Полный текст (3 539 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.
стр. 1086
وَكَذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : "إنَّ خَالِدًا سَيْفٌ مِن سُيُوفِ اللهِ سَلَّهُ اللهُ عَلَى الْمُشْرِكينَ" (١)، وَأَمْثَالُ ذَلِكَ. [٧/ ٨٧ - ١١٤]
١٣١٤ - اسْتِعْمَالُ الْقِيَاسِ فِي اللُّغَهِ وَإِن جَازَ فِي الِاسْتِعْمَالِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي الِاسْتِدْلَالِ؛ فَإِنَّهُ قَد يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَسْتَعْمِلَ هُوَ اللَّفْظَ فِي نَظِيرِ الْمَعْنَى الَّذِي اسْتَعْمَلُوهُ فِيهِ، مَعَ بَيَانِ ذَلِكَ عَلَى مَا فِيهِ مِن النِّزَاعِ، لَكِنْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَعْمِدَ إلَى أَلْفَاظٍ قَد عُرِفَ اسْتِعْمَالُهَا فِي مَعَانٍ، فَيَحْمِلُهَا عَلَى غَيْرِ تِلْكَ الْمَعَانِي ويقُولُ: إنَّهُم أَرَادُوا تِلْكَ بِالْقِيَاسِ عَلَى تِلْكَ، بَل هَذَا تَبْدِيلٌ وَتَحْرِيفٌ. [٧/ ١١٥]
١٣١٥ - لَا بُدَّ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ مِن أَنْ يُعْرَفَ مَا يَدُلّ عَلَى مُرَادِ اللهِ وَرَسُولِهِ مِن الْأَلْفَاظِ وَكَيْفَ يُفْهَمُ كَلَامُهُ، فَمَعْرِفَةُ الْعَرَبِيَّةِ الَّتِي خُوطِبْنَا بِهَا مِمَّا يُعِينُ عَلَى أَنْ نَفْقَهَ مُرَادَ اللهِ وَرَسُولِهِ بِكَلَامِهِ، وَكَذَلِكَ مَعْرِفَةُ دَلَالَةِ الْألْفَاظِ عَلَى الْمَعَانِي؛ فَإِنَّ عَامَّةَ ضَلَالِ أَهْلِ الْبِدَع كَانَ بِهَذَا السَّبَبِ؛ فَإِنَّهُم صَارُوا يَحْمِلُونَ كَلَامَ اللهِ وَرَسُولِهِ عَلَى مَا يَدَّعُونَ أنَّهُ دَالٌّ عَلَيْهِ، وَلَا يَكُونُ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، ويجْعَلُونَ هَذِهِ الدَّلَالَةَ حَقِيقَةً وَهَذ مَجَازًا، كَمَا أَخْطَأَ الْمُرْجِئَةُ فِي اسْمِ الْإِيمَانِ، جَعَلُوا لَفْظَ الْإِيمَانِ حَقِيقَةً فِي مُجَرَّدِ التَّصْدِيقِ، وَتَنَاوُلَهُ لِلْأَعْمَالِ مَجَازًا. [٧/ ١١٦]
١٣١٦ - الْقَرْيَةُ وَالنَهْرُ وَنَحْوُ ذَلِكَ اسْمٌ لِلْحَالِّ وَالْمَحَل، فَهُوَ اسْمٌ يَتَنَاوَلُ الْمَسَاكِنَ وَسُكَانَهَا.
وَأَمَّا الِاشْتِقَاقُ فَهَذَا الْمَوْضِعُ غَلِطَ فِيهِ طَائِفَة مِن الْعُلَمَاءِ، لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ قَرَأ بِالْهَمْزَةِ، وَقَرَى يَقْرِي بِالْيَاءِ؛ فَإِنَّ الَّذِي بِمَعْنَى الْجَمْعِ هُوَ (قَرَى يَقْرِي) بِلَا هَمْزَةٍ، وَمِنْهُ الْقَرْيَةُ وَالْقِرَاءَةُ وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَمِنْهُ قَرَيْت الضَّيْفَ أَقْرِيهِ؛ أيْ: جَمَعْته وَضَمَمْته إلَيْك، وَقَرَيْت الْمَاءَ فِي الْحَوْضِ جَمَعْته، وتقريت الْمِيَاهَ: تَتَبَّعْتهَا، وقروت الْبِلَادَ وَقَرَيْتهَا وَاسْتَقْرَيْتهَا إذَا تَتَبَّعْتهَا تَخْرُجُ مِن بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ، وَمِنْهُ الِاسْتِقْرَاءُ؛ وَهُوَ: تتَبُّعُ الشَّيءِ أَجْمَعَهُ. стр. 1087
وَهَذَا غَيْرُ قَوْلِك: استَقْرَأته الْقُرْآنَ؛ فَإِنَّ ذَاكَ مِن الْمَهْمُوزِ؛ فَالْقَرْيَةُ هِيَ الْمَكَانُ الَّذِي يَجْتَمِع فِيهِ النَّاسُ.
وَأَمَّا (قَرَأَ) بِالْهَمْزِ فَمَعْنَاهُ الْإِظْهَارُ وَالْبَيَانُ، وَالْقُرْءُ وَالْقِرَاءَةُ مِن هَذَا الْبَابِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُم: مَا قَرأت النَّاقَةُ سَلَا جَزُورٍ قَطُّ؛ أَيْ: مَا أَظْهَرَتْهُ وَأَخْرَجَتْهُ مِن رَحِمِهَا، وَالْقَارِي: هُوَ الَّذِي يُظْهِرُ الْقُرْآنَ ويُخْرِجُهُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧)﴾ [القيامة: ١٧] (١)، فَفَرَّقَ بَيْنَ الْجَمْعِ وَالْقُرْآنِ.
وَالْقُرْءُ: هُوَ الدَّمُ؛ لِظُهُورِهِ وَخُرُوجِهِ، وَكَذَلِكَ الْوَقْتُ؛ فَإِنَّ التَّوْقِيتَ إنَّمَا يَكُونُ بِالْأَمْرِ الظَّاهِرِ.
ثُمَّ الطُّهْرُ يَدْخُلُ فِي اسْمِ الْقُرْءِ تبَعًا، كمَا يَدْخُلُ اللَّيْلُ فِي اسْمِ الْيَوْمِ، قَالَ النَّبِي ﷺ لِلْمُسْتَحَاضَةِ: "دَعِي الصَّلَاةَ أَيَّامَ أقرَائِك" (٢).
وَالطُّهْرُ الَّذِي يَتَعَقَّبُهُ حَيْضٌ هُوَ قُرْءٌ؛ فَالْقُرْءُ اسْمٌ لِلْجَمِيعِ.
وَأَمَّا الطُّهْرُ الْمُجَرَّدُ فَلَا يُسَمَّى قُرْءًا؛ وَلهَذَا إذَا طَلُقَتْ فِي أَثْنَاءِ حَيْضَةٍ لَمْ تَعْتَدَّ بِذَلِكَ قُرْءًا؛ لِأَنَّ عَلَيْهَا أَنْ تَعْتَدَّ بثَلَاثَةِ قُرُوءٍ، وَإِذَا طَلُقَتْ فِي أَثْنَاءِ طُهْرٍ كَانَ الْقُرْءُ الْحَيْضَةَ مَعَ مَا تَقَدَّمَهَا مِن الطُّهْرِ؛ وَلهَذَا كَانَ أَكَابِرُ الصَّحَابَةِ عَلَى أَنَّ الْأَقْرَاءَ الْحَيْضُ كَعُمَرِ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَأَبِي مُوسَى وَغَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّهَا مَأْمُورَة بِتَرَبُّصِ ثَلَاثَةِ قُرُوءٍ؛ فَلَو كَانَ الْقُرْءُ هُوَ الطُّهْرُ لَكَانَت الْعِدَّةُ قُرْأَيْنِ وَبَعْضَ الثَّالِثِ، فَإِنَّ النِّزَاعَ مِن الطَّائِفَتَيْنِ فِي الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ؛ فَإِنَّ أَكَابِرَ الصَّحَابَةِ وَمَن وَافَقَهُم يَقُوُلونَ: هُوَ أَحَقُّ بِهَا مَا لَمْ تَغْتَسِلْ مِن الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ، وَصِغَارَ الصَّحَابَةِ: إذَا طَعَنَتْ فِي الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ فَقَد حَلَّتْ.
فَقَد ثَبَتَ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ أَنَّ السُّنَّةَ أَنْ يُطَلِّقَهَا طَاهِرًا مِن غَيْرِ جِمَاعٍ وَقَد стр. 1088
مَضَى بَعْضُ الطُّهْرِ، وَاللهُ أَمَرَ أَنْ يُطَلِّقَ لِاسْتِقْبَالِ الْعِدَّةِ لَا فِي أَثْنَاءِ الْعِدَّةِ. [٢٠/ ٤٧٨ - ٤٧٩]
١٣١٧ - مِن كَلَامِ الْعَرَبِ وَغَيْرِهِمْ أَنَّهُم يَنْفُونَ الشَّيءَ فِي صِيَغِ الْحَصْرِ أَو غَيْرِهَا تَارَةً لِانْتِفَاءِ ذَاتِهِ، وَتَارَةً لِانْتِفَاءِ فَائِدَتِهِ وَمَقْصُودِهِ، ويحْصُرُونَ الشَّيءَ فِي غَيْرِهِ: تَارَةً لِانْحِصَارِ جَمِيعِ الْجِنْسِ مِنْهُ، وَتَارَةً لِانْحِصَارِ الْمُفِيدِ أَو الْكَامِلِ فِيهِ.
ثُمَّ إنَّهُم تَارَةً يُعِيدُونَ النَّفْيَ إلَى الْمُسَمَّى، وَتَارَةً يُعِيدُونَ النَّفْيَ إلَى الِاسْمِ وَإِن كَانَ ثَابِتًا فِي اللُّغَةِ إذَا كَانَ الْمَقْصُود الْحَقِيقِيُّ بِالِاسْمِ مُنْتَفِيًا عَنْه ثَابِتًا لِغَيْرِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [المائدة: ٦٨]، فَنَفَى عَنْهُم مُسَمَّى الشَيءِ مَعَ أَنَّهُ فِي الْأَصْلِ شَامِلٌ لِكُلِّ مَوْجُودٍ مِن حَقٍّ وَبَاطِلٍ؛ لَمَّا كَانَ مَا لَا يُفِيدُ وَلَا مَنْفَعَةَ فِيهِ يَؤُولُ إلَى الْبَاطِلِ الَّذِي هُوَ الْعَدَمُ فَيَصِيرُ بِمَنْزِلَةِ الْمَعْدُومِ، بَل مَا كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ إذَا لَمْ يَحْصُلْ مَقْصودُهُ كَانَ أَوْلَى بِأنْ يَكونَ مَعْدُومًا مِن الْمَعْدُومِ الْمُسْتَمِرِّ عَدَمُهُ؛ لِأَنَّهُ قَد يَكُونُ فِيهِ ضَرَرٌ.
فَمَن قَالَ الْكَذِبَ فَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا.
وَمَن لَمْ يَعْمَلْ بِمَا يَنْفَعُهُ فَلَمْ يَعْمَلْ شَيْئًا.
وَمِنْهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ لَمَّا سُئِلَ عَن الْكُهَّانِ قَالَ: "لَيْسُوا بِشَيْءِ" (١).
ويقُولُ أَهْلُ الْحَدِيثِ عَن بَعْضِ الْمُحَدّثِينَ: لَيْسَ بِشَيءِ، أَو عَن بَعْضِ الْأَحَادِيثِ لَيْسَ بِشَيءٍ إذَا لَمْ يَكُن مِمَن يُنْتَفَعُ بِهِ فِي الرِّوَايَةِ؛ لِظُهُورِ كَذِبِهِ عَمْدًا أَو خَطأً.
وَيُقَالُ أَيْضًا لِمَن خَرَجَ عَن مُوجِب الْإِنْسَانِيَّةِ فِي الْأَخْلَاقِ وَنَحْوِهَا: هَذَا لَيْسَ بِآدَمِيّ وَلَا إنْسَانٍ، مَا فِيهِ إنْسَانِيَّةٌ وَلَا مُرُوءَةٌ، هَذَا حِمَارٌ أَو كلْبٌ، كَمَا стр. 1089
يُقَالُ ذَلِكَ لِمَن اتَّصَفَ بِمَا هُوَ فَوْقَهُ مِن حُدُودِ الْإِنْسَانِيَّةِ، كَمَا قُلْنَ لِيُوسُفَ: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف: ٣١].
وَمِنْهُ قَوْلُهُ ﷺ : "لَا رِبَا إلَّا فِي النَّسِيئَةِ"، أَو: "إنَّمَا الرّبَا فِي النَّسِيئَةِ"؛ فَإِنَّمَا الرِّبَا الْعَامّ الشَامِلُ لِلْجِنْسَيْنِ وَللْجِنْسِ الْوَاحِدِ الْمُتَّفِقَةِ صِفَاتُهُ إنَّمَا يَكُونُ فِي النَّسِيئَةِ، وَأَمَّا رِبَا الْفَضْلِ فَلَا يَكُون إلَّا فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ، وَلَا يَفْعَلُهُ أَحَدٌ إلَّا إذَا اخْتَلَفَت الصِّفَاتُ؛ كَالْمَضْرُوبِ بِالتِّبْرِ وَالْجَيِّدِ بِالرَّدِيءِ.
فَأمَّا إذَا اسْتَوَت الصِّفَاتُ فَلَيْسَ أَحَدٌ يَبِيعُ دِرْهَمًا بِدِرْهَمَيْنِ، وَلهذَا شُرعَ الْقَرْضُ هُنَا؛ لِأَنَّهُ مِن نَوْعِ التَبّرُّعِ.
فَلَمَّا كَانَ غَالِبُ الرِّبَا وَهُوَ الَّذِي نَزَلَ فِيهِ الْقُرآنُ أَوَّلًا وَهُوَ مَا يَفْعَلُهُ النَّاسُ وَهُوَ رِبَا النَّسَاءِ: قِيلَ إنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ.
وَأَيْضا رِبَا الْفَضْلِ إنَّمَا حُرِّمَ لِأنَّهُ ذَرِيعَةٌ إلَى رِبَا النَّسِيئَةِ، فَالرِّبَا الْمَقْصُودُ بِالْقَصْدِ الْأَوَّلِ هُوَ رِبَا النَّسِيئَةِ فَلَا رِبَا إلَّا فِيهِ.
فَإِنَّ الْكَلَامَ الْخَبَرِيّ: إمَّا إثْبَات وَإِمَّا نَفْيٌ، فَكَمَا أَنَّهُم فِي الْإِثْبَاتِ يُثْبِتُونَ لِلشَّيءِ اسْمَ الْمُسَمَّى إذَا حَصَلَ فِيهِ مَقْصُودُ الِاسْمِ، وَإِن انْتَفَتْ صُورَةُ الْمُسَمَّى، فَكَذَلِكَ فِي النَّفْي، فَإِنَّ أَدَوَاتِ النَّفْيِ تَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ الِاسْمِ بِانْتِفَاءِ مُسَمَّاهُ (١)، فَكَذَلِكَ تَارَة؛ لِأنَّهُ لَمْ يُوجَدْ أَصْلًا، وَتَارَةً لِأنَّهُ لَمْ تُوجَد الْحَقِيقَةُ الْمَقْصُودَةُ بِالْمُسَمَّى، وَتَارَةً لِأَنَّهُ لَمْ تَكْمُلْ تِلْكَ الْحَقِيقَةُ، وَتَارَةً لِأَنَّ ذَلِكَ الْمُسَمَّى مِمَّا لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَقْصُودًا، بَل الْمَقْصُودُ غَيْرُهُ، وَتَارَةَ لِأسْبَاب أُخَرَ.
