Полный текст (3 539 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.
стр. 1121
وَعَلَى هَذَا فَيَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: الْمُحْكَمُ وَالْمَنْسُوخُ، كَمَا يُقَالُ الْمُحْكَم وَالْمُتَشَابِهُ.
وَتَارَة يُقَابَلُ بِمَا نَسَخَهُ اللهُ مِمَّا أَلْقَاهُ الشَّيْطَانُ. [١٣/ ٢٧٢ - ٢٧٣]
* * *
١٣٤٦ - هُوَ سبْحَانَهُ يُقْسِمُ بِأمُورٍ عَلَى أُمُورٍ، وإنَّمَا يُقْسِمُ بِنَفْسِهِ الْمُقَدسَةِ الْمَوْصُوفَةِ بِصِفَاتِهِ، أَو بِآياتِهِ الْمُسْتَلْزِمَةِ لِذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ، وَإِقْسَامُهُ بِبَعْضِ الْمَخْلُوقَاتِ دَلِيل عَلَى أنَّهُ مِن عَظِيمِ آيَاتِهِ.
وَهُوَ سُبْحَانَهُ يَذْكُرُ جَوَابَ الْقَسَمِ تَارَةً وَهُوَ الْغَالِبُ وَتَارَةً يَحْذِفُهُ، كَمَا يَحْذِفُ جَوَابَ (لَوْ) كَثِيرًا؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر: ٥]، وَقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ﴾ [الرعد: ٣١] .. ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام: ٣٠].
وَمِثْل هَذَا حَذْفُهُ مِن أَحْسَنِ الْكَلَامِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّك لَو رَأَيْته لَرَأَيْت هَوْلًا عَظِيما. [١٣/ ٣١٤ - ٣١٥]
١٣٤٧ - يَجِبُ أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ النَّبِيِّ ﷺ بَيَّنَ لِأَصْحَابِهِ مَعَانِيَ الْقُرْآنِ كَمَا بَيَّنَ
الحواشي
(١) = الثانِيَةَ كانَتْ مُزيلَة لِمَا أخَافَهُمْ مِنَ الْأُولَى أَوْ مُحَولَةً لَهُ إِلَى وَجْه آخَرَ، وَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الصحَابِي لَمْ يَنْطِقْ بِلَفْظِ النسْخِ، وَإِنمَا فَهِمَهُ الراوِي مِنَ الْقصةِ فَذَكَرَهُ. تفسير المنار (٣/ ١١٧).
قلت: وقد جاء عن الصحابة القول بنسخ كثير من الآيات، وإذا علمنا أنّ مفهوم النسخ عندهم يختلف عن مفهوم النسخ عند المتأخرين: علمنا أنهم لم يقصدوا من النسخ - في الغالب الأعم: رفع الحكم أو بعضه جملة.
والفرق بينه وبين الاستثناء والتخصيص: أن الجملة الواردة التي جاء التخصيص أو الاستثناء منها لم يُرد الله تعالى قط إلزامها لها على عمومها وقتًا من الدهر كما في تحريم المشركات، فإنه لم يرد قط بذلك نكاح نساء الكتابيين بالزواج، وكذلك القول في العرايا، وأما النسخ فإننا مكلفون بالجملة الأولى على عمومها مدة ما لم يأت أمر بإبطالها أو إبطال بعضها.
يُنظر: الإحكام في أصول الأحكام، لابن حزم المتوفى (٤٥٦ هـ)، المحقق: الشيخ أحمد محمد شاكر (١/ ٨٠).стр. 1122
لَهُم أَلْفَاظَهُ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] يَتَنَاوَلُ هَذَا وَهَذَا. [١٣/ ٣٣١]
١٣٤٨ - مِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ الْقُرْآنَ وَالْحَدِيثَ إذَا عُرِفَ تَفْسِيرُهُ مِن جِهَةِ النَّبِى ﷺ لَمْ يُحْتَجْ فِي ذَلِكَ إلَى أَقْوَالِ أَهْلِ اللُّغَةِ. [١٣/ ٢٧]
١٣٤٩ - مِن الْأُصُولِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا بَيْنَ الصحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُم بِإِحْسَان أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِن أَحَدٍ قَطُّ أَنْ يُعَارِضَ الْقُرآنَ لَا بِرَأيِهِ وَلَا ذَوْقِهِ وَلَا مَعْقُولِهِ وَلَا قِيَاسِهِ وَلَا وَجْدِهِ.
وَلهَذَا لَا يُوجَدُ فِي كَلَامِ أَحَد مِن السَّلَفِ أَنَّهُ عَارَضَ الْقُرْآنَ بِعَقْل وَرَايٍ وَقِيَاسٍ، وَلَا بِذَوْقٍ وَوَجْدٍ وَمُكَاشَفَة، وَلَا قَالَ قَطُّ: قَد تَعَارَضَ فِي هَذَا الْعَقْلُ وَالنَّقْلُ، فَضْلًا عَن أَنْ يَقُولَ: فَيَجِبُ تَقْدِيمُ الْعَقْلِ.
وَالنَّقْلُ -يَعْنِي الْقُرْآنَ وَالْحَدِيثَ وَأَقْوَالَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ-: إمَّا أَنْ يُفَوَّضَ وَإِمَّا أَنْ يُؤَوَّلَ.
وَلَمْ يَكُنِ السَّلَفُ يَقْبَلُونَ مُعَارَضَةَ الآيَةِ إلَّا بِآيةٍ أُخْرَى تُفَسّرُهَا وَتَنْسَخُهَا؛ أَو بِسُنَّةِ الرَّسُولِ ﷺ تُفَسرهَا.
فَإِنَّ سُنَّةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ تبيّنُ الْقُرْآنَ وَتَدُلُّ عَلَيْهِ وَتُعَبِّرُ عَنْهُ، وَكَانُوا يُسَمُّونَ مَا عَارَضَ الْآيَةَ نَاسِخًا لَهَا، فَالنَّسْخُ عِنْدَهُم اسْمٌ عَام لِكُلِّ مَا يَرْفَعُ دَلَالَةَ الْآيَةِ عَلَى مَعْنًى بَاطِل، وَإِن كَانَ ذَلِكَ الْمَعْنَى لَمْ يُرَدْ بِهَا، وَإِن كَانَ لَا يَدُلّ عَلَيْهِ ظَاهِر الْآيَةِ، بَل قَد لَا يُفْهَمُ مِنْهَا وَقَد فَهِمَهُ مِنْهَا قَوْمٌ؛ فَيُسَمُّونَ مَا رَفَعَ ذَلِكَ الْإِبْهَامَ وَالْإِفْهَامَ نَسْخًا، وَهَذِهِ التَّسْمِيَةُ لَا تُؤْخَذُ عَن كُلِّ وَاحِد مِنْهمْ.
وَكَانَتِ الْبِدَعُ الْأُولَى مِثْلُ بِدْعَة الْخَوَارج إنَّمَا هِيَ مِن سُوءِ فَهْمِهِمْ لِلْقُرْآنِ، لَمْ يَقْصِدُوا مُعَارَضتَهُ، لَكِنْ فَهِمُوا مِنْهُ مَا لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ (١) . [١٣/ ٢٨ - ٣٠]
* * * الحواشي
(١) فلذا يجب الرجوع لفهم سلف الأمة للقرآن، ولا يجوز لمن بعدهم تفسيره بحسب ما ظهر لهم =стр. 1123
(المراد بالْوُجوهِ وَالنَّظَائِرِ)
١٣٥٠ - الْأَسْمَاءُ الْمُشْتَرَكَةُ فِي اللَّفْظِ هِيَ مِن الْمُتَشَابِهِ، وَبَعْضُ الْمُتَوَاطِئَةِ أَيْضًا مِن الْمُتَشَابِهِ، وَيُسَمّيهَا أَهْلُ التَّفْسِيرِ: الْوُجُوهُ وَالنَّظَائِرُ، وَصَنَّفُوا كُتُبَ الْوُجُوهِ وَالنَّظَائِرِ؛ فَالْوُجوهُ فِي الْأَسْمَاءِ الْمُشْتَرَكَةِ، وَالنَظَائِرِ فِي الْأَسْمَاءِ الْمُتَوَاطِئَةِ.
وَقَد ظَنَّ بَعْضُ أَصْحَابِنَا الْمُصَنِّفِينَ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْوُجُوهَ وَالنَّظَائِرَ جَمِيعًا فِي الْأَسْمَاءِ الْمُشْتَرَكَةِ، فَهِيَ نَظَائِرُ بِاعْتِبَارِ اللَّفْظِ، وَوُجُوهٌ باعْتِبَارِ الْمَعْنَى، وَلَيْسَ الْأَمْر عَلَى مَا قَالَهُ، بَل كَلَامُهُم صَرِيحٌ فِيمَا قُلْنَاهُ لِمَن تَأمَّلَهُ (١) . [١٣/ ٢٧٦ - ٢٧٧]
١٣٥١ - صَنَّفَ النَّاسُ "كُتُبَ الْوُجُوهِ وَالنَظَائِرِ"؛ فَالنَّظَائِرُ: اللَّفْظُ الَّذِي اتَّفَقَ مَعْنَاهُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَأَكْثَرُ، وَالْوُجُوهِ: الَّذِي اخْتَلَفَ مَعْنَاهُ؛ كَمَا يُقَال: الْأَسْمَاءُ الْمُتَوَاطِئَةُ وَالْمُشْتَرِكَةُ، وَإِن كَانَ بَيْنَهُمَا فَرْق.
وَقَد قِيلَ: هِيَ نَظَائِرُ فِى اللَّفْظِ وَمَعَانِيهَا مُخْتَلِفَةٌ، فَتَكُون كَالْمُشْتَرِكَةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلِ الصَّوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوُجُوهِ وَالنَّظَائِرِ هُوَ الْأَوَّل. [١٧/ ٤٣٣]
* * *
١٣٥٢ - مَعْرِفَةُ سَبَبِ النُّزُولِ يُعِينُ عَلَى فَهْمِ الْآيَةِ، فَإِنَّ الْعِلْمَ بِالسَّبَبِ يُورِث الْعِلْمَ بِالْمُسَبَّبِ؛ وَلهَذَا كَانَ أَصَحُّ قَوْلي الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ إذَا لَمْ يُعْرَفْ مَا نَوَاهُ الْحَالِفُ رُجِعَ إلَى سَبَبِ يَمِينِهِ وَمَا هَيَّجَهَا وَأَثَارَهَا.
وَقَوْلُهُمْ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي كَذَا:
أ - يُرَاد بِهِ تَارَةً أَنَّهُ سَبَبُ النُّزُولِ. الحواشي
(١) قال ابن القيم ﵀: الْوُجُوهُ: الْآلفَاظُ الْمُشْتَرَكَةُ، وَالنظَائِرُ: الألفَاظُ الْمُتَوَاطِئَةُ.
الْأولُ: فِيمَا اتَّفَقَ لَفْظُهُ وَاخْتَلَفَ مَعْنَاهُ.
وَالثاني: فِيمَا اتَّفَقَ لَفْظُهُ وَمَعْنَاهُ. انتهى. مختصر الصواعق المرسلة (١/ ٥٣٣).стр. 1124
ب - ويُرَادُ بِهِ تَارَة أَنَّ ذَلِكَ دَاخِل فِي الْآيَةِ، وإن لَمْ يَكُنِ السبَبُ، كَمَا تَقُولُ: عَنَى بِهَذِهِ الْآيَةِ كَذَا. [١٣/ ٣٣٩]
١٣٥٣ - تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِي قَوْلِ الصَّاحِبِ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي كَذَا، هَل يَجْرِي مَجْرَى الْمُسْنَدِ، كَمَا يَذْكُرُ السَّبَبَ الَّذِي أُنْزِلَتْ لِأَجْلِهِ، أَو يَجْرِي مَجْرَى التَّفْسِيرِ مِنْهُ الَّذِي لَيْسَ بِمُسْنَد؟
فَالْبُخَارِيُّ يُدْخِلُهُ فِي الْمُسْنَدِ، وَغَيْرُهُ لَا يُدْخِلُهُ فِي الْمُسْنَدِ، وَأَكْثَرُ الْمَسَانِدِ عَلَى هَذَا الِاصْطِلَاحِ؛ كَمُسْنَدِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا ذَكَرَ سَبَبًا نَزَلَتْ عَقِبَه، فَإِنَّهُم كُلُّهُم يُدْخِلُونَ مِثْل هَذَا فِي الْمُسْنَدِ.
وَإِذَا عُرِفَ هَذَا فَقَوْلُ أَحَدِهِمْ: نَزَلَتْ فِي كَذَا لَا يُنَافِي قَوْلَ الآخَرِ: نَزَلَتْ فِي كَذَا، إذَا كَانَ اللَّفْظُ يَتَنَاوَلُهُمَا كَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي التَّفْسِيرِ بِالْمِثَالِ، وإِذَا ذَكَرَ أحَدُهُم لَهَا سَبَبًا نَزَلَتْ لِأجْلِهِ وَذَكَرَ الآخَرُ سَبَبًا: فَقَد يُمْكِنُ صِدْقُهُمَا؛ بِأنْ تكونَ نَزَلَتْ عَقِبَ تِلْكَ الْأَسْبَابِ، أَو تَكُونَ نَزَلَتْ مَرتَيْنِ مَرَّة لِهَذَا السَّبَبِ وَمَرَّةً لِهَذَا السَّبَبِ. [١٣/ ٣٤٠]
١٣٥٤ - الْمُقَدمُ فِي الْقُرْآنِ وَالْمُؤَخَّرُ: بَابٌ مِن الْعِلْمِ، وَقَد صَنَّفَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ، مِنْهُم الْإِمَامِ أَحْمَد وَغيْرُهُ.
ثُمَّ التَّقْدِيمُ وَالتَّأخِيرُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ، وَالْفَصْلُ بَيْنَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ بِجُمْلَةٍ مُعْتَرِضَةٍ وَبَيْنَ غَيْرِهِمَا: لَا يُنْكِرُهُ إلَّا مَن لَمْ يَعْرِف اللُّغَةَ، وَقَد قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٧٢) وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ﴾ [آل عمران: ٧٢، ٧٣]، فَقَوْلُهُ: ﴿أَنْ يُؤْتَى﴾ [آل عمران: ٧٣] مِن تَمَامِ قَوْلِ أَهْلِ الْكِتَابِ؛ أيْ: كَرَاهَةَ أَنْ يُؤْتى، فَهُوَ مَفْعُولُ ﴿تُؤْمِنُوا﴾ [الإسراء: ١٠٧]، وَقَد فَصَلَ بَيْنَهُمَا بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾، وَهِيَ جُمْلَة أَجْنَبِيَّة، لَيْسَتْ مِن كَلَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ. [٣١/ ١٦٢ - ١٦٣]
стр. 1125
١٣٥٥ - مِن أَسْبَابِ تَرْكِهِمْ (١) الْمَصَاحِفَ أَوَّلَ مَا كُتِبَتْ غَيْرَ مَشْكُولَةٍ وَلَا مَنْقُوطَة: لِتَكُونَ صُورَةُ الرَّسْمِ مُحْتَمِلَة لِلْأَمْرَيْنِ (٢) كَالتَّاءِ وَالْيَاءِ، وَالْفَتْحِ وَالضَّمِّ، وَهُم يَضْبِطُونَ بِاللَّفْظِ كِلَا الْأَمْرَيْنِ (٣) ، وَيَكُونُ دَلَالَةُ الْخَطِّ الْوَاحِدِ عَلَى كِلَا اللَّفْظَيْنِ الْمَنْقُولَيْنِ الْمَسْمُوعَيْنِ الْمَتْلُوَّيْنِ شَبِيها بِدَلَالَةِ اللَّفْظِ الْوَاحِدِ عَلَى كِلَا الْمَعْنييْنِ الْمَنْقُولَيْنِ الْمَعْقُولَيْنِ الْمَفْهُومَيْنِ؛ فَإِنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ ﷺ تَلَقَّوْا عَنْهُ مَا أَمَرَهُ اللهُ بِتَبْلِيغِهِ إلَيْهِم مِن الْقُرْآنِ لَفْظِهِ وَمَعْنَاهُ جَمِيعًا. [١٣/ ٤٠٢]
١٣٥٦ - دَخَلَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ : "خَيْركُمْ مَن تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ" (٤) : تَعْلِيمُ حُرُوفهِ وَمَعَانِيهِ جَمِيعًا؛ بَل تَعَلُّم مَعَانِيهِ هُوَ الْمَقْصُودُ الْأَوَّلُ بِتَعْلِيمِ حُرُوفهِ، وَذَلِكَ هُوَ الَّذِي يَزِيدُ الْإِيمَانَ (٥) . [١٣/ ٤٠٣]
١٣٥٧ - بَلَّغَنَا أَصْحَابُهُ ﵃ عَنْهُ ﷺ الْإِيمَانَ وَالْقُرْآنَ، حُرُوفَهُ وَمَعَانِيَهُ، وَذَلِكَ مِمَّا أَوْحَاهُ اللهُ إلَيْهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٥٢] (٦) . [١٣/ ٤٠٣]
١٣٥٨ - نَفْسُ مَعْرِفَةِ الْقِرَاءَةِ وَحِفْظِهَا: سُنَّةٌ مُتَّبَعَة، يَأخُذُهَا الآخِرُ عَن الْأَوَّلِ؛ فَمَعْرِفَةُ الْقِرَاءَةِ الَّتِي كَانَ النَّبِي ﷺ يَقْرَأُ بِهَا أَو يُقِرُّهُم عَلَى الْقِرَاءَةِ بِهَا أَو يَأذَنُ لَهُم وَقَد أَقَرُّوا بِهَا سُنَّةٌ.
وَالْعَارِفُ فِي الْقِرَاءَاتِ الْحَافِظُ لَهَا لَهُ مَزِيَّة عَلَى مَن لَمْ يَعْرِفْ ذَلِكَ وَلَا يَعْرِفْ إلَّا قِرَاءَةً وَاحِدة. الحواشي
(١) أي: الصحابة ﵃.(٢) أي: للقراءتين.(٣) أي: أنَّ عمدتهم في الضبط: الإقراء، لا المصاحف.(٤) رواه البخاري(٥٠٢٧) .(٥) فالخيرية في تعليم القرآن: ليست قاصرةً على تعلم وتعليم حروفه، وتحفيظِه للناس، بل تشمل تعلُّم وتعليم معانيه، واسْتنباط الفوائد منه، وتفهيمه لهم.
