← Фатава

Фатава · id 879

تقريب فتاوى ابن تيمية

أحمد بن ناصر الطيار

Полный текст (3 539 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

وَكِيلًا عَلَيْهِم؛ كَمَا قَالَ: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢٢]، وَكَمَا قَالَ: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾ [آل عمران: ٢٠]، ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ [المائدة: ٧٥]، لَيْسَ هُوَ إلَهًا وَلَا أُمُّهُ إلَهَة، بَل غَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ رَسُولًا، كَمَا غَايَةُ مُحَمَّدٍ أَنْ يَكُونَ رَسُولًا، وَغَايَةُ مَرْيَمَ أَنْ تكونَ صِديقَةً. وَهَذَا مِمَّا اسْتُدِلَّ بهِ عَلَى بطْلَانِ قَوْلِ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ: أَنَّهَا نَبِيَّة، وَقَد حَكَى الْإِجْمَاعَ عَلَى عَدَمِ نبوَّةِ أَحَدٍ مِن النِّسَاءِ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ. ١٢٨٩ - لَفْظُ "الْجِزْيَةِ" و"الدِّيَةِ": فِعْلَة مِن جَزَى يَجْزِي إذَا قَضَى وَأَدَّى .. فِي الْأَصْلِ جَزَى جِزْيَة، كَمَا يُقَالُ: وَعَدَ عِدَةً، وَوَزَنَ زِنَة، وَكَذَلِكَ لَفْظُ "الدِّيَةِ" هُوَ مِن وَدَى يَدِي دِيَة، كَمَا يُقَالُ: وَعَدَ يَعِدُ عِدَةً، وَالْمَفْعولُ يُسَمَّى بِاسْمِ الْمَصْدَرِ كَثِيرًا، فَيُسَمَّى الْمُؤَدَّى دِيَةً، وَالْمَجْزِيَّ الْمَقْضِيَّ جِزْيَةً، كَمَا يُسَمى الْمَوْعُودُ وَعْدا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٨)﴾ [يونس: ٤٨] وَإِنَّمَا رَأَوْا مَا وعدُوة مِن الْعَذَابِ. ١٢٩٠ - إِذَا قِيلَ: الْفِعْلُ مُشْتَقٌّ مِن الْمَصْدَرِ، أَو الْمَصْدَرُ مُشْتَق مِن الْفِعْلِ: فَكِلَا الْقَوْلَيْنِ: قَوْلُ الْبَصْرِيِّينَ وَالْكُوفِيّينَ صَحِيح. ١٢٩١ - اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِلُغَةِ الْعَرَب وَسَائِر اللُّغَاتِ عَلَى أَنَّ الِاسْمَ وَحْدَهُ لَا يَحْسُنُ السّكوتُ عَلَيْهِ؛ وَلَا هُوَ جُمْلَةَ تَامَّة؛ وَلَا كَلَامًا مفِيدًا، وَلهَذَا سَمِعَ بَعْضُ الْعَرَبِ مُؤَذّنًا يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ قَالَ: فَعَلَ مَاذَا؟ فَإِنَّهُ لَمَّا نَصَبَ الِاسْمَ صَارَ صِفَةً وَالصّفَةُ مِن تَمَامِ الِاسْمِ الْمَوْصُوفِ، فَطَلَبَ بِصِحَّةِ طَبْعِهِ الْخَبَرَ الْمُفِيدَ، وَلَكِنَّ الْمُؤَذِّنَ قَصَدَ الْخَبَرَ وَلَحَنَ. فَإِنَّ الْكُفَّارَ مِن جَمِيعِ الْأُمَمِ يَذْكُرُونَ الِاسْمَ مُفْرَدًا سَوَاء أَقَرُّوا بِهِ وَبِوَحْدَانِيَّتِه أَمْ لَا؛ حَتَّى إنَّهُ لَمَّا أَمَرَنَا بِذِكْرِ اسْمِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤] .. وَنَحْوِ ذَلِكَ: كَانَ ذِكْرُ اسْمِهِ بِكَلَام تَام؛ مِثْل أَنْ يَقُولَ: بِسْمِ اللهِ.

стр. 1052

فَإِنْ قِيلَ: فَالذَّاكِرُ أَو السَّامِعُ لِلِاسْمِ الْمُجَرَّدِ قَد يَحْصُلُ لَهُ وَجْدُ مُحِبةٍ وَتَعْظِيم للهِ وَنَحْوُ ذَلِكَ. قُلْت: نَعَمْ وَيُثَابُ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْدِ الْمَشْرُوعِ وَالْحَالِ الْإِيمَانِي، لَا لِأَنَّ مُجَرَّدَ الِاسْمِ مُسْتَحَبٌّ، وإذَا سمِعَ ذَلِكَ حَرَّكَ سَاكِنَ الْقَلْبِ، وَقَد يَتَحَرَّكُ السَّاكِنُ بِسَمَاعِ ذِكْرٍ مُحَرَّمٍ أَو مَكْرُوهٍ، حَتَّى قَد يَسْمَعُ الْمُسْلِمُ مَن يُشْرِكُ بِاللّهِ أَو يَسُبّهُ فَيَثُورُ فِي قَلْبِهِ حَالُ وَجْدٍ وَمَحَبةٍ للّهِ بِقُوَّةِ نَفْرَتِهِ. فَإِنْ قِيلَ: إذَا لَمْ يَكُن هَذَا الذكْرُ مَشْرُوعًا. فَهَل هُوَ مَكْروهٌ؟ قُلْت: أَمَّا فِي حَقِّ الْمَغْلُوبِ فَلَا يُوصَفُ بِكَرَاهَة؛ فَإنَّهُ قَد يَعْرِضُ لِلْقَلْبِ أَحْوَال يَتَعَسَّرُ عَلَيْهِ فِيهَا نُطْقُ اللسَانِ مَعَ امْتِلَاءِ الْقَلْبِ بِأحْوَالِ الْإِيمَانِ، وَرُبَّمَا تيَسَّرَ عَلَيْهِ ذِكْرُ الِاسْمِ الْمُجَرَّدِ دُونَ الْكَلِمَةِ التَّامَّةِ. وَأَمَّا مع تَيَسُّرِ الْكَلِمَةِ التَّامَّةِ فَالِاقْتِصَارُ عَلَى مُجَرَّدِ الِاسْمِ مُكرَّرًا بِدْعَة، وَالْأَصْلُ فِي الْبِدَعِ الْكَرَاهَةُ. [١٠/ ٥٦١ - ٥٦٧] ١٢٩٢ - لَفْظُ "الْفَتَى": مَعْنَاهُ فِي اللُّغَةِ الْحَدَثُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (١٣)﴾ [الكهف: ١٣]، وقَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (٦٠)﴾ [الأنبياء: ٦٠]، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ﴾ [الكهف: ٦٠]، لَكِنْ لَمَّا كَانَت أَخْلَاقُ الْأَحْدَاثِ اللِّينَ صَارَ كَثِير مِن الشُّيُوخِ يُعَبّرُونَ بِلَفْظِ "الْفُتُوَّةِ" عَن مَكارِمِ الْأَخْلَاقِ. [١١/ ٩١] ١٢٩٣ - إِنَّ كِتَابَ سِيبَوَيْهِ فِي الْعَرَبِيَّةِ لَمْ يُصَنَّفْ بَعْدَهُ مِثْلُهُ، بَل وَكِتَابُ بَطْلَيْمُوس، بَل نُصُوصُ بقراط لَمْ يُصَنَّفْ بَعْدَهَا أَكمَلُ مِنْهَا (١). [١١/ ٣٧٠] ١٢٩٤ - تَنَازَعَ النَّاسُ فِي أَبْجَد هوز حُطي .. وَالصَّوَابُ: أَنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ

стр. 1053

أَسْمَاءً لِمُسَمَّيَاتِ، وَإنَّمَا ألِّفَتْ لِيُعْرَفَ تَألِيفُ الْأسْمَاءِ مِن حُروفِ الْمُعْجَمِ. ١٢٩٥ - تَنَازَعَ النَّاسُ فِي مُسَمَّى "الْكَلَامِ" فَقِيلَ: هُوَ اسْمُ اللَّفْظِ الدَّالِّ عَلَى الْمَعْنَى، وَقِيلَ: الْمَعْنَى الْمَدْلُولُ عَلَيْهِ بِاللَّفْظِ. [١٢/ ٦٢] وَقِيلَ: بَل هُوَ اسْمٌ عَامٌّ لَهُمَا جَمِيعًا يَتَنَاوَلُهُمَا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، وَإِن كَانَ مَعَ التَّقْيِيدِ يُرَادُ بِهِ هَذَا تَارَةً وَهَذَا تَارَةً، هَذَا قَوْلُ السَّلَفِ وَأَئِمَّةِ الْفُقَهَاءِ، وَإِن كَانَ هَذَا الْقَوْلُ لَا يُعْرَفُ فِي كَثِير مِن الْكُتُبِ. [١٢/ ٦٧] ١٢٩٦ - تَنَازَعَ النَّاسُ فِي مُسَمى "الإنْسَانِ" هَل هُوَ الرُّوحُ فَقَطْ أَو الْجَسَدُ فَقَطْ؛ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ اسْمٌ لِلرُّوحِ وَالْجَسَدِ جَمِيعًا. [١٢/ ٦٧] ١٢٩٧ - قَوْلُ الْقَائِلِ: إن الْحُرُوفَ قَدِيمَة أَو حُرُوفَ الْمُعْجَمِ قَدِيمَة: إِنْ أَرَادَ جِنْسَهَا فَهَذَا صَحِيحٌ، وَإِن أَرَادَ الْحَرْفَ الْمُعَيَّنَ فَقَد أَخْطَأ، فَإنَّ لَهُ مَبْدَأَ وَمُنْتَهًى. [١٢/ ٦٩] ١٢٩٨ - لَفْظُ "الْحَرْفِ" يُرَادُ بِهِ حُرُوفُ الْمَعَانِي الَّتِي هِيَ قَسِيمَةُ الْأسْمَاءِ وَالْأَفْعَالِ؛ مِثْل حُرُوفِ الْجَر وَالْجَزْمِ، وَحَرْفَي التَّنْفِيسِ، وَالْحُرُوفِ الْمُشْبِهَةِ لِلْأَفْعَالِ؛ مِثْلُ "إنَّ وَأَخَوَاتِهَا"، وَهَذ الْحُرُوفُ لَهَا أَقْسَام مَعْرُوفَةٌ فِي كُتُبِ الْعَرَبِيَّةِ. فاسْمُ الْحَرْفِ هُنَا مَنْقُول عَن اللُّغَةِ إلَى عُرْفِ النُّحَاةِ بِالتَّخْصِيصِ، وَإِلَّا فَلَفْظُ الْحَرْفِ فِي اللُّغَةِ يَتَنَاوَل الْأَسْمَاءَ وَالْحُرُوفَ وَالْأَفْعَالَ. وَحرُوفَ الْهِجَاءِ تُسَمَّى حُرُوفًا وَهِيَ أَسْمَاء (١)؛ كَالْحُرُوفِ الْمَذْكُورَةِ فِي أَوَائِل السُّوَرِ لِأَنَّ مُسَمَّاهَا هُوَ الْحَرْفُ الَّذِي هُوَ حَرْفُ الْكَلِمَةِ. [١٢/ ١٠٩ - ١١٠]

стр. 1054

١٢٩٩ - الْعَرَبِيَّةُ إنَّمَا احْتَاجَ الْمُسْلِمُونَ إلَيْهَا لِأَجْلِ خِطَابِ الرَّسُولِ بِهَا، فَإِذَا أَعْرَضَ عَن الْأَصْلِ كَانَ أهْلُ الْعَرَبِيَّةِ بِمَنْزِلَةِ شُعَرَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ أَصْحَابِ الْمُعَلَّقَاتِ السَّبْعِ وَنَحْوِهِمْ مِن حَطَبِ النَّارِ. [١٣/ ٢٠٧] ١٣٠٠ - الْكَلَام نَوْعَانِ: إنْشَاءٌ فِيهِ الْأمْرُ، وَإِخْبَار. فَتَأوِيلُ الْأَمْرِ: هوَ نَفْسُ الْفِعْلِ الْمَأمُورِ بِهِ، كَمَا قَالَ مَن قَالَ مِن السَّلَفِ: إن السُّنَّةَ هِيَ تَأوِيلُ الْأَمْرِ. قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: "كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: سُبْحَانَك اللهُمَّ وَبِحَمْدِك اللهم اغفِرْ لِي يتأوَّلُ الْقُرْآنَ" (١) تَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾ [النصر: ٣]. وَأما الْإِخْبَارُ: فَتَأوِيلُهُ عَيْنُ الْأمْرِ الْمُخْبَرِ بِهِ إذَا وَقَعَ، لَيْسَ تَأوِيلُهُ فَهْمَ مَعْنَاهُ. [١٣/ ٢٧٧] ١٣٠١ - الْعَرَبُ تُضَمِّنُ الْفِعْلَ مَعْنَى الْفِعْلِ وَتُعَدِّيهِ تَعْدِيَتَهُ، وَمِن هُنَا غَلِطَ مَن جَعَلَ بَعْضَ الْحُرُوفِ تَقُومُ مَقَامَ بَعْضٍ، كَمَا يَقُولُونَ فِي قَوْلِهِ: " ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ﴾ [ص: ٢٤]؛ أيْ: مَعَ نِعَاجِهِ، و ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ [الصف: ١٤]؛ أَيْ: مَعَ اللهِ، وَنَحْو ذَلِكَ. وَالتَّحْقِيقُ مَا قَالَهُ نُحَاةُ الْبَصْرَةِ مِن التَّضْمِينِ، فَسُؤَالُ النعْجَةِ يَتَضَمنُ جَمْعَهَا وَضَمهَا إلَى نِعَاجِهِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [الإسراء: ٧٣] ضُمن مَعْنَى يُزِيغُونَك وَيَصُدُّونَك، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ [الأنبياء: ٧٧] ضُمنَ مَعْنَى نَجَّيْنَاهُ وَخَلصْنَاهُ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦] ضُمنَ يُرْوَى بِهَا، وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَة (٢).

стр. 1055

وَمَن قَالَ: لَا ريبَ: لَا شَكَّ، فَهَذَا تَقْرِيب، وَإِلَّا فَالرَّيْبُ فِيهِ اضْطِرَاب وَحَرَكَة. [١٣/ ٣٤٢] ١٣٠٢ - قَوْله تَعَالى: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (٣٥)﴾ [المؤمنون: ٣٥] طَالَ الْفَصْلُ بَيْنَ (أَنَّ وَاسْمِهَا وَخَبَرِهَا)، فَأعَادَ (أَنَّ) لِتَقَعَ عَلَى الْخَبَرِ لِتَأكِيدِهِ بِهَا. وَنَظِيرُ هَذَا قَوْله تَعَالَى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ [التوبة: ٦٣]، لَمَّا طَالَ الْكَلَامُ أَعَادَ (أَنَّ)، هَذَا قَوْلُ الزَّجَّاجِ وَطَائِفَةٍ. وَأَحْسَنُ مِن هَذَا أَنْ يُقَالَ: كُل وَاحِدَةٍ مِن هَاتَيْنِ الْجُمْلَتَيْنِ جُمْلَة شَرْطِيَّة مُرَكَبَةٌ مِن جُمْلَتَيْنِ جَزَائِيّتَيْنِ، فَأُكِّدَتِ الْجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ "بِأنَّ" عَلَى حَد تَأكِيدِهَا.