وَهَذَا كُلُّهُ إنَّمَا يَظْهَرُ مِن سِيَاقِ الْكلَامِ وَمَا اقْتَرَنَ بِهِ مِن الْقَرَائِنِ اللَّفْظِيَّةِ الَّتِي لَا تُخْرِجُهَا عَن كَوْنِهَا حَقِيقَةً عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَلكَوْنِ الْمُرَكَّبِ قَد صَارَ مَوْضُوعًا لِذَلِكَ الْمَعْنَى أَو مِن الْقَرَائِنِ الْحَاليَّةِ الَّتِي تَجْعَلُهَا مَجَازًا عِنْدَ الْجُمْهُورِ. стр. 1090
وَأَمَّا إذَا أُطْلِقَ الْكَلَامُ مُجَرَّدًا عَن الْقَرِينَتَيْنِ فَمَعْنَاهُ السَّلْبُ الْمُطْلَقُ وَهُوَ كَثِيرٌ فِي الْكَلَامِ، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ : "إنَّما الشَّهر تِسْعٌ وعِشْرُون" وَقَوْلُة: "الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُون" حَيْثُ قَصَدَ بِهِ الْحَصْرَ فِي النَّوْعِ لَمَّا كَانَ اللهُ تَعَالَى قَد عَلَّقَ بِالشَّهْرِ أَحْكَامًا كَقَوْلِهِ: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وَقَوْلِهِ: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧]، وَقَوْلِهِ: ﴿شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَكَانَ مِن الْأَفْهَامِ مَا يَسْبِقُ إلَى أَنَّ مُطْلَقَ الشَّهْرِ ثَلَاثُونَ يَوْمًا، وَلَعَلَّ بَعْضَ مَن لَمْ يَعُدَّ أَيَّامَ الشَّهْرِ يَتَوَهَّمُ أَنَّ السَّنَةَ ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ يَوْمًا، وَأَنَّ كُلَّ شَهْرٍ ثَلَاثونَ يَوْمًا، فَقَالَ ﷺ : "الشَّهْرُ الثَّابِث اللَّازِمُ الَّذِي لَا بُدَّ مِنْهُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ"، وَزِيادَةُ الْيَوْمِ قَد تَدْخُلُ فِيهِ وَقَد تَخْرُجُ مِنْهُ، كَمَا يَقُولُ: "الْإِسلَامُ شَهَادَةُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللهُ وَأَنْ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ"، فَهَذَا هُوَ الَّذِي لَا بُدَّ مِنْهُ، وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَقَد يَجِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ وَقَد يَمُوتُ قَبْلَ الْكَلَامِ، فَلَا يَكُونُ الْإِسْلَامُ فِي حَقِّهِ إلَّا مَا تَكَلَّمَ بِهِ. [٢٥/ ١٥٥ - ١٦٠]
١٣١٨ - قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (٥٦) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (٥٧)﴾ [الإسراء: ٥٦، ٥٧]، قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْحَق بْنُ عَطِيَّةَ فِي تَفْسِيرِهِ: أَخْبَرَ اللهُ تَعَالَى أَنَّ هَؤُلَاءِ الْمَعْبُودِينَ يَطْلُبُونَ التَّقَرّبَ إلَيْهِ وَالتَّزَلُّفَ إلَيْهِ، وَأَنَّ هَذِهِ حَقِيقَةُ حَالِهِمْ.
وَالضَّمِيرُ فِي (رَبِّهِمْ) لِلْمُبْتَغِينَ أَو لِلْجَمِيعِ، و (الْوَسِيلَةُ) هِيَ الْقُرْبَةُ وَسَبَبُ الْوصُولِ إلَى الْبُغْيَةِ، وَتَوَسَّلَ الرَّجُلُ إذَا طَلَبَ الدُّنُوَّ وَالنَّيْلَ لِأَمْرٍ مَا، وَمِنْهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : "مَن سَأَل اللهَ لِي الْوَسِيلَةَ" (١) الْحَدِيثُ.
وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ: ذَكَرَ سَائِرُ الْمُفَسِّرِينَ نَحْوَهُ، إلَّا أَنَّهُ بَرَزَ بِهِ عَلَى غَيْرِهِ فَقَالَ: و ﴿أَيُّهُمْ﴾ ابْتِدَاءٌ، وَخَبَرُهُ ﴿أَقْرَبُ﴾، و ﴿أُولَئِكَ﴾ يُرَادُ بِهِم الْمَعْبُودُونَ، وَهُوَ стр. 1091
ابْتِدَاءٌ، وَخَبَرُهُ ﴿يَبْتَغُونَ﴾، وَالضَّمِيرُ فِي ﴿يَدْعُونَ﴾ لِلْكُفَّارِ، وَفِي ﴿يَبْتَغُونَ﴾ لِلْمَعْبُودِينَ، وَالتَّقْدِيرُ: نَظَرُهُم وَذِكْرُهُم ﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾.
قَالَ ﵀: وَطَفَّفَ الزَّجَّاجُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ فَتَأَمَّلْهُ.
وَلَقَد صَدَقَ فِي ذَلِكَ؛ فَإِنَّ الزَّجَّاجَ ذَكَرَ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ وَجْهَيْنِ كِلَاهُمَا فِي غَايَةِ الْفَسَادِ، وَقَد ذَكَرَ ذَلِكَ عَنْهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ وَغَيْرُهُ، وَتَابَعَهُ المهدوي والبغوي وَغَيْرُهُمَا.
وَلَكِنَّ ابْنَ عَطِيَّةَ كَانَ أَقْعَدَ بِالْعَرَبِيَّةِ وَالْمَعَانِي مِن هَؤُلَاءِ وَأَخْبَرَ بِمَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ وَالْبَصْرِيِّينَ، فَعَرَفَ تَطْفِيفَ الزَّجَّاجِ مَعَ عِلْمِهِ ﵀ بِالْعَرَبِيَّةِ وَسَبْقِهِ وَمَعْرِفَتِهِ بِمَا يَعْرِفُهُ مِن الْمَعَانِي وَالْبَيَانِ.
وَأُولَئِكَ لَهُم بَرَاعَةٌ وَفَضِيلَةٌ فِي أُمُورٍ يَبْرُزُونَ فِيهَا عَلَى ابْنِ عَطِيَّةَ، لَكِنَّ دِلَالَةَ الْأَلْفَاظِ مِن جِهَةِ الْعَرَبِيَّةِ هُوَ بِهَا أَخْبَرُ، وَإِن كَانُوا هُم أَخْبَرَ بِشَيءٍ آخَرَ مِن الْمَنْقُولَاتِ أَو غَيْرِهَا. [٢٧/ ٤٣٠ - ٤٣١]
١٣١٩ - مَعْلُومٌ أَنَ تَعَلُّمَ الْعَرَبِيَّةِ وَتَعْلِيمَ الْعَرَبِيَّةِ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ، وَكَانَ السَّلَفُ يُؤَدِّبُونَ أَوْلَادَهُم عَلَى اللَّحْنِ، فَنَحْنُ مَأْمُورُونَ أَمْرَ إيجَابٍ أَو أَمْرَ اسْتِحْبَابٍ أَنْ نَحْفَظَ الْقَانُونَ الْعَرَبِيَّ، وَنُصْلِحَ الْأَلْسُنَ الْمَائِلَةَ عَنْهُ، فَيَحْفَظُ لَنَا طَرِيقَةَ فَهْمِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَالِاقْتِدَاءِ بِالْعَرَبِ فِي خِطَابِهَا.
فَلَو تُرِكَ النَاسُ عَلَى لَحْنِهِمْ كَانَ نَقْصًا وَعَيْبًا. [٣٢/ ٢٥٢]
١٣٢٠ - مَا زَالَ السَّلَفُ يَكْرَهُونَ تَغْيِيرَ شَعَائِرِ الْعَرَبِ حَتَّى فِي الْمُعَامَلَاتِ، وَهُوَ التَّكَلُّم بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ، إلَّا لِحَاجَة، كمَا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ مَالِك وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَد، بَل قَالَ مَالِك: مَن تَكَلَّمَ فِي مَسْجِدِنَا بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ أُخْرِجَ مِنْهُ (١). стр. 1092
مَعَ أَنَّ سَائِرَ الْألْسُنِ يَجُوزُ النُّطْق بِهَا لِأَصْحَابِهَا، وَلَكِنْ سَوَّغُوهَا لِلْحَاجَةِ، وَكَرِهُوهَا لِغَيْرِ الْحَاجَةِ وَلحِفْظِ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ؛ فَإِنَّ اللّهَ أَنْزَلَ كِتَابَهُ بِاللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ، وَبَعَثَ بِهِ نَبِيَّهُ الْعَرَبِيَّ، وَجَعَلَ الْأُمَّةَ الْعَرَبِيَّةَ خَيْرَ الْأُمَمِ، فَصَارَ حِفْظُ شِعَارِهِمْ مِن تَمَامِ حِفْظِ الْإِسْلَامِ، فَكَيْفَ بِمَن تَقَدَّمَ عَلَى الْكَلَامِ الْعَرَبِيِّ -مُفْرَدِهِ وَمَنْظُومِهِ- فَيُغَيِّرُهُ وَيُبَدِّلُهُ ويُخْرِجُهُ عَن قَانُونِهِ، وَيُكَلِّفُ الِانْتِقَالَ عَنْهُ؟!.
فَإِنَّ صَلَاحَ الْعَقْلِ وَاللِّسَانِ مِمَّا يُؤمَرُ بِهِ الْإنْسَانُ، ويُعِينُ ذَلِكَ عَلَى تَمَامِ الْإِيمَانِ، وَضِدُّ ذَلِكَ يُوجِبُ الشِّقَاقَ وَالضَّلَالَ وَالْخُسْرَانَ. [٣٢/ ٢٥٥]
١٣٢١ - اعْلَمْ أَنَّ مَن لَمْ يُحْكم دَلَالَاتِ اللَّفْظِ ويَعْلَمْ أَنَّ ظُهُورَ الْمَعْنَى مِن اللَّفْظِ:
أ- تَارَةَ يَكُونُ بِالْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ أَو الْعُرْفِيِّ أَو الشَّرْعِيِّ؛ إمَّا فِي الْأَلْفَاظِ الْمُفْرَدَةِ، وَإمَّا فِي الْمُرَكَّبَةِ.
ب- وَتَارَةً بِمَا اقْتَرَنَ بِاللَّفْظِ الْمُفْرَدِ مِن التَّرْكِيبِ الَّذِي تتغَيَّرُ بِهِ دَلَالَتُهُ فِي نَفْسِهِ.
ج- وَتَارَةً بِمَا اقْتَرَنَ بِهِ مِن الْقَرَائِنِ اللَّفْظِيَّةِ الَّتِي تَجْعَلُهُ مَجَازًا.
د- وَتَارَةَ بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ حَالُ الْمُتَكَلِّمِ وَالْمُخَاطَبِ وَالْمُتَكلَّمِ فِيهِ.
إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِن الْأَسْبَابِ الَّتِي تُعْطِي اللَّفْظَ صِفَةَ الظُّهُورِ.
وَإِلَّا فَقَد يُتَخَبَّطُ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ.
نَعَمْ، إذَا لَمْ يَقْتَرِنْ بِاللَّفْظِ قَطُ شَيءٌ مِن الْقَرَائِنِ الْمُتَّصِلَةِ الَّتِي تُبَيِّنُ مُرَادَ الْمُتَكَلِّمِ، بَل عُلِمَ مُرَادُهُ بِدَلِيل آخَرَ لَفْظِيٍّ مُنْفَصِلٍ: فَهُنَا أُرِيدَ بِهِ خِلَافُ الظَّاهِرِ؛ كَالْعُمُومِ الْمَخْصُوصِ بِدَلِيل مُنْفَصِلٍ.
وَإِن كَانَ الصَّارِفُ عَقْلِيًّا ظَاهِرًا: فَفِي تَسْمِيَةِ الْمُرَادِ خِلَافُ الظَّاهِرِ خِلَافٌ مَشْهُورٌ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ.
وَبِالْجُمْلَةِ: فَإِذَا عُرِفَ الْمَقْصُودُ فَقَوْلُنَا: هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ أَو لَيْسَ هُوَ الظَّاهِرَ: خِلَافٌ لَفْظِيٌّ. [٣٣/ ١٨١ - ١٨٢]
* * *
стр. 1093
العرب
(تفضيل جنس العرب على غيرهم لا يعني تفضيل جنس العربي على غيره إلا بالتقوى)
١٣٢٢ - لَمْ يَخُصَّ ﷺ الْعَرَبَ بِنَوْعٍ مِن أَنْوَاعِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ؛ إذ كَانَت دَعْوَتُهُ لِجَمِيعِ الْبَرِيَّةِ؛ لَكِنْ نَزَلَ الْقُرْآنُ بِلِسَانِهِمْ بَل نَزَلَ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ كَمَا ثَبَتَ عَن عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ لِابْنِ مَسْعُودٍ: أَقْرِئْ النَّاسَ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ، فَإِنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ بِلِسَانِهِمْ. وَهَذَا لِأَجْلِ التَّبْلِيغِ؛ لِأَنَّهُ بَلَّغَ قَوْمَهُ أَوَّلًا ثُمَّ بِوَاسِطَتِهِمْ بَلَّغَ سَائِرُ الْأُمَمِ، وَأَمَرَهُ اللهُ بِتَبْلِيغِ قَوْمِهِ أَوَّلًا ثمَّ بِتَبْلِيغِ الْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ إلَيْهِ، كَمَا أَمَرَ بِجِهَادِ الْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ.
وَمَا ذَكَرَهُ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِن أَنَّ غَيْرَ الْعَرَبِ لَيْسُوا أَكْفَاءً لِلْعَرَبِ فِي النّكَاحِ فَهَذِهِ مَسْأَلَةُ نِزَاعٍ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ. وَلَيْسَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَصٌّ صَحِيحٌ صَرِيحٌ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ.
وَقَد ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إن اللهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِن بَني إسْمَاعِيلَ".
جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ جِنْسَ الْعَرَبِ خَيْرٌ مِن غَيْرِهِمْ، كَمَا أَنَّ جِنْسَ قُرَيْشٍ خَيْرٌ مِن غَيْرِهِمْ، وَجِنْسَ بَنِي هَاشِمٍ خَيْرٌ مِن غَيْرِهِم.
لَكِنَّ تَفْضِيلَ الْجُمْلَةِ عَلَى الْجُمْلَةِ لَا يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ فَرْدٍ أَفْضَلَ مِن كُلِّ فَرْدٍ فَإِنَّ فِي غَيْرِ الْعَرَبِ خَلْقًا كَثِيرًا خَيْرٌ مِن أَكْثَرِ الْعَرَبِ، وَفِي غَيْرِ قُرَيْشٍ مِن الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ مَن هُوَ خَيْرٌ مِن أَكْثَرِ قُرَيْشٍ، وَفِي غَيْرِ بَنِي هَاشِمٍ مِن قُرَيْشٍ وَغَيْرِ قُرَيْشٍ مَن هوَ خَيْرٌ مِن أَكْثَرِ بَنِي هَاشِمٍ، كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إنَّ خَيْرَ
стр. 1094
الْقُرُونِ الْقَرْنُ الَّذِينَ بُعِثْت فِيهِمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُم ثم الَّذِينَ يَلُونَهُمْ". [١٩/ ٢٧ - ٣٠]
١٣٢٣ - إِذَا فُضّلَتْ جُمْلَة عَلَى جُمْلةٍ لَمْ يَسْتَلْزِمْ ذَلِكَ تَفْضِيلَ الْأَفْرَادِ عَلَى الْأَفْرَادِ؛ كَتَفْضِيلِ الْقَرْنِ الثَّانِي عَلَى الثَّالِثِ، وَتَفْضِيلِ الْعَرَبِ عَلَى مَا سِوَاهُمْ، وَتَفْضِيلِ قرَيْشٍ عَلَى مَا سِوَاهُمْ. [٢٧/ ٤٧]
١٣٢٤ - لَا خِلَافَ بَيْنِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ جِنْسَ النُسَّاكِ الزُّهَّادِ السَّاكِنِينَ فِي الْأَمْصَارِ أَفْضَلُ مِن جِنْسِ سَاكِنِي الْبَوَادِي وَالْجِبَالِ؛ كَفَضِيلَةِ الْقَرَوِيِّ عَلَى الْبَدَوِيِّ وَالْمُهَاجِرِ عَلَى الْأَعْرَابِيِّ. [٢٧/ ٥٦]
* * *
стр. 1095
القرآن وعلومه
(الِاخْتِلَافُ نَوْعَانِ: اخْتِلَافٌ فِي تَنْزِيلِهِ وَاخْتِلَافٌ فِي تَأْوِيلِهِ)
١٣٢٥ - قَاعِدَة فِي الْقُرْآنِ وَكَلَامِ اللهِ:
الِاخْتِلَافُ نَوْعَانِ: اخْتِلَافٌ فِي تَنْزِيلِهِ وَاخْتِلَاف فِي تَأوِيلِهِ.