وهذا هو الذي يزيد الإيمان، ويبعث على العمل، ويُنور القلب ويُصلحه.(٦) فكما أن معاني القرآن محفوظةٌ في كتب المفسرين، فكذلك حروفه وطريقة النطق بها محفوظة في كتب القراء، ومحفوظة في صدورهم إلى يومنا هذا.стр. 1126
وَأَمَّا جَمْعهَا فِي الصَّلَاةِ أَو فِي التِّلَاوَةِ فَهُوَ بِدْعَةٌ مَكْرُوهَةٌ (١) .
وَأَمَّا جَمْعُهَا لِأَجْلِ الْحِفْظِ وَالدَّرْسِ فَهُوَ مِن الِاجْتِهَادِ الَّذِي فَعَلَهُ طَوَائِفُ فِي الْقِرَاءَةِ.
وَأَمَّا الصَّحَابَةُ (٢) . [١٣/ ٤٠٤]
* * *
(التَّحْزِيبُ الْمسْتَحَبُّ والْمُحْدَث)
١٣٥٩ - عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرو ﵁ قَالَ: أَنْكَحَنِي أَبِي امْرَأَةً ذَاتَ حَسَبٍ؛ فَكَانَ يَتَعَاهَدُ كَنَّتَهُ (٣) ؛ فَيَسْأَلُهَا عَن بَعْلِهَا، فَتَقُولُ: نِعْمَ الرَّجُلُ مِن رَجُل لَمْ يَطَأ لَنَا فِرَاشًا، وَلَمْ يُفَتِّشْ لَنَا كَنَفًا مُنْذُ أَتَيْنَاهُ، فَلَمَّا طَالَ ذَلِكَ عَلَيْهِ ذَكَرَ لِلنَّبِي ﷺ فَقَالَ: "القَنِي به"، فَلَقِيتُهُ بَعْدُ، فَقَالَ: "كَيْفَ تَصُومُ؟ " قَالَ: كُلَّ يَوْمٍ، قَالَ: "وَكَيْفَ تَخْتِمُ؟ "، قَالَ: كُلَّ لَيْلَةٍ، قَالَ: "صُمْ فِي كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاَثةً، وَاقْرَأ القُرْآنَ فِي كُلِّ شَهْر"، قَالَ: قُلْتُ: أُطِيقُ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ، قَالَ: "صُمْ ثَلَاَثةَ أيامٍ فِي الجُمُعَةِ"، قُلْتُ: أُطِيقُ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ، قَالَ: "أفطِرْ يَوْمَيْنِ وَصُمْ يَوْمًا" قَالَ: قُلْت: أطِيقُ أَكْثَر مِن ذَلِكَ، قَالَ: "صمْ أفضَلَ الصَّوْمِ صَوْمَ دَاودَ صيَامَ يَوْمٍ وَإِفْطَارَ يَوْمٍ، وَاقْرَأْ فِي كُلِّ سَبْعِ لَيَالٍ مَرَّةً" (٤) .
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ (٥) : "وَقَالَ بَعْضُهُمْ: فِي ثَلَاثٍ، وَفي خَمْسٍ، وَأَكْثَرُهُم عَلَى سَبْعٍ". اهـ.
وَعَن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "اقْرَأ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ ثَلَاثٍ" رَوَاه أَحْمَد وَأَبُو دَاوُد. الحواشي
(١) كما يفعله كثير من القراء في هذا الزمان، حيث يجمعون القراءات فِي التلَاوَةِ أمام الناس.(٢) بياض في الأصل، ويظهر أن تمام العبارة: وأما الصحابة فلم يكونوا يفعلون ذلك، بل كل يقرأ حسب ما تيسر له.(٣) في الأصل: ابنته! وهو خطأ، والتعديل من صحيح البخاري، ومعنى كنته: امرأة ابنه.(٤) رواه البخاري(٥٠٥٢) .(٥) أي: البخاري.стр. 1127
قُلْت: هَذِهِ الرِّوَايَةُ نبَّهَ عَلَيْهَا الْبخَارِيُّ: وَقَالَ بَعْضُهُم: فِي ثَلَاثٍ.
فَالصَّحِيحُ عِنْدَهُم فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّهُ انْتَهَى بِهِ النَّبِيِّ ﷺ إلَى سَبْع (١) ، كَمَا أَنَّهُ أَمَرَهُ ابْتِدَاءً بِقِرَاءَتِهِ فِي الشَّهْرِ، فَجَعَلَ الْحَدَّ مَا بَيْنَ الشَّهْرِ إلَى الْأسْبُوعِ.
وَأَمَّا رِوَايَةُ مَن رَوَى: "مَن قَرَأَ الْقرْآنَ فِي أَقَلَّ مِن ثَلَاثٍ لَمْ يَفْقَهْ" (٢) فَلَا تُنَافِي رِوَايَةَ التَّسْبِيعِ، فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ أَمْرًا لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، وَلَا فِيهِ أَنَّهُ جَعَلَ قِرَاءَتَهُ فِي ثَلَاث دَائِمًا سنَّةً مَشْرُوعَةً، وَإِنَّمَا فِيهِ الْإِخْبَارُ بِأنَّ مَن قَرَأَهُ فِي أَقَلَّ مِن ثَلَاث لَمْ يَفْقَهْ، وَمَفْهُومُه مَفْهُومُ الْعَدَدِ، وَهُوَ مَفْهُومٌ صَحِيح أَنَّ مَن قَرَأَهُ فِي ثَلَاثٍ فَصَاعِدًا فَحُكْمُهُ نَقِيضُ ذَلِكَ، وَالتَّنَاقُضُ يَكُونُ بِالْمُخَالَفَةِ وَلَو مِن بَعْضِ الْوُجُوهِ.
فَإِذَا كَانَ مَن يَقْرَؤُهُ فِي ثَلَاثٍ أَحْيَانًا قَد يَفْقَهُهُ حَصَلَ مَقْصُودُ الْحَدِيثِ، وَلَا يَلْزَمُ إذَا شُرعَ فِعْلُ ذَلِكَ أَحْيَانًا لِبَعْضِ النَّاسِ أَنْ يَكُونَ الْمُدَاوَمَةُ عَلَى ذَلِكَ مُسْتَحَبَّةً؛ وَلهَذَا لَمْ يعْلَمْ فِي الصَّحَابَةِ عَلَى عَهْدِهِ مَن دَاوَمَ عَلَى ذَلِكَ، أَعْنِي عَلَى قِرَاءَتِهِ دَائِمًا فِيمَا دُونَ السَّبْعِ، وَلهَذَا كَانَ الْإِمَامُ أَحْمَد ﵀ يَقْرَؤُهُ فِي كُلِّ سَبْعٍ.
وَالْمَقْصُودُ بِهَذَا الْفَصْلِ أَنَّهُ إذَا كَانَ التَّحْزِيبُ الْمُسْتَحَبُّ مَا بَيْنَ أُسْبُوع إلَى شَهْرٍ .. فَالصَّحَابَةُ إنَّمَا كَانُوا يحزبونه سُوَرًا تَامَّةً، لَا يحزبون السُّورَةَ الْوَاحِدة كَمَا رَوَى أَوْسُ بْن حُذَيْفَةَ قَالَ: سَأَلْت أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ ﷺ كيْفَ تحزبون الْقُرْآنَ؟ قَالُوا: ثَلَاثٌ وَخَمْسس وَسَبْع وتسعٌ وَإِحْدَى عَشْرَةَ وَثَلَاثَ عَشْرَةَ وَحِزْبُ الْمُفَصلِ وَاحِد. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَهَذَا لَفْظُهُ وَأَحْمَد وَابْنُ مَاجَه.
وَهَذَا الْحَدِيثُ يُوَافِقُ مَعْنَى حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو فِي أَنَّ الْمَسْنُونَ كَانَ الحواشي
(١) لكن ثبت عند البخاري(١٩٧٨) عنه، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "اقْرَأ القُرْآنَ فِي كُل شَهْرٍ"، قَالَ: إِني أطِيقُ أكْثَرَ، فَمَا زَالَ حَتَّى قَالَ: "في ثَلَاثٍ".(٢) رواه الترمذي(٢٩٤٩) بلفظ: "لم يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث"، وصححه الألباني.стр. 1128
عِنْدَهُم قِرَاءَتَهُ فِي سَبْع؛ وَلهَذَا جَعَلُوه سَبْعَةَ أَحْزَابٍ، وَلَمْ يَجْعَلُوهُ ثَلَاثَةً وَلَا خَمْسَةً، وَفيهِ أَنَّهُم حزبوه بِالسُّورِ وَهَذَا مَعْلُومٌ بِالتَّوَاتُرِ؛ فَإِنَّهُ قَد عُلِمَ أَنَّ أَوَّلَ مَا جُزِّئَ الْقرْآنُ بِالْحُرُوفِ تَجْزِئَةُ ثَمَانِيَة وَعِشْرِينَ وَثَلَاثِينَ وَسِتِّينَ هَذِهِ الَّتِي تَكُونُ رُؤُوسُ الْأَجْزَاءِ وَالْأَحْزَابِ فِي أَثْنَاءِ السُّورَةِ وَأَثْنَاءِ الْقِصَّةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ كَانَ فِي زَمَنِ الْحَجَّاجِ وَمَا بَعْدَهُ.
وَهَذَا الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ هُوَ الْأَحْسَنُ؛ لِوُجُوهِ: أَحَدُهَا: أَنَّ هَذِهِ التحزيبات الْمُحْدَثَةَ تَتَضَمَّنُ دَائمًا الْوُقُوفَ عَلَى بَعْضِ الْكَلَامِ الْمُتَّصِلِ بِمَا بَعْدَهُ، حَتَى يَتَضَمَّنَ الْوَقْفَ عَلَى الْمَعْطُوفِ دُونَ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَيَحْصُلَ الْقَارِئ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي مُبْتَدِئًا بِمَعْطُوف؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] (١) ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الأحزاب: ٣١] (٢) ، وَأَمْثَالِ ذَلِكَ.
وَيتَضَمَّنُ الْوَقْفَ عَلَى بَعْضِ الْقِصَّةِ دُونَ بَعْضٍ -حَتَّى كَلَامُ الْمُتَخَاطِبَيْنِ- حَتَّى يَحْصُلَ الِابْتِدَاءُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي بِكَلَامِ الْمُجِيب؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٥) ﴾ [الكهف: ٧٥] (٣) .
وَمِثْلُ هَذِهِ الْوُقُوفِ لَا يَسُوغُ فِي الْمَجْلِسِ الْوَاحِدِ إذَا طَالَ الْفَصلُ بَيْنَهُمَا بِاَجْنَبِي؛ وَلهَذَا لَو أُلْحِقَ بالْكَلَامِ عَطْف أَو اسْتِثْنَاءٌ أَو شَرْط وَنَحْوُ ذَلِكَ بَعْدَ طُولِ الْفَصْلِ بِأَجْنَبِي لَمْ يَسُغْ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ.
الثَّالي: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَت عَادَتُهُ الْغَالِبَةُ وَعَادَةُ أَصْحَابِهِ أَنْ يَقْرَأَ فِي الصَّلَاةِ بِسُورَةٍ؛ كـ (ق) وَنَحْوِهَا، وَكَمَا كَانَ عمَرُ ﵁ يَقْرَأُ "بِيُونُسَ" و"يُوسُفَ" و"النَّحْلِ"، وَلَمَّا قَرَأَ ﷺ بِسُورَةِ الْمُؤمِنِينَ فِي الْفَجْرِ أَدْرَكَتْهُ سَعْلَةٌ فَرَكَعَ فِي الحواشي
(١) هذه الآية بدايةُ الحزب التاسع، مع أنها مرتبطة بما قبلها.(٢) هذه الآية بدايةُ الحزب الثالث والأربعين، وهي مرتبطةٌ بما قبلها كذلك.(٣) هذه الآية بدايةُ الحزب الحادي والثلاثين، وهي مرتبطة بما قبلها كذلك.стр. 1129
أثْنَائِهَا، وَقَالَ: إنِّي لَأَدْخلُ فِي الصَّلَاةِ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُطِيلَهَا فَاسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِي فَأخَفِّف لِمَا أَعْلَمُ مِن وَجْدِ أمِّهِ بِهِ.
وَأَمَّا "الْقِرَاءَةُ بِأوَاخِرِ السُّوَرِ وَأَوْسَاطِهَا" فَلَمْ يَكُن غَالِبًا عَلَيْهِم؛ وَلهَذَا يُتَوَرَّعُ فِي كَرَاهَةِ ذَلِكَ، وَفيهِ النّزَاعُ الْمَشْهُورُ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ، وَمِن أَعْدَلِ الأقْوَالِ: قَوْلُ مَن قَالَ: يُكْرَهُ اعْتِيَادُ ذَلِكَ دُونَ فِعْلِهِ أَحْيَانًا؛ لِئَلَّا يَخْرُجَ عَمَّا مَضَتْ بِهِ السُّنَّةُ وَعَادَةُ السَّلَفِ مِن الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا التَّحْزِيبَ وَالتَّجْزِئَةَ فِيهِ مُخَالَفَةُ السُّنَّةِ أَعْظَمُ مِمَّا فِي قِرَاءَةِ آخِرِ السُّورَةِ وَوَسَطِهَا فِي الصَّلَاةِ.
وَبِكُلِّ حَالٍ فَلَا ريبَ أَنَّ التَّجْزِئَةَ وَالتَّحْزِيبَ الْمُوَافِقَ لِمِا كَانَ هُوَ الْغَالِبُ عَلَى تِلَاوتهِمْ أَحْسَنَ.
والْمَقْصُودُ أَنَّ التَّحْزِيبَ بِالسُّورَةِ التَّامَّةِ أَوْلَى مِن التَّحْزِيبِ بِالتَّجْزِئَةِ. [١٣/ ٤٠٥ - ٤١٢]
* * *
١٣٦٠ - وَسُئِلَ ﵀: عَن جَمَاعَةٍ اجْتَمَعُوا فِي خَتْمَةٍ وَهُم يَقْرَؤُونَ لِعَاصِمِ وَأَبِي عَمْرٍو فَإِذَا وَصَلُوا إلَى سُورَةِ الضُّحَى لَمْ يُهَلِّلُوا وَلَمْ يُكَبِّرُوا إلَى آخِرِ الْخَتْمَةِ، فَفِعْلُهُم ذَلِكَ هُوَ الْأَفْضَلُ أَمْ لَا؟
فَأجَابَ: إذَا قَرَؤُوا بِغَيْرِ حَرْفِ ابْنِ كَثِيرٍ كَانَ تَرْكُهُم لِذَلِكَ هُوَ الْأَفْضَلَ، بَل الْمَشْرُوعَ الْمَسْنُونَ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ الْأئِمَّةَ مِن الْقُراءِ لَمْ يَكُونُوا يُكَبرُونَ لَا فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ وَلَا فِي أَوَاخِرِهَا.
فَإِنْ جَازَ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إنَّ ابْنَ كَثِيرٍ نَقَلَ التَّكْبِيرَ (١) عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ الحواشي
(١) المراد به أن يقول القارئ: (الله أكبر) ثم يبسمل عقب كلّ سورة من قصار المفصل، ابتداء بسورة الضّحى إلى أن يختم القرآن.
قال ابن الجزريّ: اعْلَمْ أَنَّ التُّكْبِيرَ صَحَّ عِنْدَ أهْلِ مَكَّةَ قُرَّائِهِمْ وَعُلَمَائِهِمْ وَأئِمتِهِمْ، وَمَن رَوَى =стр. 1130
جَازَ لِغَيْرِهِ أَنْ يَقُولَ: إنَّ هَؤُلَاءِ نَقَلُوا تَرْكَهُ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ ، إذ مِن الْمُمْتَنِعِ أَنْ تَكُونَ قِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ الَّتِي نَقَلَهَا أَكْثَر مِن قِرَاءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ قَد أَضَاعُوا فِيهَا مَا أَمَرَهُم بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَإِنَّ أَهْلَ التَّوَاتُرِ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِم كِتْمَانُ مَا تَتَوَفَّرُ الْهِمَمُ وَالدَّوَاعِي إلَى نَقْلِهِ، فَمَن جَوَّزَ عَلَى جَمَاهِيرِ الْقُرَّاءِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَقْرأهُم بِتَكْبِيرٍ زَائِدٍ فَعَصَوْا لِأَمْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَتَرَكوا مَا أَمَرَهُم بِهِ: اسْتَحَقَّ الْعُقُوبَةَ الْبَلِيغَةَ الَّتِي تَرْدَعُهُ وَأمْثَالَهُ عَن مِثْل ذَلِكَ.
ولَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ مِن أَئِمَّةِ الذينِ أَنَّ التَّكْبِيرَ وَاجِب، وَإِنَّمَا غَايَةُ مَن يَقْرَأ بِحَرْفِ ابْنِ كثِيرٍ أَنْ يَقُولَ: إنَّهُ مُسْتَحَبٌّ، وَهَذَا خِلَافُ الْبَسْمَلَةِ؛ فَإِنَّ قِرَاءَتَهَا وَاجِبَة عِنْدَ مَن يَجْعَلُهَا مِن الْقُرْآنِ، وَمَعَ هَذَا فَالْقُرَّاءُ يُسَوِّغُونَ تَرْكَ قِرَاءَتِهَا لِمَن لَمْ يَرَ الْفَصْلَ بِهَا، فَكَيْفَ لَا يَسُوغُ تَرْكُ التَّكْبِيرِ لِمَن لَيْسَ دَاخِلًا فِي قِرَاءَتِهِ؟
وَأَمَّا مَا يَدَّعِيهِ بَعْضُ الْقُرَّاءِ مِن التَّوَاتُرِ فِي جُزْئِيَّاتِ الْأمُورِ فَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعُ تَفْصِيلِهِ (١) . [١٣/ ٤١٧ - ٤١٩]
١٣٦١ - اتّبَاعُ رَسْم الْخَطِّ بِحَيْثُ يَكْتُبُهُ بِالْكُوفِيِّ: لَا يَجِبُ عِنْدَ أَحَدِ مِن الْمُسْلِمِينَ، وَكَذَلِكَ اتِّبَاعُهُ فِيمَا كَتَبَهُ بِالْوَاوِ وَالْأَلِفِ هُوَ حُسْنُ لَفْظِ رَسْمِ خَطِّ الصَحَابَةِ. الحواشي
(١) يُشعر كلامُه بأنّ هذه الدعوى غير صحيحة، ولا ريب في صحة ما قرأ به القراء العشرة، وإن كانت بعض الجزئيات -وهي قليلة- قد تكون من اختلافهم في الأداء، كوقف حمزة وهشام في بعض المواضع على الهمز.стр. 1131
وَأَمَّا تَكْفِيرُ مَن كَتَبَ أَلْفَاظَ الْمُصْحَفِ بِالْخَطِّ الَّذِي اعْتَادَهُ فَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ بِتَكْفِيرِ مَن فَعَلَ ذَلِكَ؛ لَكِنَّ مُتَابَعَةَ خَطِّهِمْ أَحْسَنُ، هَكَذَا نُقِلَ عَن مَالِكٍ وَغَيْرِه. [١٣/ ٤٢١]
١٣٦٢ - أَسْمَاءُ الْقُرْآنِ: الْفُرْقَانُ، الْكِتَابُ، الْهُدَى، النُّورُ، الشِّفَاءُ، الْبَيَانُ، الْمَوْعِظَةُ، الرَّحْمَةُ، بَصَائِرُ، الْبَلَاغ، الْكَرِيمُ، الْمَجِيدُ، الْعَزِيزُ، الْمُبَارَكُ، التَّنْزِيلُ، الْمنَزلُ، الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ، حَبْلُ اللهِ، الذكْرُ، الذكْرَى، تَذْكِرَة، الْمُهَيْمِنُ عَلَيْهِ، ﴿وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [يوسف: ١١١]، ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]، الْمُتَشَابِهُ، الْمَثَانِي، الْحَكِيمُ: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (٢) ﴾ [لقمان: ٢]. [١٤/ ١ - ٢]
١٣٦٣ - جَاءَ مَأثُورَا عَن الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه وَغَيْرُهُ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِائَةَ كِتَابٍ وَأرْبَعَةَ كُتُبٍ، جَمَعَ عِلْمَهَا فِي الْأَرْبَعَةِ، وَجَمَعَ عِلْمَ الْأَرْبَعَةِ فِي الْقُرْآنِ، وَجَمَعَ عِلْمَ الْقُرْآنِ فِي الْمُفَصَّلِ، وَجَمَعَ عِلْمَ الْمُفَصَّلِ فِي امِّ الْقُرْآنِ، وَجَمَعَ عِلْمَ أُم الْقُرْآنِ فِي هَاتَيْنِ الْكَلِمَتَيْنِ الْجَامِعَتَيْنِ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) ﴾ [الفاتحة: ٥]، وَإِنَّ عِلْمَ الْكُتُبِ الْمُنَزلَةِ مِن السَّمَاءِ اجْتَمَعَ فِي هَاتَيْنِ الْكَلِمَتَيْنِ الْجَامِعَتَيْنِ.
وإلَى هَذَيْن الْأصْلَيْنِ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْصِدُ فِي عِبَادَاتِهِ وَأَذْكَارِهِ وَمُنَاجَاتِهِ، مِثْلُ قَوْلِهِ فِي الْأَضْحِيَّةِ: "اللهُم هَذَا مِنْك وَلَك" (١) فَإِنَّ قَوْلَهُ: "مِنْك" هُوَ مَعْنَى التَوَكُّلِ وَالِاسْتِعَانَةِ، وَقَوْلَهُ: "لَك" هُوَ مَعْنَى الْعِبَادَةِ.
وَمِثْلُ قَوْلِهِ فِي قِيَامِهِ مِن اللَّيْلِ: "لَك أَسْلَمْت وَبِك آمنْت وَعَلَيْك تَوَكَلْت".
إذَا تَقَرَّرَ هَذَا الْأصْلُ، فَالْإِنْسَانُ فِي هَذَيْنِ الْوَاجِبَيْنِ لَا يَخْلُو مِن أَحْوَالٍ أَرْبَعَةٍ، هِيَ الْقِسْمَةُ الْمُمْكِنَةُ: الحواشي
(١) رواه الإمام أحمد(١٥٠٢٢) ، وأبو داود(٢٧٩٥) ، وصححه الألباني في إرواء الغليل(١١٥٢) .стр. 1132
إمَا أَنْ يَأتِيَ بِهِمَا.
وَإِمَّا أَنْ يَأتيَ بِالْعِبَادَةِ فَقَطْ.
وَإِمَّا أَنْ يَأتِيَ بِالِاسْتِعَانَةِ فَقَطْ.
وإمَّا أَنْ يَتْرُكَهُمَا جَمِيعًا.
وَلهَذَا كَانَ النَّاسُ فِي هَذِهِ الْأَقْسَامِ الْأَرْبَعَةِ؛ بَل أَهْلُ الدِّيَانَاتِ هُم أهْلُ هَذِهِ الْأَقْسَامِ وَهُم الْمَقْصُودُونَ هُنَا بِالْكَلَامِ:
قِسْم يَغْلِبُ عَلَيْهِ قَصْدُ التَّألُّهِ للّهِ وَمُتَابَعَةُ الأمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْإِخْلَاصِ للّهِ تَعَالَى وَاتِّبَاعُ الشَّرِيعَةِ فِي الْخُضُوعِ لِأَوَامِرِهِ وَزَوَاجِرِهِ وَكَلِمَاتِهِ الْكَوْنِيَّاتِ، لَكِنْ يَكُون مَنْقُوصًا مِن جَانِبِ الِاسْتِعَانَةِ وَالتَّوَكُّلِ فَيَكُونُ إمَّا عَاجِزًا وَإِما مُفَرِّطًا.
وَقِسم يَغْلِبُ عَلَيْهِ قَصْدُ الِاسْتِعَانَةِ بِاللهِ وَالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ وَإِظْهَارِ الْفَقْرِ وَالْفَاقَةِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَالْخُضُوعِ لِقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ وَكَلِمَاتِهِ الْكَوْنِيَّاتِ، لَكِنْ يَكُونُ مَنْقُوصًا مِن جَانِبِ الْعِبَادَةِ وإخْلَاصِ الدِّينِ للّهِ، فَلَا يَكُونُ مَقْصُودُهُ أنْ يَكُونَ الدينُ كُلُّهُ للّهِ، وَإِن كَانَ مَقْصُودُهُ ذَلِكَ فَلَا يَكُونُ مُتَّبِعًا لِشَرِيعَةِ اللهِ وَمِنْهاجِهِ، بَل قَصْدُهُ نَوْعُ سُلْطَانٍ فِي الْعَالَمِ: إمَّا سُلْطَانُ قُدْرَة وَتَأثِيرٍ، وإمَّا سُلْطَانُ كَشْفٍ وَإِخْبَار، أَو قَصْدُهُ طَلَبُ مَا يُرِيدُهُ وَدَفْعُ مَا يَكْرَهُهُ بِأيِّ طَرِيق كَانَ، أَو مَقْصُودُهُ نَوْعُ عِبَادَةٍ وَتَاَّلُهٍ بِأيِّ وَجْهٍ كَانَ هِمَّتُهُ فِي الِاسْتِعَانَةِ وَالتَّوَكُّلِ الْمُعِينَةُ لَهُ عَلَى مَقْصُودِهِ، فَيَكُونُ إمَّا جَاهِلا وَاِمَّا ظَالِمًا تَارِكًا لِبَعْضِ مَا أَمَرَهُ الله بِهِ، رَاكِبًا لِبَعْضِ مَا نَهَى اللهُ عَنْهُ.
وَهَذِهِ حَالُ كَثِير مِمَن يَتَألَّهُ وَيَتَصَوَّفُ ويتَفَقَّرُ ويشْهَدُ قَدَرَ اللهِ وَقَضَاءَهُ، وَلَا يَشْهَدُ أَمْرَ اللهِ وَنَهْيَهُ.
وَلهَذَا يَكثُرُ فِي هَؤُلَاءِ مَن لَهُ كَشْف وَتَأثِير وَخَرْقُ عَادَةٍ مَعَ انْحِلَالٍ عَن بَعْضِ الشَّرِيعَةِ وَمُخَالَفَةٍ لِبَعْضِ الْأَمْرِ، وإذَا أَوْغَلَ الرَّجُلُ مِنْهُم دَخَلَ فِي الْإِبَاحِيَّةِ وَالِانْحِلَالِ وَرُبمَا صَعِدَ إلَى فَسَادِ التَّوْحِيدِ فَيَخْرُجُ إلَى الِاتحَادِ وَالْحُلُولِ الْمُقَيَّدِ،
стр. 1133
كَمَا قَد وَقَعَ لِكَثِيرِ مِن الشُّيُوخِ، ويُوجَدُ فِي كَلَامِ صَاحِبِ "مَنَازِلِ السَّائِرِينَ" (١) وَغَيْرِهِ مَا يُفْضِي إلَى ذَلِكَ.
وَقِسْم ثَالِث مُعْرِضونَ عَن عِبَادَةِ اللهِ وَعَن الِاسْتِعَانَةِ بِهِ جَمِيعا.
وَهُم فَرِيقَانِ: أَهْلُ دنْيَا وَأَهْلُ دِينٍ.
فَأَهْلُ الدّينِ مِنْهُم هُم أَهْلُ الدِّينِ الْفَاسِدِ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ غَيْرَ اللهِ ويسْتَعِينُونَ غيْرَ اللهِ بِظَنِّهِمْ وَهَوَاهُم ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم: ٢٣].
وَأَهْلُ الدُّنْيَا مِنْهُم الَّذِينَ يَطْلُبُونَ مَا يَشْتَهُونَهُ مِن الْعَاجِلَةِ بِمَا يَعْتَقِدُونَهُ مِن الْأَسْبَابِ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ يَجِبُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ مَن قَد يُعْرِضُ عَن عِبَادَةِ اللهِ وَالِاسْتِعَانَةِ بِهِ وَبَيْنَ مَن يَعْبُدُ غَيْرَهُ ويسْتَعِينُ بِسِوَاهُ. [١٤/ ٧ - ١٢]
١٣٦٤ - مَن أَنْكَرَ شَيْئا مِن الْقُرْآنِ بَعْدَ تَوَاتُرِهِ اُسْتُتِيبَ، فَإِنْ تَابَ وإلَّا قُتِلَ، وَأَمَّا قَبْلُ تَوَاتُرِهِ عِنْدَه فَلَا يُسْتَتَابُ؛ لَكِنْ يُبَيَّن لَهُ، وَكَذَلِكَ الْأَقْوَالُ الَّتِي جَاءَت الْأَحَادِيثُ بِخِلَافِهَا: فِقْها وَتَصَوُّفًا وَاعْتِقَادا وَغَيْرَ ذَلِكَ. [١٤/ ٤٨]
١٣٦٥ - الْمِثْل فِي الْأَصْلِ هُوَ الشَّبِيهُ .. وَهَذَا يُسَمَّى قِيَاسًا فِي لُغَةِ السَّلَفِ وَاصْطِلَاحِ الْمَنْطِقِيِّينَ، وَتَمْثِيلُ الشَّيءِ الْمُعَيَّنِ بِشَيءٍ مُعَيَّنٍ هُوَ أَيْضًا يُسَمَّى قِيَاسًا فِي لُغَةِ السَّلَفِ وَاصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ، وَهُوَ الَّذِي يُسَمَّى قِيَاسَ التَّمْثِيلِ.
وَالْقِيَاسُ هُوَ ضَرْبُ الْمِثْل، وَأَصْلُهُ -وَاللهُ أَعْلَمُ-: تَقْدِيرُهُ، فَضَرْبُ الْمِثْل الحواشي
(١) لأَبِي إسْمَاعِيلَ الهروي ﵀، وقد شرح كتابه العلَّامة ابن القيم، وتعقبه في كثير منها، واعتذر له في كثير من المواضع التي ظاهر كلامه يُفضي إلى ما قال الشيخ ﵀.
والعجيب أن ابن تيمية وابن القيم مع ما صدر من الهروي إلا أنهما يُثنيان عليه، ويُسميانه بشيخ الإسلام، ولا يقدحان فيه ولا في موضع واحد!
فأين هذا ممن يتكلم في أعراض الدعاة إلى اللّه والمشايخ والخطباء، بزعم أنهم من الحزب الفلاني، والجماعة الفلانية! والله المستعان.стр. 1134
لِلشَّيءِ تَقْدِيرُهُ لَهُ، كَمَا أَنَّ الْقِيَاسَ أَصْلُهُ تَقْدِيرُ الشَّيءِ بِالشَّيءِ، وَمِنْهُ ضَرْبُ الدِّرْهَمِ وَهُوَ تَقْدِيرُهُ، وَضَرْبُ الْجِزْيَةِ وَالْخَرَاجِ وَهُوَ تَقْدِيرُهمَا، وَالضَّرِيبَةُ الْمَقدَّرَةُ، وَالضرْبُ فِي الْأَرْضِ لِأَنَّهُ يُقَدَّرُ أَثَرُ الْمَاشِي بِقَدْرِهِ، وَكَذَلِكَ الضَّرْبُ بِالْعَصَا لِأَنَّهُ تَقْدِير الْأَلَمِ بِالآلَةِ وَهُوَ جَمْعُهُ وَتَألِيفُهُ وَتَقْدِيرُهُ، كَمَا أَنَّ الضَّرِيبَةَ هِيَ الْمَالُ الْمَجْمُوعُ.
وَضَرْبُ الْمِثْل لَمَّا كَانَ جَمْعًا بَيْنَ عِلْمَيْنِ يُطْلَبُ مِنْهُمَا عِلْم ثَالِث كَانَ بِمَنْزِلَةِ ضِرَابِ الْفَحْلِ الَّذِي يَتَوَلَّدُ عَنْهُ الْوَلَدُ.
وَضَرْبُ الْأَمْثَالِ فِي الْمَعَانِي نَوْعَانِ هُمَا نَوْعَا الْقِيَاسِ:
أَحَدُهُمَا: الْأَمْثَالُ الْمُعَينَةُ الَّتِي يُقَاسُ فِيهَا الْفَرْع بِأصْلٍ مُعَيَّنٍ مَوْجُودٍ أَو مُقَدَّر، وَهِيَ فِي الْقُرْآنِ بِضْع وَأَرْبَعُونَ مَثَلًا كَقَوْلِهِ: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ [البقرة: ١٧] إلَى آخِرِهِ.
وَالِاعْتِبَارُ هُوَ الْقِيَاسُ بِعَيْنِهِ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [آل عمران: ١٣].
النَّوْعُ الثانِي: الْأَمْثَالُ الْكُلِّيَّةُ، وَهَذِهِ الَّتِي أَشْكَلَ تَسْمِيَتُهَا أَمْثَالا، كَمَا أَشْكَلَ تَسْمِيَتُهَا قِيَاسًا، حَتَّى اعْتَرَضَ بَعْضُهُم قَوْلَهُ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ [الحج: ٧٣] فَقَالَ: أَيْنَ الْمَثَل الْمَضْرُوبُ؟. وَهَذِهِ الْأَمْثَالُ تَارَةً تكونُ صِفَاتٍ، وَتَارَة تكونُ أَقْيِسَةً.
فَإِذَا كَانَت أَقْيِسَةً: فَلَابُدَّ فِيهَا مِن خَبَرَيْنِ هُمَا قَضِيتَانِ وَحُكْمَانِ، وَأَنَّه لَابُدَّ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا كُلِّيًّا.
وَأَيْضًا مِمَّا يَجِبُ أَنْ يُعْلَمَ: أَنَّ غَالِبَ الْأَمْثَالِ الْمَضرُوبَةِ وَالْأَقْيِسَةِ إنَّمَا يَكُونُ الْخَفِيُّ فِيهَا إحْدَى الْقَضِيّتَيْنِ، وَأَمَّا الأخْرَى فَجَلِيَّةٌ مَعْلُومَة، فَضَارِبُ الْمَثَلِ وَنَاصِبُ الْقِيَاسِ إنَّمَا يَحْتَاجُ أَنْ يُبَين تِلْكَ الْقَضِيَّةَ الْخَفِيَّةَ.
فَلِهَذَا كَانَتِ الْأَمْثَالُ الْمَضْرُوبَةُ فِي الْقُرْآنِ تُحْذَفُ مِنْهَا الْقَضِيَّةُ الْجَلِيَّةُ؛ لِأَنَّ
стр. 1135
فِي ذِكرِهَا تَطْوِيلًا وَعِيًّا، وَكَذَلِكَ ذِكْرُ النَّتِيجَةِ الْمَقْصُودَةِ بَعْدَ ذِكْرِ الْمُقَدّمَتَيْنِ يُعَدُّ تَطْوِيلًا.
وَاعْتبِرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] مَا أَحْسَنَ هَذَا الْبُرْهَانَ! فَلَو قِيلَ بَعْدَهُ: وَمَا فَسَدَتَا، فَلَيْسَ فِيهِمَا آلِهَة إلَّا اللهُ، لَكَانَ هَذَا مِن الْكَلَامِ الْغَث الَّذِي لَا يُنَاسِبُ بَلَاغَةَ التَّنْزِيلِ.
وأَيْضًا: فَيَنْبَغِي أَنْ يُعْرَفَ أَنَّ مَدَارَ ضَرْبِ الْمَثَلِ وَنَصْبَ الْقِيَاسِ عَلَى الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ، وَالسَّلْبِ وَالْإِيجَابِ؛ فَإِّنهُ مَا مِن خَبَر إلَّا وَهُوَ إمَّا عَامّ أَو خَاصّ: سَالِبٌ أَو مُوجَب، فَالْمُعَيَّنُ خَاصّ مَحْصُورٌ، وَالْجُزْئيُ أيْضًا خَاصّ غَيْرُ مَحْصُورٍ، وَالْمُطْلَقُ إمَّا عَام وَإما فِي مَعْنَى الْخَاصِّ.
فَيَنْبَغِي لِمَن أَرَادَ مَعْرِفَةَ هَذَا الْبَابِ أَنْ يَعْرِفَ صِيَغَ النَّفْي وَالْعُمُومِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَجِيءُ فِي الْقُرْآنِ عَلَى أَبْلَغِ نِظَام. [١٤/ ٥٤ - ٦٢]
١٣٦٦ - مَن تَدَبَّرَ الْقُرْآنَ: تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣] يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا، ويُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا، لَيْسَ بِمُخْتَلِفٍ وَلَا بِمُتَنَاقِضٍ ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢].