стр. 1056

ثُمَّ أُكِّدَتِ الْجُمْلَةُ الْجَزَائِيَّةُ بـ"أَنَّ" إذ هِيَ الْمَقْصُودَةُ عَلَى حَدِّ تَأكِيدِهَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (١٧٠)﴾ [الأعراف: ١٧٠]. وَنَظِيره: ﴿أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٤)﴾ [الأنعام: ٥٤]، فَهُمَا تَأكِيدَانِ مَقْصُودَانِ لِمَعْنَيَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، أَلَا تَرَى تَأْكِيدَ قَوْلِهِ: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٤)﴾ [الأنعام: ٥٤] بـ "إنَّ" غَيْرَ تَأكِيد ﴿مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٤)﴾ لَهُ بـ "أنَّ". وَهَذَا ظَاهِرٌ لَا خَفَاءَ بِهِ، وَهُوَ كَثِير فِي الْقُرْآنِ وَكَلَامِ الْعَرَبِ. وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ [آل عمران: ١٤٧] فَهَذَا لَيْسَ مِن التَّكْرَارِ فِي شَيءٍ. وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ﴾ [الروم: ٤٩] (١) فَلَيْسَ مِن التَّكْرَارِ، بَل تَحْتَهُ مَعْنًى دَقِيق، وَالْمَعْنَى فِيهِ: وَإِن كَانُوا مِن قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِم الْوَدْقُ مِن قَبْلِ هَذَا النُّزُولِ لَمُبْلِسِينَ، فَهُنَا قَبْلِيتَانِ: قَبْلِيَّةٌ لِنُزُولهِ مُطْلَقا، وقَبْلِيَّةٌ لِذَلِكَ النُّزُولِ الْمُعَيَّنِ أَنْ لَا يَكُونُ مُتَقَدِّمًا عَلَى ذَلِكَ الْوَقْتِ، فَيَئِسُوا قَبْلَ نُزُوله يَاسَيْنَ: يَأسًا لِعَدَمِهِ مَرْئِيًّا، ويأسًا لِتَأخُّرِهِ عَن وَقْتِهِ؛ فَقَبْلَ الْأُولَى ظَرْفُ الْيَأسِ، وَقَبْلَ الثَّانِيَةِ ظَرْفُ الْمَجِيءِ وَالْإِنْزَالِ. [١٥/ ٢٧٦ - ٢٧٩] ١٣٠٣ - الْجَيْبُ هُوَ الطَّوْقُ الَّذِي فِي الْعُنُقِ، لَيْسَ هُوَ مَا يُسَمِّيهِ بَعْضُ الْعَامَّةِ جَيْبًا، وَهُوَ مَا يَكُونُ فِي مُقَدَّمِ الثَّوْبِ لِوَضْعِ الدَّرَاهِمِ وَنَحْوِهَا. [١٧/ ٢٦٢] ١٣٠٤ - الْأَلْفَاظُ الْعِبُرِيَّةُ تُقَارِبُ الْعَرَبِيَّةَ بَعْضَ الْمُقَارَبَةِ، كَمَا تتقَارَبُ الْأَسْمَاءُ فِي الِاشْتِقَاقِ الْأَكْبَرِ. وَقَد سَمِعْت أَلْفَاظَ التَّوْرَاةِ بِالْعِبْرِيَّةِ مِن مُسْلِمَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَوَجَدْت

стр. 1057

اللُّغَتَيْنِ مُتَقَارِبَتَيْنِ غَايَةَ التَّقَارُبِ، حَتَّى صِرْت أَفْهَمُ كَثِيرًا مِن كَلَامِهِم الْعِبْرِيِّ بِمُجَرَّدِ الْمَعْرِفَةِ بِالْعَرَبِيَّةِ. وَالْمَعَانِي الصَّحِيحَةُ: إمَّا مُقَارِبَةٌ لِمَعَانِي الْقُرْآنِ أَو مِثْلُهَا أَو بِعَيْنِهَا، وَإِن كَانَ فِي الْقُرْآنِ مِن الْأَلْفَاظِ وَالْمَعَانِي خَصَائِصُ عَظِيمَةٌ. [٤/ ١٠٩ - ١١٠] ١٣٠٥ - إِنَّمَا "الْأُمِّيُّ" هُوَ فِي الْأصْلِ مَنْسُوبٌ إلَى الْأمَّةِ الَّتِي هِيَ جِنْسُ الْأُمّيِّينَ، وَهُوَ مَن لَمْ يَتَمَيَّزْ عَن الْجِنْسِ بِالْعِلْمِ الْمُخْتَصِّ مِن قِرَاءَةٍ أَو كِتَابَة، كَمَا يُقَالُ: عَامِّيٌ لِمَن كَانَ مِن الْعَامَّةِ غَيْرَ مُتَمَيِّزٍ عَنْهُم بِمَا يَخْتَصُّ بِهِ غَيْرُهُم مِن عُلُومٍ، وَقَد قِيلَ: إنَّهُ نِسْبَةٌ إلَى الْأمِّ؛ أَيْ هُوَ الْبَاقِي عَلَى مَا عَوَّدَتْهُ أُمُّهُ مِن الْمَعْرِفَةِ وَالْعِلْمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. فَصَارَتْ هَذ الْأُمِّيَّةُ: أ- مِنْهَا مَا هُوَ محَرَّمٌ. ب- وَمِنْهَا مَا هُوَ مَكْرُوهٌ. ج- وَمِنْهَا مَا هُوَ نَقْصٌ وَتَرْكُ الْأفْضَلِ. فَمَن لَمْ يَقْرَأ الْفَاتِحَةَ أَو لَمْ يَقْرَأ شَيْئًا مِن الْقُرْآنِ تُسَمِّيهِ الْفُقَهَاءُ فِي بَابِ الصَّلَاةِ أُمِّيًّا. فَهَذِهِ الْأمِّيَّةُ مِنْهَا مَا هُوَ تَرْكُ وَاجِبٍ يُعَاقَبُ الرَّجُلُ عَلَيْهِ إذَا قَدَرَ عَلَى التَّعَلُّمِ فَتَرَكَهُ. وَمِنْهَا مَا هُوَ مَذْمُومٌ كَاَلَّذِي وَصَفَهُ اللهُ عَن أَهْلِ الْكِتَابِ حَيْثُ قَالَ: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٧٨)﴾ [البقرة: ٧٨]، فَهَذه صِفَة مَن لَا يَفْقَهُ كَلَامَ اللهِ وَيعْمَلُ بِهِ، وَإِنَّمَا يَقْتَصِرُ عَلَى مُجَرَّدِ تِلَاوَتهِ، كَمَا قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: نَزَلَ الْقُرْآنُ لِيُعْمَلَ بِهِ، فَاِتَّخَذُوا تِلَاوَتَهُ عَمَلًا، فَالْأمِّيُّ هُنَا قَد يَقْرَأُ حُرُوفَ الْقُرْآنِ أَو غَيْرَهَا وَلَا يَفْقَهُ، بَل يَتَكلَّمُ فِي الْعِلْمِ بِظَاهِرٍ مِن الْقَوْلِ ظَنًّا.

стр. 1058

وَمِنْهَا مَا هُوَ الْأَفْضَلُ الْأَكْمَلُ؛ كَاَلَّذِي لَا يَقْرَأُ مِن الْقُرْآنِ إلَّا بَعْضَه، وَلَا يَفْهَمُ مِنْهُ إلَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ، وَلَا يَفْهَمُ مِن الشَّرِيعَةِ إلَّا مِقْدَارَ الْوَاجِبِ عليه. وَإِن أَمْكَنَ أَنْ يُسْتَغْنَى عَنْهَا -أي: الْكِتَاب الَّذِي هُوَ الْخَطُّ وَالْحِسَابُ- بِالْكُلِّيَّةِ بِحَيْثُ يَنَالُ كَمَالَ الْعُلُومِ مِن غَيْرِهَا، وَينَالُ كَمَالَ التَّعْلِيمِ بِدُونهَا: كَانَ هَذَا أَفْضَلَ لَهُ وَأَكْمَلَ، وَهَذِهِ حَالُ نَبِيِّنَا ﷺ الَّذِي قَالَ اللّهُ فِيهِ: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧]؛ فَإِنَّ أُمِّيَّتَهُ لَمْ تَكُنْ مِن جِهَةِ فَقْدِ الْعِلْمِ وَالْقِرَاءَةِ عَن ظَهْرِ قَلْبٍ، فَإِنَّهُ إمَامُ الْأَئِمَّةِ فِي هَذَا، وَإِنَّمَا كَانَ مِن جِهَةِ أَنَّهُ لَا يَكْتُبُ وَلَا يَقْرَأُ مَكْتُوبًا، كَمَا قَالَ اللهُ فِيهِ: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ [العنكبوت: ٤٨]. [٢٥/ ١٦٧ - ١٧٢]

стр. 1059

مسائل اللغات (هَل فِي اللُّغَةِ أَسْمَاءٌ شَرْعِيَّةٌ نَقَلَهَا الشَّارِعُ عَن مُسَمَّاهَا فِي اللُّغَةِ ؟) ١٣٠٦ - بِسَبَبِ الْكَلَامِ فِي مَسْأَلَةِ الْإِيمَانِ: تَنَازَعَ النَّاسُ: هَل فِي اللُّغَةِ أَسْمَاءٌ شَرْعِيَّة نَقَلَهَا الشَّارعُ عَن مُسَمَّاهَا فِي اللُّغَةِ، أَو أَنَّهَا بَاقِيَةٌ فِي الشَّرْعِ عَلَى مَا كَانَت عَلَيْهِ فِي اللُّغَةِ، لَكِنَّ الشَّارعَ زَادَ فِي أَحْكَامِهَا لَا فِي مَعْنَى الْأَسْمَاءِ؟ وَهَكَذَا قَالُوا فِي اسْم الصَّلَاةِ، وَالزكَاةِ، وَالصِّيَامِ، وَالْحَجِّ إنَّهَا بَاقِيَةٌ فِي كَلَامِ الشَّارعِ عَلَى مَعْنَاهَا اللغَوِيِّ، لَكِنْ زَادَ فِي أَحْكَامِهَا. وَمَقْصُودُهُمْ: أَنَّ الْإِيمَانَ هُوَ مُجَرَّدُ التَّصْدِيقِ، وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ. وَذَهَبَتْ طَائِفَة ثَالِثَة إلَى أَنَّ الشَّارعَ تَصَرَّفَ فِيهَا تَصَرُّفَ أَهْلِ الْعُرْفِ، فَهِيَ بِالنِّسْبَةِ إلَى اللُّغَةِ مَجَازٌ، وَبِالنّسْبَةِ إلَى عُرْفِ الشَّارعِ حَقِيقَة. وَالتَّحْقِيقُ: أَنَّ الشَّارعَ لَمْ يَنْقُلْهَا وَلَمْ يُغَيِّرْهَا، وَلَكِن اسْتَعْمَلَهَا مُقَيَّدَةً لَا مُطْلَقَةً، كَمَا يَسْتَعْمِلُ نَظَائِرَهَا؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧]، فَذَكَرَ حَجًّا خَاصًّا، وَهُوَ حَجُّ الْبَيْتِ. فَلَمْ يَكُن لَفْظُ الْحَجِّ مُتَنَاوِلًا لِكُلِّ قَصْدٍ، بَل لِقَصْدٍ مَخْصُوصٍ دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ نَفْسُهُ، مِن غَيْرِ تَغْيِيرِ اللُّغَةِ.

стр. 1060

وَالشَّاعِرُ إذَا قَالَ: وَأشْهَدُ مِن عَوْفٍ حُلُولًا كَثِيرَةً … يَحُجُّونَ سِبَّ الزِّبْرِقَانِ الْمُزَعْفَرَا كَانَ مُتَكَلّمًا بِاللُّغَةِ، وَقَد قَيَّدَ لَفْظَهُ بِحَجِّ سبِّ الزِّبْرِقَانِ الْمُزَعْفَرَ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ ذَلِكَ الْحَجَّ الْمَخْصُوصَ دَلَّتْ عَلَيْهِ الْإِضَافَةُ. فَكَذَلِكَ الْحَجُّ الْمَخْصُوصُ الَّذِي أَمَرَ اللهُ بِهِ: دَلَّتْ عَلَيْهِ الْإِضَافَةُ، أَو التَعْرِيفُ بِاللَّامِ، فَإِذَا قِيلَ: الْحَخ فَرْضٌ عَلَيْك: كَانَت لَامُ الْعَهْدِ تُبَيّنُ أَنَّهُ حِجُّ الْبَيْتِ. وَكَذَلِكَ "الزَّكَاةُ": هِيَ اسْمٌ لِمَا تَزْكُو بِهِ النَّفْسُ، وَزَكَاةُ النَّفْسِ زِيَادَةُ خَيْرِهَا وَذَهَابُ شَرِّهَا، وَالْإِحْسَان إلَى النَّاسِ مِن أَعْظَمِ مَا تَزْكُو بِهِ النَّفْسُ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]، وَكَذَلِكَ تَرْكُ الْفَوَاحِشِ مِمَّا تَزْكُو بِهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾ [النور: ٢١]. وَأَصْلُ زَكَاتِهَا: بِالتَّوحِيدِ وَإِخْلَاصِ الدِّينِ للهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت: ٦، ٧] وَهِيَ عِنْدُ الْمُفَسِّرِينَ التَّوْحِيدُ. وَقَد بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ مِقْدَارَ الْوَاجِبِ وَسَمَّاهَا الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ، فَصَارَ لَفْظُ الزَّكَاةِ إذَا عُرِّفَ بِاللَّامِ يَنْصَرِفُ إلَيْهَا لِأَجْلِ الْعَهْدِ. وَمِن الأسْمَاءِ مَا يَكُونُ أَهْلُ الْعُرْفِ نَقَلُوهُ وَينْسُبونَ ذَلِكَ إلَى الشَّارعِ؛ مِثْل لَفْظِ "التَّيَمُّمِ"؛ فَإِنَّ اللّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦]، فَلَفْظُ التَيّمَّمِ اُسْتُعْمِلَ فِي مَعْنَاهُ الْمَعْرُوفِ فِي اللغَةِ، فَإِنَّهُ أَمَرَ بِتَيَمُّمِ الصَّعِيدِ (١)، ثُمَّ أَمَرَ بِمَسْحِ الْوُجُوهِ وَالْأَيْدِي مِنْهُ، فَصَارَ لَفْظُ

стр. 1061

التَّيَمَّمِ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ يَدْخُلُ فِيهِ هَذَا الْمَسْحُ، وَلَيْسَ هُوَ لُغَة الشَّارعِ (١). وَلَفْظُ "الْإِيمَانِ" أَمَرَ بِهِ مُقَيَّدًا بِالْإِيمَانِ بِاللّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ. وَكَذَلِكَ لَفْظُ "الْإِسْلَامِ" بِالِاسْتِسْلَامِ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. وَكَذَلِكَ لَفْظُ "الْكُفْرِ" مُقَيَّدًا. وَلَكِنْ لَفْظُ "النِّفَاقِ" قَد قِيلَ: إنَّهُ لَمْ تَكُن الْعَرَبُ تَكَلَّمَتْ بِهِ، لَكِنَّهُ مَأُخُوذٌ مِن كَلَامِهِمْ؛ فَإِنَّ نَفَقَ يُشْبِهُ خَرَجَ، وَمِنْهُ نَفَقَت الدَّابَّةُ إذَا مَاتَتْ، وَمِنْهُ نَافِقَاءُ الْيَرْبُوعِ، وَالنَّفَقُ فِي الْأَرْضِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٣٥]، فَالْمُنَافِقُ هُوَ الَّذِي خَرَجَ مِن الْإِيمَانِ بَاطِنًا، بَعْدَ دُخُولِهِ فِيهِ ظَاهِرًا. وَقَيَّدَ النِّفَاقَ بِأَنَّهُ نِفَاقٌ مِن الْإِيمَانِ. فَخِطَابُ اللّهِ وَرَسُولِهِ لِلنَّاسِ بِهَذِهِ الأسْمَاءِ كَخِطَابِ النَّاسِ بِغَيْرِهَا، وَهُوَ خِطَابٌ مُقَيَّد خَاصٌ مُطْلَقٌ يَحْتَمِلُ أَنْوَاعًا. وَقَد بَيَّنَ الرَّسُولُ تِلْكَ الْخَصَائِصَ، وَالِاسْمُ دَلَّ عَلَيْهَا، فَلَا يُقَالُ: إنَّهَا مَنْقُولَةٌ، وَلَا أنَّهُ زِيدَ فِي الْحُكْمِ دونَ الِاسْمِ، بَل الِاسْمُ إنَّمَا اُسْتُعْمِلَ عَلَى وَجْهٍ يَخْتَصُّ بِمُرَادِ الشَّارعِ، لَمْ يُسْتَعْمَلْ مُطْلَقًا، وَهُوَ إنَّمَا قَالَ: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [يونس: ٨٧] بَعْدَ أَنْ عَرَّفَهُم الصَّلَاةَ الْمَأمُورَ بِهَا، فَكَانَ التَّعْرِيفُ مُنْصَرِفًا إلَى