الِاخْتِلَافُ فِي تَنْزِيلِهِ: هُوَ بَيْنَ الْمُؤمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ، فَإِنَّ الْمُؤمِنِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أنْزِلَ، وَالْكَافِرُونَ كَفَروا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلَ اللهُ بِهِ رُسُلَهُ.
وَذَلِكَ أَنَّ اللهَ أَرْسَلَ الرُّسُلَ إلَى النَّاسِ لِتُبلّغَهُم كَلَامَ اللهِ الَّذِي أَنْزَلَهُ إلَيْهِمْ، فَمَن آمنَ بِالرُّسُلِ آمَنَ بِمَا بَلَّغُوهُ عَن اللهِ، وَمَن كَذَّبَ بِالرُّسُلِ كَذَّبَ بِذَلِكَ.
فَالْإِيمَانُ بِكَلَامِ اللهِ دَاخِل فِي الْإِيمَانِ بِرِسَالَةِ اللهِ إلَى عِبَادِهِ، وَالْكُفْرُ بِذَلِكَ هُوَ الْكُفْرُ بِهَذَا، فَتَدَبَّرْ هَذَا الْأَصْلَ فَإِنَّهُ فُرْقَان هَذَا الِاشْتِبَاهِ.
وَالْإِيمَان بِالرُّسُلِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ جَامِعًا عَامًّا مُؤْتَلِفًا لَا تَفْرِيقَ فِيهِ وَلَا تَبْعِيضَ وَلَا اخْتِلَافَ، بِأنْ يُؤمِنَ بِجَمِيعِ الرُّسُلِ وَبِجَمِيعِ مَا انْزِلَ إلَيْهِمْ.
فَمَن آمَنَ بِبَعْضِ الرُّسُلِ وَكَفَرَ بِبَعْضٍ أَو آمنَ بِبَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللهُ وَكَفَرَ بِبَعْضٍ فَهُوَ كَافِر.
فَصْل
التَّفْرِيقُ وَالتَّبْعِيض قَد يَكُونُ فِي الْقَدْرِ تَارَةً، وَقَد يَكُونُ فِي الْوَصْفِ، إمَّا فِي الْكَمّ وَإِمَّا فِي الْكَيْفِ، كَمَا قَد يَكُونُ فِي التّنزِيلِ تَارَةً، وَفِي التَّأوِيلِ أُخْرَى.
فَمَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى رُسُلِهِ قَد يَقَعُ التَّفْرِيقُ وَالتَّبْعِيضُ فِي قَدْرِهِ، وَقَد يَقَعُ فِي وَصْفِهِ.
стр. 1096
فَالْأَوَّلُ مِثْلُ قَوْلِ الْيَهُودِ: نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُوسَى دُونَ مَا أُنْزِلَ عَلَى عِيسَى وَمُحَمَّدٍ.
وَهَكذَا النَّصَارَى فِي إيمَانِهِمْ بِالْمَسِيحِ دُونَ مُحَمَّدٍ.
فَمَن آمَنَ بِبَعْضِ الرّسُلِ وَالْكُتُبِ دُونَ بَعْضٍ فَقَد دَخَلَ فِي هَذَا، فَإِنَّهُ لَمْ يُؤْمِن بِجَمِيعِ الْمُنَزَّلِ.
وَكَذَلِكَ مَن كَانَ مِن الْمُنْتَسِبِينَ إلَى هَذِهِ الأمَّةِ يُؤمِنُ بِبَعْضِ نُصُوصِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ دُونَ بَعْضٍ؛ فَإِنَّ الْبِدع مُشْتَقَّة مِن الْكُفْرِ.
وَأَمَّا الْوَصْفُ فَمِثْلُ اخْتِلَافِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فِي الْمَسِيحِ: هَؤلَاءِ قَالُوا إنَّهُ عَبْدٌ مَخْلُوق، لَكِنْ جَحَدوا نُبوَّتَه وَقَدَحُوا فِي نَسَبِهِ، وَهَؤلَاءِ أَقَرُّوا بِنُبُوَّتِهِ وَرِسَالَتِهِ، وَلَكِنْ قَالُوا هُوَ اللهُ. [١٢/ ٦ - ١٤]
* * *
(حكم قراءة الإدارة ؟)
١٣٢٦ - قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ كُلُّ وَاحِدٍ عَلَى حِدَتِهِ أَفْضَل مِن (قِرَاءَةِ) (١) مُجْتَمِعِينَ بِصَوْت وَاحِدٍ؛ فَإِنَّ هَذِهِ تُسَمَّى "قِرَاءَةَ الْإِرَادَةِ" (٢) وَقَد كَرِهَهَا طَوَائِفُ مِن أَهْلِ الْعِلْمِ؛ كَمَالِكٍ وَطَائِفَةٍ مِن أَصْحَابِ الْإِمَامِ أَحْمَد وَغَيْرِهِمْ، وَمَن رَخَّصَ فِيهَا -كَبَعْضِ أَصْحَابِ الْإِمَامِ أَحْمَد- لَمْ يَقُلْ إنَّهَا أَفْضَل مِن قِرَاءَةِ الِانْفِرَادِ، يَقْرَأُ كُل مِنْهُم جَمِيعَ الْقُرْآنِ، وَأَمَّا هَذِهِ الْقِرَاءَةُ فَلَا يَحْصُلُ لِوَاحِد جَمِيعُ الْقُرْآنِ، بَل هَذَا يُتِمُّ مَا قَرَأَهُ هَذَا، وَهَذَا يُتِمُّ مَا قَرَأَهُ هَذَا، وَمَن كَانَ لَا يَحْفَظُ الْقُرْآنَ يَتْرُكُ قِرَاءَةَ مَا لَمْ يَحْفَظْهُ. [٣١/ ٥٠]
* * * стр. 1097
(مَذْهب السَّلَفِ في الْقُرْآن)
١٣٢٧ - مَذْهَبُ سَلَفِ الْأمةِ وَأَئِمتِهَا مِن الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُم بِإِحْسَان وَسَائِرِ أَئِمةِ الْمُسْلِمِينَ كَالْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، وَهوَ الَّذِي يُوَافِقُ الْأدِلَّةَ الْعَقْلِيةَ الصَّرِيحَةَ: أَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللهِ مُنَزل غَيْرُ مَخْلوقٍ، مِنْهُ بَدَأَ وإلَيْهِ يَعُودُ، فَهُوَ الْمُتَكَلِّمُ بِالْقُرْآنِ وَالتَّوْرَاةِ وَالإنْجِيلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِن كَلَامِهِ، لَيْسَ ذَلِكَ مَخْلُوقًا منْفَصِلا عَنْهُ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ يَتَكَلَّمُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتهِ، فَكَلَامُهُ قَائِم بِذَاتِهِ، لَيْسَ مَخْلُوقًا بَائِنًا عَنْهُ، وَهُوَ يَتَكَلمُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتهِ.
فَكلَامُهُ قَدِيم بِمَعْنَى أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا إذَا شَاءَ.
وَاللهُ سُبْحَانَه تكلمَ بِالْقُرْآنِ الْعَرَبِيِّ وَبِالتوْرَاةِ الْعِبْرِيَّةِ.
قَالَ أَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ ﵀: مِنْهُ بَدَأَ؛ أَيْ: هُوَ الْمُتَكَلّمُ بِهِ، فَإِنَّ الَّذِينَ قَالُوا: إنَّهُ مَخْلُوق، قَالُوا خَلَقَهُ فِي غَيْرِهِ فَبَدَأ مِن ذَلِكَ الْمَخْلُوقُ.
وإنمَا يَتَّصِفُ الرَّبُّ تَعَالَى بِمَا يَقُومُ بِهِ مِن الصِّفَاتِ لَا بِمَا يَخْلُقُهُ فِي غَيْرِهِ مِن الْمَخْلُوقَاتِ.
وَمَن جَعَلَ كَلَامَهُ مَخْلُوقا لَزِمَهُ أَنْ يَقُولَ الْمَخْلُوقُ هُوَ الْقَائِلُ لِمُوسَى: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤)﴾ [طه: ١٤]، وَهَذَا مُمْتَنِعٌ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا كَلَامًا إلَّا لِرَبِّ الْعَالَمِينَ. [١٢/ ٣٧ - ٤١]
* * *
(السَّمَاع الَّذِي شَرَعَه اللّه تَعَالَى لِعِبادِهِ)
١٣٢٨ - السَّمَاعُ الَّذِي شَرَعَهُ اللهُ تَعَالَى لِعِبَاده وَكانَ سَلَفُ الأمَّةِ مِن الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَتَابِعِيهِمْ يَجْتَمِعونَ عَلَيْهِ لِصَلَاحِ قُلُوبِهِم وَزَكَاةِ نُفُوسِهِمْ: هُوَ سَمَاعُ آياتِ اللهِ تَعَالَى، وَهُوَ سَمَاعُ النَّبِيّينَ وَالْمُؤمِنِينَ وَأهْلِ الْعِلْمِ وَأَهْلِ الْمَعْرِفَةِ.
وَبِهَذَا السَّمَاعِ أَمَرَ اللهُ تَعَالَى كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ
стр. 1098
وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، وَعَلَى أَهْلِهِ أَثْنَى كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٧، ١٨]، وَقَالَ فِي الآيَةِ الأخْرَى: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (٦٨)﴾ [المؤمنون: ٦٨]، فَالْقَوْل الَّذِي أُمِرُوا بِتَدَبرِهِ هُوَ الْقَوْلُ الَّذِي أُمِرُوا بِاسْتِمَاعِهِ. [١١/ ٥٥٧ - ٥٥٨]
* * *
(مَن قَالَ: اللَّفْظ بِالْقُرْآنِ مَخْلُوقٌ فَهوَ جهمي، وَمَن قَالَ: إنَّه غَيْرُ مَخْلوقٍ فَهوَ مُبْتَدِعٌ)
١٣٢٩ - هَذَا الْقُرْآنُ هُوَ كَلَامُ اللهِ، وَهُوَ مُثْبَت فِي الْمَصَاحِفِ، وَهُوَ كَلَامُ اللهِ مُبَلَّغا عَنْهُ مَسْمُوعًا مِن الْقُرَّاءِ، لَيْسَ هُوَ مَسْمُوعًا مِنْهُ.
فَمَن عَرَفَ مَا بَيْنَ الْحَالَيْنِ مِن الِاجْتِمَاعِ وَالِافْتِرَاقِ، وَالِاخْتِلَافِ وَالِاتِّفَاقِ: زَالَتْ عَنْهُ الشُّبْهَةُ الَّتِي تُصِيبُ كَثِيرًا مِن النَّاسِ فِي هَذَا الْبَابِ.
فَإِنَّ طَائِفَةً قَالَتْ: هَذَا الْمَسْمُوعُ كَلَامُ اللهِ، وَالْمَسْمُوعُ صَوْتُ الْعَبْدِ، وَصَوْتُهُ مَخْلُوقٌ، فَكَلَامُ اللهِ مَخْلُوق، وَهَذَا جَهْل، فَإِنَّهُ مَسْمُوع مِن الْمُبَلّغ، وَلَا يَلْزَمُ إذَا كَانَ صَوْتُ الْمُبَلِّغِ مَخْلُوقًا أَنْ يَكُونَ نَفْسُ الْكَلَامِ مَخْلُوقا.
وَقَالَتْ طَائِفَة: هَذَا الْمَسْمُوعُ صَوْتُ الْعَبْدِ وَهُوَ مَخْلُوق، وَالْقُرْآنُ لَيْسَ بِمَخْلُوقِ، فَلَا يَكُونُ هَذَا الْمَسْمُوعُ كَلَامَ اللهِ وَهَذَا جَهْل، فَإِنَّ الْمَخْلُوقَ هُوَ الصَّوْتُ لَا نَفْسُ الْكَلَامِ الَّذِي يُسْمَعُ مِن الْمُتَكَلِّمِ بِهِ وَمِن الْمُبَلّغِ عَنْهُ.
وَطَائِفَة قَالَتْ: هذا كَلَامُ اللهِ، وَكَلَامُ اللهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ؛ فَيَكُون هَذَا الصَّوْتُ غَيْرَ مَخْلُوقٍ، وَهَذَا جَهْل، فَإِنَّهُ إذَا قِيلَ: هَذَا كَلَامُ اللهِ؛ فَالْمُشَارُ إلَيْهِ هُوَ الْكَلَامُ مِن حَيْثُ هُوَ هُوَ، وَهُوَ الثَّابِتُ إذَا سُمِعَ مِن الله، وَإِذَا سُمِعَ مِن الْمُبَلَّغِ عَنْهُ، وَإِذَا قِيلَ لِلْمَسْمُوعِ: إنَّهُ كَلَامُ اللهِ، فَهُوَ كَلَامُ اللهِ مَسْمُوعًا مِن الْمُبَلِّغِ عَنْهُ، لَا مَسْمُوعًا مِنْهُ، فَهُوَ مَسْمُوعٌ بِوَاسِطَةِ صَوْتِ الْعَبْدِ، وَصَوْتُ الْعَبْدِ مَخْلُوق، وَأَمَّا كَلَامُ اللهِ نَفْسُهُ فَهُوَ غَيْرُ مَخْلوقٍ حَيْثُ مَا تَصَرَّفَ.
стр. 1099
فَإِنْ قِيلَ: مَا مَنْشَأُ هَذَا النِّزَاعِ وَالِاشْتِبَاهِ وَالتَّفَرُّقِ وَالِاخْتِلَافِ؟
قِيلَ: مُنْشَؤه هُوَ الْكَلَامُ الَّذِي ذَمَّهُ السَّلَف وَعَابُوهُ. [١٢/ ١٣٨ - ١٤٠]
١٣٣٠ - كَانَ الْإِمَامُ أحْمَد بْن حَنْبَلٍ وَغَيْرُهُ مِن أَئِمَّةِ السنَّةِ يَقُولُونَ: مَن قَالَ اللَّفْظُ بِالْقُرْآنِ أَو لَفْظِي بِالْقُرْآنِ مَخْلُوق فَهُوَ جهمي، وَمَن قَالَ: إنَّهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ فَهُوَ مُبْتَدِعٌ، وَفي بَعْضِ الرّوَايَاتِ عَنْهُ: مَن قَالَ: لَفْظِي بِالْقُرْآنِ مَخْلُوق، يَعْنِي بِهِ الْقُرْآنَ فَهُوَ جهمي.
لِأَنَّ اللفْظَ يُرَادُ بِهِ مَصْدَرُ لَفَظَ يَلْفِظُ لَفْظًا، وَمُسَمَّى هَذَا فِعْلُ الْعَبْدِ، وَفِعْلُ الْعَبْدِ مَخْلُوق.
ويُرَاد بِاللَّفْظِ الْقَوْلُ الَّذِي يَلْفِظُ بِهِ اللَّافِظُ، وَذَلِكَ كَلَامُ اللهِ لَا كَلَامُ الْقَارِئِ.