وَهُوَ مَثَانِيَ، يُثَنّي اللهُ فِيهِ الْأَقْسَامَ ويسْتَوْفِيهَا.
وَالْحَقَائِقُ: إمَّا مُتَمَاثِلَة، وَهِيَ الْمُتَشَابِهُ، وَإِمَّا مُمَاثِلَة، وَهِيَ: الْأَصْنَافُ وَالْأَقْسَامُ وَالْأَنْوَاعُ، وَهِيَ الْمَثَانِي.
والتَّثْنِيَةُ يُرَادُ بِهَا: جِنْسُ التَّعْدِيدِ مِن غَيْرِ اقْتِصَارٍ عَلَى اثْنَيْنِ فَقَطْ، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [الملك: ٤] يُرَادُ بِهِ: مُطْلَقُ الْعَدَدِ، كَمَا تَقُولُ: قُلْت لَهُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّة، تُرِيدُ: جِنْسَ الْعَدَدِ.
وَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ تكْرَارٌ مَحْضٌ، بَل لَابُدَّ مِن فَوَائِدَ فِي كُلِّ خِطَابٍ.
فالْمُتَشَابِهُ فِي النَّظَائِرِ الْمُتَمَاثِلَةِ، والْمَثَانِي فِي الْأَنْوَاعِ.
стр. 1136
وَتَكُونُ التَّثْنِيَةُ فِي الْمُتَشَابِهِ؛ أَيْ: هَذَا الْمَعْنَى قَد ثُنّيَ فِي الْقُرْآنِ لِفَوَائِدَ أُخَرَ.
فالْمَثَانِي تَعُمُّ هَذَا وَهَذَا، وَفَاتِحَةُ الْكِتَابِ: هِيَ السبْعُ الْمَثَانِي؛ لِتَضَمُّنِهَا هَذَا وَهَذَا. [١٤/ ٤٠٧ - ٤٠٩]
١٣٦٧ - الْكُتُبُ الْمُنَزَّلَةُ: مَجْمُوعَة فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) ﴾ [الفاتحة: ٥]، وَهِيَ مَعْنَى "لَا إلَهَ إلَّا اللهُ".
ولَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاللهِ هِيَ مِن مَعْنَى لَا إلَهَ إلا اللهُ.
والْحَمْدُ للّهِ فِي مَعْنَاهَا.
وسُبْحَانَ اللهِ وَاللّهُ أَكْبَرُ مِن مَعْنَاهَا.
لَكِنْ فِيهَا تَفْصِيل بَعْدَ إجْمَالٍ. [١٤/ ٤٢١]
١٣٦٨ - سُورَةُ الْمَائدَةِ أَجْمَعُ سُورَة فِي الْقُرْآنِ لِفُرُوعِ الشَّرَائعِ مِن التَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ وَالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ. [١٤/ ٤٤٨]
١٣٦٩ - الْقُرْآنُ نَزَلَ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ الْمَوْجُودَةِ فِي الْقُرْآنِ، فَإِنَّهَا تُفَسَّرُ بِلُغَتِهِ الْمَعْرُوفَةِ فِيهِ إذَا وُجِدَتْ، لَا يُعْدَلُ عَن لُغَتِهِ الْمَعْرُوفَةِ مَعَ وُجُودِهَا، وَإِنَّمَا يُحْتَاجُ إلَى غَيْرِ لُغَتِهِ فِي لَفْظٍ لَمْ يُوجَدْ لَهُ نَظِير فِي الْقُرْآنِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿وَيْكَأَنَّ اللَّهَ﴾ [القصص: ٨٢]، ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ [ص: ٣]، ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا (٣٤) ﴾ [النبأ: ٣٤]، ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) ﴾ [عبس: ٣١] و ﴿قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ [النجم: ٢٢]، وَنَحْو ذَلِكَ مِن الْأَلْفَاظِ الْغَرِيبَةِ فِي الْقُرْآنِ. [١٥/ ٨٨]
١٣٧٠ - إِنَّ السُّوَرَ الْمَكّيَّةَ تَضَمَّنَت الْأُصُولَ الَّتِي اتَّفَقَتْ عَلَيْهَا رُسُلُ اللهِ؛ إذ كَانَ الْخِطَابُ فِيهَا يَتَضَمَّنُ الدَّعْوَةَ لِمَن لَا يُقِرُّ بِأَصْلِ الرِّسَالَةِ.
وَأمَّا السُّوَرُ الْمَدَنِيَّةُ فَفِيهَا الْخِطَابُ لِمَن يُقِرُّ بأصْلِ الرِّسَالَةِ؛ كَأهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ آمنُوا بِبَعْضِ وَكَفَرُوا بِبَعْضِ، وَكَالْمُؤمِنِينَ الًّذِينَ آمنُوا بِكُتُبِ اللهِ وَرُسلِهِ؛ وَلهَذَا قَررَ فِيهَا الشَّرَائِعَ الَّتِي أَكْمَلَ اللهُ بِهَا الدّينَ: كَالْقِبْلَةِ وَالْحَجِّ وَالصِّيَامِ
стр. 1137
وَالِاعْتِكَافِ وَالْجِهَادِ وَأَحْكَامِ المناكح وَنَحْوِهَا؛ وَأَحْكَامِ الْأَمْوَالِ بِالْعَدْلِ كَالْبَيْعِ وَالْإِحْسَانِ كَالصَّدَقَةِ وَالظُّلْمِ كَالرِّبَا وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مِن تَمَامِ الدِّينِ.
وَلهَذَا كَانَ الْخِطَابُ فِي السُّوَرِ الْمَكِّيَّةِ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ [النساء: ١] لِعُمُومِ الدَّعْوَةِ إلَى الأصُولِ؛ إذ لَا يُدْعَى إلَى الْفَرْعِ مَن لَا يُقِرُّ بِالْأَصْلِ، فَلَمَّا هَاجَرَ النَّبِيُّ ﷺ إلَى الْمَدِينَةِ وَعَزَّ بِهَا أَهْلُ الْإِيمَانِ، وَكَانَ بِهَا أَهْل الْكِتَابِ خُوطِبَ هَؤلَاء وَهَؤُلَاءِ؛ فَهَؤُلَاءِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [النساء: ١٩]، وَهَؤُلَاءِ: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾ [النساء: ١٧١]، أَو: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [المائدة: ٧٢]، وَلَمْ يَنْزِلْ بِمَكَّةَ شَيء مِن هَذَا، وَلَكِنْ فِي السُّوَرِ الْمَدَنِيَّةِ خِطَابُ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ [النساء: ١] كَمَا فِي سورَةِ النّسَاءِ وَسُورَةِ الْحَجِّ وَهمَا مَدَنِيّتَانِ وَكَذَا فِي الْبَقَرَةِ.
وَهَذَا يُعَكِّرُ عَلَى قَوْلِ الْحَبْرِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ لِأنَّ الْحُكْمَ الْمَذْكُورَ يَشْمَلُ جِنْسَ النَّاسِ وَالدعْوَةُ بِالِاسْمِ الْخَاصِّ لَا تُنَافِي الدَّعْوَةَ بِالِاسْمِ الْعَامِّ. [١٥/ ١٦٠]
١٣٧١ - اسْتِمَاعُ آياتِ اللهِ وَالتَّزَكِّي بِهَا أَمْرٌ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ؛ فَإِنَّهُ لَابُدَّ لِكُلّ عَبْد مِن سَمَاعِ رِسَالَةِ سَيِّده الَّتِي أَرْسَلَ بِهَا رَسُولَهُ إلَيْهِ، وَهَذَا هُوَ السَّمَاعُ الْوَاجِبُ الَّذِي هُوَ أَصْلُ الْإِيمَانِ، وَلَا بُد مِن التَّزَكيِّ بِفِعْلِ الْمَأمُورِ وَتَرْكِ الْمَحْظُورِ، فَهَذَانِ لَابُدَّ مِنْهمَا.
وَأَمَّا الْعِلْمُ بِالْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ: فَهُوَ فَرْض عَلَى الْكِفَايَةِ، لَا يَجِبُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ بِعَيْنِهِ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِالْكِتَابِ لَفْظِه وَمَعْنَاهُ، عَالِمًا بِالْحِكْمَةِ جَمِيعِهَا، بَلِ الْمُؤمِنُونَ كُلهُم مُخَاطَبُونَ بِذَلِكَ، وَهُوَ وَاجِب عَلَيْهِم كَمَا هُم مُخَاطَبُونَ بِالْجِهَادِ، بَل وُجُوبُ ذَلِكَ أَسْبَقُ وَأَوْكَدُ مِن وُجُوبِ الْجِهَادِ؛ فَإِنَّه أَصْلُ الْجِهَادِ، وَلَوْلَاهُ لَمْ يَعْرِفُوا عَلَامَ يُقَاتِلُونَ (١) ، وَلهَذَا كَانَ قِيَامُ الرَّسُولِ وَالْمُؤمِنِينَ بِذَلِكَ قَبْلَ الحواشي
(١) تأمل هذا الكلام الحكيم الرزين، لتعرف خطأ وضلال الذين نفروا للجهاد قبل العلم، وكيف جنوا على أنفسهم وأمتهم والجهاد أيضًا، فقاتلوا بلا علم بآداب الجهاد وشروطِه وأحكامه، فضلوا وأضلوا، وسفكوا الدماء، وزعزعوا الأمن.стр. 1138
قِيَامِهِمْ بِالْجِهَادِ؛ فَالْجِهَادُ سَنَامُ الدِّينِ وَفَرْعُهُ وَتَمَامُهُ، وَهَذَا أَصْلُهُ وَأَسَاسُهُ وَعَمُودُهُ وَرَأسُهُ. [١٥/ ٣٩٠]
١٣٧٢ - لَا يبَ أَنَّ اسْتِمَاعَ كِتَابِ اللهِ وَالْإِيمَانَ بِهِ، وَتَحْرِيمَ حَرَامِهِ وَتَحْلِيلَ حَلَالِهِ، وَالْعَمَلَ بِمُحْكَمِهِ وَالْإِيمَانَ بِمُتَشَابِهِهِ: وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ، وَهَذَا هُوَ التِّلَاوَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [البقرة: ١٢١]، فَأَخْبَرَ عَن الَّذِينَ يَتْلُونَهُ حَق تِلَاوَتهِ أَنَّهُم يُومِنُونَ بِهِ، وَبِهِ قَالَ سَلَفُ الأمَّةِ مِن الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَغَيْرِهِمْ.
وَأَمَّا حِفْظُ جَمِيعِ الْقُرْآنِ وَفَهْمُ جَمِيعِ مَعَانِيهِ وَمَعْرفَةُ جَمِيعِ السُّنَّةِ فَلَا يَجِبُ عَلَى كُل أَحَدٍ، لَكِنْ يَجِب عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَحْفَظَ مِن الْقُرْآنِ ويعْلَمَ مَعَانِيَهُ ويعْرِفَ مِن السُّنَّةِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ. [١٥/ ٣٩٠ - ٣٩١]
١٣٧٣ - الْقُرْآنُ قَد أَخْبَرَ بِثَلَاثِ نَفَخَاتٍ:
أ- نَفْخَةِ الْفَزَعِ، ذَكَرَهَا فِي سُورَةِ النَّمْلِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [النمل: ٨٧].
ب - وَنَفْخَةِ الصَّعْقِ.
ج- وَالْقِيَامِ ذَكَرَهُمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨) ﴾ [الزمر: ٦٨].
وَأَمَّا الِاسْتِثْنَاءُ: فَهُوَ مُتَنَاوِل لِمَن فِي الْجَنَّةِ مِن الْحُورِ الْعِينِ، فَإِنَّ الْجَنَّةَ لَيْسَ فِيهَا مَوْت، وَمُتَنَاوِل لِغَيْرِهِمْ، وَلَا يُمْكِنُ الْجَزْمُ بِكُلِّ مَن اسْتَثْنَاهُ اللهُ، فَإِنَّ اللّهَ أَطْلَقَ فِي كِتَابِهِ. [١٦/ ٣٥ - ٣٦]
* * *
стр. 1139
(التحذير من صرف هِمَّة قارئ القرآن فِيمَا حُجبَ بهِ أكثَر النَّاسِ مِن الْعُلومِ عَن حَقَائِقِ الْقرآنِ)
١٣٧٤ - إِذَا اسْتَقَرَّ فِي الْقَلْبِ وَتَمَكَّنَ فِيهِ الْعِلْمُ بِكِفَايَتهِ سُبْحَانَه لِعَبْدِهِ وَرَحْمَتِهِ لَهُ وَحِلْمِهِ عِنْدَهُ وَبِرهِ بِهِ وإحْسَانِهِ إلَيْهِ عَلَى الدَّوَامِ أوْجَبَ لَهُ الْفَرَحَ وَالسُّرُورَ أَعْظَمَ مِن فَرَحِ كُل مُحِب بِكُل مَحْبُوب سِوَاهُ.
هَذَا فِي بَابِ مَعْرِفَةِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، وَأَمَّا فِي بَابِ فَهْمِ الْقُرْآنِ فَهُوَ دَائِمُ التَّفَكُّرِ فِي مَعَانِيهِ وَالتَّدَّبُّرِ لِألْفَاظِهِ وَاسْتِغْنَائِهِ بِمَعَانِي الْقُرْآنِ وَحُكْمِهِ عَن غيْرِهِ مِن كَلَامِ النَّاسِ، وَإِذَا سَمِعَ شَيْئًا مِن كَلَامِ النَّاسِ وَعُلومِهِمْ عَرَضَهُ عَلَى الْقُرْآنِ فَإِنْ شَهِدَ لَهُ بِالتَّزْكِيَةِ قَبِلَهُ وإلا رَدَّهُ، وَإِن لَمْ يَشْهَدْ لَهُ بِقَبُول وَلَا رَد وَقَفَهُ وَهِمَّتُهُ عَاكِفَة عَلَى مُرَادِ رَّبهِ مِن كَلَامِهِ.
وَلَا يَجْعَلُ هِمَّتَهُ فِيمَا حُجِبَ بِهِ أكْثَرُ النَّاسِ مِن الْعُلُومِ عَن حَقَائِقِ الْقُرْآنِ: إمَّا بِالْوَسْوَسَةِ فِي خُرُوجِ حُرُوفهِ وَتَرْقِيقِهَا وَتَفْخِيمِهَا وإمَالَتِهَا وَالنطْقِ بِالْمَدِّ الطَّوِيلِ وَالْقَصِيرِ وَالْمُتَوَسِّطِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
فَإِنَّ هَذَا حَائِلٌ لِلْقُلوبِ قَاطِع لَهَا عَن فَهْمِ مُرَادِ الرَّب مِن كَلَامِهِ.
وَكَذَلِكَ شَغْل النُّطْقِ بـ ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ [البقرة: ٦] (١) ، وَضَمُّ الْمِيمِ مِنْ (عَلَيْهِمْ) وَوَصْلُهَا بِالْوَاوِ (٢) ، وَكسْرُ الْهَاءِ أَوْ ضَمّهَا (٣) ، وَنَحْوُ ذَلِكَ. الحواشي
(١) يقصد الفتحتين من: ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ وما شابهها، مثل: ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ﴾ و ﴿أَأَسْلَمْتُمْ﴾: فقد قرأها النبي ﷺ بعدة أوجه، منها: تحقيق الهمزتين.
ومنها: تسهيل الهمزة الثانية.
ومنها: إبدال الهمزة الثانية ألفًا.
وهناك أوجه أخرى.(٢) يقصد ضم ميم: عَلَيْهِمْ، فتُقرأ: عَلَيْهِمو.(٣) يقصد كسر الْهَاءِ أَوْ ضَمهَا في: عَلَيْهِمْ، فقد قرأها النبي ﷺ بعدة أوجه، منها: ضمها على كل حال.
منها: ضمها إذا كان بعدها همزة وصل.
منها: كسرها إذا كان بعدها همزة وصل.стр. 1140
وَكَذَلِكَ مُرَاعَاةُ النَّغَمِ وَتَحْسِينُ الصَّوْتِ.
وَكَذَلِكَ تَتَبُّعُ وُجُوهِ الْإِعْرَابِ وَاسْتِخْرَاجُ التأوِيلَاتِ الْمُسْتَكْرَهَةِ الَّتِي هِيَ بِالْألْغَازِ وَالْأَحَاجِي أَشْبَهُ مِنْهَا بِالْبَيَانِ.
وَكَذَلِكَ صَرْفُ الذِّهْنِ إلَى حِكَايَةِ أَقْوَالِ النَّاسِ وَنتَائِجِ أَفْكَارِهِمْ (١) .
وَكَذَلِكَ تَأوِيلُ الْقُرْآنِ عَلَى قَوْلِ مَن قَلَّدَ دِينَة أَو مَذْهَبَه فَهُوَ يَتَعَسَّفُ بِكُلّ طَرِيقٍ حَتَّى يَجْعَلَ الْقُرْآنَ تبَعًا لِمَذْهَبِهِ وَتَقْوِيَةً لِقَوْلِ إمَامِهِ (٢) . [١٦/ ٤٩ - ٥١]
* * *
١٣٧٥ - كُلُّ مَن اشْتَبَهَ عَلَيْهِ آيَة مِن الْقُرْآنِ وَلَمْ يَعْرِفْ مَعْنَاهَا وَجَبَ عَلَيْهِ الْإِيمَانُ بِهَا، وَأَنْ يَكِلَ عِلْمَهَا إلَى اللهِ فَيَقُولُ: "اللهُ أَعْلَمُ"، وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، فَمَا زَالَ كَثِير مِنَ الصَّحَابَةِ يَمرُّ بِآيَةٍ وَلَفْظٍ لَا يَفْهَمُهُ فَيُؤْمِنُ بِهِ وَإِن لَمْ يَفْهَمْ مَعْنَاهُ. [١٦/ ٤١٠]
١٣٧٦ - فِي "الصَّحِيحَيْنِ" عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ لأبيّ: إنَّ اللّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْك الْقُرْآنَ .. أَيْ: قِرَاءَةَ تَبْلِيغٍ وَإِسْمَاعٍ وَتَلْقِينٍ، لَيْسَ هِيَ قِرَاءَةَ تَلْقِينٍ وتَصْحِيحٍ، كَمَا يَقْرَأُ الْمُتَعَلّم عَلَى الْمُعَلّمِ، فَإِنَّ هَذَا قَد ظَنَّهُ الحواشي
(١) فالانشغال بحكاية أقوال العلماء في تفسير القرآن عن تدبّره وتأمله، واستخلاص العبر منه: من أعظم الحجب التي حجبت كثيرًا من طلاب العلم عن المقصد الذي لأجله أُنزل القرآن.
