِهِ الْحَقّ، فَهَذَا مِمَّا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَلْتَزِمَهُ؛ فَإِنَّ لَازِمَ الْحَقِّ حَقٌّ، وَيَجُوزُ أَنْ يُضَافَ إلَيْهِ إذَا عُلِمَ مِن حَالِهِ أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ مِن الْتِزَامِهِ بَعْدَ ظُهُورِهِ، وَكَثِيرٌ مِمَّا يُضِيفُهُ النَّاسُ إلَى مَذْهَبِ الْأَئِمَّةِ مِن هَذَا الْبَابِ. وَالثَّائِي: لَازِمُ قَوْلِهِ الَّذِي لَيْسَ بِحَق، فَهَذَا لَا يَجِبُ الْتِزَامُهُ؛ إذ أَكْثَرُ مَا فِيهِ أَنَّهُ قَد تَنَاقَضَ، وَقَد ثَبَتَ أَنَّ التَّنَاقُضَ وَاقِعٌ مِن كُلّ عَالِمٍ غَيْرِ النَّبِيِّينَ.

стр. 1019

ثُمَّ إنْ عُرِفَ مِن حَالِهِ أَنَّهُ يَلْتَزِمُهُ بَعْدَ ظُهُورِهِ لَهُ: فَقَد يُضَافُ إلَيْهِ، وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُضَافَ إلَيْهِ قَوْلٌ لَو ظَهَرَ لَهُ فَسَادُهُ لَمْ يَلْتَزِمْهُ؛ لِكَوْنِهِ قَد قَالَ مَا يَلْزَمُهُ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ بِفَسَادِ ذَلِكَ الْقَوْلِ وَلَا يَلْزَمُهُ. وَهَذَا التَّفْصِيلُ فِي اخْتِلَافِ النَاسِ فِي لَازِمِ الْمَذْهَبِ: هَل هُوَ مَذْهَبٌ أَو لَيْسَ بِمَذْهَبٍ؟ هُوَ أَجْوَدُ مِن إطْلَاقِ أَحَدِهِمَا، فَمَا كَانَ مِن اللَّوَازِمِ يَرْضَاهُ الْقَائِلُ بَعْدَ وُضُوحِهِ لَهُ فَهُوَ قَوْلُهُ، وَمَا لَا يَرْضَاهُ فَلَيْسَ قَوْلُهُ وَإِن كَانَ مُتَنَاقِضًا. [٢٩/ ٤١ - ٤٢] * * * (رفع الملام عن الأئمة الأعلام) ١٢٤٤ - يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بَعْدَ مُوَالَاةِ اللهِ وَرَسُولِهِ مُوَالَاةُ الْمُؤمِنِينَ كَمَا نَطَقَ بِهِ الْقُرْآنُ، خُصُوصًا الْعُلَمَاءُ الَّذِينَ هُم وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، الَّذِين جَعَلَهُم اللهُ بِمَنْزِلَةِ النُّجُومِ يُهْتَدَى بِهِم فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، وَقَد أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى هِدَايَتِهِمْ وَدِرَايَتِهِمْ، إذ كَلُّ أُمَّةٍ قَبْلَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَعُلَمَاؤُهَا شِرَارُهَا، إلَّا الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّ عُلَمَاءَهُم خِيَارُهُم؛ فَإِنَّهُم خُلَفَاءُ الرَّسُولِ فِي أُمَّتِهِ، والمحيون لِمَا مَاتَ مِن سُنَّتِهِ، بِهِم قَامَ الْكِتَابُ وَبِهِ قَامُوا، وَبِهِم نَطَقَ الْكِتَابُ وَبِهِ نَطَقُوا. وَليُعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْمَقْبُولِينَ عِنْدَ الْأمَّةِ قَبُولًا عَامًّا يَتَعَمَّدُ مُخَالَفَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي شَيءٍ مِن سُنَتِهِ؛ دَقِيقٍ وَلَا جَلِيلٍ؛ فَإِنَّهُم مُتَّفِقُونَ اتِّفَاقًا يَقِينِيًّا عَلَى وُجُوبِ اتِّبَاعِ الرَّسُولِ، وَعَلَى أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ يُؤخَذُ مِن قَوْلِهِ ويُتْرَكُ إلَّا رَسُولَ اللهِ ﷺ ، وَلَكنْ إذَا وُجِدَ لِوَاحِدٍ مِنْهُم قَوْلٌ قَد جَاءَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ بِخِلَافِهِ فَلَا بُدَّ لَهُ مِن عُذْرٍ فِي تَرْكِهِ. وَجَمِيعُ الْأَعْذَارِ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ: أَحَدُهَا: عَدَمُ اعْتِقَادِهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَهُ. وَالثَّانِي: عَدَمُ اعْتِقَادِهِ إرَادَةَ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ بِذَلِكَ الْقَوْلِ.

стр. 1020

وَالثَّالِثُ: اعْتِقَادُهُ أَنَّ ذَلِكَ الْحكمَ مَنْسُوخ. وَهَذِهِ الْأَصْنَافُ الثَّلَاثَةُ تتفَرَّعُ إلَى أَسْبَابٍ مُتَعَدِّدَةٍ: السَّبَبُ الْأوّلُ: أَلَّا يَكُونَ الْحَدِيثُ قَد بَلَغَهُ. وَهَذَا السَّبَبُ هُوَ الْغَالِبُ عَلَى أَكْثَرِ مَا يُوجَدُ مِن أَقْوَالِ السَّلَفِ مُخَالِفًا لِبَعْضِ الْأَحَادِيثِ؛ فَإِنَّ الْإِحَاطَةَ بِحَدِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ لَمْ تَكُنْ لِأَحَدٍ مِنَ الْأُمَّةِ. وَلَا يَقُولَن قَائِل: الْأَحَادِيثُ قَد دُوِّنَتْ وَجُمِعَتْ، فَخَفَاؤُهَا وَالْحَالُ هَذِهِ بَعِيدٌ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الدَّوَاوِينَ الْمَشْهُورَةَ فِي السُّنَنِ إنَّمَا جُمِعَتْ بَعْدَ انْقِرَاضِ الْأَئِمَّةِ الْمَتْبُوعِينَ، وَمَعَ هَذَا فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَدَّعِيَ انْحِصَارَ حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي دَوَاوِينَ مُعَيَّنةٍ. ثُمَّ لَو فُرِضَ انْحِصَارُ حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَلَيْسَ كُلُّ مَا فِي الْكُتُبِ يَعْلَمُهُ الْعَالِمُ وَلَا يَكَادُ ذَلِكَ يَحْصُلُ لِأَحَدٍ. بَل قَد يَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ الدَّوَاوِينُ الْكَثِيرَةُ وَهُوَ لَا يُحِيطُ بِمَا فِيهَا، بَل الَّذِينَ كَانُوا قَبْلَ جَمْعِ هَذِهِ الدَّوَاوِينِ أَعْلَمُ بِالسُّنَّةِ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ بِكَثِيرٍ؛ لِأَنَّ كَثِيرًا مِمَّا بَلَغَهُم وَصَحَّ عِنْدَهُم قَد لَا يَبْلُغُنَا إلَّا عَن مَجْهُولٍ، أَو بِإِسْنَادٍ مُنْقَطِعٍ، أَو لَا يَبْلُغُنَا بِالْكُلِّيَّةِ، فَكَانَت دَوَاوِينُهُم صُدُورَهُم الَّتِي تَحْوِي أَضْعَافَ مَا فِي الدَّوَاوِينِ، وَهَذَا أَمْرٌ لَا يَشُكُّ فِيهِ مَن عَلِمَ الْقَضِيَّةَ. وَلَا يَقُولَنَّ قَائِل: مَن لَمْ يَعْرِفِ الْأحَادِيثَ كُلَّهَا لَمْ يَكُن مُجْتَهِدًا؛ لِأنَّهُ إن اُشْتُرِطَ فِي الْمُجْتَهِدِ عِلْمُهُ بِجَمِيعِ مَا قَالَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَفِعْلُهُ فِيمَا يَتَعَلَّق بِالْأَحْكَامِ: فَلَيْسَ فِي الْأُمَّةِ مُجْتَهِدٌ، وَإِنَّمَا غَايَةُ الْعَالِمِ أَنْ يَعْلَمَ جُمْهُورَ ذَلِكَ وَمُعْظَمَهُ بِحَيْثُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ إلَّا الْقَلِيلُ مِنَ التَّفْصِيلِ، ثُمَّ إنَّهُ قَد يُخَالِفُ ذَلِكَ الْقَلِيلَ مِنَ التَّفْصِيلِ الَّذِي يَبْلُغُهُ. السَبَبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ قَد بَلَغَهُ لَكِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ.

стр. 1021

السَّبَبُ الثَّالِثُ: اعْتِقَادُ ضَعْفِ الْحَدِيثِ بِاجْتِهَادٍ قَد خَالَفَهُ فِيهِ غَيْرُهُ، مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَن طَرِيقٍ آخَرَ سَوَاءٌ كَانَ الصَّوَابُ مَعَهُ أَو مَعَ غَيْرِهِ أَو مَعَهُمَا عِنْدَ مَن يَقُولُ: كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ. السَّبَبُ الرَّابعُ: اشْتِرَاطُهُ فِي خَبَرِ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ الْحَافِظِ شُرُوطًا يُخَالِفُهُ فِيهَا غَيْرُهُ؛ مِثْل اشْتِرَاطِ بَعْضِهِمْ عَرْضَ الْحَدِيثِ عَلَى الْكِتَابِ. السَبَبُ الْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ قَد بَلَغَهُ وَثَبَتَ عِنْدَهُ لَكِنْ نَسِيَه، وَهَذَا يَرِدُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. السَّبَبُ السَّادِسُ: عَدَمُ مَعْرِفَتِهِ بِدَلَالَةِ الْحَدِيثِ: أ- تَارَة لِكَوْنِ اللَّفْظِ الَّذِي فِي الْحَدِيثِ غَرِيبًا عِنْدَهُ. ب- وَتَارَةً لِكَوْنِ مَعْنَاهُ فِي لُغَتِهِ وَعُرْفِهِ غَيْرَ مَعْنَاهُ فِي لُغَةِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَهُوَ يَحْمِلُة عَلَى مَا يَفْهَمُهُ فِي لُغَتِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ اللُّغَةِ. ج- وَتَارَة لِكَوْنِ اللَّفْظِ مُشْتَرَكًا أَو مُجْمَلًا، أَو مُتَرَدِّدًا بَيْنَ حَقِيقَةٍ وَمَجَازٍ، فَيَحْمِلُهُ عَلَى الْأَقْرَب عِنْدَهُ، وإِن كَانَ الْمُرَادُ هُوَ الْآخَرَ كَمَا حَمَلَ جَمَاعَة مِنَ الصَّحَابَةِ فِي أَوَّلِ الأمرِ الْخَيْطَ الْأَبْيَضَ وَالْخَيْطَ الْأَسْوَدَ عَلَى الْحَبْلِ. د- وَتَارَةً لِكَوْنِ الدَّلَالَةِ مِنَ النَّصّ خَفِيَّةً. هـ- وَقَد يَغْلَطُ الرَّجُل فَيَفْهَمُ مِنَ الْكَلَامِ مَا لَا تَحْتَمِلُهُ اللُّغَةُ الْعَرَبِيَّةُ الَّتِي بُعِثَ الرَّسُولُ ﷺ بِهَا. السَّبَبُ السَّابعُ: اعْتِقَادُهُ أَنْ لَا دَلَالَةَ فِي الْحَدِيثِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الَّذِي قَبْلَهُ: أَنَّ الْأَوَّلَ لَمْ يَعْرِفْ جِهَةَ الدَّلَالَةِ، وَالثَّانِي عَرَفَ جِهَةَ الدَّلَالَةِ لَكِنِ اعْتَقَدَ أَنَّهَا لَيْسَتْ دَلَالَةً صَحِيحَةً؛ بِأَنْ يَكُونَ لَهُ مِنَ الْأُصُولِ مَا يَرُدُّ تِلْكَ الدَّلَالَةَ، سَوَاءٌ كَانَت فِي نَفْسِ الْأمْرِ صَوَابًا أَو خَطأً؛ مِثْل: أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ الْعَامَّ الْمَخْصُوصَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، وَأَنَّ الْمَفْهُومَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ .. إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَتَّسِعُ الْقَوْلُ فِيهِ.

стр. 1022

فَإِنَّ شَطْرَ أُصُولِ الْفِقْهِ تَدْخُلُ مَسَائِلُ الْخِلَافِ مِنْهُ فِي هَذَا الْقِسْمِ. السَّبَبُ الثَّامِنُ: اعْتِقَادُهُ أَنَّ تِلْكَ الدَّلَالَهً قَد عَارَضَهَا مَا دَلَّ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مُرَادَةً، مِثْل مُعَارَضَةِ الْعَامِّ بِخَاصٍّ، أَو الْمُطْلَقِ بِمُقَيَّدٍ. السَّبَبُ التَّاسِعُ: اعْتِقَادُهُ أَنَّ الْحَدِيثَ مُعَارَضٌ بِمَا يَدُلُّ عَلَى ضَعْفِهِ، أَو نَسْخِهِ، أَو تَأَوِيلِهِ إنْ كَانَ قَابِلًا لِلتَّأْوِيلِ بِمَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مُعَارضًا بِالِاتِّفَاقِ؛ مِثْل أيَةٍ، أَو حَدِيثٍ آخَرَ، أَو مِثْل إجْمَاعٍ. وَقَد وَجَدْنَا مِن أَعْيَانِ الْعُلَمَاءِ مَن صَارُوا إلَى الْقَوْلِ بِأَشْيَاءَ مُتَمَسَّكُهُم فِيهَا عَدَمُ الْعِلْمِ بِالْمُخَالِفِ، مَعَ أَنَ ظَاهِرَ الْأدِلَّةِ عِنْدَهُم يَقْتَضِي خِلَافَ ذَلِكَ، لَكِنْ لَا يُمْكِنُ الْعَالِمُ أَنْ يَبْتَدِئَ قَوْلًا لَمْ يَعْلَمْ بِهِ قَائِلًا، مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّ النَّاسَ قَد قَالُوا خِلَافَهُ (١)، حَتَّى إنَّ مِنْهُم مَن يُعَلِّقُ الْقَوْلَ فَيَقُولُ: إنْ كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ إجْمَاعٌ فَهُوَ أَحَقُّ مَا يُتْبَعُ وَإِلَّا فَالْقَوْلُ عِنْدِي كَذَا وَكَذَا. السَّبَبُ الْعَاشِرُ: مُعَارَضَتُهُ بِمَا يَدُلُّ عَلَى ضَعْفِهِ أَو نَسْخِهِ أَو تَأَوِيلِهِ مِمَّا لَا يَعْتَقِدُهُ غَيْرُهُ أَو جِنْسُهُ مُعَارِضٌ، أَو لَا يَكُونُ فِي الْحَقِيقَةِ مُعَارضًا رَاجِحًا؛ كَمُعَارَضَةِ كَثِيرٍ مِنَ الْكُوفِيِّينَ الْحَدِيثَ الصَّحِيحَ بِظَاهِرِ الْقُرْآنِ، وَاعْتِقَادِهِمْ أَنَّ ظَاهِرَ الْقُرْآنِ مِنَ الْعُمُومِ وَنَحْوِه مُقَدَّمٌ عَلَى نَصِّ الْحَدِيثِ، ثُمَّ قَد يَعْتَقِدُ مَا لَيْسَ بِظَاهِرٍ ظَاهِرًا لِمَا فِي دَلَالَاتِ الْقَوْلِ مِنَ الْوُجُوهِ الْكثِيرَةِ. فَهَذِهِ الْأَسْبَابُ الْعَشَرَةُ ظَاهِرَة، وَفِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِلْعَالِمِ حُجَّةٌ فِي تَرْكِ الْعَمَلِ بِالْحَدِيثِ لَمْ نَطَّلِعْ نَحْنُ عَلَيْهَا .. لَكِنْ نَحْنُ وَإِن جَوَّزنا هَذَا فَلَا يَجُوزُ لَنَا أنْ نَعْدِلَ عَن قَوْلٍ ظَهَرَتْ حُجَّتُهُ بِحَدِيثٍ صَحِيحٍ وَافَقَهُ طَائِفَةٌ مِن أَهْلِ الْعِلْمِ، إلَى قَوْلٍ آخَرَ قَالَهُ عَالِمٌ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ مَا يَدْفَعُ بِهِ هَذِهِ الْحُجَّةَ وَإِن كَانَ أَعْلَم؛ إذ تَطَرُّقُ الْخَطَأِ إلَى آرَاءِ الْعُلَمَاءِ أَكْثَرُ مِن تَطَرُّقِهِ إلَى

