← Фатава

Фатава · id 879

تقريب فتاوى ابن تيمية

أحمد بن ناصر الطيار

Полный текст (3 539 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

عَبْدُ اللّهِ بْنُ أَحْمَد: قَرَأت عَلَى أَبِي .. عَنِ ابْنِ عَبَّاس قَالَ: إذَا عَسِرَ عَلَى الْمَرْأَةِ وِلَادَتُهَا فَلْيَكْتُبْ: بِسْمِ اللّهِ لَا إلَهَ إلَّا اللّهُ الْحَلِيمُ الْكَرِيمُ سُبْحَانَ اللّهِ رَبِّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا (٤٦)﴾ [النازعات: ٤٦]، ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ (٣٥)﴾ [الأحقاف: ٣٥]. قَالَ عَبْدُ اللهِ: رَأَيْت أَبِي يَكْتُبُ لِلْمَرْأَةِ فِي جَامٍ أَو شَيْءٍ نَظِيفٍ. [١٩/ ٦٤] ١١٨٠ - كُلُّ اسْمٍ مَجْهُولٍ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَرْقِيَ بِهِ، فَضْلًا عَن أَنْ يَدْعُوَ بِهِ، وَلَو عَرَفَ مَعْنَاهَا وَأَنَّهُ صَحِيحٌ: لَكُرِهَ أَنْ يَدْعُوَ اللّهَ بِغَيْرِ الْأَسْمَاءِ الْعَرَبِيَّةِ. [٢٤/ ٢٨٣] * * * (التداوي بالحرام والنجاسة) ١١٨١ - إنْ كَانَ الْمَذْبُوحُ مِمَّا يُبَاحُ أَكْلُهُ جَازَ التَّدَاوِي بِمَرَارَتِهِ وَإِلَّا فَلَا. ١١٨٢ - التَّدَاوِي بِالْخَمْرِ حَرَامٌ بِنَصِّ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَعَلَى ذَلِكَ جَمَاهِيرُ أَهْلِ الْعِلْمِ، ثَبَتَ عَنْهُ فِي "الصَّحِيحِ" (١): أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْخَمْرِ تُصْنَعُ لِلدَّوَاءِ فَقَالَ: "إنَّهَا دَاء وَلَيْسَتْ بِدَوَاء". وَلَيْسَ هَذَا مِثْل أَكْلِ الْمُضْطَرِّ لِلْمَيْتَةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصُودُ قَطْعًا، وَلَيْسَ لَهُ عَنْهُ عِوَضٌ، وَالْأَكْلُ مِنْهَا وَاجِبٌ، فَمَن اُضْطُرَّ إلَى الْمَيْتَةِ وَلَمْ يَأْكُلْ حَتَّى مَاتَ دَخَلَ النَّارَ (٢). وَهُنَا لَا يُعْلَمُ حُصولُ الشّفَاءِ، وَلَا يَتَعَيَّنُ هَذَا الدَّوَاءُ، بَلِ اللّهُ تَعَالَى يُعَافِي الْعَبْدَ بِأَسْبَابٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وَالتَّدَاوِي لَيْسَ بِوَاجِبٍ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، وَلَا يُقَاسُ هَذَا بِهَذَا. [٢٤/ ٢٦٦ - ٢٦٧]

стр. 982

١١٨٣ - التَّدَاوِي بِأَكْلِ شَحْمِ الْخِنْزِيرِ: لَا يَجُوزُ. وَأَمَّا التَّدَاوِي بِالتَّلَطُّخِ بِهِ ثُمَّ يَغْسِلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: فَهَذَا يَنْبَنِي عَلَى جَوَازِ مُبَاشَرَةِ النَّجَاسَةِ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ، وَفِيهِ نِزَاعٌ مَشْهُورٌ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْحَاجَةِ، كَمَا يَجُوزُ اسْتِنْجَاءُ الرَّجُلِ بِيَدِهِ وَإِزَالَةُ النَّجَاسَةِ بِيَدِهِ. وَمَا أُبِيحَ لِلْحَاجَةِ جَازَ التَّدَاوِي بِهِ، كَمَا يَجُوزُ التَّدَاوِي بِلُبْسِ الْحَرِيرِ عَلَى أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ. وَمَا أُبِيحَ لِلضَّرُورَةِ كَالْمَطَاعِمِ الْخَبِيثَةِ فَلَا يَجُوزُ التَّدَاوِي بِهَا، كَمَا لَا يَجُوزُ التَّدَاوِي بِشُرْبِ الْخَمْرِ لَا سِيَّمَا عَلَى قَوْلِ مَن يَقُولُ: إنَّهُم كَانُوا يَنْتَفِعُونَ بِشُحُومِ الْمَيْتَةِ فِي طَلْيِ السُّفُنِ وَدَهْنِ الْجُلُودِ وَالاِسْتِصْبَاحِ بِهِ وَأَقَرَّهُم النَّبِيُّ ﷺ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنَّمَا نَهَاهُم عَن ثَمَنِهِ. وَلهَذَا رَخَّصَ مَن لَمْ يَقُلْ بِطَهَارَةِ جُلُودِ الْمَيْتَةِ بِالدِّبَاغِ فِي الاِنْتِفَاعِ بِهَا فِي الْيَابِسَاتِ فِي أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ، وَفِي الْمَائِعَاتِ الَّتِي لَا تُنَجِّسُهَا. [٢٤/ ٢٧٠ - ٢٧١] * * * الرؤى ١١٨٤ - تَعْبِيرُ الرُّؤْيَا مَدَارُهُ عَلَى الْقِيَاسِ وَالاِعْتِبَارِ وَالْمُشَابَهَةِ الَّتِي بَيْنَ الرُّؤَيا وَتَأْوِيلِهَا (١). [٢٠/ ٨٢ - ٨٣]

стр. 983

١١٨٥ - الرُّؤْيَا الْمَحْضَةُ الَّتِي لَا دَلِيلَ يَدُلُّ عَلَى صِحَّتِهَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ بِهَا شَيْءٌ بِالاِتِّفَاقِ. [٢٧/ ٤٥٨] * * * (هل يُرى اللَّه فِي الدنيا وفي الْمَنَامِ ؟) ١١٨٦ - كُلُّ حَدِيثٍ فِيهِ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ رَأَى رَبَّهُ بِعَيْنِهِ فِي الْأَرْضِ: فَهُوَ كَذِبٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَعُلَمَائِهِمْ، هَذَا شَيْءٌ لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ مِن عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا رَوَاهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ. وَإِنَّمَا كَانَ النِّزَاعُ بَيْنَ الصَّحَابَةِ فِي أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ هَل رَأَى رَبَّهُ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ؟. وَلَا نُقِلَ فِي ذَلِكَ عَن الصِّدِّيقِ ﵁، كَمَا يَرْوُونَهُ نَاسٌ مِن الْجُهَّالِ: أَنَّ أَبَاهَا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: "نَعَمْ"، وَقَالَ لِعَائِشَةَ: "لَا" … وَكَذَلِكَ الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنَّهُ قَالَ: "رَأَيْت رَبِّي فِي صُورَةِ كَذَا وَكذَا" (١)، يُرْوَى مِن طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمِن طَرِيقِ أُمِّ الطُّفَيْلِ وَغَيْرِهِمَا، وَفِيهِ: "أَنَّهُ وَضَعَ يَدَهُ بَيْنَ كَتِفَيَّ حَتَّى وَجَدْت بَرْدَ أَنَامِلِهِ عَلَى صَدْرِي" (٢)، هَذَا الْحَدِيثُ لَمْ يَكُن لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ، فَإِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ كَانَ بِالْمَدِينَةِ، وَفِي الْحَدِيثِ:

стр. 984

أَنَّ النَّبِيّ ﷺ نَامَ عَن صَلَاةِ الصُّبْحِ ثُمَّ خَرَجَ إلَيْهِم وَقَالَ: رَأَيْت كَذَا وَكَذَا. وَهُوَ فِي رِوَايَةِ مَن لَمْ يُصَلَّ خَلْفَهُ إلَّا بِالْمَدِينَةِ كَأُمِّ الطُّفَيْلِ وَغَيْرِهَا، وَالْمِعْرَاجُ إنَّمَا كَانَ مِن مَكَّةَ باتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ .. فَعُلِمَ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ كَانَ رُؤَيا مَنَامٍ بِالْمَدِينَةِ .. مَعَ أَنَّ رُؤَيا الْأَنْبِيَاءِ وَحْيٌّ، لَمْ يَكن رُؤَيا يَقَظَةٍ لَيْلَةَ الْمِعْرَاج. وَقَد يَرَى الْمُؤمِنُ رَبَّهُ فِي الْمَنَامِ فِي صُوَرٍ مُتَنَوِّعَةٍ عَلَى قَدْرِ إيمَانِهِ وَيَقِينِهِ، فَإِذَا كَانَ إيمَانُهُ صَحِيحًا لَمْ يَرَهُ إلَّا فِي صُورَةٍ حَسَنَةٍ، وَإِذَا كَانَ فِي إيمَانِهِ نَقْصٌ رَأَى مَا يُشْبِة إيمَانَهُ، وَرُؤَيا الْمَنَامِ لَهَا حُكْمٌ غَيْرُ رُؤَيا الْحَقِيقَةِ فِي الْيَقَظَةِ، وَلَهَا تَعْبِيرٌ وَتَأْوِيل؛ لِمَا فِيهَا مِن الْأَمْثَالِ الْمَضْرُوبَةِ لِلْحَقَائِقِ. وَقَد يَحْصُلُ لِبَعْضِ النَّاسِ فِي الْيَقَظَةِ أَيْضًا مِن الرُّؤْيَا نَظِيرُ مَا يَحْصُلُ لِلنَّائِمِ فِي الْمَنَامِ، فَيَرَى بِقَلْبِهِ مِثْل مَا يَرَى النَّائِمُ، وَقَد يَتَجَلَّى لَهُ مِن الْحَقَائِقِ مَا يَشْهَدُهُ بِقَلْبِهِ، فَهَذَا كلُّة يَقَعُ فِي الدُّنْيَا. وَرُبَّمَا غَلَبَ أَحَدُهُم مَا يَشْهَدُهُ قَلْبُهُ، وَتَجْمَعُهُ حَوَاسُّهُ، فَيَظُنُّ أَنَّهُ رَأَى ذَلِكَ بِعَيْنَيِّ رَأسِهِ، حَتَّى يَسْتَيْقِظَ فَيَعْلَمَ أَنَّهُ مَنَامٌ. وَرُبَّمَا عَلِمَ فِي الْمَنَامِ أَنَّهُ مَنَامٌ. فَهَكَذَا مِن الْعُبَّادِ مَن يَحْصُلُ لَهُ مُشَاهَدَة قَلْبِيَّةٌ تَغْلِبُ عَلَيْهِ حَتَّى تُفْنِيَهُ عَن الشُّعُورِ بِحَوَاشهِ، فَيَظُنَّهَا رُؤَية بِعَيْنِهِ وَهُوَ غالط فِي ذَلِكَ. [٣/ ٣٨٦ - ٣٩٠] ١١٨٧ - مَن رَأَى اللهَ عزوجل فِي الْمَنَامِ: فَإِنَّهُ يَرَاهُ فِي صُورَةٍ مِن الصُّوَرِ بِحَسَبِ حَالِ الرَّائِي، إنْ كَانَ صَالِحًا رَآه فِي صُورَةٍ حَسَنَةٍ؛ وَلهَذَا رَآهُ النَّبِيُّ ﷺ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ. وَالْمُشَاهَدَاتُ الَّتِي قَد تَحْصُلُ لِبَعْضِ الْعَارِفِينَ فِي الْيَقَظَةِ؛ كَقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ لِابْنِ الزُّبَيْرِ لَمَّا خَطَبَ إلَيْهِ ابْنَتَهُ فِي الطَّوَافِ: أَتُحَدِّثُنِي فِي النِّسَاءِ وَنَحْنُ نتَرَاءَى اللّهَ فِي طَوَافِنَا؟ وَأَمْثَالُ ذَلِكَ: إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمِثَالِ الْعِلْمِيِّ الْمَشْهُودِ.

стр. 985

وَهَذَا الْمِثَالُ الْعِلْمِيُّ يَتَنَوَّعُ فِي الْقُلُوبِ بِحَسَبِ الْمَعْرِفَةِ بِاللّهِ، وَالْمَحَبَّةِ لَهُ تَنَوُّعًا لَا يَنْحَصِرُ. بَل الْخَلْقُ فِي إيمَانِهِمْ بِاللّهِ وَكِتَابِهِ ورَسُولِهِ: مُتَنَوِّعُونَ، فَلِكُلٍّ مِنْهُم فِي قَلْبِهِ لِلْكِتَابِ وَالرَّسُولِ مِثَال عِلْمِيٌّ بِحَسَبِ مَعْرِفَتِهِ. مَعَ اشْتِرَاكِهِمْ فِي الْإِيمَانِ بِاللّهِ وَبِكِتَابِهِ وَبِرَسُولِهِ: فَهُم مُتَنَوِّعُونَ فِي ذَلِكَ مُتَفَاضِلُونَ. وَكَذَلِكَ إيمَانُهُم بِالْمَعَادِ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِن أُمُورِ الْغَيْبِ. [٥/ ٢٥١ - ٢٥٢] * * * (تواطؤ الرؤيا كتواطؤ الشهادات) ١١٨٨ - لا يشهد بالجنة إِلَّا لمن شهد له النَّبِيّ ﷺ أو اتفقت الأمة على الثناء. عليه، وهو أحد القولين، وتواطؤ الرؤيا كتواطؤ الشهادات. [المستدرك ١/ ١١٠] * * *