وليس هذا خاصا بالقرآن، بل يشمل العلوم الأخرى؛ كالحديث والفقه والأصول، فمن المجرب أنّ الانشغال بشروح العلماء وأقوالهم تحجب طالب العلم والمعلم عن إعمال فكرِه في النظر والتأمل، الذي يؤدي به إلى روائع الاستنباطات، ودقائق الفهم، وعدم التقليد، وسيخرج بفتوحات عظيمة لم تكن تخطر على باله.(٢) قال العلامة محمد رشيد رضا ﵀: إِنَّ التَّعَصُّبَ لِلْمَذَاهِبِ هُوَ الَّذِي صَرَفَ كَثِيرا مِنَ الْعُلَمَاء الْأذْكِيَاءِ عَنْ إِفَادَةِ أَنْفُسِهِمْ وَأمَّتِهِمْ بِفِطْنَتِهِمْ، وَجَعَلَ كُتُبَهُمْ فِتْنَةً لِلْمُسْلِمِينَ اشْتَغَلُوا بِالْجَدَلِ فِيهَا عَنْ حَقِيقَةِ الدينِ.
وقال ﵀: يَا لَيْتَ الزَّمَخْشَرِيَّ لَمْ يَنْتَحِلْ مَذْهَبًا، وَلَمْ يَنْظُرْ فِي خِلَافِ الْمَذَاهِبِ، وإذًا لَكَانَ كَشافُهُ حُجَّةً عَلَى أَصْحَابِهَا وَمَرْجِعا لَهُمْ فِي تَحْرِيرِ مَعَانِي نُصُوصِ الْكِتَابِ وَالسنَّةِ وَآثَارِ السَّلَفِ؛ إذ كَانَ مِنْ أَدَقِّ عُلَمَاءِ هَذِهِ اللُّغَةِ فَهْما وَأحسَنهمْ بَيَانًا وَلَمَا فَهِمَ. تفسير المنار (٥/ ٤٣، ٩/ ١٩٤).стр. 1141
بَعْضُهُمْ، وَجَعَلُوا هَذَا مِن بَابِ التَّوَاضُعِ، وَجَعَلَ أَبُو حَامِدٍ هَذَا مِمَّا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى تَوَاضُعِ الْمُتَعَلِّمِ! وَلَيْسَ هَذَا بِشَيء؛ فَإِنَّ هَذِهِ الْقِرَاءَةَ كَانَ يَقْرَؤُهَا عَلَى جِبْرِيلَ يَعْرِضُ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ كُلَّ عَام، فَإِنَّه هُوَ الَّذِي نَزَّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ، وَأَمَّا النَّاسُ فَمِنْهُ تَعَلَّمُوهُ، فَكَيْفَ يُصَحّحُ قِرَاءَتَهُ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ أَوْ يَقْرَأ كَمَا يَقْرَأُ الْمُتَعَلِّم؟ وَلَكِنَّ قِرَاءَتَهُ عَلَى أُبيّ بْنِ كَعبٍ كَمَا كَانَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ عَلَى الْإِنْس وَالْجِنِّ، فَقَد قَرَأَ عَلَى الْجِن الْقُرْآنَ، وَكَانَ إذَا خَرَجَ إلَى النَّاسِ يَدْعُوهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ ويقْرَأ عَلَيْهِمْ الْقُرْآنَ، وَيَقْرَؤُهُ عَلَى النَّاسِ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِ الصلَاةِ. [١٦/ ٤٨١]
١٣٧٧ - خُصَّ الْقُرْآنُ بِأَنَّهُ لَا يمَسُّ مُصْحَفُهُ إلَّا طَاهِر، كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ عَنِ الصَّحَابَةِ -مِثْل سَعْدٍ وَسَلْمَانَ وَابْنِ عُمَرَ- وَجَمَاهِيرِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ الْفُقَهَاءِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَمَضَتْ بِهِ سُنَّةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي كِتَابِهِ الَّذِي كَتَبَهُ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ الَّذِي لَا رَيْبَ فِي أَنَّهُ كَتبهُ لَهُ، وَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ كِتَابُ اللهِ.
وَكَذَلِكَ لَا يَقْرَأُ الْجُنُبُ الْقُرْآنَ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ الْفُقَهَاءِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ كَمَا دَلَّتْ عَلَى ذَلِكَ السُّنَّةُ. [١٧/ ١٢]
١٣٧٨ - الْقَوْل بِأنَّ كَلَامَ اللهِ بَعْضُهُ أَفْضَلُ مِن بَعْضٍ هُوَ الْقَوْلُ الْمَأثُور عَن السَّلَفِ، وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ أَئِمَّةُ الْفُقَهَاءِ مِن الطَّوَائِفِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَكَلَامُ الْقَائِلِينَ بِذَلِكَ كَثِيرٌ مُنْتَشِر فِي كُتبٍ كَثِيرَةٍ. [١٧/ ١٣]
وَفِي الْجُمْلَةِ: فَدَلَالَةُ النُّصُوصِ النَّبَوِيَّةِ وَالْآثَارِ السَّلَفِيَّةِ وَالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْحِجَجِ الْعَقْلِيَّةِ عَلَى أَنَّ كَلَامَ اللهِ بَعْضُهُ أَفْضَلُ مِن بَعْضٍ هُوَ مِن الدَّلَالَاتِ الظَّاهِرَةِ الْمَشْهُورَةِ. [١٧/ ٥٧]
١٣٧٩ - مَن تَأَمَّلَ مَا تَكَلَّمَ بِهِ الْأَوَّلُونَ والآخرون فِي أُصُولِ الدّينِ وَالْعُلومِ الْإِلَهِيَّةِ، وَأُمُورِ الْمَعَادِ وَالنُّبُوَّاتِ، وَالْأَخْلَاقِ وَالسِّيَاسَاتِ وَالْعِبَادَاتِ، وَسَائِرِ مَا فِيهِ كَمَالُ النُّفُوسِ وَصَلَاحُهَا وَسَعَادَتُهَا وَنَجَاتُهَا: لَمْ يَجِدْ عِنْدَ الْأَوَّلينَ والآخرين مِن أَهْلِ النبوَّاتِ وَمِن أَهْلِ الرَّأيِ كالمتفلسفة وَغَيْرِهِمْ إلَّا بَعْضَ مَا جَاءَ بِهِ الْقُرْآنُ. [١٧/ ٤٥]
стр. 1142
١٣٨٠ - إذَا قَرَأَ الْقُرْآنَ كلَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَقْرَأَهَا [أي: سُورَةَ الْإِخْلَاصِ] كَمَا فِي الْمُصْحَفِ مَرَّةً وَاحِدَةً، هَكَذَا قَالَ الْعُلَمَاءُ؛ لِئَلَّا يُزَادَ عَلَى مَا فِي الْمُصْحَفِ، وَأَمَّا إذَا قَرَأَهَا وَحْدَهَا أَو مَعَ بَعْضِ الْقُرْآنِ فَإِنَّهُ إذَا قَرَأَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ عَدَلَت الْقُرْآنَ. [١٧/ ٢١٣]
١٣٨١ - قَد عُرِفَ أَنَّ التَّأوِيلَ فِي الْقُرْآنِ: هُوَ الْمَوْجُودُ الَّذِي يَؤُولُ إلَيْهِ الْكَلَامُ، وَإِن كَانَ ذَلِكَ مُوَافِقا لِلْمَعْنَى الَّذِي يَظْهَرُ مِن اللَّفْظِ، بَل لَا يُعْرَفُ فِي الْقُرْآنِ لَفْظ التَّأوِيلِ مُخَالِفًا لِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ، خِلَافَ اصطِلَاحِ الْمُتَأَخِّرِينَ.
وَالْكَلَامُ نَوْعَانِ: إنْشَاء وَإِخْبَار.
فَالْإنْشَاءُ: الْأمْرُ وَالنَّهْيُ وَالْإِبَاحَة، وَتَأوِيلُ الْأَمْرِ وَالنَّهْي: نَفْسُ فِعْلِ الْمَأمُورِ وَنَفْسُ تَرْكِ الْمَحْظُورِ، كَمَا فِي "الصَّحِيحِ" عَن عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُوده: "سُبْحَانَك اللهُم رَبَّنَا وَبِحَمْدِك اللَّهُمَّ اغفِرْ لي، يَتَأولُ الْقُرْآنَ" (١) .
فَكَانَ هَذَا الْكَلَامُ تَأوِيلَ قَوْلِهِ: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ [النصر: ٣].
وَتَفْسِيرُ كَلَامِهِ (٢) : لَيْسَ هُوَ نَفْسَ مَا يُوجَدُ فِي الْخَارج؛ بَل هُوَ بَيَانُهُ وَشَرْحُهُ وَكَشْفُ مَعْنَاهُ.
فَالتَّفْسِيرُ مِن جِنْسِ الْكَلَامِ: يُفَسِّرُ الْكلَامَ بِكَلَامٍ يُوَضِّحُهُ.
وَأَمَّا التَّأوِيلُ: فَهُوَ فِعْلُ الْمَأمُورِ بِهِ وَتَرْكُ الْمَنْهِي عَنْهُ، لَيْسَ هُوَ مِن جِنْسِ الْكَلَامِ (٣) .
وَالنوْعُ الثانِي: الْخَبَرُ؛ كَإِخْبَارِ الرَّبِّ عَن نَفْسِهِ تَعَالَى بأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، وَإِخْبَارِهِ عَمَّا ذكره لِعِبَاده مِن الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ، وَهَذَا هُوَ التَّأوِيلُ الْمَذْكُورُ فِي الحواشي
(١) رواه البخاري(٨١٧) ، ومسلم(٤٨٤) .(٢) أي: كلام الله.(٣) هذا هو الفرق بين التفسير والتأويل.стр. 1143
قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٥٣) ﴾ [الأعراف: ٥٢، ٥٣].
وَإِذَا تَبَيَّنَ ذَلِكَ: فَالْمتَشَابِهُ مِنَ الْأَمْرِ لَابُدَّ مِن مَعْرِفَةِ تَأوِيلِهِ؛ لِأَّنهُ لَا بُدَّ مِن فِعْلِ الْمَأمُورِ وَتَرْكِ الْمَحْظُورِ، وَذَلِكَ لَا يُمْكِنُ إلَّا بَعْدَ الْعِلْمِ؛ لَكِنْ لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ مَا يَقْتَضِي أَنَّ فِي الْأَمْرِ مُتَشَابِهًا، فَإِنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧] قَد يُرَادُ بِهِ مِنَ الْخَبَرِ، فَالْمُتَشَابِهُ مِن الْخَبَرِ مِثْل مَا أَخْبَرَ بِهِ فِي الْجَنَّةِ مِن اللَّحْمِ وَاللَّبَنِ وَالْعَسَلِ وَالْمَاءِ وَالْحَرِيرِ وَالذَّهَبِ، فَإِنَّ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا فِي الدُّنْيَا تَشَابُهٌ فِي اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى، وَمَعَ هَذَا فَحَقِيقَةُ ذَلِكَ مُخَالِفَة لِحَقِيقَةِ هَذَا، وَتلْكَ الْحَقِيقَةُ لَا نَعْلَمُهَا نَحْنُ فِي الدُّنْيَا وَقَد قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧) ﴾ [السجدة: ١٧]. فَهَذَا الَّذِي وَعَدَ اللهُ بِهِ عِبَادَهُ المؤمنين لَا تَعْلَمُهُ نَفْس هُوَ مِنَ التَّأوِيلِ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللهُ. [١٧/ ٣٦٨ - ٣٧٣]
وَكَذَلِكَ وَقْتُ السَّاعَةِ لَا يَعْلَمُهُ إلَّا الله وَأَشْرَاطهَا، وَكَذَلِكَ كَيْفِيَّاتُ مَا يَكُونُ فِيهَا مِن الْحِسَابِ وَالصِّرَاطِ وَالْمِيزَانِ وَالْحَوْضِ وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، لَا يَعْلَمُ كَيْفِيّتَهُ إلا اللهُ، فَإِنَّهُ لَمْ يُخْلَقْ بَعْدُ حَتَّى تَعْلَمَهُ الْمَلَائِكَةُ، وَلَا لَهُ نَظِيرٌ مُطَابِقٌ مِن كُلِّ وَجْهٍ حَتَّى يُعْلَمَ بِهِ، فَهُوَ مِن تَأوِيلِ الْمُتَشَابِهِ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللهُ.
وَكَذَلِكَ مَا أَخْبَرَ بِهِ الرَّبُّ عَن نَفْسِهِ مِثْل اسْتِوَائِهِ عَلَى عَرْشِهِ وَسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وَكَلَامِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَإِنَّ كَيْفِيَّاتِ ذَلِكَ لَا يَعْلَمُهَا إلَّا اللهُ.
١٣٨٢ - يُشْكِلُ عَلَى كَثِيرٍ مِن النَّاسِ آيات لَا يَفْهَمُونَ مَعْنَاهَا، وَغَيْرُهُم مِن النَّاسِ يَعْرِفُ مَعْنَاهَا، وَعَلَى هَذَا فَقَد يُجَابُ بِجَوَابَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ فِي الْآيَةِ قِرَاءَتَانِ، قِرَاءَةُ مَن يَقِفُ عَلَى قَوْلِهِ: ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧]. وَقِرَاءَةُ مَن يَقِف عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٧] وَكِلْتَا الْقِرَاءَتَيْنِ حَقٌّ، ويُرَادُ بِالْأُولَى الْمُتَشَابِهُ فِي نَفْسِهِ الَّذِي اسْتَأثَرَ اللهُ بِعِلْمِ
стр. 1144
تَأْوِيلِهِ، وَيُرَادُ بِالثَّانِيَةِ الْمُتَشَابِهُ الْإِضَافِيُّ الَّذِي يَعْرِفُ الرَّاسِخُونَ تَفْسِيرَهُ، وَهُوَ تَأْوِيلُهُ.
وَالْجَوَابُ الثَّانِي: الْقَطْعُ بِأَنَّ الْمُتَشَابِهَ الْمَذْكُورَ فِي الْقُرْآنِ هُوَ تَشَابُهُهَا فِي نَفْسِهَا اللَّازِمِ لَهَا، وَذَاكَ الَّذِي لَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلَّا اللّهُ، وَأَمَّا الْإِضَافِيُّ الْمَوْجُودُ فِي كَلَامِ مَن أَرَادَ بِهِ التَّشَابُهَ الْإِضَافِيَّ: فَمُرَادُهُم أَنَّهُم تَكلَّفوا فِيمَا اشْتَبَهَ مَعْنَاهُ وَأَشْكَلَ مَعْنَاهُ عَلَى بَعْضِ. النَّاسِ، وَأَنَّ الْجَهْمِيَّة اسْتَدَلُّوا بِمَا اشْتَبَهَ عَلَيْهِم وَأَشْكَلَ، وَإِن لَمْ يَكُن هُوَ مِنَ الْمُتَشَابِهِ الَّذِي لَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلَّا اللهُ، وَكَثِيرًا مَا يَشْتَبِهُ عَلَى الرَّجُلِ مَا لَا يَشْتَبِهُ عَلَى غَيْرِهِ.
فَإِنَّ قَوْلَ اللّهِ تَعَالَى: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧]، لَمْ يُرِدْ بِهِ هُنَا الْإِحْكَامَ الْعَامَّ وَالتَّشَابُهَ الْعَامَّ الَّذِي يَشْتَرِكُ فِيهِ جَمِيعُ آيَاتِ الْقُرْآنِ، وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ [هود: ١]، وَفِي قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ [الزمر: ٢٣] فَوَصَفَهُ هُنَا كُلَّهُ بِأنَّهُ مُتَشَابِة؛ أَيْ: مُتَّفِقٌ غَيْرُ مُخْتَلِفٍ، يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وَهُوَ عَكسُ الْمُتَضَادِّ الْمُخْتَلِفِ الْمَذْكُورِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] .. فَإِنَّ هَذَا التَّشَابُهَ يَعُمُّ الْقُرْآنَ، كَمَا أَنَّ إحْكَامَ آيَاتِهِ تَعُمُّهُ كُلَّهُ، وَهُنَا قَد قَالَ: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ فَجَعَلَ بَعْضَهُ مُحْكَمًا وَبَعْضَهُ مُتَشَابِهًا.
فَصَارَ التَّشَابُهُ لَهُ مَعْنيانِ، وَلَهُ مَعْنًى ثَالِثٌ، وَهُوَ الْإِضَافِيُّ، يُقَالُ: قَد اشْتَبَهَ عَلَيْنَا هَذَا؛ كَقَوْلِ بَنِي إسْرَائِيلَ: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ [البقرة: ٧٠]، وَإِن كَانَ فِي نَفْسِهِ مُتَمَيِّزًا مُنْفَصِلًا بَعْضهُ عَن بَعْضٍ.
وَهَذَا مِن بَابِ اشْتِبَاهِ الْحَقِّ بِالْبَاطِلِ؛ كَقَوْلِهِ ﷺ فِي الْحَدِيثِ: "الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَ ذَلِكَ أُمُورٌ مُتَشَابِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كثِيرٌ مِن النَّاسِ" (١) فَدَلَّ الحواشي
(١) رواه البخاري(٥٢) ، ومسلم(١٥٩٩) .стр. 1145
ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مِنَ النَّاسِ مَن يَعْرِفُهَا، فَلَيْسَتْ مُشْتَبِهَةً عَلَى جَمِيعِ النَّاسِ، بَل عَلَى بَعْضِهِمْ، بِخِلَافِ مَا لَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلَّا اللهُ، فَإِنَّ النَّاسَ كُلَّهُم مُشْتَرِكُونَ فِي عَدَمِ الْعِلْمِ بِتَأْوِيلِهِ (١) . [١٧/ ٣٨١ - ٣٨٥]
١٣٨٣ - لَفْظُ "آلِ فُلَانٍ" إذَا أُطْلِقَ فِي الْكِتَاب وَالسُّنَّةِ دَخَلَ فِيهِ "فُلَان" كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ﴾ [القمر: ٣٤] (٢) .