فَمَن قَالَ: إنَّهُ مَخْلُوق، فَقَد قَالَ إنَّ اللّهَ لَمْ يَتَكَلمْ بِهَذَا الْقُرْآنِ، وإنَّ هَذَا الَّذِي يَقْرَؤهُ الْمُسْلِمونَ لَيْسَ هُوَ كَلَامَ اللهِ، وَمَعْلُوم أنَّ هَذَا مُخَالِفٌ لِمَا عُلِمَ بِالِاضْطِرَارِ مِن دِينِ الرَّسُولِ.
وَأمَّا صَوْتُ الْعَبْدِ فَهُوَ مَخْلُوق وَقَد صَرَّحَ أَحْمَد وَغَيْرُهُ بِأنَّ الصَّوْتَ الْمَسْمُوعَ صَوْتُ الْعَبْدِ، وَلَمْ يَقلْ أحْمَد قَطُّ: مَن قَالَ: إنَّ صَوْتِي بِالْقُرْآنِ مَخْلُوقٌ فَهُوَ جهمي، وَإِنَّمَا قَالَ: مَن قَالَ: لَفْظِي بِالْقُرْآنِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ لَفْظِ الْكلَامِ وَصَوْتِ الْمُبَلغِ لَهُ فَرْقٌ وَاضِح، فَكلُّ مَن بَلَّغَ كَلَامَ غَيْرِهِ بِلَفْظِ ذَلِكَ الرَّجُلِ فَإِنَّمَا بَلَّغَ لَفْظَ ذَلِكَ الْغَيْرِ لَا لَفْظَ نَفْسِهِ، وَهُوَ إنَّمَا بَلَّغَهُ بِصَوْتِ نَفْسِهِ لَا بِصَوْتِ ذَلِكَ الْغَيْرِ.
وَنَفْسُ اللَّفْظِ وَالتِّلَاوَةِ وَالْقِرَاءَةِ وَالْكِتَابَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ لَمَّا كَانَ يُرَادُ بِهِ الْمَصْدَرُ الَّذِي هُوَ حَرَكَاتُ الْعِبَادِ، وَمَا يَحْدُثُ عَنْهَا مِن أَصْوَاتِهِمْ وَشَكلِ الْمِدَادِ، ويرَادُ بِهِ نَفْسُ الْكَلَامِ الَّذِي يَقْرَؤُهُ التَّالِي ويتْلُوهُ ويلْفِظُ بِهِ وَيَكْتُبُهُ: مَنَعَ أَحْمَد وَغَيْرهُ مِن إطْلَاقِ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ الَّذِي يَقْتَضِي جَعْلَ صِفَاتِ اللهِ مَخْلُوقَةً، أَو جَعْلَ صِفَاتِ الْعِبَادِ وَمِدَادَهُم غَيْرَ مَخْلُوقٍ. [١٢/ ٧٤]
* * *
стр. 1100
(الْقُرْآن مَنقُول بِالتَّوَاتُرِ مَحْفُوظ فِي الصُّدُورِ)
١٣٣١ - الصَّحَابَةُ لَمَّا كَتَبُوا الْمَصَاحِفَ كَتَبُوهَا غَيْرَ مَشْكُولَةٍ وَلَا مَنْقُوطَةٍ؛ لِأَنَّهُم إنَّمَا كَانُوا يَعْتَمِدُونَ فِي الْقُرْآنِ عَلَى حِفْظِهِ فِي صُدُورِهِمْ لَا عَلَى الْمَصَاحِفِ، وَهُوَ مَنْقُول بِالتَّوَاتُرِ مَحْفُوظ فِي الصدُورِ، لَو عُدِمَتْ الْمَصَاحِفُ لَمْ يَكُن لِلْمُسْلِمِينَ بِهَا حَاجَة، فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ لَيْسُوا كَأهْلِ الْكِتَاب الَّذِينَ يَعْتَمِدُونَ عَلَى الْكُتُبِ الَّتِي تَقْبَلُ التَّغَيُّرَ، وَاللهُ أَنْزَلَ الْقُرْآنَ عَلَى مُحَمَّدٍ فَتَلَقًّاهُ تَلَقيَا، وَحَفِظَهُ فِي قَلْبِهِ، لَمْ يُنَزِّلْهُ مَكْتُوبًا كَالتَّوْرَاةِ، وَأنْزَلَة مُنَجَّمًا مُفَرَّقًا لِيُحْفَظَ، فَلَا يَحْتَاجُ إلَى كِتَاب.
ثُمَّ إنَّهُ فِي زَمَنِ التَّابِعِينَ لَمَّا حَدَثَ اللَّحْنُ صَارَ بَعْض التَّابِعِينَ يُشَكِّلُ الْمَصَاحِفَ وَيُنَقطُهَا، وَكَانُوا يَعْمَلُونَ ذَلِكَ بِالْحُمْرَةِ، ويعْمَلُونَ الْفَتْحَ بِنُقْطَةٍ حَمْرَاءَ فَوْقَ الْحَرْفِ، وَالْكَسْرَةَ بِنُقْطَةٍ حَمْرَاءَ تَحْتَهُ، وَالضَّمَّةَ بِنُقْطَةٍ حَمْرَاءَ أمَامَهُ.
ثُمَّ مَدُّوا النُّقْطَةَ، وَصَارُوا يَعْمَلُونَ الشَّدَّة بِقَوْلِك: "شَدَّ"، ويعْمَلُونَ الْمَدَّةَ بِقَوْلِك: "مَدَّ"، وَجَعَلُوا عَلَامَةَ الْهَمْزَةِ تُشْبِهُ الْعَيْنَ؛ لِأنَّ الْهَمْزَةَ أخْتُ الْعَيْنِ، ثُمَّ خَفَّفُوا ذَلِكَ حَتَّى صَارَتْ عَلَامَةُ الشَّدةِ مِثْل رَأسِ السِّينِ، وَعَلَامَةُ الْمَدَّةِ مُخْتَصَرَةً كَمَا يَخْتَصِرُ أَهْلُ الدِّيوَانِ ألْفَاظَ الْعَدَدِ وَغَيْرَ ذَلِكَ، وَكَمَا يَخْتَصِرُ الْمُحَدِّثُونَ أَخْبَرَنَا وَحَدَّثَنَا فَيَكْتبونَ أَوَّلَ اللَّفْظِ وَآخِرَهُ عَلَى شَكْل "أَنَا" وعَلَى شَكْلِ "ثنا". [١٢/ ١٠٠ - ١٠٢]
* * *
(النُّزول في كِتَابِ الله على أَنْوَاع)
١٣٣٢ - النُّزُولُ فِي كِتَابِ اللهِ ثلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: نُزُولٌ مُقَيد بِأنَّهُ مِنْهُ، وَنُزُول مُقَيَّد بِأنَّهُ مِن السَّمَاءِ، وَنُزُولٌ غَيْرُ مُقَيَّدٍ لَا بِهَذَا وَلَا بِهَذَا.
فَالْأوّلُ: لَمْ يَرِدْ إلَّا فِي الْقُرْآنِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ١١٤].
стр. 1101
وَأَمَّا النُّزُولُ "الْمُقَيَّدُ" بِالسَّمَاءِ فَقَوْلُهُ: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [المؤمنون: ١٨]، وَالسَّمَاءُ اسْمُ جِنْسٍ لِكُلِّ مَا عَلَا، فَإِذَا قُيّدَ بِشَيءٍ مُعَيَّنٍ تَقَيَّدَ بِهِ، فَقَوْلُهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ: ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ مُطْلَقٌ؛ أَيْ: فِي الْعُلُوِّ، ثُمَّ قَد بَيَّنَهُ فِي مَوضِعٍ آخَرَ بِقَولِهِ: ﴿أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ [النور: ٤٣]؛ أيْ: أَنَّهُ مُنَزَّل مِن السَّحَابِ.
وَمِمَّا يُشْبِهُ نُزُولَ الْقُرْآنِ قَوْلُهُ: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [النحل: ٢]، فَنُزُولُ الْمَلَائِكَةِ هُوَ نُزُولُهُم بِالْوَحْيِ مَن أَمْرِهِ الَّذِي هوَ كَلَامُهُ.
وَأَمَّا "الْمُطْلَقُ" فَفِي مَوَاضِعَ، مِنْهَا: مَا ذَكَرَهُ مِن إنْزَالِ السَّكِينَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٦]، وَمِن ذَلِكَ إنْزَالُ الْمِيزَانِ.
والْمَلَائِكَةُ قَد تَنْزِلُ عَلَى قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال: ١٢]، فَذَلِكَ الثَّبَاتُ نَزَلَ فِي الْقُلُوبِ بِوَاسِطَةِ الْمَلَائِكَةِ وَهُوَ السِّكِّينَةُ.
فَاَللّهُ يُنَزِّلُ عَلَيْهِ مَلَكا وَذَلِكَ الْمَلَكُ يُلْهِمُهُ السَّدَادَ، وَهُوَ يَنْزِلُ فِي قَلْبِهِ.
وَقَد ذَكَرَ سُبْحَانَهُ إنْزَالَ الْحَدِيدِ وَالْحَدِيدُ يُخْلَقُ فِي الْمَعَادِنِ.
ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّهُ أَنْزَلَ الْحَدِيدَ (١)، فَكَانَ الْمَقْصُودُ الْأَكْبَرُ بِذِكْرِ الْحَدِيدِ هُوَ اتّخَاذُ آلَاتِ الْجِهَادِ مِنْهُ؛ كَالسَّيْفِ وَالسِّنَانِ وَالنَّصْلِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، الَّذِي بِهِ يُنْصَرُ اللهُ وَرَسُولُهُ ﷺ ، وَهَذِهِ لَمْ تَنْزِلْ مِن السَّمَاءِ.
لَكِنَّ لَفْظَ النُّزُولِ أَشْكَلَ عَلَى كَثِير مِن النَّاسِ، حَتَّى قَالَ قُطْرُبُ ﵀: стр. 1102
مَعْنَاهُ جَعَلَهُ نُزُلًا، كَمَا يُقَالُ: أَنْزَلَ الْأَمْرَ عَلَى فُلَانٍ نُزُلًا حَسَنًا؛ أَيْ: جَعَلَهُ نُزُلًا، قَالَ: وَمِثْلُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر: ٦] وَهَذَا ضَعِيف؛ فَإِنَّ النُّزُلَ إنَّمَا يُطْلَقُ عَلَى مَا يُؤْكَلُ لَا عَلَى مَا يُقَاتَلُ بِهِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى ﴿فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣)﴾ [الواقعة: ٩٣] وَالضّيَافَةُ سُميَتْ نُزُلا؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ أَنَ الضَّيْفَ يَكونُ رَاكِبًا فَيَنْزِلُ فِي مَكان يُؤتَى إلَيْهِ بِضِيَافَتِهِ فِيهِ، فَسُمِّيَتْ نُزُلًا لِأَجْلِ نُزُولهِ.
وَجَعَلَ بَعْضُهم نزُولَ الْحَدِيدِ بِمَعْنَى الْخَلْقِ؛ لِأَنَّهُ أَخْرَجَهُ مِن الْمَعَادِنِ وَعَلَّمَهُم صَنْعَتَهُ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر: ٦]، وَهَذَا مِمَّا أَشْكَلَ أَيْضًا، فَمِنْهُم مَن قَالَ: جَعَلَ، وَمِنْهُم مَن قَالَ: خَلَقَ.
وَلَا حَاجَةَ إلَى إخْرَاجِ اللَّفْظِ عَن مَعْنَاه الْمَعْرُوفِ لُغَةً، فَإِنَّ الْأَنْعَامَ تَنْزِلُ مِن بُطُونِ أُمَّهَاتِهَا وَمِن أَصْلَابِ آبَائِهَا تَأْتِي بُطُونَ أُمَّهَاتِهَا.
وَمِمَّا يُبَيّنُ هَذَا أَنَّهُ لَمْ يَسْتَعْمِل النُّزُولَ فِيمَا خَلَقَ مِن السُّفْليَّاتِ، فَلَمْ يَقُلْ: أَنَزَلَ النَّبَاتَ، وَلَا أَنْزَلَ الْمَرْعَى، وإنَّمَا اسْتَعْمَلَ فِيمَا يُخْلَقُ فِي مَحَل عَالٍ، وَأَنْزَلَهُ اللهُ مِن ذَلِكَ الْمَحَلِّ كَالْحَدِيدِ وَالْأَنْعَامِ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا﴾ [الأعراف: ٢٦]، وَالصَّحِيحُ أَنَّ الرِّيشَ هُوَ الْأَثَاثُ وَالْمَتَاعُ.
وَالْقُرْآنُ مَقْصُودُه جِنْسُ اللِّبَاسِ الَّذِي يُلْبَسُ عَلَى الْبَدَنِ وَفِي الْبُيُوتِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا﴾ [النحل: ٨٠] الْآيَةَ، فَامْتَنَّ سُبْحَانَهُ عَلَيْهِم بِمَا يَنْتَفِعُونَ بِهِ مِن الْأَنْعَامِ فِي اللِّبَاسِ وَالْأَثَاثِ، وَهَذَا -وَاللّهُ أَعْلَمُ- مَعْنَى إنْزَالِهِ؛ فَإنَّهُ يُنَزلُهُ مِن ظُهُورِ الْأَنْعَامِ وَهُوَ كُسْوَةُ الْأَنْعَامِ مِن الْأَصْوَافِ وَالْأَوْبَارِ وَالْأَشْعَارِ وينْتَفِعُ بِهِ بَنُو آدمَ مِن اللّبَاسِ وَالرِّيَاشِ، فَقَد أَنْزَلَهَا عَلَيْهِم وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْأَرْضِ كِسْوَتُهُم مِن جُلُودِ الدَّوَابِّ، فَهِيَ لِدَفْعِ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ وَأَعْظَمُ مِمَّا يُصْنَعُ مِن الْقُطْنِ وَالْكَتَّانِ.
стр. 1103
فَقَد تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ وَلَا فِي السُّنَّةِ لَفْظُ نُزُولٍ إلَّا وَفيهِ مَعْنَى النُّزُولِ الْمَعْرُوفِ، وَهَذَا هُوَ اللَّائِقُ بِالْقُرْآنِ، فَإِنَّهُ نَزَلَ بِلُغَةِ الْعَرَبِ، وَلَا تَعْرِفُ الْعَرَبُ نُزُولًا إلَّا بِهذَا الْمَعْنَى، وَلَو أُرِيدُ غَيْرُ هَذَا الْمَعْنَى لَكَانَ خِطَابًا بِغَيْرِ لُغَتِهَا، ثُمَّ هُوَ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ الْمَعْرُوفِ لَهُ مَعْنًى فِي مَعْنًى آخَرَ بِلَا بَيَانٍ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ بِمَا ذَكَرْنَا، وَبِهَذَا يَحْصُلُ مَقْصُودُ الْقُرْآنِ وَاللُّغَةِ الَّذِي أَخْبَرَ اللهُ تَعَالَى أَنَّهُ بَيّنهُ وَجَعَلَة هُدًى لِلنَّاسِ. [١٢/ ٢٤٧ - ٢٥٧]
* * *
١٣٣٣ - الْقُرْآنُ الَّذِي يَقْرَؤُهُ الْمُسْلِمُونَ كَلَامُ الْبَارِي، وَالصَّوْتُ الَّذِي يَقْرَأُ بِهِ الْعَبْدُ صَوْتُ الْقَارِئِ. [١٢/ ٣٠٣]
* * *
(إذا كَانَ الْمَجْرور بِـ (مِن) عَيْنًا يَقومُ بنَفْسِهِ لَمْ يَكُن صِفَةً لله، وإذَا كَانَ صِفَةً وَلَمْ يذْكَر لَهَا مَحلّ كَانَ صِفَةً للِّه)
١٣٣٤ - قَوْلهُ تعالى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ [السجدة: ١٣] أَخْبَرَ أَنَّ الْقَوْلَ مِنْهُ لَا مِن غيْرِهِ مِن الْمَخْلُوقَاتِ.