стр. 1062

الصَّلَاةِ الَّتي يَعْرِفُونَهَا، لَمْ يَرِدْ لَفْظُ الصَّلَاةِ وَهُم لَا يَعْرِفُونَ مَعْنَاهُ. [٧/ ٢٩٨ - ٣٠٠] * * * (الألفاظ دالة على المعاني بالوضع) ١٣٠٧ - ذهب الجمهور إلى أن الألفاظ دالة على المعاني بالوضع لا لذواتها. [المستدرك ٢/ ٢٨٧] * * * (فصل في الأسماء المتواطئة العامة، والمشتركة، والمجازية) ١٣٠٨ - زعم قوم من القدرية أن الاسمين إذا جريا على المسميين حقيقة كان كل ما استحقه أحدهما من الصفات استحقه الآخر. وهذا غلط. [المستدرك ٢/ ٢٨٧] * * * (معنى الوجه والوجهة) ١٣٠٩ - قَوْله تَعَالَى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ (٨٦) وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٨٧) وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٨)﴾ [القصص: ٨٦ - ٨٨] فَإِنَّ ذِكْرَهُ ذَلِكَ بَعْدَ نَهْيِهِ عَن الْإِشْرَاكِ، وَأَنْ يَدْعُوَ مَعَهُ إلَهًا آخَرَ، وَقَوْلِهِ: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾: يَقْتَضِي أَظْهَرَ الْوَجْهَيْنِ، وَهُوَ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ هَالِكٌ إلَّا مَا كَانَ لِوَجْهِهِ مِن الْأعْيَانِ وَالْأَعْمَالِ وَغَيْرِهِمَا. رُوِيَ عَن أَبِي الْعَالِيَةِ قَالَ: "إلَّا مَا أُرِيدَ بِهِ وَجْهُهُ"، وَعَن جَعْفَرٍ الصَّادِقِ: "إلَّا دِينَهُ"، وَمَعْنَاهُمَا واحِدٌ. وَذَلِكَ أَنَّ لَفْظَ "الْوَجْهِ" يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ فِي الْأَصْلِ مِثْل الْجِهَةِ؛ كَالْوَعْدِ وَالْعِدَةِ، وَالْوَزْنِ وَالزِّنَةِ، وَالْوَصْلِ وَالصّلَةِ، وَالْوَسْمِ وَالسِّمَةِ، لَكِنْ فِعْلُهُ حُذِفَتْ

стр. 1063

فَاؤُهَا وَهِيَ أَخَصُّ مِن الْفِعْلِ كَالْأَكْلِ وَالْأكْلَةِ، فَيَكُونُ مَصْدَرًا بِمَعْنَى التَّوَجُّهِ وَالْقَصْدِ؛ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ ذَنْبًا لَسْت مُحْصِيهِ … رَبّ الْعِبَادِ إلَيْهِ الْوَجْهُ وَالْعَمَلُ ثُمَّ إنَّهُ يُسَمَّى بِهِ الْمَفْعُولُ، وَهُوَ الْمَقْصُود الْمُتَوَجَّهُ إلَيْهِ، كَمَا فِي اسْمِ الْخَلْقِ (١)، وَدِرْهَمِ ضَرْبِ الْأَمِيرِ (٢)، وَنَظَائِرِهِ. ويُسَمَّى بِهِ الْفَاعِلُ الْمُتَوَجَّهُ؛ كَوَجْهِ الْحَيَوَانِ، يُقَالُ: أَرَدْت هَذَا الْوَجْهَ؛ أَيْ: هَذِهِ الْجِهَةِ وَالنَّاحِيَةِ. وَمِنْهُ قَوْلُهُ: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]؛ أَيْ: قِبْلَةُ اللّهِ وَوُجْهَةُ اللهِ، هَكَذَا قَالَ جُمْهُورُ السَّلَفِ، وَإِن عَدَّهَا بَعْضُهُم فِي الصِّفَاتِ (٣)، وَقَد يَدُلُّ عَلَى الصِّفَةِ بِوَجْهٍ فِيهِ نَظَرٌ؛ وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿فَأَيْنَمَا﴾

стр. 1064

تُوَلُّواْ﴾؛ أَيْ: تتوَلَّوْا؛ أَيْ: تتوَجَّهُوا وَتَسْتَقْبِلوا، يَتَعَدَّى إلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ، بِمَعْنَى يَتَوَلَّاهَا. وَأَمَّا لَفْظُ "وجهة" مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ [البقرة: ١٤٨]؛ فَقَد يُظَنُّ أَيْضًا أَنَّهُ مَصْدَرٌ كَالْوَجْهِ؛ كالوعدة مَعَ الْوَعْدِ، وَأَنَّهَا تُرِكَتْ صَحِيحَةً فَلَمْ تُحْذَفْ فَاؤُهَا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ. لِأَنَّهُ لَو كَانَ مَصْدَرًا لَخذِفَتْ وَاوُة وَهُوَ الْجِهَةُ، وَكَانَ يُقَالُ: وَلِكُلٍّ جِهَةٌ أَو وَجْةٌ، وَإِنَّمَا الْفِعْلَةُ هُنَا بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ؛ كَالْقِبْلَةِ، وَالْبِدْعَةِ، وَالذِّبْحَةِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَالْقِبْلَةُ: مَا اُسْتُقْبِلَ، والوجهة: مَا تُوُجِّهَ إلَيْهِ، وَالْبِدْعَةُ: مَا اُبْتُدِع، وَالذِّبْحَةُ: مَا ذُبِحَ؛ وَلهَذَا صَحَّ وَلَمْ تُحْذَفْ فَاؤُهُ؛ لِأَنَّ الْحَذْفَ إنَّمَا هُوَ مِن الْمَصْدَرِ، لَا مِن بَقِيَّةِ الْأَسْمَاءِ كَالصِّفَاتِ وَمَا يُشْبِهُهَا، مِثْلُ أَسْمَاءِ الْأمْكِنَةِ وَالْأَزْمِنَةِ وَالْآلَاتِ وَالْمَفَاعِيلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَأَمَّا قَوْلُ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ: إنَّ الْوَجْهَ مُشْتَقٌّ مِن الْمُوَاجَهَةِ (١): فَلَا دَلِيلَ عَلَيْهِ. وَمِن هَذَا الْبَابِ: أ- قَوْله تَعَالَى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [البقرة: ١١٢]. ب- وَقَوْلُ الْخَلِيلِ وَنَبِيِّنَا وَالْمُومِنِينَ فِي الصَّلَاةِ: ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩)﴾ [الأنعام: ٧٩]. ج- وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠].

стр. 1065

فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَلْفَاظِ: أَسْلَمَ وَجْهَهُ، وَوَجَّهَ وَجْهَهُ، وَأَقَامَ وَجْهَهُ. قَالَ قُدَمَاءُ الْمُفَسِّرِينَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أَسْلَمَ وَجْهَهُ﴾ [البقرة: ١١٢]؛ أَيْ: أَخْلَصَ فِي دِينِهِ وَعَمَلِهِ للهِ (١). وَقَالَ بَعْضُهُم: فَوَّضَ أَمْرَهُ إلَى اللّهِ. وَقَد قِيلَ: خَضَعَ وَتَوَاضَعَ للّهِ. وَهَذَا الثالِثُ: يَلِيقُ بِالْإِسْلَام اللَّازِمِ؛ فَإِنَّ وَجْهَهُ هُوَ قَصْدُهُ وَتَوَجُّهُهُ الَّذِي هُوَ أَصْلُ عَمَلِهِ، وَهُوَ عَمَلُ قَلْبِهِ الَّذِي هُوَ مِلْكُ بَدَنِهِ، فَإِذَا تَوَجَّهَ قَلْبُهُ تَبِعَهُ أَيْضًا تَوَجُّهُ وَجْهِه .. فَيَكُونُ قَد أسْلَمَ عَمَلَهُ الْبَاطِنَ وَالظَّاهِرَ، وَأَعْضَاءَهُ الْبَاطِنَةَ وَالظَّاهِرَةَ للّهِ؛ أَيْ: سَلَّمَهُ لَهُ وَأَخْلَصَهُ للّهِ؛ كَمَا فِي الْإِسْلَامِ اللَّازِمِ وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٣١)﴾ [البقرة: ١٣١]، وَقَوْلُهُ عَن إبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨]؛ أَيْ: مُنْقَادَةً مُخْلِصَةً. وَكَذَلِكَ تَوْجِيهُ الْوَجْهِ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ: تَوْجِيه قَصْدِهِ وَإِرَادَتِهِ وَعِبَادَتِهِ، وَذَلِكَ يَسْتَتْبعُ الْوَجْهَ وَغَيْرَهُ، وَإِلَّا فَمُجَرَّدُ تَوْجِيهِ الْعُضْوِ مِن غَيْرِ عَمَلِ الْقَلْبِ لَا يُفِيدُ شَيْئًا. وَعَلَى هَذَا: فَإِقَامَةُ الْوَجْهِ: اسْتِقْبَالُ الْكَعْبَةِ، وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ؛ فَإِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ (٢) مَكِّيَّةٌ، وَالْكَعْبَةُ إنَّمَا فُرِضَتْ فِي الْمَدِينَةِ، إلَّا أَنْ يُرَادَ بِإِقَامَةِ الْوَجْهِ الِاستِقْبَالُ الْمَأمُورُ بِهِ. وَإِنَّمَا وَقَعَ النِّزَاعُ هُنَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾

стр. 1066

[الأعراف: ٢٩]، بِخِلَافِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ [الروم: ٣٠]. فَقَوْلُهُ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]؛ أَيْ: دِينَهُ وَإِرَادَتَهُ وَعِبَادَتَهُ، وَالْمَصْدَرُ يُضَافُ إلَى الْفَاعِلِ تَارَةً، وَإِلَى الْمَفْعُولِ أُخْرَى، وَهُوَ قَوْلُهُم: مَا أُرِيدَ بِهِ وَجْههُ. وَفِي هَذَا قَوْل آخَرُ يَقُولُهُ كَثِيرٌ مِن أَهْلِ الْعِلْمِ: أنَّ الْوَجْهَ فِي مِثْل قَوْلِهِ: ﴿أَسْلَمَ وَجْهَهُ﴾ [البقرة: ١١٢]، و ﴿أَقِمْ وَجْهَكَ﴾ [يونس: ١٠٥]، و ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ﴾ [الأنعام: ٧٩]: هُوَ الْوَجْهُ الظَّاهِرُ، كَمَا أَنَّهُ كَذَلِكَ بِالِاتِّفَاقِ فِي قَوْلِهِ: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٤٤] وَفِي قَوْلِهِ: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٥٠]. قَالُوا: لَكِنَّ الْوَجْهَ إذَا وُجِّهَ: تَبِعَهُ سَائِرُ الْإِنْسَانِ، وَإِذَا أُسْلِمَ: فَقَد أُسْلِمَ سَائِرُ الْإِنْسَانِ، وَإِذَا أُقِيمَ فَقَد أُقِيمَ سَائِرُهُ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُتَوَجِّهُ أَوَّلًا مِن الْأعْضَاء الظَّاهِرَةِ لِلْقَاصِدِ الطَّالِبِ. لَكِنْ هَل هَذَا مِن بَابِ الْحَقِيقَةِ الْعُرْفِيَّةِ الَّتِي تَقْلِبُ الِاسْمَ مِن الْخُصُوصِ إلَى الْعُمُومِ، أَو الْحَقِيقَةُ اللُّغَوِيَّةُ بَاقِيَةٌ وَهُوَ مِن بَابِ الدَّلَالَةِ اللُّزُومِيَّةِ؟ (١) فِيهِ قَوْلَانِ.

стр. 1067

وَكَذَلِكَ فِي سَائِرِ الْأَعْضَاءِ، حَتَّى لَو قَالَ لِعَبْدِهِ: يَدُك أَو رِجْلُك حُرٌّ، فَمَن قَالَ: إنَّ اللَّفْظَ عِبَارَة عَن الْجَمِيعِ، أَوْقَعَ الْعِتْقَ. وَمَن قَالَ: إنَّ الِاسْمَ لِلْعُضْوِ فَقَطْ لَمْ يَسْرِ الْعِتْقُ عِنْدَة إلَى سَائِرِ الْجُمْلَةِ؛ لِعَدَمِ تَبْعِيضِهِ. وَإِلَى هَذَا الْأَصْلِ يَعُودُ مَعْنَى قَوْلِ مَن قَالَ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]، كَمَا قَد قِيلَ فِي قَوْلِهِ: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ [الرحمن: ٢٦، ٢٧]؛ فَإِنَّ بَقَاءَ وَجْهِهِ: هُوَ بَقَاءُ ذَاتِهِ. [٢/ ٤٢٧ - ٤٣٤] * * * (تأتي في بمعنى على) ١٣١٠ - قَالَ سُبْحَانَة: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]، وَقَالَ: ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٣٧] بِمَعْنَى (عَلَى)، وَهُوَ كَلَامٌ عَرَبِيٌّ حَقِيقَةً لَا

стр. 1068

مَجَازًا، وَهَذَا يَعْلَمُهُ مَن عَرَفَ حَقَائِقَ مَعَانِي الْحُرُوفِ، وَأَنَّهَا مُتَوَاطِئَة فِي الْغَالِبِ لَا مُشْتَرَكَةٌ. [٥/ ١٠٦] * * * (لَفْظُ الْحَرْفِ وَالْكَلِمَةِ والفعل له فِي لُغَةِ الْعَرَب مَعْنًى، وَلَهُ فِي اصْطِلَاحِ النُّحَاةِ مَعْنًى) ١٣١١ - لَفْظُ الْحَرْفِ وَالْكَلِمَةِ لَهُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ الَّتِي كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَكَلَّمُ بِهَا مَعْنًى، وَلَهُ فِي اصْطِلَاحِ النُّحَاةِ مَعْنًى. فَالْكَلِمَةُ فِي لُغَتِهِمْ: هِيَ الْجُمْلَةُ التَّامَّةُ، الْجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ أو الْفِعْلِيَّةُ. وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا (٥)﴾ [الكهف: ٥]. وَلَا يُوجَدُ قَطُّ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَكَلَامِ الْعَرَبِ لَفْظُ الْكَلِمَةِ إلا وَالْمُرَادُ بِهِ الْجُمْلَةُ التَّامَّةُ. فَكَثِيرٌ مِن النُّحَاةِ أَو أَكْثَرُهُم لَا يَعْرِفُونَ ذَلِكَ، بَل يَظُنُّونَ أَنَّ اصْطِلَاحَهُم فِي مُسَمَّى الْكَلِمَةِ يَنْقَسِمُ إلَى اسْمٍ وَفِعْل وَحَرْفٍ هُوَ لُغَةُ الْعَرَبِ. وَالْفَاضِلُ مِنْهُم يَقُولُ (١): وَكِلْمَة بِهَا كَلَامٌ قَد يُؤَمُّ (٢). ويقُولُونَ: الْعَرَبُ قَد تَسْتَعْمِل الْكَلِمَةَ فِي الْجُمْلَةِ التَّامَّةِ وَتَسْتَعْمِلُهَا فِي الْمُفْرَدِ، وَهَذَا غَلَطٌ، لَا يُوجَدُ قَطُّ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ لَفْظ الْكَلِمَةِ إلَّا لِلْجُمْلَةِ التَّامَّةِ.