стр. 1023

الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ، فَإِنَّ الْأَدِلَّةَ الشَّرْعِيَّةَ حُجَّةُ اللهِ عَلَى جَمِيعِ عِبَادِهِ بِخِلَافِ رَاي الْعَالِمِ. فَإِذَا جَاءَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ فِيهِ تَحْلِيل أَو تَحْرِيمٌ أَو حُكْمٌ: فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعْتَقَدَ أَنَّ التَّارِكَ لَهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ ألَّذِينَ وَصَفْنَا أَسْبَابَ تَرْكِهِمْ يُعَاقَبُ (١)؛ لِكَوْنِهِ حَلَّلَ الْحَرَامَ أَو حَرَّمَ الْحَلَالَ؛ أَو حَكَمَ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ. وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ فِي الْحَدِيثِ وَعِيدٌ عَلَى فِعْلٍ: مِن لَعْنَةٍ أَو غَضَبٍ أَو عَذَابٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَلَا يَجُوز أَنْ يُقَالَ: إنَّ ذَلِكَ الْعَالِمَ الَّذِي أَبَاحَ هَذَا أَو فَعَلَهُ دَاخِل فِي هَذَا الْوَعِيدِ. وَهَذَا مِمَّا لَا نَعْلَمُ بَيْنَ الْأُمَّةِ فِيهِ خِلَافًا. وَفِي "الصَّحِيحَيْنِ" (٢) عَن عَمْرِو بْنِ العاص ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ وَإِذَا اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَلَة أَجْرٌ" فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْمُجْتَهِدَ مَعَ خَطَئِهِ لَهُ أَجْرٌ؛ وَذَلِكَ لِأَجْلِ اجْتِهَادِهِ وَخَطَؤُهُ مَغْفُورٌ لَهُ. بِخِلَافِ الَّذِينَ أَفْتَوْا الْمَشْجُوجَ فِي الْبَرْدِ بِوُجُوبِ الْغَسْلِ فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ؛ فَإِنَّهُ قَالَ: "قَتَلُوهُ قَتَلَهُم اللهُ، هَلَّا سَأَلوا إذَا لَمْ يَعْلَمُوا؟ إنَّمَا شِفَاءُ الْعَيِّ السُّؤَالُ" (٣)، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ أَخْطَؤوا بِغَيْرِ اجْتِهَادٍ؛ إذ لَمْ يَكُونُوا مِن أَهْلِ الْعِلْمِ (٤). وَكَذَلِكَ لَمْ يُوجِبْ عَلَى أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَوَدًا وَلَا دِيَةً وَلَا كَفارَةً لَمَّا قَتَلَ الَّذِي قَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللهُ فِي غَزْوَةِ الْحُرَقَاتِ، فَإِنَّهُ كَانَ مُعْتَقِدًا جَوَازَ قَتْلِهِ بِنَاءً عَلَى أنَّ هَذَا الْإِسْلَامَ لَيْسَ بِصَحِيح، مَعَ أَنَّ قَتْلَهُ حَرَامٌ. وَعَمِلَ بِذَلِكَ السَّلَفُ وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ فِي أَن مَا اسْتَبَاحَهُ أَهْلُ الْبَغْيِ مِن

стр. 1024

دِمَاءِ أَهْلِ الْعَدْلِ بِتَأوِيل سَائِغٍ لَمْ يُضْمَن بِقَوَدٍ وَلَا دِيَةٍ وَلَا كَفَّارَةٍ، وَإِن كَانَ قَتْلُهُم وَقِتَالُهُم مُحَرَّمًا. ثُمَّ إنَّهُم مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ التَّارِكَ الْمَوْصُوفَ مَعْذُورٌ بَل مَأْجُورٌ: لَا يَمْنَعُنَا أَنْ نَتَّبعَ الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ الَّتِي لَا نَعْلَمُ لَهَا مُعَارضًا يَدْفَعُهَا، وَأَنْ نَعْتَقِدَ وُجُوبَ الْعَمَلِ عَلَى الْأُمَّةِ وَوُجُوبَ تَبْلِيغِهَا، وَهَذَا مِمَّا لَا يَخْتَلِفُ الْعُلَمَاءُ فِيهِ. وَإِنَّمَا رَدَدْنَا الْكَلَامَ؛ لِأَنَّ لِلنَاسِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا -وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ السَّلَفِ وَالْفُقَهَاءِ-: أَنَّ حُكْمَ اللهِ وَاحِدٌ، وَأَنَّ مَن خَالَفَهُ بِاجْتِهَادٍ سَائِغٍ مُخْطِئٌ مَعْذُورٌ مَأْجُورٌ. فَعَلَى هَذَا يَكُونُ ذَلِكَ الْفِعْلُ الَّذِي فَعَلَهُ الْمُتَأَوِّلُ بِعَيْنِهِ حَرَامًا، لَكِنْ لَا يَتَرَتَّبُ أَثَرُ التَّحْرِيمِ عَلَيْهِ لِعَفْوِ اللهِ عَنْهُ، فإِنَّهُ لَا يُكَلِّفُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا. وَالثَّانِي: فِي حَقِّهِ لَيْسَ بِحَرَامٍ؛ لِعَدَمِ بُلُوغِ دَلِيلِ التَّحْرِيمِ لَهُ، وَإِن كَانَ حَرَامًا فِي حَقِّ غَيْرِهِ، فَتَكونُ نَفْسُ حَرَكَةِ ذَلِكَ الشَّخْصِ لَيْسَتْ حَرَامًا. وَالْخِلَافُ مُتَقَارِبٌ، وَهُوَ شَبِيهٌ بِالِاخْتِلَافِ فِي الْعِبَارَةِ. فَإِنْ قِيلَ: فَمَنِ الْمُعَاقَبُ؟ فَإِنَّ فَاعِلَ هَذَا الْحَرَامِ: إمَّا مُجْتَهِدٌ أَو مُقَلِّدٌ لَهُ، وَكِلَاهُمَا خَارج عَنِ الْعُقُوبَةِ؟ قُلْنَا: قَد يَكُونُ فِي النَّاسِ مَن يَفْعَلُهُ غَيْرَ مُجْتَهِدٍ اجْتِهَادًا يُبِيحُهُ، وَلَا مُقَلِّدًا تَقْلِيدًا يُبِيحُهُ، فَهَذَا الضَّرْبُ قَد قَامَ فِيهِ سَبَبُ الْوَعِيدِ مِن غَيْرِ هَذَا الْمَانِعِ الْخَاصِّ، فَيَتَعرَّضُ لِلْوَعِيدِ ويلْحَقُهُ، إلَّا أَنْ يَقُومَ فِيهِ مَانِعٌ آخَرُ مِن تَوْبَةٍ أَو حَسَنَاتٍ مَاحِيَةٍ أَو غَيْرِ ذَلِكَ. ثُمَّ هَذَا مُضْطَرِبٌ؛ قَد يَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنَّ اجْتِهَادَهُ أَو تَقْلِيدَهُ مُبِيحٌ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ، ويكُونُ مُصِيبًا فِي ذَلِكَ تَارَةً، وَمُخْطِئًا أُخْرَى، لَكِنْ مَتَى تَحَرَّى الْحَقَّ وَلَمْ يَصُدَّهُ عَنْهُ اتِّبَاعُ الْهَوَى فَلَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا. [٢٠/ ٢٣١ - ٢٨٠]

стр. 1025

١٢٤٥ - إِنَّمَا يَتَفَاضَلُ الْعُلَمَاءُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَمَن بَعْدَهُم بِكَثْرَةِ الْعِلْمِ أَو جَوْدَتِهِ. [٢٠/ ٢٣٣] ١٢٤٦ - تَرْجِيحُ بَعْضِ الْأَئِمَّةِ وَالْمَشَايِخِ عَلَى بَعْضٍ؛ مِثْل مَن يُرَجِّحُ إمَامَهُ الَّذِي تَفَقَّهَ عَلَى مَذْهَبِهِ، أَو يُرَجحُ شَيْخَهُ الَّذِي اقْتَدَى بِهِ عَلَى غَيْرِهِ .. : فَهَذَا الْبَابُ أَكْثَرُ النَّاسِ يَتَكَلَّمُونَ فِيهِ بِالظَّنِّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ (١)؛ فَإِنَّهُم لَا يَعْلَمُونَ حَقِيقَةَ مَرَاتِبِ الأئِمَّةِ وَالْمَشَايِخِ، وَلَا يَقْصِدُونَ اتِّبَاعَ الْحَقّ الْمُطْلَقِ، بَل كُلُّ إنْسَانٍ تَهْوَى نَفْسُهُ أَنْ يُرَجِّحَ مَتْبُوعَهُ فَيُرَجِّحَهُ بِظَنٍّ يَظُنُّهُ، وَإِن لَمْ يَكُن مَعَهُ بُرْهَانٌ عَلَى ذَلِكَ، وَقَد يُفْضِي ذَلِكَ إلَى تَحَاجِّهِمْ وَقِتَالِهِمْ وَتَفَرُّقِهِمْ، وَهَذَا مِمَّا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ. وَأَمَّا مَن تَرَجَّحَ عِنْدَهُ فَضْلُ إمَامٍ عَلَى إمَامٍ، أَو شَيْخٍ عَلَى شَيْخِ بِحَسَبِ اجْتِهَادِهِ كَمَا تَنَازَع الْمُسْلِمُونَ: أَيُّهُمَا أَفْضَلُ التَّرْجِيعُ فِي الْأذَانِ أَو تَرْكُهُ؟ أَوَ إفْرَادُ الْإِقَامَةِ أَو تَثْنِيَتُهَا؟ .. وَنَحْوُ ذَلِكَ: فَهَذِهِ مَسَائِلُ الِاجْتِهَادِ الَّتِي تَنَازَعَ فِيهَا السَّلَفُ وَالْأئِمَّةُ، فَكُل مِنْهُم أَقَرَّ الْآخَرَ عَلَى اجْتِهَادِهِ، مَن كَانَ فِيهَا أَصَابَ الْحَقَّ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَمَن كَانَ قَدِ اجْتَهَدَ فَأخْطَأَ فَلَة أَجْرٌ، وَخَطَؤُهُ مَغْفُورٌ لَهُ، فَمَن تَرَجَّحَ عِنْدَهُ تَقْلِيدُ الشَافِعِيِّ لَمْ يُنْكِرْ عَلَى مَن تَرَجَّحَ عِنْدَهُ تَقْلِيدُ مَالِكٍ، وَمَن تَرَجَّحَ عِنْدَهُ تَقْلِيدُ أَحْمَد لَمْ يُنْكِرْ عَلَى مَن تَرَجَّحَ عِنْدَهُ تَقْلِيدُ الشَّافِعِيِّ وَنَحْوُ ذَلِكَ. وَلَا أحَدَ فِي الْإِسْلَامِ يُجِيبُ الْمُسْلِمِينَ كُلَّهُم بِجَوَابٍ عَامّ: أَنَّ فُلَانًا أَفْضَلُ مِن فُلَانٍ فَيُقْبَلُ مِنْهُ هَذَا الْجَوَابَ، لأنَّهُ مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ كُلَّ طَائِفَةٍ تُرَجِّحُ مَتْبُوعَهَا فَلَا تَقْبَلُ جَوَابَ مَن يُجِيبُ بِمَا يُخَالِفُهَا فِيهِ. وَمَا مِن إمَامٍ إلَّا لَهُ مَسَائِلُ يَتَرَجَّحُ فِيهَا قَوْلُهُ عَلَى قَوْلِ غَيْرِهِ، وَلَا يَعْرِفُ هَذَا التَّفَاضُلَ إلَّا مَن خَاضَ فِي تَفَاصِيلِ الْعِلْمِ. [٢٠/ ٢٩١ - ٢٩٣]

стр. 1026

١٢٤٧ - مَن ظَنَّ بِأَبِي حَنِيفَةَ أَو غَيْرِهِ مِن أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُم يَتَعَمَّدُونَ مُخَالَفَةَ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ لِقِيَاسٍ أَو غَيْرِهِ فَقَد أَخْطَأَ عَلَيْهِمْ، وَتَكَلَّمَ إمَّا بِظَنّ وإِمَّا بِهَوَى، فَهَذَا أَبُو حَنِيفَةَ يَعْمَلُ بِحَدِيثِ التوضي بِالنَّبِيذِ فِي السَّفَرِ مُخَالَفَةً لِلْقِيَاسِ، وَبِحَدِيثِ الْقَهْقَهَةِ فِي الصَّلَاةِ مَعَ مُخَالَفَتِهِ لِلْقِيَاسِ؛ لِاعْتِقَادِهِ صِحَّتَهُمَا، وَإِن كَانَ أَئِمَّةُ الْحَدِيثِ لَمْ يُصَحِّحُوهُمَا. [٢٠/ ٣٠٤ - ٣٠٥] ١٢٤٨ - إِنَّ الْمُوَطَّأَ لِمَن تَدَبَّرَهُ وَتَدَبَّرَ تَرَاجِمَهُ وَمَا فِيهِ مِنَ الْآثَارِ وَتَرْتِيبَهُ: عَلِمَ قَوْلَ مَن خَالَفَهَا مِن أَهْلِ الْعِرَاقِ، فَقَصَدَ بِذَلِكَ التَّرْتِيبِ وَالآثَارِ بَيَانَ السُّنَّةِ وَالرَّدَّ عَلَى مَن خَالَفَهَا، وَمَن كَانَ بِمَذْهَبِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْعِرَاقِ أَعْلَمَ كَانَ أَعْلَمَ بِمِقْدَارِ الْمُوَطَّأِ؛ وَلهَذَا كَانَ يَقُولُ: كِتَابٌ جَمَعْته فِي كَذَا وَكَذَا سَنَةٍ تَأْخُذُونَهُ فِي كَذَا وَكَذَا يَوْمًا كَيْفَ تَفْقَهُونَ مَا فِيهِ؟ أَو كَلَامًا يُشْبِهُ هَذَا. ١٢٤٩ - مَتَى اعْتَقَدَ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى النَّاسِ اتِّبَاعُ وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ مِن هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ دُونَ الْإِمَامِ الْآخَرِ: فَإِنَّهُ يَجِبُ أَنْ يُسْتَتَابَ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ. بَل غَايَةُ مَا يُقَالُ: إنَّهُ يَسُوغُ أَو يَنْبَغِي أَو يَجِبُ عَلَى الْعَامِّيِّ أَنْ يُقَلِّدَ وَاحِدًا لَا بِعَيْنِهِ مِن غَيْرِ تَعْيِينِ زيدٍ وَلَا عَمْرٍو. وَأَمَّا أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: إنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْعَامَّةِ تَقْلِيدُ فُلَانٍ أَو فُلَانٍ فَهَذَا لَا يَقُولُهُ مُسْلِم. [٢٢/ ٢٤٩] ١٢٥٠ - أَصْحَاب مَالِكٍ: السُّنَّةُ عِنْدَهُم قَد تَكُونُ وَاجِبَةً إذَا تَرَكَهَا أَعَادَ، فَيَظُنُّ مَن يَظُنُّ أَنَّ السُّنَّةَ عِنْدَهُم لَا تكُونُ إلَّا لِمَا يَجُوزُ تَرْكُهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ. [٢٢/ ٣٨١] * * * (وحي الملائكة للبشر) ١٢٥١ - أَخْبَرَ اللهُ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ تُوحِي إلَى الْبَشَرِ مَا تُوحِيهِ، وَإِن كَانَ الْبَشَرُ لَا يَشْعُرُ بِأَنَّهُ مِنَ الْمَلَكِ، كَمَا لَا يَشْعُرُ بِالشَّيْطَانِ الْمُوَسْوِسِ، لَكِنَّ اللهَ أَخْبَرَ أَنَّهُ

стр. 1027

يُكَلِّمُ الْبَشَرَ وَحْيًا، وَيُكَلِّمُهُ بِمَلَكٍ يُوحِي بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ، وَالثَّالِثُ: التَّكْلِيمُ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ (١). وَقَد قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: الْمُرَادُ بِالْوَحْيِ هُنَا الْوَحْيُ فِي الْمَنَامِ، وَلَمْ يَذْكرْ أَبُو الْفَرَجِ غَيْرَه، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ؛ فَإِنَّ الْمَنَامَ: أ- تَارَة يَكُونُ مِنَ اللهِ. ب- وَتَارَةً يَكُونُ مِنَ النَّفْسِ. ج- وَتَارَة يَكُونُ مِنَ الشَّيْطَانِ. وَهَكَذَا مَا يُلْقَى فِي الْيَقَظَةِ. وَالْأَنْبِيَاءُ مَعْصُومُونَ فِي الْيَقَظَةِ وَالْمَنَامِ، وَلهَذَا كَانَت رُؤَيا الْأَنْبِيَاءِ وَحْيًا، كَمَا قَالَ ذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وَقَرَأَ قَوْلَهُ: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات: ١٠٢]. فَإِذَا جَازَ أَنْ يُوحَى إلَيْهِ فِي حَالِ النَّوْمِ، فَلِمَاذَا لَا يُوحَى إلَيْهِ فِي حَالِ الْيَقَظَةِ؟ كَمَا أَوْحَى إلَى أُمّ مُوسَى وَالْحَوَارِيّينَ وَإِلَى النَّحْلِ، لَكِنْ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُطْلِقَ الْقَوْلَ عَلَى مَا يَقَعُ فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ وَحْيٌ لَا فِي يَقَظَةٍ وَلَا فِي الْمَنَامِ إلَّا بِدَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ؛ فَإِنَ الْوَسْوَاسَ غَالِبٌ عَلَى النَّاسِ. [١٧/ ٥٣١ - ٥٣٢] * * *

