Полный текст (3 539 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.
стр. 1156
فَالْمُسَمَّى وَاحِدٌ، وَكُلُّ اسْمٍ يَدُلُّ عَلَى مَعْنًى لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الاِسْمُ الْآخَرُ، مَعَ أَنَّ كِلَاهُمَا حَقٌّ؛ بِمَنْزِلَةِ تَسْمِيَةِ اللّهِ تَعَالَى بِأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى، وَتَسْمِيَةِ الرَّسُولِ ﷺ بِأَسْمَائِهِ، وَتَسْمِيَةِ الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ بِأَسْمَائِهِ.
وَمِثَالُ هَذَا التَّفْسِيرِ: كَلَامُ الْعُلَمَاءِ فِي تَفْسِير ﴿الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الصافات: ١١٨]: فَهَذَا يَقُولُ: هُوَ الْإِسْلَامُ، وَهَذَا يَقُولُ: هُوَ الْقُرْآنُ؛ أَي: اتِّبَاعُ الْقُرْآنِ، وَهَذَا يَقُولُ: السنَّةُ وَالْجَمَاعَةُ، وَهَذَا يَقُولُ: طَرِيقُ الْعُبُودِيَّةِ، وَهَذَا يَقُولُ: طَاعَةُ اللّهِ وَرَسُولِهِ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الصِّرَاطَ يُوصَفُ بِهَذ الصِّفَاتِ كُلِّهَا، وَيُسَمَّى بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ كُلِّهَا، وَلَكنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُم دَلَّ الْمُخَاطَبَ عَلَى النَّعْتِ الَّذِي بِهِ يُعْرَفُ الصِّرَاطُ وَيَنْتَفِعُ بِمَعْرِفَةِ ذَلِكَ النَّعْتِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَذْكُرَ كُلّ مِنْهُم مَن تَفْسِيرِ الاِسْمِ بَعْضَ أَنْوَاعِهِ أَو أَعْيَانِهِ عَلَى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ لِلْمُخَاطَبِ، لَا عَلَى سَبِيلِ الْحَصْرِ وَالْإِحَاطَةِ، كَمَا لَو سَأَلَ أَعْجَمِيٌّ عَن مَعْنَى لَفْظِ "الْخُبْزِ"، فَأُريَ رَغِيفًا، وَقِيلَ: هَذَا هُوَ، فَذَاكَ مِثَالٌ لِلْخُبْزِ، وَإِشَارَة إلَى جِنْسِهِ، لَا إلَى ذَلِكَ الرَّغِيفِ خَاصَّةً.
وَمِن هَذَا مَا جَاءَ عَنْهُم فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر: ٣٢]، فَالْقَوْلُ الْجَامِعُ أَنَّ الظَّالِمَ لِنَفْسِهِ هُوَ الْمُفَرِّطُ بِتَرْكِ مَأْمُورٍ أَو فِعْلِ مَحْظُورٍ، وَالْمُقْتَصِدُ: الْقَائِمُ بِأَدَاءِ الْوَاجِبَاتِ وَتَرْكِ الْمُحَرَّمَاتِ، وَالسَّابِقُ بِالْخَيْرَاتِ: بِمَنْزِلَةِ الْمُقَرَّبِ الَّذِي يَتَقَرَّبُ إلَى اللهِ بِالنَّوَافِلِ بَعْدَ الْفَرَائِضِ حَتَّى يُحِبَّهُ الْحَقُّ.
ثُمَّ إنَّ كُلًّا مِنْهُم يَذْكُرُ نَوْعًا مِن هَذَا، فَإذَا قَالَ الْقَائِلُ: "الظَّالِمُ" الْمُؤَخِّرُ لِلصَّلَاةِ عَن وَقْتِهَا، وَ"الْمُقْتَصِدُ" الْمُصَلِّي لَهَا فِي وَقْتِهَا، وَ "السَّابِقُ" الْمُصَلِّي لَهَا فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا، حَيْثُ يَكُونُ التَّقْدِيمُ أَفْضَلَ.
وَقَالَ آخَرُ: "الظَّالِمُ لِنَفْسِهِ" هُوَ الْبَخِيلُ الَّذِي لَا يَصِلُ رَحِمَهُ وَلَا يُؤَدِّي
стр. 1157
زَكَاةَ مَالِهِ، وَ"الْمُقْتَصِدُ" الْقَائِمُ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِن الزَّكَاةِ وَصِلَةِ الرَّحِمِ وَقِرَى الضَّيْفِ وَالْإِعْطَاءِ فِي النَّائِبَةِ، وَ"السَّابِقُ" الْفَاعِلُ الْمُسْتَحَبَّ بَعْدَ الْوَاجِبِ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنْ يَذْكُرَ أَحَدُهُم لِنُزُولِ الْآيَةِ سَبَبًا، وَيَذْكُرَ الْآخَرُ سَبَبًا آخَرَ لَا يُنَافِي الأوَّلَ، وَمِن الْمُمْكِنِ نُزُولُهَا لِأَجْلِ السَّبَبَيْنِ جَمِيعًا، أَو نُزُولُهَا مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً لِهَذَا وَمَرَّةً لِهَذَا.