стр. 1069

وَنَظِيرُ هَذَا لَفْظُ "الْقَضَاء" فَإِنَّهُ فِي كَلَامِ اللهِ وَكَلَامِ الرَّسُولِ الْمُرَادُ بِهِ إتْمَامُ الْعِبَادَةِ، وَإِن كَانَ ذَلِكَ فِي وَقْتِهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠] وَقَوْلِهِ: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٠٠]. ثُمَّ اصْطَلَحَ طَائِفَةٌ مِن الْفُقَهَاءِ فَجَعَلُوا لَفْظَ "الْقَضَاءِ" مُخْتَصًّا بِفِعْلِهَا فِي غَيْرِ وَقْتِهَا، وَلَفْظَ "الْأَدَاءِ" مُخْتَصًّا بِمَا يُفْعَلُ فِي الْوَقْتِ، وَهَذَا التَّفْرِيقُ لَا يُعْرَفُ قَطُّ فِي كَلَامِ الرَّسُولِ (١)، ثُمَّ يَقُولُونَ: قَد يُسْتَعْمَلُ لَفْظُ الْقَضَاءِ فِي الْأَدَاءِ، فَيَجْعَلُونَ اللُّغَةَ الَّتِي نَزَلَ الْقُرْآنُ بِهَا مِن النَّادِرِ! وَلهَذَا يَتَنَازَعُونَ فِي مُرَادِ النَّبِيِّ ﷺ : "فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا" (٢) وَفِي لَفْظٍ: "فَأَتِمُّوا" (٣) فَيَظُنُونَ أَنَّ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ خِلَافًا وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، بَل قَوْلُهُ: "فَاقْضُوا" كَقَوْلِهِ: "فَأَتِمُّوا" لَمْ يُرِدْ بِأَحَدِهِمَا الْفِعْلَ بَعْدَ الْوَقْتِ. ومِن أَعْظَمِ أَسْبَابِ الْغَلَطِ فِي فَهْمِ كَلَامٍ اللهِ وَرَسُولِهِ: أَنْ يَنْشَأَ الرَّجُلُ عَلَى اصْطِلَاحٍ حَادِثٍ، فَيُرِيدُ أَنْ يُفَسِّرَ كَلَامَ اللّهِ بِذلِكَ الِاصْطِلَاحِ، وَيَحْمِلَهُ عَلَى تِلْكَ اللُّغَةِ الَّتِي اعْتَادَهَا. [١٢/ ١٠٣ - ١٠٧]

стр. 1070

١٣١٢ - لَفْظُ "الْكَلَامِ" و"الْكَلِمَةِ" فِي لُغَةِ الْعَرَبِ، بَل وَفِي لُغَةِ غَيْرِهِمْ لَا تُسْتَعْمَلُ إلَّا فِي الْمُقَيَّدِ، وَهُوَ الْجُمْلَةُ التَّامَّةُ، اسْمِيَّةً كَانَت أَو فِعْلِيَّةً أَو نِدَائِيَّةً إنْ قِيلَ إنَّهَا قِسْمٌ ثَالِثٌ. فَأَمَّا مُجَرَّدُ الِاسْمِ أَو الْفِعْلِ أَو الْحَرْفِ الَّذِي جَاءَ لِمَعْنَى لَيْسَ بِاسْم وَلَا فِعْلٍ: فَهَذَا لَا يُسَمَّى فِي كَلَامِ الْعَرَب قَطُّ كَلِمَةً، وَإِنَّمَا تَسْمِيَةُ هَذَا كَلِمَةً اصْطِلَاحٌ نَحْوِيٌّ، كَمَا سَمَّوْا بَعْضَ الأَلْفَاظِ فِعْلًا، وَقَسَّمُوهُ إلَى فِعْلٍ مَاضٍ وَمُضَارعٍ وَأَمْرٍ، وَالْعَرَبُ لَمْ تُسَمِّ قَطُّ اللَّفْظَ فِعْلًا، بَل النُّحَاةُ اصْطَلَحُوا عَلَى هَذَا فَسَمَّوْا اللَّفْظَ بِاسْمِ مَدْلُولِهِ، فَاللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى حُدُوثِ فِعْلٍ فِي زَمَنٍ مَاضٍ سَمَّوْهُ فِعْلًا مَاضِيًا، وَكَذَلِكَ سَائِرُهَا. وَكَذَلِكَ حَيثُ وُجِدَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بَل وَفِي كَلَامِ الْعَرَبِ نَظْمِهِ وَنَثْرِهِ لَفْظُ كَلِمَةٍ؛ فَإِنَّمَا يُرَادُ بِهِ الْمُفِيدُ الَّتِي تُسَمّيهَا النُّحَاةُ جُمْلَةً تَامَّةً كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (٤) مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا (٥)﴾ [الكهف: ٤، ٥]. [٧/ ١٠١] * * * (الرد على من قسم الكلام إلى حقيقة ومجاز) مَعْلُومٌ أَنَّ أَوَّلَ مَن عُرِفَ أَنَّهُ جَرَّدَ الْكَلَامَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ هُوَ الشَّافِعِيُّ، وَهُوَ لَمْ يُقَسِّم الْكَلَامَ إلَى حَقِيقَةٍ وَمَجَازٍ، بَل لَا يُعْرَفُ فِي كَلَامِهِ -مَعَ كَثْرَةِ استِدْلَالِهِ وَتَوَسُّعِهِ وَمَعْرِفَتِهِ الْأَدِلَّةَ الشَّرْعِيَّةَ- أَنَّهُ سَمَّى شَيْئًا مِنْهُ مَجَازًا، وَلَا ذَكَرَ فِي شَيءٍ مِن كُتُبِهِ ذَلِكَ، لَا فِي الرِّسَالَةِ وَلَا فِي غَيْرِهَا. وَحِينَئِذٍ فَمَن اعْتَقَدَ أَنَّ الْمُجْتَهِدِينَ الْمَشْهُورِينَ وَغَيْرَهُم مِن أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ وَعُلَمَاءِ السَّلَفِ قَسَّمُوا الْكَلَامَ إلَى حَقِيقَةٍ وَمَجَازٍ كَمَا فَعَلَهُ طَائِفَة مِن الْمُتَأَخِّرِينَ: كَانَ ذَلِكَ مِن جَهْلِهِ وَقِلَّةِ مَعْرِفَتِهِ بِكَلَامِ أَئِمَّةِ الذينِ وَسَلَفِ الْمُسْلِمِينَ، كَمَا قَد يَظُنُّ طَائِفَة أُخْرَى أَنَّ هَذَا مِمَّا أُخِذَ مِن الْكَلَامِ الْعَرَبِيِّ تَوْقِيفًا، وَأَنَّهُم قَالُوا: هَذَا

стр. 1071

حَقِيقَةٌ وَهَذَا مَجَازٌ، كَمَا ظَنَّ ذَلِكَ طَائِفَة مِن الْمُتَكلِّمِينَ فِى أُصُولِ الْفِقْهِ وَكَانَ هَذَا مِن جَهْلِهِمْ بِكلَامِ الْعَرَبِ. ولَا ريبَ أَنَّ أَكْثَرَ هَؤُلَاءِ قَسَّمُوا هَذَا التَّقْسِيمَ، لَكِنْ لَيْسَ فِيهِمْ إمَامٌ فِي فَنٍّ مِن فُنُونِ الْإِسْلَامِ، لَا التَّفْسِيرِ، وَلَا الْحَدِيثِ، وَلَا الْفِقْهِ، وَلَا اللُّغَةِ، وَلَا النَّحْوِ، بَل أَئِمَّةُ النُّحَاةِ أَهْلُ اللُّغَةِ كَالْخَلِيلِ وَسِيبَوَيْهِ وَالْكِسَائِيّ وَالْفَرَّاءِ وَأَمْثَالِهِمْ وَأَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ وَأَبِي زيدٍ الْأنْصَارِيّ وَالْأَصْمَعِيِّ وَأَبِي عَمْرٍو الشيباني وَغَيْرِهِمْ: لَمْ يُقَسِّمُوا تَقْسِيمَ هَؤُلَاءِ. قَالَ الآمدي: حُجَّةُ الْمُثْبِتِينَ أَنَّهُ قَد ثَبَتَ إطْلَاقُ أَهْلِ اللُّغَةِ اسْمَ الْأَسَدِ عَلَى الْأِنْسَانِ الشُّجَاعِ، وَالْحِمَارِ عَلَى الْإِنْسَانِ الْبَلِيدِ، وَقَوْلُهُم: ظَهْرُ الطَّرِيقُ وَمَتْنُهَا، وَفُلَانٌ عَلَى جَنَاحِ السَّفَرِ، وَشَابَتْ لمَّةُ اللَّيْلِ، وَقَامَت الْحَرْبُ عَلَى سَاقٍ، وَكَبِدُ السَّمَاءِ وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَإِطْلَاقُ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ لُغَة مِمَّا لَا يُنْكَرُ إلَّا عَن عِنَادٍ. وَعِنْدَ ذَلِكَ فَإِمَّا أَنْ يُقَالَ: هَذِهِ الْأَسْمَاءُ حَقِيقَة فِي هَذِهِ الصُّورَةِ أَو مَجَازِيَّةٌ؛ لِاسْتِحَالَةِ خُلُوِّ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ اللُّغَوِيَّةِ عَنْهَا مَا سِوَى الْوَضْعِ الْأَوَّلِ. وَالْجَوَابُ عَن هَذِهِ الْحُجَّةِ أَنْ يُقَالَ: مَا ذَكَرْتَه مِن الِاسْتِعْمَالِ غَيْرُ مَمْنُوعٍ، لَكِنْ قَوْلُك: إنَّ هَذِهِ الْأَسْمَاءَ إمَّا أَنْ تَكُونَ حَقِيقِيَّةً أَو مَجَازِيَّةً: إنَّمَا يَصِحُّ إذَا ثَبَتَ انْقِسَامُ الْكَلَامِ إلَى الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ. ومِن النَّاسِ مَن يَقُولُ: مَا مِن لَفْظٍ عَلَى مَعْنَيَيْنِ فِي اللُّغَةِ الْوَاحِدَةِ إلَّا وَبَيْنَهُمَا قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ، بَل وَيلْتَزِمُ ذَلِكَ فِي الْحُرُوفِ، فَيَجْعَلُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَعَانِي مُنَاسَبَةً تَكُونُ بَاعِثَةً لِلْمُتَكَلّمِ عَلَى تَخْصِيصِ ذَلِكَ الْمَعْنَى بِذَلِكَ اللَّفْظِ. وقد تَكلَّمُوا؛ [أي: العرب] بِأَفْعَالٍ لَا مَصَادِرَ لَهَا مِثْل "بُدٍّ" وبِمَصَادِرَ لَا أَفْعَالَ لَهَا مِثْل "وَيْحٍ" و"ويْلٍ". وَقَد يَغْلِبُ عَلَيْهِم اسْتِعْمَالُ فِعْلٍ وَمَصْدَرِ فِعْلٍ آخَرَ كَمَا فِي الْحُبِّ؛ فَإِنَّ

стр. 1072

فِعْلَهُ الْمَشْهُورَ هُوَ الرُّبَاعِي يُقَالُ: أَحَبَّ يُحِبُّ، وَمَصْدَرُهُ الْمَشْهُورُ هُوَ الْحُبُّ دُونَ الْإِحْبَابِ، وَفَى اسْمِ الْفَاعِلِ قَالُوا: مُحِبٌّ وَلَمْ يَقُولُوا: حَابٍّ، وَفِي الْمَفْعُولِ قَالُوا: مَحْبُوبٌ وَلَمْ يَقُولُوا: مُحَبٌّ، إلَّا فِي الْفَاعِلِ، وَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ يُقَالَ: أَحَبَّهُ إحْبَابًا كَمَا يُقَالُ: أَعْلَمَهُ إعْلَامًا. وَهَذَا أَيْضًا لَهُ أَسْبَابٌ يَعْرِفُهَا النُّحَاةُ وَأَهْلُ التَّصْرِيفِ: إمَّا كَثْرَةُ الِاسْتِعْمَالِ، وَإِمَّا نَقْلُ بَعْضِ الْأَلْفَاظِ، وَإِمَّا غَيْرُ ذَلِكَ كَمَا يَعْرِفُ ذَلِكَ أَهْلُ النَّحْوِ وَالتَّصْرِيفِ؛ إذ كَانَت أَقْوَى الْحَرَكَاتِ هِيَ الضَّمَّةَ؛ وَأَخَفُّهَا الْفَتْحَةَ؛ وَالْكَسْرَةُ مُتَوَسِّطَةٌ بَيْنَهُمَا (١)؛ فَجَاءَت اللُّغَةُ عَلَى ذَلِكَ مِن الْأَلْفَاظِ الْمُعْرَبَةِ وَالْمَبْنِيَّةِ: أ- فَمَا كَانَ مِن الْمُعْرَبَاتِ عُمْدَةٌ فِي الْكَلَامِ لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ: كَانَ لَه الْمَرْفُوعُ؛ كَالْمُبْتَدَأِ وَالْخَبَرِ وَالْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ الْقَائِمِ مَقَامَهُ. ب- وَمَا كَانَ فَضْلَةً: كَانَ لَهُ النَّصْبُ؛ كَالْمَفْعُولِ وَالْحَالِ وَالتَّمْيِيز. ج- وَمَا كَانَ مُتَوَسّطًا بَيْنَهُمَا لِكَوْنِهِ يُضَافُ إلَيْهِ الْعُمْدَةُ تَارَةً وَالْفَضْلَةُ تَارَةً: كَانَ لَهُ الْجَرُّ وَهُوَ الْمُضَافُ إلَيْهِ. وَكَذَلِكَ فِي الْمَبْنِيَّاتِ؛ مِثْل مَا يَقُولُونَ فِي "أَيْنَ وَكَيْفَ": بُنِيَتْ عَلَى الْفَتْحِ طَلَبُا لِلتَّخْفِيفِ لِأَجْلِ الْيَاءِ. وَكَذَلِكَ فِي حَرَكَاتِ الْأَلْفَاظِ الْمَبْنِيَّةِ الْأَقْوَى لَهُ الضَّمُّ، وَمَا دُونَهُ لَهُ الْفَتْحُ، فَيَقُولُونَ: كَرِهَ الشَّيءَ، وَالْكرَاهِيَةُ يَقُولُونَ فِيهَا: كَرْهًا بِالْفَتْحِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [آل عمران: ٨٣]؛ وَقَالَ: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ [فصلت: ١١]. وَكَذَلِكَ الْكَسْرُ مَعَ الْفَتْحِ فَيَقُولُونَ فِي الشَّيْءِ الْمَذْبُوحِ وَالْمَنْهُوبِ: ذِبْحٌ ونِهب بِالْكَسْرِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧)﴾ [الصافات: ١٠٧]،

стр. 1073

وَكَمَا فِي الْحَدِيثِ: "أُتِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بنِهْب إبِلٍ" (١) وفِي الْمَثَلِ السَّائِرِ: "أَسْمَعُ جَعْجَعَةً وَلَا أَرَى طِحْنًا" بِالْكَسْرِ؛ أيْ: وَلَا أَرَى طَحِينًا. وَمَن قَالَ بِالْفَتْحِ أَرَادَ الْفِعْلَ، كَمَا أنَّ الذَّبْحَ وَالنَّهْبَ هُوَ الْفِعْلُ، وَمِن النَّاسِ مَن يُغَلِّطُ هَذَا الْقَائِلَ. وَهَذِهِ الْأمُورُ وَأَمْثَالُهَا هِيَ مَعْرُوفَة مِن لُغَةِ الْعَرَبِ لِمَن عَرَفَهَا، مَعْرُوفَةٌ بِالِاسْتِقْرَاءِ وَالتجْرِبَةِ تَارَةً، وَبِالْقِيَاسِ أُخْرَى، كَمَا تَفْعَلُ الْأَطِبَّاءُ فِي طَبَائِعِ الْأَجْسَامِ. وَالْمَقْصُودُ هُنَا: أنَّه إذَا كَانَ مِن الْأسْمَاءِ الْمُخْتَلِفَةِ الْأَلْفَاظِ مَا يَكُونُ مَعْنَاهُ وَاحِدًا كَالْجُلُوسِ وَالْقُعُودِ -وَهِيَ الْمُتَرَادِفَةُ-. وَمِنْهَا: مَا تَتَبَايَنُ مَعَانِيهَا كَلَفْظِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ. وَمِنْهَا: مَا يَتَّفِقُ مِن وَجْهٍ وَيَخْتَلِفُ مِن وَجْهٍ كَلَفْظِ الصَّارِمِ وَالْمُهَنَّدِ، وَهَذَا قِسْمٌ ثَالِثٌ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ مَعْنَى هَذَا مُبَايِنًا لِمَعْنَى ذَاكَ كَمُبَايَنَةِ السَّمَاءِ لِلْأَرْض، وَلَا هُوَ مُمَاثِلًا لَهَا كَمُمَاثَلَةِ لَفْظِ الْجلوسِ لِلْقُعُودِ، فَكَذَلِكَ الْأَسْمَاءُ الْمُتَّفِقَةُ اللًّفْظِ قَد يَكُونُ مَعْنَاهَا مُتَّفِقًا وَهِيَ الْمُتَوَاطِئَةُ، وَقَد يَكُونُ مَعْنَاهَا مُتَبَايِنًا وَهِيَ الْمُشْتَرِكَةُ اشْتِرَاكًا لَفْظِيًّا؛ كَلَفْظِ سُهَيْلٍ الْمَقُولِ عَلَى الْكَوْكَبِ، وَعَلَى الرَّجُلِ. وَقَد يَكُونُ مَعْنَاهَا مُتَّفِقًا مِن وَجْهٍ مُخْتَلِفًا مَن وَجْهٍ، فَهَذَا قِسْمٌ ثَالِثٌ، لَيْسَ هُوَ كَالْمُشْتَرَكِ اشْتِرَاكًا لَفْظِيًّا، وَلَا هُوَ كَالْمُتَّفِقَةِ الْمُتَوَاطِئَةِ، فَيَكُونُ بَيْنَهَا اتِّفَاقٌ هُوَ اشْتِرَاكٌ مَعْنَوِيٌّ؛ مِن وَجْهٍ، وَافْتِرَاقٌ هُوَ اخْتِلَافٌ مَعْنَوِيٌّ مِن وَجْهٍ، وَلَكِنَّ هَذَا لَا يَكُونُ إلَّا إذَا خُصَّ كُلُّ لَفْظٍ بِمَا يَدُلُّ عَلَى الْمَعْنَى الْمُخْتَصّ. وَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ كَثِيرَةٌ فِي الْكَلَامِ الْمُؤَلَّفِ، أَو هِيَ أَكْثَرُ الْأَلْفَاظِ الْمَوْجُودَةِ فِي الْكَلَامِ الْمُؤَلَّفِ الَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ كُلُّ مُتَكَلِّمٍ؛ فَإِنَّ الْألْفَاظَ الَّتِي يُقَالُ: إنَّهَا