стр. 1028

الكرامات والمعجزات ١٢٥٢ - بَيْنَ كَرَامَاتِ الْأَوْليَاءِ وَمَا يُشْبِهُهَا مِن الْأحْوَالِ الشَّيْطَانِيَّةِ فُرُوقٌ مُتَعَدِّدَةٌ: مِنْهَا: أَنَّ "كَرَامَاتِ الْأَوْليَاءِ" سَبَبُهَا الْإِيمَانُ وَالتَّقْوَى وَ"الْأَحْوَالُ الشَّيْطَانِيَّةُ" سَبَبُهَا مَا نَهَى اللهُ عَنْهُ وَرَسُولُهُ. [١١/ ٢٨٧] ١٢٥٣ - النَّاسُ فِي خَوَارِقِ الْعَادَاتِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: "قِسْمٌ " يُكَذِّبُ بِوُجُودِ ذَلِكَ لِغَيْرِ الأنْبِيَاءِ وَرُبَّمَا صَدَّقَ بِهِ مُجْمَلًا وَكَذَّبَ مَا يُذْكَرُ لَهُ عَن كَثيرٍ مِن النَاسِ لِكَوْنِهِ عِنْدَهُ لَيْسَ مِن الْأَوْليَاءِ. وَمِنْهُم مَن يَظُنُّ أَنَّ كُلَّ مَن كَانَ لَهُ نَوْغ مِن خَرْقِ الْعَادَةِ كَانَ وَليًّا للهِ. وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ خَطَأٌ، وَلهَذَا تَجِدُ أَنَّ هَؤُلَاءِ يَذْكرُونَ أَنَّ لِلْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ نُصَرَاءَ يُعِينُونَهُم عَلَى قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ وَأَنَّهُم مِن أَوْليَاءِ اللهِ. وَأُولَئِكَ يُكَذِّبُونَ أنْ يَكُونَ مَعَهُم مَن لَهُ خَرْقُ عَادَةٍ. وَالصَّوَابُ الْقَوْلُ الثَّالِثُ: وَهُوَ أَنَّ مَعَهُم مَن يَنْصُرُهُم مِن جِنْسِهِمْ لَا مِن أَوْليَاءِ اللهِ ، كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١]. [١١/ ٢٩٤ - ٢٩٥] ١٢٥٤ - إِنَّمَا غَايَةُ الْكَرَامَةِ لُزُومُ الِاسْتِقَامَةِ، فَلَمْ يُكْرِمِ اللّهُ عَبْدًا بِمِثْل أَنْ يُعِينَهُ عَلَى مَا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ، وَيزِيدُهُ مِمَّا يُقَرِّبُهُ إلَيْهِ ويرْفَعُ بِهِ دَرَجَتَهُ. [١١/ ٢٩٨] ١٢٥٥ - جُمِعَ لِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ جَمِيعُ أَنْوَاعِ الْمُعْجِزَاتِ وَالْخَوَارِقِ. [١١/ ٣١٥] ١٢٥٦ - الْخَارِقُ -كَشْفًا كَانَ أَو تَأْثِيرًا-: إنْ حَصَلَ بِهِ فَائِدَةٌ مَطْلُوبَة فِي الدِّينِ كَانَ مِن الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ الْمَأْمُورِ بِهَا دِينًا وَشَرْعًا إمَّا وَاجِبٌ وإِمَّا مُسْتَحَبٌّ.

стр. 1029

وَإِن حَصَلَ بِهِ أَمْرٌ مُبَاحٌ كَانَ مِن نِعَمِ اللهِ الدُّنْيَوِيَّةِ الَّتِي تَقْتَضِي شُكْرًا. وَإِن كَانَ عَلَى وَجْهٍ يَتَضَمَّنُ مَا هُوَ مَنْهِي عَنْهُ نَهْيَ تَحْرِيمٍ أَو نَهْيَ تَنْزِيهٍ كَانَ سَبَبًا لِلْعَذَابِ أَو الْبُغْضِ كَقِصَّةِ الَّذِي أُوتِيَ الْآيَاتِ فَانْسَلَخَ مِنْهَا: بلعام بْنُ باعوراء. [١١/ ٣١٩] ١٢٥٧ - مَن كُوشِفَ بِصِدْقِ الْيَقِينِ أُغْنِيَ بِذَلِكَ عَن رُؤيَةِ خَرْقِ الْعَادَاتِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْهَا كَانَ حُصُولُ الْيَقِينِ وَقَد حَصَلَ الْيَقِينُ، فَلَو كُوشِفَ هَذَا الْمَرْزُوقُ صِدْقَ الْيَقِينِ بِشَيءٍ مِن ذَلِكَ لَازْدَادَ يَقِينًا، فَلَا تَقْتَضِي الْحِكْمَةُ كَشْفَ الْقُدْرَةِ بِخَوَارِقِ الْعَادَاتِ لِهَذَا الْمَوْضِعِ؛ اسْتِغْنَاءً بِهِ، وَتَقْتَضِي الْحِكْمَةُ كَشْفَ ذَلِكَ الْآخَرِ لِمَوْضِعِ حَاجَتِهِ، وَكَانَ هَذَا الثَّانِي يَكُونُ أَتَمَّ اسْتِعْدَادًا وَأَهْلِيَّةً مِن الْأَوَّلِ. فَسَبِيلُ الصَّادِقِ مُطَالَبَةُ النَّفْسِ بِالِاسْتِقَامَةِ فَهِيَ كُلُّ الْكَرَامَةِ. ثُمَّ إذَا وَقَعَ فِي طَرِيقِهِ شَيءٌ خَارِقٌ كَانَ كَاَنْ لَمْ يَقَعْ فَمَا يُبَالِي، وَلَا يَنْقُصُ بِذَلِكَ، وَإِنَّمَا يَنْقُصُ بِالْإِخْلَالِ بِوَاجِبِ حَقِّ الِاْسْتِقَامَةِ. [١١/ ٣٢١] ١٢٥٨ - اعْلَمْ أَنَّ عَدَمَ الْخَوَارِقِ عِلْمًا وَقُدْرَةً لَا تَضُرُّ الْمُسْلِمَ فِي دِينِهِ، فَمَن لَمْ يَنْكَشِفْ لَهُ شَيءٌ مِن الْمُغَيَّبَاتِ وَلَمْ يُسَخَّرْ لَهُ شَيْءٌ مِن الْكَوْنِيَّاتِ لَا يَنْقُصُهُ ذَلِكَ فِي مَرْتبَتِهِ عِنْدَ اللهِ، بَل قَد يَكُونُ عَدَمُ ذَلِكَ أَنْفَعَ لَهُ فِي دِينِهِ. [١١/ ٣٢٣] ١٢٥٩ - إنَّ لِلدِّينِ عِلْمًا وَعَمَلًا إذَا صَحَّ فَلَا بُدَّ أَنْ يُوجِبَ خَرْقَ الْعَادَةِ إذَا احْتَاجَ إلَى ذَلِكَ صَاحِبُهُ. قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢، ٣]. ١٢٦٠ - مَا يُلْقِيهِ اللهُ فِي قُلُوبِ الْمُؤمِنِينَ مِن الْإِلْهَامَاتِ الصَّادِقَةِ الْعَادِلَةِ هِيَ مِن وَحْيِ اللّهِ، وَكَذَلِكَ مَا يُرِيهِمْ إيَّاة فِي الْمَنَامِ، قَالَ عبادة بْنُ الصَّامِتِ: رُؤْيَا الْمُومِنِ كَلَامٌ يُكَلّمُ بِهِ الرَّبُّ عَبْدَهُ فِي مَنَامِهِ. [١٥/ ٩٨] * * *

стр. 1030

(فضائل الشام وأهلِه) ١٢٦١ - ثَبَتَ لِلشَّامِ وَأَهْلِهِ مَنَاقِبُ: بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَآثَارِ الْعُلَمَاءِ، وَهِيَ أَحَدُ مَا اعْتَمَدْته فِي تَحْضِيضِي الْمُسْلِمِينَ عَلَى غَزْوِ التَّتَارِ وَأَمْرِي لَهُم بِلُزُومِ دِمَشْقَ، وَنَهْيِي لَهُم عَن الْفِرَارِ إلَى مِصْرَ، وَاسْتِدْعَائِي الْعَسْكَرَ الْمِصْرِيَّ إلَى الشَّامِ وَتَثْبِيتِ الشَّامِيِّ فِيهِ، وَقَد جَرَتْ فِي ذَلِكَ فُصُولٌ مُتَعَدِّدَةٌ. وَهَذِهِ الْمَنَاقِبُ أُمُورٌ: أَحَدُهَا: الْبَرَكَةُ فِيهِ، ثَبَتَ ذَلِكَ بِخَمْسِ آياتٍ مِن كتَابِ اللهِ تَعَالَى (١). وَأَيْضًا: فَفِيهَا الطُّورُ الَّذِي كَلَّمَ اللهُ عَلَيْهِ مُوسَى، وَاَلَّذِي أَقْسَمَ اللهُ بِهِ فِي "سُورَةِ الطُّورِ" وفِي ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢)﴾ [التين: ١ - ٢]. وَفِيهَا الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى. وَفِيهَا مَبْعَثُ أَنْبِيَاءَ بَنِي إسْرَائِيلَ، وَإِلَيْهَا هِجْرَةُ إبْرَاهِيمَ، وَإِلَيْهَا مَسْرَى نَبِيَّنَا، وَمِنْهَا مِعْرَاجُهُ، وَبِهَا مُلْكُهُ وَعَمُودُ دِينِهِ وَكِتَابِهِ وَطَائِفَة مَنْصُورَةٌ مِن أُمَّتِهِ، وَإِلَيْهَا الْمَحْشَرُ وَالْمَعَادُ، كَمَا أَنَ مِن مَكَّةَ الْمَبْدَأُ، فَمَكَّةُ أُمُّ الْقُرَى مِن تَحْتِهَا دُحِيَت الْأَرْضُ، وَالشَّامُ إلَيْهَا يُحْشَرُ النَّاسُ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ [الحشر: ٢] نَبَّهَ عَلَى الْحَشْرِ الثَّانِي، فَمَكَّةُ مَبْدَأٌ، وإيليا مَعَادٌ فِي الْخَلْقِ، وَكَذَلِكَ فِي الْأمْرِ فَإِنَّهُ أسْرِيَ بِالرَّسُولِ مِن مَكَّةَ إلَى إيليا، وَمَبْعَثُهُ وَمَخْرَجُ دِينِهِ مِن مَكَّةَ، وَكَمَالُ دِينِهِ وَظُهُوور وَتَمَامُهُ حَتَّى مَمْلَكَةِ الْمَهْدِيِّ بِالشَّامِ، فَمَكَّةُ هِيَ الْأَوَّلُ، وَالشَّامُ هِيَ الْآخِرُ: فِي الْخَلْقِ وَالْأَمْرِ، فِي الْكَلِمَاتِ الْكَوْنِيَّةِ وَالدِّينِيَّةِ. وَمِن ذَلِكَ: أَنَّ بِهَا طَائِفَةً مَنْصُورَةً إلَى قِيَامِ السَّاعَةِ، وَهِيَ الَّتِي ثَبَتَ فِيهَا الْحَدِيثُ فِي الصِّحَاحِ مِن حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ وَغَيْرِهِ: "لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِن أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُم مَن خَالَفَهُم وَلَا مَن خَدَلَهُم حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ" (٢). وَفِيهِمَا عَن مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: "وَهُم فِي الشَّامِ".

стр. 1031

وَفِي "تَارِيخِ الْبُخَارِيِّ" مَرْفُوعًا قَالَ: "وَهُم بِدِمَشْقَ". وَفِي "صِحِيحِ مُسْلِمٍ" عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "لَا يَزَالُ أَهْلُ الْمَغْرِبِ ظَاهِرِينَ لَا يَضُرُّهُم مَن خَالَفَهُم حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ" قَالَ أَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ: أَهْلُ الْمَغْرِبِ هُم أَهْلُ الشَّامِ. وَهُم كَمَا قَالَ. وَمِن ذَلِكَ: أَنَّهَا خِيرَةُ اللهِ مِن الْأَرْضِ، وأَنَّ (١) أَهْلَهَا خِيرَةُ اللهِ وَخِيَارُ أَهْلِ الْأرْضِ. وَمِن ذَلِكَ أَمْرُ النَّبِيِّ ﷺ بِهَا فِي حَدِيثٍ التِّرْمِذِيِّ. وَمِن ذَلِكَ أَنَّ اللهَ قَد تَكَفَّلَ بِالشَّامِ وَأَهْلِهِ كمَا فِي حَدِيثِ الْخَوَالِي. وَمِن ذَلِكَ: "أَنَّ مَلَاِئكةَ الرَّحْمَنِ بَاسِطَةٌ أَجْنِحَتَهَا عَلَى الشَّامِ"، كَمَا فِي الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ. وَمِن ذَلِكَ أَنَّ عَمُودَ الْكِتَابِ وَالْإِسْلَامِ بِالشَّامِ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "رَأَيْت كَاَنَّ عَمُودَ الْكِتَابِ أُخِذَ مِن تَحْتِ رَأْسِي فَأَتْبَعْته بَصَرِي فَذُهِبَ بِهِ إلَى الشَّامِ" (٢). وَمِن ذَلِكَ: أَنَّهَا عُقْرُ دَارِ الْمُؤْمِنِينَ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " وَعُقْرُ دَارِ الْمُؤْمِنِينَ الشَّامُ " (٣). وَمِن ذَلِكَ: أَنَّ مُنَافِقِيهَا لَا يَغْلِبُوا أَمْرَ مُؤْمِنِيهَا، كَمَا رَوَاهُ أَحْمَد فِي الْمُسْنَدِ فِي حَدِيثِ. وَبِهَذَا اسْتَدْلَلْت لِقَوْم مِن قُضَاةِ الْقُضَاةِ وَغَيْرِهِمْ فِي فِتَنٍ قَامَ فِيهَا عَلَيْنَا قَوْمٌ مِن أَهْلِ الْفُجُورِ وَالْبِدَعِ الْمَوْصُوفِينَ بِخِصَالِ الْمُنَافِقِينَ لَمَّا خَوَّفُونَا مِنْهُمْ؛ فَأَخْبَرْتهمْ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَأَنَّ مُنَافِقِينَا لَا يَغْلِبُوا مُؤْمِنِينَا، وَقَد ظَهَرَ مِصْدَاقُ هَذِهِ النُّصُوصِ النَّبَوِيَّةِ عَلَى أَكْمَلِ الْوُجُوهِ فِي جِهَادِنَا لِلتَّتَارِ، وَأَظْهَرَ اللهُ لِلْمُسْلِمِينَ صِدْقَ مَا وَعَدْنَاهُم بِهِ، وَبَرَكَةَ مَا أَمَرْنَاهُم بِهِ، وَكَانَ ذَلِكَ فَتْحًا عَظِيمًا مَا رَأَى

стр. 1032

الْمُسْلِمُونَ مِثْلَهُ مُنْذُ خَرَجَتْ مَمْلَكَةُ التَّتَارِ الَّتِي أَذَلَّتْ أَهْلَ الْإِسْلَام؛ فَإِنَّهُم لَمْ يُهْزَمُوا وَيُغْلَبُوا كَمَا غُلِبُوا عَلَى "بَابِ دِمَشْقَ" فِي الْغَزْور الْكُبْرَى، الَّتِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْنَا فِيهَا مِن النِّعَمِ بِمَا لَا نُحْصِيهِ: خُصُوصًا وَعُمُومًا. [٢٧/ ٥٠٥ - ٥١١] ١٢٦٢ - النُصُوصُ الَّتِي فِي كِتَابِ اللهِ وَسُنَةِ رَسُولِهِ وَأَصْحَابِهِ فِي فَضْلِ الشَّامِ وَأَهْلِ الْغَرْبِ عَلَى نَجْدٍ وَالْعِرَاقِ وَسَائِرِ أَهْلِ الْمَشْرِقِ: أَكْثَرُ مِن أَنْ تُذْكَرَ، بَل عَن النَّبِيِّ ﷺ مِن النُّصُوصِ الصَّحِيحَةِ فِي ذَمِّ الْمَشْرِقِ وَأَخْبَارِهِ بِأَنَّ الْفِتْنَة وَرَأسَ الْكُفْرِ مِنْهُ مَا لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهُ. وَإِنَّمَا كَانَ فَضْلُ الْمَشْرِقِ عَلَيْهِمْ: بِوُجُودِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ، وَذَاكَ كَانَ أَمْرًا عَارِضًا؛ وَلهَذَا لَمَّا ذَهَبَ عَلِيٌّ ظَهَرَ مِنْهُم مَن الْفِتَنِ وَالنفَاقِ وَالرِّدَّةِ وَالْبِدَعِ مَا يُعْلَمُ بِهِ أَنَّ أُولَئِكَ كَانُوا أَرْجَحَ. وَالنَّبِيِّ ﷺ مَيَّزَ أَهْلَ الشَّامِ بِالْقِيَامِ بِأَمْرِ اللهِ دَائِمًا إلَى آخِرِ الدَّهْرِ، وَبِأَنَّ الطَّائِفَةَ الْمَنْصُورَةَ فِيهِمْ إلَى آخِرِ الدَّهْرِ، فَهُوَ إخْبَارٌ عَن أَمْرٍ دَائِمٍ مُسْتَمِرٍّ فِيهِمْ، مَعَ الْكَثْرَةِ وَالْقوَّةِ، وَهَذَا الْوَصْفُ لَيْسَ لِغَيْرِ الشَّامِ مِن أَرْضِ الْإِسْلَامِ؛ فَإِنَّ الْحِجَازَ الَّتِي هِيَ أَصْلُ الْإِيمَانِ نَقَصَ فِي آخِرِ الزَّمَانِ مِنْهَا الْعِلْمُ، وَالْإِيمَانُ، وَالنَّصْرُ، وَالْجِهَادُ، وَكَذَلِكَ الْيَمَنُ وَالْعِرَاقُ وَالْمَشْرِقُ. وَأَمَّا الشَّامُ: فَلَمْ يَزَلْ فِيهَا الْعِلْمُ وَالْإِيمَانُ، وَمَن يُقَاتِلُ عَلَيْهِ مَنْصُورًا مُؤَيَّدًا فِي كُلّ وَقْتٍ (١). [٤/ ٤٤٨ - ٤٤٩] ١٢٦٣ - فِي مُسْلِمٍ عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا يَزَالُ أَهْلُ الْمَغْرِبِ ظَاهِرِينَ لَا يَضُرُّهُم مَن خَالَفَهُم وَلَا مَن خَذَلَهُم حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ" (٢) قَالَ الْإِمَام أَحْمَد: أَهْلُ الْمَغْرِبِ هُم أَهْلُ الشَّامِ.