وَأَمَّا مَا صَحَّ عَن السَّلَفِ أَنَّهُم اخْتَلَفُوا فِيهِ اخْتِلَافَ تَنَاقُضٍ: فَهَذَا قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا لَمْ يَخْتَلِفوا فِيهِ.
كَمَا أَنَّ تَنَازُعَهُم فِي بَعْضِ مَسَائِلِ السُّنَّةِ؛ كَبَعْضِ مَسَائِلِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَام وَالْحَجِّ وَالْفَرَائِضِ وَالطَّلَاقِ وَنَحْوِ ذَلِكَ: لَا يَمْنَعُ أَنْ يَكونَ أَصْلُ هَذِهِ السُّنَنِ مَأْخوذًا عَن النَّبِيِّ ﷺ ، وَجُمَلُهَا مَنْقُولَةٌ عَنْهُ بِالتَّوَاتُرِ. [٥/ ١٦٠ - ١٦٢]
١٤٠٧ - الْخِلَافُ بَيْنَ السَّلَفِ فِي التَّفْسِيرِ قَلِيل، وَخِلَافُهُم فِي الْأَحْكَامِ أَكْثَرُ مِن خِلَافِهِمْ فِي التَّفْسِيرِ، وَغَالِبُ مَا يَصِحُّ عَنْهُم مِن الْخِلَافِ يَرْجِعُ إلَى اخْتِلَافِ تَنَوُّعٍ لَا اخْتِلَافِ تَضَادٍّ، وَذَلِكَ صِنْفَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُعَبِّرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُم عَنِ الْمُرَادِ بِعِبَارَةٍ غَيْرِ عِبَارَةِ صَاحِبِهِ تَدُلُّ عَلَى مَعْنًى فِي الْمُسَمَّى غَيْرِ الْمَعْنَى الْآخَرِ مَعَ اتِّحَادِ الْمُسَمَّى. كَمَا قِيلَ فِي اسْمِ السَّيْفِ الصَّارِمُ وَالْمُهَنَّدُ.
الصِّنْفُ الثانِي: أَنْ يَذْكُرَ كُل مِنْهُم مِن الاِسْمِ الْعَامّ بَعْضَ أَنْوَاعِهِ عَلَى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ وَتَنْبِيهِ الْمُسْتَمِعِ عَلَى النَّوْعِ، لَا عَلَى سَبِيلِ الْحَدِّ الْمُطَابِقِ لِلْمَحْدُودِ فِي عُمُومِهِ وَخُصُوصِهِ، مِثْل سَائِلٍ أَعْجَمِيٌّ سَألَ عَن مُسَمَّى "لَفْظِ الْخبْزِ" فَأُرِيَ رَغِيفًا وَقِيلَ لَهُ: هَذَا، فَالْإِشَارَةُ إلَى نَوْعِ هَذَا لَا إلَى هَذَا الرَّغِيفِ وَحْدَهُ. [١٣/ ٣٣٣ - ٣٣٧]
١٤٠٨ - مِن الْأَقْوَالِ الْمَوْجُودَةِ عَنْهُمْ (١) وَيَجْعَلُهَا بَعْضُ النَّاسِ اخْتِلَافًا: أَنْ الحواشي
(١) أي: عن السلف في التفسير.стр. 1158
يُعَبّرُوا عَن الْمَعَانِي بِأَلْفَاظٍ مُتَقَارِبَةٍ لَا مُتَرَادِفَةٍ، فَإِنَّ التَّرَادُفَ فِي اللُّغَةِ قَلِيل، وَأَمَّا فِي أَلْفَاظِ الْقُرْآنِ فَإِمَّا نَادِرٌ وَإِمَّا مَعْدُومٌ (١) ، وَقَلَّ أَنْ يُعَبَّرَ عَن لَفْظٍ وَاحِدٍ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ يُؤَدِّي جَمِيعَ مَعْنَاهُ، بَل يَكُونُ فِيهِ تَقْرِيبٌ لِمَعْنَاهُ، وَهَذَا مِن أَسْبَابِ إعْجَازِ الْقُرْآنِ. [١٣/ ٣٤٢]
١٤٠٩ - الاِخْتِلَافُ فِى التَّفْسِيرِ عَلَى نَوْعَيْنِ:
أ - مِنْهُ مَا مُسْتَنَدُهُ النَّقْلُ فَقَطْ.
ب - وَمِنْهُ مَا يُعْلَمُ بِغَيْرِ ذَلِكَ.
إذ الْعِلْمُ:
أ - إمَّا نَقْلٌ مُصَدَّقٌ.
ب - وَإِمَّا اسْتِدْلَالٌ مُحَقَّقٌ.
وَالْمَنْقُولُ:
أ - إمَّا عَن الْمَعْصُومِ.
ب - وَإِمَّا عَن غَيْرِ الْمَعْصُومِ.
وَالْمَقْصُودُ بِأَنَّ جِنْسَ الْمَنْقُولِ -سَوَاءٌ كَانَ عَن الْمَعْصُومِ أَو غَيْرِ الْمَعْصُومِ، وَهَذَا هُوَ النَّوْعُ الْأوَّلُ- فَمِنْهُ مَا يُمْكِنُ مَعْرِفَة الصَّحِيحِ مِنْهُ وَالضَّعِيفِ.