стр. 1074

مُتَوَاطِئَة كَأَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ؛ مِثْل لَفْظِ الرَّسُولِ وَالْوَالِي وَالْقَاضِي وَالرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ وَالْإِمَامِ وَالْبَيْتِ وَنَحْوِ ذَلِكَ: قَد يُرَادُ بِهَا الْمَعْنَى الْعَامُّ، وَقَد يُرَادُ بِهَا مَا هُوَ أَخَصُّ مِنْهُ مِمَّا يَقْتَرِنُ بِهَا تَعْرِيفُ الْإِضَافَةِ أَو اللَّام؛ كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾. وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣]؛ فَلَفْظُ الرَّسُولِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ لَفْظٌ وَاحِذ مَقْرُونٌ بِاللَّامِ، لَكِنْ يَنْصَرِفُ فِي كُلِّ مَوْضِعِ إلَى الْمَعْرُوفِ عِنْدَ الْمُخَاطَبِ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، فَلَمَّا قَالَ هُنَا: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٥، ١٦] كَانَ اللَّامُ لِتَعْرِيفِ رَسُولِ فِرْعَوْنَ، وَهُوَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ ﵇. وَلَمَّا قَالَ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣]، كَانَ اللَّامُ لِتَعْرِيفِ الرَّسُولِ الْمَعْرُوفِ عِنْدَ الْمُخَاطَبِينَ بِالْقُرْآنِ الْمَأمُورِينَ بِأَمْرِهِ الْمُنْتَهِينَ بِنَهْيِهِ، وَهُم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ . وَمَعْلُومٌ أَنَ مِثْل هَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: هُوَ مَجَازٌ فِي أَحَدِهِمَا بِاتِّفَاقِ النَّاسِ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: هُوَ مُشْتَرَكٌ اشْتِرَاكًا لَفْظِيًّا مَحْضًا؛ كَلَفْظِ الْمُشْتَرِي لِلْمُبْتَاعِ وَالْكَوْكَبِ، وَسُهَيْلٍ لِلْكَوْكَبِ وَالرَّجُلِ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: هُوَ مُتَوَاطِئٌ دَلَّ فِي الْمَوْضِعَيْنِ عَلَى الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ فَقَطْ، فَإِنَّهُ قَد عُلِمَ أَنَّهُ فِي أَحَدِ الْمَوْضِعَيْنِ هُوَ مُحَمَّدٌ، وَفِي الْآخَرِ مُوسَى، مَعَ أَنَّ لَفْظَ الرَّسُولِ وَاحِدٌ. إذَا تَبَيَّنَ هَذَا فَيُقَالُ لَهُ (١): هَذِهِ الْأَسْمَاءُ الَّتِي ذَكَرْتهَا مِثْل لَفْظِ الظَّهْرِ وَالْمَتْنِ وَالسَّاقِ وَالْكَبِدِ لَا يَجُوزُ أَنْ تُسْتَعْمَلَ فِي اللُّغَةِ إلَّا مَقْرُونَةً بِمَا يُبَيِّنُ الْمُضَافَ إلَيْهِ، وَبِذَلِكَ يَتَبَيَّنُ الْمُرَادُ.

стр. 1075

فَقَوْلُك: ظَهْرُ الطَّرِيقِ وَمَتْنُهَا: لَيْسَ هُوَ كَقَوْلِك: ظَهْرُ الْإِنْسَانِ وَمَتْنُه، بَل وَلَا كَقَوْلِك: ظَهْرُ الْفَرَسِ وَمَتْنُهُ، وَلَا كَقَوْلِك: ظَهْرُ الْجَبَلِ. وَكَذَلِكَ لَفْظُ السَّيْفِ فِي قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "إن خَالِدًا سَيْفٌ سَلَّهُ اللهُ عَلَى الْمُشْرِكينَ" (١) لَيْسَ مِثْل لَفْظِ السَّيْفِ فِي قَوْلِهِ: "مَن جَاءكُمْ وَأَمْرُكُمْ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ يُرِيدُ أَنْ يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ بِالسَّيْفِ كائِنًا مَن كانَ" (٢)، فَكُلٌّ مِن لَفْظِ السَّيْفِ هَاهُنَا وَهَاهُنَا مَقْرُون بِمَا يُبَيِّنُ مَعْنَاهُ. فَقَد تَبَيَّنَ أنَّهُ لَيْسَ اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى ظَهْرِ الْإنْسَانِ هُوَ اللَّفْظ الدَّالّ عَلَى ظَهْرِ الطَّرِيقِ، وَحِينَئِذٍ فَلَا يَلْزَمُ مِن اخْتِلَافِ مَعْنَى اللَّفْظَيْنِ أنْ يَكونَ مُشْتَرِكًا؛ لِأَنَّ الِاشْتِرَاكَ [لَا] (٣) يَكُونُ فِي لَفْظٍ وَاحِدٍ اخْتَلَفَ مَعْنَاهُ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ. فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ تَمْنَعُونَ ثُبُوتَ الِاشْتِرَاكِ وَقَد قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى وُجُودِهِ؟ قِيلَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَهُ قَامَ دَليل عَلَى وُجُودِهِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ادَّعَوْهُ. وإذَا قِيلَ: الْعِلْمُ وَالْقُدْرَةُ وَالْكَلَامُ وَالِاسْتِوَاءُ وَالنُّزُولُ وَنَحْوُ ذَلِكَ: تَارَةً يُذْكَرُ مُطْلَقًا عَامًّا، وَتَارَة يُقَالُ: عِلْمُ اللّهِ وَقُدْرَتُهُ، وَكَلَامُهُ، وَنُزُولُهُ، وَاسْتِوَاؤُهُ: فَهَذَا يَخْتَصُّ بِالْخَالِقِ، لَا يَشْرَكُهُ فِيهِ الْمَخْلُوقُ، كَمَا إذَا قِيلَ: عِلْمُ الْمَخْلُوقِ وَقُدْرَتُهُ، وَكَلَامُهُ، وَنُزُولُهُ، وَاسْتِوَاؤُهُ: فَهَذَا يَخْتَصُّ بِالْمَخْلُوقِ وَلَا يَشْرَكُهُ فِيهِ الْخَالِقُ. فَالْإِضَافَةُ أَو التَّعْرِيفُ خَصَّصَ وَمَيَّزَ وَقَطَعَ الِاشْتِرَاكَ بَيْنَ الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ.

стр. 1076

ويُقَالُ: إطْلَاقُ لَفْظِ الْأَسَدِ وَالْحِمَارِ الْمُعَرَّفِ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ يَنْصَرِفُ إلَى مَا يَعْرِفُهُ الْمُتَكَلِّمُ أَو الْمُخَاطَبُ، وَإِذَا كَانَ الْمُعَرَّفُ هُوَ الْبَهِيمَةَ انْصَرَفَ إلَيْهَا، وَهَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ أَكْثَرِ النَّاسِ فِي أَكْثَرِ الْأَوْقَاتِ، وَلَا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ إذَا كَانَ مُعَرَّفًا يُوجِبُ انْصِرَافَهُ إلَى الْبَلِيدِ وَالشُّجَاعِ، وَلَا يَكُونُ حَقِيقَةً أَيْضًا؛ كَقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ: لَاهَا اللّهَ إذًا لَا يَعْمِدُ إلَى أَسَدٍ مِن أُسْدِ اللهِ يُقَاتِلُ عَن اللّهِ وَرَسُولِهِ يُعْطِيَك سَلْبَهُ. وَكَمَا أُشِيرَ إلَى شَخْصِ وَقِيلَ: هَذَا الْأسَدُ، أَو إلَى بَلِيدٍ وَقِيلَ: هَذَا الْحِمَارُ؛ فَالتَّعْرِيفُ هُنَا عَيَّنَهُ وَقَطَعَ إرَادَةَ غَيْرِهِ، كَمَا أنَّ لَفْظَ الرُّؤُوسِ وَالْبَيْضِ وَالْبُيُوتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ يَنْصَرِفُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ إلَى الرُّؤُوسِ وَالْبَيْضِ الَّذِي يُؤكَلُ فِي الْعَادَةِ، وَالْبُيُوتِ إلَى مَسَاكِنِ النَّاسِ، ثُمَّ إذَا قِيلَ: بَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ وَبَيْضُ النَّمْلِ وَرُؤُوسُ الْجَرَادِ كَانَ أَيْضًا حَقِيقَةً بِاتِّفَاقِ النَّاسِ. ولَمْ يَنْقلْ أَحَدٌ قَطُّ عَن أَهْلِ الْوَضْعِ أنَّهُم قَالُوا: هَذَا حَقِيقَة وَهَذَا مَجَازٌ، وَهَذَا مَعْلُومٌ بِالِاضْطِرَارِ أَنَّ هَذَا لَمْ يَقَعْ مِن أَهْلِ الْوَضْعِ، وَلَا نَقَلَهُ عَنْهُم أَحَدٌ مِمَن نَقَلَ لُغَتَهُمْ، بَل وَلَا ذَكَرَ هَذَا أَحَدٌ عَن الصَّحَابَةِ الَّذِينَ فَسَّرُوا الْقُرْآنَ وَبَيّنوا مَعَانِيَهُ، وَمَا يَدُلّ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ، فَلَيْسَ مِنْهُم أَحَدٌ قَالَ: هَذَا اللَّفْظُ حَقِيقَةٌ وَهَذَا مَجَازٌ وَلَا مَا يُشْبِهُ ذَلِكَ، لَا ابْنُ مَسْعُودٍ وَأَصْحَابُهُ، وَلَا ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَصْحَابُهُ، وَلَا زيدُ بْنُ ثَابِتٍ وَأَصْحَابُهُ، وَلَا مَن بَعْدَهُمْ، وَلَا مُجَاهِدٌ وَلَا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَلَا عِكْرِمَةُ وَلَا الضَّحَّاكُ وَلَا طاووس وَلَا السدي وَلَا قتادة وَلَا غَيْرُ هَؤُلَاءِ، وَلَا أَحَدٌ مِن أَئِمَّةِ الْفِقْهِ كَالْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَلَا الثَّوْرِيُّ وَلَا الأوزاعي وَلَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَلَا غَيْرُهُ. وَإِنَّمَا وُجِدَ فِي كَلَامِ أَحْمَد بْنِ حَنْبَل لَكِنْ بِمَعْنَى آخَرَ، كَمَا أَنَّهُ وُجِدَ فِي كَلَامِ أَبِي عُبَيْدَةَ مَعْمَرِ بْنِ الْمُثَنَّى بِمَعْنَى آخَرَ. وَلَمْ يُوجَدْ أَيْضًا تَقْسِيمُ الْكلَامِ إلَى حَقِيقَةٍ وَمَجَازٍ فِي كَلَامِ أَئِمَّةِ النَّحْوِ

стр. 1077

وَاللُّغَةِ؛ كَأَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ وَأَبِي عَمْرٍ و الشيباني وَأَبِي زيدٍ وَالْأَصْمَعِيِّ وَالْخَلِيلِ وَسِيبَوَيْهِ وَالْكِسَائِي وَالْفَرَّاءِ، وَلَا يَعْلَمُهُ أَحَدٌ مِن هَؤُلَاءِ عَن الْعَرَبِ. وَهَذَا يَعْلَمُهُ بِالِاضْطِرَارِ مَن طَلَبَ عِلْمَ ذَلِكَ. ومِن مَفَاسِدِ هَذَا: جَعْلُ عَامَّةِ الْقُرْآنِ مَجَازًا، كَمَا صَنَّفَ بَعْضُهُم مَجَازَاتِ الْقِرَاءَاتِ! وَكَمَا يُكْثِرونَ مِن تَسْمِيَةِ آياتِ الْقُرْآنِ مَجَازًا، وَذَلِكَ يُفْهِمُ ويُوهِمُ الْمَعَانِيَ الْفَاسِدَةَ، هَذَا إذَا كَانَ مَا ذَكَرُوهُ مِن الْمَعَانِي صَحِيحًا، فَكَيْفَ وَأَكْثَرُ هَؤُلَاءِ يَجْعَلُونَ مَا لَيْسَ بِمَجَازٍ مَجَازًا؟ وينْفُونَ مَا أَثْبَتَهُ اللهُ مِن الْمَعَانِي الثَّابِتَةِ ويُلْحِدُونَ فِي أَسْمَاءِ اللّهِ وَآيَاتِهِ كَمَا وُجِدَ ذَلِكَ لِلْمُتَوَسِّعِينَ فِي الْمَجَازِ مِن الْمَلَاحِدَةِ أَهْلِ الْبِدَعِ؟. وَمَن ظَنَّ أَنَّ الْحَقِيقَةَ فِي مِثْل قَوْلِهِ: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، هُوَ سُؤَالُ الْجُدْرَانِ فَهُوَ جَاهِلٌ. وَالصَّوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقَرْيَةِ نَفْسُ النَاسِ الْمُشْتَرِكِينَ السَّاكِنِينَ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ، فَلَفْظ الْقَرْيَةِ هُنَا أُرِيدَ بِهِ هَؤُلَاءِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ (١٣)﴾ [محمد: ١٣]. وَتَمَامُ هَذَا بِالْكَلَامِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ مِن الْمَجَازِ فِي الْقُرْآنِ فَإِنَّهُ قَالَ: يُعْتَذَرُ عَن قَوْلِهِ: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [الفتح: ٥]، وَالْأَنْهَارُ غَيْرُ جَارِيَةٍ. فَيُقَالُ: النَّهْرُ كَالْقَرْيَةِ وَالْمِيزَابِ وَنَحْوِ ذَلِكَ يُرَادُ بِهِ الْحَالُّ ويُرَادُ بِهِ الْمَحَلُّ، فَإِذَا قِيلَ: حَفَرَ النَّهْرَ: أُرِيدَ بِهِ الْمَحَلُّ، وَإِذَا قِيلَ: جَرَى النَّهْرُ: أُرِيدَ بِهِ الْحَالُّ. وَعَن قَوْلِهِ: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ [مريم: ٤] وَهُوَ غَيْرُ مُشْتَعِلٍ كَاشْتِعَالِ النَارِ. فَهَذَا مُسَلَّمٌ، لَكِنْ يُقَالُ: لَفْظُ الِاشْتِعَالِ لَمْ يُسْتَعْمَلْ فِي هَذَا الْمَعْنَى، إنَّمَا اُسْتُعْمِلَ فِي الْبَيَاضِ الَّذِي سَرَى مِن السَّوَادِ سَرَيَانَ الشُّعْلَةِ مِن النَّارِ، وَهَذَا تَشْبِيهٌ