стр. 986

الأنبياء والرسل ١١٨٩ - انْقَسَمَ النَّاسُ فِيهِمْ [أي: في الْأَنْبِيَاءِ والأَوْلياء]: أ - قَوْمٌ أَنْكَرُوا تَوَسّطَهُم بِتَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، فَكَذَّبُوا بِالْكُتُبِ وَالرُّسُلِ: مِثْلُ قَوْمِ نُوحٍ وَهُودٍ وَصَالِحٍ وَلُوطٍ وَشُعَيْبٍ وَقَوْمِ فِرْعَوْنَ وَغَيْرِهِمْ مِمَن يُخْبِرُ اللّهُ أَنَّهُم كَذَّبُوا الْمُرْسَلِينَ؛ فَإِنَّهُم كَذَّبُوا جِنْسَ الرُّسُلِ، يُؤْمِنُوا بِبَعْضِهِمْ دُونَ بَعْضٍ. ب - وَقِسْمٌ ثَالثٌ غَلَوْا فِي الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَفِي الْمَلَائِكَةِ أَيْضًا: فَجَعَلُوهُم وَسَائِطَ فِي الْعِبَادَةِ فَعَبَدُوهُم لِيُقَرِّبُوهُم إلَى اللهِ زُلْفَى، وَصَوَّرُوا تَمَاثِيلَهُمْ، وَعَكَفُوا عَلَى قُبُورِهِمْ. ج - فَأَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَالتَّابِعُونَ لَهُم بِإِحْسَانٍ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَيْسُوا مِن هَؤُلَاءِ وَلَا مِن هَؤُلَاءِ، بَل يُثْبِتُونَ أَنَّهُم وَسَائِطُ فِي التَّبْلِيغِ عَنِ اللّهِ، وَيُؤْمِنُونَ بِهِمْ، وَيُحِبُّونَهُم وَلَا يَحُجُّونَ إلَى قُبُورِهِمْ، وَلَا يَتَّخِذُونَ قُبُورَهُم مَسَاجِدَ؛ وَذَلِكَ تَحْقِيقُ "شَهَادَةِ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللّهِ"، فَإِظْهَارُ ذِكْرِهِمْ وَمَا جَاوُوا بِهِ هُوَ مِن الْإِيمَانِ بِهِمْ، وَإِخْفَاءُ قُبُورِهِمْ لِئَلَّا يَفْتَتِنَ بِهَا النَّاسُ هُوَ مِن تَمَامِ التَّوْحِيدِ وَعِبَادَةِ اللّهِ وَحْدَهُ، وَالصَّحَابَة وَأُمَّةُ مُحَمَّدٍ قَامُوا بِهَذَا. [٢٧/ ٢٨١ - ٢٨٤] ١١٩٠ - لَوْلَا الرِّسَالَةُ لَمْ يَهْتَدِ الْعَقْلُ إلَى تَفَاصِيلِ النَّافِعِ وَالضَّارّ فِي الْمَعَاشِ وَالْمُعَادِ، فَمِن أَعْظَمِ نِعَمِ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ وَأَشْرَفِ مِنَّةٍ عَلَيْهِم: أَنْ أَرْسَلَ إلَيْهِم رُسُلَهُ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِم كُتُبَهُ، وَبَيَّنَ لَهُم الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَكَانُوا

стр. 987

بِمَنْزِلَةِ الْأَنْعَامِ وَالْبَهَائِمِ، بَل أَشَرَّ حَالًا مِنْهَا، فَمَن قَبِلَ رِسَالَةَ اللّهِ وَاسْتَقَامَ عَلَيْهَا فَهُوَ مِن خَيْرِ الْبَرِيَّةِ، وَمَن رَدَّهَا وَخَرَجَ عَنْهَا فَهُوَ مِن شَرِّ الْبَرِيَّةِ، وَأَسْوَأُ حَالًا مِنَ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْحَيَوَانِ الْبَهِيمِ. [١٩/ ١٠٠] ١١٩١ - لَيْسَتْ حَاجَةُ أَوَّلِ الْأرْضِ إلَى الرَّسُولِ كَحَاجَتِهِمْ إلَى الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، وَالرّيَاحِ وَالْمَطَرِ، وَلَا كَحَاجَةِ الْإِنْسَانِ إلَى حَيَاتِهِ، وَلَا كَحَاجَةِ الْعَيْنِ إلَى ضَوْئِهَا، وَالْجِسْمِ إلَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، بَل أَعْظَمُ مِن ذَلِكَ، وَأَشَدُّ حَاجَةً مِن كُل مَا يُقَدَّرُ وَيَخْطُرُ بِالْبَالِ، فَالرُّسُلُ وَسَائِطُ بَيْنَ اللّهِ وَبَيْنَ خَلْقِهِ فِي أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، وَهُم السُّفَرَاءُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عِبَادِهِ، وكان خَاتَمُهُم وَسَيِّدُهُم وَأَكْرَمُهُم عَلَى رَبِّهِ: مُحَمَّدَ بنَ عَبْدِ اللّهِ ﷺ يَقُولُ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّمَا أَنَا رَحْمَةٌ مُهْدَاةٌ" (١)، وَقَالَ اللّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧]. [١٩/ ١٠١] ١١٩٢ - أَفْضَلُ الْأنْبِيَاءِ بَعْدَ مُحَمَّدٍ ﷺ : إبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ كَمَا ثَبَتَ فِي "صَحِيحِ مُسْلِمٍ" (٢) عَن أَنَسٍ عَن النَّبِيِّ صلى أَنَّة خَيْرُ الْبَرِيَّةِ. [٤/ ٣١٧] ١١٩٣ - إِنَّ الرُّسُلَ صَلَوَاتُ اللّهِ عَلَيْهِم بُعِثُوا بِتَكْمِيلِ الْفِطْرَةِ وَتَقْرِيرِهَا، لَا بِتَبْدِيلِ الْفِطْرَةِ وَتَغْيِيرِهَا. [٦/ ٥٧٥] * * *

стр. 988

(هل عِيسَى ﵇ حَيٌّ لم يمت؟ وَما معنى قَوْله تَعَالَي: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾) ١١٩٤ - عِيسَى ﵇ حَيٌّ فِي السَّمَاءِ لَمْ يَمُتْ بَعْدُ، وَإِذَا نَزَلَ مِن السَّمَاءِ لَمْ يَحْكُمْ إلَّا بِالْكتَابِ وَالسُّنَّةِ، لَا بِشَيْء يُخَالِفُ ذَلِكَ. وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران: ٥٥] فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَعْنِ بِذَلِكَ الْمَوْتَ؛ إذ لَو ارَادَ بِذَلِكَ الْمَوْتَ لَكَانَ عِيسَى فِي ذَلِكَ كَسَائِرِ الْمُؤمِنِينَ؛ فَإِنَّ اللّهَ يَقْبِضُ أَرْوَاحَهُم وَيَعْرُجُ بِهَا إلَى السَّمَاءِ، فَعُلِمَ أَنْ لَيْسَ فِي ذَلِكَ خَاصِّيَّةٌ. وَلهَذَا قَالَ مَن قَالَ مِن الْعُلَمَاءِ: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾؛ أَيْ: قَابِضُك؛ أَيْ: قَابِضٌ رُوحَك وَبَدَنك. يُقَالُ: تَوَفَّيْت الْحِسَابَ وَاسْتَوْفَيْته. وَلَفْظُ التَّوَفِّي: لَا يَقْتَضِي (١) تَوَفِّيَ الرُّوحِ دُونَ الْبَدَنِ، وَلَا تَوَفِّيَهُمَا جَمِيعًا إلَّا بِقَرِينَةٍ مُنْفَضِلَةٍ. وَقَد يُرَادُ بِهِ تَوَفِّي النَّوْمِ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام: ٦٠]. [٤/ ٣٠٦، ٣٢٢ - ٣٢٣] * * * (الْأَنْبِيَاء مَعْصُومُونَ عَن الْكَبَائِرِ دُونَ الصَّغَائِرِ) ١١٩٥ - الْأَنْبِيَاء صَلَوَاتُ اللّهِ عَلَيْهِم مَعْصُومُونَ فِيمَا يُخْبِرُونَ بِهِ عَن اللّهِ سُبْحَانَهُ وَفِي تَبْلِيغِ رِسَالَاتِهِ بِاتِّفَاقِ الْأمَّةِ، وَلهَذَا وَجَبَ الْإِيمَانُ بِكُلِّ مَا أُوتُوهُ.

стр. 989

بِخِلَافِ غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ فَإِنَّهُم لَيْسُوا مَعْصُومِينَ كَمَا عُصِمَ الأَنْبِيَاءُ وَلَو كَانُوا أَوْليَاءَ للهِ وَلهَذَا مَن سَبَّ نَبِيًّا مِن الْأَنْبِيَاءِ قُتِلَ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ وَمَن سَبَّ غَيْرَهُم لَمْ يُقْتَلْ. وَأَمَّا الْعِصْمَةُ فِي غَيْرِ مَا يَتَعَلَّقُ بِتَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ فَلِلنَّاسِ فِيهِ نِزَاعٌ. وَالْقَوْلُ الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ النَّاسِ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِلْآثَارِ الْمَنْقُولَةِ عَن السَّلَفِ إثْبَاتُ الْعِصْمَةِ مِن الْإِقْرَارِ عَلَى الذُّنُوبِ مُطْلَقًا، وَالرَّدُّ عَلَىْ مَن يَقُولُ إنَّهُ يَجُوزُ إقْرَارُهُم عَلَيْهَا، وَحُجَجُ الْقَائِلِينَ بِالْعِصْمَةِ إذَا حُرِّرَتْ إنَّمَا تَدُلُّ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ. [١٠/ ٢٨٩ - ٢٩٣] ١١٩٦ - إِنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ مَعْصُومُونَ عَن الْكَبَائِرِ دُونَ الصَّغَائِرِ: هُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ وَجَمِيعِ الطَّوَائِفِ، حَتَّى إنَّهُ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْكَلَامِ، كَمَا ذَكَرَ أَبُو الْحَسَنِ الآمدي أَنَّ هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْأَشْعَرِيَّةِ، وَهُوَ أَيْضًا قَوْلُ أكْثَرِ أَهْلِ التَّفْسِيرِ وَالْحَدِيثِ وَالْفُقَهَاءِ، بَل هُوَ لَمْ يَنْقُلْ عَن السَّلَفِ وَالْأئِمَّةِ وَالصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَتَابِعِيهِمْ إلَّا مَا يُوَافِقُ هَذَا الْقَوْلَ. وَعَامَّةُ مَا يُنْقَلُ عَن جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُم غيْرُ مَعْصُومِينَ عَن الْإِقْرَارِ عَلَى الصَّغَائِرِ، وَلَا يُقَرُّونَ عَلَيْهَا، وَلَا يَقُولُونَ إنَّهَا لَا تَقَعُ بِحَال. وَأَوَّلُ مَن نُقِلَ عَنْهُم مِن طَوَائِفِ الْأُمَّةِ الْقَوْلُ بِالْعِصْمَةِ مُطْلَقًا وَأَعْظَمُهُم قَوْلًا لِذَلِكَ: الرَّافِضَةُ؛ فَإِنَّهُم يَقُولُونَ بِالْعِصْمَةِ، حَتَّى مَا يَقَعُ عَلَى سَبِيلِ النِّسْيَانِ وَالسَّهْوِ وَالتَّأْوِيلِ. وَيَنْقُلُونَ ذَلِكَ إلَى مَن يَعْتَقِدُونَ إمَامَتَهُ، وَقَالُوا بِعِصْمَةِ عَلِيٍّ، وَالاِثْنَيْ عَشَرَ. ثُمَّ الْإِسْمَاعِيلِيَّة، الَّذِينَ كَانُوا مُلُوكَ الْقَاهِرَةِ، وَكَانُوا يَزْعُمُونَ أَنَّهُم خُلَفَاءُ عَلَوِيُّونَ فَاطِمِيُّونَ، وَهُم عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِن ذُرِّيَّةِ عُبَيْدِ اللّهِ الْقَدَّاحِ.

стр. 990

فَالْمُكَفَّرُ بِمِثْل ذَلِكَ: يُسْتَتَابُ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا عُوقِبَ عَلَى ذَلِكَ عُقُوبَةً تَرْدَعُهُ وَأَمْثَالَهُ عَن مِثْل هَذَا، إلَّا أنْ يَظْهَرَ مِنْهُ مَا يَقْتَضِي كُفْرَهُ وَزَنْدَقَتَهُ، فَيَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ أَمْثَالِهِ. وَكَذَلِكَ الْمُفَسَّقُ بِمِثْل هَذَا الْقَوْلِ: يَجِبُ أَنْ يُعَزَّرَ بَعْدَ إقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّ هَذَا تَفْسِيقٌ لِجُمْهُورِ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ. [٤/ ٣١٩ - ٣٢١] ١١٩٧ - اتفق الأئمة على أنه ﷺ معصوم فيما يبلغه عن ربه، وقد اتفقوا على أنه لا يقر على الخطأ في ذلك، وكذلك لا يقر على الذنوب لا صغائرها ولا كبائرها. ولكن تنازعوا: هل يقع من الأنبياء بعض الصغائر مع التوبة منها، أو لا يقع بحال؟ فقال بعض متكلمي الحديث وكثير من المتكلمين من الشيعة والمعتزلة: لا تقع منهم الصغيرة بحال، وزاد الشيعة حتى قالوا: لا يقع منهم لا خطأ ولا غير خطأ. وأما السلف وجمهور أهل الفقه والحديث والتفسير وجمهور متكلمي أهل الحديث من الأشعرية وغيرهم فلم يمنعوا وقوع الصغيرة إذا كان مع التوبة كما دلت عليه النصوص من الكتاب والسُّنَّة؛ فإن الله يحب التوابين. [المستدرك ١/ ٢٠٨] * * * (هل ورد أن مُوسَى ﵇ يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ؟ وكيف الجمع بين رؤية النَّبِيّ له وَهُوَ يَطوفُ بِالْبَيْتِ، ورؤيته له فِي السَّمَاءِ ؟) ١١٩٨ - سُئِلَ ﵀: عَن هَذِهِ الْأَحَادِيثِ: أَنَّ النَّبِيَّ رَأَى مُوسَى ﵇ وَهُوَ يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ، وَرَآهُ وَهُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ، وَرَآهُ فِي السَّمَاءِ.