وَمِنْهُ مَا لَا يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ ذَلِكَ فِيه. الحواشي
(١) وقد انتصر الإمام اللغوي ابن جني رحمه الله تعالى لمن قال بوجود الترادف في اللغة، قال ﵀ في حديثه عن التضمين في الأفعال: فيه أيضًا موضع يشهد على من أنكر أن يكون في اللغة لفظان بمعنى واحد، حتى تكلَّف لذلك أنْ يوجِد فرقًا بين قعد وجلس، وبين دِراع وساعد، ألا ترى أنه لمَّا كان رفث بالمرأة في معنى أفضى إليها جاز أن يتبع الرفث الحرف الذي بابه الإفضاء وهو "إلى"، وكذلك لمَّا كان "هل لك في كذا" بمعنى: أدعوك إليه، جاز أن يقال: "هل لك إلى أن تزكّى"، كما يقال: "أدعوك إلى أن تزكّى". الخصائص (٢/ ٣١٢ - ٣١٣).стр. 1159
وَهَذَا الْقِسْمُ الثَّانِي مِن الْمَنْقُولِ، وَهُوَ مَا لَا طرِيقَ لَنَا إلَى الْجَزْمِ بِالصِّدْقِ مِنْهُ (١) ؛ عَامَّتُهُ مِمَّا لَا فَائِدَةَ فِيهِ، فَالْكَلَامُ فِيهِ مِن فُضولِ الْكَلَامِ.
وَأَمَّا مَا يَحْتَاجُ الْمُسْلِمُونَ إلَى مَعْرِفَتِهِ فَإِنَّ اللّهَ تعالى نَصَبَ عَلَى الْحَقِّ فِيهِ دَلِيلًا.
فَمِثَالُ مَا لَا يُفِيدُ وَلَا دَلِيلَ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْهُ: اخْتِلَافُهُم فِي لَوْنِ كَلْبِ أَصْحَابِ الْكَهْفِ. [٣٤٤ - ٣٤٥]
١٤١٠ - مَتَى اخْتَلَفَ التَّابِعُونَ: لَمْ يَكُن بَعْضُ أَقْوَالِهِمْ حُجَّة عَلَى بَعْضٍ.
وَمَا نُقِلَ فِي ذَلِكَ عَن بَعْضِ الصَّحَابَةِ نَقْلًا صَحِيحًا فَالنَّفْسُ إلَيْهِ أَسْكَنُ مِمَّا نقِلَ عَن بَعْضِ التَّابِعِينَ (٢) ؛ لِأَنَّ احْتِمَالَ أَنْ يَكُونَ سَمِعَهُ مِن النَّبِيِّ ﷺ أَو مِن بَعْضِ مَن سَمِعَهُ مِنْهُ أَقْوَى؛ وَلأَنَّ نَقْلَ الصَّحَابَةِ عَن أَهْلِ الْكِتَابِ أَقَلُّ مِن نَقْلِ التَّابِعِينَ، وَمَعَ جَزْمِ الصَّاحِبِ فِيمَا يَقُولُهُ، فَكيْفَ يُقَالُ إنَّهُ أَخَذَهُ عَن أَهْلِ الْكِتَابِ وَقَد نُهُوا عَن تَصْدِيقِهِمْ؟
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ مِثْل هَذَا الاِخْتِلَافِ الَّذِي لَا يُعْلَمُ صَحِيحُهُ، وَلَا تُفِيدُ حِكَايَةُ الْأَقْوَالِ فِيهِ هُوَ كَالْمَعْرِفَةِ لِمَا يُرْوَى مِن الْحَدِيثِ الَّذِي لَا دَلِيلَ عَلَى صِحَّتِهِ وَأَمْثَالِ ذَلِكَ.
وَأَمَّا "الْقِسْمُ الْأَوَّلُ" الَّذِي يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ الصَّحِيحِ مِنْهُ فَهَذَا مَوْجُودٌ فِيمَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ وَللهِ الْحَمْدُ، فَكَثِيرًا مَا يُوجَدُ فِي التَّفْسِيرِ وَالْحَدِيثِ وَالْمَغَازِي أُمُورٌ مَنْقُولَةٌ عَن نَبِيِّنَا ﷺ وَغَيْرِهِ مِن الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللّهِ عَلَيْهِم وَسَلَامُهُ، وَالنَّقْلُ الحواشي
(١) الَّذِي لَا يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ صَحِيحِهِ مِن ضَعِيفِهِ.(٢) قال العلَّامة محمد رشيد رضا ﵀، معلِّقًا على كلامه: فأَنْتَ تَرَى أَيْضًا أَنَّهُ لَمْ يَجْزِمْ بِمَا رُوِيَ عَنِ الصَّحَابَةِ ﵃ مِن ذَلِكَ، وَإَنَّمَا قَالَ: إِنَّ النَّفْسَ إِلَيْهِ أَسْكَنُ مِمَّا يُنْقَلُ عَنِ التَّابِعَيْنِ، وَهَذَا يَنْقُضُ قَوْلَ مَن أطْلَقَ الْحُكْمَ بِأَنَّ مَا قَالَهُ الصَّحَابِي الثِّقَةُ مِمَّا لَا يُعْرَفُ بِالاِسْتِدْلَالِ بَل بِالنَّقْلِ لَهُ حُكُمُ الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ. اهـ. تفسير المنار (١/ ١٠).стр. 1160
الصَّحِيحُ يَدْفَعُ ذَلِكَ؛ بَل هَذَا مَوْجُودٌ فِيمَا مُسْتَنَدُة النَّقْلُ، وَفِيمَا قَد يُعْرَفُ بِأُمُورٍ أُخْرَى غَيْرِ النَّقْلِ.