стр. 1078

وَاسْتِعَارَةٌ، لَكنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ﴾ اُسْتُعْمِلَ فِيهِ لَفْظُ الِاشْتِعَالِ مُقَيَّدًا بِالرَّأسِ لَمْ يَحْتَمِل اللَّفْظ فِي اشْتِعَالِ الْحَطَبِ. قَالَ: وَعَن قَوْلِهِ: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ﴾ [الإسراء: ٢٤]، وَالذُّلُّ لَا جَنَاحَ لَهُ؟ فَيُقَالُ لَهُ: لَا رَيْبَ أَنَّ الذُّلَّ لَيْسَ لَهُ جَنَاحٌ مِثْل جَنَاحِ الطَّائِرِ، كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ لِلطَّائِرِ جَنَاحٌ مِثْل أَجْنِحَةِ الْمَلَائِكةِ، وَلَا جَنَاحُ الذُّلِّ مِثْل جَنَاحِ السَّفَرِ، لَكِنَّ جَنَاحَ الْإِنْسَانِ جَانِبُهُ، كَمَا أَن جَنَاحَ الطَّيْرِ جَانِبُهُ، وَالْوَلَدُ مَأمُورٌ بِأَنْ يَخْفِضَ جَانِبَهُ لأبَوَيْهِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الذُّلِّ لَهُمَا. قَالَ: وَقَوْلُهُ: ﴿أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧]، وَالْأشْهُرُ لَيْسَتْ هِيَ الْحَجَّ؟ فَيُقَالُ: مِن عَادَةِ الْعَرَبِ الْحَسَنَةِ فِي خِطَابِهَا أَنَّهُم يَحْذِفُونَ مِن الْكَلَامِ مَا يَكُونُ الْمَذْكورُ دَلِيلًا عَلَيْهِ اخْتِصَارًا، كَمَا أَنَّهُم يُورِدُونَ الْكَلَامَ بِزِيَادَةٍ تَكُونُ مُبَالَغَةً فِي تَحْقِيقِ الْمَعْنَى. فَالْأوَّلُ: كَقَوْلِهِ: ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ﴾ [الشعراء: ٦٣]، فَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمُرَادَ: "فَضَرَبَ فَانْفَلَقَ" لَكِنْ لَمْ يَحْتَجْ إلَى ذِكْرِ ذَلِكَ فِي اللَّفْظِ إذ كَانَ قَوْلُهُ: قُلْنَا: (أَنِ اضْرِبْ فَانْفَلَقَ): دَليلًا عَلَى أنه ضَرَبَ فَانْفَلَقَ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ﴾ [البقرة: ١٧٧]، تَقْدِيرُهُ: "بِرُّ مَن آمَنَ" أَو "صَاحِبُ مَن آمَنَ". وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ﴾؛ أَيْ: أَوْقَاتُ الْحَجِّ أَشْهُرٌ؛ فَالْمَعْنَى مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، لَكِنَّ الْكَلَامَ فِي تَسْمِيَةِ هَذَا مَجَازًا. قَالَ: وَقَوْلُهُ: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، قَالَ: وَالْقِصَاصُ لَيْسَ بِعُدْوَانِ؟ فَيُقَالُ: الْعُدْوَانُ مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ، لَكِنْ إنْ كَانَ بِطَرِيقِ الظُّلْمِ كَانَ مُحَرَّمًا،

стр. 1079

وَإِن كَانَ بِطَرِيقِ الْقِصَاصِ كَانَ عَدْلًا مُبَاحًا، فَلَفْظُ الْعُدْوَانِ فِي مِثْل هَذَا هُوَ تَعَدِّي الْحَدِّ الْفَاصِلِ، لَكِنْ لَمَّا اعْتَدَى صَاحِبُهُ جَازَ الِاعْتِدَاءُ عَلَيْهِ، وَالِاعْتِدَاءُ الْأَوَّلُ ظُلْمٌ، وَالثَّانِي مُبَاحٌ. وَلَفْظ الِاعْتِدَاءِ هُنَا مُقَيَّد بِمَا يُبَيّنُ أَنَّهُ اعْتِدَاءٌ عَلَى وَجْهِ الْقِصَاصِ، بِخِلَافِ الْعُدْوَانِ ابْتِدَاءً فَإِنَّهُ ظُلْمٌ، فَإِذَا لَمْ يُقَيَّدْ بِالْجَزَاءِ فُهِمَ مِنْة الِابْتِدَاءُ، إذ الْأَصْلُ عَدَمُ مَا يُقَابِلُهُ. [٢٠/ ٤٠٣ - ٤٥٨] ١٣١٣ - تَقْسِيمُ الْأَلْفَاظِ الدَّالَّةِ عَلَى مَعَانِيهَا إلَى حَقِيقَةٍ وَمَجَازٍ .. : اصْطِلَاحٌ حَادِثٌ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ، لَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ أَحَدٌ مِن الصَّحَابَةِ وَلَا التَّابِعِينَ لَهُم بِإِحْسَان، وَلَا أَحَدٌ مِن الْأَئِمَّةِ الْمَشْهُورِينَ فِي الْعِلْمِ؛ كَمَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِي وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ، بَل وَلَا تَكَلَّمَ بِهِ أَئِمَّةُ اللغَةِ وَالنَّحْوِ؛ كَالْخَلِيلِ، وَسِيبَوَيْهِ، وَأَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ وَنَحْوِهِمْ. وَأَوَّلُ مَن عُرِفَ أَنَّهُ تَكَلَّمَ بِلَفْظِ الْمَجَازِ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى فِي كِتَابِهِ (١). وَلَكِنْ لَمْ يَعْنِ بِالْمَجَازِ مَا هُوَ قَسِيمُ الْحَقِيقَةِ، وَإِنَّمَا عَنَى بِمَجَازِ الْآيَةِ مَا يُعَبَّرُ بِهِ عَن الْآيَةِ. وَلهَذَا قَالَ مَن قَالَ مِن الْأصُولِيِّينَ -كَأَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ وَأَمْثَالِهِ-: إنَّمَا تُعْرَفُ الْحَقِيقَةُ مِن الْمَجَازِ بِطُرُقِ مِنْهَا نَصُّ أَهْلِ اللُّغَةِ عَلَى ذَلِكَ؛ بِأَنْ يَقُولُوا: هَذَا حَقِيقَةٌ وَهَذَا مَجَازٌ: فَقَد تَكَلَّمَ بِلَا عِلْمٍ؛ فَإِنَّهُ ظَنَّ أَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ قَالُوا هَذَا، وَلَمْ يَقُلْ ذَلِكَ أَحَدٌ مِن أَهْلِ اللُّغَةِ، وَلَا مِن سَلَفِ الْأُمَّةِ وَعُلَمَائِهَا، وَإِنَّمَا هَذَا اصْطِلَاحٌ حَادِثٌ، وَالْغَالِبُ أَنَّهُ كَانَ مِن جِهَةِ الْمُعْتَزِلَةِ وَنَحْوِهِمْ مِن الْمُتَكَلِّمِينَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يُوجَدْ هَذَا فِي كَلَامِ أَحَدٍ مِن أَهْلِ الْفِقْهِ وَالْأُصُولِ وَالتَّفْسِيرِ وَالْحَدِيثِ وَنَحْوِهِمْ مِن السَّلَفِ.

стр. 1080

وَهَذَا الشَّافِعِيُّ هُوَ أَوَّلُ مَن جَرَّدَ الْكَلَامَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ: لَمْ يُقَسِّمْ هَذَا التَّقْسِيمَ، وَلَا تَكَلَّمَ بِلَفْظِ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ. وَكَذَلِكَ مُحَمَّد بْنُ الْحَسَنِ لَهُ فِي الْمَسَائِلِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى الْعَرَبِيَّةِ كَلَامٌ مَعْرُوفٌ فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ وَغَيْرِهِ، وَلَمْ يَتَكَلَّمْ بِلَفْظِ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ. وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْأَئِمَّةِ لَمْ يُوجَدْ لَفْظُ الْمَجَازِ فِي كَلَامِ أَحَدٍ مِنْهُمْ، إلَّا فِي كَلَامِ أَحْمَد بْنِ حَنْبَل؛ فَإِنَّهُ قَالَ فِي كِتَابِ الرَّدِّ عَلَى الْجَهْمِيَّة فِي قَوْلِهِ: (إنَّا، وَنَحْنُ) وَنَحْؤ ذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ: هَذَا مِن مَجَازِ اللُّغَةِ، يَقُولُ الرَّجُلُ: إنَا سَنُعْطِيك، إنَّا سَنَفْعَلُ. وَأَمَّا سَائِرُ الْأَئِمَّةِ فَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْهُم وَلَا مِن قُدَمَاءِ أَصْحَابِ أَحْمَد: إنَّ فِي الْقُرْآنِ مَجَازًا، لَا مَالِكٌ، وَلَا الشَّافِعِي، وَلَا أَبُو حَنِيفَةَ؛ فَإِنَّ تَقْسِيمَ الْأَلْفَاظِ إلَى حَقِيقَةٍ وَمَجَازٍ إنَّمَا اُشْتُهِرَ فِي الْمِائَةِ الرَّابعَةِ، وَظَهَرَتْ أَوَائِلُهُ فِي الْمِائَةِ الثَّالِثَةِ، وَمَا عَلِمْته مَوْجُودًا فِي الْمِائَةِ الثَّانِيَةِ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي أَوَاخِرِهَا. وَاَلَّذِينَ أَنْكَرُوا أَنْ يَكُونَ أَحْمَد وَغَيْرُهُ نَطَقُوا بِهَذَا التَّقْسِيمِ قَالُوا: إنَّ مَعْنَى قَوْلِ أَحْمَد: مِن مَجَازِ اللُّغَةِ؛ أَيْ: مِمَّا يَجُوزُ فِي اللّغَةِ أَنْ يَقُولَ الْوَاحِدُ الْعَظِيمُ الَّذِي لَهُ أَعْوَانٌ: نَحْنُ فَعَلْنَا كَذَا، وَنَفْعَلُ كَذَا، وَنَحْو ذَلِكَ، قَالُوا: وَلَمْ يُرِدْ أَحْمَد بِذَلِكَ أَنَّ اللَّفْظَ اُسْتُعْمِلَ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ. ثُمَّ يُقَالُ ثَانِيًا: هَذَا التَّقْسِيمُ لَا حَقِيقَةَ لَهُ، وَلَيْسَ لِمَن فَرَّقَ بَيْنَهُمَا حَدٌّ صَحِيحٌ يُمَيِّزُ بِهِ بَيْنَ هَذَا وَهَذَا، فَعُلِمَ أَنَّ هَذَا التَّقْسِيمَ بَاطِلٌ، وَهُوَ تَقْسِيمُ مَن لَمْ يَتَصَوَّرْ مَا يَقُولُ، بَل يَتَكَلَّمُ بِلَا عِلْمٍ، فَهُم مُبْتَدِعَةٌ فِي الشَّرْعِ، مُخَالِفُونَ لِلْعَقْلِ. وَذَلِكَ أَنَّهُم قَالُوا: الْحَقِيقَةُ: اللَّفْظُ الْمُسْتَعْمَلُ فِيمَا وُضِعَ لَهُ، وَالْمَجَازُ: هُوَ الْمُسْتَعْمَل فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ، فَاحْتَاجُوا إلَى إثْبَاتِ الْوَضْعِ السَّابِقِ عَلَى الِاسْتِعْمَالِ، وَهَذَا يَتَعَذَّرُ. وَإِن قَالُوا: نَعْنِي بِمَا وُضِعَ لَهُ مَا اُسْتُعْمِلَتْ فِيهِ أَوَّلًا.

стр. 1081

فَيُقَالُ: مِن أيْنَ يُعْلَمُ أَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ الَّتِي كَانَت الْعَرَبُ تتخَاطَبُ بِهَا عِنْدَ نُزُولِ الْقُرْآنِ وَقَبْلَهُ لَمْ تُسْتَعْمَلْ قَبْلَ ذَلِكَ فِي مَعْنَى شَيءٍ آخَرَ؟ وَإِذَا لَمْ يَعْلَمُوا هَذَا النَّفْيَ: فَلَا يُعْلَمُ أَنَّهَا حَقِيقَة، وَهَذَا خِلَافُ مَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ. فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ لِمَن فَرَّقَ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ فَرْقٌ مَعْقُولٌ يُمْكِنُ بِهِ التَّمْيِيزُ بَيْنَ نَوْعَيْنِ، فَعُلِمَ أَنَّ هَذَا التَّقْسِيمَ بَاطِلٌ. وَحِينَئِذٍ: فَكُلُّ لَفْظٍ مَوْجُودٍ فِي كِتَابِ اللهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّهُ مُقَيَّدٌ بِمَا يُبَيِّنُ مَعْنَاه، فَلَيْسَ فِي شَيءٍ مِن ذَلِكَ مَجَازٌ، بَل كُلهُ حَقِيقَةٌ. وَلهَذَا لَمَّا ادَّعَى كَثِيرٌ مِن الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّ فِي الْقُرْآنِ مَجَازًا وَذَكَرُوا مَا يَشْهَدُ لَهُمْ: رَدَّ عَلَيْهِم الْمُنَازِعُونَ جَمِيعَ مَا ذَكَرُوهُ. فَمِن أَشْهَرِ مَا ذَكَرُوهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: ٧٧]، قَالُوا: وَالْجِدَارُ لَيْسَ بِحَيَوَان، وَالْإِرَادَةُ إنَّمَا تَكُونُ لِلْحَيَوَانِ؛ فَاسْتِعْمَالُهَا فِي مَيْلِ الْجِدَارِ مَجَازٌ. فَقِيلَ لَهُمْ: لَفْظ الْإِرَادَةِ قَد اُسْتُعْمِلَ فِي الْمَيْلِ الَّذِي يَكُونُ مَعَهُ شُعُورٌ وَهُوَ مَيْلُ الْحَيِّ، وَفِي الْمَيْلِ الَّذِي لَا شُعُورَ فِيهِ وَهُوَ مَيْلُ الْجَمَادِ، وَهُوَ مِن مَشْهُورِ اللُّغَةِ، يُقَالُ: هَذَا السَّقْفُ يُرِيدُ أَنْ يَقَعَ. وَهَذَا الثوْبُ يُرِيدُ أَنْ يُغْسَلَ وَأَمْثَالُ ذَلِكَ. واللَّفْظُ إذَا اُسْتُعْمِلَ فِي مَعْنيَيْنِ فَصَاعِدًا: - فَإِمَّا أَنْ يُجْعَلَ حَقِيقَةً فِي أَحَدِهِمَا مَجَازًا فِي الْآخَرِ. - أَو حَقِيقَةً فِيمَا يَخْتَصُّ بِهِ كُلٌّ مِنْهُمَا فَيَكُون مُشْتَرَكًا اشْتِرَاكًا لَفْظِيًّا. - أَو حَقِيقَةً فِي الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُمَا، وَهِيَ الْأَسمَاءُ الْمُتَوَاطِئَةُ، وَهِيَ الْعَامَّةُ كُلُّهَا (١).