стр. 991

فَأَجَابَ: أَمَّا رُؤْيَا مُوسَى ﵇ فِي الطَّوَافِ فَهَذَا كَانَ رُؤَيا مَنَامٍ، لَمْ يَكُن لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ؛ كَذَلِكَ جَاءَ مُفَسَّرًا، كَمَا رَأَى الْمَسِيحَ أَيْضًا وَرَأَى الدَّجَّالَ. وَأَمَّا رُؤَيتُهُ وَرُويَةُ غَيْرِهِ مِن الْأَنْبِيَاءِ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ فِي السَّمَاءِ .. فَهَذَا رَأَى أَرْوَاحَهُم مُصَوَّرَة فِي صُوَرِ أَبْدَانِهِمْ. وَقَد قَالَ بَعْضُ النَّاسِ: لَعَلَّهُ رَأَى نَفْسَ الْأَجْسَادِ الْمَدْفُونَةِ فِي الْقُبُورِ، وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْء. لَكِنَّ عِيسَى صَعِدَ إلَى السَّمَاءِ بِرُوحِهِ وَجَسَدِهِ، وَكَذَلِكَ قَد قِيلَ فِي إدْرِيسَ. وَأَمَّا إبْرَاهِيمُ وَمُوسَى وَغَيْرُهُمَا فَهُم مَدْفُونُونَ فِي الْأَرْضِ. وَالْمَسِيحُ ﷺ وَعَلَى سَائِرِ النَّبِيِّينَ- لَا بُدَّ أَنْ يَنْزِلَ إلَى الْأَرْضِ عَلَى الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ شَرْقِيّ دِمَشْقَ، فَيَقْتُلُ الدَّجَّالَ، وَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ؛ وَلهَذَا كَانَ فِي السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ، مَعَ أَنَّهُ أَفْضَلُ مِن يُوسُفَ وَإِدْرِيسَ وَهَارُونَ؛ لِأَنَّهُ يُرِيدُ النُّزُولَ إلَى الْأَرْضِ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ. وَآدَمُ كَانَ فِي سمَاءِ الدُّنْيَا لِأَنَّ نَسَمَ بَنِيهِ تُعْرَضُ عَلَيْهِ: أَرْوَاحُ السُّعَدَاءِ، وَالْأَشْقِيَاءُ لَا تُفَتَّحُ لَهُم أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ، فَلَا بُدَّ إذَا عُرضُوا عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا مِنْهُمْ. وَأَمَّا كَونهُ رَأَى مُوسَى قَائِمًا يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ، وَرَآه فِي السَّمَاءِ أَيْضًا: فَهَذَا لَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا؛ فَإِنَّ أَمْرَ الْأَرْوَاحِ مِن جِنْس أَمْرِ الْمَلَائِكَةِ، فِي اللَّحْظَةِ الْوَاحِدَةِ تَصْعَدُ وَتَهْبِطُ كَالْمَلَكِ، لَيْسَتْ فِي ذَلِكَ كَالْبَدَنِ. وَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : "إِذَا مَاتَ الإنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُه إِلا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ" (١) يُرِيدُ بِهِ الْعَمَلَ الَّذِي

стр. 992

يَكُونُ لَهُ ثَوَابٌ، لَمْ يُرِدْ بِهِ نَفْسَ الْعَمَلِ الَّذِي يَتَنَعَّمُ بِهِ؛ فَإِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَتَنَعَّمُونَ بِالنَّظَرِ إلَى اللّهِ، وَيَتَنَعَّمُونَ بِذِكْرِهِ وَتَسْبِيحِهِ، وَيَتَنَعَّمُونَ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَيُقَالُ لِقَارِئِ الْقُرْآنِ: اقْرَأْ وَارْقَ وَرَتِّلْ كَمَا كنْت تُرَتِّلُ فِي الدُّنْيَا فَإِنَّ مَنْزِلَك عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَؤُهَا. [٤/ ٣٢٨ - ٣٠٠] * * * (الراجح أن الذَّبيحَ هُوَ إسْمَاعِيلُ) ١١٩٩ - سُئِلَ الشَّيْخُ ﵀: عَن الذَّبِيحِ مِن وَلَدِ خَلِيلِ اللهِ إبْرَاهِيمَ ﵇: هَل هُوَ إسْمَاعِيلُ أَو إسْحَاقُ؟ فَأَجَابَ: هَذِهِ الْمَسْألَةُ فِيهَا مَذْهَبَانِ مَشْهُورَانِ لِلْعُلَمَاءِ، وَكُل مِنْهُمَا مَذْكُورٌ عَن طَائِفَةٍ مِن السَّلَفِ. وَفِي الْجُمْلَةِ: فَالنِّزَاعُ فِيهَا مَشْهُورٌ، لَكِنَ الَّذِي يَجِبُ الْقَطْعُ بِهِ أَنَّهُ إسْمَاعِيلُ، وَهَذَا الَّذِي عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، وَالدَّلَائِلُ الْمَشْهُورَةُ، وَهُوَ الَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ التَّوْرَاة الَّتِي بِأَيْدِي أَهْلِ الْكِتَابِ. [٤/ ٣٣١] * * * (هل الْخَضِر وَإِلْيَاس فِي الْأَحْيَاءِ ؟) ١٢٠٠ - وَسُئِلَ ﵀: عَن الْخَضِرِ وَإلْيَاسَ: هَل هُمَا مُعَمَّرَانِ؟ فَأَجَابَ: إنَّهُمَا لَيْسَا فِي الْأحْيَاءِ وَلَا مُعَمَّرَانِ، وَقَد سَألَ إبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ عَن تَعْمِيرِ الْخَضِرِ وَإِلْيَاسَ وَأَنَّهُمَا بَاقِيَانِ يَرَيَانِ وَيُرْوَى عَنْهُمَا، فَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: مَن أَحَالَ عَلَى غَائِبٍ لَمْ يُنْصِفْ مِنْهُ، وَمَا أَلْقَى هَذَا إلَّا شَيْطَانٌ. وَسُئِلَ الْبُخَارِيُّ عَن الْخَضِرِ وَإِلْيَاسَ: هَل هُمَا فِي الْأحْيَاءِ؟ فَقَالَ: كَيْفَ يَكُونُ هَذَا وَقَد قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَا يَبْقَى عَلَى رَأْسِ مِائَةِ سَنَةٍ مِمَن هُوَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَحَدٌ"؟ [٤/ ٣٣٧]

стр. 993

١٢٠١ - مُوسَى لَمْ يَكُن يَعْرِفُ الْخَضِرَ، وَالْخَضِرُ لَمْ يَكُن يَعْرِفُ مُوسَى، بَل لَمَّا سَلَّمَ عَلَيْهِ مُوسَى قَالَ لَهُ الْخَضِرُ: وَأَنَّى بِأَرْضِك السَّلَامُ؟ فَقَالَ لَهُ: أَنَا مُوسَى. قَالَ: مُوسَى بَنِي إسْرَائِيلَ؟ قَالَ: نَعَمْ. وَقَد كَانَ بَلَغَهُ اسْمُهُ وَخَبَرُهُ وَلَمْ يَكُن يَعْرِفُ عَيْنَهُ. وَمَن قَالَ إنَّهُ نَقِيبُ الْأَوْليَاءِ أَو أَنَّهُ يُعَلِّمُهُم كُلَّهُم فَقَد قَالَ الْبَاطِلَ. وَالصَّوَابُ الَّذِي عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ أَنَّهُ مَيِّتٌ، وَأَنَهُ لَمْ يُدْرِك الْإِسْلَامَ، وَلَو كَانَ مَوْجُودًا فِي زَمَنِ النَّبِيِّ لَوَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُؤْمِنَ بِهِ وَيُجَاهِدَ مَعَهُ كَمَا أَوْجَبَ اللهُ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَعَلَى غَيْرِهِ. ثُمَّ لَيْسَ لِلْمُسْلِمِينَ بِهِ وَأَمْثَالِهِ حَاجَةٌ لَا فِي دِينِهِمْ وَلَا فِي دُنْيَاهُم؛ فَإِنَّ دِينَهُم أَخَذُوهُ عَن الرَّسُولِ النَّبِيِّ الْأُمِّي ﷺ الَّذِي عَلَّمَهُم الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ. وَإِذَا كَانَ الْخَضِرُ حَيًّا دَائِمًا فَكَيْفَ لَمْ يَذْكُر النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ قَطُّ؟ وَلَا أَخْبَرَ بِهِ أُمَّتَهُ وَلَا خُلَفَاؤُهُ الرَّاشِدُونَ؟ [٢٧/ ١٠٠ - ١٠١] ١٢٠٢ - وسُئِلَ الشَّيْخُ ﵀: هَلْ كَانَ الْخَضِرُ ﵇ نَبيًّا أَوْ وَلِيًّا؟ وَهَلْ هُوَ حَيٌّ إلَى الْآنَ؟ وَإِنْ كَانَ حَيًّا فَمَا تَقُولُونَ فِيمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "لَوْ كَانَ حَيًّا لَزَارَنِي" هَلْ هَذَا الْحَدِيثُ صَحِيحٌ أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ: أَمَّا نُبُوَّتُهُ: فَمِنْ بَعْدِ مَبْعَثِ رَسُولِ اللّهِ ﷺ لَمْ يُوحَ إلَيْهِ وَلَا إلَى غَيْرِهِ مِنْ النَّاسِ وَأَمَّا قَبْلَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي نُبُوَّتِهِ. وَأَمَّا حَيَاتُهُ: فَهُوَ حَيٌّ، وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ لَا أَصْلَ لَهُ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُ إسْنَادٌ، بَل الْمَرْوِيُّ فِي مُسْنَدِ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ: أَنَّهُ اجْتَمَعَ بِالنَّبِيِّ ﷺ ، وَمَنْ قَالَ إنَّهُ لَمْ يَجْتَمِعْ بِالنَّبِيِّ ﷺ فَقَدْ قَالَ مَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ؛ فَإِنَّهُ مِنْ الْعِلْمِ الَّذِي لَا يُحَاطُ بِهِ.

стр. 994

وَمَنِ احْتَجَّ عَلَى وَفَاتِهِ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "أَرَأَيْتُكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ فَإِنَّهُ عَلَى رَأسِ مِائَةِ سَنَةٍ لَا يَبْقَى عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهَا الْيَوْمَ أَحَدٌ"، فَلَا حُجَّةَ فِيهِ، فَإِنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْخَضِرُ إذْ ذَاكَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، وَلِأَنَّ الدَّجَّالَ- وَكَذَلِكَ الْجَسَّاسَةُ- الصَّحِيحُ أَنَّهُ كَانَ حَيًّا مَوْجُودًا عَلَى عَهْدِ النَبِيَّ ﷺ وَهُوَ بَاقٍ إلَى الْيَوْمِ لَمْ يَخْرُجْ، وَكَانَ فِي جَزِيرَةٍ مِنْ جَزَائِرِ الْبَحْرِ. فَمَا كَانَ مِن الْجَوَابِ عَنْهُ كَانَ هُوَ الْجَوَابَ عَن الْخَضِرِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ لَفْظُ الْأَرْضِ لَمْ يَدْخُلْ فِي هَذَا الْخَبَرِ، أَوْ يَكُونُ أَرَادَ ﷺ الْآدَمِيّينَ الْمَعْرُوفِينَ، وَأَمَّا مَنْ خَرَجَ عَن الْعَادَةِ فَلَمْ يَدْخُلْ فِي الْعُمُومِ، كَمَا لَمْ تَدْخُل الْجِنُّ، وَإِنْ كَانَ لَفْظًا يَنْتَظِمُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ، وَتَخْصِيصُ مِثْلِ هَذَا مِنْ مِثْلِ هَذَا الْعُمُومِ كَثِيرٌ مُعْتَادٌ (١). [٤/ ٣٣٨ - ٣٤٠] * * * (صبر يوسف عن مُطَاوَعَةِ امْرَأَةِ الْعَزِيزِ أعظم من صبره على ما فعله به إخوته) ١٢٠٣ - كَانَ صَبْرُ يُوسُفَ ﵇ عَن مُطَاوَعَةِ امْرَأَةِ الْعَزِيزِ عَلَى شَأنِهَا: أَكْمَلَ مِن صَبْرِهِ عَلَى إِلْقَاءِ إِخْوَتِهِ لَهُ فِي الْجُبّ، وَبَيْعِهِ وَتَفْرِيقِهِمْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِيهِ؛ فَإِنَّ هَذِهِ أُمُورٌ جَرَتْ عَلَيْهِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ، لَا كَسْبَ لَهُ فِيهَا، لَيْسَ لِلْعَبْدِ فِيهَا حِيلَةٌ غَيْرَ الصَّبْر، وَأَمَّا صَبْر عَنِ الْمَعْصِيَةِ: فَصَبْرُ اخْتِيَارٍ وَرضا وَمُحَارَبَةٍ لِلنَّفْسِ، وَلَا سِيَّمَا

стр. 995

مَعَ الْأَسْبَابِ الَّتِي تَقْوَى مَعَهَا دَوَاعِي الْمُوَافَقَةِ، فَإِنَّهُ كَانَ شَابًّا، وَدَاعِيَةُ الشَّبَابِ إِلَيْهَا قَوِيَّة، وَعَزَبًا لَيْسَ لَهُ مَا يُعَوِّضُهُ ويرُدُّ شَهْوَتَهُ، وَغَرِيبًا، وَالْغَرِيبُ لَا يَسْتَحِي فِي بَلَدِ غُرْبَتِهِ مِمَّا يَسْتَحِي مِنْهُ مَن بَيْنَ أَصْحَابِهِ وَمَعَارِفِهِ وَأَهْلِهِ، وَمَمْلُوكًا، وَالْمَمْلُوكُ أَيْضًا لَيْسَ وَازِعُهُ كَوَارعِ الْحُرِّ، وَالْمَرْأَةُ جَمِيلَةٌ، وَذَاتُ مَنْصِبٍ، وَهِيَ سَيِّدَتُهُ، وَقَد غَابَ الرَّقِيبُ، وَهِيَ الدَّاعِيَةُ لَهُ إِلَى نَفْسِهَا، وَالْحَرِيصَةُ عَلَى ذَلِكَ أَشَدَّ الْحِرْصِ، وَمَعَ ذَلِكَ تَوَعَّدَتْهُ إِنْ لَمْ يَفْعَلْ بِالسِّجْنِ وَالصَّغَارِ، وَمَعَ هَذِهِ الدَّوَاعِي كُلِّهَا صَبَرَ اخْتِيَارًا، وَإِيثَارًا لِمَا عِنْدَ اللهِ، وَأَيْنَ هَذَا مِن صَبْرِهِ فِي الْجُبِّ عَلَى مَا لَيْسَ مِن كَسْبِهِ؟ [المستدرك ١/ ١٤٤ - ١٤٥] * * * (حكم ساب الأنبياء أو الصحابة خير الأمم وخير هذه الأمة) ١٢٠٤ - أجمع المسلمون على أن من سبَّ نبيًّا فقد كفر، ومن سب أحدًا من الأولياء الذي ليسوا بأنبياء فإنه لا يكفر، إلا إذا كان سبه مخالفًا لأصل الإيمان مثل أن يتخذ ذلك السب دينًا وقد علم أنه ليس بدين. وعلى هذا ينبني النزاع في تكفير الرافضة (١). [المستدرك ١/ ١١٩] * * * (عترة النبي ﷺ واسم الشرف والأشراف) ١٢٠٥ - أما "عترة النبي" ﷺ الأقربين التي قال الله فيها: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ [الشعراء: ٢١٤] فقيل: إنها قريش كلها؛ لأنها لما نزلت هذه الآية عم قريش بالنذارة ثم خص الأقرب فالأقرب.

стр. 996

وأما اسم "الشرف" فليس هو من الأسماء التي علق الشارع بها حكمًا حتى يكون حده متلقى من جهة الشرع. وأما "الشريف في اللغة" فهو خلاف الوضيع والضعيف، كما قال النبي ﷺ :" إنما أهلك من كان قبلكم أثهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد". ومن رأسه الناس وشرفوه كان شريفهم. وأما أحكام الشريعة التي علقت فهي مذكورة باسم النبي ﷺ ، وباسم أهل بيته، وذوي القربى، وهذه الأسماء الثلاثة تتناول جميع بني هاشم لا فرق بين ولد العباس وولد أبي طالب وغيرهم، وأعمام النبي ﷺ الذين بقيت ذريتهم: العباس، [وأبو طالب] (١)، والحارث بن عبد المطلب، وأبو لهب. فمن كان من الثلاثة الأول حرمت عليهم الزكاة، واستحقوا من الخمس باتفاق. وأما ذرية أبي لهب ففيه خلاف بين الفقهاء، لكن "أبي لهب " خرج عن بني هاشم لما نصروا النبي ﷺ ومنعوه ممن كان يريد أذاه من قريش، ودخل مع بني هاشم بنو المطلب؛ ولهذا جاء عثمان بن عفان وجبير بن مطعم ﵄ إلى النبي ﷺ حين أعطى من خمس خيبر لبني هاشم وبني المطلب فقالا: يا رسول الله أما إخواننا بنو هاشم فلا ننكر فضلهم لأنك منهم وأما بنو المطلب فإنما هم ونحن منك بمنزلة واحدة فقال: "إنهم لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام، إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد" (٢). [المستدرك ١/ ١١٥ - ١١٦] ١٢٠٦ - من الأحكام ما تشترك فيه قريش كلها نحو الإمامة الكبرى.