فَالْمَقْصُودُ أَنَّ الْمَنْقُولَاتِ الَّتِي يُحْتَاجُ إلَيْهَا فِي الدِّينِ قَد نَصَبَ اللهُ الأدِلَّةَ عَلَى بَيَانِ مَا فِيهَا مِن صَحِيحٍ وَغَيْرِهِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمَنْقُولَ فِي التَّفْسِيرِ أَكْثَرُهُ كَالْمَنْقُولِ فِي الْمَغَازِي وَالْمَلَاحِمِ؛ وَلهَذَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَد: ثَلَاثَةُ أُمُورٍ لَيْسَ لَهَا إسْنَاد: التَّفْسِيرُ وَالْمَلَاحِمُ وَالْمَغَازِي، وَيُرْوَى: لَيْسَ لَهَا أَصْلٌ؛ أَيْ: إسْنَادٌ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَيْهَا الْمَرَاسِيلُ.
والْمَرَاسِيلُ إذَا تَعَدَّدَتْ طُرُقُهَا وَخَلَتْ عَن الْمُوَاطَأَةِ قَصْدًا، أَو الاِتِّفَاقِ بِغَيْرِ قَصْدٍ: كَانَت صَحِيحَةً قَطْعًا، فَإِنَّ النَّقْلَ إمَّا أَنْ يَكُونَ صِدْقًا مُطَابِقًا لِلْخَبَرِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ كَذِبًا تَعَمَّدَ صَاحِبُهُ الْكَذِبَ، أَو أَخْطَأَ فِيهِ؛ فَمَتَى سَلِمَ مِن الْكَذِبِ الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ كَانَ صِدْقًا بِلَا ريبٍ.
فَإِذَا كَانَ الْحَدِيث جَاءَ مِن جِهَتَيْنِ أَو جِهَاتٍ، وَقَد عُلِمَ أَنَّ الْمُخْبِرَيْنِ لَمْ يَتَوَاطَآ عَلَى اخْتِلَافِهِ، وَعُلِمَ أَنَّ مِثْل ذَلِكَ لَا تَقَعُ الْمُوَافَقَةُ فِيهِ اتِّفَاقًا بِلَا قَصْدٍ: عُلِمَ أَنَّهُ صَحِيحٌ.
وَبِهَذِهِ الطَّرِيقِ يُعْلَمُ صِدْقُ عَامَّةِ مَا تَتَعَدَّدُ جِهَاتُهُ الْمخْتَلِفَةُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مِن الْمَنْقُولَاتِ، وَإِن لَمْ يَكُن أَحَدُهَا كَافِيًا؛ إمَّا لِإِرْسَالِهِ، وَإِمَّا لِضَعْفِ نَاقِلِهِ.
وَلهَذَا ثَبَتَتْ بِالتَّوَاتُرِ غَزْوَةُ بَدْرٍ وَأَنَّهَا قَبْلَ أُحُدٍ، بَل يُعْلَمُ قَطْعًا أَنَّ حَمْزَةَ وَعَلِيًّا وَعُبَيْدَةَ بَرَزُوا إلَى عتبة وَشَيْبَةَ وَالْوَلِيدِ، وَأَنَّ عَلِيًّا قَتَلَ الْوَلِيدَ، وَأَنَّ حَمْزَةَ قَتَلَ قِرْنَهُ، ثُمَّ يُشَكُّ فِي قَرْنِهِ هَل هُوَ عتبة أَو شَيْبَةُ.
وَهَذَا الْأَصْلُ يَنْبَغِي أَنْ يُعْرَفَ، فَإِنَّهُ أَصْل نَافِعٌ فِي الْجَزْمِ بِكَثِيرٍ مِن الْمَنْقُولَاتِ فِي الْحَدِيثِ وَالتَّفْسِيرِ وَالْمَغَازِي وَمَا يُنْقَلُ مِن أَقْوَالِ النَّاسِ وَأَفْعَالِهِمْ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
والْمَقْصُودُ أَنَّ الْحَدِيثَ الطَّوِيلَ إذَا رُوِيَ مَثَلًا مِن وَجْهَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ مِن غَيْرِ
стр. 1161
مُوَاطَأَةٍ امْتَنَعَ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ غَلَطًا، كَمَا امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ كَذِبًا؛ فَإِنَّ الْغَلَطَ لَا يَكُونُ فِي قِصَّةٍ طَوِيلَةٍ مُتَنَوِّعَةٍ، وَإِنَّمَا يَكُون فِي بَعْضِهَا.