стр. 1082

وَعَلَى الْأَوَّلِ: يَلْزَمُ الْمَجَازُ. وَعَلَى الثَّانِي: يَلْزَمُ الِاشْتِرَاكُ. وَكِلَاهُمَا خِلَافُ الْأَصْلِ، فَوَجَبَ أَنْ يُجْعَلَ مِن الْمُتَوَاطِئَةِ. وَبِهَذَا يُعْرَفُ عُمُومُ الْأَسْمَاءِ الْعَامَّةِ كُلّهَا. وَإِلَّا فَلَو قَالَ قَائِلٌ: هُوَ فِي مَيْلِ الْجَمَادِ حَقِيقَةٌ، وَفِي مَيْلِ الْحَيَوَانِ مَجَازٌ: لَمْ يَكُن بَيْنَ الدعويين فَرْق إلَّا كَثْرَةُ الِاسْتِعْمَالِ فِي مَيْلِ الْحَيَوَانِ، لَكِنْ يُسْتَعْمَلُ مُقَيَّدًا بِمَا يُبَيِّنُ أنَّهُ أرِيدَ بِهِ مَيْلُ الْحَيَوَانِ، وَهُنَا اُسْتُعْمِلَ مُقَيَّدًا بِمَا يُبَيِّنُ أَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ مَيْلُ الْجَمَادِ. وَالْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ مُسَمَّيَاتِ الْأَسْمَاءِ الْمُتَوَاطِئَةِ: أَمْرٌ كُلِّيٌّ عَامٌّ، لَا يُوجَدُ كُلِّيُّا عَامًّا إلَّا فِي الذِّهْنِ، وَهُوَ مَوْرِدُ التَّقْسِيمِ بَيْنَ الْأَنْوَاعِ، لَكِنَّ ذَلِكَ الْمَعْنَى الْعَامَّ الْكُلّيَّ كَانَ أَهْلُ اللُّغَةِ لَا يَحْتَاجُونَ إلَى التَّعْبِيرِ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُم إنَّمَا يَحْتَاجُونَ إلَى مَا يُوجَدُ فِي الْخَارجِ، وَإِلَى مَا يُوجَدُ فِي الْقُلُوبِ فِي الْعَادَةِ. وَمَا لَا يَكُونُ فِي الْخَارجِ إلَّا مُضَافًا إلَى غَيْرِهِ: لَا يُوجَدُ فِي الذِّهْنِ مُجَرَّدًا، بِخِلَافِ لَفْظِ الْإِنْسَانِ وَالْفَرَسِ؛ فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَ يُوجَدُ فِي الْخَارجِ غَيْرَ مُضَافٍ تَعَوَّدَت الْأذْهَانُ تَصَوُّرَ مُسَمَّى الْإنْسَانِ، وَمُسَمَّى الْفَرَسِ، بِخِلَافِ تَصَوُّرِ مُسَمَّى الْإرَادَةِ، وَمُسَمَّى الْعِلْمِ، وَمُسَمَّى الْقُدْرَةِ، وَمُسَمَّى الْوُجُودِ الْمُطْلَقِ الْعَامِّ؛ فَإِنَّ هَذَا لَا يُوجَدُ لَهُ فِي اللُّغَةِ لَفْظٌ مُطْلَقٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ، بَل لَا يُوجَدُ لَفْظُ الْإِرَادَةِ

стр. 1083

إلَّا مُقَيَّدًا بِالْمُرِيدِ، وَلَا لَفْظُ الْعِلْمِ إلا مُقَيَّدًا بِالْعَالِمِ، وَلَا لَفْظُ الْقُدْرَةِ إلَّا مُقَيَّدًا بِالْقَادِرِ. بَل وَهَكذَا سَائِرُ الْأَعْرَاضِ لَمَّا لَمْ تُوجَدْ إلَّا فِي مَحَالِّهَا مُقَيَّدَةً بِهَا لَمْ يَكُن لَهَا فِي اللُّغَةِ لَفْظ إلَّا كَذَلِكَ. فَلَا يُوجَدُ فِي اللُّغَةِ لَفْظُ السَّوَادِ، وَالْبَيَاضِ، وَالطُّولِ، وَالْقِصَرِ، إلَّا مُقَيَّدًا بِالْأَسْوَدِ، وَالْأَبْيَضِ، وَالطَّوِيلِ، وَالْقَصِيرِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، لَا مُجَرَّدًا عَن كُلّ قَيْدٍ، وَإِنَّمَا يُوجَدُ مُجَرَّدًا فِي كَلَامِ الْمُصَنّفِينَ فِي اللُّغَةِ؛ لِأَنَّهُم فَهِمُوا مِن كَلَامِ أَهْلِ اللُّغَةِ مَا يُرِيدُونَ بِهِ مِن الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ [النحل: ١١٢]؛ فَإِنَّ مِن النَّاسِ مَن يَقُولُ: الذَّوْقُ حَقِيقَةٌ فِي الذَّوْقِ بِالْفَمِ، وَاللِّبَاسُ بِمَا يُلْبَسُ عَلَى الْبَدَنِ، وَإِنَّمَا اُسْتُعِيرَ هَذَا وَهَذَا. وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَل قَالَ الْخَلِيلُ: الذوْقُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ هُوَ وُجُودُ طَعْمِ الشَيءِ، وَالِاسْتِعْمَالُ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ. قَالَ تَعَالَى: ﴿فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا﴾ [الطلاق: ٩]. فَلَفْظُ الذَّوْقِ يُسْتَعْمَلُ فِي كُلِّ مَا يُحِسُّ بِهِ، ويجِدُ أَلَمَهُ أَو لَذَّتَهُ، فَدَعْوَى الْمُدَّعِي اخْتِصَاصَ لَفْظِ الذَّوْقِ بِمَا يَكُون بِالْفَمِ تَحَكُّمٌ مِنْهُ. لَكِنَّ ذَاكَ مُقَيَّدٌ فَيُقَالُ: ذُقْت الطَّعَامَ، وَذُقْت هَذَا الشَّرَابَ، فَيَكُونُ مَعَهُ مِن الْقُيُودِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ ذَوْقٌ بِالْفَمِ. وَأَمَّا لَفْظُ اللِّبَاسِ: فَهُوَ مُسْتَعْمَلٌ فِي كُلِّ مَا يَغْشَى الْإِنْسَانَ وَيلْتَبِسُ بِهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠)﴾ [النبأ: ١٠]، وَقَالَ: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦] [الأعراف: ٢٦]، وَقالَ: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧]. وَمِنْهُ يُقَالُ: لَبَسَ الْحَق بِالْبَاطِلِ إذَا خَلَطَهُ بِهِ حَتَّى غَشِيَهُ فَلَمْ يَتَمَيَّزْ. فَالْجُوعُ الَّذِي يَشْمَلُ أَلَمُهُ جَمِيعَ الْجَائِعِ: نَفْسَهُ وَبَدَنَهُ، وَكَذَلِكَ الْخَوْفُ الَّذِي يَلْبَسُ الْبَدَنَ. فَلَو قِيلَ: فَأَذَاقَهَا اللهُ الْجُوعَ وَالْخَوْفَ: لَمْ يَدُلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ شَامِلٌ

стр. 1084

لِجَمِيعِ أَجْزَاءِ الْجَائِعِ، بِخِلَافِ مَا إذَا قِيلَ: لِبَاسَ الْخوعِ وَالْخَوْفِ. وَلَو قَالَ: فَأَلْبَسَهُم لَمْ يَكن فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُم ذَاقُوا مَا يُؤْلِمُهُم إلَّا بِالْعَقْلِ مِن حَيْثُ إَّنهُ يَعْرِفُ أَنَّ الْجَائِعَ الْخَائِفَ يَأْلَمُ، بِخِلَافِ لَفْظِ ذَوْقِ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ؛ فَإِنَّ هَذَا اللَّفْظَ يَدُلُّ عَلَى الْإِحْسَاسِ بِالْمُؤْلِمِ، وَإِذَا أُضِيفَ إلَى الملذ: دَلَّ عَلَى الْإِحْسَاسِ بِهِ. وَكَذَلِكَ مَا ادَّعَوْا أَنَهُ مَجَازٌ فِي الْقُرْآنِ؛ كَلَفْظِ الْمَكْرِ، وَالِاسْتِهْزَاءِ، وَالسُّخْرِيَةِ الْمُضَافِ إلَى اللهِ، وَزَعَمُوا أَنَّه مُسَمًّى بِاسْمِ مَا يُقَابِلُهُ عَلَى طَرِيقِ الْمَجَازِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَل مُسَمَّيَاتُ هَذه الْأَسْمَاءِ إذَا فُعِلَتْ بِمَن لَا يَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةَ كَانَت ظُلْمًا لَهُ، وَأَمَّا إذَا فعِلَتْ بِمَن فَعَلَهَا بِالْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ عُقُوبَةً لَهُ بِمِثْل فِعْلِهِ كَانَت عَدْلًا. وَمِن الْأَمْثِلَةِ الْمَشْهُورَةِ لِمَن يُثْبِتُ الْمَجَازَ فِي الْقُرْآنِ: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، قَالُوا: الْمُرَادُ بِهِ أَهْلُهَا، فَحُذِفَ الْمُضَافُ، وَأُقِيمَ الْمُضَافُ إلَيْهِ مَقَامَهُ. فَقِيلَ لَهُم: لفظُ الْقَرْيَةِ وَالْمَدِينَةِ وَالنَّهْرِ وَالْمِيزَابِ؛ وَأَمْثَالُ هَذِهِ الْأُمُورِ الَّتي فِيهَا الْحَالُّ وَالْمَحَالُّ كِلَاهُمَا دَاخِلٌ فِي الِاسْمِ، ثُمَّ قَد يَعُودُ الْحُكْمُ عَلَى الْحَالِّ وَهُوَ السُّكَّانُ، وَتَارَةً عَلَى الْمَحَلِّ وَهُوَ الْمَكَانُ. وَكَذَلِكَ فِي النَّهْرِ يُقَالُ: حَفَرْت النَّهْرَ وَهُوَ الْمَحَلُّ، وَجَرَى النَّهْرُ وَهُوَ الْمَاءُ. وَكَذَلِكَ الْقَرْيَةُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً﴾ [النحل: ١١٢] وَقَوْلُهُ: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ (٤)﴾ [الأعراف: ٤] .. فَجَعَلَ الْقُرَى هُم السُّكَّانُ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ [البقرة: ٢٥٩]؛ فَهَذَا الْمَكَانُ لَا السُّكَّانُ.

стр. 1085

لَكِنْ لَا بُدَّ أَنْ يُلْحَظَ أَنَّهُ كَانَ مَسْكُونًا، فَلَا يُسَمَّى قَرْيَةً إلَّا إذَا كَانَ قَد عُمِّرَ لِلسُّكْنَى، مَأخُوذٌ مِن الْقرْي وَهُوَ الْجَمْعُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُم: قَرَيْت الْمَاءَ فِي الْحَوْضِ، إذَا جَمَعْته فِيهِ. وَنَظِير ذَلِكَ لَفْظُ الْإِنْسَانِ، يَتَنَاوَلُ الْجَسَدَ وَالروُّحَ، ثُمَّ الْأَحْكَامُ تَتَنَاوَلُ هَذَا تَارَةً وَهَذَا تَارَةً لِتَلَازُمِهِمَا، فَكَذَلِكَ الْقَرْيَةُ إذَا عُذبَ أَهْلُهَا خَرِبَتْ، وَإِذَا خَرِبَتْ كَانَ عَذَابًا لِأَهْلِهَا، فَمَا يُصِيبُ أَحَدَهُمَا مِن الشَّرِّ يَنَالُ الْآخَرَ؛ كَمَا يَنَالُ الْبَدَنَ وَالرُّوحَ مَا يُصِيبُ أَحَدَهُمَا. فَقَوْلُهُ: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾، مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً﴾. فَاللَّفْظُ هُنَا يُرَادُ بِهِ السُّكَّانُ مِن غَيْرِ إضْمَارٍ وَلَا حَذْفٍ، فَهَذَا بِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ فِي اللُّغَةِ مَجَازٌ، فَلَا مَجَازَ فِي الْقُرْآنِ. بَل وَتَقْسِيمُ اللُّغَةِ إلَى حَقِيقَةٍ وَمَجَازٍ تَقْسِيمٌ مُبْتَدَعٌ مُحْدَثٌ، لَمْ يَنْطِقْ بِهِ السَّلَفُ. وَالْخَلَفُ فِيهِ عَلَى قَوْلَيْنِ، وَلَيْسَ النِّزَاعُ فِيهِ لَفْظِيًّا، بَل يُقَالُ: نَفْسُ هَذَا التَّقْسِيمِ بَاطِلٌ، لَا يَتَمَيَّزُ هَذَا عَن هَذَا، وَلهَذَا كَانَ كُلُّ مَا يَذْكُرُونَهُ مِن الْفُرُوقِ تبَيَّنَ أَنَّهَا فُرُوقٌ بَاطِلَةٌ. وَأَشْهَرُ أَمْثِلَةِ الْمَجَازِ لَفْظُ الْأَسَدِ، وَالْحِمَارِ، وَالْبَحْرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَقُولُونَ: إنَّهُ اُسْتُعِيرَ لِلشُّجَاعِ، وَالْبَلِيدِ، وَالْجَوَادِ. وَهَذِهِ لَا تُسْتَعْمَلُ إلَّا مُؤَلَّفَةً مُرَكَّبَةً مُقَيَّدَةً بِقُيُود لَفْظِيَّةٍ، كَمَا تُسْتَعْمَلُ الْحَقِيقَةُ؛ كَقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ عَن أَبِي قتادة لَمَّا طَلَبَ غَيْرُهُ سَلَبَ الْقَتِيلِ: لَاهَا اللهُ، إذًا يَعْمِدُ إلَى أَسَدٍ مِن أُسْدِ اللهِ يُقَاتِلُ عَن اللهِ وَرَسُولِهِ فَيُعْطِيك سَلَبَهُ. فَقَوْلُهُ: يَعْمِدُ إلَى أَسَدٍ مِن أُسْدِ اللهِ يُقَاتِلُ عَن اللهِ وَرَسُولِهِ: وَصْلى لَهُ بِالْقُوَّةِ لِلْجِهَادِ فِي سَبِيلِهِ، وَقَد عَيّنهُ تَعْيِينًا أَزَالَ اللَّبْسَ.

стр. 1086

وَكَذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : "إنَّ خَالِدًا سَيْفٌ مِن سُيُوفِ اللهِ سَلَّهُ اللهُ عَلَى الْمُشْرِكينَ" (١)، وَأَمْثَالُ ذَلِكَ. [٧/ ٨٧ - ١١٤] ١٣١٤ - اسْتِعْمَالُ الْقِيَاسِ فِي اللُّغَهِ وَإِن جَازَ فِي الِاسْتِعْمَالِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي الِاسْتِدْلَالِ؛ فَإِنَّهُ قَد يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَسْتَعْمِلَ هُوَ اللَّفْظَ فِي نَظِيرِ الْمَعْنَى الَّذِي اسْتَعْمَلُوهُ فِيهِ، مَعَ بَيَانِ ذَلِكَ عَلَى مَا فِيهِ مِن النِّزَاعِ، لَكِنْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَعْمِدَ إلَى أَلْفَاظٍ قَد عُرِفَ اسْتِعْمَالُهَا فِي مَعَانٍ، فَيَحْمِلُهَا عَلَى غَيْرِ تِلْكَ الْمَعَانِي ويقُولُ: إنَّهُم أَرَادُوا تِلْكَ بِالْقِيَاسِ عَلَى تِلْكَ، بَل هَذَا تَبْدِيلٌ وَتَحْرِيفٌ. [٧/ ١١٥] ١٣١٥ - لَا بُدَّ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ مِن أَنْ يُعْرَفَ مَا يَدُلّ عَلَى مُرَادِ اللهِ وَرَسُولِهِ مِن الْأَلْفَاظِ وَكَيْفَ يُفْهَمُ كَلَامُهُ، فَمَعْرِفَةُ الْعَرَبِيَّةِ الَّتِي خُوطِبْنَا بِهَا مِمَّا يُعِينُ عَلَى أَنْ نَفْقَهَ مُرَادَ اللهِ وَرَسُولِهِ بِكَلَامِهِ، وَكَذَلِكَ مَعْرِفَةُ دَلَالَةِ الْألْفَاظِ عَلَى الْمَعَانِي؛ فَإِنَّ عَامَّةَ ضَلَالِ أَهْلِ الْبِدَع كَانَ بِهَذَا السَّبَبِ؛ فَإِنَّهُم صَارُوا يَحْمِلُونَ كَلَامَ اللهِ وَرَسُولِهِ عَلَى مَا يَدَّعُونَ أنَّهُ دَالٌّ عَلَيْهِ، وَلَا يَكُونُ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، ويجْعَلُونَ هَذِهِ الدَّلَالَةَ حَقِيقَةً وَهَذ مَجَازًا، كَمَا أَخْطَأَ الْمُرْجِئَةُ فِي اسْمِ الْإِيمَانِ، جَعَلُوا لَفْظَ الْإِيمَانِ حَقِيقَةً فِي مُجَرَّدِ التَّصْدِيقِ، وَتَنَاوُلَهُ لِلْأَعْمَالِ مَجَازًا. [٧/ ١١٦] ١٣١٦ - الْقَرْيَةُ وَالنَهْرُ وَنَحْوُ ذَلِكَ اسْمٌ لِلْحَالِّ وَالْمَحَل، فَهُوَ اسْمٌ يَتَنَاوَلُ الْمَسَاكِنَ وَسُكَانَهَا. وَأَمَّا الِاشْتِقَاقُ فَهَذَا الْمَوْضِعُ غَلِطَ فِيهِ طَائِفَة مِن الْعُلَمَاءِ، لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ قَرَأ بِالْهَمْزَةِ، وَقَرَى يَقْرِي بِالْيَاءِ؛ فَإِنَّ الَّذِي بِمَعْنَى الْجَمْعِ هُوَ (قَرَى يَقْرِي) بِلَا هَمْزَةٍ، وَمِنْهُ الْقَرْيَةُ وَالْقِرَاءَةُ وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَمِنْهُ قَرَيْت الضَّيْفَ أَقْرِيهِ؛ أيْ: جَمَعْته وَضَمَمْته إلَيْك، وَقَرَيْت الْمَاءَ فِي الْحَوْضِ جَمَعْته، وتقريت الْمِيَاهَ: تَتَبَّعْتهَا، وقروت الْبِلَادَ وَقَرَيْتهَا وَاسْتَقْرَيْتهَا إذَا تَتَبَّعْتهَا تَخْرُجُ مِن بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ، وَمِنْهُ الِاسْتِقْرَاءُ؛ وَهُوَ: تتَبُّعُ الشَّيءِ أَجْمَعَهُ.