وَمِن هِيَ لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ، فَإنْ كَانَ الْمَجْرُورُ بِهَا عَيْنًا يَقُومُ بِنَفْسِهِ لَمْ يَكُن صِفَةً للّهِ كَقَوْلِهِ: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣]، وَقَوْلِهِ فِي الْمَسِيح: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١] وَكَذَلِكَ مَا يَقُومُ بِالْأَعْيَانِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣].
وَأَمَّا إذَا كَانَ الْمَجْرُورُ بِهَا صِفَةً وَلَمْ يُذْكَرْ لَهَا مَحَلّ كَانَ صِفَةً للّهِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ [السجدة: ١٣].
وإن احْتَجَّ مُحْتَجُّ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠)﴾ [التكوير: ١٩، ٢٠] قِيلَ لَهُ: فَقَد قَالَ فِي الآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١)﴾ [الحاقة: ٤٠، ٤١].
стр. 1104
فَالرَّسُولُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مُحَمد ﷺ ، وَالرَّسُولُ فِي الْأخْرَى جِبْرِيلُ، فَلَو أرِيدَ بِهِ أَنَّ الرَّسُولَ أَحْدَثَ عِبَارَتَهُ لَتَنَاقَضَ الْخَبَرَانِ.
فَعُلِمَ أَنَهُ أَضَافَهُ إلَيْهِ إضَافَةَ تَبْلِيغ لَا إضَافَةَ إحْدَاثٍ، وَلهَذَا قَالَ: ﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ﴾ وَلَمْ يَقُلْ مَلك وَلَا نَبِي، وَلَا ريبَ أَنَّ الرَّسُولَ بَلَّغَهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧].
وَإِن احْتَجَّ بِقَوْلِهِ ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء: ٢]، قِيلَ لَهُ: هَذ الآيَةُ حُجَّة عَلَيْك، فَإِنَّهُ لَمَّا قَالَ: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ عُلِمَ أَنَّ الذِّكْرَ مِنْهُ مُحْدَث وَمِنْهُ مَا لَيْسَ بِمُحْدَثٍ؛ لِأَنَّ النَّكِرَةَ إذَا وُصِفَتْ مُيِّزَ بِهَا بَيْنَ الْمَوْصُوفِ وَغَيْرِهِ، كَمَا لَو قَالَ: مَا يَأتِينِي مِن رَجُلٍ مُسْلِمٍ إلا أَكْرَمْتُهُ، وَمَا آكُلُ إلَّا طَعَامًا حَلَالا وَنَحْو ذَلِكَ.
وَيُعْلَمُ أَنَّ الْمُحْدَثَ فِي الْآيَةِ لَيْسَ هُوَ الْمَخْلُوقَ الَّذِي يَقُولُهُ الجهمي، وَلَكِنَّهُ الَّذِي أُنْزِلَ جَدِيدًا، فَإِنَّ اللّهَ كَانَ يُنَزِّلُ الْقُرْآنَ شَيْئًا بَعْدَ شَيء، فَالْمُنَزَّلُ أَوَّلًا هُوَ قَدِيم بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمنَزَّلِ آخِرًا، وَكُلُّ مَا تَقَدَّمَ عَلَى غَيْرِهِ فَهُوَ قَدِيم فِي لُغَةِ الْعَرَبِ، كَمَا قَالَ: ﴿كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس: ٣٩]. [١٢/ ٥١٨ - ٥٢٢]
* * *
١٣٣٥ - الْمَصَاحِفُ الَّتِي كَتَبَهَا الصَّحَابَةُ لَمْ يُشَكِّلُوا حرُوفًا وَلَمْ يُنَقِّطُوهَا؛ فَإِنَّهُم كَانُوا عَربًا لَا يَلْحَنُونَ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ فِي أَوَاخِرِ عَصْرِ الصَّحَابَةِ لَمَّا نَشأَ اللَّحْنُ صَارُوا يُنَقِّطُونَ الْمَصَاحِفَ وَيُشَكِّلُونَهَا، وَذَلِكَ جَائِزٌ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن أَحْمَد، وَكَرِهَهُ بَعْضُهُمْ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَكْرَهُ؛ لِأَنَّ الْحَأجَةَ دَاعِيَةٌ إلَى ذَلِكَ، وَلَا نِزَاعَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ حُكْمَ الشَّكْلِ وَالنَّقْطِ حُكْمُ الْحُرُوفِ الْمَكْتُوبَةِ، فَإِنَّ النُّقَطَ تُمَيِّزُ بَيْنَ الْحُرُوفِ، وَالشَّكْلَ يُبَيِّنُ الْإِعْرَابَ؛ لِأَنَّهُ كَلَامٌ مِن تَمَامِ الْكَلَامِ. [١٢/ ٥٧٦]
١٣٣٦ - الْمُصْحَفُ الْعَتِيقُ وَاَلَّذِي تَخَرَّقَ وَصَارَ بِحَيْثُ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ بِالْقِرَاءَةِ
стр. 1105
فِيهِ فَإِنَّه يُدْفَنُ فِي مَكَانٍ يُصَانُ فِيهِ، كَمَا أَنَّ كَرَامَةَ بَدَنِ الْمُؤْمِنِ دَفْنُهُ فِي مَوْضِع يُصَانُ فِيهِ.
وَإِذَا كُتِبَ شَيء مِن الْقُرْآنِ أَو الذِّكْرِ فِي إنَاءٍ أَو لَوْحٍ وَمُحِيَ بِالْمَاءِ وَغَيْرِهِ وَشُرِبَ ذَلِكَ فَلَا بَأسَ بِهِ، نَص عَلَيْهِ أَحْمَد وَغيْرُهُ.
وَقَد كَانَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَقُولُ فِي مَاءِ زَمْزَمَ: لَا أُحِلُّهُ لِمُغْتَسِلٍ، وَلَكِنْ لِشَارِبٍ حِلّ وبل.
وَالصَّحِيحُ: أَنَّ النَّهْيَ مِن الْعَبَّاسِ إنَمَا جَاءَ عَن الْغُسْلِ فَقَطْ، لَا عَن الْوُضُوءِ، وَالتَّفْرِيقُ بَيْنَ الْغُسْلِ وَالْوُضُوءِ هُوَ لِهَذَا الْوَجْهِ، فَإِنَّ الْغُسْلَ يُشْبِهُ إزَالَةَ النَّجَاسَةِ. [١٢/ ٥٩٩ - ٦٠٠]
* * *
(الكلام عن الأحرف السبعة)
١٣٣٧ - الْقُرْآنُ الَّذِي بَيْنَ لَوْحَي الْمُصْحَفِ مُتَوَاتِر، فَإِنَّ هَذِهِ الْمَصَاحِفَ الْمَكْتُوبَةَ اتفَقَ عَلَيْهَا الصَّحَابَةُ، وَنَقَلُوهَا قُرآنا عَن النَّبِيِّ ﷺ ، وَهِيَ مُتَوَاتِرَة مِن عَهْدِ الصَّحَابَةِ، نَعْلَمُ عِلْما ضَرُوريا أَنَّهَا مَا غُيِّرَتْ.
وَالْقِرَاءَةُ الْمَعْرُوفَةُ عَن السَّلَفِ الْمُوَافِقَةُ لِلْمُصْحَفِ تَجوزُ الْقِرَاءَةُ بِهَا بِلَا نزاع بَيْنَ الْأَئِمَّةِ، وَلَا فَرْقَ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ بَيْنَ قِرَاءَةِ أَبِي جَعْفَرٍ وَيعْقُوبَ وَخَلفٍ، وَبَيْنَ قِرَاءَةِ حَمْزَةَ وَالْكِسَائِي وَأبِي عَمْرٍو وَنعَيْمٍ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَد مِن سَلَفِ الأمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا إنَّ الْقِرَاءَةَ مُخْتَصَّة بِالْقُراءِ السَّبْعَةِ.
فَإِنَّ هَؤُلَاءِ: إنَّمَا جَمَعَ قِرَاءَاتِهِمْ أَبُو بَكْرٍ بنُ مُجَاهِدٍ، بَعْدَ ثَلَاثِمِائَةِ سَنَةٍ مِن الْهِجْرَةِ، وَاتَّبَعَهُ النَّاسُ عَلَى ذَلِكَ، وَقَصَدَ أَنْ يَنْتَخِبَ قِرَاءَةَ سَبْعَةٍ مِن قُرَّاءِ الْأمْصَارِ، وَلَمْ يَقُلْ هُوَ وَلَا أَحَدٌ مِن الْأَئِمةِ: إنَّ مَا خَرَجَ عَن هَذِهِ السَّبْعَةِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَلَا إنَّ قَوْلَ النَبِي ﷺ : "أنزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ" (١) أُرِيدَ بِهِ قِرَاءَةُ стр. 1106
هَؤُلَاءِ السَّبْعَةِ، وَلَكنَّ هَذِهِ السَّبْعَةَ اشْتُهِرَتْ فِي أَمْصَارٍ لَا يَعْرِفُونَ غَيْرَهَا كَأَرْضِ الْمَغْرِب، فَأُولَئِكَ لَا يَقْرَؤُونَ بِغَيْرِهَا؛ لِعَدَمِ مَعْرِفَتِهِمْ بِاشْتِهَارِ غَيْرِهَا.
فَأَمَّا مَن اشْتَهرَتْ عِنْدَهُم هَذِهِ (١) كَمَا اشْتَهَرَ غَيْرُهَا (٢)، مِثْلُ أَرْضِ الْعِرَاقِ وَغَيْرِهَا، فَلَهُم أَنْ يَقْرَؤُوا بِهَذَا وَهَذَا.
وَالْقِرَاءَةُ الشَّاذَّةُ مِثْلُ مَا خَرَجَ عَن مُصْحَفِ عُثْمَانَ؛ كَقِرَاءَةِ مَن قَرَأَ: ﴿الْحَيُّ الْقَيَّامُ﴾ وَ ﴿صِرَاطَ مَن أَنْعَمْت عَلَيْهِمْ﴾ وَ ﴿إنْ كَانَت إلا زقية وَاحِدَةً﴾ ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ وَأَمْثَالِ ذَلِكَ.
فَهَذِهِ إذَا قُرِئَ بِهَا فِى الصَّلَاةِ فَفِيهَا قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ لِلْعُلَمَاءِ هُمَا رِوَايَتَانِ عَن الْإِمَامِ أَحْمَد:
أَحَدُهُمَا: تَصِحُّ الصَّلَاة بِهَا؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ الَّذِينَ قَرَؤوا بِهَا كَانُوا يَقْرَؤُونَهَا فِي الصَّلَاةِ وَلَا يُنْكَرُ عَلَيْهِمْ.
وَالثاني: لَا؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَتَوَاتَرْ إلَيْنَا (٣).
وَأَمَّا مَن قَرَأَ بِقِرَاءَةِ أَبِي جَعْفَرٍ وَيعْقوبَ وَنَحْوِهِمَا: فَلَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِهَا بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ. [١٢/ ٥٦٧ - ٥٧٠]
١٣٣٨ - لَا نِزَاعَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ الْمُعْتَبَرِينَ أَنَّ الْأَحْرُفَ السَّبْعَةَ الَّتِي ذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَيْهَا لَيْسَتْ هِيَ قِرَاءَاتِ الْقُرَّاءِ السَّبْعَةِ الْمَشْهُورَةَ، بَل أَوَّلُ مَن جَمَعَ قِرَاءَاتِ هَؤُلَاءِ هُوَ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرِ بْنُ مُجَاهِدٍ، وَكَانَ عَلَى رَأسِ الْمِائَةِ الثَّالِثَةِ بِبَغْدَادَ، فَإِنَّهُ أَحَبَّ أَنْ يَجْمَعَ الْمَشْهُورَ مِن قِرَاءَاتِ الْحَرَمَيْنِ وَالْعِرَاقَيْنِ وَالشَّامِ، إذ هَذِهِ الْأَمْصَارُ الْخَمْسَةُ هِيَ الَّتِي خَرَجَ مِنْهَا عِلْمُ النُّبُوَّةِ مِن الْقُرْآنِ وَتَفْسِيرِهِ وَالْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ مِن الْأَعْمَالِ الْبَاطِنَةِ وَالظَّاهِرَةِ وَسَائِرِ الْعُلُومِ الدِّينِيَّةِ، فَلَمَّا أَرَادَ ذَلِكَ جَمَعَ قِرَاءَاتِ سَبْعَةِ مَشَاهِيرَ مِن أَئِمَّةِ قُرَّاءِ هَذِهِ الْأَمْصَارِ؛ стр. 1107
لِيَكُونَ ذَلِكَ مُوَافِقًا لِعَدَدِ الْحُرُوفِ الَّتِي أُنْزِلَ عَلَيْهَا الْقُرْآنُ لَا لِاعْتِقَادِهِ أو اعْتِقَادِ غَيْرِهِ مِن الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْقِرَاءَاتِ السَّبْعَةَ هِيَ الْحُرُوفُ السَّبْعَة، أَو أَنَ هَؤُلَاءِ السَّبْعَةَ الْمُعَيَّنِينَ هُم الَّذِينَ لَا يَجُوزُ أَنْ يقرَأَ بِغَيْرِ قِرَاءَتِهِمْ.
وَلهَذَا قَالَ مَن قَالَ مِن أئِمَّةِ الْقُرَّاءِ: لَوْلَا أَنَّ ابْنَ مُجَاهِدٍ سَبَقَنِي إلَى حَمْزَةَ لَجَعَلْت مَكانَهُ يَعْقُوبَ الْحَضْرَمي إمَامَ جَامِعِ الْبَصْرَةِ وإمَامَ قُرَّاءِ الْبَصْرَةِ فِي زَمَانِهِ فِي رَأسِ الْمِائَتَيْنِ.
وَلَا نِزَاعَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ أنَّ الْحُرُوفَ السَّبْعَةَ الَّتِي أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَيْهَا لَا تتَضَمَّنُ تَنَاقُضَ الْمَعْنَى وَتَضَادَّهُ، بَلْ:
أ - قَد يَكُونُ مَعْنَاهَا مُتَّفِقًا أو مُتَقَارِبًا، كَمَا قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُود: إنَّمَا هُوَ كَقَوْلِ أَحَدِكُمْ أَقْبِلْ وَهَلُمَّ وَتَعَالَ.
ب - وَقَد يَكونُ مَعْنَى أحَدِهِمَا لَيْسَ هُوَ مَعْنَى الْآخَرِ؛ لَكِنْ كِلَا الْمَعْنَيَيْنِ حَقُّ، وَهَذَا اخْتِلَافُ تَنَوُّعٍ وَتَغَايُرٍ، لَا اخْتِلَافُ تَضَاد وَتَنَاقُضٍ، وَهَذَا كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ عَن النَبِي ﷺ فِي هَذَا حَدِيثِ: "أنزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ إنْ قُلْت: غفُورًا رَحِيمًا أَو قُلْت: عَزِيزًا حَكِيمًا فَاللهُ كَذلِكَ مَا لَمْ تَخْتِمْ آيةَ رَحْمَةٍ بِآيةِ عَذَاب، أَو آيَةَ عَذَاب بِآيَةِ رَحْمَةٍ" (١).
وَهَذَا كَمَا فِي الْقِرَاءَاتِ الْمَشْهُورَةِ (رَبُّنا بَاعَدَ) (٢) و (رَبّنا بَاعِدْ).
﴿إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا﴾ [البقرة: ٢٢٩]، و (إلَّا أَنْ يُخَافَا أَلَّا يُقِيمَا) (٣).
(وَإِن كَانَ مَكْرُهُم لِتَزُولَ) و (لَتَزُولُ مِنْهُ الْجِبَالُ) (٤). стр. 1108
(بَل عَجِبْتَ) و (بَل عَجِبْتُ) (١) وَنَحْوِ ذَلِكَ.