стр. 997

ومن الأحكام ما يختص بِبَني (١) هاشم أو بني هاشم مع بني المطلب دون سائر قريش؛ كالاستحقاق من خمس الغنائم، وتحريم الصدقة، ودخولهم في الصلاة إذا صلي على آل محمد، وثبوت المزية على غيرهم. [المستدرك ١/ ١١٦ - ١١٧] (لما كَمَّل النبي مرتبة التعبد كملت له المغفرة واستحق التقديم علي الخلائق) ١٢٠٧ - قال ابن القيم ﵀: ولما كمل سيد ولد آدم هذه المرتبة (٢): وصفه الله بها في أشرف مقاماته: مقام الإسراء؛ كقوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١] ومقام الدعوة كقوله: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ [الجن: ١٩]، ومقام التحدي كقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة: ٢٣] وبذلك استحق التقديم على الخلائق في الدنيا والآخرة. وكذلك يقول المسيح ﵇ لهم إذا طلبوا منه الشفاعة بعد الأنبياء ﵈: "اذهبوا إلى محمد عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر" (٣). سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية (قدس الله روحه) يقول: فحصلت له تلك المرتبة بتكميل عبوديته للّه تعالى وكمال مغفرة الله له (٤). [المستدرك ١/ ١١٧ - ١١٨] * * *

стр. 998

(غاية الخضر) ١٢٠٨ - أجمع المسلمون على أن موسى أفضل من الخضر، فمن قال: إن الخضر أفضل فقد كفر، وسواء قيل: إن الخضر نبي، أو ولي. والجمهور على أنه ليس بنبي، بل أنبياء بني إسرائيل الذين اتبعوا التوراة وذكرهم الله تعالى كداود وسليمان أفضل من الخضر، بل على قول الجمهور: أنه ليس بنبي فأبو بكر وعمر ﵄ أفضل منه. وكونه يعلم مسائل لا يعلمها موسى لا يوجب أن يكون أفضل منه مطلقًا، كما أن الهدهد لما قال لسليمان: ﴿أَحَطتُ بِمَا لَم تُحِط بِه﴾ [النمل: ٢٢] لم يكن أفضل من سليمان، وكما أن الذين كانوا يلقحون النخل لما كانوا أعلم بتلقيحه من النبي ﷺ لم يجب من ذلك أن يكونوا أفضل منه ﷺ وقد قال لهم: "أنتم أعلم بأمور دنياكم، وأما ما كان من أمر دينكم فإلي" (١). [المستدرك ١/ ١١٣ - ١١٤] * * * (ما جاء عن الصحابة والتابعين) ١٢٠٩ - إن الصَّحَابَةَ خَيْرُ الْقُرُونِ، وَأَفْضَلُ الْخَلْقِ بَعْدَ الْأَنْبِيَاءِ، فَمَا ظَهَرَ فِيمَن بَعْدَهُم مِمَّا يُظَنُّ أَنَهَا فَضِيلَة لِلْمُتَأخِّرِينَ وَلَمْ تكُنْ فِيهِمْ: فَإِنَّهَا مِن الشَّيْطَانِ، وَهِيَ نَقِيصَةٌ لَا فَضِيلَة، سَوَاءٌ كَانَت مَن جِنْسِ الْعُلُومِ، أَو مَن جِنْسِ الْعِبَادَاتِ، أَو مِن جِنْسِ الْخَوَارِقِ وَالْآيَاتِ، أَو مِن جِنْسِ السِّيَاسَةِ وَالْمُلْكِ، بَل خَيْرُ النَّاسِ بَعْدَهُم أَتْبَعُهُم لَهُمْ. [٢٧/ ٣٩٤] ١٢١٠ - أَمَّا الصَّحَابَةُ فَلَمْ يُعْرَفْ فِيهِمْ -وَللهِ الْحَمْدُ- مَن تَعَمَّدَ الْكَذِبَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، كَمَا لَمْ يُعْرَفْ فِيهِمْ مَن كَانَ مِن أَهْلِ الْبِدَعِ الْمَعْرُوفَةِ كَبِدَعِ الْخَوَارجِ وَالرَّافِضَةِ وَالْقَدَرِيَّةِ وَالْمُرْجِئَةِ، فَلَمْ يُعْرَفْ فِيهِمْ أَحَدٌ مِن هَؤُلَاءِ الْفِرَقِ، وَلَا كَانَ

стр. 999

فِيهِمْ مَن قَالَ إنَّهُ أَتَاهُ الْخَضِرُ؛ فَإِنَّ خَضِرَ مُوسَى مَاتَ، وَالْخَضِرُ الَّذِي يَأْتِي كَثِيرًا مِن النَّاسِ إنَّمَا هُوَ جِنِّي تَصَوَّرَ بِصُورَةِ إنْسِيٍّ، أَو إنْسِيٌّ كَذَّابٌ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَلَكًا مَعَ قَوْلِهِ أَنَا الْخَضِرُ، فَإِنَّ الْمَلَكَ لَا يَكْذِبُ، وَإِنَّمَا يَكْذِبُ الْجِنِّيُّ وَالْإِنْسِيُّ، وَأَنَا أَعْرفُ مِمَن أَتَاهُ الْخَضِرُ وَكَانَ جِنّيًّا. [١/ ٢٤٩] ١٢١١ - لَمَّا كَانَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ سَيِّدَا شَبَاب أَهْلِ الْجَنَّةِ، كَانَا قَد وُلدَا بَعْدَ الْهِجْرَةِ فِي عِزِّ الْإِسْلَامِ، وَلَمْ يَنُلْهُمَا مِن الْأَذَى وَالْبَلَاءِ مَا نَالَ سَلَفُهُمَا الطَّيّبُ؛ فَأَكْرَمَهُمَا اللهُ بِمَا أَكْرَمَهُمَا بِهِ مِن الِابْتِلَاءِ لِيَرْفَعَ دَرَجَاتِهِمَا، وَذَلِكَ مِن كَرَامَتِهِمَا عَلَيْهِ لَا مِن هَوَانِهِمَا عِنْدَهُ، كَمَا أَكْرَمَ حَمْزَةَ وَعَلِيًّا وَجَعْفَرًا وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَغَيْرَهُم بِالشَّهَادَةِ. [٢٧/ ٤٧٣] ١٢١٢ - وَهُوَ [أي: ابْنَ عَبَّاسٍ] أَكْثَرُ الصَّحَابَةِ فُتْيَا، قِيلَ لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ: أَيُّ الصَّحَابَةِ أَكْثَرُ فُتْيَا؟ قَالَ: ابْنُ عَبَّاسٍ. وَهُوَ أَعْلَمُ وَأَفْقَهُ طَبَقَةً فِي الصَّحَابَةِ، وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يُدْخِلُهُ مَعَ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ -كَعُثْمَان وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَنَحْوِهِمْ- فِي الشُّورَى، وَلَمْ يَكُن عُمَرُ يَفْعَلُ هَذِهِ بِغَيْرِهِ مِن طَبَقَتِهِ، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَو أَدْرَكَ ابْنُ عَبَّاسٍ أسناننا لَمَا عَشَّرَهُ مِنَّا أَحَدٌ. أَيْ: مَا بَلَغَ عُشْرَهُ. [٣٢/ ٢٩٢] * * * (من الأفضل: خَدِيجَة أو عَائِشَة ؟) ١٢١٣ - سُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: عَن خَدِيجَةَ وَعَائِشَةَ أُمَّي الْمُؤْمِنِينَ: أَيَّتهُمَا أَفْضَلُ؟ فَأَجَابَ: بِأَنَّ سَبْقَ خَدِيجَةَ وَتَأثِيرَهَا فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ وَنَصْرَهَا وَقِيَامَهَا فِي الدِّينِ لَمْ تَشْركْهَا فِيهِ عَائِشَةُ، وَلَا غَيْرُهَا مِن أُمَّهَاتِ الْمُؤمِنِينَ. وَتَأْثِيرُ عَائِشَةَ فِي آخِرِ الْإِسْلَامِ وَحَمْلِ الدِّينِ وَتَبْلِيغِهِ إلَى الْأُمَّةِ، وإِدْرَاكُهَا مِن

стр. 1000

الْعِلْمِ مَا لَمْ تَشْركْهَا فِيهِ خَدِيجَةُ وَلَا غَيْرُهَا مِمَّا تَمَيَّزَتْ بِهِ عَن غَيْرِهَا. [٤/ ٣٩٣] * * * (جملة أزواج النبي أفضل من جملة بناته) ١٢١٤ - إِذَا قِيلَ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ إنَّ جُمْلَةَ أَزْوَاجِهِ ﵊ أَفْضَلُ مِن جُمْلَةِ بَنَاتِهِ: كَانَ صَحِيحًا؛ لِأَنَّ أَزْوَاجَهُ أَكْثَرُ عَدَدًا، وَالْفَاضِلَةُ فِيهِنَّ أَكْثَرُ مِن الْفَاضِلَةِ فِي بَنَاتِهِ. [٤/ ٣٩٥] * * * (الْعَشْرَة المبشرون بالجنة أفضل من نِسَاء النَّبِيِّ ﷺ -) ١٢١٥ - أَمَّا نِسَاءُ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يَقُلْ: إنَّهُنَّ أَفْضَلُ مِن الْعَشْرَةِ (١) إلَّا أَبُو محَمَّدٍ بْنُ حَزْمٍ، وَهُوَ قَوْلٌ شَاذٌ لَمْ يَسْبِقْهُ إلَيْهِ أَحَدٌ، وَأَنْكَرَهُ عَلَيْهِ مَن بَلَغَهُ مِن أَعْيَانِ الْعُلَمَاءِ. وَنُصُوصُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ تُبْطِلُ هَذَا الْقَوْلَ. وَحُجَّتُهُ الَّتِي احْتَجَّ بِهَا فَاسِدَةٌ؛ فَإِنَّه احْتَجَّ عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّ الْمَرْأَةَ مَعَ زَوْجِهَا فِي دَرَجَتِهِ فِي الْجَنَّةِ، وَدَرَجَةُ النَّبِيِّ ﷺ أَعْلَى الدَّرَجَاتِ، فَيكُونُ أَزْوَاجُهُ فِي دَرَجَتِهِ. وَهَذَا يُوجِبُ عَلَيْهِ: أَنْ يَكُونَ أَزْوَاجُهُ أَفْضَلَ مِن الْأَنْبِيَاءِ جَمِيعِهِمْ، وَأَنْ تَكُونَ زَوْجَةُ كُلِّ رَجُلٍ مِن أَهْلِ الْجَنَّةِ أَفْضَلَ مِمَن هُوَ مِثْلُهُ، وَأَنْ يَكُونَ مَن يَطُوفُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مِن الْوِلْدَانِ وَمَن يُزَوَّجُ بِهِ مِن الْحُورِ الْعِينِ أَفْضَلُ مِن الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ، وَهَذَا كُلُّهُ مِمَّا يَعْلَمُ بُطْلَانَهُ عُمُومُ الْمُؤْمِنِينَ. وَقَد ثَبَتَ فِي "الصَّحِيحِ" (٢) عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "فَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ"، فَإِنَّمَا ذَكَرَ فَضْلَهَا عَلَى النِّسَاءِ فَقَطْ. * * *

стр. 1001

(فضائل أبي بَكْرٍ وَعُمَرَ، والأدلة على أنهما أفضلُ وَأَفْقَهُ من عليّ ﵃، والردّ علي من استدل بأدلة تُفضله عليهما) ١٢١٦ - لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِن عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ الْمُعْتَبِرِينَ: إنَّ عَلِيًّا أَعْلَمُ وَأَفْقَهُ مِن أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، بَل وَلَا مِن أَبِي بَكْرٍ وَحْدَهُ. وَمُدَّعِي الْإِجْمَاعِ عَلَى ذَلِكَ مِن أَجْهَلِ النَّاسِ وَأَكْذَبِهِمْ، بَل ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِن الْعُلَمَاءِ إجْمَاعَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ أَبَا بَكْر الصِّدِّيقَ أَعْلَمُ مِن عَلِيٍّ. وَمَا عَلِمْت أَحَدًا مِن الْأَئِمَّةِ الْمَشْهُورِينَ يُنَازعُ فِي ذَلِكَ. وَكَيْفَ وَأَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ كَانَ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ يُفْتِي، وَيَأْمُرُ، وَينْهى، وَيقْضِي، وَيَخْطُبُ، كَمَا كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ إذَا خَرَجَ هوَ وَأَبُو بَكْرٍ يَدْعُو النَّاسَ إلَى الْإِسْلَامِ، وَلَمَّا هَاجَرَا جَمِيعًا وَيوْمَ حنين، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِن الْمَشَاهِدِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ سَاكِتٌ يُقِرُّهُ عَلَى ذَلِكَ، ويرْضَى بِمَا يَقُولُ؟ وَلَمْ تكنْ هَذ الْمَرتبةُ لِغَيْرِهِ. وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ فِي مُشَاوَرَتهِ لِأَهْلِ الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ وَالرَّأْيِ مِن أَصْحَابِهِ يُقَدِّمُ فِي الشُّورَى أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَهُمَا اللَّذَانِ يَتَقَدَّمَانِ فِي الْكَلَامِ وَالْعِلْمِ بِحَضْرَةِ الرَّسُولِ ﷺ عَلَى سَائِرِ أَصْحَابِهِ. وَفِي "السُّنَنِ" عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: "اقْتَدُوا بِاَللَّذَيْنِ مِن بَعْدِي: أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ" (١). وَلَمْ يَجْعَلْ هَذَا لِغَيْرِهِمَا. بَل ثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: "عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ مِن بَعْدِي" (٢).