فَإِذَا رَوَى هَذَا قِصَّةً طَوِيلَةً مُتَنَوِّعَةً، وَرَوَاهَا الْآخَرُ مِثْلَمَا رَوَاهَا الْأَوَّلُ مِن غَيْرِ مُوَاطَأةٍ: امْتَنَعَ الْغَلَطُ فِي جَمِيعِهَا، كَمَا امْتَنَعَ الْكَذِبُ فِي جَمِيعِهَا مِن غَيْرِ مُوَاطَأَةٍ.
وَلهَذَا إنَّمَا يَقَعُ فِي مِثْل ذَلِكَ غَلَطٌ فِي بَعْضِ مَا جَرَى فِي الْقِصَّةِ مِثْل حَدِيثِ اشْتِرَاءِ النَّبِيِّ ﷺ الْبَعِيرَ مِن جَابِرٍ؛ فَإِنَّ مَن تَأَمَّلَ طُرُقَهُ عَلِمَ قَطْعًا أَنَّ الْحَدِيثَ صَحِيحٌ، وَإِن كَانُوا قَد اخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِ الثَّمَنِ.
وَقَد بَيَّنَ ذَلِكَ الْبُخَارِيُّ فِي "صَحِيحِهِ" فَإِنَّ جُمْهُورَ مَا فِي الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ مِمَّا يُقْطَعُ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَهُ؛ لِأَنَّ غَالِبَهُ مِن هَذَا النَّحْوِ؛ وَلِأَنَّهُ قَد تَلَقَّاهُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْقَبُولِ وَالتَّصْدِيقِ، وَالْأُمَّةُ لَا تَجْتَمِعُ عَلَى خَطَاٍ؛ فَلَو كَانَ الْحَدِيثُ كَذِبًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ؛ وَالْأُمَّةُ مُصَدِّقَةٌ لَهُ قَابِلَةٌ لَهُ لَكَانُوا قَد أَجْمَعُوا عَلَى تَصْدِيقِ مَا هُوَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ كَذِبٌ، وَهَذَا إجْمَاعٌ عَلَى الْخَطَإِ وَذَلِكَ مُمْتَنِعٌ.
وَلهَذَا كَانَ جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِن جَمِيعِ الطَّوَائِفِ عَلَى أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ إذَا تَلَقَّتْة الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ تَصْدِيقًا لَهُ أَو عَمَلًا بِهِ أَنَّهُ يُوجِبُ الْعِلْمَ.
وَفِي التَّفْسِيرِ مِن هَذِهِ الْمَوْضُوعَاتِ قِطْعَةٌ كَبِيرَةٌ.
فَصْلٌ
وَأمَّا النَّوْعُ الثَّانِي مِن مُسْتَنَدَي الاِخْتِلَافِ: وَهُوَ مَا يُعْلَمُ بِالاِسْتِدْلَالِ لَا بِالنَّقْلِ، وهَذَا أَكْثَرُ مَا فِيهِ الْخَطَأُ مِن جِهَتَيْنِ -حَدَثَتَا بَعْدَ تَفْسِيرِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَتَابِعِيهِمْ بِإِحْسَانٍ-:
إحْدَاهُمَا: قَوْمٌ اعْتَقَدُوا مَعَانِيَ ثُمَّ أَرَادُوا حَمْلَ أَلْفَاظِ الْقُرْآنِ عَلَيْهَا.
والثَّانِيَةُ: قَوْمٌ فَسَّرُوا الْقُرْآنَ بِمُجَرَّدِ مَا يُسَوِّغُ أَنْ يُرِيدَهُ بِكَلَامِهِ مَن كَانَ مِن
стр. 1162
النَّاطِقِينَ بِلُغَةِ الْعَرَبِ، مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلَى الْمُتَكَلِّمِ بِالْقُرْآنِ وَالْمُنَزَّلِ عَلَيْهِ وَالْمُخَاطَبِ بِهِ.
فالْأَوَّلُونَ: رَاعَوْا الْمَعْنَى الَّذِي رَأَوْهُ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلَى مَا تَسْتَحِقُّهُ أَلْفَاظُ الْقُرْآنِ مِن الدَّلَالَةِ وَالْبَيَانِ.
والْآخَرُونَ: رَاعَوْا مُجَرَّدَ اللَّفْظِ وَمَا يَجُوزُ عِنْدَهُم أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْعَرَبِيُّ، مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلَى مَا يَصْلُحُ لِلْمُتَكَلِّمِ بِهِ وَلسِيَاقِ الْكَلَامِ.
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ مِثْل هَؤُلَاءِ اعْتَقَدُوا رَأْيًا ثُمَّ حَمَلُوا أَلْفَاظَ الْقُرْآنِ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ لَهُم سَلَفٌ مِن الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُم بِإِحْسَانٍ وَلَا مِن أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ.