ج - وَمِن الْقِرَاءَاتِ مَا يَكُونُ الْمَعْنَى فِيهَا مُتَّفِقًا مِن وَجْهٍ مُتَبَايِنًا مِن وَجْهٍ؛ كَقَوْلِهِ: (يَخْدَعُونَ وَيُخَادِعُونَ) (ويكْذِبُونَ وَيُكَذِّبُونَ) (وَلَمَسْتُمْ وَلَامَسْتُمْ) و (حَتَّى يَطْهُرْنَ ويطَّهَّرْنَ) وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَهَذِهِ الْقِرَاءَاتُ الَّتِي يَتَغَايَرُ فِيهَا الْمَعْنَى كلُّهَا حَق، وَكُلُّ قِرَاءَةٍ مِنْهَا مَعَ الْقِرَاءَةِ الْأُخْرَى بِمَنْزِلَةِ الآيَةِ مَعَ الآيَةِ، يَجِب الْإِيمَانُ بِهَا كُلِّهَا، وَاتِّبَاعُ مَا تَضَمَّنَتْهُ مِن الْمَعْنَى عِلْمًا وَعَمَلًا، لَا يَجوزُ تَرْكُ مُوجِبِ إحْدَاهُمَا لِأَجْلِ الْأخْرَى ظَنًّا أَنَ ذَلِكَ تَعَارُض، بَل كَمَا قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ ﵁: مَن كَفَرَ بِحَرْف مِنْهُ فَقَد كَفَرَ بِهِ كُلهِ.
وَلذَلِكَ لَمْ يَتَنَازَعْ عُلَمَاءُ الْإِسْلَامِ الْمَتْبُوعِينَ مِن السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ فِي أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ أَنْ يَقْرَأَ بِهَذِهِ الْقِرَاءَاتِ الْمُعَينَةِ فِي جَمِيعِ أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ؛ بَل مَن ثَبَتَ عِنْدَهُ قِرَاءَةُ الْأَعْمَشِ شَيْخِ حَمْزَةَ، أَو قِرَاءَةُ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحَاقَ الْحَضْرَمِي وَنَحْوِهِمَا كَمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ قِرَاءَةُ حَمْزَةَ وَالْكِسَائِي، فَلَهُ أَنْ يَقْرأ بِهَا بِلَا نِزَاعٍ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ الْمُعْتبرِينَ الْمَعْدُودِينَ مِن أَهْلِ الْإِجْمَاعِ وَالْخِلَافِ.
بَل أَكْثَر الْعُلَمَاءِ الْأَئِمَّةِ الَّذِينَ أَدْرَكُوا قِرَاءَةَ حَمْزَةَ؛ كَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَة وَأَحْمَد بْنِ حَنْبَلِ وَبِشْرِ بْنِ الْحَارِثِ وَغَيْرِهِمْ يَخْتَارُونَ قِرَاءَةَ أَبِي جَعْفَرِ بْنِ الْقَعْقَاعِ (٢) وَشَيْبَةَ بْنِ نِصَاح (٣) الْمَدَنِيَّيْنِ وَقِرَاءَةَ الْبَصْرِيِّينَ كَشُيُوخِ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحَاقَ وَغَيْرِهِمْ عَلَى قُرَّاءِ حَمْزَةَ وَالْكِسَائِي. стр. 1109
وَلهَذَا كَانَ أَئِمَّةُ أَهْلِ الْعِرَاقِ الَّذِينَ ثَبَتَتْ عِنْدَهُم قِرَاءَاتُ الْعَشَرَةِ أَو الْأَحَدَ عَشَرَ كَثُبُوتِ هَذِهِ السَّبْعَةِ يَجْمَعُونَ ذَلِكَ فِي الْكُتُبِ، وَيَقْرَؤُونَهُ فِي الصَّلَاةِ وَخَارجَ الصَّلَاةِ، وَذَلِكَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، لَمْ يُنْكرْهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ.
وَلَمْ يُنْكِرْ أَحَدٌ مِن الْعُلَمَاءِ قِرَاءَةَ الْعَشَرَةِ، وَلَكنْ مَن لَمْ يَكُن عَالِمًا بِهَا، أَو لَمْ تَثْبُتْ عِنْدَهُ؛ كَمَن يَكونُ فِي بَلَد مِن بِلَادِ الْإِسْلَامِ بِالْمَغْرِبِ أَو غَيْرِهِ، وَلَمْ يَتَّصِلْ بِهِ بَعْضُ هَذِهِ الْقِرَاءَاتِ: فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْرَأَ بِمَا لَا يَعْلَمُهُ، فَإِنَّ الْقِراءَةَ كَمَا قَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: سُنَّةٌ يَأخُذُهَا الْآخِرُ عَنِ الْأَوَّلِ، كَمَا أَنَّ مَا ثَبَتَ عَن النَّبِيِّ ﷺ مِن أَنْوَاعِ الِاسْتِفْتَاحَاتِ فِي الصَّلَاةِ، وَمِن أَنْوَاعِ صِفَةِ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ، وَصِفَةِ صَلَاةِ الْخَوْفِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، كُلُّهُ حَسَنٌ يُشْرَعُ الْعَمَلُ بِهِ لِمَن عَلِمَه، وَأَمَّا مَن عَلِمَ نَوْعًا وَلَمْ يَعْلَمْ غَيْرَهُ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَعْدِلَ عَمَّا عَلِمَهُ إلَى مَا لَمْ يَعْلَمْهُ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُنْكِرَ عَلَى مَن عَلِمَ مَا لَمْ يَعْلَمْه مِن ذَلِكَ (١)، وَلَا أَنْ يُخَالِفَهُ، كَمَا قَالَ النَّبِيِّ ﷺ : "لَا تَخْتَلِفُوا فَإنَّ مَن كَانَ قَبْلَكُمْ اخْتَلَفُوا فَهَلَكُوا" (٢).
وَأَمَّا الْقِرَاءَةُ الشَاذَّةُ الْخَارِجَةُ عَن رَسْمِ الْمُصْحَفِ الْعُثْمَانِي .. فَهَذِهِ إذَا ثَبَتَتْ عَن بَعْضِ الصَّحَابَةِ فَهَل يَجُوزُ أَنْ يُقْرَأَ بِهَا فِي الصَّلَاةِ؟ стр. 1110
عَلَى قَوْلَيْنِ لِلْعُلَمَاءِ هُمَا رِوَايَتَانِ مَشْهُورَتَانِ عَن الْإِمَامِ أَحْمَد وَرِوَايَتَانِ عَن مَالِكٍ:
إحْدَاهُمَا: يَجُوزُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ وَالتَّابِعِينَ كَانُوا يَقْرَؤُونَ بِهَذِهِ الْحُرُوفِ فِي الصَّلَاةِ.
وَالثانِيَةُ: لَا يَجُوز ذَلِكَ وَهُوَ قَوْل أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ؛ لِأن هَذِهِ الْقِرَاءَاتِ لَمْ تَثْبُتْ مُتَوَاتِرَةً عَن النَّبِيِّ ﷺ وَإِن ثَبَتَتْ فَإِنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بالعرضة الآخِرَةِ.
وَهَذَا النّزَاعُ لَابُدَّ أَنْ يُبْنَى عَلَى الْأَصْلِ الَّذِي سَألَ عَنْهُ السَّائِلُ، وَهُوَ أَنَّ الْقِرَاءَاتِ السَّبْعَةَ هَل هِيَ حَرْف مِن الْحُرُوفِ السَّبْعَةِ أَمْ لَا؟
فَاَلَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِن السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ أَنَهَا حَرْفٌ مِن الْحُرُوفِ السبْعَةِ؛ بَل يَقُولُونَ: إنَّ مُصْحَفَ عُثْمَانَ هُوَ أحَد الْحُرُوفِ السَّبْعَةِ، وَهُوَ متَضَمِّن للعرضة الْآخِرَةِ الَّتِي عَرَضَهَا النَّبِيُّ ﷺ عَلَى جِبْرِيلَ، وَالْأَحَادِيثُ وَالْآثَارُ الْمَشْهُورَةُ الْمُسْتَفِيضَةُ تَدُلُّ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ.
وَذَهَبَ طَوَائِفُ مِن الْفُقَهَاءِ وَالْقُرَّاءِ وَأَهْلِ الْكَلَامِ إلَى أَنَّ هَذَا الْمُصْحَفَ مُشْتَمِل عَلَى الْأَحْرُفِ السبْعَةِ، وَقَرَّرَ ذَلِكَ طَوَائِفُ مِن أَهْلِ الْكَلَامِ كَالْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ الْبَاقِلَانِي وَغَيْرِهِ (١)؛ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ عَلَى الْأُمَّةِ أَنْ تُهْمِلَ نَقْلَ شَيءٍ مِن الأحْرُفِ السَّبْعَةِ (٢).
ثُمَّ مَن جَوَّزَ الْقِرَاءَةَ بِمَا يَخْرُجُ عَن الْمُصْحَفِ مِمَّا ثَبَتَ عَن الصَّحَابَةِ قَالَ: يَجُوزُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مِن الْحُرُوفِ السبْعَةِ الَّتِي أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَيْهَا.
وَلهَذَا كَانَ فِي الْمَسْألَةِ قَوْل ثَالِث وَهُوَ اخْتِيَارُ جَدّي أَبِي الْبَرَكَاتِ أَنَّهُ إنْ стр. 1111
قَرَأَ بِهَذِهِ الْقِرَاءَاتِ فِي الْقِرَاءَةِ الْوَاجِبَةِ -وَهِيَ الْفَاتِحَةُ عِنْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا- لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَتَيَقَّنْ أَنَهُ أَدَّى الْوَاجِبَ مِن الْقِرَاءَةِ لِعَدَمِ ثُبُوتِ الْقُرْآنِ بِذَلِكَ.
وإن قَرَأَ بِهَا فِيمَا لَا يَجِبُ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَيَقنْ أَنَّهُ أَتَى فِي الصَّلَاةِ بِمُبْطِلِ؛ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن الْحُروفِ السَّبْعَةِ الَّتِي أُنْزِلَ عَلَيْهَا.
وَهَذَا الْقَوْلُ يَنْبَنِي عَلَى أَصْل، وَهُوَ أَنَّ مَا لَمْ يَثْبُتْ كَوْنُهُ مِن الْحُرُوفِ السَّبْعَةِ فَهَل يَجِب الْقَطْعُ بِكَوْنِهِ لَيْسَ مِنْهَا؟
فَاَلَّذِي عَلَيْهِ جُمْهورُ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْقَطْعُ بِذَلِكَ.
وَذَهَبَ فَرِيق مِن أَهْلِ الْكَلَامِ إلَى وُجُوبِ الْقَطْعِ بِنَفْيِهِ، حَتَّى قَطَعَ بَعْضُ هَؤُلَاءِ -كَالْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ- بِخَطَأ الشَّافِعِي وَغَيْرِهِ مِمَن أَثْبَتَ الْبَسْمَلَةَ آيةً مِن الْقُرْآنِ فِي غَيْرِ سُورَةِ النَّمْلِ؛ لِزَعْمِهِمْ أَنَّ مَا كَانَ مِن مَوَارِدِ الِاجْتِهَادِ فِي الْقُرْآنِ فَإِنَّهُ يَجِبُ الْقَطْعُ بِنَفْيِهِ.
وَالصَّوَابُ الْقَطْعُ بِخَطَأ هَؤُلَاءِ، وَأَنَّ الْبَسْمَلَةَ آية مِن كِتَابِ اللهِ حَيْثُ كَتَبَهَا الصَّحَابَةُ فِي الْمُصْحَفِ، إذ لَمْ يَكْتبُوا فِيهِ إلَّا الْقُرْآنَ وَجَرَّدُوهُ عَمَّا لَيْسَ مِنْهُ كَالتَخْمِيسِ وَالتَّعْشِيرِ وَأَسْمَاءِ السُّوَرِ؛ وَلَكِنْ مَعَ ذَلِكَ لَا يُقَالُ هِيَ مِن السورَةِ الَّتِي بَعْدَهَا، كَمَا أَنَّهَا لَيْسَتْ مِن السُّورَةِ الَّتِي قَبْلَهَا؛ بَل هِيَ كَمَا كُتِبَت آية أنْزَلَهَا اللهُ فِي أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ، وَإِن لَمْ تكنْ مِن السُّورَةِ.
وَهَذَا أَعْدَلُ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ فِي هَذِهِ الْمَسْألَةِ.
وَسَوَاء قِيلَ بِالْقَطْعِ فِي النَّفْيِ أَو الْإِثْبَاتِ، فَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ كَوْنَهَا مِن مَوَارِدِ الِاجْتِهَادِ الَّتِي لَا تكفِيرَ وَلَا تَفْسِيقَ فِيهَا لِلنَّافِي وَلَا لِلْمُثْبِتِ؛ بَل قَد يُقَالُ مَا قَالَهُ طَائِفَة مِن الْعُلَمَاءِ: إنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِن الْقَوْلَيْنِ حَق، وإنَّهَا آيةٌ مِن الْقُرْآنِ فِي بَعْضِ الْقِرَاءَاتِ، وَهِيَ قِرَاءَةُ الَّذِينَ يَفْصِلُونَ بِهَا بَيْنَ السورَتَيْنِ (١)، وَلَيْسَتْ آيَةً فِي بَعْضِ стр. 1112
الْقِرَاءَاتِ؛ وَهِيَ قِرَاءَةُ الَّذِينَ يَصِلُونَ وَلَا يَفْصِلُونَ بِهَا بَيْنَ السُّورَتَيْنِ (١).
وَأَما قَوْلُ السَّائِلِ: مَا السَّبَبُ الَّذِي أَوْجَبَ الِاخْتِلَافَ بَيْنَ الْقُرَّاءِ فِيمَا احْتَمَلَهُ خَطُّ الْمُصْحَفِ؟ فَهَذَا مَرْجِعهُ إلَى النَّقْلِ وَاللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ؛ لِتَسْوِيغِ الشَّارعِ لَهُمُ الْقِرَاءَةَ بِذَلِكَ كُلِّهِ؛ إذ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَقْرَأَ قِرَاءَة بِمُجَرَّدِ رَأيِهِ، بَل الْقِرَاءَةُ سُنَّةٌ مُتَبعةٌ.
وَالِاعْتِمَادُ فِي نَقْلِ الْقُرْآنِ عَلَى حِفْظِ الْقُلُوبِ لَا عَلَى الْمَصَاحِفِ (٢). [١٣/ ٣٨٩ - ٤٠٠] стр. 1113
١٣٣٩ - ما خالف المصحف، وصح سنده، صحت الصلاة به، وهذا أنص الروايتين عن أحمد. [الاختيارات ٨٠]
١٣٤٠ - تَنَازَعَ النَّاسُ مِن الْخَلَفِ فِي الْمُصْحَفِ الْعُثْمَانِي الْإِمَامِ الَّذِي أَجْمَعَ عَلَيْهِ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَالتَّابِعُونَ لَهُم بِإحْسَانٍ، وَالْأُمَّةُ بَعْدَهُمْ: هَل هُوَ بِمَا فِيهِ مِن الْقِرَاءَاتِ السَّبْعَةِ وَتَمَامِ الْعَشَرَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ هَل هُوَ حَرْف مِن الْأَحْرُفِ السَّبْعَةِ الَّتِي أنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَيْهَا؟ أَو هُوَ مَجْمُوعُ الْأَحْرُفِ السبْعَةِ عَلَى قَوْلَيْنِ مَشْهُورينِ.
وَالْأوّلُ: قَوْلُ أَئِمَّةِ السلَفِ وَالْعُلَمَاءِ.