стр. 1002

فَأَمَرَ بِاتباعِ سُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ. وَهَذَا يَتَنَاوَلُ الأئِمَّةَ الْأَرْبَعَةَ، وَخَصَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ بِالِاقْتِدَاءِ بِهِمَا، وَمَرْتَبَةُ الْمُقْتَدَى بِهِ فِي أَفْعَالِهِ وَفِيمَا سَنَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ: فَوْقَ سُنَّةِ الْمُتَّبَعِ فِيمَا سَنَّهُ فَقَطْ. وَفِي "صَحِيحِ مُسْلِمٍ" (١) أَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ كَانُوا مَعَهُ فِي سَفَرٍ فَقَال: "إنْ يُطِع الْقَوْمُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ يَرْشُدُوا". أَمَّا الصِّدِّيق: فَإِنَّهُ مَعَ قِيَامِهِ بِأُمُورٍ مِن الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ عَجَزَ عَنْهَا غَيْرُهُ حَتَّى بَيَّنهَا لَهُمْ: لَمْ يُحْفَظْ لَهُ قَوْلٌ مُخَالِفٌ نَصًّا. هَذَا يَدُلُّ عَلَى غَايَةِ الْبَرَاعَةِ. وَأَمَّا غَيْرُهُ فَحُفِظَتْ لَهُ أَقْوَالٌ كَثِيرَة خَالَفَت النَّصَّ؛ لِكَوْنِ تِلْكَ النُّصُوصِ لَمْ تَبْلُغْهُمْ. وَاَلَّذِي وُجِدَ مِن مُوَافَقَةِ عُمَرَ لِلنُّصُوصِ أكْثَرُ مِن مُوَافَقَةِ عَلِيٍّ. وَأَيْضًا: فَإِنَّ الصِّدّيقَ اسْتَخْلَفَهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى الصَّلَاةِ الَّتِي هِيَ عَمُودُ الْإِسْلَامِ، وَعَلَى إقَامَةِ الْمَنَاسِكِ الَّتِي لَيْسَ فِي مَسَائِلِ الْعِبَادَاتِ أَشْكَلُ مِنْهَا (٢). وَأَقَامَ الْمَنَاسِكَ قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ النَّبِيُّ ﷺ . وَأَيْضًا: فَالصَّحَابَةُ فِي زَمَنِ أَبِي بَكْرٍ لَمْ يَكُونُوا يَتَنَازَعُونَ فِي مَسْأَلَةٍ إلَّا فَصَلَهَا بَيْنَهُم أَبُو بَكْرٍ، وَارْتَفَعَ النّزَاعُ، فَلَا يُعْرَفُ بَيْنَهُم فِي زَمَانِهِ مَسْألَة وَاحِدَةٌ

стр. 1003

تَنَازَعُوا فِيهَا إلَّا ارْتَفَعَ النِّزَاعُ بَيْنَهُم بِسَبَبِهِ؛ كَتَنَازُعِهِمْ فِي وَفَاتِهِ ﷺ ، وَمَدْفِنِهِ، وَفِي مِيرَاثِهِ، وَفِي تَجْهِيزِ جَيْشِ أسَامَةَ، وَقِتَالِ مَانِعِي الزَّكَاةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِن الْمَسَائِلِ الْكِبَارِ. بَل كَانَ خَلِيفَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِيهِمْ: يُعَلِّمُهُمْ، وَيُقَوِّمُهُمْ، وَيُبَيِّنُ لَهُم مَا تَزُولُ مَعَهُ الشُّبْهَةُ، فَلَمْ يَكُونُوا مَعَهُ يَخْتَلِفُونَ. وَبَعْدَهُ: لَمْ يَبْلُغْ عِلْمُ أَحَدٍ وَكَمَالُهُ عِلْمَ أَبِي بَكْرٍ وَكَمَالَهُ، فَصَارُوا يَتَنَازَعُونَ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ؛ كَمَا تَنَازَعُوا فِي الْجَدِّ وَالْإِخْوَةِ، وَفِي الْحَرَامِ، وَفِي الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ، وَفي غَيْرِ ذَلِكَ مِن الْمَسَائِلِ الْمَعْرُوفَةِ، مِمَّا لَمْ يَكُونُوا يَتَنَازَعُونَ فِيهِ عَلَى عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ. وَكَانُوا يُخَالِفُونَ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيًّا فِي كَثِيرٍ مِن أَقْوَالِهِمْ، وَلَمْ يُعْرَفْ أَنَّهُم خَالَفُوا أبَا بَكْرٍ فِي شَيءٍ مِمَّا كَانَ يُفْتِي فِيهِ وَيقْضِي. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى غَايَةِ الْعِلْمِ. وَقَامَ مَقَامَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَأَقَامَ الْإِسْلَامَ، فَلَمْ يُخِلَّ بِشَيءٍ مِنْهُ، بَل أَدْخَلَ النَّاسَ مِن الْبَابِ الَّذِي خَرَجُوا مِنْهُ، مَعَ كَثْرَةِ الْمُخَالِفِينَ مِن الْمُرْتَدِّينَ وَغَيْرِهِمْ، وَكَثْرَةِ الْخَاذِلِينَ. فَكَمُلَ بِهِ (١) مِن عِلْمِهِمْ وَدِينِهِمْ مَا لَا يُقَاوِمُهُ فِيهِ أَحَدٌ حَتَّى قَامَ الدِّينُ كَمَا كَانَ. [٤/ ٣٩٨ - ٤٠٦] ١٢١٧ - قَوْلُهُ: "أقضَاكمْ عَلِيٌّ": لَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ مِن أَهْلِ الْكُتُبِ السِّتَّةِ، وَلَا أَهْلُ الْمَسَانِيدِ الْمَشْهُورَةِ، لَا أَحْمَدُ وَلَا غَيْرُهُ بإِسْنَاد صَحِيحٍ وَلَا ضَعِيفٍ. وإِنَّمَا يُرْوَى مِن طَرِيقِ مَن هُوَ مَعْرُوفٌ بِالْكَذِبِ. وَلَكِنْ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: "أُبَيٌّ أَقْرَؤُنَا، وَعَلِيٌّ أَقْضَانَا"، وَهَذَا قَالَهُ بَعْدَ مَوْتِ أَبِي بَكْرٍ.

стр. 1004

وَاَلَّذِي فِي التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ (١) أَنَّ النَبِيَّ ﷺ قَالَ: "أَعْلَمُ أُمَّتِي بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَأَعْلَمُهَا بِالْفَرَائِضِ زيدُ بْنُ ثَابِتٍ "، وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ عَلِيٍّ. وَالْحَدِيثُ الَّذِي فِيهِ ذِكْرُ عَلِيٍّ مَعَ ضَعْفِهِ: فِيهِ أنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ أَعْلَمُ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، وَزيدَ بْنَ ثَابِتٍ أَعْلَمُ بِالْفَرَائِضِ. فَلَو قُدِّرَ صِحَّةُ هَذَا الْحَدِيثِ: لَكانَ الْأَعْلَمُ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَام أَوْسَعَ عِلْمًا مِن الْأعْلَمِ بِالْقَضَاءِ؛ لِأَنَّ الَّذِي يَخْتَصُّ بِالْقَضَاءِ إنَّمَا هُوَ فَصْل الْخصُومَاتِ فِي الظَّاهِرِ، مَعَ جَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْبَاطِنُ بِخِلَافِهِ. [٤/ ٤٠٨] ١٢١٨ - وسُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَام -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: عَن رَجُلٍ مُتَمَسِّكٍ بِالسُّنَّةِ وَيحْصُلُ لَهُ رِيبَةٌ فِي تَفْضِيلِ اَلثَّلَاثَةِ عَلَى عَلِيٍّ؛ لِقَوْلِهِ لَهُ: "أَنتَ مِنِّي وَأَنَا مِنْك " (٢)، وَقَوْلِهِ: "أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِن مُوسَى" (٣)، وَقَوْلِهِ: "لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ رَجُلًا يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ" (٤) .. إلَخْ، وَقَوْلِهِ: "مَن كُنْت مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ، اللَّهُمَّ وَالِ مَن وَالَاهُ وَعَادِ مَن عَادَاهُ" (٥) .. إلَخْ ". وَقَوْلِهِ: "أُذَكِّرُكُمْ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي " (٦)، وَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦١]. فَأَجَابَ: يَجِبُ أَنْ يُعْلَمَ أَوَّلًا أَنَّ التَّفْضِيلَ: إذَا ثَبَتَ لِلْفَاضِلِ مِن الْخَصَائِصِ مَا لَا يُوجَدُ مِثْلُهُ لِلْمَفْضُولِ (٧). فَإِذَا اسْتَوَيَا وَانْفَرَدَ أَحَدُهُمَا بِخَصَائِصَ: كَانَ أَفْضَلَ. وَأَمَّا الْأمُور الْمُشْتَرِكَةُ: فَلَا تُوجِبُ تَفْضِيلَهُ عَلَى غَيْرِهِ (٨).

стр. 1005

وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ: فَفَضَائِلُ الصِّدِّيقِ ﵁ الَّتِي تَمَيَّزَ بِهَا: لَمْ يَشْرَكْهُ فِيهَا غَيْرُهُ. وَفَضَائِلُ عَلِيٍّ: مُشْتَرَكَةٌ. وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ: "لَو كُنْت مُتَّخِدًا مِن أَهْلِ الْأَرْضِ خَلِيلًا لَاتَّخَذْت أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا" (١)، وَقَوْلَهُ: "لَا يَبْقَى فِي الْمَسْجِدِ خَوْخَة إلَّا سُدَّتْ؛ إلَّا خَوْخَةُ أَبِي بَكْرٍ" (٢)، وَقَوْلَهُ: " إنَّ أَمَنَّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي صُحْبَتِهِ وَذَاتِ يَدِهِ أَبُو بَكرٍ" (٣)، وَهَذَا فِيهِ ثَلَاثُ خَصَائِصَ لَمْ يَشْركْهُ فِيهَا أَحَدٌ: الأُولَى: أَنَّهُ لَيْسَ لِأحَد مِنْهُم عَلَيْهِ فِي صُحْبَتِهِ وَمَالِهِ مِثْلُ مَا لِأَبِي بَكرٍ. الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ: "لَا يَبْقَى فِي الْمَسْجِدِ … " إلَخْ، وَهَذَا تَخْصِيصٌ لَهُ دُونَ سَائِرِهِمْ، وَأَرَادَ بَعْضُ الْكَذَّابِينَ أَنْ يَرْوِيَ لِعَلِيّ مِثْل ذَلِكَ، وَالصَّحِيحُ لَا يُعَارِضُه الْمَوْضُوعُ. الثَّالِثَةُ: قَوْلُهُ: "لَو كنْت مُتَّخِدًا خَلِيلًا"، نَصٌّ فِي أَنَّهُ لَا أَحَدَ مِن الْبَشَرِ اسْتَحَقَّ الْخُلَّةَ لَو أَمْكَنْت إلَّا هُوَ، وَلَو كَانَ غَيْرُهُ أَفْضَلَ مِنْهُ لَكَانَ أحَقَّ بِهَا لَو تَقَعُ. وَكَذَلِكَ أَمْرُهُ لَه أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ مُدَّةَ مَرَضِهِ مِن الْخَصَائِصِ. وَكَذَلِكَ تَأُمِيرُهُ لَهُ فِي الْمَدِينَةِ عَلَى الْحَجِّ لِيُقِيمَ السُّنَّةَ، ويمْحَقَ آثَارَ الْجَاهِلِيَّةِ؛ فَإِنَّه مِن خَصَائِصِهِ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيح (٤): "اُدْعُ أَبَاك وَأَخَاك حَتَّى كتُبَ لِأَبِي بَكْرٍ كِتَابًا"، وَأَمْثَالُ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ كَثِيرَةٌ تُبَيَّنُ أَنَّهُ لَمْ يَكُن فِي الصَّحَابَةِ مَن يُسَاوِيهِ.

стр. 1006

وَأَمَّا قَوْلُهُ: "أَنْتَ مِنِّي وَأنا مِنْك" فَقَد قَالَهَا لِغَيْرِهِ، وَقَالَهَا لِسَلْمَانَ والأشعريين. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: "لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ" … إلَخْ "هُوَ أَصَحُّ حَدِيثٍ يُرْوَى فِي فَضْلِهِ، وَزَادَ فِيهِ بَعْضُ الْكَذَّابِينَ أَنَّهُ أَخَذَهَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فَهرَبَا، وَفي "الصَّحِيحِ " (١) أَنَّ عُمَرَ قَالَ: مَا أَحْبَبْت الْإِمَارَةَ إلَّا يَوْمئِذٍ، فَهَذَا الْحَدِيثُ رَدٌّ عَلَى النَّاصِبَةِ الْوَاقِعِينَ فِي عَلِيٍّ. وَلَيْسَ هَذَا مِن خَصَائِصِهِ، بَل كُل مُؤْمِنٍ كَامِلُ الْإِيمَانِ يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ ويُحِبُّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤]، وَهُم الَّذِينَ قَاتَلُوا أَهْلَ الرِّدَّةِ، وَإِمَامُهُم أَبُو بَكْرٍ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: "أَمَا تَرْضَى أنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِن مُوسَى"، قَالَهُ فِي غَزْوَةِ تَبُوك لَمَّا اسْتَخْلَفَهُ عَلَى الْمَدِينَةِ .. وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ اسْتَخْلَفَ غَيْرَهُ قَبْلَهُ وَكَانُوا مِنْهُ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ، فَلَمْ يَكُن هَذَا مِن خَصَائِصِهِ، وَلَو كَانَ هَذَا الِاسْتِخْلَافُ أَفْضَلَ مِن غَيْرِهِ لَمْ يَخْف عَلَى عَلِيٍّ وَلَحِقَهُ يَبْكِي. وَإِنَّمَا شَبَّهَهُ بِهِ فِي الِاسْتِخْلَافِ خَاصَّةً، وَذَلِكَ لَيْسَ مِن خَصَائِصِهِ. وَقَد شَبَّهَ النَّبِيُّ ﷺ أَبَا بَكْرٍ بِإِبْرَاهِيمَ وَعِيسَى، وَشَبَّهَ عُمَرَ بِنُوح وَمُوسَى- عَلَيْهِم الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- لَمَّا أَشَارَا فِي الْأَسْرَى، وَهَذَا أَعْظَمُ مِن تَشْبِيهِ عَلِيٍّ بِهَارُونَ، وَلَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَا بِمَنْزِلَةِ أُولَئِكَ الرُّسُلِ، وَتَشْبِيهُ الشَّيءِ بِالشَّيءِ لِمُشَابَهَتِهِ فِي بَعْضِ الْوُجُوهِ كَثِيرٌ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَكَلَامِ الْعَرَبِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: "مَن كُنْت مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ اللَّهُمَّ وَالِ مَن وَالَاه … " إلَخْ، فَهَذَا لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِن الْأُمَّهَاتِ، إلَّا فِي التّرْمِذِيِّ، وَلَيْسَ فِيهِ إلَّا: "مَن كُنْت مَوْلَاهُ فَعَلِي مَوْلَاهُ".