وَكَذَلِكَ لَفْظُ: "أَهْلِ الْبَيْتِ" كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ فَإِنَّ إبْرَاهِيمَ دَاخِلٌ فِيهِمْ.
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ لَفْظَ "الْآلِ" أَصْلُهُ (أَوَل) تَحَرَّكَتِ الْوَاوُ وَانْفَتَحَ مَا قَبْلَهَا فَقُلِبَتْ أَلِفًا، فَقِيلَ: آلُ، وَمِثْلُهُ: بَابٌ وَنَابٌ، وَفِي الْأَفْعَالِ: قَالَ وَعَادَ، وَنَحْو ذَلِكَ.
وَمَن قَالَ: أَصْلُهُ (أَهْلُ) فَقُلِبَتِ الْهَاءُ أَلِفًا فَقَد غَلِطَ؛ فَإِنَّهُ قَالَ مَا لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وَادَّعَى الْقَلْبَ الشَّاذَّ بِغَيْرِ حُجَّةٍ مَعَ مُخَالَفَتِهِ لِلْأَصْلِ.
فَفِي ذَلِكَ بَيَانُ أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى سَائِرِ الْآلِ إنَّمَا طُلِبَتْ تَبَعًا لَهُ، وَأَنَّهُ هُوَ الْأَصْلُ الَّذِي بِسَبَبِهِ طُلِبَتِ الصَّلَاةُ عَلَى آلِهِ.
وَهَذَا يَتِمُّ بِجَوَابِ السُّؤَالِ الْمَشْهُورِ: وَهُوَ أَنَّ قَوْلَهُ: "كَمَا صَلَّيْت عَلَى إبْرَاهِيمَ" يُشْعِرُ بِفَضِيلَةِ إبْرَاهِيمَ، لِأَنَّ الْمُشَبَّهَ دُونَ الْمُشَبَّهِ بِهِ. الحواشي
(١) الخلاصة: أنّ التشابه له ثلاث معانٍ:
الأول: التشابه العام، وهو أن القرآن متفق غير مختلف، يُصدق بعضه بعضًا.
الثاني: التشابه الخاص، وهو ما استاثر الله بعلمه، كوقت الساعة، والعلم بكيفية صفات الله ونحو ذلك، ويراد به كذلك أن يكون معنى الآية مشتبهًا خفيًّا بحيث يتوهم منه الواهم ما لا يليق بالله تعالى، أو كتابه أو رسوله، ويفهم منه العالم الراسخ في العلم خلاف ذلك.
الثالث: التشابه الإِضَافِيُّ، (وهو الذي اشتبه على بعض الناس دون بعض) وَاِن كَانَ فِي نَفْسِهِ مُتَمَيِّزًا مُنْفَصِلًا بَعْضُهُ عَن بَعْضٍ.(٢) فلوط داخل في الآل.стр. 1146
وَقَد أَجَابَ النَّاسُ عَن ذَلِكَ بِأَجْوِبَةِ ضَعِيفَةٍ.
فَقِيلَ: آلُ إبْرَاهِيمَ فِيهِمُ الْأَنْبِيَاءُ الَّذِينَ لَيْسَ مِثْلُهُم فِي آلِ مُحَمَّدٍ، فَإِذَا طَلَبَ مِنَ الصَّلَاةِ مِثْلَمَا صَلَّى عَلَى هَؤُلَاءِ حَصَلَ لِأَهْلِ بَيْتِهِ مِن ذَلِكَ مَا يَلِيقُ بِهِمْ، فَإِنَّهُم دُونَ الْأَنْبِيَاءِ، وَبَقِيَتِ الزِّيَادَةُ لِمُحَمَّد ﷺ ، فَحَصَلَ لَهُ بِذَلِكَ مِنَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ مَزِيَّة لَيْسَتْ لِإِبْرَاهِيمَ وَلَا لِغَيْرِهِ.
وَأَحْسَنُ مِنْهُ أَنْ يُقَالَ: مُحَمَّدٌ هُوَ مِن آلِ إبْرَاهِيمَ .. فَإِنَّهُ إذَا دَخَلَ غَيْرُهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ فِي آلِ إبْرَاهِيمَ فَهُوَ أَحَقُّ بِالدُّخُولِ فِيهِمْ، فَيَكُونُ قَوْلُنَا: كَمَا صَلَّيْت عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ فتَنَاوِلًا لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَعَلَى سَائِرِ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آلِ إبْرَاهِيمَ، وَقَد قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [العنكبوت: ٢٧]، ثمَّ أَمَرَنَا أَنْ نُصَلِّيَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ خُصُوصًا بِقَدْرِ مَا صَلَّيْنَا عَلَيْهِ مَعَ سَائِرِ آلِ إبْرَاهِيمَ عُمُومًا، ثُمَّ لِأهْلِ بَيْتِهِ مِن ذَلِكَ مَا يَلِيقُ بِهِمْ، وَالْبَاقِي لَهُ، فَيَطْلُبُ لَهُ مِنَ الصَّلَاةِ هَذَا الْأمْرَ الْعَظِيمَ. [٢٢/ ٤٦٢ - ٤٦٦]
١٣٨٤ - وَلهَذَا كَانَت طَرِيقَةُ الْقُرْآنِ تَذْكِيرَ الْعِبَادِ بِآلَاءِ اللّهِ عَلَيْهِمْ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي شكْرهُم لَهُ، وَهُوَ أَدَاءُ الْوَاجِبَات الشَّرْعِيَّةِ. [٢٨/ ٦٤٩]
١٣٨٥ - لَفْظُ الْعَبْدِ فِي الْقُرْآنِ: يَتَنَاوَلُ مَن عَبَدَ اللهِ، فَأَمَّا عَبْدٌ لَا يَعْبُدُهُ فَلَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ لَفْظُ عَبْدِهِ، كَمَا قَالَ: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢]، وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢]، فَالاِسْتِثْنَاءُ فِيهِ مُنْقَطِعٌ، كَمَا قَالَة أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ وَالْعُلَمَاءِ. [١/ ٤٣]
١٣٨٦ - إِن اللّهَ سُبْحَانَهُ بَعَثَ مُحَمَّدًا ﷺ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ، فَالْكَلِمُ الَّتِي فِي الْقُرْآنِ جَامِعَةٌ مُحِيطَةٌ كلِّيَّة عَامَّةٌ لِمَا كَانَ مُتَفَرِّقًا مُنْتَشِرًا فِي كَلَامِ غَيْرِهِ. [٤/ ١٣٣]
* * *
стр. 1147
(بَاب العناية بالقرآن فهمًا وحفظًا)
١٣٨٧ - الْعِلْمُ الَّذِي يَجِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ عَيْنًا كَعِلْمِ مَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ وَمَا نَهَى اللّهُ عَنْهُ: مُقَدَّمٌ عَلَى حِفْظِ مَا لَا يَجِبُ مِن الْقُرْآنِ.
وَأَمَّا طَلَبُ حِفْظِ الْقُرْآنِ: فَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى كثِيرٍ مِمَّا تُسَمِّيهِ النَّاسُ عِلْمًا، وَهُوَ إمَّا بَاطِل أَو قَلِيلُ النَّفْعِ.
وَهُوَ أَيْضا مُقَدَّمٌ فِي التَّعَلُّمِ فِي حَقِّ مَن يُرِيدُ أَنْ يَتَعَلَّمَ عِلْمَ الدِّينِ مِنَ الْأصُولِ وَالْفُرُوع، فَإِنَّ الْمَشْرُوعَ فِي حَقِّ مِثْل هَذَا فِي هَذه الْأَوْقَاتِ أَنْ يَبْدَأَ بِحِفْظِ الْقُرْآنِ، فَإِنَّهُ أَصْل عُلُومِ الدّينِ، بِخِلَافِ مَا يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِن أَهْلِ الْبِدَعِ مِنَ الْأَعَاجِم وَغَيْرِهِمْ حَيْثُ يَشْتَغِلُ أَحَدُهُم بِشَيءٍ مِن فُضُولِ الْعِلْمِ .. وَيَتْرُكُ حِفْظَ الْقُرْآنِ الَّذِي هُوَ أَهَمُّ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ.
وَالْمَطْلُوبُ مِنَ الْقُرْآنِ هُوَ فَهْمُ مَعَانِيهِ وَالْعَمَلُ بِهِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ هَذ هِمَّةَ حَافِظِهِ لَمْ يَكُن مِن أَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ (١) . [٢٣/ ٥٤ - ٥٥]
١٣٨٨ - كَلَامُ اللّهِ لَا يُقَاسُ بِهِ كَلَامُ الْخَلْقِ؛ فَإِنَّ فَضْلَ الْقُرْآنِ عَلَى سَائِرِ الْكَلَامِ كَفَضْلِ اللّهِ عَلَى خَلْقِهِ.
وَأَمَّا الْأَفْضَلُ فِي حَقّ الشَّخْصِ: فَهُوَ بحَسَبِ حَاجَتِهِ وَمَنْفَعَتِهِ: فَإِنْ كَانَ يَحْفَظُ الْقُرْآنَ وَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَى تَعَلُّمِ غَيْرِهِ فَتَعَلُّمُهُ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ أَفْضَلُ مِن تَكْرَارِ التِّلَاوَةِ الَّتي لَا يَحْتَاجُ إلَى تَكْرَارِهَا. الحواشي
(١) فالحافظ لكتاب اللّه دون فهم أحكامه، وتدبّر معانيه: لا يُعَدّ من أَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ!
ولم يقل هذا شيخ الإسلام وحده، بل قال ذلك النووي رحمه الله تعالى حيث قال في الكلام عن الوصية: "المَسْألَةُ الرَّابِعَةُ: أَوْصَى لِلْعُلَمَاء أَو لِأهْلِ الْعِلْمِ، صُرِفَ إِلَى الْعُلَمَاءِ بِعُلُومِ الشَّرْعِ، وَهِيَ: التَّفْسِيرُ، وَالْفِقْهُ، وَالْحَدِيثُ.
وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ الْحَدِيثَ وَلَا عِلْمَ لَهُم بِطُرُقِهِ، وَلَا بِأَسْمَاءِ الرُّوَاةِ وَلَا بِالْمُتُونِ، فَإِنَّ السَّمَاعَ الْمُجَرَّدَ لَيْسَ بِعِلْمٍ.
وَلَا يَدْخُلُ أيْضًا الْمُقْرئُونَ، وَعَابِرُو الرُّؤْيَا، وَلَا الْأُدَبَاءُ، وَالْأَطِبَّاءُ، وَالْمُنَجِّمُونَ، وَالْحُسَّابُ، وَالْمُهَنْدِسُونَ". ا هـ. روضة الطالبين (٦/ ١٦٩).стр. 1148
وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ حَفِظَ مِن الْقُرْآنِ مَا يَكْفِيهِ وَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَى عِلْمٍ آخَرَ.
وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ قَد حَفِظَ الْقُرْآنَ أَو بَعْضَهُ وَهُوَ لَا يَفْهَمُ مَعَانِيَهُ فَتَعَلُّمُهُ لِمَا يَفْهَمُهُ مِن مَعَاني الْقُرْآنِ أَفْضَلُ مِن تِلَاوَةِ مَا لَا يَفْهَمُ مَعَانِيَهُ. [٢٣/ ٥٥ - ٥٦]
* * *
(الصواب في تفضيل العبادات بعضِها على بعض)
١٣٨٩ - إنَّ جِنْسَ تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ أَفْضَلُ مِنْ جِنْسِ الأذْكَارِ، كَمَا أَنَّ جِنْسَ الذِّكْرِ أَفْضَلُ مِنْ جِنْسِ الدُّعَاءِ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ (١) عَنِ النَّبِيّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "أَفْضَلُ الْكَلَامِ بَعْدَ الْقُرْآنِ أَرْبَعٌ وَهُنَّ مِنْ الْقُرْآنِ: سُبْحَانَ اللهِ وَالْحَمْدُ للّهِ وَلَا إلَهَ إِلَّا اللّهُ وَاللهُ أَكْبَرُ".
وَقَد حُكِيَ إجْمَاعُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الْقِرَاءَةَ أَفْضَل، لَكِنَّ طَائِفَةً مِن الشُّيُوخِ رَجَّحُوا الذِّكْرَ.
وَمِنْهُم مَن زَعَمَ أَنَّهُ أَرْجَحْ فِي حَقِّ الْمُنْتَهي الْمُجْتَهِدِ، كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ أَبُو حَامِدٍ فِي كُتُبِهِ.
وَمِنْهُم مَن قَالَ: هُوَ أَرْجَحُ فِي حَقِّ الْمُبْتَدِئِ السَّالِكِ، وَهَذَا أَقْرَبُ إلَى الصَّوَابِ.
وَتَحْقِيقُ ذَلِكَ يُذْكَرُ فِي الْأَصْلِ الثَّانِي وَهُوَ: أَنَّ الْعَمَلَ الْمَفْضُولَ قَد يَقْتَرِنُ بِهِ مَا يُصَيِّرُهُ أَفْضَلَ مِن ذَلِكَ وَهُوَ نَوْعَانِ:
أَحَدُهُمَا: مَا هُوَ مَشْرُوعٌ لِجَمِيعِ النَّاسِ.
وَالثَّانِي: مَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ النَّاسِ.
أمّا الْأوَّلُ: فَمِثْلُ أَنْ يَقْتَرِنَ إمَّا بِزَمَانٍ أو بِمَكَانٍ أَو عَمَل يَكُونُ أَفْضَلَ؛ مِثْل مَا بَعْدَ الْفَجْرِ وَالْعَصْرِ وَنَحْوِهِمَا مِن أَوْقَاتِ النَّهْيِ عَن الصَّلَاةِ؛ فَإِنَّ الْقِرَاءَةَ وَالذِّكْرَ وَالدُّعَاءَ أَفْضَلُ فِي هَذَا الزَّمَانِ.
стр. 1149
وَالنَّوْعُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ عَاجِزًا عَن الْعَمَلِ الْأَفْضَلِ: إمَّا عَاجِزًا عَن أَصْلِهِ؛ كَمَن لَا يَحْفَظُ الْقُرْآنَ وَلَا يَسْتَطِيعُ حِفْظَهُ.
أَو عَاجِزًا عَن فِعْلِهِ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ مَعَ قُدْرَتهِ عَلَى فِعْلِ الْمَفْضُولِ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ.
وَمِن هُنَا قَالَ مَن قَالَ: إنَّ الذّكْرَ أَفْضَلُ مِن الْقُرْآنِ؛ فَإِنَّ الْوَاحِدَ مِن هَؤُلَاءِ قَد يُخْبِرُ عَن حَالِهِ.
وَأَكْثَرُ السَّالِكِينَ بَل الْعَارِفِينَ مِنْهُم إنَّمَا يُخْبِرُ أَحَدُهُم عَمَّا ذَاقَهُ وَوَجَدَهُ، لَا يَذْكُرُ أَمْرًا عَامُّا لِلْخَلْقِ (١) ؛ إذ الْمَعْرِفَةُ تَقْتَضِي أُمُورًا مُعَيَّنَةً جُزْئِيَّةً، وَالْعِلْمُ يَتَنَاوَلُ أَمْرًا عَامًّا كُلِّيًّا؛ فَالْوَاحِدُ مِن هَؤُلَاءِ يَجِدُ فِي الذِّكْرِ مِن اجْتِمَاعِ قَلْبِهِ وَقُوَّةِ إيمَانِهِ وَانْدِفَاعِ الْوَسْوَاسِ عَنْهُ، وَمَزِيدِ السَّكِينَةِ وَالنُّورِ وَالْهُدَى: مَا لَا يَجِدُهُ فِي قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ.
بَل إذَا قَرَأَ الْقُرْآنَ لَا يَفْهَمُهُ، أَو لَا يَحْضُرُ قَلْبُهُ وَفَهْمُهُ، وَيَلْعَبُ عَلَيْهِ الْوَسْوَاسُ وَالْفِكْرُ.
كَمَا أَنَّ مِن النَّاسِ مَن يَجْتَمِعُ قَلْبُهُ فِي قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَفَهْمِهِ وَتَدَبُّرِهِ مَا لَا يَجْتَمِعُ فِي الصَّلَاةِ؛ بَل يَكُونُ فِي الصَّلَاةِ بِخِلَافِ ذَلِكَ.
وَلَيْسَ كُلُّ مَا كَانَ أَفْضَلَ يُشْرَعُ لِكُلِّ أَحَدٍ، بَل كُلُّ وَاحِدٍ يُشْرَعُ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ مَا هُوَ أَفْضَلُ لَهُ. الحواشي
(١) وهذا يحصل كثيرًا، فبعض الناس يكون رفيقًا في تعامله مع أبنائه، فينصح الناس باللين وعدم الحزم، وأخذهم باللطف، وبعضهم يكون عنيفًا معهم، فينصح الناس بالعنف والشدة، ويسوق الحجج والتجارب في ذلك.
وبعض أهل العلم والصلاح يُحبب إليه العلم فينصح غيره بالعلم ولو على حساب العمل، وربما زهّد في نوافل الطاعات، معلِّلًا ذلك بأنّ العلم نفعه متعدٍّ، وانشغال طالب العلم بالعلم أنفع له وللأمة، وبعضهم يُحبب إليه العمل، فينصح بالعمل والانشغال بالعبادات ونفع الناس، ويقول: وهل يُراد من العلم إِلَّا للعمل؟
والأمثلة على ذلك كثيرة.стр. 1150
فَمِن النَّاسِ مَن تَكُونُ الصَّدَقَةُ أَفْضَلَ لَهُ مِن الصِّيَامِ وَبِالْعَكْسِ، وَإِن كَانَ جِنْسُ الصَّدَقَةِ أَفْضَلَ.
وَمِن النَّاسِ مَن يَكُونُ الْحَجُّ أَفْضَلَ لَهُ مِن الْجِهَادِ كَالنِّسَاءِ.
وَكَمَن يَعْجِزُ عَن الْجِهَادِ وَإِن كَانَ جِنْسُ الْجِهَادِ أَفْضَلَ.
إذَا عُرِفَ هَذَا فَيُقَالُ: الْأَذْكَارُ الْمَشْرُوعَةُ فِي أَوْقَاتٍ مُعَيَّنَةٍ مِثْل مَا يُقَالُ عِنْدَ جَوَابِ الْمُؤَذنِ هُوَ أَفْضَلُ مِن الْقِرَاءَةِ فِي تِلْكَ الْحَالِ.