стр. 1033

وَهُوَ كَمَا قَالَ؛ فَإِنَّ هَذِهِ لُغَةُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ النَّبوِيَّةِ فِي ذَاكَ الزَّمَانِ، كَانُوا يُسَمُّونَ أَهْلَ نَجْدٍ وَالْعِرَاقِ أَهْلَ الْمَشْرِقِ، وُيسَمُّونَ أَهْلَ الشَام أَهْلَ الْمَغْرِبِ؛ لِأنَّ التَّغْرِيبَ وَالتَّشْرِيقَ مِن الْأمُورِ النِّسْبِيَّةِ؛ فَكُلُّ مَكَانٍ لَهُ غَرْث وَشَرقٌ، فَالنَّبِيُّ ﷺ تَكَلَّمَ بِذَلِكَ فِي الْمَدِينَةِ النَّبوَيَّةِ، فَمَا تَغَرَّبَ عَنْهَا فَهُوَ غَرْبُه، وَمَا تَشَرَّقَ عَنْهَا فَهُوَ شَرْقُة. [٢٧/ ٤١ - ٤٢] ١٢٦٤ - دَلَّ الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ عَلَى بَرَكَةِ الشَّامِ فِي خَمْسِ آيَاتٍ: أ- قَوْلُهُ: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ [الأعراف: ١٣٧]، وَاللهُ تَعَالَى إنَّمَا أَوْرَثَ بَنِي إسْرَائِيلَ أَرْضَ الشَّامِ. ب- وَقَوْلُهُ: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: ١]. ج- وَقَوْلُهُ: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا﴾ [الأنبياء: ٧١]. د- وَقَوْلُهُ: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ [الأنبياء: ٨١]. هـ- وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً﴾ [سبأ: ١٨]. والْبَرَكَةُ: تَتَنَاوَلُ الْبَرَكَةَ فِي الدِّينِ وَالْبَرَكَةَ فِي الدُّنْيَا، وَكِلَاهُمَا مَعْلُومٌ لَا ريبَ فِيهِ. فَهَذَا مِن حَيْثُ الْجُمْلَةِ وَالْغَالِبِ، وَأَمَّا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فَقَد يَكُونُ مُقَامُهُ فِي غَيْرِ الشَّامِ أَفْضَلَ لَهُ، وَكَثِيرٌ مِن أَهْلِ الشَّامِ لَو خَرَجُوا عَنْهَا إلَى مَكَانٍ يَكُونُونَ فِيهِ أَطْوَعَ للهِ وَلرَسُولِهِ لَكَانَ أَفْضَلَ لَهُم، وَقَد كَتَبَ أَبُو الدَّرْدَاءِ إلَى سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ ﵄ يَقُولُ لَهُ: هَلُمَّ إلَى الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ، فَكَتَبَ إلَيْهِ سَلْمَانُ: إنَّ الْأَرْضَ لَا تُقَدِّسُ أَحَدًا، وَإِنَّمَا يُقَدِّسُ الرَّجُلَ عَمَلهُ. وَهُوَ كَمَا قَالَ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ؛ فَإِنَّ مَكَّةَ -حَرَسَهَا اللهُ تَعَالَى- أَشْرَفُ الْبِقَاعِ، وَقَد كَانَت فِي غُرْبَةِ الْإِسْلَامِ دَارَ كُفْرٍ وَحَرْبٍ يَحْرُمُ الْمُقَامُ بِهَا. [٢٧/ ٤٤ - ٤٥]

стр. 1034

فوائد لغوية ونحوية ١٢٦٥ - اعلم أنَّ اعتياد اللغة يؤثر في العقل والخُلق والدين تأثيرًا قويًا بيِّنًا، ويؤثر أيضًا في مشابهة صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين، ومشابهتهم تزيد العقل والدين والخلق. وأيضًا: فإن نفس اللغة العربية من الدين، ومعرفتها فرض واجب؛ فإن فهم الكتاب والسُّنَّة فرض، ولا يُفهم إلا بفهم اللغة العربية، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. ثم منها ما هو واجب على الأعيان، ومنها ما هو واجب على الكفاية. ١٢٦٦ - مَن لَمْ يَعْرِفْ لُغَةَ الصَّحَابَةِ الَّتِي كَانُوا يَتَخَاطَبُونَ بِهَا وَيُخَاطِبُهُم بِهَا النَّبِيُّ ﷺ وَعَادَتَهُم فِي الْكَلَامِ: وإِلَّا حَرَّفَ الْكَلِمَ عَن مَوَاضِعِهِ؛ فَإِنَّ كَثِيرًا مِن النَّاسِ يَنْشَأُ عَلَى اصْطِلَاحِ قَوْمِهِ وَعَادَتِهِمْ فِي الْأَلْفَاظِ، ثمَّ يَجِدُ تِلْكَ الْأَلْفَاظَ فِي كَلَامِ اللهِ أَو رَسُولِهِ أَو الصحَابَةِ؛ فَيَظُنّ أَن مُرَادَ اللهِ أَو رَسُولِهِ أَو الصَّحَابَةِ بِتِلْكَ الْأَلْفَاظِ مَا يُرِيدُهُ بِذَلِكَ أَهْلُ عَادَتِهِ وَاصْطِلَاحِهِ، وَيَكُونُ مُرَادُ اللهِ وَرَسُولِهِ وَالصَّحَابَةِ خِلَافَ ذَلِكَ، وَهَذَا وَاقِعٌ لِطَوَائِفَ مِن النَّاسِ مِن أَهْلِ الْكَلَامِ وَالْفِقْهِ وَالنَّحْوِ وَالْعَامَّةِ وَغَيْرِهِمْ. [١/ ٢٤٣] ١٢٦٧ - وَالْمَقْصُودُ هُنَا ذِكْرُ مَن يَقَعُ ذَلِكَ مِنْهُ مِن غَيْرِ تَدَبُّرٍ مِنْهُ لِلُغَةِ الرَّسُولِ ﷺ كَلَفْظِ الْقَدِيمِ؛ فَإِنَّهُ فِي لُغَةِ الرَّسُولِ الَّتِي جَاءَ بِهَا الْقُرْآنُ خِلَافُ الْحَدِيثِ، وإِن كَانَ مَسْبُوقًا بِغَيْرِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩)﴾ [يس: ٣٩]، وَقَالَ تَعَالَى عَن إخْوَةِ يُوسُفَ: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ (٩٥)﴾ [يوسف: ٩٥].

стр. 1035

وَهُوَ عِنْدَ أَهْلِ الْكَلَامِ عِبَارَةٌ عَمَّا لَمْ يَزَلْ، أَو عَمَّا لَمْ يَسْبِقْهُ وُجُودُ غَيْرِهِ إنْ لَمْ يَكُن مَسْبُوقًا بِعَدَمِ نَفْسِهِ، وَيَجْعَلُونَهُ -إذَا أُرِيدَ بِهِ هَذَا- مِن بَابِ الْمَجَازِ. وَلَفْظُ "الْمُحْدَثِ" فِي لُغَةِ الْقُرْآنِ يُقَابِلُ لِلَفْظِ "الْقَدِيمِ" فِي الْقُرْآنِ. وَكَذَلِكَ لَفْظُ "الْكَلِمَةِ" فِي الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ وَسَائِرِ لُغَةِ الْعَرَبِ إنَّمَا يُرَادُ بِهِ الْجُمْلَةُ التَّامَّةُ. وَكَذَلِكَ لَفْظُ "ذَوِي الْأَرْحَامِ" فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ يُرَادُ بِهِ الْأَقَارِبُ مِن جِهَةِ الْأَبَوَيْنِ، فَيَدْخُلُ فِيهِم الْعَصَبَةُ وَذَوُو الْفُرُوضِ، وَإِن شَمِلَ ذَلِكَ مَن لَا يَرِثُ بِفَرْضٍ وَلَا تَعْصِيبٍ، ثُمَّ صَارَ ذَلِكَ فِي اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ اسْمًا لِهَؤُلَاءِ دُونَ غَيْرِهِمْ؛ فَيَظنُّ مَن لَا يَعْرِفُ إلَّا ذَلِكَ أنَّ هَذَا هُوَ الْفرَادُ بِهَذَا اللَّفْظِ فِي كَلَامِ اللهِ وَرَسُولِهِ وَكَلَامِ الصَّحَابَةِ، وَنَظَائِرُ هَذَا كَثيرَةٌ. وَلَفْظُ "التَّوَسُّلِ" و"الِاسْتِشْفَاعِ" ونَحْوِهِمَا دَخَلَ فِيهَا مِن تَغْيِيرِ لُغَةِ الرَّسُولِ وَأَصْحَابِهِ مَا أَوْجَبَ غَلَطَ مَن غَلِطَ عَلَيْهِم فِي دِينِهِمْ وَلُغَتِهِمْ. وَالْعِلْمُ: يَحْتَاجُ إلَى نَقْلٍ مُصَدَّقٍ، وَنَظَرٍ مَحْقُوقٍ (١). وَالْمَنْقُولُ عَن السَّلَفِ وَالْعُلَمَاءِ يَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَةٍ بِثُبُوتِ لَفْظِهِ وَمَعْرِفَةِ دَلَالَتِهِ، كَمَا يَحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ الْمَنْقُولِ عَن اللهِ وَرَسُولِهِ. [١/ ٢٤٥ - ٢٤٦] ١٢٦٨ - قَالَ الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ: إنَّ الْجَسَدَ هُوَ الْبَدَنُ .. وَالْجَسَدُ أَيْضًا الزَّعْفَرَانُ وَنحْوُهُ مِن الصَّبْغِ وَهُوَ الدَّمُ أَيْضًا. فَلَيْسَ الْمُرَاد بِالْجَسَدِ فِي الْقُرْآنِ لَا هَذَا وَلَا هَذَا، فَلَيْسَ الْمُرَاد مِن الْعِجْلِ (٢) أَنَّ لَهُ بَدَنًا مِثْلُ بَدَنِ الْآدَمِيِّينَ، وَلَا بَدَنًا كَأَبْدَانِ الْبَقَرِ؛ فَإِنَّ الْعِجْلَ لَمْ يَكُن كَذَلِكَ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ: جَسدَ بِهِ الدَّمُ، يَجْسَدُ جَسَدًا إذَا لَصِقَ بِهِ، فَهُوَ جَاسِدٌ وَجَسِدٌ.

стр. 1036

فَاللَّفْظُ فِيهِ مَعْنَى التَّكَاثُفِ وَالتَّلَاصُقِ؛ وَلهَذَا يَقُولُ الْفُقَهَاءُ: نَجَاسَةٌ مُتَجَسِّدَةٌ وَغَيْرُ مُتَجَسِّدَةٍ، وَهُوَ فِي الْقُرْآنِ يُرَادُ بِهِ الْجَسَدُ الْمُصْمَتُ الْمُتَلَاصِقُ الْمُتَكَاثِفُ، أَو الَّذِي لَا حَيَاةَ فِيهِ، وَقَد ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى لَفْظَةَ الْجَسَدِ فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ. [٥/ ٢١٨] ١٢٦٩ - مِن الْأصُولِيِّينَ مَن يَقُولُ: إنَّ "إنَّ" لِلْإِثْبَاتِ، وَ"مَا" لِلنَّفْيِ؛ فَإِذَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا دَلَّتْ عَلَى النَّفْيِ وَالْإثْبَاتِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ عِنْدَ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ وَمَن يَتَكَلَّمُ فِي ذَلِكَ بِعِلْمٍ؛ فَإِنَّ "مَا" هَذِهِ هِيَ الْكَافَّةُ الَّتِي تَدْخُلُ عَلَى إنَّ وَأَخَوَاتِهَا فَتَكُفُّهَا عَن الْعَمَلِ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا تَعْمَلُ إذَا اخْتَصَّتْ بِالْجُمَلِ الِاسْمِيَّةِ، فَلَمَّا كُفَّتْ بَطَلَ عَمَلُهَا وَاخْتِصَاصُهَا، فَصَارَ يَلِيهَا الْجُمَلُ الْفِعْلِيَّةُ وَالِاسْمِيَّةُ، فَتَغَيَّرَ مَعْنَاهَا وَعَمَلُهَا جَمِيعًا بِانْضِمَامِ "مَا" إلَيْهَا، وَكَذَلِكَ "كَأنَّمَا" وغَيْرُهَا. [٧/ ١٨] ١٢٧٠ - مِن الْأصُولِ الْكُلِّيَّةِ أنْ يُعْلَمَ أَنَّ الْألْفَاظَ نَوْعَانِ: نَوْعٌ جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ مُؤمِنٍ أَنْ يُقِرَّ بِمُوجَبِ ذَلِكَ، فَيُثْبِتُ مَا أَثْبَتَهُ اللهُ وَرَسُولُهُ، وَينْفِي مَا نَفَاهُ اللهُ وَرَسُوُلهُ. فَاللَّفْظُ الَّذِي أَثْبَتَهُ اللهُ أَو نَفَاهُ حَقٌّ؛ فَإِنَّ اللهَ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ، وَالْأَلْفَاظُ الشَّرْعِيَّةُ لَهَا حُرْمَة. وَمِن تَمَامِ الْعِلْمِ أَنْ يَبْحَثَ عَن مُرَادِ رَسُولِهِ بِهَا لِيُثْبتَ مَا أَثْبَتَهُ وَينْفِيَ مَا نَفَاهُ مِن الْمَعَانِي، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نُصَدِّقَهُ فِي كلِّ مَا أخبَرَ، وَنُطِيعَهُ فِي كُلِّ مَا أَوْجَبَ وَأَمَرَ، ثُمَّ إذَا عَرَفْنَا تَفْصِيلَ ذَلِكَ كَانَ ذَلِكَ مِن زَيادَةِ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ، وَقَد قَالَ تَعَالَى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١]. وَأَمَّا الْأَلْفَاظُ الَّتِي لَيْسَتْ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَلَا اتَّفَقَ السَّلَفُ عَلَى نَفْيِهَا أو إثْبَاتِهَا فَهَذِهِ لَيْسَ عَلَى أَحَدٍ أَنْ يُوَافِقَ مَن نَفَاهَا أَو أَثْبَتَهَا حَتَّى يَسْتَفْسِرَ عَن مُرَادِهِ، فَإِنْ أَرَادَ بِهَا مَعْنًى يُوَافِقُ خَبَرَ الرَّسُولِ أَقَرَّ بِهِ، وَإِن أَرَادَ بِهَا مَعْنًى يُخَالِفُ خَبَرَ الرَّسُولِ أَنْكَرَهُ.