стр. 1007

وَأَمَّا الزِّيَادَةُ: فَلَيْسَتْ فِي الْحَدِيثِ. وَسُئِلَ عَنْهَا الْإِمَامُ أَحْمَد فَقَالَ: زِيَادَة كُوفِيَّةٌ، وَلَا رَيْبَ أَنَّهَا كَذِبٌ لِوُجُوه: أَحَدُهَا: أَنَّ الْحَقَّ لَا يَدُورُ مَعَ مُعَيَّنٍ إلَّا النَّبِيُّ ﷺ ؛ لِأنَّهُ لَو كَانَ كَذَلِكَ لَوَجَبَ اتِّبَاعُهُ فِي كُلِّ مَا قَالَ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ عَلِيًّا يُنَازِغهُ الصَّحَابَةُ وَأَتْبَاعُهُ فِي مَسَائِلَ وُجِدَ فِيهَا النَّصُّ، يُوَافَقُ مَن نَازَعَهُ؛ كَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا وَهِيَ حَامِلٌ. وَقَوْلُهُ: "اللَّهُمَّ اُنْصُرْ مَن نَصَرَهُ" … إلَخْ: خِلَافُ الْوَاقِعِ، قَاتَلَ مَعَهُ أَقْوَامٌ يَوْمَ صفين، فَمَا انْتَصَرُوا، وَأَقْوَامٌ لَمْ يُقَاتِلُوا فَمَا خُذِلُوا؛ كَسَعْدٍ الَّذِي فَتَحَ الْعِرَاقَ لَمْ يُقَاتِلْ مَعَهُ، وَكَذَلِكَ أَصْحَابُ مُعَاوِيَةَ، وَبَنِي أُمَيَّةَ الَّذِينَ قَاتَلُوهُ فَتَحُوا كَثِيرًا مِن بِلَادِ الْكُفارِ وَنَصَرَهُم اللهُ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: "اللَّهمَّ وَالِ مَن وَالَاهُ وَعَادِ مَن عَادَاهُ" مُخَالِفٌ لِأَصْلِ الْإسْلَامِ؛ فَإِنَّ الْقُرْآنَ قَد بَيَّنَ أَنَّ الْمُؤمِنِينَ إخْوَةٌ مَعَ قِتَالِهِمْ وَبَغْيِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ. وَقَوْلُهُ: "مَن كُنْت مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ" فَمِن أَهْلِ الْحَدِيثِ مَن طَعَنَ فِيهِ؛ كَالْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ، وَمِنْهُم مَن حَسَّنَهُ، فَإِنْ كَانَ قَالَهُ فَلَمْ يُرِدْ بِهِ وِلَايَةً فخْتَصًّا بِهَا، بَل وِلَايَةً مُشْتَرَكَةً، وَهِيَ وِلَايَةُ الْإِيمَانِ الَّتِي لِلْمُؤمِنِينَ. وَالْمُوَالَاةُ ضِدُّ الْمُعَادَاةِ، وَلَا ريبَ أَنَّهُ يَجِبُ مُوَالَاةُ الْمُؤمِنِينَ عَلَى سِوَاهُمْ، فَفِيهِ رَدٌ عَلَى النَّوَاصِبِ. وَحَدِيثُ "التَّصَدُّقِ بِالْخَاتَمِ فِي الصَّلَاة": كَذِبٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ: "أُذَكَرُكُمْ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي": فَلَيْسَ مِن الْخَصَائِصِ، بَل هُوَ مُسَاوٍ لِجَمِيعِ أَهْلِ الْبَيْتِ، وَأَبْعَدُ النَّاسِ عَن هَذِهِ الْوَصِيَّةِ الرَّافِضَةُ؛ فَإِنَّهُم يُعَادُونَ الْعَبَّاسَ وَذُرِّيَّتَهُ، بَل يُعَادُونَ جُمْهُورَ أَهْلِ الْبَيْتِ، ويُعِينُونَ الْكُفَّارَ عَلَيْهِمْ. وَأَمَّا آيَةُ "الْمُبَاهَلَةِ": فَلَيْسَتْ مِن الْخَصائِصِ، بَل دَعَا عَلِيًّا وَفَاطِمَةَ

стр. 1008

وَابْنَيْهِمَا، وَلَمْ يَكُن ذَلِكَ لِأَنَّهُم أَفْضَلُ الْأُمَّةِ، بَل لِأَنَّهُم أَخَصُّ أَهْلِ بَيْتِهِ. وَقَوْلُهُ: "أَنْتَ مِنِّي وَأَنَا مِنْك": لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ مِن ذَاتِهِ، وَلَا ريبَ أَنَّهُ أَعْظَمُ النَّاسِ قَدْرًا مِن الْأَقَارِبِ، فَلَهُ مِن مَزِيَّةِ الْقَرَابَةِ وَالْإِيمَانِ مَا لَا يُوجَدُ لِبَقِيَّةِ الْقَرَابَةِ". [٤/ ٤١٤ - ٤١٩] ١٢١٩ - أَمَّا تَفْضِيلُ أَبِي بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرَ عَلَى عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ: فَهَذَا مُتَّفَق عَلَيْهِ بَيْنَ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ الْمَشْهُورِينَ بِالْإِمَامَةِ فِي الْعِلْمِ وَالدِّينِ، مِن الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَتَابِعِيهِمْ. وَلهَذَا لَمْ يَتَنَازَعْ فِي هَذَا أَحَدٌ مِن أَهْلِ الْعِلْم بِسِيرَتِهِ وَسُنَّتِهِ وَأَخْلَاقِهِ، وَإِنَّمَا يَنْفِي هَذَا أَو يَقِفُ فِيهِ مَن لَا يَكُون عَالِمًا بِحَقِيقَةِ أمُورِ النَّبِيِّ ﷺ . وَهَذَا كَسَائِرِ الْأُمُورِ الْمَعْلُومَةِ بِالِاضْطِرَارِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وإِن كَانَ غَيْرُهُم يَشُكُّ فِيهَا أَو يَنْفِيهَا: كَالْأَحَادِيثِ الْمُتَوَاتِرَةِ عِنْدَهُم فِي شَفَاعَتِهِ، وَحَوْضِهِ، وَخُرُوجِ أَهْلِ الْكَبَائِرِ مِن النَّارِ، وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَوَاتِرَةِ عِنْدَهُم فِي الصِّفَاتِ، وَالْقَدَرِ، وَالْعُلُوِّ، وَالرُّؤَيةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِن الْأصُولِ الَّتِي اتَّفَقَ عَلَيْهَا أَهْلُ الْعِلْمِ بِسُنَّتِهِ كَمَا تَوَاتَرَتْ عِنْدَهُم عَنْهُ، وَإِن كَانَ غَيْرُهُم لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ. كَمَا تَوَاتَرَ عِنْدَ الْخَاصَّةِ -مِن أَهْلِ الْعِلْمِ عَنْه- الْحُكْمُ بِالشُّفْعَةِ، وَتَحْلِيفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَرَجْمُ الزَّانِي الْمُحْصَنِ، وَاعْتِبَارُ النِّصَابِ فِي السَّرِقَةِ، وَأَمْثَالُ ذَلِكَ مِن الْأَحْكَامِ الَّتِي يُنَازِعُهُم فِيهَا بَعْضُ أَهْلِ الْبِدَعِ. وَلهَذَا كَانَ أَئِمَّةُ الْإِسْلَامِ مُتَّفِقِينَ عَلَى تَبْدِيعِ مَن خَالَفَ فِي مِثْل هَذِهِ الْأُصُولِ، بِخِلَافِ مَن نَازَعَ فِي مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ الَّتِي لَمْ تَبْلُغْ هَذَا الْمَبْلَغَ فِي تَوَاترِ السُّنَنِ عَنْهُ؛ كَالتَّنَازُع بَيْنَهُم فِي الْحُكْمِ بِشَاهِدٍ وَيمِينٍ، وَفِي الْقُسَامَةِ، وَالْقرْعَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِن الْأمُورِ الَّتِي لَمْ تَبْلُغْ هَذَا الْمَبْلَغَ. وَأَمَّا "عُثْمَانُ وَعَلِيٌّ": فَهَذِهِ دُونَ تِلْكَ؛ فَإِنَّ هَذِهِ كَانَ قَد حَصَلَ فِيهَا نِزَاعٌ. [٤/ ٤٢١ - ٤٢٥]

стр. 1009

١٢٢٠ - أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ كانوا يتعلمون ممن هو دونهم علمَ الدين الذي هو عندهم. [المستدرك ١/ ١١٤] ١٢٢١ - الْكَذِبُ عَلَى عَلِيٍّ ﵁ كَثِيرٌ مَشْهُورٌ، أَكْثَرُ مِنْهُ عَلَى غَيْرِهِ. [٢١/ ٣٧٣] * * * (أَبو بَكْرٍ أَقْوَى إيمَانًا مِن عُمَرَ، وَعُمَرُ أَقْوَى عَمَلًا مِنْهُ) ١٢٢٢ - لَا ريبَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَقْوَى إيمَانًا مِن عُمَرَ، وَعُمَرُ أَقْوَى عَمَلًا مِنْهُ (١)؛ كَمَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: مَا زِلْنَا أَعِزةً مُنْذُ أَسْلَمَ عُمَرُ. وَقُوَّةُ الْإِيمَانِ أَقْوَى وَأَكْمَلُ مِن قُوَّةِ الْعَمَلِ، وَصَاحِبُ الْإِيمَانِ يُكْتَبُ لَهُ أَجْرُ عَمَلِ غَيْرِهِ (٢)، وَمَا فَعَلَهُ عُمَرُ فِي سِيرَتِهِ مَكْتُوبٌ مِثْلُهُ لِأَبِي بَكْرٍ؛ فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي اسْتَخْلَفَهُ. [٧/ ٣٤٢] * * * (مَن خصَّ عَلِيًّا أو غيرَه بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ فَهُوَ مُبْتَدِعٌ) ١٢٢٣ - ليْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَخُصَّ أَحَدًا بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ دُونَ النَّبِيِّ ﷺ ، لَا أَبَا بَكْرٍ، وَلَا عُمَرَ، وَلَا عُثْمَانَ، وَلَا عَلِيًّا، وَمَن فَعَلَ ذَلِكَ فَهُوَ مُبْتَدِعٌ، بَل إمَّا

стр. 1010

أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِم كُلِّهِمْ، أَو يَدَعُ الصَّلَاةَ عَلَيْهِم كُلِّهِمْ. [٤/ ٤٢٠] ١٢٢٤ - هَل يُصَلَّى عَلَى غَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ مُنْفَرِدًا؟ مِثْل أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى عُمَرَ، أَو عَلِيٍّ، وَقَد تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ: فَذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَطَائِفَةٌ مِن الْحَنَابِلَةِ: إلَى أَنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَى غَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ مُنْفَرِدًا. وَذَهَبَ الْإِمَامُ أَحْمَد وَأَكْثَرُ أَصْحَابِهِ إلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِب ﵁ قَالَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: صَلَّى اللهُ عَلَيْك. وَهَذَا الْقَوْلُ أَصَحُّ وَأَوْلَى. وَلَكِنَّ إفْرَادَ وَاحِدٍ مِن الصَّحَابَةِ وَالْقُرَابَةِ كَعَلِيٍّ أَو غَيْرِهِ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ مُضَاهَاةً لِلنَّبِيِّ ﷺ ، بِحَيْثُ يُجْعَلُ ذَلِكَ شِعَارًا مَعْرُوفًا بِاسْمِهِ: هَذَا هُوَ الْبِدْعَةُ. [٤/ ٤٩٦ - ٤٩٧] * * * (مَن صَحِبَ النَّبِيِّ ﷺ أَفْضَلُ مِمَن لَمْ يَصْحَبْهُ مُطْلَقًا، وسِيرَةُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَعْدَلُ مِن سِيرَةِ مُعَاوِيَةَ) ١٢٢٥ - قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِن الْأَئِمَّةِ: إنَّ كُلَّ مَن صَحِبَ النَّبِيِّ ﷺ أَفْضَلُ مِمَن لَمْ يَصْحَبْهُ مُطْلَقًا، وَعَيَّنُوا ذَلِكَ فِي مِثْل مُعَاوِيةَ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، مَعَ أَنَّهُم مُعْتَرِفُونَ بِأَنَّ سِيرَةَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَعْدَلُ مِن سِيرَةِ مُعَاوَيةَ. قَالُوا: لَكِنْ مَا حَصَلَ لَهُم بِالصُّحْبَةِ مِن الدَّرَجَةِ أَمْرٌ لَا يُسَاوِيهِ مَا يَحْصُلُ لِغَيْرِهِمْ بِعِلْمِهِ، وَاحْتَجّوا بمَا فِي "الصَّحِيحَيْنِ" (١) أَنَّهُ قَالَ:" لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي؛ فَوَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَو أنْفَقَ أَحَدُكمْ مِثْل أُحُدٍ ذَهَبًا لَمَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفهُ". قَالُوا: فَإِذَا كَانَ جَبَلُ أُحُدٍ ذَهَبًا لَا يَبْلُغُ نِصْفَ مُدّ أَحَدِهِمْ: كَانَ فِي هَذَا

стр. 1011

مِن التَّفَاضُلِ مَا يُبَيِّنُ أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْ أَحَدٌ مِثْل مَنَازِلهِم الَّتِي أَدْرَكُوهَا بِصُحْبَةِ النَّبِيِّ ﷺ . [٤/ ٥٢٧] * * * (الردّ على من زعم أنّ أبا هريرة ليس فقيهًا، وردّ حديث الْمُصَرَّاةِ) ١٢٢٦ - سُئِلَ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: عَن رَجُل يُنَاظِرُ مَعَ آخَرَ فِي مَسْأَلَةِ الْمُصَرَّاةِ وَرَدِّهَا إذَا أَرَادَ الْمُشْتَرِي؛ فَاسْتَدَلَّ مَن ادَّعَى جَوَازَ الرَّدِّ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ، فَعَارَضَهُ الْخَصْمُ بِأَنْ قَالَ: أَبُو هُرَيْرَةَ لَمْ يَكُن مِن فُقَهَاءِ الصَّحَابَةِ؟. فَأَجَابَ: هَذَا الرَّادُّ مُخْطِئٌ مِن وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: قَوْلُهُ: إنَّهُ لَمْ يَكُن مِن فُقَهَاءِ الصَّحَابَةِ؛ فَإِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَلَّى أَبَا هُرَيْرَةَ عَلَى الْبَحْرَيْنِ، وَهُم خِيَارُ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ هَاجَرَ وَفْدُهُم إلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَهُم وَفْدُ عَبْدُ الْقَيْسِ، وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ -أَمِيرَهُم-، هُوَ الَّذِي يُفْتِيهِمْ بِدَقِيقِ الْفِقْهِ. الثَّانِي: أَنْ يُقَالَ لِهَذَا الْمُعْتَرِضِ: جَمِيعُ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ عَمِلَتْ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِيمَا يُخَالِفُ الْقِيَاسَ وَالظَّاهِرَ. الثَّالِثُ: أَنْ يُقَالَ: الْمُحَدِّثُ إذَا حَفِظَ اللَّفْظَ الَّذِي سَمِعَهُ لَمْ يَضُرّهُ أَنْ لَا يَكُونُ فَقِيهًا؛ كَالْمُلَقِّنِينَ بِحُرُوفِ الْقُرْآنِ، وَأَلْفَاظِ التشَهُّدِ وَالْأذَانِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَقَد قَالَ ﷺ : "نَضَّرَ اللهُ امْرَأً سَمِعَ حَدِيثًا فَبَلَّغَهُ إلَى مَن لَمْ يَسْمَعْهُ، فَرُب حَامِلِ فِقْهٍ غَيْر فَقِيهٍ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إلَى مَن هُوَ أفقَهُ مِنْهُ" (١)، وَهَذَا بَيِّن فِي أَنَّهُ يُؤخَذُ حَدِيثُهُ الَّذِي فِيهِ الْفِقْهُ مِن حَامِلِهِ الَّذِي لَيْسَ بِفَقِيه، وَيأْخُذُ عَمَّن هُوَ دُونَهُ فِي الْفِقْهِ (٢).