وَكَذَلِكَ مَا سَنَّهُ النَّبِيُّ ﷺ فِيمَا يُقَالُ عِنْدَ الصَّبَاحِ وَالْمَسَاءِ وَإِتْيَانِ الْمَضْجَعِ: هُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى غَيْرِهِ.
وَأَمَّا إذَا قَامَ مِن اللَّيْلِ فَالْقِرَاءَةُ لَهُ أَفْضَلُ إنْ أَطَاقَهَا، وَإِلَّا فَلْيَعْمَلْ مَا يُطِيقُ، وَالصَّلَاةُ أَفْضَلُ مِنْهُمَا؛ وَلهَذَا نَقَلَهُم عِنْدَ نَسْخِ وُجوبِ قِيَامِ اللَّيْلِ إلَى الْقِرَاءَةِ فَقَالَ: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠].
١٣٩٠ - الصَّلَاةُ أفْضَلُ مِن الْقِرَاءَةِ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ أَئِمَّةُ الْعُلَمَاءِ.
لَكِنْ مَن حَصَلَ لَهُ نَشَاطٌ وَتَدَبُّر وَفَهْمٌ لِلْقِرَاءَةِ دُونَ الصَّلَاةِ فَالْأَفْضَلُ فِي حَقِّهِ مَا كَانَ أَنْفَع لَهُ. [٢٣/ ٦٢]
* * *
(حكم الجهرِ بِالْقِرَاءَةِ فِي الْمَسْجِدِ)
١٣٩١ - لَيْسَ لِأَحَد أَنْ يَجْهَرَ بِالْقِرَاءَةِ لَا فِي الصَّلَاةِ وَلَا فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ إذَا كَانَ غَيْرُهُ يُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ وَهُوَ يُؤْذِيهِمْ بِجَهْرِهِ؛ بَل قَد خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى النَّاسِ وَهُم يُصَلُّونَ فِي رَمَضَانَ وَيَجْهَرُونَ بِالْقِرَاءَة فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ كُلُّكُمْ
стр. 1151
يُنَاجِي رَبَّهُ فَلَا يَجْهَرْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْقِرَاءَةِ (١) . [٢٣/ ٦٤]
* * *
(حكم الْقِيَام لِلْمُصْحَفِ وَتَقْبِيله)
١٣٩٢ - الْقِيَامُ لِلْمُصْحَفِ وَتَقْبِيلُهُ: لَا نَعْلَمُ فِيهِ شَيْئًا مَأثُورًا عَن السَّلَفِ، وَقَد سئِلَ الْإِمَامُ أَحْمَد عَن تَقْبِيلِ الْمُصْحَفِ فَقَالَ: مَا سَمِعْت فِيهِ شَيْئًا (٢) . الحواشي
(١) أخرجه الإمام أحمد(٤٩٢٨) ، وصخحه الألباني في صحيح سنن أبي داود(١٢٠٣) .
وقد ثبت النهي عن رفع الصوت في المساجد، لا بقراءة القرآن ولا بغيره، ففي مسندِ الإمام أحمد(١١٨٩٦) بإسنادٍ صحيح، من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يرفعن بعضكم على بعض بالقراءةِ".
فإذا كان رفع الصوت بالقرآن منهيًا عنه، وهو عبادة عظيمة، فكيف إذا كان رفع الصوت بغير القرآن، بل وكيف إذا كان الذي يرفع صوته يعبث وبضحك، فهذا من أعظم المنكرات، وأشد المنهيات، والسكوتُ عن إنكارِ ذلك يُوجب سخط الله ومقتَه.
قال ابن عبد البر ﵀: حَرَامٌ عَلَى النَّاسِ أَنْ يَتَحَدَّثُوا فِي الْمَسْجِدِ بِمَا يُشْغِلُ الْمُصَلِّي عَنْ صَلَاتِهِ، وَيُحَفطُ عَلَيْهِ قِرَاءَتَهُ.
وَوَاجِبٌ لَازِمٌ عَلَى كُل مَنْ يُطَاعُ أَنْ يَنْهَى عَنْ ذَلِكَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ إِذَا لَمْ يَجُزْ لِلْمُصَلِّي التَّالِي لِلْقُرْآنِ، فَأَيْنَ الْحَدِيث بِأَحَادِيثِ النَّاسِ مِنْ ذَلِكَ. اهـ. الاستذكار (١/ ٤٣٥).
وقال ﵀: وَإِذَا لَمْ يَجُزْ لِلتَّالِي الْمُصَلِّي رَفْعُ صَوْتِهِ لِئَلَّا يُغَلِّطَ وَيُخَلِّطَ عَلَى مُصَلٍّ إِلَى جَنْبِهِ، فَالْحَدِيثُ فِي الْمَسْجِدِ مِمَّا يُخَلِّظ عَلَى الْمُصَلِّي أَوْلَى بذَلِكَ وَأَلْزَمُ وَأَمْنَعُ وَأَحْرَمُ.
وَإِذَا نُهِيَ الْمُسْلِمُ عَنْ أَذَى أَخِيهِ الْمُسْلِمِ فِي عَمَلِ الْبِرِّ وَتلَاوَةِ الْكِتَابِ، فَأَذَاهُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ أَشَدُّ تَحْرِيمًا. ا هـ. التمهيد (٣٢/ ٣١٩).
ومن الأمور الْمُنكرة الْمُحدثة: جهرُ بعض المأمومين في القراءة السرية، ورفعُ أصواتهم بالتكبير والأذكار والدعاء.
قلَّ أنْ تصليَ بجوار أحدٍ إِلَّا سمعتَ قراءته للفاتحة، وسمعتَ تحميده بعد الركوع، وسمعتَ تسبيحه في سجوده، وسمعتَ دعاءه بين السجدتين، كان الصلاةَ أصبحت جهرية، هذا من بدع الصلاة، أن تكون الأذكارُ سريةَ فيجهر بها.
وفعلُه هذا سَيُشَوِّشُ به على مَن بجواره، فلا يكاد مَن يُصلي بجواره أنْ يخشعَ في صلاته، بل ربَّما لا يتمكن من قراءةِ ما يجب عليه في صلاته.
وهكذا في تكبيرة الإحرام، وتكبيرات الانتقال، إذا كبَّر الإمام تكبيرة الإحرام، رفع بعضُ الناس صوته بالتكبير، وإذا رفع من الركوع، قال بصوتٍ يسمعه مَن بجواره: ربنا ولك الحمد.
وكلُّ هذا من الخطأ الذي يجب الكفّ عنه.(٢) والإمام ﵀ الألباني يرى أن تقبيل المصحف بدعة، والأظهر أنه إذا كان على سبيل الدوام =стр. 1152
وَلَكِن السَّلَفُ وَإِن لَمْ يَكُن مِن عَادَتِهِمْ الْقِيَامُ لَهُ (١) ، فَلَمْ يَكُن مِن عَادَتِهِمْ قِيَامُ بَعْضِهِمْ لِبَعْض، اللَّهُمَّ إلَّا لِمِثْل الْقَادِمِ مِن مَغِيبِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَلهَذَا قَالَ أَنَسٌ: "لَمْ يَكُن شَخْصٌ أَحَبَّ إلَيْهِم مِن رَسُولِ اللّهِ ﷺ وَكَانُوا إذَا رَأَوْهُ لَمْ يَقُومُوا لِمَا يَعْلَمُونَ مِن كَرَاهَتِهِ لِذَلِكَ" (٢) .
وَالْأَفْضَلُ لِلنَّاسِ أَنْ يَتَّبِعُوا طَرِيقَ السَّلَفِ فِي كُل شَيْءٍ، فَلَا يَقُومُونَ إلَّا حَيْثُ كَانُوا يَقُومُونَ.
فَأَمَّا إذَا اعْتَادَ النَّاسُ قِيَامَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، فَقَد يُقَالُ: لَو تَرَكُوا الْقِيَامَ لِلْمُصْحَفِ مَعَ هَذ الْعَادَةِ لَمْ يَكُونُوا مُحْسِنِينَ فِي ذَلِكَ وَلَا مَحْمُودِينَ، بَل هُم إلَى الذَّمِّ أَقْرَبُ، حَيْثُ يَقُومُ بَعْضُهُم لِبَعْض وَلَا يَقُومُونَ لِلْمُصْحَفِ الَّذِي هُوَ أَحَقُّ بِالْقِيَامِ، حَيْثُ يَجِبُ مِن احْتِرَامِهِ وَتَعْظِيمِهِ مَا لَا يَجِبُ لِغَيْرِهِ. [٢٣/ ٦٥ - ٦٦]
* * *
(حكم ترْجَمَةِ القرآن)
١٣٩٣ - مَعْلُومٌ أَنَّ الْأُمَّةَ مَأمُورَةٌ بِتَبْلِيغِ الْقُرْآنِ لَفْظه وَمَعْناهُ كَمَا أُمِرَ بِذَلِكَ الرَّسُولُ (٣) ، وَلَا يَكُونُ تَبْلِيغُ رِسَالَةِ اللّهِ إلَّا كَذَلِكَ، وَأَنَّ تَبْلِيغَهُ إلَى الْعَجَمِ قَد يَحْتَاجُ إلَى تَرْجَمَةٍ لَهُمْ، فَيُتَرْجِمُ لَهُم بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ. الحواشي
(١) قال النووي ﵀ في التبيان في آداب حملة القرآن (ص ٩٨): "ويستحب أن يقوم للمصحف إذا قُدِمَ به عليه؛ لأن القيام مستحب للفضلاء من العلماء والأخيار فالمصحف أولى، وروينا في مسند الدارمي بإسنادِ صحيح عن ابن أبي مليكة أنَّ عكرمة بن أبي جهل كان يضع المصحف على وجهه ويقول: كتاب ربي كتاب ربي". اهـ.(٢) رواه الترمذي(٢٧٥٤) ، والبخاري في الأدب المفرد(٩٤٦) ، وصحَّحه الألباني في مختصر الشمائل(٢٨٩) .(٣) في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧]، قال الحافظ ابن كثير ﵀: يقول تعالى مخاطبًا عبده ورسوله محمدًا ﷺ باسم الرسالة، وآمرًا له بإبلاع جميع ما أرسله الله به، وقد امتثل عليه أفضل الصلاة والسلام ذلك، وقام به أتم القيام. تفسير ابن كثير (٢/ ٩٦).стр. 1153
وَالتَّرْجَمَةُ قَد تَحْتَاجُ إلَى ضَرْبِ أَمْثَالٍ لِتَصْوِيرِ الْمَعَانِي، فَيَكُونُ ذَلِكَ مِن تَمَامِ التَّرْجَمَةِ. [٤/ ١١٦ - ١١٧]
* * *
(من حفظ القرآن غير معرب)
١٣٩٤ - من حفظ القرآن غير مُعَرَّب فلم يمكنه أن يقرأه إِلَّا بلسان العجم أو عجز عن حفظ إعرابه ونحوه: فليقرأ كما يمكنه فهو أولى من تركه ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (١) . [المستدرك ١/ ١٧١]
* * *
(قراءة القرآن في الطرقات وكتابته بحيث يهان)
١٣٩٥ - قراءة القرآن في الطرقات وفي الأسواق منهي عنها؛ لأنها للتأكل بالقرآن، وفيه ابتذال القرآن، ولا يصغي إليه أحد (٢) .
ولا يجوز كتابة القرآن بحيث يُهَان، كما لو كتب على نصيبة قبر تبول عليه الكلاب ويدوسه الناس، كما لا يجوز أن يسافر به إلى أرض العدو، فتجب إزالته وإزالة ما كتب فيه من موضع الإهانة بالاتفاق. [المستدرك ١/ ١٧١]
* * *
(المزاح حال قراءة القرآن)
١٣٩٦ - ما كان مباحًا في غير حال القراءة مثل المزاح الذي جاءت به الآثار - وهو أن يمزح ولا يقول إِلَّا صدقًا لا يكون في مزاحه كذب ولا عدوان - فهذا لا يفعل في حال قراءة القرآن؛ بل ينزه عنه مجلس القرآن. فليس كل ما يباح في حال غير القراءة يباح فيها، كما أنه ليس كل ما يباح خارج الصلاة يباح فيها، لا سيما ما يشغل القارئ والمستمع عن التدبر والفهم، مثل كونه يخايل ويضحك، فكيف واللغو والضحك حال القراءة من أعمال الحواشي
(١) هذا من التيسير على الكثير من العامة وكبار السن والعجم.(٢) أما إذا كان يقرؤه لنفسه فلا بأس.стр. 1154
المشركين، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (٢٦) ﴾ [فصلت: ٢٦]، وقال: ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (٥٩) وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ (٦٠) ﴾ [النجم: ٥٩، ٦٠].
ووصَف المؤمنين بأنهم يبكون ويخشعون حال القراءة.
فمن كان يضحك حال القراءة فقد تشبه بالمشركين لا بالمؤمنين. [١/ ١٧١ - ١٧٢]
* * *
(استعمال القرآن لغير ما أُنزل له)
١٣٩٧ - ليس لأحد استعمال القرآن لغير ما أنزله اللّه له؛ وبذلك فسر العلماء الحديث المأثور: "لا يناظر بكتاب الله"؛ أي: لا يجعل له نظير يذكر معه، كقول القائل لمن قدم لحاجة: لقد ﴿جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَامُوسَى﴾ [طه: ٤٠]، وقوله عند الخصومة: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾ [النمل: ٧١]، أو: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٠٧) ﴾ [التوبة: ١٠٧].
ثم إن خرجه مخرج الاستخفاف بالقرآن والاستهزاء به كفر صاحبه. وأما إن تلا الآية عند الحكم الذي أنزلت له أو كان ما يناسبه من الأحكام فحسن؛ كقوله لمن دعاه إلى ذنب تاب منه: ﴿مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا﴾ [النور: ١٦]، وقوله عند ما أهمه: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦]. [المستدرك ١/ ١٧١]
* * *
(مسائل تتعلق بالمصحف)
١٣٩٨ - أما جعل المصحف عند القبر فهو منهي عنه. [المستدرك ١/ ١٧٢]
١٣٩٩ - أما كتابة القرآن على الدراهم والدنانير فمكروه. [المستدرك ١/ ١٧٢]
١٤٠٠ - أما القيام للمصحف وتقبيله فلا نعلم فيه شيئًا عن السلف. [المستدرك ١/ ١٧٣]
١٤٠١ - فتح الفأل فيه لم ينقل عن السلف؛ وليس من الفأل الذي يحبه الرسول. [المستدرك ١/ ١٧٣]
стр. 1155
أصول التفسير
(أقوال التابعين في التفسير)
١٤٠٢ - قول أحمد في الرجوع إلى قول التابعين عام في التفسير وغيره. [المستدرك ١/ ١٦٩]
١٤٠٣ - والسلف ﵃ في تفسيرهم يَذْكُرُونَ (١) جِنْسَ الْمُرَادِ مِن الْآيَةِ عَلَى التَّمْثِيلِ، كَمَا يَقولُ التُّرْجُمَانُ لِمَن سَأَلَهُ عَن الْخُبْزِ فَيُرِيهِ رَغِيفًا. [١٥/ ٢٢٦]
١٤٠٤ - كَلَامُ أَهْلِ التَّفْسِيرِ مِن الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ شَامِل لِجَمِيعِ الْقُرْآنِ، إلَّا مَا قَد يُشْكِل عَلَى بَعْضِهِمْ، فَيَقِفُ فِيهِ، لَا لِأَنَّ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُهُ، لَكِنْ لِأَنَّهُ هُوَ لَمْ يَعْلَمْهُ. [١٧/ ٣٩٧]
١٤٠٥ - اتَّفَقَ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ لَهُم بِإِحْسَانٍ وَسَائِرُ أَئِمَّةِ الدِّينِ أَنَّ السُّنَّةَ تُفَسِّرُ الْقُرْآنَ وَتُبَيِّنُهُ وَتَدُلُّ عَلَيْهِ وَتُعَبِّرُ عَن مُجْمَلِهِ، وَأَنَّهَا تُفَسّرُ مُجْمَلَ الْقُرْآنِ مِن الْأَمْرِ وَالْخَبَرِ. [١٧/ ٤٣٢]
* * *
(الاختلاف في التفسير)
١٤٠٦ - الاِخْتِلَافُ الثَّابِتُ عَن الصَّحَابَةِ، بَل وَعَن أَئِمَّةِ التَّابِعِينَ فِي الْقُرْآنِ أكْثَرُهُ لَا يَخْرُجُ عَن وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: انْ يُعَبِّرَ كُلٌّ مِنْهُم عَن مَعْنَى الاِسْمِ بِعِبَارَة غَيْرِ عِبَارَةِ صَاحِبِهِ، الحواشي
(١) في الأصل: لَفْظُ السَّلَفِ يَذْكُرُونَ .. والمثبت من تلخيص كتاب الاستغاثة، الرد على البكري (٢/ ٥٣٨)، وما في الأصل مأخذوذ منه.стр. 1156
فَالْمُسَمَّى وَاحِدٌ، وَكُلُّ اسْمٍ يَدُلُّ عَلَى مَعْنًى لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الاِسْمُ الْآخَرُ، مَعَ أَنَّ كِلَاهُمَا حَقٌّ؛ بِمَنْزِلَةِ تَسْمِيَةِ اللّهِ تَعَالَى بِأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى، وَتَسْمِيَةِ الرَّسُولِ ﷺ بِأَسْمَائِهِ، وَتَسْمِيَةِ الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ بِأَسْمَائِهِ.