стр. 1037

ثُمَّ التَّعْبِيرُ عَن تِلْكَ الْمَعَانِي إنْ كَانَ فِي أَلْفَاظِهِ اشْتِبَاهٌ أَو إجْمَالٌ عَبَّرَ بِغَيْرِهَا، أَو بَيَّنَ مُرَادَهُ بِهَا، بِحَيْثُ يَحْصُلُ تَعْرِيفُ الْحَقِّ بِالْوَجْهِ الشَّرْعِي. فَإِنَّ كَثِيرًا مِن نِزَاعِ النَّاسِ سَبَبُهُ أَلْفَاظٌ مُجْمَلَة مُبْتَدَعَةٌ وَمَعَانٍ مُشْتَبِهَةٌ، حَتَّى تَجِدَ الرَّجُلَيْنِ يَتَخَاصَمَانِ ويتَعَادَيَانِ عَلَى إطْلَاقِ أَلْفَاظٍ وَنَفْيِهَا، وَلَو سُئِلَ كُلٌّ مِنْهُمَا عَن مَعْنَى مَا قَالَهُ لَمْ يَتَصَوَّرْهُ فَضْلًا عَن أَنْ يَعْرِفَ دَلِيلَهُ، وَلَو عَرَفَ دَلِيلَهُ لَمْ يَلْزَمْ أَنَّ مَن خَالَفَهُ يَكُونُ مُخْطِئًا، بَل يَكُونُ فِي قَوْلِهِ نَوْعٌ مِن الصَّوَابِ، وَقَد يَكُونُ هَذَا مُصِيبًا مَن وَجْهٍ وَهَذَا مُصِيبًا مِن وَجْهٍ، وَقَد يَكُونُ الصَّوَابُ فِي قَوْلٍ ثَالِثٍ. [١٢/ ١١٣ - ١١٤] ١٢٧١ - مِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ الْقُرْآنَ وَالْحَدِيثَ إذَا عُرِفَ تَفْسِيرُهُ مِن جِهَةِ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يُحْتَجْ فِي ذَلِكَ إلَى أَقْوَالِ أَهْلِ اللُّغَةِ. [١٣/ ٢٧] ١٢٧٢ - الْقُرْآن نَزَلَ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ الْمَوْجُودَةِ فِي الْقُرْآنِ؛ فَإِنَّهَا تُفَسَّرُ بِلُغَتِهِ الْمَعْرُوفَةِ فِيهِ إذَا وُجِدَتْ، لَا يُعْدَلُ عَن لُغَتِهِ الْمَعْرُوفَةِ مَعَ وُجُودِهَا، وَإِنَّمَا يُحْتَاجُ إلَى غَيْرِ لُغَتِهِ فِي لَفْظٍ لَمْ يُوجَدْ لَهُ نَظِيرٌ فِي الْقُرْآنِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿وَيْكَأَنَّ اللَّهَ﴾ [القصص: ٨٢]، ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ (٣)﴾ [ص: ٣]، ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا (٣٤)﴾ [النبأ: ٣٤]، ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١)﴾ [عبس: ٣١]، و ﴿قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢)﴾ [النجم: ٢٢]، وَنَحْو ذَلِكَ مِن الْأَلْفَاظِ الْغَرِيبَةِ فِي الْقُرْآنِ. [١٥/ ٨٨] ١٢٧٣ - قَوْلُهُ تعالى: ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨] هُوَ نَصْبٌ عَلَى الْحَالِ وَفِيهِ وَجْهَانِ: قِيلَ: هُوَ حَالٌ مِن (شَهِدَ)؛ أَيْ: شَهِدَ قَائِمًا بِالْقِسْطِ. وَقِيلَ: مِن (هُوَ)؛ أَيْ: لَا إلَهَ إلَّا هُوَ قَائِمًا بِالْقِسْطِ، كَمَا يُقَالُ: لَا إلَهَ إلَّا هُوَ وَحْدَهُ. وَكِلَا الْمَعْنيَيْنِ صَحِيحٌ. وَقَوْلُهُ: ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ يَجُوزُ أَنْ يَعْمَلَ فِيهِ كِلَا الْعَامِلَيْنِ عَلَى مَذْهَبِ الْكُوفِيِّينَ فِي أَنَّ الْمَعْمُولَ الْوَاحِدَ يَعْمَلُ فِيهِ عَامِلَانِ، كَمَا قَالُوا فِي قَوْلِهِ: ﴿هَآؤُمُ

стр. 1038

اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (١٩)﴾ [الحاقة: ١٩]، ﴿آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (٩٦)﴾ [الكهف: ٩٦]، و ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧)﴾ [ق: ١٧] وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَسِيبَوَيْهِ وَأَصْحَابُهِ يَجْعَلُونَ لِكلِّ عَامِلٍ مَعْمُولًا، وَيَقُولُونَ: حُذِفَ مَعْمُولُ أَحَدِهِمَا لِدَلَالَةِ الْآخَرِ عَلَيْهِ. وَقَوْلُ الْكوفِيّينَ أَرْجَحُ. [١٤/ ١٧٥] ١٢٧٤ - الصَّلَاة بِالْمَعْنَى الْعَامِّ تتضَمَّنُ كُلَّ مَا كَانَ ذِكْرًا للّهِ أَو دُعَاءً لَهُ، كَمَا قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ: مَا دُمْت تَذْكُرُ اللّهَ فَأَنْتَ فِي صَلَاةٍ وَلَو كُنْت فِي السُّوقِ. وَهَذَا الْمَعْنَى -وَهُوَ دُعَاءُ اللهِ؛ أَيْ: قَصْدُهُ وَالتَّوَجُّهُ إلَيْهِ الْمُتَضَمِّنُ ذِكْرَهُ عَلَى وَجْهِ الْخُشُوعِ وَالْخُضُوعِ- هُوَ حَقِيقَةُ الصَّلَاةِ الْمَوْجُودَةِ فِي جَمِيعِ مَوَارِدِ اسْمِ الصَّلَاةِ؛ كَصَلَاةِ الْقَائِمِ وَالْقَاعِدِ وَالْمُضْطَجِعِ، وَالْقَارِئِ وَالْأُمّيِّ وَالنَّاطِقِ وَالْأَخْرَسِ، وَإِن تَنَوَّعَتْ حَرَكَاتُهَا وَأَلْفَاظُهَا؛ فَإِنَّ إطْلَاقَ لَفْظِ الصَّلَاةِ عَلَى مَوَارِدِهَا هُوَ بِالتَّوَاطُؤِ الْمُنَافِي لِلِاشْتِرَاكِ وَالْمَجَازِ. إذ مِن النَّاسِ مَن ادَّعَى فِيهَا الِاشْتِرَاكَ وَمِنْهُم مَن ادَّعَى الْمَجَازَ بِنَاءً عَلَى كَوْنِهَا مَنْقُولَةً مِن الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، أَو مَزِيدَةً أَو عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، بَل اسْمُ الْجِنْسِ الْعَامِّ الْمُتَوَاطِئِ الْمُطْلَقِ إذَا دَلَّ عَلَى نَوْعٍ أَو عَيْنٍ كَقَوْلِك: هَذَا الْإِنْسَانُ وَهَذَا الْحَيَوَانُ أَو قَوْلِك: هَاتِ الْحَيَوَانَ الَّذِي عِنْدَك وَهِيَ غَنَمٌ، فَهُنَا اللَّفْظُ قَد دَلَّ عَلَى شَيْئَيْنِ: أ- عَلَى الْمَعْنَى الْمُشْتَرَكِ الْمَوْجُودِ فِي جَمِيعِ الْمَوَارِدِ. ب- وَعَلَى مَا يَخْتَصُّ بِهِ هَذَا النَوْعُ أَو الْعَيْنُ. فَاللَّفْظُ الْمُشْتَرَكُ الْمَوْجُودُ فِي جَمِيعِ التَّصَارِيفِ عَلَى الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ وَمَا قُرِنَ بِاللَّفْظِ مِن لَام التَّعْرِيفِ مَثَلًا، أَو غَيْرِهَا دَلَّ عَلَى الْخُصُوصِ وَالتَّعْيِينِ، وَكَمَا أَنَّ الْمَعْنَى الْكُلِّيَّ الْمُطْلَقَ لَا وُجُودَ لَهُ فِي الْخَارِجِ، فَكَذَلِكَ لَا يُوجَدُ فِي الِاسْتِعْمَالِ لَفْظٌ مُطْلَقٌ مُجَرَّدٌ عَن جَمِيعِ الْأُمُورِ الْمُعَيَّنَةِ.

стр. 1039

فَإِنَّ الْكَلَامَ إنَّمَا يُفِيدُ بَعْدَ الْعَقْدِ وَالتَّرْكِيبِ، وَذَلِكَ تَقْيِيدٌ وَتَخْصِيصٌ؛ كَقَوْلِك: أَكْرِمْ الْإِنْسَانَ، أَو الْإِنْسَانُ خَيْرٌ مِن الْفَرَسِ. وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ [الإسراء: ٧٨] وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَمِن هُنَا غَلِطَ كَثِيرٌ مِن النَّاسِ فِي الْمَعَانِي الْكُلِّيَّةِ حَيْثُ ظَنُّوا وُجُودَهَا فِي الْخَارجِ مُجَرَّدَةً عَن الْقُيُودِ، وَفِي اللَّفْظِ الْمُتَوَاطِئِ حَيْثُ ظَنُّوا تَجَرُّدَهُ فِي الِاسْتِعْمَالِ عَن الْقُيُودِ. وَالتَّحْقِيقُ: أَنَّهُ لَا يُوجَدُ الْمَعْنَى الْكليُّ الْمُطْلَقُ فِي الْخَارجِ إلَّا مُعَيَّنًا مُقَيَّدًا، وَلَا يُوجَدُ اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَيْهِ فِي الِاسْتِعْمَالِ إلَّا مُقَيَّدًا مُخَصَّصًا، وَإِذَا قُدِّرَ الْمَعْنَى مُجَرَّدًا كَانَ مَحَلُّهُ الذِّهْنَ، وَحِينَئِذٍ يُقَدَّرُ لَهُ لَفْظٌ مُجَرَّدٌ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي الِاسْتِعْمَالِ مُجَرَّدًا. [١٤/ ٢١٥ - ٢١٦] ١٢٧٥ - قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ [طه: ٦٣]؛ فَإِنَّ هَذَا مِمَّا أَشْكَلَ عَلَى كَثِيرٍ مِن النَّاسِ، فَإِنَّ الَّذِي فِي مَصاحِفِ الْمُسْلِمِينَ ﴿إِنْ هَذَانِ﴾ بِالْأَلْفِ، وَبِهَذَا قَرَأَ جَمَاهِيرُ الْقُرَّاءِ، وَأَكْثَرُهُم يَقْرَأُ (إنَّ) مُشَدَّدَة، وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَحَفْصٌ عَن عَاصِمٍ (إنْ) مُخَفَّفَةً، لَكِن ابْنُ كَثيرٍ يُشَدِّدُ نُونَ (هَذَانِ) دُونَ حَفْصٍ. وَالْإِشْكَالُ مِن جِهَةِ الْعَرَبِيَّةِ عَلَى الْقِرَاءَةِ الْمَشْهُورَةِ، وَهِيَ قِرَاءَةُ نَافِعٍ وَابْنِ عَامِرٍ وَحَمْزَةَ وَالْكِسَائِيِّ وَأَبِي بَكْرٍ عَن عَاصِمٍ، وَجُمْهُورُ الْقُرَّاءِ عَلَيْهَا، وَهِيَ أَصَحُّ الْقِرَاءَاتِ لَفْظًا وَمَعْنَى. فَإِنَّ مَنْشَأ الْإِشْكَالِ: أَنَّ الِاسْمَ الْمُثَنَّى يُعْرَبُ فِي حَالِ النَّصْبِ وَالْخَفْضِ بِالْيَاءِ، وَفِي حَالِ الرَّفْعِ بِالْأَلْفِ، وَهَذَا مُتَوَاتِرٌ مِن لُغَةِ الْعَرَب لُغَةِ الْقُرْآنِ وَغَيْرِهَا فِي الْأَسْمَاءِ الْمَبْنِيَّةِ. وَأَمَّا الْقِرَاءَةُ الْمَشْهُورَةُ الْمُوَافِقَةُ لِرَسْمِ الْمُصْحَفِ فَاحْتَجَّ لَهَا كَثِيرٌ مِن النُّحَاةِ بِأَنَّ هَذِهِ لُغَةَ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ، وَقَد حَكَى ذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِن أَئِمَّةِ الْعَرَبِيَّةِ .. يَجْعَلُونَ أَلِفَ الِاثْنَيْنِ فِي الرَّفْعِ وَالنَّصْبِ وَالْخَفْضِ عَلَى لَفْظٍ وَاحِدٍ.

стр. 1040

قُلْت: بَنُو الْحَارِثِ بْنِ كَعْب هُم أَهْلُ نَجْرَانَ، وَلَا ريبَ أَنَ الْقُرْآنَ لَمْ يَنْزِلْ بِهَذِهِ اللُّغَةِ، بَل الْمُثَنَّى مِن الْأَسْمَاءِ الْمَبْنِيَّةِ فِي جَمِيعِ الْقُرْآنِ هُوَ بِالْيَاءِ فِي النَّصْبِ وَالْجَرِّ. وَقَد ثَبَتَ فِي "الصَّحِيحِ" عَن عُثْمَانَ أَنَّهُ قَالَ: إنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ، وَقَالَ لِلرَّهْطِ الْقُرَشِيِّينَ الَّذِينَ كَتَبُوا الْمُصْحَفَ هُم وَزيدٌ: إذَا اخْتَلَفْتُمْ فِي شَيْءٍ فَاكْتُبُوهُ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ؛ فَإِنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ بِلُغَتِهِمْ، وَلَمْ يَخْتَلِفُوا إلَّا فِي حَرْفٍ وَهُوَ (التَّابُوتُ) فَرَفَعُوهُ إلَى عُثْمَانَ فَأَمَرَ أَنْ يُكْتَبَ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي "صَحِيحِهِ". وهذِهِ الصَّحِيفَةُ الَّتِي أَخَذَهَا مِن عِنْدِ حَفْصَةَ هِيَ الَّتِي أَمَرَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ بِجَمْعِ الْقُرْآنِ فِيهَا لِزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَحَدِيثُهُ مَعْرُوفٌ فِي "الصَّحِيحَيْنِ" وَغَيْرِهِمَا وَكَانَت بِخَطِّهِ؛ فَلِهَذَا أَمَرَ عُثْمَانُ أَنْ يَكُونَ هُوَ أَحَدَ مَن يَنْسَخُ الْمَصَاحِفَ مِن تِلْكَ الصُّحُفِ، وَلَكِنْ جَعَلَ مَعَهُ ثَلَاثَةً مِن قُرَيْشٍ لِيُكْتَبَ بِلِسَانِهِمْ، فَلَمْ يَخْتَلِفْ لِسَانُ قُرَيْشٍ وَالْأَنْصَارِ إلَّا فِي لَفْظِ (التابوه) و (التَّابُوتِ)، فَكَتَبُوهُ (التَّابُوتَ) بِلُغَةِ قُرَيْشٍ. وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ الْمَصَاحِفَ الَّتِي نُسِخَتْ كَانَت مَصَاحِفَ مُتَعَدِّدَةً، وَهَذَا مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ. وَالْمُسْلِمُونَ كَانُوا يَقْرَؤونَ (سُورَةَ طَه) عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ، وَهِيَ مِن أَوَّلِ مَا نَزَلَ مِن الْقُرْآنِ، قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: بَنُو إسْرَائِيلَ وَالْكَهْفُ وَمَرْيَمُ وَطَه وَالْأَنْبِيَاءُ مِن الْعِتَاقِ الْأُوَلِ وَهُنَّ مِن تلادى. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْهُ. وَهِيَ مَكِّيَّة بِاتِّفَاقِ النَّاسِ. فَالصَّحَابَة لَا بُدَّ أَنْ قَد قَرَؤُوا هَذَا الْحَرْفَ، وَمِن الْمُمْتَنِعِ أَنْ يَكُونُوا كُلُّهُم قَرَؤُوهُ بِالْيَاءِ كَأَبِي عَمْرٍو.