стр. 1012

وَإِنَّمَا يُحْتَاجُ فِي الرِّوَايَةِ إلَى الْفِقْهِ: إذَا كَانَ قَد رُوِيَ بِالْمَعْنَى، فَخَافَ أَنَّ غَيْرَ الْفَقِيهِ يُغَيِّرُ الْمَعْنَى وَهُوَ لَا يَدْرِي. وأَبُو هُرَيْرَةَ: كَانَ مِن أَحْفَظِ الْأُمَّةِ، وَقَد دَعَا لَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِالْحِفْظِ، قَالَ: فَلَمْ أَنْسَ شَيْئًا سَمِعْته بَعْدُ. الرَّابعُ: أَنَّ الصَّحَابَةَ كُلَّهُم كَانُوا يَأَخُذُونَ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ كَعُمَر، وَابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَائِشَةَ، وَمَن تَأَمَّلَ كُتُبَ الْحَدِيثِ عَرَفَ ذَلِكَ. الْخَامِسُ: أَنَّ أَحَدًا مِن الصَّحَابَةِ لَا يَطْعَنُ فِي شَيْءٍ رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ، بِحَيْثُ قَالَ: إنَّهُ أَخْطَأَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ؛ لَا عُمَرُ وَلَا غَيْرُهُ. [٤/ ٥٣٢ - ٥٣٥] * * * (حكم سَابّ الصَّحَابَةِ وتوبته) ١٢٢٧ - سَابُّ الصَّحَابَةِ: إذَا كَانَ يَعْتَقِدُ جَوَازَ ذَلِكَ فَهَذَا مُبْتَدِعٌ ضَالٌّ كَسَائِرِ الضُّلَّالِ، وَالْحَقُّ فِي ذَلِكَ للهِ؛ كَمَن سَبَّ الرَّسُولَ مُعْتَقِدًا أَنَّهُ سَاحِرٌ أَو كَاذِبٌ، فَإِذَا أَسْلَمَ هَذَا قَبِلَ اللّهُ إسْلَامَة. كَذَلِكَ الرافضي إذَا تبَيَّنَ لَة الْحَق وَتَابَ قَبِلَ اللهُ مِنْهُ. وَإِن كَانَ يُقِرُّ بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ: فَهَذَا ظَالِمٌ؛ كَمَن قَذَفَ غَيْرَهُ وَاغْتَابَهُ، وَمَظَالِمُ الْعِبَادِ تَصِحُّ التَّوْبَةُ مِنْهَا، وَيدْعُو لَهُم ويُثْنِي عَلَيْهِم بِقَدْرِ مَا لَعَنَهُم وَسَبَّهُمْ؛ فَإِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ. [٤/ ٥٤١] * * * (إنزال السكينة على أبي بكر تبع) ١٢٢٨ - ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ [التوبة: ٤٠]، قال (١): على أبي بكر، وكان النبي ﷺ قد أنزلت عليه السكينة.

стр. 1013

قلت (١): وكان شيخنا أبو العباس ابن تيمية -قدس الله روحه- يذهب إلى خلاف هذا ويقول: الضمير عائد إلى النبي ﷺ أصلًا وإلى صاحبه تباعًا، فهو الذي أنزلت عليه السكينة، وهو الذي أيده الله بالجنود وسرى ذلك إلى صاحبه (٢). [المستدرك ١/ ١١١] * * * (الصِّدِّيق أكمل من المحدث) ١٢٢٩ - ثَبَتَ أَنَّ لِأَوْليَاءِ اللّهِ مُخَاطَبَاتٍ وَمُكَاشَفَاتٍ، فَأفْضَلُ هَؤُلَاءِ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵄، فَإِنَّ خَيْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرُ. وَقَد ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ تَعْيِينُ عُمَرَ بِأَنَّهُ مُحَدَّث فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ. [١١/ ٣٠٥] ١٢٣٠ - إِنَّ مَرْتَبَةَ الصِّدِّيقِ فَوْقَ مَرْتَبَةِ الْمُحَدَّثِ؛ لِأَنَّ الصّدّيقَ يَتَلَقَّى عَن الرَّسُولِ الْمَعْصُومِ كُلَّ مَا يَقُولُهُ وَيَفْعَلُهُ، وَالْمُحَدَّثُ يَأْخُذُ عَن قَلْبِهِ أَشْيَاءَ، وَقَلْبُهُ لَيْسَ بِمَعْصُومِ، فَيَحْتَاجُ أَنْ يَعْرِضَهُ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ ، وَلهَذَا كَانَ عُمَرُ ﵁ يُشَاوِرُ الصَّحَابَةَ ﵃ وَيُنَاظِرُهُم وَيرْجِعُ إلَيْهِم فِي بَعْضِ الْأُمُورِ، وَيُنَازِعُونَهُ فِي أَشْيَاءَ، فَيَحْتَجُّ عَلَيْهِم وَيَحْتَجُّونَ عَلَيْهِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وُيقَرِّرُهُم عَلَى مُنَازَعَتِهِ، وَلَا يَقُولُ لَهُمْ: أَنَا مُحَدَّث مُلْهَمٌ مُخَاطَبٌ فَيَنْبَغِي لَكُمْ أَنْ تَقْبَلُوا مِنِّي وَلَا تُعَارِضُونِي. [١١/ ٢٠٧] ١٢٣١ - جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّه قَالَ ﷺ : "قَد كَانَ فِي الْأُمَمِ قَبْلَكُمْ مُحَدَّثُونَ فَإِنْ يَكُن فِي أمّتِي أَحَدٌ فَعُمَرُ"، فَهُوَ ﵁ الْمُحَدَّثُ الْمُلْهَمُ الَّذِي ضَرَبَ اللهُ الْحَق عَلَى لِسَانِهِ وَقَلْبِهِ؛ وَلَكِنْ مَزِيَّةُ التَّصْدِيقِ الَّذِي هُوَ أَكْمَلُ مُتَابَعَةً لِلرَّسُولِ وَعِلْمًا وَإِيمَانًا بِمَا جَاءَ بِهِ: دَرَجَتُهُ فَوْقَ دَرَجَتِهِ؛ فَلِهَذَا كَانَ الصِّدِّيقُ

стр. 1014

أَفْضَلَ الْأُمَّةِ، صَاحِبَ الْمُتَابَعَةِ لِلْآثَارِ النَبوِيَّةِ، فَهُوَ مُعَلِّمٌ لِعُمَرَ وَمُؤَدِّبٌ لِلْمُحَدَّثِ مِنْهُمْ، الَّذِي يَكُونُ لَهُ مِن رَبِّهِ إلْهَامٌ وَخِطَابٌ، كَمَا كَانَ أَبُو بَكْرٍ مُعَلِّمًا لِعُمَرَ وَمُؤَدِّبًا لَهُ. [١٥/ ١٨٥] ١٢٣٢ - قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي "الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ": "إنَّهُ كَانَ فِي الْأُمَمِ قَبْلَكُمْ مُحَدَّثُونَ، فَإِنْ يَكُن فِي أُمَّتِي أَحَدٌ فَعُمَرُ". فَعَلَّقَ ذَلِكَ تَعْلِيقًا فِي أُمَّتِهِ، مَعَ جَزْمِهِ بِهِ فِيمَن تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّ الْأُمَمَ قَبْلَنَا كَانُوا مُحْتَاجِينَ إلَى الْمُحَدَّثِينَ كَمَا كَانُوا مُحْتَاجِينَ إلَى نَبِيٍّ بَعْدَ نَبِيٍّ، وَأَمَّا أُمَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ فَأَغْنَاهُم اللهُ بِرَسُولِهِمْ وَكِتَابِهِم عَن كُلِّ مَا سِوَاهُ، حَتَّى أَنَّ الْمُحَدّثَ مِنْهُم كَعُمَر بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ إنَّمَا يُؤخَذ مِنْهُ مَا وَافَقَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ، وَإذَا حَدَّثَ شَيْئًا فِي قَلْبِهِ لَمْ يَكُن لَهُ أَنْ يَقْبَلَهُ حَتَّى يَعْرِضَهُ عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَكَذَلِكَ لَا يَقْبَلُهُ إلَّا إنْ وَافَقَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ. [١٧/ ٤٦] ١٢٣٣ - الصِّدِّيقُ أكمل من المحدَّث؛ لأنه استغنى بكمال صديقيته ومتابعته عن التحديث والإلهام والكشف؛ فإنه سلم قلبه وسره وظاهره وباطنه للرسول ﷺ فاستغنى به عما منه (١). [المستدرك ١/ ١١٢] * * * (فواضل رجال هذه الأمة ونسائها أفضل من فواضل غيرهم حتى آسية ومريم وهل هي من زوجات نبينا ؟) ١٢٣٤ - مريم ابنة عمران وآسية زوجة فرعون من أفضل النساء. والفواضل من هذه الأمة كخديجة وعائشة وفاطمة ﵅ أفضل منهما. كما أن المفضلين من رجال هذه الأمة أفضل من فضلاء رجال غيرها.

стр. 1015

فإن الصواب الذي عليه عامة المسلمين وحكى الإجماع عليه غير واحد أنهما ليستا بنبيتين، وإنما غايتهما الصديقية، كما دل عليه القرآن. وصديقو هذه الأمة رجالها ونساؤها أفضل من صديقي غيرها. كما أنَّ خير الناس الأنبياء فشرُّ الناس من تشبَّه بهم يوهم أنه منهم وليس منهم فخير الناس بعدهم: العلماء والشهداء والصديقون، والمخلصون. [المستدرك ١/ ١١٨ - ١١٩] * * * (ما جاء عن السلف من أقوال وأفعال) ١٢٣٥ - تَوَاتَرَ عَنْهُ [أي: علي ﵁] أَنَّهُ قَالَ: خَيْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرُ. [١٣/ ٣٤] ١٢٣٦ - الْكَلَامُ الَّذِي ذَمَّهُ السَّلَفُ هُوَ الْكَلَامُ الْبَاطِلُ، وَهُوَ الْمُخَالِفُ لِلشَّرْعِ وَالْعَقْلِ. [١٣/ ١٤٨] ١٢٣٧ - النَّبِيّ ﷺ لَمْ يَخُصَّ أَحَدًا مِن أَصْحَابِهِ بِخِطَاب فِي عِلْمِ الدِّينِ قَصَدَ كِتْمَانَهُ عَن غَيْرِهِ، وَلَكِنْ كَانَ قَد يَسْألُ الرَّجُلُ عَن الْمَسْأَلَةِ الَّتِي لَا يُمْكِنُ جَوَابُهَا؛ فَيُجِيبُهُ بِمَا يَنْفَعُهُ. سُئِلَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَة عَن غَمٍّ لَا يُعْرَفُ سَبَبُهُ؟ قَالَ: هُوَ ذَنْبٌ هَمَمْت بِهِ فِي سِرِّك وَلَمْ تَفْعَلْهُ فَجُزِيت هَمًّا بِهِ. [١٣/ ٢٥٢] فَالذُّنُوبُ لَهَا عُقُوبَات: السِّرُّ بِالسِّرِّ، وَالْعَلَانِيَةُ بِالْعَلَانِيَةِ (١). [١٤/ ١١١] ١٢٣٨ - كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُفْتِي بِحَسَبِ مَا سَمِعَهُ وَفَهِمَهُ؛ فَلِهَذَا يُوجَدُ فِي مَسَائِلِهِ أَقْوَالٌ فِيهَا ضِيقٌ لِوَرَعِهِ وَدِيِنِهِ ﵁ وَأَرْضَاهُ، وَكَانَ قَد رَجَعَ عَن كَثيرٍ مِنْهَا. [٢١/ ٢٠٠] * * *

стр. 1016

(أئمة المذاهب) ١٢٣٩ - مَذَاهِبُ الْأَئِمَّةِ تُؤخَذُ مِن أَقْوَالِهِمْ، وَأَمَّا أَفْعَالُهُم فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي فِعْلِ الْإِمَامِ أَحْمَد: هَل يُوخَذُ مِنْهُ مَذْهَبُهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَا؛ لِجَوَازِ الذَّنْبِ عَلَيْهِ، أَو أَنْ يَعْمَلَ بِخِلَافِ مُعْتَقَدِهِ أَو يَكُونُ عَمَلُهُ سَهْوًا أَو عَادَةً أَو تَقْلِيدًا. وَالثَّانِي: بَل يُؤخَذُ مِنْهُ مَذْهَبُهُ؛ لِمَا عُرِفَ مِن تَقْوَى أَبِي عَبْدِ اللهِ وَوَرَعِهِ وَزُهْدِهِ. ثُمَّ يُقَالُ: فِعْلُ الْأئِمَّةِ وَتَرْكُهُم يَنْقَسِمُ كَمَا تَنْقَسِمُ أَفْعَالُ النَّبِيِّ ﷺ : تَارَةً يَفْعَلُهُ عَلَى وَجْهِ الْعِبَادَةِ وَالتَّدَيُّنِ فَيَدُلّ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ عِنْدَهُ، وَأَمَّا رُجْحَانُهُ فَفِيهِ نَظَرٌ. وَأَمَّا عَلَى غَيْرِ وَجْهِ التَّعَبُّدِ فَفِي دَلَالَتِهِ الْوَجْهَانِ، فَعَلَى هَذَا مَا يُذْكَرُ عَنِ الْأَئِمَّةِ مِن أَنْوَاعِ التَّعَبُّدَاتِ والتزهدات والتورعات يَقِفُ عَلَى مُقَدِّمَاتٍ: إحْدَاهَا: هَل يَعْتَقِدُ حُسْنَهَا بِحَيْثُ يَقُولُهُ ويُفْتِي بِهِ، أَو فَعَلَهُ بِلَا اعْتِقَادٍ لِذَلِكَ، بَل تَأَسّيًا بِغَيْرِهِ أَو نَاسِيًا؟ عَلَى الْوَجْهَيْنِ كَالْوَجْهَيْنِ فِي الْمُبَاحِ. وَالثَّانِيَةُ: هَل فِيهِ إرَادَةٌ لَهَا تُوَافِق اعْتِقَادَهُ؟ فَكَثِيرًا مَا يَكُونُ طَبْعُ الرَّجُلِ يُخَالِفُ اعْتِقَادَهُ. وَالثَّالِثَةُ: هَل يَرَى ذَلِكَ أَفْضَلَ مِن غَيْرِهِ، أَو يَفْعَلُ الْمَفْضُولَ لِأَغْرَاضٍ أخْرَى مُبَاحَةٍ؟ وَالْأَوَلُ أَرْجَحُ. وَالرَّابِعَةُ: أَنَّ ذَلِكَ الرُّجْحَانَ هَل هُوَ مُطْلَقٌ، أَو فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ؟ وَاللهُ أَعْلَمُ. [١٩/ ١٥١ - ١٥٢] ١٢٤٠ - الْمُنْحَرِفُونَ مِن أَتْبَاعِ الْأَئِمَّةِ فِي الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ انْحِرَافُهُم أَنْوَاعٌ: أَحَدُهَا: قَوْلٌ لَمْ يَقُلْهُ الْإِمَامُ وَلَا أَحَدٌ مِنَ الْمَعْرُوفَيْنِ مِن أَصْحَابِهِ بِالْعِلْمِ.