وَمِن هَؤُلَاءِ مَن يَكُونُ حَسَنَ الْعِبَارَةِ فَصِيحًا، وَيَدُسُّ الْبِدَعَ فِي كَلَامِهِ، وَأَكْثَرُ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ؛ كَصَاحِبِ الْكَشَّافِ وَنَحْوِهِ، حَتَّى إنَّهُ يُرَوِّجُ عَلَى خَلْقٍ كَثِيرٍ مِمَن لَا يَعْتَقِدُ الْبَاطِلَ مِن تَفَاسِيرِهِمْ الْبَاطِلَةِ مَا شَاءَ اللّهُ.
وتَفْسِيرُ ابْنِ عَطِيَّةَ وَأَمْثَالِهِ أَتْبَعُ لِلسُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَأَسْلَمُ مِن الْبِدْعَةِ مِن تَفْسِيرِ الزمخشري، وَلَو ذَكرَ كَلَامَ السَّلَفِ الْمَوْجُودَ فِي التَّفَاسِيرِ الْمَأْثُورَةِ عَنْهُم عَلَى وَجْهِهِ لَكَانَ أَحْسَنَ وَأَجْمَلَ، فَإِنَّهُ كَثِيرًا مَا يَنْقُلُ مِن "تَفْسِيرِ مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطبري" وهُوَ مِن أَجَلِّ التَّفَاسِيرِ وَأَعْظَمِهَا قَدْرًا، ثُمَّ إنَّهُ يَدَعُ مَا نَقَلَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَن السَّلَفِ لَا يَحْكِيهِ بِحَال، وَيَذْكُرُ مَا يَزْعمُ أَنَّهُ قَوْلُ الْمُحَقِّقِينَ، وَإِنَّمَا يَعْنِي بِهِم طَائِفَةً مِن أَهْلِ الْكَلَامِ الَّذِينَ قَرَّرُوا أُصُولَهُم بِطُرُقٍ مِن جِنْسِ مَا قَرَّرَتْ بِهِ الْمُعْتَزِلَةُ أُصُولَهُمْ، وَإِنْ كَانُوا أَقْرَبَ إلَى السُّنَّةِ مِن الْمُعْتَزِلَةِ؛ لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُعْطَى كُلُّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ.
فَإِنَّ الصَّحَابَةَ وَالتَّابِعِينَ وَالْأَئِمَّةَ إذَا كَانَ لَهُم فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ قَوْلٌ، وَجَاءَ قَوْمٌ فَسَّرُوا الْآيَةَ بِقَوْل آخَرَ لِأَجْلِ مَذْهَبٍ اعْتَقَدُوهُ، وَذَلِكَ الْمَذْهَبُ لَيْسَ مِن مَذَاهِبِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُم بِإِحْسَانٍ: صَارُوا مُشَارِكِينَ لِلْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ مِن أَهْلِ الْبِدَعِ فِي مِثْل هَذَا.
стр. 1163
فَإِنْ قَالَ قَائِل: فَمَا أَحْسَنُ طُرُقِ التَّفْسِيرِ؟
فَالْجَوَابُ: أَنَّ أَصَحَّ الطُّرُقِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُفَسَّرَ الْقُرْآنُ بِالْقُرْآنِ؛ فَمَا أُجْمِلَ فِي مَكَانٍ فَإِنَّه قَد فُسِّرَ فِي مَوْضِغ آخَرَ، وَمَا اُخْتُصِرَ مِن مَكَانٍ فَقَد بُسِطَ فِي مَوْضِع آخَرَ.
فَإِنْ أَعْيَاك ذَلِكَ فَعَلَيْك بِالسُّنَّةِ فَإِنَّهَا شَارِحَةٌ لِلْقُرْآنِ وَمُوَضِّحَةٌ لَهُ .. كَمَا قَالَ رَسُولُ اللّهِ ﷺ لِمُعَاذِ حِينَ بَعَثَهُ إلَى الْيَمَنِ: "بِمَ تَحْكُمُ؟ قَالَ: بِكِتَابِ اللّهِ، قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَجِدْ؟ قَالَ: بِسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ، قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَجِدْ؟ قَالَ: أَجْتَهِدُ رَأيِي، قَالَ: فَضَرَبَ رَسُولُ اللّهِ ﷺ فِي صَدْرِهِ وَقَالَ: الْحَمْدُ للهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللهِ لِمَا يُرْضِي رَسُولَ اللهِ" (١) .
وَهَذَا الْحَدِيثُ فِي الْمَسَانِدِ وَالسُّنَنِ بِإِسْنَاد جَيِّدٍ.
وَحِينَئِذٍ إذَا لَمْ نَجِدْ التَّفْسِيرَ فِي الْقُرْآنِ وَلَا فِي السُّنَّةِ رَجَعْنَا فِي ذَلِكَ إلَى أقْوَالِ الصَّحَابَةِ؛ فإِنَّهُم أَدْرَى بِذَلِكَ؛ لِمَا شَاهَدُوة مِن الْقُرْآنِ، وَالْأحْوَالِ الَّتِي اخْتَصُّوا بِهَا، وَلمَا لَهُم مِن الْفَهْمِ التَّامِّ وَالْعِلْمِ الصَّحِيحِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ.