стр. 1041

وَحِينَئِذٍ فَقَد عُلِمَ أَنَّ الصَّحَابَةَ إنَّمَا قَرَؤُوا كَمَا عَلَّمَهُم الرَّسُولُ، وَكَمَا هُوَ لُغَة لِلْعَرَبِ، ثُمَّ لُغَةُ قُرَيْشٍ، فَعُلِمَ أَنَّ هَذِهِ اللُّغَةَ الْفَصِيحَةَ الْمَعْرُوفَةَ عِنْدَهُم فِي الْأَسْمَاءِ الْمُبْهَمَةِ تَقُولُ: إنْ هَذَانِ، وَمَرَرْت بِهَذَانِ، تَقُولُهَا فِي الرَّفْعِ وَالنَّصْبِ وَالْخَفْضِ بِالْأَلِفِ، وَمَن قَالَ: إنَّ لُغَتَهُم أَنَّهَا تَكُونُ فِي الرَّفْعِ بِالْأَلِفِ طُولِبَ بِالشَاهِدِ عَلَى ذَلِكَ، وَالنَّقْلِ عَن لُغَتِهِم الْمَسْمُوعَةِ مِنْهُم نَثْرًا وَنَظْمًا، وَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ مَا يَشْهَدُ لَهُ، وَلَكِنْ عُمْدَتُهُ الْقِيَاسُ. وَحِينَئِذٍ فَنَقُولُ: قِيَاسُ هَذَا بِغَيْرِهَا مِن الْأَسْمَاءِ غَلَطٌ، فَإنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا ثَابِتٌ عَقْلًا وَسَمَاعًا، أَمَّا النَّقْلُ وَالسَّمَاعُ فَكَمَا ذَكَرْنَاهُ، وَأَمَّا الْعَقْلُ وَالْقِيَاسُ فَقَد تَفَطَّنَ لِلْفَرْقِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِن حُذَّاقِ النُّحَاةِ، فَحَكَى ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ وَغَيْرُهُ عَن الْفَرَّاءِ قَالَ: أَلِفُ التَّثْنِيَةِ فِي "هَذَانِ" هِيَ أَلِفُ هَذَا وَالنُّونُ فَرَّقَتْ بَيْنَ الْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ كَمَا فَرَّقَتْ بَيْنَ الْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ نُونُ الَّذِينَ. لَكِنَّ أَسْمَاءَ الْإِشَارَةِ لَمْ تُفَرِّقْ لَا فِي وَاحِدِهِ وَلَا فِي جَمْعِهِ بَيْنَ حَالِ الرَّفْعِ وَالنَّصْبِ وَالْخَفْضِ فَكَذَلِكَ فِي تَثْنِيَتِهِ؛ بَل قَالُوا: قَامَ هَذَا وَأَكْرَمْت هَذَا وَمَرَرْت بِهَذَا وَكَذَلِكَ هَؤُلَاءِ فِي الْجَمْعِ فَكَذَلِكَ الْمُثَنَّى قَالَ: هَذَانِ وَأَكْرَمْت هَذَانِ وَمَرَرْت بِهَذَانِ فَهَذَا هُوَ الْقِيَاسُ فِيهِ أَنْ يُلْحَقَ مُثَنَّاهُ بِمُفْرَدِهِ وَبِمَجْمُوعِهِ، لَا يُلْحَقَ بِمُثَنَّى غَيْرِهِ الَّذِي هُوَ أَيْضًا مُعْتَبَرٌ بِمُفْرَدِهِ وَمَجْمُوعِهِ. فَتَبَيَّنَ أَنَّ الَّذِينَ قَالُوا: إنَّ مُقْتَضَى الْعَرَبِيَّةِ أَنْ يُقَالَ: إنَ هَذَيْنِ لَيْسَ مَعَهُم بِذَلِكَ نَقْل عَن اللُّغَةِ الْمَعْرُوفَةِ فِي الْقُرْآنِ الَّتي نَزَلَ بِهَا الْقُرْآنُ. ثُمَّ يُقَالُ: قَد يَكُونُ الْمَوْصُولُ كَذَلِكَ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾ [النساء: ١٦]؛ فَإِنْ ثَبَتَ أَنَّ لُغَةَ قُرَيْشٍ أَنَّهُم يَقُولُونَ: رَأَيْت الْذَيْنِ فَعَلَا، وَمَرَرْت بِاَللَّذَيْنِ فَعَلَا، وَإِلَّا فَقَد يُقَالُ: هُوَ بِالْأَلِفِ فِي الْأَحْوَالِ الثَّلَاثَةِ؛ لِأَنَّهُ اسْمٌ مَبْنِيٌّ، وَالْأَلِفُ فِيهِ بَدَلُ الْيَاءِ فِي الَّذِينَ، وَمَا ذَكَرَهُ الْفَرَّاءُ وَابْنُ كيسان وَغَيْرُهُمَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا؛ فَإِنَّ الْفَرَّاءَ شَبَّهَ هَذَا بالذين، وَتَشْبِيهُ اللَّذَانِ بِهِ أَوْلَى، وَابْنُ كيسان

стр. 1042

عَلَّلَ بِأَنَّ الْمُبْهَمَ مَبْنِي لَا يَظْهَرُ فِيهِ الْإِعْرَابُ، فَجَعَلَ مُثَنَّاهُ كَمُفْرَدِهِ وَمَجْمُوعِهِ، وَهَذَا الْعِلْمُ يَأَتِي فِي الْمَوْصُولِ. وَقَد يُعْتَرَضُ عَلَى مَا كَتَبْنَاهُ أَوَّلًا بِأَنَّهُ جَاءَ أَيْضًا فِي غَيْرِ الرَّفْعِ بِالْيَاءِ كَسَائِرِ الْأَسْمَاءِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ [فصلت: ٢٩]، وَلَمْ يَقُل: "اللَّذَانِ أَضَلَّانَا"، كَمَا قِيلَ فِي الَّذِينَ إنَّهُ بِالْيَاءِ فِي الْأَحْوَالِ الثَّلَاثَةِ، وَقَالَ تَعَالَى فِي قِصَّةِ مُوسَى: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ﴾ [القصص: ٢٧] وَلَمْ يَقُلْ "هَاتَانِ". أَمَّا قَوْلُهُ: ﴿أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا﴾ [فصلت: ٢٩] .. فهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ الْأَصْلَ فِي التَّثْنِيَةِ هِيَ الْأَلِفُ، وَعَلَى هَذَا فَيَكُونُ فِي إعْرَابِهِ لُغَتَانِ جَاءَ بِهِمَا الْقُرْآنُ: تَارَةً يُجْعَلُ كَاَللَّذَانِ، وَتَارَةً يُجْعَلُ كَاَللَّذَيْنِ. وَلَكِنْ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ﴾ كَانَ هَذَا أَحْسَنَ مِن قَوْلِهِ "هَاتَانِ" لِمَا فِيهِ مِن اتِّباعِ لَفْظِ الْمُثَنَّى بِالْيَاءِ فِيهِمَا. وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ [طه: ٦٣] فَجَاءَ اسْمًا مُبْتَدَأ: اسْمُ (إنَّ) وَكَانَ مَجِيئُهُ بِالْأَلِفِ أَحْسَنَ فِي اللَّفْظِ مِن قَوْلِنَا: "إنَّ هَذَيْنِ لَسَاحِرَانِ"؛ لِأَنَّ الْأَلِفَ أَخَفُّ مِن الْيَاءِ؛ وَلِأنَّ الْخَبَرَ بِالْأَلِفِ، فَإِذَا كَانَ كُل مِن الِاسْمِ وَالْخَبَرِ بِالْأَلْفِ كَانَ أَتَمَّ مُنَاسِبَةً، وَهَذَا مَعْنًى صَحِيحٌ، وَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ مَا يُشْبِهُ هَذَا مِن كُلِّ وَجْهٍ وَهُوَ بِالْيَاءِ. فَتَبَيَّنَ أَنَّ هَذَا الْمَسْمُوعَ وَالْمُتَوَاتِرَ لَيْسَ فِي الْقِيَاسِ الصَّحِيحِ مَا يُنَاقِضُهُ، لَكِنْ بَيْنَهُمَا فُرُوق دَقِيقَةٌ، وَاَلَّذِينَ استشكلوا هَذَا إنَّمَا استشكلوه مِن جِهَةِ الْقِيَاسِ لَا مِن جِهَةِ السَّمَاعِ (١)، وَمَعَ ظُهُورِ الْفَرْقِ يُعْرَفُ ضَعْفُ الْقِيَاسِ. [١٥/ ٢٤٨ - ٢٦٤]

стр. 1043

١٢٧٦ - أَخْبَارُ الْمُبْتَدَأِ قَد تَجِيءُ بِعَطْف وَبِغَيْرِ عَطْفٍ، وَإِذَا ذُكِرَ بِالْعَطْفِ كَانَ كُلُّ اسْمٍ مُسْتَقِلًّا بِالذِّكْرِ، وَبِلَا عَطْفٍ يَكُونُ الثَّانِي مِن تَمَامِ الْأوَّلِ بِمَعْنَى، وَمَعَ الْعَطْفِ لَا تَكُونُ الصِّفَاتُ إلَّا لِلْمَدْحِ وَالثَّنَاءِ أَو لِلْمَدْحِ، وَأَمَّا بِلَا عَطْفٍ فَهُوَ فِي النَّكِرَاتِ لِلتَّمْيِيزِ، وَفِي الْمَعَارِفِ قَد يَكُونُ لِلتَّوْضِيحِ. [١٦/ ١٢٨] ١٢٧٧ - قَوْلُهُ: ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (٦)﴾ [القلم: ٦] حَارَ فِيهَا كَثِيرٌ، وَالصَّوَابُ الْمَأْثُورُ عَن السَّلَفِ، قَالَ مُجَاهِدٌ: الشَّيْطَانُ، وَقَالَ الْحَسَنُ: هُم أَوْلَى بِالشَّيْطَانِ مِن نَبِيِّ اللهِ. فَبَيَّنَ الْمُرَادَ، فَإِنَّهُ يَتَكَلَّمُ عَلَى اللَّفْظِ كَعَادَةِ السَّلَفِ فِي الِاخْتِصَارِ مَعَ الْبَلَاغَةِ وَفَهْمِ الْمَعْنَى. وَاَلَّذِينَ لَمْ يَفْهَمُوا هَذَا قَالُوا الْبَاءُ زَائِدَةٌ قَالَهُ ابْنُ قتَيْبَةَ وَغَيْرُه. [١٦/ ٧٢ - ٧٣] ١٢٧٨ - قال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (٩)﴾ [الأعلى: ٩]، قيل: إنْ قَبِلْت الذِّكْرَى. وَقِيلَ: ذَكِّرْ إنْ نَفَعَت الذِّكْرَى وإِن لَمْ تَنْفَعْ. قَالَهُ طَائِفَةٌ، أَوَّلُهُم الْفَرَّاءُ، وَاتَّبعَهُ جَمَاعَةٌ. قَالُوا: وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرْ الْحَالَ الثَّانِيَةَ كَقَوْلِهِ: سَرَابِيلَ تَقِيكُمْ الْحَرَّ، وَأَرَادَ الْحَرَّ وَالْبَرْدَ. وَإِنَّمَا قَالُوا هَذَا لِأَنَّهُم قَد عَلِمُوا أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ تَبْلِيغُ جَمِيعِ الْخَلْقِ وَتَذْكِيرُهُم سَوَاءٌ آمَنُوا أَو كَفَرُوا. وَهَذَا الَّذِي قَالُوهُ لَهُ مَعْنى صَحِيحٌ، وَهُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ وَأَمْثَالِهِ، لَكِنْ لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ مِن مُفَسِّرِي السَّلَفِ، وَلهَذَا كَانَ أَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ يُنْكِرُ عَلَى الْفَرَّاءِ وَأَمْثَالِهِ مَا يُنْكِرُهُ وَيقُولُ: كُنْت أَحْسَبُ الْفَرَّاءَ رَجُلًا صَالِحًا حَتَّى رَأَيْت كِتَابَهُ فِي مَعَانِي الْقُرْآنِ.

стр. 1044

وَهَذَا الْمَعْنَى الَّذِي قَالُوهُ مَدْلُولٌ عَلَيْهِ بِآيَاتِ أُخَرٍ (١)، وَهُوَ مَعْلُومٌ بِالِاضْطِرَارِ مِن أمْرِ الرَّسُولِ، فَإِنَّ اللّهَ بَعَثَهُ مُبَلِّغَا وَمُذَكِّرًا لِجَمِيعِ الثَّقَلَيْنِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ، لَكِنْ لَيْسَ هُوَ مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ، بَل مَعْنَى هَذ يُشْبِهُ قَوْلَهُ: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ (٤٥)﴾ [ق: ٤٥]، وَقَوْلَهُ: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا (٤٥)﴾ [النازعات: ٤٥]. وقَوْله: ﴿تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]، عَلَى بَابِهِ، وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ ذِكْرُ الْبَرْدِ، وإِنَّمَا يَقُولُ: "إنَّ الْمَعْطُوفَ مَحْذُوفٌ" هُوَ الْفَرَّاءُ وَأَمْثَالُهُ، مِمَن أَنْكَرَ عَلَيْهِم الْأَئِمَّةُ، حَيْثُ يُفَسِّرُونَ الْقُرْآنَ بِمُجَرَّدِ ظَنِّهِمْ وَفَهْمِهِمْ لِنَوْعٍ مِن عِلْمِ الْعَرَبِيَّةِ عِنْدَهُمْ. وَكَثِيرًا لَا يَكُونُ مَا فَسَّرُوا بِهِ مُطَابِقًا، وَلَيْسَ فِي الْكَلَامِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذِكْرِ الْبَرْدِ. [١٦/ ١٥٤ - ١٦٤] ١٢٧٩ - التَّقْدِيمُ وَالتَّأخِيرُ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ؛ فَالْأَصْلُ إقْرَارُ الْكَلَامِ عَلَى نَظْمِهِ وَتَرْتيبِهِ، لا تَغْيِيرُ تَرْتِيبِهِ. ثُمَّ إنَّمَا يَجُوزُ فِيهِ التَّقْدِيمُ وَالتَّأخِيرُ مَعَ الْقَرِينَةِ أَمَّا مَعَ اللَّبْسِ فَلَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ يَلْتَبِسُ عَلَى الْمُخَاطَبِ. [١٦/ ٢١٨] ١٢٨٠ - إِنَّ حَرْفَ الِاسْتِفْهَامِ إذَا دَخَلَ عَلَى حَرْفِ النَّفْيِ كَانَ تَقْرِيرًا؛ كَقَوْلِهِ: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١)﴾ [الشرح: ١]. [١٦/ ٣٤٠] ١٢٨١ - الِاسْمُ "الصَّمَدُ" فِيهِ لِلسَّلَفِ أَقْوَالٌ مُتَعَدِّدَةٌ قَد يُظَنُّ أَنَّهَا مُخْتَلِفَة؛ وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ بَل كُلُّهَا صَوَابٌ، وَالْمَشْهُورُ مِنْهَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الصَّمَدَ هُوَ الَّذِي لَا جَوْفَ لَهُ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ السَّيّدُ الَّذِي يُصْمَدُ إلَيْهِ فِي الْحَوَائِجِ. قَالَ الشَّعْبِيُّ: هُوَ الَّذِي لَا يَأْكُلُ وَلَا يَشْرَبُ، وَعَن مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القرظي وَعِكْرِمَةَ: هُوَ الَّذِي لَا يَخْرُجُ مِنْهُ شَيءٌ، وَعَن مَيْسَرَةَ قَالَ: هُوَ الْمُصْمَتُ.