стр. 1017

الثَّانِي: قَوْلٌ قَالَهُ بَعْضُ عُلَمَاءِ أَصْحَابِهِ وَغَلِطَ فِيهِ. الثَّالِثُ: قَوْلٌ قَالَهُ الْإِمَامُ فَزِيدَ عَلَيْهِ قَدْرًا أَو نَوْعًا كَتَكفِيرِهِ نَوْعًا مِن أَهْلِ الْبِدَع كالْجَهْمِيَّة؛ فَيَجْعَلُ الْبدَع نَوْعًا وَاحِدًا، حَتَّى يَدْخُلَ فِيهِ الْمُرْجِئَةُ وَالْقَدَرِيِّةُ، أَو ذَمَّهُ لِأَصْحَابِ الرَّأيِ بِمُخَالَفَةِ الْحَدِيثِ وَالْإِرْجَاءِ، فَيَخْرُجُ ذَلِكَ إلَى التَّكْفِيرِ وَاللَّعْنِ (١). الرَّابعُ: أَنْ يَفْهَمَ مِن كَلَامِهِ مَا لَمْ يُرِدْهُ أَو يَنْقُلَ عَنْهُ مَا لَمْ يَقُلْهُ. الْخَامِسُ: أَنْ يَجْعَلَ كَلَامَة عَامًّا أَو مُطْلَقًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ. السَّادِسُ: أَنْ يَكُونَ عَنْهُ فِي الْمَسْألَةِ اخْتِلَافٌ فَيَتَمَسَّكونَ بِالْقَوْلِ الْمَرْجُوحِ (٢). السَّابعُ: أَنْ لَا يَكُونَ قَد قَالَ، أَو نُقِلَ عَنْهُ مَا يُزِيلُ شُبْهَتَهُم مَعَ كَوْنِ لَفْظِهِ مُحْتَمِلًا لَهَا. الثَّامِنُ: أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ مُشْتَمِلًا عَلَى خَطَأٍ (٣). فَالْوُجُوهُ الستَّةُ تبيِّنُ مِن مَذْهَبِهِ نَفْسِهِ أَنَّهُم خَالَفُوهُ وَهُوَ الْحَقُّ. وَالسَّابعُ خَالَفُوا الْحَقَّ وَإِن لَمْ يُعْرفْ مَذْهَبُهُ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا. وَالثَّامِنُ خَالَفُوا الْحَقَّ وَإِن وَافَقُوا مَذْهَبَهُ. [٢٠/ ١٨٤ - ١٨٦] ١٢٤١ - [الإمامُ] أَحْمَدُ كَانَ أَعْلَمَ مِن غَيْرِهِ بِالْكِتَاب وَالسُّنَّةِ وَأَقْوَالِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُم بِإِحْسَانٍ؛ وَلهَذَا لَا يَكَادُ يُوجَدُ لَهُ قَوْلٌ يُخَالِفُ نَصًّا كَمَا يُوجَدُ

стр. 1018

لِغَيْرِهِ، وَلَا يُوجَدُ لَهُ قَوْلٌ ضَعِيفٌ فِي الْغَالِبِ إلَّا وَفِي مَذْهَبِهِ قَوْلٌ يُوَافِقُ الْقَوْلَ الْأَقْوَى، وَأَكْثَرُ مفاريده الَّتِي لَمْ يَخْتَلِفْ فِيهَا مَذْهَبُهُ يَكُونُ قَوْلُهُ فِيهَا رَاجِحًا؛ كَقَوْلِهِ بِجَوَازِ فَسْخِ الْإِفْرَادِ وَالْقِرَانِ إلَى التَّمَتّعِ، وَقَبُولِهِ شَهَادَةَ أَهْلِ الذمَّةِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ عِنْدَ الْحَاجَةِ. وَأَمَّا مَا يُسَمِّيهِ بَعْضُ النَّاسِ مُفْرَدَة لِكَوْنِهِ انْفَرَدَ بِهَا عَن أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ، مَعَ أَنَّ قَوْلَ مَالِكٍ فِيهَا مُوَافِق لِقَوْلِ أَحْمَد أَو قَرِيبٌ مِنْهُ .. فَهَذِهِ غَالِبُهَا يَكُونُ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَحْمَد أَرْجَحَ مِنَ الْقَوْلِ الْآخَرِ، وَمَا يَتَرَجَّحُ فِيهَا الْقَوْلُ الْآخَرُ يَكُونُ مِمَّا اخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ أَحْمَد، وَهَذَا كَإِبْطَالِ الْحِيَلِ الْمُسْقِطَهِ لِلزَّكَاةِ وَالشُّفْعَةِ وَنَحْوُ ذَلِكَ الْحِيَلُ الْمُبِيحَةُ لِلرِّبَا وَالْفَوَاحِشِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَكَاعْتِبَارِ الْمَقَاصِدِ وَالنِّيَّاتِ فِي الْعُقُودِ، وَالرُّجُوعِ فِي الْأَيْمَانِ إلَى سَبَبِ الْيَمِينِ وَمَا هَيَّجَهَا مَعَ نِيَّةِ الْحَالِفِ. [٢٠/ ٢٢٩ - ٢٣٠] * * * (هل لَازِمُ مَذْهَبِ الْإِنْسَانِ مَذْهَبٌ لَهُ ؟) ١٢٤٢ - الصَّوَابُ: أَنَّ لَازِمَ مَذْهَبِ الْإِنْسَانِ لَيْسَ بِمَذْهَبٍ لَهُ إذَا لَمْ يَلْتَزِمْهُ؛ فَإِنَّهُ إذَا كَانَ قَد أَنْكَرَهُ وَنَفَاهُ كَانَت إضَافَتُهُ إلَيْهِ كَذِبًا عَلَيْهِ، بَل ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ قَوْلِهِ وَتَنَاقُضِهِ فِي الْمَقَالِ، غَيْرِ الْتِزَامِهِ اللَّوَازِمَ الَّتِي يَظْهَرُ أَنَّهَا مِن قِبَلِ الْكفْرِ وَالْمِحَالِ مِمَّا هُوَ أَكْثَرُ. [٢٠/ ٢١٧] ١٢٤٣ - لَازِمُ قَوْلِ الْإِنْسَانِ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: لَازِمُ قَوْلِهِ الْحَقّ، فَهَذَا مِمَّا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَلْتَزِمَهُ؛ فَإِنَّ لَازِمَ الْحَقِّ حَقٌّ، وَيَجُوزُ أَنْ يُضَافَ إلَيْهِ إذَا عُلِمَ مِن حَالِهِ أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ مِن الْتِزَامِهِ بَعْدَ ظُهُورِهِ، وَكَثِيرٌ مِمَّا يُضِيفُهُ النَّاسُ إلَى مَذْهَبِ الْأَئِمَّةِ مِن هَذَا الْبَابِ. وَالثَّائِي: لَازِمُ قَوْلِهِ الَّذِي لَيْسَ بِحَق، فَهَذَا لَا يَجِبُ الْتِزَامُهُ؛ إذ أَكْثَرُ مَا فِيهِ أَنَّهُ قَد تَنَاقَضَ، وَقَد ثَبَتَ أَنَّ التَّنَاقُضَ وَاقِعٌ مِن كُلّ عَالِمٍ غَيْرِ النَّبِيِّينَ.

стр. 1019

ثُمَّ إنْ عُرِفَ مِن حَالِهِ أَنَّهُ يَلْتَزِمُهُ بَعْدَ ظُهُورِهِ لَهُ: فَقَد يُضَافُ إلَيْهِ، وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُضَافَ إلَيْهِ قَوْلٌ لَو ظَهَرَ لَهُ فَسَادُهُ لَمْ يَلْتَزِمْهُ؛ لِكَوْنِهِ قَد قَالَ مَا يَلْزَمُهُ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ بِفَسَادِ ذَلِكَ الْقَوْلِ وَلَا يَلْزَمُهُ. وَهَذَا التَّفْصِيلُ فِي اخْتِلَافِ النَاسِ فِي لَازِمِ الْمَذْهَبِ: هَل هُوَ مَذْهَبٌ أَو لَيْسَ بِمَذْهَبٍ؟ هُوَ أَجْوَدُ مِن إطْلَاقِ أَحَدِهِمَا، فَمَا كَانَ مِن اللَّوَازِمِ يَرْضَاهُ الْقَائِلُ بَعْدَ وُضُوحِهِ لَهُ فَهُوَ قَوْلُهُ، وَمَا لَا يَرْضَاهُ فَلَيْسَ قَوْلُهُ وَإِن كَانَ مُتَنَاقِضًا. [٢٩/ ٤١ - ٤٢] * * * (رفع الملام عن الأئمة الأعلام) ١٢٤٤ - يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بَعْدَ مُوَالَاةِ اللهِ وَرَسُولِهِ مُوَالَاةُ الْمُؤمِنِينَ كَمَا نَطَقَ بِهِ الْقُرْآنُ، خُصُوصًا الْعُلَمَاءُ الَّذِينَ هُم وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، الَّذِين جَعَلَهُم اللهُ بِمَنْزِلَةِ النُّجُومِ يُهْتَدَى بِهِم فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، وَقَد أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى هِدَايَتِهِمْ وَدِرَايَتِهِمْ، إذ كَلُّ أُمَّةٍ قَبْلَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَعُلَمَاؤُهَا شِرَارُهَا، إلَّا الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّ عُلَمَاءَهُم خِيَارُهُم؛ فَإِنَّهُم خُلَفَاءُ الرَّسُولِ فِي أُمَّتِهِ، والمحيون لِمَا مَاتَ مِن سُنَّتِهِ، بِهِم قَامَ الْكِتَابُ وَبِهِ قَامُوا، وَبِهِم نَطَقَ الْكِتَابُ وَبِهِ نَطَقُوا. وَليُعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْمَقْبُولِينَ عِنْدَ الْأمَّةِ قَبُولًا عَامًّا يَتَعَمَّدُ مُخَالَفَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي شَيءٍ مِن سُنَتِهِ؛ دَقِيقٍ وَلَا جَلِيلٍ؛ فَإِنَّهُم مُتَّفِقُونَ اتِّفَاقًا يَقِينِيًّا عَلَى وُجُوبِ اتِّبَاعِ الرَّسُولِ، وَعَلَى أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ يُؤخَذُ مِن قَوْلِهِ ويُتْرَكُ إلَّا رَسُولَ اللهِ ﷺ ، وَلَكنْ إذَا وُجِدَ لِوَاحِدٍ مِنْهُم قَوْلٌ قَد جَاءَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ بِخِلَافِهِ فَلَا بُدَّ لَهُ مِن عُذْرٍ فِي تَرْكِهِ. وَجَمِيعُ الْأَعْذَارِ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ: أَحَدُهَا: عَدَمُ اعْتِقَادِهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَهُ. وَالثَّانِي: عَدَمُ اعْتِقَادِهِ إرَادَةَ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ بِذَلِكَ الْقَوْلِ.

стр. 1020

وَالثَّالِثُ: اعْتِقَادُهُ أَنَّ ذَلِكَ الْحكمَ مَنْسُوخ. وَهَذِهِ الْأَصْنَافُ الثَّلَاثَةُ تتفَرَّعُ إلَى أَسْبَابٍ مُتَعَدِّدَةٍ: السَّبَبُ الْأوّلُ: أَلَّا يَكُونَ الْحَدِيثُ قَد بَلَغَهُ. وَهَذَا السَّبَبُ هُوَ الْغَالِبُ عَلَى أَكْثَرِ مَا يُوجَدُ مِن أَقْوَالِ السَّلَفِ مُخَالِفًا لِبَعْضِ الْأَحَادِيثِ؛ فَإِنَّ الْإِحَاطَةَ بِحَدِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ لَمْ تَكُنْ لِأَحَدٍ مِنَ الْأُمَّةِ. وَلَا يَقُولَن قَائِل: الْأَحَادِيثُ قَد دُوِّنَتْ وَجُمِعَتْ، فَخَفَاؤُهَا وَالْحَالُ هَذِهِ بَعِيدٌ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الدَّوَاوِينَ الْمَشْهُورَةَ فِي السُّنَنِ إنَّمَا جُمِعَتْ بَعْدَ انْقِرَاضِ الْأَئِمَّةِ الْمَتْبُوعِينَ، وَمَعَ هَذَا فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَدَّعِيَ انْحِصَارَ حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي دَوَاوِينَ مُعَيَّنةٍ. ثُمَّ لَو فُرِضَ انْحِصَارُ حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَلَيْسَ كُلُّ مَا فِي الْكُتُبِ يَعْلَمُهُ الْعَالِمُ وَلَا يَكَادُ ذَلِكَ يَحْصُلُ لِأَحَدٍ. بَل قَد يَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ الدَّوَاوِينُ الْكَثِيرَةُ وَهُوَ لَا يُحِيطُ بِمَا فِيهَا، بَل الَّذِينَ كَانُوا قَبْلَ جَمْعِ هَذِهِ الدَّوَاوِينِ أَعْلَمُ بِالسُّنَّةِ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ بِكَثِيرٍ؛ لِأَنَّ كَثِيرًا مِمَّا بَلَغَهُم وَصَحَّ عِنْدَهُم قَد لَا يَبْلُغُنَا إلَّا عَن مَجْهُولٍ، أَو بِإِسْنَادٍ مُنْقَطِعٍ، أَو لَا يَبْلُغُنَا بِالْكُلِّيَّةِ، فَكَانَت دَوَاوِينُهُم صُدُورَهُم الَّتِي تَحْوِي أَضْعَافَ مَا فِي الدَّوَاوِينِ، وَهَذَا أَمْرٌ لَا يَشُكُّ فِيهِ مَن عَلِمَ الْقَضِيَّةَ. وَلَا يَقُولَنَّ قَائِل: مَن لَمْ يَعْرِفِ الْأحَادِيثَ كُلَّهَا لَمْ يَكُن مُجْتَهِدًا؛ لِأنَّهُ إن اُشْتُرِطَ فِي الْمُجْتَهِدِ عِلْمُهُ بِجَمِيعِ مَا قَالَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَفِعْلُهُ فِيمَا يَتَعَلَّق بِالْأَحْكَامِ: فَلَيْسَ فِي الْأُمَّةِ مُجْتَهِدٌ، وَإِنَّمَا غَايَةُ الْعَالِمِ أَنْ يَعْلَمَ جُمْهُورَ ذَلِكَ وَمُعْظَمَهُ بِحَيْثُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ إلَّا الْقَلِيلُ مِنَ التَّفْصِيلِ، ثُمَّ إنَّهُ قَد يُخَالِفُ ذَلِكَ الْقَلِيلَ مِنَ التَّفْصِيلِ الَّذِي يَبْلُغُهُ. السَبَبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ قَد بَلَغَهُ لَكِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ.
следующие страницы →