وَالثاني: قَوْلُ طَوَائِفَ مِن أَهْلِ الْكَلَامِ وَالْقُراءِ وَغَيْرِهِمْ (١). стр. 1114
وَهُم مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْأَحْرُفَ السَّبْعَةَ لَا يُخَالِفُ بَعْضُهَا بَعْضًا خِلَافًا يتضاد فِيهِ الْمَعْنَى وَيَتَنَاقَضُ، بَل يُصَدّقُ بَعْضُهَا بَعْضا، كَمَا تُصَدِّقُ الآيَاتُ بَعْضُهَا بَعْضًا. [١٣/ ٤٠١]
* * *
стр. 1115
(حكم الجهر بالبسملة، وهل هي آية من كلّ سورة ؟)
١٣٤١ - وَأَمَّا الْبَسْمَلَةُ: فَلَا ريبَ أَنَّهُ كَانَ فِي الصَّحَابَةِ مَن يَجْهَرُ بِهَا، وَفِيهِمْ مَن كَانَ لَا يَجْهَرُ بِهَا بَل يَقْرَؤُهَا سِرًّا أَو لَا يَقْرَؤُهَا، وَاَلَّذِينَ كَانُوا يَجْهَرُونَ بِهَا أَكْثَرهم كَانَ يَجْهَرُ بِهَا تَارَة ويُخَافِتُ بِهَا أُخْرَى؛ وَهَذَا لِأَنَّ الذكْرَ قَد يَكُون السُّنَّةُ الْمُخَافَتَةَ بِهِ وَيُجْهَرُ بِهِ لِمَصْلَحَةٍ رَاجِحَة؛ مِثْل تَعْلِيمِ الْمَأمُومِينَ، فَإِنَهُ قَد ثَبَتَ فِي "الصَّحِيحِ" أَنَّ ابْنَ عَباسٍ قَد جَهَرَ بِالْفَاتِحَةِ عَلَى الْجِنَازَةِ لِيُعَلِّمَهُم أَنَّهَا سُّنة (١).
وَتَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِي الْقِرَاءَةِ عَلَى الْجِنَازَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ:
قِيلَ: لَا تُسْتَحَبُّ بِحَالٍ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِك.
وَقِيلَ: بَل يَجِبُ فِيهَا الْقِرَاءَةُ بِالْفَاتِحَةِ.
وَقِيلَ: بَل قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ فِيهَا سنَّة، وَإِن لَمْ يَقْرَأ بَل دَعَا بِلَا قِرَاءَة جَازَ.
وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ.
وَثَبَتَ فِي "الصَّحِيحِ" أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَقُولُ: "اللهُ أَكْبَرُ، سُبْحَانَك اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك وَتَبَارَكَ اسْمُك وَتَعَالَى جَدُّك وَلَا إلَهَ غَيْرُك"، يَجْهَرُ بِذَلِكَ مَراتٍ كَثِيرَةً (٢).
وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْجَهْرَ بِذَلِكَ لَيْسَ بِسُنَّة رَاتِبَةٍ، لَكِنْ جَهَرَ بِهِ لِلتَّعْلِيمِ. стр. 1116
لَكِنْ لَا نِزَاعَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَجْهَرْ بِالِاسْتِفْتَاحِ وَلَا بِالِاسْتِعَاذَةِ.
وَالْجَهْرُ بِالْبَسْمَلَةِ أقْوَى مِن الْجَهْرِ بِالِاسْتِعَاذَةِ؛ لِأَنَّهَا آية مِن كِتَابِ اللهِ تَعَالَى (١).
وَلَيْسَ فِي "الصِّحَاحِ" وَلَا "السُّنَن" حَدِيث صَحِيح صَرِيح بِالْجَهْرِ، وَالْأَحَادِيثُ الصَّرِيحَةُ بِالْجَهْرِ كُلُّهَا ضَعِيفَة بَل مَوْضُوعَةٌ.
وَقَد تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ: هَل هِيَ آيةٌ أَو بَعْضُ آيَةٍ مِن كُلِّ سُورَةٍ (٢)، أَو لَيْسَتْ مِن الْقُرْآنِ إلَّا فِي سُورَةِ النَّمْلِ (٣)، أَو هِيَ آية مِن كِتَابِ اللهِ حَيْثُ كُتِبَتْ فِي الْمَصَاحِفِ وَلَيْسَتْ مِن السُّورِ؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: هُوَ أَوْسَطُ الْأَقْوَالِ، وَبِهِ تَجْتَمِعُ الْأَدِلَّةُ؛ فَإِنَّ كِتَابَةَ الصَّحَابَةِ لَهَا فِي الْمَصَاحِفِ دَلِيل عَلَى أَنَّهَا مِن كِتَابِ اللهِ، وَكَوْنُهُم فَصَلُوهَا عَن السُّورَةِ الَّتِي بَعْدَهَا دَلِيل عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْهَا.
وَثَبَتَ عَنْهُ ﷺ "الصَّحِيحِ" (٤) أَنَّهُ قَالَ: "يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: قَسَمْت الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠]، قَالَ اللهُ: حَمِدَنِي عَبْدِي" .. فَهَذَا الْحَدِيثُ صَحِيح صَرِيح فِي أَنَّهَا لَيْسَتْ مِن الْفَاتِحَةِ.
لَكِنْ مَن قَرَأَ بِهَا كَانَ قَد أَتَى بِالْأَفْضَلِ، وَكَذَلِكَ مَن كَرَّرَ قِرَاءَتَهَا فِي أَوَّلِ كُل стр. 1117
سُورَةٍ كَانَ أَحْسَنَ مِمَن تَرَكَ قِرَاءَتَهَا؛ لِأنَّهُ قَرَأَ مَا كَتَبَتْهُ الصَّحَابَةُ فِي الْمَصَاحِفِ، فَلَو قُدرَ أنَّهُم كَتَبُوهَا عَلَى وَجْهِ التبرُّكِ لَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ تُقْرأ عَلَى وَجْهِ التَّبّرُّكِ.
وإلا فَكَيْفَ يَكْتُبُونَ فِي الْمُصْحَفِ مَا لَا يُشْرَعُ قِرَاءَتُهُ؟ وَهُم قَد جَرَّدُوا الْمُصْحَفَ عَمَّا لَيْسَ مِن الْقُرْآنِ، حَتَّى أَنَّهُم لَمْ يَكْتموا التَّأمِينَ وَلَا أَسْمَاءَ السُّورِ، وَلَا التَّخْمِيسَ وَالتعْشِيرَ وَلَا غَيْرَ ذَلِكَ، مَعَ أَنَّ السنَّةَ لِلْمُصَلِّي أَنْ يَقُولَ عَقِبَ الْفَاتِحَةِ: آمِينَ، فَكَيْفَ يَكْتُبُونَ مَا لَا يُشْرَعُ أَنْ يَقُولَهُ وَهُم لَمْ يَكْتُبُوا مَا يُشْرَعُ أَنْ يَقُولَهُ الْمُصَلِّي مِن غَيْرِ الْقُرْآنِ؟
فَإِذَا جُمِعَ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ دَلَّتْ عَلَى أنَّهَا مِن كِتَابِ اللهِ وَلَيْسَتْ مِن السُّورَةِ. [٢٢/ ٢٧٤ - ٢٧٨، ٤٠٦]
١٣٤٢ - قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ فِي الْبَسْمَلَةِ أَنَّهَا آيةٌ مِن الْقُرْآنِ مُفْرَدَة، وَلَيْسَتْ مِن السُّورَةِ، وَأَّنهُ يُقْرَأ بِهَا في الصَّلَاةِ سرًّا، فَلَا تُخْرَجُ مِن الْقُرْآنِ وَتُهْجَرُ، وَلَا تُشَبَّهْ بِالْقُرْآنِ الْمَقْصُودِ فَتُجْهَر، وَهِيَ تُشْبِهُ الِاسْتِعَاذَةَ مِن بَعْضِ الْوُجُوهِ لَكِنَّ الِاسْتِعَاذَةَ لَيْسَتْ بِقُرْآن، وَلَمْ تكتَبْ فِي الْمَصَاحِفِ، وإنَّمَا فِيهِ الْأَمْرُ بِالِاسْتِعَاذَةِ وَهَذَا قُرْآن.
وَقَد كَانَ كَثِيرٌ مِن السَّلَفِ يَقُولُ: الْبَسْمَلَةُ آيَةٌ مِنْهَا ويقْرَؤُهَا، وَكَثِير مِن السَّلَفِ لَا يَجْعَلُهَا مِنْهَا، ويجْعَلُ الْآيَةَ السَّابِعَةَ: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧] كَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الصَّحِيحُ.
وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ حَق، فَهِيَ مِنْهَا مِن وَجْه، وَلَيْسَتْ مِنْهَا مِن وَجْه.
وَالْمَقْصودُ أَنْ يُبْتَدَأَ الْقُرْآنُ بِذِكْرِ اسْمِ اللهِ، فَهِيَ أنْزِلَتْ فِي أَولِ السُّورَةِ تَبَعًا، لَمْ تَنْزِلْ فِي أَوَاخِرِ السُّورِ، وَكُتِبَتْ فِي الْمَصَاحِفِ مُفْرَدَة، لَكِنْ تَبَعًا لِمَا بَعْدَهَا لَا لِمَا قَبْلَهَا.
فَمِن جِهَةِ كَوْنِهَا تَابِعَةً لِلسورَةِ تُجْعَلُ مِنْهَا، وَمِن جِهَةِ كَوْنِ الْمَقْصُودِ أَنْ يَقْرَأَ بِسْمِ اللهِ .. لَمْ تكُنْ آيَةً مِن السُّورَةِ.
стр. 1118
والقراء مِنْهُم مَن يَفْصِلُ بِهَا بَيْنَ السُّورَتَيْنِ، وَمِنْهُم مَن لَا يَفْصِلُ؛ لِكَوْنِ الْقُرْآنِ كُلِّهِ كَلَامَ اللهِ فَلَا يَفْصِلُونَ بِهَا بَيْنَ السُّورَتَيْنِ، كَمَن سَمَّى إذَا أَكَلَ ثُمَّ أَكَلَ أَنْوَاعًا مِن الطَّعَامِ.
وَمِنْهُم مَن يُسَمِّي فِي أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ، وَهَذَا أَحْسَنُ؛ لِمُتَابَعَتِهِ لِخَطِّ الْمُصْحَفِ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ رَفْعِ طَعَامٍ وَوَضْعِ طَعَامٍ فَالتَّسْمِيَةُ عِنْدَهُ أَفْضَلُ.
وَكَذَلِكَ مَن ذَبَحَ شَاةً بَعْدَ شَاةٍ فَالتَّسْمِيَةُ عَلَى كُلِّ شَاة أَفْضَلُ، وَأَمَّا تِلَاوَتُهَا فِي أَوَّلِ الْفَاتِحَةِ فَهُوَ ابْتِدَاء بِهَا لِلْقُرْآنِ.
وَحِينَئِذٍ: فَيَكُونُ الَّذِينَ لَا يَقْرَؤُونَهَا قَد أَقْرَأهُم الرَّسُولُ وَلَمْ يُبَسْمِلْ، وَأُولَئِكَ أَقْرَأهُم وَبَسْمَلَ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْأَمْرَيْنِ.
وَإِن كَانَ أَحَدُهُمَا أَفْضَلَ: لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا فِي أَحَدِ الْحَرْفَيْنِ لَيْسَتْ مِن الْقُرْآنِ. بَل هَذَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْأَمْرَيْنِ؛ كَالْحُرُوفِ الَّتِي ثَبَتَتْ فِي قِرَاءَةٍ دونَ قِرَاءَة، مِثْل: ﴿مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [البقرة: ٢٥] (١)، وَمِثْلُ: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ [الحديد: ٢٤] (٢)؛ فَالزسُولُ يُجَوِّزُ إثْبَاتَ ذَلِكَ وَيُجَوِّزُ حَذْفَهُ، كِلَاهُمَا جَائِز فِي شَرْعِهِ (٣).
وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ مَن قَالَ مِن الْفُقَهَاءِ: إنَّهَا وَاجِبَة عَلَى قِرَاءَةِ مَن أَثْبَتَهَا، أَو مَكْرُوهَة عَلَى قِرَاءَةِ مَن لَمْ يُثْبِتْهَا: فَقَد غَلِطَ، بَل الْقُرآنُ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْأَمْرَيْنِ.
وَمَن قَرا بِإِحْدَى الْقِرَاءَاتِ لَا يُقَالُ: إنَّهُ كُلَّمَا قَرأَ يَجِبُ أَنْ يَقْرَأَ بِهَا. стр. 1119
وَمَن تَرَكَ مَا قَرَأَ بِهِ غَيْرُهُ لَا يَقُولُ: إنَّ قِرَاءَةَ أُولَئِكَ مَكْرُوهَة.
بَل كُلُّ ذَلِكَ جَائِزٌ بِالِاتِّفَاقِ، وَإن رَجَّحَ كُلُّ قَوْمٍ شَيْئًا.
وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ مَن أَنْكرَ كَوْنَهَا مِن الْقُرْآنِ بِالْكُليَّةِ إلَّا فِي سُورَةِ النَّمْلِ وَقَطَعَ بِخَطَأِ مَن أَثْبَتَهَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْقرْآنِيَّةَ لَا تَثْبُتُ إلا بِالْقَطْعِ: فَهُوَ مُخْطِئ فِي ذَلِكَ، وَيُقَالُ لَهُ: وَلَا تُنْفَى إلَّا بِالْقَطْعِ أَيْضًا. ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: مَن أَثْبَتَهَا يَقْطَعُ بِأَنَّهَا ثَابِتَة ويقْطَعُ بِخَطَأِ مَن نَفَاهَا (١). [٢٢/ ٣٥١ - ٣٥٤]
١٣٤٣ - الْجَهْرُ بِهَا مَعَ كَوْنِهَا لَيْسَتْ مِن الْفَاتِحَةِ: قَوْلٌ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ مِن الْأَئِمَّةِ الْأرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ مِن الْأَئِمَّةِ الْمَشْهُورِينَ، وَلَا أَعْلَمُ بِهِ قَائِلًا.
لَكِنْ هِيَ مِن الْفَاتِحَةِ، وإيجَابُ قِرَاءَتِهَا مَعَ الْمُخَافَتَةِ بِهَا قَوْلُ طَائِفَةٍ مِن أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَهُوَ إحْدَى الروَايَتَيْنِ عَن أَحْمَد. [٢٢/ ٤٢٤]
* * *
١٣٤٤ - لَفْظُ الِاخْتِلَافِ فِي الْقُرْاَنِ يُرَادُ بِهِ التَّضَادُّ وَالتَّعَارُضُ، لَا يُرَادُ بِهِ стр. 1120
مُجَرَّدُ عَدَمِ التَّمَاثُلِ -كَمَا هُوَ اصْطِلَاحُ كَثِيرٍ مِن النُّظَّارِ- وَمِنْه قَوْلُهُ: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] [١٣/ ١٩]
* * *
(المقصود بالنسخ عند السلف)
١٣٤٥ - اللهُ جَعَلَ الْمُحْكَمَ مُقَابِلَ الْمُتَشَابِهِ تَارَة، وَمُقَابِلَ الْمَنْسُوخِ أُخْرَى.
وَالْمَنْسُوخُ يَدْخُلُ فِيهِ فِي اصْطِلَاحِ السَّلَفِ -الْعَامِّ- كُلّ ظَاهِرٍ تُرِكَ ظَاهِرُهُ لِمعَارِض رَاجِحٍ؛ كَتَخْصِيصِ الْعَامِّ، وَتَقْيِيدِ الْمُطْلَقِ، فَإِنَّ هَذَا مُتَشَابِه لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ، ويدْخُلُ فِيهِ الْمُجْمَلُ؛ فَإِنَّهُ مُتَشَابِه، وَإِحْكَامُه رَفْعُ مَا يُتَوَهَّمُ فِيهِ مِن الْمَعْنَى الَّذِي لَيْسَ بِمُرَاد، وَكَذَلِكَ مَا رُفِعَ حُكْمُهُ، فَإِنَّ فِي ذَلِكَ جَمِيعِهِ نَسْخًا لِمَا يُلْقِيهِ الشَّيْطَانُ فِي مَعَانِي الْقُرْآنِ (١). стр. 1121
وَعَلَى هَذَا فَيَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: الْمُحْكَمُ وَالْمَنْسُوخُ، كَمَا يُقَالُ الْمُحْكَم وَالْمُتَشَابِهُ.