стр. 1045

قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كَأَنَّ الدَّالَ فِي هَذَا التَّفْسِيرِ مُبْدَلَةٌ مِن تَاءٍ، والصمت مِن هَذَا. قُلْت: لَا إبْدَالَ فِي هَذَا وَلَكِنَّ هَذَا مِن جِهَةِ الِاشْتِقَاقِ الْأَكْبَرِ. اهـ. وقال: وَلَيْسَت الدَّالُ مُنْقَلِبَة عَن التَّاءِ، بَل الدَّالُ أَقْوَى، وَالْمُصْمَدُ أَكْمَلُ فِي مَعْنَاهُ مِن الْمُصْمَتِ، وَكُلَّمَا قَوِيَ الْحِرَفُ كَانَ مَعْنَاهُ أَقْوَى؛ فَإِنَّ لُغَةَ الرَّبِّ فِي غَايَةِ الْإِحْكَامِ وَالتَّنَاسُبِ، وَلهَذَا كَانَ الصَّمْتُ إمْسَاكٌ عَن الْكَلَامِ مَعَ إمْكَانِهِ وَالْإِنْسَانُ أَجْوَفُ يُخْرِجُ الْكَلَامَ مِن فِيهِ لَكِنَّهُ قَد يَصْمُتُ بِخِلَافِ الصَّمَدِ فَإِنَّهُ إنَّمَا اُسْتُعْمِلَ فِيمَا لَا تَفَرُّقَ فِيهِ كَالصَّمَدِ وَالسَّيِّدِ وَالصَّمَدُ مِن الْأَرْضِ وَصِمَادُ الْقَارُورَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. فَلَيْسَ فِي هَذِهِ الْأَلْفَاظِ الْمُتَنَاسِبَةِ أَكْمَلُ مِن أَلْفَاظِ الصَّمَدِ. [١٧/ ٢١٥ - ٢٣٣] ١٢٨٢ - قال ﵀ في تفسير الآيات المتشابهات في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧)﴾ [آل عمران: ٧]: وَأَمَّا اللُّغَوِيُّونَ الَّذِينَ يَقُولُونَ إن الرَّاسِخِينَ لَا يَعْلَمُونَ مَعْنَى الْمُتَشَابِهِ فَهم مُتَنَاقِضُونَ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ كُلَّهمْ يَتَكلَّمونَ فِي تَفْسِيرِ كُلِّ شَيْءٍ فِي الْقُرْآنِ، وَيتَوَسَّعُونَ فِي الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ، حَتَّى مَا مِنْهُم أَحَدٌ إلَّا وَقَد قَالَ فِي ذَلِكَ أَقْوَالًا لَمْ يُسْبَقْ إلَيْهَا وَهِيَ خَطَأٌ. وَابْنُ الْأَنْبَارِيِّ الَّذِي بَالَغَ فِي نَصْرِ ذَلِكَ الْقَوْلِ هُوَ مِن أَكْثَرِ النَّاسِ كَلَامًا فِي مَعَانِي الْاَيِ الْمُتَشَابِهَاتِ، يَذْكُرُ فِيهَا مِن الْأَقْوَالِ مَا لَمْ يُنْقَلْ عَن أَحَدٍ مِن السَّلَفِ، ويحْتَجُّ لِمَا يَقُولُهُ فِي الْقُرْآنِ بِالشَّاذِّ مِن اللُّغَةِ، وَقَصْدُهُ بِذَلِكَ الْإِنْكَارُ عَلَى ابْنِ قُتَيْبَةَ، وَلَيْسَ هُوَ أَعْلَمَ بِمَعَانِي الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ وَأَتْبَعَ لِلسُّنَّةِ مِن ابْنِ قتَيْبَةَ وَلَا أَفْقَهَ فِي ذَلِكَ، وَإِن كَانَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ مِن أَحْفَظِ النَّاسِ لِلُّغَةِ؛ لَكِنَّ بَابَ فِقْهِ النُّصُوصِ غَيْرُ بَابِ حِفْظِ أَلْفَاظِ اللُّغَةِ. [١٧/ ٤١٠ - ٤١١] ١٢٨٣ - قَوْلُهُ تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣)﴾ [الأعلى: ٢، ٣] الْعَطْفُ يَقْتَضِي اشْتِرَاكَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ فِيمَا ذُكرَ، وَأَنَّ بَيْنَهُمَا

стр. 1046

مُغَايِرَةٌ إمَّا فِي الذَّاتِ وَإِمَّا فِي الصِّفَاتِ، وَهُوَ فِي الذَّاتِ كَثِيرٌ كَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [الحج: ١٧]، وَأَمَّا فِي الصّفَاتِ فَمِثْل هَذِهِ الْآيَةِ؛ فَإِنَّ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى هُوَ الَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى، لَكِنَّ هَذَا الِاسْمَ وَالصِّفَةَ لَيْسَ هُوَ ذَاكَ الِاسْمُ وَالصِّفَةُ. وَكَثِيرًا مَا تَأْتِي الصِّفَاتُ بِلَا عَطْفٍ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ﴾ [الحشر: ٢٣]، وَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ (٣)﴾ [الناس: ١ - ٣]، وَقَد تَجِيءُ خَبَرًا بَعْدَ خَبرٍ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٦)﴾ [البروج: ١٤ - ١٦]، وَلَوْ كَانَ "فَعَّالٌ" صِفَة لَكَانَ مُعَرَّفًا، بَلْ هُوَ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، وَقَوْلُهُ: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ﴾ [الحديد: ٣] خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، لَكِنْ بِالْعَطْفِ بِكُلِّ مِنْ الصِّفَاتِ. وأَخْبَارُ الْمُبْتَدَأِ قَد تَجِيءُ بِعَطْفٍ وَبِغَيْرِ عَطْفٍ، وَإذَا ذُكِرَ بِالْعَطْفِ كَانَ كُلُّ اسْمٍ مُسْتَقِلًّا بِالذِّكْرِ، وَبِلَا عِطْفٍ يَكُونُ الثَّانِي مِن تَمَامِ الْأَوَّلِ بِمَعْنَى، وَمَعَ الْعَطْفِ لَا تَكُونُ الصِّفَاتُ إلَّا لِلْمَدْحِ وَالثَّنَاءِ أَو لِلْمَدْحِ، وَأَمَّا بِلَا عَطْفٍ فَهُوَ فِي النَكِرَاتِ لِلتَّمْيِيزِ، وَفِي الْمَعَارِفِ قَد يَكُونُ لِلتَّوْضِيحِ. [١٦/ ١٢٧ - ١٢٨] ١٢٨٤ - قَوْلُه تعالى: ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة: ٧٨]؛ أَيْ: تِلَاوَةً، فَهُم لَا يَعْلَمونَ فِقْهَ الْكِتَابِ، إنَّمَا يَقْتَصِرُونَ عَلَى مَا يَسْمَعُونَهُ يُتْلَى عَلَيْهِمْ، قَالَهُ الْكِسَائِيُّ وَالزَّجَّاجُ. فَإِنْ قِيلَ: فَقَد قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ إلَّا مَا يَقولُونَهُ بِأَفْوَاهِهِمْ كَذِبًا وَبَاطِلًا، وَرُوِيَ هَذَا عَن بَعْضِ السَّلَفِ وَاخْتَارَهُ الْفَرَّاءُ. وَقَالَ بَعْضُهُم: الْأمَانِيُّ يَتَمَنَّوْنَ عَلَى اللّهِ الْبَاطِلَ وَالْكَذِبَ كَقَوْلِهِمْ: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠]، وَقَوْلِهِمْ: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: ١١١].

стр. 1047

قِيلَ: كِلَا الْقَوْلَيْنِ ضَعِيفٌ وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ قَالَ: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة: ٧٨] وَهَذَا الِاسْتِثْنَاءُ إمَّا أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا أَو مُنْقَطِعًا (١). فَإِنْ كَانَ مُتَّصِلًا: لَمْ يَجُزْ اسْتِثْنَاءُ الْكَذِبِ وَلَا أَمَانِيِّ الْقَلْبِ مِن الْكِتَابِ. وَإِن كَانَ مُنْقَطِعًا: فَالِاسْتِثْنَاءُ الْمُنْقَطِعُ (٢): إنَّمَا يَكُونُ فِيمَا كَانَ نَظِيرَ الْمَذْكُورِ وَشَبِيهًا لَهُ مِن بَعْضِ الْوُجُوهِ، فَهُوَ مِن جِنْسِهِ الَّذِي لَمْ يُذْكَرْ فِي اللَّفْظِ، لَيْسَ مِن جِنْسِ الْمَذْكُورِ، وَلهَذَا [لَا] (٣) يَصْلُحُ الْمُنْقَطِعُ حَيْثُ يَصْلُحُ الِاسْتِثْنَاءُ الْمُفَرَّغُ، وَذَلِكَ كَقَوْلِهِ: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ﴾ [الدخان: ٥٦] ثُمَّ قَالَ: ﴿إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان: ٥٦] فَهَذَا مُنْقَطِعٌ؛ لِأَنَّهُ يَحْسُنُ أنْ يُقَالَ: (لَا يَذُوفونَ إلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى)، وَكَذَلِكَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ﴾ [النساء: ٢٩]؛ لأنَّهُ يَحْسُنُ أَنْ يُقَالَ: لَا

стр. 1048

تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ إلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً، وَقَوْلُهُ: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧)﴾ [النساء: ١٥٧]، يَصْلُحُ أَنْ يُقَالَ: وَمَا لَهُم إلَّا اتبُاعَ الظَنِّ. فَهُنَا لَمَّا قَالَ: ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ (٧٨)﴾ يَحْسُنُ أَنْ يُقَالَ: لَا يَعْلَمُونَهُ إلَّا أَمَانِيَّ، فَإِنَّهُم يَعْلَمُونَهُ تِلَاوَةً يَقْرَءُونَهَا وَيَسْمَعُونَهَا، وَلَا يَحْسُنُ أَنْ يُقَالَ: لَا يَعْلَمُونَ إلَّا مَا تَتَمَنَّاهُ قُلُوبُهُمْ، أَو لَا يَعْلَمُونَ إلَّا الْكَذِبَ، فَإِنَّهُم قَد كَانُوا يَعْلَمُونَ مَا هُوَ صِدْقٌ أَيْضًا، فَلَيْسَ كُلُّ مَا عَلِمُوهُ مِن عُلَمَائِهِمْ كَانَ كَذِبًا بِخِلَافِ الَّذِي لَا يَعْقِلُ مَعْنَى الْكتَابِ فَإِنَّهُ لَا يَعْلَمُ إلَّا تِلَاوَةً. [١٧/ ٤٤٠ - ٤٤١] ١٢٨٥ - رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِي عَن عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَظَرَ إلَى الْقَمَرِ فَقَالَ: يَا عَائِشَةُ تَعَوَّذِي بِاللهِ مِن شَرِّهِ فَإِنَّهُ الْغَاسِقُ إذَا وَقَبَ (١). قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وَيُقَالُ الْغَاسِق الْقَمَرُ إذَا كَسَفَ وَاسْوَدَّ، وَمَعْنَى وَقَبَ دَخَلَ فِي الْكُسُوفِ. وَهَذَا ضَعِيفٌ، فَإِنَّ مَا قَالَ رَسُولُ اللّهِ ﷺ لَا يُعَارَضُ بِقَوْلِ غَيْرِهِ، وَهُوَ لَا يَقُولُ إلَّا الْحَقَّ، وَهُوَ لَمْ يَأْمُرْ عَائِشَةَ بِالِاسْتِعَاذَةِ مِنْهُ عِنْدَ كُسُوفِهِ بَل مَعَ ظُهُورِهِ. [١٧/ ٥٠٥ - ٥٠٦] ١٢٨٦ - وَأَمَّا قَوْلُ الْفَرَّاءِ: إنَّ الْمُرَادَ مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ: الطَّائِفَتَيْنِ مِن الْجِنّ وَالْإِنْسِ، وَأَنَّهُ سَمَّى الْجِنَّ نَاسًا كَمَا سَمَّاهُم رِجَالًا وَسَمَّاهُم نَفَرًا فَهَذَا ضَعِيفٌ؛ فَإِنَّ لَفْظَ النَّاسِ أَشْهَرُ وَأَظْهَرُ وَأَعْرَفُ مِن أَنْ يُحْتَاجَ إلَى تَنْوِيعِهِ إلَى الْجِنِّ وَالْإِنْسِ. وَكَذَلِكَ قَوْلُ الزَّجَّاجِ: أَنَّ الْمَعْنَى ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ﴾ الَّذِي هُوَ الْجِنَّةُ وَمِن شَرِّ النَّاسِ فِيهِ ضَعْفٌ وَإِن كَانَ أَرْجَحَ مِن الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ شَرَّ الْجِن أَعْظَمُ مِن شرِّ الْإِنْسِ فَكَيْفَ يُطْلِقُ الِاسْتِعَاذَةَ مِن جَمِيعِ النَّاسِ وَلَا يَسْتَعِيذُ إلَّا مِن بَعْضِ

стр. 1049

الْجِنِّ. وَأَيْضًا فَالْوَسْوَاسُ الْخَنَّاسُ إنْ لَمْ يَكُن إلَّا مِن الْجِنَّةِ فَلَا حَاجَةَ إلَى قَوْلِهِ ﴿مِنَ الْجَنَّةِ﴾ وَمِن ﴿النَّاسِ (٨)﴾ فَلِمَاذَا يَخُصُّ الِاسْتِعَاذَةَ مِن وَسْوَاسِ الْجِنَّةِ دُونَ وَسْوَاسِ الناسِ. ويكْفِي أَنَّ الْمُسْلِمِينَ كُلَّهم يَقْرَءُونَ هَذِهِ السُّورَةَ مِن زَمَنِ نَبِيِّهِمْ وَلَمْ يُنْقَلْ هَذَانِ الْقَوْلَانِ إلَّا عَن بَعْضِ النُّحَاةِ، وَالْأقْوَالُ الْمَأثورَةُ عَن الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ لَهُم بِإِحْسَانٍ لَيْسَ فِيهَا شَيءٌ مِن هَذَا. [١٧/ ٥١١ - ٥١٣] ١٢٨٧ - اتَّفَقَ النُّحَاةُ عَلَى أَنَّ "إنَّ" الْمَكْسُورَة تَكُونُ فِي مَوْضِعِ الْجُمَلِ، وَالْمَفْتُوحَة فِي مَوْضِعِ الْمُفْرَدَاتِ، فَقَوْلُهُ: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ﴾ [آل عمران: ٣٩]-عَلَى قِرَاءَةِ الْفَتْحِ- فِي تَقْدِيرِ قَوْلِهِ: "فَنَادَتْهُ بِبِشَارَتِهِ" وهُوَ ذِكْرٌ لِمَعْنَى مَا نَادَتْهُ بِهِ، وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ اللَّفْظِ. وَمَن قَرَأَ (إنَّ اللهَ) فَقَد حَكَى لَفْظَهُ. [١٨/ ٣٢] ١٢٨٨ - لَفْظَةُ "إنَّمَا" لِلْحَصْرِ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ .. وقد احْتَجَّ طَائِفَةٌ مِن الْأُصُولِيِّينَ عَلَى أَنَّهَا لِلْحَصْرِ بِأَنَّ حَرْفَ "إنْ" لِلْإِثْبَاتِ، وَحَرْفَ "مَا" لِلنَّفْيِ، فَإِذَا اجْتَمَعَا حَصَلَ النَّفْيُ وَالْإِثْبَات جَمِيعًا. وَهَذَا خَطَأٌ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ بِالْعَرَبِيَّةِ؛ فَإِنَّ "مَا" هُنَا هِيَ "مَا" الْكَافَّةُ، لَيْسَتْ مَا النَّافِيَةُ، وَهَذِهِ الْكَافَّةُ تَدْخُلُ عَلَى إنَّ وَأَخَوَاتِهَا فَتَكُفُّهَا عَن الْعَمَلِ، وَذَلِكَ لأنَّ الْحُرُوفَ الْعَامِلَةَ أَصْلُهَا أَنْ تَكُونَ لِلِاخْتِصَاصِ، فَإِذَا اخْتَصَّتْ بِالِاسْمِ أَو بِالْفِعْلِ وَلَمْ تَكُنْ كَالْجُزْءِ مِنْهُ عَمِلَتْ فِيهِ، فَـ "إنَّ" وأَخَوَاتُهَا اخْتَصَّتْ بِالِاسْمِ فَعَمِلَتْ فِيهِ، وَتُسَمَى الْحُرُوفُ الْمُشْبِهَةُ لِلْأَفْعَالِ؛ لِأَنَّهَا عَمِلَتْ نَصْبًا وَرَفْعًا، وَكَثُرَتْ حُرُوفُهَا. وَحُرُوفُ الْجَرِّ اخْتَصَّتْ بِالِاسْمِ فَعَمِلَتْ فِيهِ. وَحُرُوفُ الشَّرْطِ اخْتَصَّتْ بِالْفِعْلِ فَعَمِلَتْ فِيهِ. بِخِلَافِ أَدَوَاتِ الِاسْتِفْهَامِ؛ فَإِنَّهَا تَدْخُلُ عَلَى الْجُمْلَتَيْنِ وَلَمْ تَعْمَلْ، وَكَذَلِكَ مَا الْمَصْدَرِيَّةُ.