وَمِثَالُ هَذَا التَّفْسِيرِ: كَلَامُ الْعُلَمَاءِ فِي تَفْسِير ﴿الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الصافات: ١١٨]: فَهَذَا يَقُولُ: هُوَ الْإِسْلَامُ، وَهَذَا يَقُولُ: هُوَ الْقُرْآنُ؛ أَي: اتِّبَاعُ الْقُرْآنِ، وَهَذَا يَقُولُ: السنَّةُ وَالْجَمَاعَةُ، وَهَذَا يَقُولُ: طَرِيقُ الْعُبُودِيَّةِ، وَهَذَا يَقُولُ: طَاعَةُ اللّهِ وَرَسُولِهِ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الصِّرَاطَ يُوصَفُ بِهَذ الصِّفَاتِ كُلِّهَا، وَيُسَمَّى بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ كُلِّهَا، وَلَكنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُم دَلَّ الْمُخَاطَبَ عَلَى النَّعْتِ الَّذِي بِهِ يُعْرَفُ الصِّرَاطُ وَيَنْتَفِعُ بِمَعْرِفَةِ ذَلِكَ النَّعْتِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَذْكُرَ كُلّ مِنْهُم مَن تَفْسِيرِ الاِسْمِ بَعْضَ أَنْوَاعِهِ أَو أَعْيَانِهِ عَلَى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ لِلْمُخَاطَبِ، لَا عَلَى سَبِيلِ الْحَصْرِ وَالْإِحَاطَةِ، كَمَا لَو سَأَلَ أَعْجَمِيٌّ عَن مَعْنَى لَفْظِ "الْخُبْزِ"، فَأُريَ رَغِيفًا، وَقِيلَ: هَذَا هُوَ، فَذَاكَ مِثَالٌ لِلْخُبْزِ، وَإِشَارَة إلَى جِنْسِهِ، لَا إلَى ذَلِكَ الرَّغِيفِ خَاصَّةً.
وَمِن هَذَا مَا جَاءَ عَنْهُم فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر: ٣٢]، فَالْقَوْلُ الْجَامِعُ أَنَّ الظَّالِمَ لِنَفْسِهِ هُوَ الْمُفَرِّطُ بِتَرْكِ مَأْمُورٍ أَو فِعْلِ مَحْظُورٍ، وَالْمُقْتَصِدُ: الْقَائِمُ بِأَدَاءِ الْوَاجِبَاتِ وَتَرْكِ الْمُحَرَّمَاتِ، وَالسَّابِقُ بِالْخَيْرَاتِ: بِمَنْزِلَةِ الْمُقَرَّبِ الَّذِي يَتَقَرَّبُ إلَى اللهِ بِالنَّوَافِلِ بَعْدَ الْفَرَائِضِ حَتَّى يُحِبَّهُ الْحَقُّ.
ثُمَّ إنَّ كُلًّا مِنْهُم يَذْكُرُ نَوْعًا مِن هَذَا، فَإذَا قَالَ الْقَائِلُ: "الظَّالِمُ" الْمُؤَخِّرُ لِلصَّلَاةِ عَن وَقْتِهَا، وَ"الْمُقْتَصِدُ" الْمُصَلِّي لَهَا فِي وَقْتِهَا، وَ "السَّابِقُ" الْمُصَلِّي لَهَا فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا، حَيْثُ يَكُونُ التَّقْدِيمُ أَفْضَلَ.
وَقَالَ آخَرُ: "الظَّالِمُ لِنَفْسِهِ" هُوَ الْبَخِيلُ الَّذِي لَا يَصِلُ رَحِمَهُ وَلَا يُؤَدِّي
стр. 1157
زَكَاةَ مَالِهِ، وَ"الْمُقْتَصِدُ" الْقَائِمُ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِن الزَّكَاةِ وَصِلَةِ الرَّحِمِ وَقِرَى الضَّيْفِ وَالْإِعْطَاءِ فِي النَّائِبَةِ، وَ"السَّابِقُ" الْفَاعِلُ الْمُسْتَحَبَّ بَعْدَ الْوَاجِبِ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنْ يَذْكُرَ أَحَدُهُم لِنُزُولِ الْآيَةِ سَبَبًا، وَيَذْكُرَ الْآخَرُ سَبَبًا آخَرَ لَا يُنَافِي الأوَّلَ، وَمِن الْمُمْكِنِ نُزُولُهَا لِأَجْلِ السَّبَبَيْنِ جَمِيعًا، أَو نُزُولُهَا مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً لِهَذَا وَمَرَّةً لِهَذَا.
وَأَمَّا مَا صَحَّ عَن السَّلَفِ أَنَّهُم اخْتَلَفُوا فِيهِ اخْتِلَافَ تَنَاقُضٍ: فَهَذَا قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا لَمْ يَخْتَلِفوا فِيهِ.
كَمَا أَنَّ تَنَازُعَهُم فِي بَعْضِ مَسَائِلِ السُّنَّةِ؛ كَبَعْضِ مَسَائِلِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَام وَالْحَجِّ وَالْفَرَائِضِ وَالطَّلَاقِ وَنَحْوِ ذَلِكَ: لَا يَمْنَعُ أَنْ يَكونَ أَصْلُ هَذِهِ السُّنَنِ مَأْخوذًا عَن النَّبِيِّ ﷺ ، وَجُمَلُهَا مَنْقُولَةٌ عَنْهُ بِالتَّوَاتُرِ. [٥/ ١٦٠ - ١٦٢]
١٤٠٧ - الْخِلَافُ بَيْنَ السَّلَفِ فِي التَّفْسِيرِ قَلِيل، وَخِلَافُهُم فِي الْأَحْكَامِ أَكْثَرُ مِن خِلَافِهِمْ فِي التَّفْسِيرِ، وَغَالِبُ مَا يَصِحُّ عَنْهُم مِن الْخِلَافِ يَرْجِعُ إلَى اخْتِلَافِ تَنَوُّعٍ لَا اخْتِلَافِ تَضَادٍّ، وَذَلِكَ صِنْفَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُعَبِّرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُم عَنِ الْمُرَادِ بِعِبَارَةٍ غَيْرِ عِبَارَةِ صَاحِبِهِ تَدُلُّ عَلَى مَعْنًى فِي الْمُسَمَّى غَيْرِ الْمَعْنَى الْآخَرِ مَعَ اتِّحَادِ الْمُسَمَّى. كَمَا قِيلَ فِي اسْمِ السَّيْفِ الصَّارِمُ وَالْمُهَنَّدُ.
الصِّنْفُ الثانِي: أَنْ يَذْكُرَ كُل مِنْهُم مِن الاِسْمِ الْعَامّ بَعْضَ أَنْوَاعِهِ عَلَى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ وَتَنْبِيهِ الْمُسْتَمِعِ عَلَى النَّوْعِ، لَا عَلَى سَبِيلِ الْحَدِّ الْمُطَابِقِ لِلْمَحْدُودِ فِي عُمُومِهِ وَخُصُوصِهِ، مِثْل سَائِلٍ أَعْجَمِيٌّ سَألَ عَن مُسَمَّى "لَفْظِ الْخبْزِ" فَأُرِيَ رَغِيفًا وَقِيلَ لَهُ: هَذَا، فَالْإِشَارَةُ إلَى نَوْعِ هَذَا لَا إلَى هَذَا الرَّغِيفِ وَحْدَهُ. [١٣/ ٣٣٣ - ٣٣٧]
١٤٠٨ - مِن الْأَقْوَالِ الْمَوْجُودَةِ عَنْهُمْ (١) وَيَجْعَلُهَا بَعْضُ النَّاسِ اخْتِلَافًا: أَنْ الحواشي
(١) أي: عن السلف في التفسير.стр. 1158
يُعَبّرُوا عَن الْمَعَانِي بِأَلْفَاظٍ مُتَقَارِبَةٍ لَا مُتَرَادِفَةٍ، فَإِنَّ التَّرَادُفَ فِي اللُّغَةِ قَلِيل، وَأَمَّا فِي أَلْفَاظِ الْقُرْآنِ فَإِمَّا نَادِرٌ وَإِمَّا مَعْدُومٌ (١) ، وَقَلَّ أَنْ يُعَبَّرَ عَن لَفْظٍ وَاحِدٍ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ يُؤَدِّي جَمِيعَ مَعْنَاهُ، بَل يَكُونُ فِيهِ تَقْرِيبٌ لِمَعْنَاهُ، وَهَذَا مِن أَسْبَابِ إعْجَازِ الْقُرْآنِ. [١٣/ ٣٤٢]
١٤٠٩ - الاِخْتِلَافُ فِى التَّفْسِيرِ عَلَى نَوْعَيْنِ:
أ - مِنْهُ مَا مُسْتَنَدُهُ النَّقْلُ فَقَطْ.
ب - وَمِنْهُ مَا يُعْلَمُ بِغَيْرِ ذَلِكَ.
إذ الْعِلْمُ:
أ - إمَّا نَقْلٌ مُصَدَّقٌ.
ب - وَإِمَّا اسْتِدْلَالٌ مُحَقَّقٌ.
وَالْمَنْقُولُ:
أ - إمَّا عَن الْمَعْصُومِ.
ب - وَإِمَّا عَن غَيْرِ الْمَعْصُومِ.
وَالْمَقْصُودُ بِأَنَّ جِنْسَ الْمَنْقُولِ -سَوَاءٌ كَانَ عَن الْمَعْصُومِ أَو غَيْرِ الْمَعْصُومِ، وَهَذَا هُوَ النَّوْعُ الْأوَّلُ- فَمِنْهُ مَا يُمْكِنُ مَعْرِفَة الصَّحِيحِ مِنْهُ وَالضَّعِيفِ.
وَمِنْهُ مَا لَا يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ ذَلِكَ فِيه. الحواشي
(١) وقد انتصر الإمام اللغوي ابن جني رحمه الله تعالى لمن قال بوجود الترادف في اللغة، قال ﵀ في حديثه عن التضمين في الأفعال: فيه أيضًا موضع يشهد على من أنكر أن يكون في اللغة لفظان بمعنى واحد، حتى تكلَّف لذلك أنْ يوجِد فرقًا بين قعد وجلس، وبين دِراع وساعد، ألا ترى أنه لمَّا كان رفث بالمرأة في معنى أفضى إليها جاز أن يتبع الرفث الحرف الذي بابه الإفضاء وهو "إلى"، وكذلك لمَّا كان "هل لك في كذا" بمعنى: أدعوك إليه، جاز أن يقال: "هل لك إلى أن تزكّى"، كما يقال: "أدعوك إلى أن تزكّى". الخصائص (٢/ ٣١٢ - ٣١٣).стр. 1159
وَهَذَا الْقِسْمُ الثَّانِي مِن الْمَنْقُولِ، وَهُوَ مَا لَا طرِيقَ لَنَا إلَى الْجَزْمِ بِالصِّدْقِ مِنْهُ (١) ؛ عَامَّتُهُ مِمَّا لَا فَائِدَةَ فِيهِ، فَالْكَلَامُ فِيهِ مِن فُضولِ الْكَلَامِ.
وَأَمَّا مَا يَحْتَاجُ الْمُسْلِمُونَ إلَى مَعْرِفَتِهِ فَإِنَّ اللّهَ تعالى نَصَبَ عَلَى الْحَقِّ فِيهِ دَلِيلًا.
فَمِثَالُ مَا لَا يُفِيدُ وَلَا دَلِيلَ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْهُ: اخْتِلَافُهُم فِي لَوْنِ كَلْبِ أَصْحَابِ الْكَهْفِ. [٣٤٤ - ٣٤٥]
١٤١٠ - مَتَى اخْتَلَفَ التَّابِعُونَ: لَمْ يَكُن بَعْضُ أَقْوَالِهِمْ حُجَّة عَلَى بَعْضٍ.
وَمَا نُقِلَ فِي ذَلِكَ عَن بَعْضِ الصَّحَابَةِ نَقْلًا صَحِيحًا فَالنَّفْسُ إلَيْهِ أَسْكَنُ مِمَّا نقِلَ عَن بَعْضِ التَّابِعِينَ (٢) ؛ لِأَنَّ احْتِمَالَ أَنْ يَكُونَ سَمِعَهُ مِن النَّبِيِّ ﷺ أَو مِن بَعْضِ مَن سَمِعَهُ مِنْهُ أَقْوَى؛ وَلأَنَّ نَقْلَ الصَّحَابَةِ عَن أَهْلِ الْكِتَابِ أَقَلُّ مِن نَقْلِ التَّابِعِينَ، وَمَعَ جَزْمِ الصَّاحِبِ فِيمَا يَقُولُهُ، فَكيْفَ يُقَالُ إنَّهُ أَخَذَهُ عَن أَهْلِ الْكِتَابِ وَقَد نُهُوا عَن تَصْدِيقِهِمْ؟
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ مِثْل هَذَا الاِخْتِلَافِ الَّذِي لَا يُعْلَمُ صَحِيحُهُ، وَلَا تُفِيدُ حِكَايَةُ الْأَقْوَالِ فِيهِ هُوَ كَالْمَعْرِفَةِ لِمَا يُرْوَى مِن الْحَدِيثِ الَّذِي لَا دَلِيلَ عَلَى صِحَّتِهِ وَأَمْثَالِ ذَلِكَ.
وَأَمَّا "الْقِسْمُ الْأَوَّلُ" الَّذِي يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ الصَّحِيحِ مِنْهُ فَهَذَا مَوْجُودٌ فِيمَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ وَللهِ الْحَمْدُ، فَكَثِيرًا مَا يُوجَدُ فِي التَّفْسِيرِ وَالْحَدِيثِ وَالْمَغَازِي أُمُورٌ مَنْقُولَةٌ عَن نَبِيِّنَا ﷺ وَغَيْرِهِ مِن الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللّهِ عَلَيْهِم وَسَلَامُهُ، وَالنَّقْلُ الحواشي
(١) الَّذِي لَا يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ صَحِيحِهِ مِن ضَعِيفِهِ.(٢) قال العلَّامة محمد رشيد رضا ﵀، معلِّقًا على كلامه: فأَنْتَ تَرَى أَيْضًا أَنَّهُ لَمْ يَجْزِمْ بِمَا رُوِيَ عَنِ الصَّحَابَةِ ﵃ مِن ذَلِكَ، وَإَنَّمَا قَالَ: إِنَّ النَّفْسَ إِلَيْهِ أَسْكَنُ مِمَّا يُنْقَلُ عَنِ التَّابِعَيْنِ، وَهَذَا يَنْقُضُ قَوْلَ مَن أطْلَقَ الْحُكْمَ بِأَنَّ مَا قَالَهُ الصَّحَابِي الثِّقَةُ مِمَّا لَا يُعْرَفُ بِالاِسْتِدْلَالِ بَل بِالنَّقْلِ لَهُ حُكُمُ الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ. اهـ. تفسير المنار (١/ ١٠).стр. 1160
الصَّحِيحُ يَدْفَعُ ذَلِكَ؛ بَل هَذَا مَوْجُودٌ فِيمَا مُسْتَنَدُة النَّقْلُ، وَفِيمَا قَد يُعْرَفُ بِأُمُورٍ أُخْرَى غَيْرِ النَّقْلِ.
فَالْمَقْصُودُ أَنَّ الْمَنْقُولَاتِ الَّتِي يُحْتَاجُ إلَيْهَا فِي الدِّينِ قَد نَصَبَ اللهُ الأدِلَّةَ عَلَى بَيَانِ مَا فِيهَا مِن صَحِيحٍ وَغَيْرِهِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمَنْقُولَ فِي التَّفْسِيرِ أَكْثَرُهُ كَالْمَنْقُولِ فِي الْمَغَازِي وَالْمَلَاحِمِ؛ وَلهَذَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَد: ثَلَاثَةُ أُمُورٍ لَيْسَ لَهَا إسْنَاد: التَّفْسِيرُ وَالْمَلَاحِمُ وَالْمَغَازِي، وَيُرْوَى: لَيْسَ لَهَا أَصْلٌ؛ أَيْ: إسْنَادٌ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَيْهَا الْمَرَاسِيلُ.
والْمَرَاسِيلُ إذَا تَعَدَّدَتْ طُرُقُهَا وَخَلَتْ عَن الْمُوَاطَأَةِ قَصْدًا، أَو الاِتِّفَاقِ بِغَيْرِ قَصْدٍ: كَانَت صَحِيحَةً قَطْعًا، فَإِنَّ النَّقْلَ إمَّا أَنْ يَكُونَ صِدْقًا مُطَابِقًا لِلْخَبَرِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ كَذِبًا تَعَمَّدَ صَاحِبُهُ الْكَذِبَ، أَو أَخْطَأَ فِيهِ؛ فَمَتَى سَلِمَ مِن الْكَذِبِ الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ كَانَ صِدْقًا بِلَا ريبٍ.
فَإِذَا كَانَ الْحَدِيث جَاءَ مِن جِهَتَيْنِ أَو جِهَاتٍ، وَقَد عُلِمَ أَنَّ الْمُخْبِرَيْنِ لَمْ يَتَوَاطَآ عَلَى اخْتِلَافِهِ، وَعُلِمَ أَنَّ مِثْل ذَلِكَ لَا تَقَعُ الْمُوَافَقَةُ فِيهِ اتِّفَاقًا بِلَا قَصْدٍ: عُلِمَ أَنَّهُ صَحِيحٌ.
وَبِهَذِهِ الطَّرِيقِ يُعْلَمُ صِدْقُ عَامَّةِ مَا تَتَعَدَّدُ جِهَاتُهُ الْمخْتَلِفَةُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مِن الْمَنْقُولَاتِ، وَإِن لَمْ يَكُن أَحَدُهَا كَافِيًا؛ إمَّا لِإِرْسَالِهِ، وَإِمَّا لِضَعْفِ نَاقِلِهِ.
وَلهَذَا ثَبَتَتْ بِالتَّوَاتُرِ غَزْوَةُ بَدْرٍ وَأَنَّهَا قَبْلَ أُحُدٍ، بَل يُعْلَمُ قَطْعًا أَنَّ حَمْزَةَ وَعَلِيًّا وَعُبَيْدَةَ بَرَزُوا إلَى عتبة وَشَيْبَةَ وَالْوَلِيدِ، وَأَنَّ عَلِيًّا قَتَلَ الْوَلِيدَ، وَأَنَّ حَمْزَةَ قَتَلَ قِرْنَهُ، ثُمَّ يُشَكُّ فِي قَرْنِهِ هَل هُوَ عتبة أَو شَيْبَةُ.
وَهَذَا الْأَصْلُ يَنْبَغِي أَنْ يُعْرَفَ، فَإِنَّهُ أَصْل نَافِعٌ فِي الْجَزْمِ بِكَثِيرٍ مِن الْمَنْقُولَاتِ فِي الْحَدِيثِ وَالتَّفْسِيرِ وَالْمَغَازِي وَمَا يُنْقَلُ مِن أَقْوَالِ النَّاسِ وَأَفْعَالِهِمْ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
والْمَقْصُودُ أَنَّ الْحَدِيثَ الطَّوِيلَ إذَا رُوِيَ مَثَلًا مِن وَجْهَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ مِن غَيْرِ
следующие страницы →