стр. 1087

وَهَذَا غَيْرُ قَوْلِك: استَقْرَأته الْقُرْآنَ؛ فَإِنَّ ذَاكَ مِن الْمَهْمُوزِ؛ فَالْقَرْيَةُ هِيَ الْمَكَانُ الَّذِي يَجْتَمِع فِيهِ النَّاسُ. وَأَمَّا (قَرَأَ) بِالْهَمْزِ فَمَعْنَاهُ الْإِظْهَارُ وَالْبَيَانُ، وَالْقُرْءُ وَالْقِرَاءَةُ مِن هَذَا الْبَابِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُم: مَا قَرأت النَّاقَةُ سَلَا جَزُورٍ قَطُّ؛ أَيْ: مَا أَظْهَرَتْهُ وَأَخْرَجَتْهُ مِن رَحِمِهَا، وَالْقَارِي: هُوَ الَّذِي يُظْهِرُ الْقُرْآنَ ويُخْرِجُهُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧)﴾ [القيامة: ١٧] (١)، فَفَرَّقَ بَيْنَ الْجَمْعِ وَالْقُرْآنِ. وَالْقُرْءُ: هُوَ الدَّمُ؛ لِظُهُورِهِ وَخُرُوجِهِ، وَكَذَلِكَ الْوَقْتُ؛ فَإِنَّ التَّوْقِيتَ إنَّمَا يَكُونُ بِالْأَمْرِ الظَّاهِرِ. ثُمَّ الطُّهْرُ يَدْخُلُ فِي اسْمِ الْقُرْءِ تبَعًا، كمَا يَدْخُلُ اللَّيْلُ فِي اسْمِ الْيَوْمِ، قَالَ النَّبِي ﷺ لِلْمُسْتَحَاضَةِ: "دَعِي الصَّلَاةَ أَيَّامَ أقرَائِك" (٢). وَالطُّهْرُ الَّذِي يَتَعَقَّبُهُ حَيْضٌ هُوَ قُرْءٌ؛ فَالْقُرْءُ اسْمٌ لِلْجَمِيعِ. وَأَمَّا الطُّهْرُ الْمُجَرَّدُ فَلَا يُسَمَّى قُرْءًا؛ وَلهَذَا إذَا طَلُقَتْ فِي أَثْنَاءِ حَيْضَةٍ لَمْ تَعْتَدَّ بِذَلِكَ قُرْءًا؛ لِأَنَّ عَلَيْهَا أَنْ تَعْتَدَّ بثَلَاثَةِ قُرُوءٍ، وَإِذَا طَلُقَتْ فِي أَثْنَاءِ طُهْرٍ كَانَ الْقُرْءُ الْحَيْضَةَ مَعَ مَا تَقَدَّمَهَا مِن الطُّهْرِ؛ وَلهَذَا كَانَ أَكَابِرُ الصَّحَابَةِ عَلَى أَنَّ الْأَقْرَاءَ الْحَيْضُ كَعُمَرِ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَأَبِي مُوسَى وَغَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّهَا مَأْمُورَة بِتَرَبُّصِ ثَلَاثَةِ قُرُوءٍ؛ فَلَو كَانَ الْقُرْءُ هُوَ الطُّهْرُ لَكَانَت الْعِدَّةُ قُرْأَيْنِ وَبَعْضَ الثَّالِثِ، فَإِنَّ النِّزَاعَ مِن الطَّائِفَتَيْنِ فِي الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ؛ فَإِنَّ أَكَابِرَ الصَّحَابَةِ وَمَن وَافَقَهُم يَقُوُلونَ: هُوَ أَحَقُّ بِهَا مَا لَمْ تَغْتَسِلْ مِن الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ، وَصِغَارَ الصَّحَابَةِ: إذَا طَعَنَتْ فِي الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ فَقَد حَلَّتْ. فَقَد ثَبَتَ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ أَنَّ السُّنَّةَ أَنْ يُطَلِّقَهَا طَاهِرًا مِن غَيْرِ جِمَاعٍ وَقَد

стр. 1088

مَضَى بَعْضُ الطُّهْرِ، وَاللهُ أَمَرَ أَنْ يُطَلِّقَ لِاسْتِقْبَالِ الْعِدَّةِ لَا فِي أَثْنَاءِ الْعِدَّةِ. [٢٠/ ٤٧٨ - ٤٧٩] ١٣١٧ - مِن كَلَامِ الْعَرَبِ وَغَيْرِهِمْ أَنَّهُم يَنْفُونَ الشَّيءَ فِي صِيَغِ الْحَصْرِ أَو غَيْرِهَا تَارَةً لِانْتِفَاءِ ذَاتِهِ، وَتَارَةً لِانْتِفَاءِ فَائِدَتِهِ وَمَقْصُودِهِ، ويحْصُرُونَ الشَّيءَ فِي غَيْرِهِ: تَارَةً لِانْحِصَارِ جَمِيعِ الْجِنْسِ مِنْهُ، وَتَارَةً لِانْحِصَارِ الْمُفِيدِ أَو الْكَامِلِ فِيهِ. ثُمَّ إنَّهُم تَارَةً يُعِيدُونَ النَّفْيَ إلَى الْمُسَمَّى، وَتَارَةً يُعِيدُونَ النَّفْيَ إلَى الِاسْمِ وَإِن كَانَ ثَابِتًا فِي اللُّغَةِ إذَا كَانَ الْمَقْصُود الْحَقِيقِيُّ بِالِاسْمِ مُنْتَفِيًا عَنْه ثَابِتًا لِغَيْرِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [المائدة: ٦٨]، فَنَفَى عَنْهُم مُسَمَّى الشَيءِ مَعَ أَنَّهُ فِي الْأَصْلِ شَامِلٌ لِكُلِّ مَوْجُودٍ مِن حَقٍّ وَبَاطِلٍ؛ لَمَّا كَانَ مَا لَا يُفِيدُ وَلَا مَنْفَعَةَ فِيهِ يَؤُولُ إلَى الْبَاطِلِ الَّذِي هُوَ الْعَدَمُ فَيَصِيرُ بِمَنْزِلَةِ الْمَعْدُومِ، بَل مَا كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ إذَا لَمْ يَحْصُلْ مَقْصودُهُ كَانَ أَوْلَى بِأنْ يَكونَ مَعْدُومًا مِن الْمَعْدُومِ الْمُسْتَمِرِّ عَدَمُهُ؛ لِأَنَّهُ قَد يَكُونُ فِيهِ ضَرَرٌ. فَمَن قَالَ الْكَذِبَ فَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا. وَمَن لَمْ يَعْمَلْ بِمَا يَنْفَعُهُ فَلَمْ يَعْمَلْ شَيْئًا. وَمِنْهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ لَمَّا سُئِلَ عَن الْكُهَّانِ قَالَ: "لَيْسُوا بِشَيْءِ" (١). ويقُولُ أَهْلُ الْحَدِيثِ عَن بَعْضِ الْمُحَدّثِينَ: لَيْسَ بِشَيءِ، أَو عَن بَعْضِ الْأَحَادِيثِ لَيْسَ بِشَيءٍ إذَا لَمْ يَكُن مِمَن يُنْتَفَعُ بِهِ فِي الرِّوَايَةِ؛ لِظُهُورِ كَذِبِهِ عَمْدًا أَو خَطأً. وَيُقَالُ أَيْضًا لِمَن خَرَجَ عَن مُوجِب الْإِنْسَانِيَّةِ فِي الْأَخْلَاقِ وَنَحْوِهَا: هَذَا لَيْسَ بِآدَمِيّ وَلَا إنْسَانٍ، مَا فِيهِ إنْسَانِيَّةٌ وَلَا مُرُوءَةٌ، هَذَا حِمَارٌ أَو كلْبٌ، كَمَا

стр. 1089

يُقَالُ ذَلِكَ لِمَن اتَّصَفَ بِمَا هُوَ فَوْقَهُ مِن حُدُودِ الْإِنْسَانِيَّةِ، كَمَا قُلْنَ لِيُوسُفَ: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف: ٣١]. وَمِنْهُ قَوْلُهُ ﷺ : "لَا رِبَا إلَّا فِي النَّسِيئَةِ"، أَو: "إنَّمَا الرّبَا فِي النَّسِيئَةِ"؛ فَإِنَّمَا الرِّبَا الْعَامّ الشَامِلُ لِلْجِنْسَيْنِ وَللْجِنْسِ الْوَاحِدِ الْمُتَّفِقَةِ صِفَاتُهُ إنَّمَا يَكُونُ فِي النَّسِيئَةِ، وَأَمَّا رِبَا الْفَضْلِ فَلَا يَكُون إلَّا فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ، وَلَا يَفْعَلُهُ أَحَدٌ إلَّا إذَا اخْتَلَفَت الصِّفَاتُ؛ كَالْمَضْرُوبِ بِالتِّبْرِ وَالْجَيِّدِ بِالرَّدِيءِ. فَأمَّا إذَا اسْتَوَت الصِّفَاتُ فَلَيْسَ أَحَدٌ يَبِيعُ دِرْهَمًا بِدِرْهَمَيْنِ، وَلهذَا شُرعَ الْقَرْضُ هُنَا؛ لِأَنَّهُ مِن نَوْعِ التَبّرُّعِ. فَلَمَّا كَانَ غَالِبُ الرِّبَا وَهُوَ الَّذِي نَزَلَ فِيهِ الْقُرآنُ أَوَّلًا وَهُوَ مَا يَفْعَلُهُ النَّاسُ وَهُوَ رِبَا النَّسَاءِ: قِيلَ إنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ. وَأَيْضا رِبَا الْفَضْلِ إنَّمَا حُرِّمَ لِأنَّهُ ذَرِيعَةٌ إلَى رِبَا النَّسِيئَةِ، فَالرِّبَا الْمَقْصُودُ بِالْقَصْدِ الْأَوَّلِ هُوَ رِبَا النَّسِيئَةِ فَلَا رِبَا إلَّا فِيهِ. فَإِنَّ الْكَلَامَ الْخَبَرِيّ: إمَّا إثْبَات وَإِمَّا نَفْيٌ، فَكَمَا أَنَّهُم فِي الْإِثْبَاتِ يُثْبِتُونَ لِلشَّيءِ اسْمَ الْمُسَمَّى إذَا حَصَلَ فِيهِ مَقْصُودُ الِاسْمِ، وَإِن انْتَفَتْ صُورَةُ الْمُسَمَّى، فَكَذَلِكَ فِي النَّفْي، فَإِنَّ أَدَوَاتِ النَّفْيِ تَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ الِاسْمِ بِانْتِفَاءِ مُسَمَّاهُ (١)، فَكَذَلِكَ تَارَة؛ لِأنَّهُ لَمْ يُوجَدْ أَصْلًا، وَتَارَةً لِأنَّهُ لَمْ تُوجَد الْحَقِيقَةُ الْمَقْصُودَةُ بِالْمُسَمَّى، وَتَارَةً لِأَنَّهُ لَمْ تَكْمُلْ تِلْكَ الْحَقِيقَةُ، وَتَارَةً لِأَنَّ ذَلِكَ الْمُسَمَّى مِمَّا لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَقْصُودًا، بَل الْمَقْصُودُ غَيْرُهُ، وَتَارَةَ لِأسْبَاب أُخَرَ. وَهَذَا كُلُّهُ إنَّمَا يَظْهَرُ مِن سِيَاقِ الْكلَامِ وَمَا اقْتَرَنَ بِهِ مِن الْقَرَائِنِ اللَّفْظِيَّةِ الَّتِي لَا تُخْرِجُهَا عَن كَوْنِهَا حَقِيقَةً عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَلكَوْنِ الْمُرَكَّبِ قَد صَارَ مَوْضُوعًا لِذَلِكَ الْمَعْنَى أَو مِن الْقَرَائِنِ الْحَاليَّةِ الَّتِي تَجْعَلُهَا مَجَازًا عِنْدَ الْجُمْهُورِ.

стр. 1090

وَأَمَّا إذَا أُطْلِقَ الْكَلَامُ مُجَرَّدًا عَن الْقَرِينَتَيْنِ فَمَعْنَاهُ السَّلْبُ الْمُطْلَقُ وَهُوَ كَثِيرٌ فِي الْكَلَامِ، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ : "إنَّما الشَّهر تِسْعٌ وعِشْرُون" وَقَوْلُة: "الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُون" حَيْثُ قَصَدَ بِهِ الْحَصْرَ فِي النَّوْعِ لَمَّا كَانَ اللهُ تَعَالَى قَد عَلَّقَ بِالشَّهْرِ أَحْكَامًا كَقَوْلِهِ: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وَقَوْلِهِ: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧]، وَقَوْلِهِ: ﴿شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَكَانَ مِن الْأَفْهَامِ مَا يَسْبِقُ إلَى أَنَّ مُطْلَقَ الشَّهْرِ ثَلَاثُونَ يَوْمًا، وَلَعَلَّ بَعْضَ مَن لَمْ يَعُدَّ أَيَّامَ الشَّهْرِ يَتَوَهَّمُ أَنَّ السَّنَةَ ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ يَوْمًا، وَأَنَّ كُلَّ شَهْرٍ ثَلَاثونَ يَوْمًا، فَقَالَ ﷺ : "الشَّهْرُ الثَّابِث اللَّازِمُ الَّذِي لَا بُدَّ مِنْهُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ"، وَزِيادَةُ الْيَوْمِ قَد تَدْخُلُ فِيهِ وَقَد تَخْرُجُ مِنْهُ، كَمَا يَقُولُ: "الْإِسلَامُ شَهَادَةُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللهُ وَأَنْ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ"، فَهَذَا هُوَ الَّذِي لَا بُدَّ مِنْهُ، وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَقَد يَجِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ وَقَد يَمُوتُ قَبْلَ الْكَلَامِ، فَلَا يَكُونُ الْإِسْلَامُ فِي حَقِّهِ إلَّا مَا تَكَلَّمَ بِهِ. [٢٥/ ١٥٥ - ١٦٠] ١٣١٨ - قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (٥٦) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (٥٧)﴾ [الإسراء: ٥٦، ٥٧]، قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْحَق بْنُ عَطِيَّةَ فِي تَفْسِيرِهِ: أَخْبَرَ اللهُ تَعَالَى أَنَّ هَؤُلَاءِ الْمَعْبُودِينَ يَطْلُبُونَ التَّقَرّبَ إلَيْهِ وَالتَّزَلُّفَ إلَيْهِ، وَأَنَّ هَذِهِ حَقِيقَةُ حَالِهِمْ. وَالضَّمِيرُ فِي (رَبِّهِمْ) لِلْمُبْتَغِينَ أَو لِلْجَمِيعِ، و (الْوَسِيلَةُ) هِيَ الْقُرْبَةُ وَسَبَبُ الْوصُولِ إلَى الْبُغْيَةِ، وَتَوَسَّلَ الرَّجُلُ إذَا طَلَبَ الدُّنُوَّ وَالنَّيْلَ لِأَمْرٍ مَا، وَمِنْهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : "مَن سَأَل اللهَ لِي الْوَسِيلَةَ" (١) الْحَدِيثُ. وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ: ذَكَرَ سَائِرُ الْمُفَسِّرِينَ نَحْوَهُ، إلَّا أَنَّهُ بَرَزَ بِهِ عَلَى غَيْرِهِ فَقَالَ: و ﴿أَيُّهُمْ﴾ ابْتِدَاءٌ، وَخَبَرُهُ ﴿أَقْرَبُ﴾، و ﴿أُولَئِكَ﴾ يُرَادُ بِهِم الْمَعْبُودُونَ، وَهُوَ
следующие страницы →