لكنّ الْأَحَادِيثَ الإسرائيلية تُذْكَرُ لِلِاسْتِشْهَادِ لَا لِلِاعْتِقَادِ؛ فَإِنَّهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: مَا عَلِمْنَا صِحَّتَهُ مِمَّا بِأَيْدِينَا مِمَّا يَشْهَدُ لَهُ بِالصِّدْقِ فَذَاكَ صَحِيحٌ. والثَّانِي: مَا عَلِمْنَا كَذِبَهُ بِمَا عِنْدَنَا مِمَّا يُخَالِفُهُ.
والثَّالِثُ: مَا هُوَ مَسْكُوتٌ عَنْهُ لَا مِن هَذَا الْقَبِيلِ وَلَا مِن هَذَا الْقَبِيلِ، فَلَا نُؤْمِنُ بِهِ وَلَا نُكَذِّبُهُ وَتَجُوزُ حِكَايَتُهُ. الحواشي
(١) رواه أبو داود(٣٥٩٤) ، والترمذي(١٣٢٧) وقال: لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِن هَذَا الوَجْهِ وَلَيْسَ إِسْنَادُهُ عِنْدِي بِمُتَّصِلٍ وَأبُو عَوْنٍ الثَّقَفِيُّ اسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ.
وقال الألباني: منكر. السلسلة الضعيفة(٨٨١) .стр. 1164
فَصْلٌ
إذَا لَمْ تَجِدِ التَّفْسِيرَ فِي الْقُرْآنِ وَلَا فِي السُّنَّةِ وَلَا وَجَدْته عَن الصَّحَابَةِ فَقَد رَجَعَ كَثيرٌ مِن الْأَئِمَّةِ فِي ذَلِكَ إلَى أقْوَالِ التَّابِعِينَ.
وَقَالَ شُعْبَةُ بْنُ الْحَجَّاجِ وَغَيْرُهُ: أَقْوَالُ التَّابِعِينَ فِي الْفُرُوعِ لَيْسَتْ حُجَّةَ، فَكَيْفَ يَكُونُ حُجَّةٌ فِي التَّفْسِيرِ؟
يَعْنِي أَنَّهَا لَا يَكُونُ حُجَّةً عَلَى غَيْرِهِمْ مِمَن خَالَفَهُمْ، وَهَذَا صَحِيحٌ.
أَمَّا إذَا أَجْمَعُوا عَلَى الشَيْءِ فَلَا يُرْتَابُ فِي كَوْنِهِ حُجَّةَ، فَإِنْ اخْتَلَفُوا فَلَا يَكُونُ قَوْلُ بَعْضِهِمْ حُجَّةً عَلَى بَعْضٍ، وَلَا عَلَى مَن بَعْدَهُمْ.
وَيُرْجَعُ فِي ذَلِكَ إلَى لُغَةِ الْقُرْآنِ أَو السُّنَّةِ، أو عُمُومِ لُغَةِ الْعَرَبِ، أَو أَقْوَالِ الصَّحَابَةِ فِي ذَلِكَ.
فَأمَّا تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ بِمُجَرَّدِ الرَّأيِ فَحَرَامٌ.
وَهَكَذَا رَوَى بَعْضُ أهْلِ الْعِلْمِ مِن أَصْحَابِ النَّبِيّ ﷺ وَغَيْرِهِمْ أَنَّهُم شَدَّدُوا فِي أَنْ يُفَسَّرَ الْقُرْآنُ بِغَيْرِ عِلْمِ.
فَمَن قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِرَأيِهِ فَقَد تَكَلَّفَ مَا لَا عِلْمَ لَهُ بهِ، وَسَلَكَ غَيْرَ مَا أمِرَ بِهِ، فَلَو أَنَّهُ أصَابَ الْمَعْنَى فِي نَفْسِ الأمْرِ لَكَانَ قَد أَخْطأَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ الْأمْرَ مِن بَابِهِ؛ كَمَن حَكَمَ بَيْنَ النَّاسِ عَلَى جَهْلٍ فَهُوَ فِي النَّارِ وَإِن وَافَقَ حُكْمُهُ الصَّوَابَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ.
لَكِنْ يَكُونُ أَخَفَّ جُرْمًا مِمَن أَخْطَأَ وَاللّهُ أَعْلَمُ.