стр. 1050

وَلهَذَا: الْقِيَاسُ فِي "مَا" النَّافِيَةُ أَنْ لَا تَعْمَلَ أَيْضًا عَلَى لُغَةِ تَمِيمٍ، وَلَكِنْ تَعْمَلُ عَلَى اللُّغَةِ الْحِجَازَّيةِ الَّتِي نَزَلَ بِهَا الْقُرْآنُ فِي مِثْل قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ [المجادلة: ٢]، ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ [يوسف: ٣١]، اسْتِحْسَانًا لِمُشَابَهَتِهَا "لَيْسَ" هُنَا، لَمَّا دَخَلَتْ "مَا" الْكَافَّةُ عَلَى "إنَّ" أَزَالَتْ اخْتِصَاصَهَا، فَصَارَتْ تَدْخُلُ عَلَى الْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ وَالْجُمْلَةِ الْفِعْلِيَّةِ فَبَطَلَ عَمَلُهَا؛ كَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ﴾ [الرعد: ٧]، وَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٦]. وَقَد تَكُون "مَا" الَّتِي بَعْدَ "إنَّ" اسْمًا لَا حَرْفًا، كَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ﴾ [طه: ٦٩] بِالرَّفْع؛ أَيْ: إنَّ الَّذِي صَنَعُوهُ كَيْدُ سَاحِرٍ، خِلَاف قَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٧٢)﴾ [طه: ٧٢]؛ فَإِنَّ الْقِرَاءَةَ بِالنَّصْبِ لَا تَسْتَقِيمُ إذَا كَانَت "مَا" بِمَعْنَى الَّذِي، وَفِي كُل الْمَعْنيَيْنِ الْحَصْرُ مَوْجُود، لَكِنْ إذَا كَانَت "مَا" بِمَعْنَى الَّذِي: فَالْحَصْرُ جَاءَ مِن جِهَةِ أَنَ الْمَعَارِفَ هِيَ مِن صِيَغِ الْعُمُومِ، فَإِنَّ الْأَسْمَاءَ: أ- إمَّا مَعَارِفُ. ب- وَإِمَّا نَكِرَاتٌ. وَالْمَعَارِفُ مِن صِيَغِ الْعُمُومِ، وَالنَّكِرَةُ فِي غَيْرِ الْمُوجِبِ كَالنَّفْيِ وَغَيْرِهِ مِن صِيَغِ الْعُمُومِ، فَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ﴾ تَقْدِيرُهُ: إنَّ الَّذِي صَنَعُوهُ كَيْدُ سَاحِرٍ. وَأَمَّا الْحَصْرُ فِي "إنَّمَا" فَهُوَ مِن جِنْسِ الْحَصْرِ بِالنَّفْي وَالِاسْتِثْنَاءِ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ [الشعراء: ١٥٤]، ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ [آل عمران: ١٤٤]. وَالْحَصْرُ قَد يعَبَّرُ عَنْهُ بِأنَّ الْأَوَّلَ مَحْصُور فِي الثَّانِي، وَقَد يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالْعَكْسِ، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ، وَهُوَ أَنَّ الثَّانِيَ أَثْبَتَهُ الْأَوَّلُ، وَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ غَيْرُهُ مِمَّا يُتَوَهَّمُ أَنَّه ثَابِتٌ لَهُ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أنَّك تَنْفِي عَن الْأَوَّلِ كُلَّ مَا سِوَى الثَّانِي، فَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ﴾ [النازعات: ٤٥]؛ أَيْ: إنَّك لَسْت رَبًّا لَهُم وَلَا مُحَاسِبًا وَلَا مُجَازِيًا وَلَا

стр. 1051

وَكِيلًا عَلَيْهِم؛ كَمَا قَالَ: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢٢]، وَكَمَا قَالَ: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾ [آل عمران: ٢٠]، ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ [المائدة: ٧٥]، لَيْسَ هُوَ إلَهًا وَلَا أُمُّهُ إلَهَة، بَل غَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ رَسُولًا، كَمَا غَايَةُ مُحَمَّدٍ أَنْ يَكُونَ رَسُولًا، وَغَايَةُ مَرْيَمَ أَنْ تكونَ صِديقَةً. وَهَذَا مِمَّا اسْتُدِلَّ بهِ عَلَى بطْلَانِ قَوْلِ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ: أَنَّهَا نَبِيَّة، وَقَد حَكَى الْإِجْمَاعَ عَلَى عَدَمِ نبوَّةِ أَحَدٍ مِن النِّسَاءِ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ. ١٢٨٩ - لَفْظُ "الْجِزْيَةِ" و"الدِّيَةِ": فِعْلَة مِن جَزَى يَجْزِي إذَا قَضَى وَأَدَّى .. فِي الْأَصْلِ جَزَى جِزْيَة، كَمَا يُقَالُ: وَعَدَ عِدَةً، وَوَزَنَ زِنَة، وَكَذَلِكَ لَفْظُ "الدِّيَةِ" هُوَ مِن وَدَى يَدِي دِيَة، كَمَا يُقَالُ: وَعَدَ يَعِدُ عِدَةً، وَالْمَفْعولُ يُسَمَّى بِاسْمِ الْمَصْدَرِ كَثِيرًا، فَيُسَمَّى الْمُؤَدَّى دِيَةً، وَالْمَجْزِيَّ الْمَقْضِيَّ جِزْيَةً، كَمَا يُسَمى الْمَوْعُودُ وَعْدا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٨)﴾ [يونس: ٤٨] وَإِنَّمَا رَأَوْا مَا وعدُوة مِن الْعَذَابِ. ١٢٩٠ - إِذَا قِيلَ: الْفِعْلُ مُشْتَقٌّ مِن الْمَصْدَرِ، أَو الْمَصْدَرُ مُشْتَق مِن الْفِعْلِ: فَكِلَا الْقَوْلَيْنِ: قَوْلُ الْبَصْرِيِّينَ وَالْكُوفِيّينَ صَحِيح. ١٢٩١ - اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِلُغَةِ الْعَرَب وَسَائِر اللُّغَاتِ عَلَى أَنَّ الِاسْمَ وَحْدَهُ لَا يَحْسُنُ السّكوتُ عَلَيْهِ؛ وَلَا هُوَ جُمْلَةَ تَامَّة؛ وَلَا كَلَامًا مفِيدًا، وَلهَذَا سَمِعَ بَعْضُ الْعَرَبِ مُؤَذّنًا يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ قَالَ: فَعَلَ مَاذَا؟ فَإِنَّهُ لَمَّا نَصَبَ الِاسْمَ صَارَ صِفَةً وَالصّفَةُ مِن تَمَامِ الِاسْمِ الْمَوْصُوفِ، فَطَلَبَ بِصِحَّةِ طَبْعِهِ الْخَبَرَ الْمُفِيدَ، وَلَكِنَّ الْمُؤَذِّنَ قَصَدَ الْخَبَرَ وَلَحَنَ. فَإِنَّ الْكُفَّارَ مِن جَمِيعِ الْأُمَمِ يَذْكُرُونَ الِاسْمَ مُفْرَدًا سَوَاء أَقَرُّوا بِهِ وَبِوَحْدَانِيَّتِه أَمْ لَا؛ حَتَّى إنَّهُ لَمَّا أَمَرَنَا بِذِكْرِ اسْمِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤] .. وَنَحْوِ ذَلِكَ: كَانَ ذِكْرُ اسْمِهِ بِكَلَام تَام؛ مِثْل أَنْ يَقُولَ: بِسْمِ اللهِ.

стр. 1052

فَإِنْ قِيلَ: فَالذَّاكِرُ أَو السَّامِعُ لِلِاسْمِ الْمُجَرَّدِ قَد يَحْصُلُ لَهُ وَجْدُ مُحِبةٍ وَتَعْظِيم للهِ وَنَحْوُ ذَلِكَ. قُلْت: نَعَمْ وَيُثَابُ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْدِ الْمَشْرُوعِ وَالْحَالِ الْإِيمَانِي، لَا لِأَنَّ مُجَرَّدَ الِاسْمِ مُسْتَحَبٌّ، وإذَا سمِعَ ذَلِكَ حَرَّكَ سَاكِنَ الْقَلْبِ، وَقَد يَتَحَرَّكُ السَّاكِنُ بِسَمَاعِ ذِكْرٍ مُحَرَّمٍ أَو مَكْرُوهٍ، حَتَّى قَد يَسْمَعُ الْمُسْلِمُ مَن يُشْرِكُ بِاللّهِ أَو يَسُبّهُ فَيَثُورُ فِي قَلْبِهِ حَالُ وَجْدٍ وَمَحَبةٍ للّهِ بِقُوَّةِ نَفْرَتِهِ. فَإِنْ قِيلَ: إذَا لَمْ يَكُن هَذَا الذكْرُ مَشْرُوعًا. فَهَل هُوَ مَكْروهٌ؟ قُلْت: أَمَّا فِي حَقِّ الْمَغْلُوبِ فَلَا يُوصَفُ بِكَرَاهَة؛ فَإنَّهُ قَد يَعْرِضُ لِلْقَلْبِ أَحْوَال يَتَعَسَّرُ عَلَيْهِ فِيهَا نُطْقُ اللسَانِ مَعَ امْتِلَاءِ الْقَلْبِ بِأحْوَالِ الْإِيمَانِ، وَرُبَّمَا تيَسَّرَ عَلَيْهِ ذِكْرُ الِاسْمِ الْمُجَرَّدِ دُونَ الْكَلِمَةِ التَّامَّةِ. وَأَمَّا مع تَيَسُّرِ الْكَلِمَةِ التَّامَّةِ فَالِاقْتِصَارُ عَلَى مُجَرَّدِ الِاسْمِ مُكرَّرًا بِدْعَة، وَالْأَصْلُ فِي الْبِدَعِ الْكَرَاهَةُ. [١٠/ ٥٦١ - ٥٦٧] ١٢٩٢ - لَفْظُ "الْفَتَى": مَعْنَاهُ فِي اللُّغَةِ الْحَدَثُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (١٣)﴾ [الكهف: ١٣]، وقَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (٦٠)﴾ [الأنبياء: ٦٠]، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ﴾ [الكهف: ٦٠]، لَكِنْ لَمَّا كَانَت أَخْلَاقُ الْأَحْدَاثِ اللِّينَ صَارَ كَثِير مِن الشُّيُوخِ يُعَبّرُونَ بِلَفْظِ "الْفُتُوَّةِ" عَن مَكارِمِ الْأَخْلَاقِ. [١١/ ٩١] ١٢٩٣ - إِنَّ كِتَابَ سِيبَوَيْهِ فِي الْعَرَبِيَّةِ لَمْ يُصَنَّفْ بَعْدَهُ مِثْلُهُ، بَل وَكِتَابُ بَطْلَيْمُوس، بَل نُصُوصُ بقراط لَمْ يُصَنَّفْ بَعْدَهَا أَكمَلُ مِنْهَا (١). [١١/ ٣٧٠] ١٢٩٤ - تَنَازَعَ النَّاسُ فِي أَبْجَد هوز حُطي .. وَالصَّوَابُ: أَنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ

стр. 1053

أَسْمَاءً لِمُسَمَّيَاتِ، وَإنَّمَا ألِّفَتْ لِيُعْرَفَ تَألِيفُ الْأسْمَاءِ مِن حُروفِ الْمُعْجَمِ. ١٢٩٥ - تَنَازَعَ النَّاسُ فِي مُسَمَّى "الْكَلَامِ" فَقِيلَ: هُوَ اسْمُ اللَّفْظِ الدَّالِّ عَلَى الْمَعْنَى، وَقِيلَ: الْمَعْنَى الْمَدْلُولُ عَلَيْهِ بِاللَّفْظِ. [١٢/ ٦٢] وَقِيلَ: بَل هُوَ اسْمٌ عَامٌّ لَهُمَا جَمِيعًا يَتَنَاوَلُهُمَا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، وَإِن كَانَ مَعَ التَّقْيِيدِ يُرَادُ بِهِ هَذَا تَارَةً وَهَذَا تَارَةً، هَذَا قَوْلُ السَّلَفِ وَأَئِمَّةِ الْفُقَهَاءِ، وَإِن كَانَ هَذَا الْقَوْلُ لَا يُعْرَفُ فِي كَثِير مِن الْكُتُبِ. [١٢/ ٦٧] ١٢٩٦ - تَنَازَعَ النَّاسُ فِي مُسَمى "الإنْسَانِ" هَل هُوَ الرُّوحُ فَقَطْ أَو الْجَسَدُ فَقَطْ؛ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ اسْمٌ لِلرُّوحِ وَالْجَسَدِ جَمِيعًا. [١٢/ ٦٧] ١٢٩٧ - قَوْلُ الْقَائِلِ: إن الْحُرُوفَ قَدِيمَة أَو حُرُوفَ الْمُعْجَمِ قَدِيمَة: إِنْ أَرَادَ جِنْسَهَا فَهَذَا صَحِيحٌ، وَإِن أَرَادَ الْحَرْفَ الْمُعَيَّنَ فَقَد أَخْطَأ، فَإنَّ لَهُ مَبْدَأَ وَمُنْتَهًى. [١٢/ ٦٩] ١٢٩٨ - لَفْظُ "الْحَرْفِ" يُرَادُ بِهِ حُرُوفُ الْمَعَانِي الَّتِي هِيَ قَسِيمَةُ الْأسْمَاءِ وَالْأَفْعَالِ؛ مِثْل حُرُوفِ الْجَر وَالْجَزْمِ، وَحَرْفَي التَّنْفِيسِ، وَالْحُرُوفِ الْمُشْبِهَةِ لِلْأَفْعَالِ؛ مِثْلُ "إنَّ وَأَخَوَاتِهَا"، وَهَذ الْحُرُوفُ لَهَا أَقْسَام مَعْرُوفَةٌ فِي كُتُبِ الْعَرَبِيَّةِ. فاسْمُ الْحَرْفِ هُنَا مَنْقُول عَن اللُّغَةِ إلَى عُرْفِ النُّحَاةِ بِالتَّخْصِيصِ، وَإِلَّا فَلَفْظُ الْحَرْفِ فِي اللُّغَةِ يَتَنَاوَل الْأَسْمَاءَ وَالْحُرُوفَ وَالْأَفْعَالَ. وَحرُوفَ الْهِجَاءِ تُسَمَّى حُرُوفًا وَهِيَ أَسْمَاء (١)؛ كَالْحُرُوفِ الْمَذْكُورَةِ فِي أَوَائِل السُّوَرِ لِأَنَّ مُسَمَّاهَا هُوَ الْحَرْفُ الَّذِي هُوَ حَرْفُ الْكَلِمَةِ. [١٢/ ١٠٩ - ١١٠]

стр. 1054

١٢٩٩ - الْعَرَبِيَّةُ إنَّمَا احْتَاجَ الْمُسْلِمُونَ إلَيْهَا لِأَجْلِ خِطَابِ الرَّسُولِ بِهَا، فَإِذَا أَعْرَضَ عَن الْأَصْلِ كَانَ أهْلُ الْعَرَبِيَّةِ بِمَنْزِلَةِ شُعَرَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ أَصْحَابِ الْمُعَلَّقَاتِ السَّبْعِ وَنَحْوِهِمْ مِن حَطَبِ النَّارِ. [١٣/ ٢٠٧] ١٣٠٠ - الْكَلَام نَوْعَانِ: إنْشَاءٌ فِيهِ الْأمْرُ، وَإِخْبَار. فَتَأوِيلُ الْأَمْرِ: هوَ نَفْسُ الْفِعْلِ الْمَأمُورِ بِهِ، كَمَا قَالَ مَن قَالَ مِن السَّلَفِ: إن السُّنَّةَ هِيَ تَأوِيلُ الْأَمْرِ. قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: "كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: سُبْحَانَك اللهُمَّ وَبِحَمْدِك اللهم اغفِرْ لِي يتأوَّلُ الْقُرْآنَ" (١) تَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾ [النصر: ٣]. وَأما الْإِخْبَارُ: فَتَأوِيلُهُ عَيْنُ الْأمْرِ الْمُخْبَرِ بِهِ إذَا وَقَعَ، لَيْسَ تَأوِيلُهُ فَهْمَ مَعْنَاهُ. [١٣/ ٢٧٧] ١٣٠١ - الْعَرَبُ تُضَمِّنُ الْفِعْلَ مَعْنَى الْفِعْلِ وَتُعَدِّيهِ تَعْدِيَتَهُ، وَمِن هُنَا غَلِطَ مَن جَعَلَ بَعْضَ الْحُرُوفِ تَقُومُ مَقَامَ بَعْضٍ، كَمَا يَقُولُونَ فِي قَوْلِهِ: " ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ﴾ [ص: ٢٤]؛ أيْ: مَعَ نِعَاجِهِ، و ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ [الصف: ١٤]؛ أَيْ: مَعَ اللهِ، وَنَحْو ذَلِكَ. وَالتَّحْقِيقُ مَا قَالَهُ نُحَاةُ الْبَصْرَةِ مِن التَّضْمِينِ، فَسُؤَالُ النعْجَةِ يَتَضَمنُ جَمْعَهَا وَضَمهَا إلَى نِعَاجِهِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [الإسراء: ٧٣] ضُمن مَعْنَى يُزِيغُونَك وَيَصُدُّونَك، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ [الأنبياء: ٧٧] ضُمنَ مَعْنَى نَجَّيْنَاهُ وَخَلصْنَاهُ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦] ضُمنَ يُرْوَى بِهَا، وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَة (٢).

стр. 1055

وَمَن قَالَ: لَا ريبَ: لَا شَكَّ، فَهَذَا تَقْرِيب، وَإِلَّا فَالرَّيْبُ فِيهِ اضْطِرَاب وَحَرَكَة. [١٣/ ٣٤٢] ١٣٠٢ - قَوْله تَعَالى: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (٣٥)﴾ [المؤمنون: ٣٥] طَالَ الْفَصْلُ بَيْنَ (أَنَّ وَاسْمِهَا وَخَبَرِهَا)، فَأعَادَ (أَنَّ) لِتَقَعَ عَلَى الْخَبَرِ لِتَأكِيدِهِ بِهَا. وَنَظِيرُ هَذَا قَوْله تَعَالَى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ [التوبة: ٦٣]، لَمَّا طَالَ الْكَلَامُ أَعَادَ (أَنَّ)، هَذَا قَوْلُ الزَّجَّاجِ وَطَائِفَةٍ. وَأَحْسَنُ مِن هَذَا أَنْ يُقَالَ: كُل وَاحِدَةٍ مِن هَاتَيْنِ الْجُمْلَتَيْنِ جُمْلَة شَرْطِيَّة مُرَكَبَةٌ مِن جُمْلَتَيْنِ جَزَائِيّتَيْنِ، فَأُكِّدَتِ الْجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ "بِأنَّ" عَلَى حَد تَأكِيدِهَا.
следующие страницы →