وَتَارَة يُقَابَلُ بِمَا نَسَخَهُ اللهُ مِمَّا أَلْقَاهُ الشَّيْطَانُ. [١٣/ ٢٧٢ - ٢٧٣]
* * *
١٣٤٦ - هُوَ سبْحَانَهُ يُقْسِمُ بِأمُورٍ عَلَى أُمُورٍ، وإنَّمَا يُقْسِمُ بِنَفْسِهِ الْمُقَدسَةِ الْمَوْصُوفَةِ بِصِفَاتِهِ، أَو بِآياتِهِ الْمُسْتَلْزِمَةِ لِذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ، وَإِقْسَامُهُ بِبَعْضِ الْمَخْلُوقَاتِ دَلِيل عَلَى أنَّهُ مِن عَظِيمِ آيَاتِهِ.
وَهُوَ سُبْحَانَهُ يَذْكُرُ جَوَابَ الْقَسَمِ تَارَةً وَهُوَ الْغَالِبُ وَتَارَةً يَحْذِفُهُ، كَمَا يَحْذِفُ جَوَابَ (لَوْ) كَثِيرًا؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر: ٥]، وَقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ﴾ [الرعد: ٣١] .. ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام: ٣٠].
وَمِثْل هَذَا حَذْفُهُ مِن أَحْسَنِ الْكَلَامِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّك لَو رَأَيْته لَرَأَيْت هَوْلًا عَظِيما. [١٣/ ٣١٤ - ٣١٥]
١٣٤٧ - يَجِبُ أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ النَّبِيِّ ﷺ بَيَّنَ لِأَصْحَابِهِ مَعَانِيَ الْقُرْآنِ كَمَا بَيَّنَ
стр. 1122
لَهُم أَلْفَاظَهُ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] يَتَنَاوَلُ هَذَا وَهَذَا. [١٣/ ٣٣١]
١٣٤٨ - مِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ الْقُرْآنَ وَالْحَدِيثَ إذَا عُرِفَ تَفْسِيرُهُ مِن جِهَةِ النَّبِى ﷺ لَمْ يُحْتَجْ فِي ذَلِكَ إلَى أَقْوَالِ أَهْلِ اللُّغَةِ. [١٣/ ٢٧]
١٣٤٩ - مِن الْأُصُولِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا بَيْنَ الصحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُم بِإِحْسَان أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِن أَحَدٍ قَطُّ أَنْ يُعَارِضَ الْقُرآنَ لَا بِرَأيِهِ وَلَا ذَوْقِهِ وَلَا مَعْقُولِهِ وَلَا قِيَاسِهِ وَلَا وَجْدِهِ.
وَلهَذَا لَا يُوجَدُ فِي كَلَامِ أَحَد مِن السَّلَفِ أَنَّهُ عَارَضَ الْقُرْآنَ بِعَقْل وَرَايٍ وَقِيَاسٍ، وَلَا بِذَوْقٍ وَوَجْدٍ وَمُكَاشَفَة، وَلَا قَالَ قَطُّ: قَد تَعَارَضَ فِي هَذَا الْعَقْلُ وَالنَّقْلُ، فَضْلًا عَن أَنْ يَقُولَ: فَيَجِبُ تَقْدِيمُ الْعَقْلِ.
وَالنَّقْلُ -يَعْنِي الْقُرْآنَ وَالْحَدِيثَ وَأَقْوَالَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ-: إمَّا أَنْ يُفَوَّضَ وَإِمَّا أَنْ يُؤَوَّلَ.
وَلَمْ يَكُنِ السَّلَفُ يَقْبَلُونَ مُعَارَضَةَ الآيَةِ إلَّا بِآيةٍ أُخْرَى تُفَسّرُهَا وَتَنْسَخُهَا؛ أَو بِسُنَّةِ الرَّسُولِ ﷺ تُفَسرهَا.
فَإِنَّ سُنَّةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ تبيّنُ الْقُرْآنَ وَتَدُلُّ عَلَيْهِ وَتُعَبِّرُ عَنْهُ، وَكَانُوا يُسَمُّونَ مَا عَارَضَ الْآيَةَ نَاسِخًا لَهَا، فَالنَّسْخُ عِنْدَهُم اسْمٌ عَام لِكُلِّ مَا يَرْفَعُ دَلَالَةَ الْآيَةِ عَلَى مَعْنًى بَاطِل، وَإِن كَانَ ذَلِكَ الْمَعْنَى لَمْ يُرَدْ بِهَا، وَإِن كَانَ لَا يَدُلّ عَلَيْهِ ظَاهِر الْآيَةِ، بَل قَد لَا يُفْهَمُ مِنْهَا وَقَد فَهِمَهُ مِنْهَا قَوْمٌ؛ فَيُسَمُّونَ مَا رَفَعَ ذَلِكَ الْإِبْهَامَ وَالْإِفْهَامَ نَسْخًا، وَهَذِهِ التَّسْمِيَةُ لَا تُؤْخَذُ عَن كُلِّ وَاحِد مِنْهمْ.
وَكَانَتِ الْبِدَعُ الْأُولَى مِثْلُ بِدْعَة الْخَوَارج إنَّمَا هِيَ مِن سُوءِ فَهْمِهِمْ لِلْقُرْآنِ، لَمْ يَقْصِدُوا مُعَارَضتَهُ، لَكِنْ فَهِمُوا مِنْهُ مَا لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ (١). [١٣/ ٢٨ - ٣٠]
* * * стр. 1123
(المراد بالْوُجوهِ وَالنَّظَائِرِ)
١٣٥٠ - الْأَسْمَاءُ الْمُشْتَرَكَةُ فِي اللَّفْظِ هِيَ مِن الْمُتَشَابِهِ، وَبَعْضُ الْمُتَوَاطِئَةِ أَيْضًا مِن الْمُتَشَابِهِ، وَيُسَمّيهَا أَهْلُ التَّفْسِيرِ: الْوُجُوهُ وَالنَّظَائِرُ، وَصَنَّفُوا كُتُبَ الْوُجُوهِ وَالنَّظَائِرِ؛ فَالْوُجوهُ فِي الْأَسْمَاءِ الْمُشْتَرَكَةِ، وَالنَظَائِرِ فِي الْأَسْمَاءِ الْمُتَوَاطِئَةِ.
وَقَد ظَنَّ بَعْضُ أَصْحَابِنَا الْمُصَنِّفِينَ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْوُجُوهَ وَالنَّظَائِرَ جَمِيعًا فِي الْأَسْمَاءِ الْمُشْتَرَكَةِ، فَهِيَ نَظَائِرُ بِاعْتِبَارِ اللَّفْظِ، وَوُجُوهٌ باعْتِبَارِ الْمَعْنَى، وَلَيْسَ الْأَمْر عَلَى مَا قَالَهُ، بَل كَلَامُهُم صَرِيحٌ فِيمَا قُلْنَاهُ لِمَن تَأمَّلَهُ (١). [١٣/ ٢٧٦ - ٢٧٧]
١٣٥١ - صَنَّفَ النَّاسُ "كُتُبَ الْوُجُوهِ وَالنَظَائِرِ"؛ فَالنَّظَائِرُ: اللَّفْظُ الَّذِي اتَّفَقَ مَعْنَاهُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَأَكْثَرُ، وَالْوُجُوهِ: الَّذِي اخْتَلَفَ مَعْنَاهُ؛ كَمَا يُقَال: الْأَسْمَاءُ الْمُتَوَاطِئَةُ وَالْمُشْتَرِكَةُ، وَإِن كَانَ بَيْنَهُمَا فَرْق.
وَقَد قِيلَ: هِيَ نَظَائِرُ فِى اللَّفْظِ وَمَعَانِيهَا مُخْتَلِفَةٌ، فَتَكُون كَالْمُشْتَرِكَةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلِ الصَّوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوُجُوهِ وَالنَّظَائِرِ هُوَ الْأَوَّل. [١٧/ ٤٣٣]
* * *
١٣٥٢ - مَعْرِفَةُ سَبَبِ النُّزُولِ يُعِينُ عَلَى فَهْمِ الْآيَةِ، فَإِنَّ الْعِلْمَ بِالسَّبَبِ يُورِث الْعِلْمَ بِالْمُسَبَّبِ؛ وَلهَذَا كَانَ أَصَحُّ قَوْلي الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ إذَا لَمْ يُعْرَفْ مَا نَوَاهُ الْحَالِفُ رُجِعَ إلَى سَبَبِ يَمِينِهِ وَمَا هَيَّجَهَا وَأَثَارَهَا.
وَقَوْلُهُمْ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي كَذَا:
أ - يُرَاد بِهِ تَارَةً أَنَّهُ سَبَبُ النُّزُولِ. стр. 1124
ب - ويُرَادُ بِهِ تَارَة أَنَّ ذَلِكَ دَاخِل فِي الْآيَةِ، وإن لَمْ يَكُنِ السبَبُ، كَمَا تَقُولُ: عَنَى بِهَذِهِ الْآيَةِ كَذَا. [١٣/ ٣٣٩]
١٣٥٣ - تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِي قَوْلِ الصَّاحِبِ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي كَذَا، هَل يَجْرِي مَجْرَى الْمُسْنَدِ، كَمَا يَذْكُرُ السَّبَبَ الَّذِي أُنْزِلَتْ لِأَجْلِهِ، أَو يَجْرِي مَجْرَى التَّفْسِيرِ مِنْهُ الَّذِي لَيْسَ بِمُسْنَد؟
فَالْبُخَارِيُّ يُدْخِلُهُ فِي الْمُسْنَدِ، وَغَيْرُهُ لَا يُدْخِلُهُ فِي الْمُسْنَدِ، وَأَكْثَرُ الْمَسَانِدِ عَلَى هَذَا الِاصْطِلَاحِ؛ كَمُسْنَدِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا ذَكَرَ سَبَبًا نَزَلَتْ عَقِبَه، فَإِنَّهُم كُلُّهُم يُدْخِلُونَ مِثْل هَذَا فِي الْمُسْنَدِ.
وَإِذَا عُرِفَ هَذَا فَقَوْلُ أَحَدِهِمْ: نَزَلَتْ فِي كَذَا لَا يُنَافِي قَوْلَ الآخَرِ: نَزَلَتْ فِي كَذَا، إذَا كَانَ اللَّفْظُ يَتَنَاوَلُهُمَا كَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي التَّفْسِيرِ بِالْمِثَالِ، وإِذَا ذَكَرَ أحَدُهُم لَهَا سَبَبًا نَزَلَتْ لِأجْلِهِ وَذَكَرَ الآخَرُ سَبَبًا: فَقَد يُمْكِنُ صِدْقُهُمَا؛ بِأنْ تكونَ نَزَلَتْ عَقِبَ تِلْكَ الْأَسْبَابِ، أَو تَكُونَ نَزَلَتْ مَرتَيْنِ مَرَّة لِهَذَا السَّبَبِ وَمَرَّةً لِهَذَا السَّبَبِ. [١٣/ ٣٤٠]
١٣٥٤ - الْمُقَدمُ فِي الْقُرْآنِ وَالْمُؤَخَّرُ: بَابٌ مِن الْعِلْمِ، وَقَد صَنَّفَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ، مِنْهُم الْإِمَامِ أَحْمَد وَغيْرُهُ.
ثُمَّ التَّقْدِيمُ وَالتَّأخِيرُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ، وَالْفَصْلُ بَيْنَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ بِجُمْلَةٍ مُعْتَرِضَةٍ وَبَيْنَ غَيْرِهِمَا: لَا يُنْكِرُهُ إلَّا مَن لَمْ يَعْرِف اللُّغَةَ، وَقَد قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٧٢) وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ﴾ [آل عمران: ٧٢، ٧٣]، فَقَوْلُهُ: ﴿أَنْ يُؤْتَى﴾ [آل عمران: ٧٣] مِن تَمَامِ قَوْلِ أَهْلِ الْكِتَابِ؛ أيْ: كَرَاهَةَ أَنْ يُؤْتى، فَهُوَ مَفْعُولُ ﴿تُؤْمِنُوا﴾ [الإسراء: ١٠٧]، وَقَد فَصَلَ بَيْنَهُمَا بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾، وَهِيَ جُمْلَة أَجْنَبِيَّة، لَيْسَتْ مِن كَلَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ. [٣١/ ١٦٢ - ١٦٣]
стр. 1125
١٣٥٥ - مِن أَسْبَابِ تَرْكِهِمْ (١) الْمَصَاحِفَ أَوَّلَ مَا كُتِبَتْ غَيْرَ مَشْكُولَةٍ وَلَا مَنْقُوطَة: لِتَكُونَ صُورَةُ الرَّسْمِ مُحْتَمِلَة لِلْأَمْرَيْنِ (٢) كَالتَّاءِ وَالْيَاءِ، وَالْفَتْحِ وَالضَّمِّ، وَهُم يَضْبِطُونَ بِاللَّفْظِ كِلَا الْأَمْرَيْنِ (٣)، وَيَكُونُ دَلَالَةُ الْخَطِّ الْوَاحِدِ عَلَى كِلَا اللَّفْظَيْنِ الْمَنْقُولَيْنِ الْمَسْمُوعَيْنِ الْمَتْلُوَّيْنِ شَبِيها بِدَلَالَةِ اللَّفْظِ الْوَاحِدِ عَلَى كِلَا الْمَعْنييْنِ الْمَنْقُولَيْنِ الْمَعْقُولَيْنِ الْمَفْهُومَيْنِ؛ فَإِنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ ﷺ تَلَقَّوْا عَنْهُ مَا أَمَرَهُ اللهُ بِتَبْلِيغِهِ إلَيْهِم مِن الْقُرْآنِ لَفْظِهِ وَمَعْنَاهُ جَمِيعًا. [١٣/ ٤٠٢]
١٣٥٦ - دَخَلَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ : "خَيْركُمْ مَن تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ" (٤): تَعْلِيمُ حُرُوفهِ وَمَعَانِيهِ جَمِيعًا؛ بَل تَعَلُّم مَعَانِيهِ هُوَ الْمَقْصُودُ الْأَوَّلُ بِتَعْلِيمِ حُرُوفهِ، وَذَلِكَ هُوَ الَّذِي يَزِيدُ الْإِيمَانَ (٥). [١٣/ ٤٠٣]
١٣٥٧ - بَلَّغَنَا أَصْحَابُهُ ﵃ عَنْهُ ﷺ الْإِيمَانَ وَالْقُرْآنَ، حُرُوفَهُ وَمَعَانِيَهُ، وَذَلِكَ مِمَّا أَوْحَاهُ اللهُ إلَيْهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٥٢] (٦). [١٣/ ٤٠٣]
١٣٥٨ - نَفْسُ مَعْرِفَةِ الْقِرَاءَةِ وَحِفْظِهَا: سُنَّةٌ مُتَّبَعَة، يَأخُذُهَا الآخِرُ عَن الْأَوَّلِ؛ فَمَعْرِفَةُ الْقِرَاءَةِ الَّتِي كَانَ النَّبِي ﷺ يَقْرَأُ بِهَا أَو يُقِرُّهُم عَلَى الْقِرَاءَةِ بِهَا أَو يَأذَنُ لَهُم وَقَد أَقَرُّوا بِهَا سُنَّةٌ.
وَالْعَارِفُ فِي الْقِرَاءَاتِ الْحَافِظُ لَهَا لَهُ مَزِيَّة عَلَى مَن لَمْ يَعْرِفْ ذَلِكَ وَلَا يَعْرِفْ إلَّا قِرَاءَةً وَاحِدة. следующие страницы →