وَهَكَذَا سَمَّى الله تَعَالَى الْقَذَفَةَ كَاذِبِينَ فَقَالَ: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور: ١٣]، فَالْقَاذِفُ كَاذِبٌ وَلَو كَانَ قَد قَذَفَ مَن زَنَى فِي نَفْسِ الْأَمْرِ؛ لأنَّهُ أَخْبَرَ بِمَا لَا يَحِلُّ لَهُ الْإِخْبَارُ بِهِ، وَتَكَلَّفَ مَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ وَاللهُ أَعْلَمُ. [١٣/ ٣٤٥ - ٣٧١]
стр. 1165
١٤١١ - مَا قَالَهُ النَّاسُ مِنَ الْأَقْوَالِ الْمُخْتَلِفَةِ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ وَتَأْوِيلِهِ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُصَدّقَ بِقَوْلٍ دُونَ قَوْلٍ بِلَا عِلْمٍ، وَلَا يُكَذِّبَ بِشَيءٍ مِنْهَا إلَّا أَنْ يُحِيطَ بِعِلْمِهِ، وَهَذَا لَا يُمْكِنُ إلَّا إذَا عَرَفَ الْحَقَّ الَّذِي أُرِيدَ بِالْآيَةِ، فَيَعْلَمُ أَنَّ مَا سِوَاهُ بَاطِلٌ؛ فَيُكَذِّبُ بِالْبَاطِلِ الَّذِي أَحَاطَ بِعِلْمِهِ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَعْرِفْ مَعْنَاهَا وَلَمْ يُحِطْ بِشَيْءٍ مِنْهَا عِلْمًا فَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّكْذِيبُ بِشَيْءٍ مِنْهَا. [١٧/ ٤٠٤]
* * *
(من الغلط تفسير القرآن بمجرد ما يحتمله اللفظ المجرد عن سائر ما يبين معناه)
١٤١٢ - أَمَّا تَفْسِيرُهُ (١) بِمُجَرَّدِ مَا يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ الْمُجَرَّدُ عَن سَائِرِ مَا يُبَيِّنُ مَعْنَاهُ: فَهَذَا مَنْشَأُ الْغَلَطِ مِن الغالطين، لَا سِيَّمَا كَثِيرٌ مِمَن يَتَكَلَّمُ فِيهِ بِالاِحْتِمَالَاتِ اللُّغَوِيَّةِ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ أَكْثَرُ غَلَطًا مِن الْمُفَسِّرِينَ الْمَشْهُورِينَ؛ فَإِنَّهُم لَا يَقْصِدُونَ مَعْرِفَةَ مَعْنَاهُ كَمَا يَقْصِدُ ذَلِكَ الْمُفَسّرُونَ.
وَأَعْظَمُ غَلَطًا مِن هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مَن لَا يَكُونُ قَصْدُهُ مَعْرِفَةَ مُرَادِ اللّهِ؛ بَل قَصْدُهُ تَأْوِيلُ الْآيَةِ بِمَا يَدْفَعُ خَصْمَهُ عَن الاِحْتِجَاجِ بِهَا، وَهَؤُلَاءِ يَقَعُونَ فِي أَنْوَاعٍ مِن التَّحْرِيفِ، وَلهَذَا جَوَّزَ مِن جَوَّزَ مِنْهُم أَنْ يَتَأَوَّلُ الْآيَةُ بِخِلَافِ تَأْوِيلِ السَّلَفِ، وَقَالُوا: إذَا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي تَأْوِيلِ الْآيَةِ عَلَى قَوْلَيْنِ جَازَ لِمَن بَعْدِهِمْ إحْدَاثُ قَوْلٍ ثَالِثٍ، بِخِلَافِ مَا إذَا اخْتَلَفُوا فِي الْأَحْكَامِ عَلَى قَوْلَيْنِ، وَهَذَا خَطَأٌ؛ فَإِنَّهُم إذَا أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْآيَةِ إمَّا هَذَا وَإِمَّا هَذَا، كَانَ الْقَوْلُ بِأَنَّ الْمُرَادَ غَيْرُ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ خِلَافًا لِإِجْمَاعِهِمْ، وَلَكِنَّ هَذِهِ طَرِيقُ مَن يَقْصِدُ الدَّفْعَ لَا يَقْصِدُ مَعْرِفَةَ الْمُرَادِ. [١٥/ ٩٤]
* * * стр. 1166
(بطلان قول من يقول: إنَّ فِي الْقُرْآنِ آيَاتٍ لَا يَعْلَمُ مَعْنَاهَا الرَّسُولُ وَلَا غَيْرُهُ .. )
١٤١٣ - الدَّلَائِلُ الْكَثِيرَةُ تُوجِبُ الْقَطْعَ بِبُطْلَانِ قَوْلِ مَن يَقُولُ: إنَّ فِي الْقُرْآنِ آياتٍ لَا يَعْلَمُ مَعْنَاهَا الرَّسُولُ وَلَا غَيْرُهُ.
فَيَجِبُ الْقَطْعُ بِأَنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ [آل عمران: ٧]، أَنَّ الصَّوَابَ قَوْلُ مَن يَجْعَلُهُ مَعْطُوفًا، وَيَجْعَلُ الْوَاوَ لِعَطْفِ مُفْرَدٍ عَلَى مُفْرَدٍ، أَو يَكُون كِلَا الْقَوْلَيْنِ حَقًّا وَهِيَ قِرَاءَتَانِ، وَالتَّأْوِيلُ الْمَنْفِيُّ غَيْرُ التَّأْوِيلِ الْمُثْبَتِ، وَإِنْ كَانَ الصَّوَابُ هُوَ قَوْلُ مَن يَجْعَلُهَا وَاوَ اسْتِئْنَافٍ؛ فَيَكُونُ التَّأْوِيلُ الْمَنْفِيُّ عِلْمَهُ عَن غَيْرِ اللّهِ هُوَ الْكَيْفِيَّاتُ الَّتِي لَا يَعْلَمُهَا غَيْرُهُ، وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ.
وَابْنُ عَبَّاسٍ جَاءَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: التَّفْسِيرُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ:
أ - تَفْسِيرُ تَعْرِفُهُ الْعَرَبُ مِن كَلَامِهَا.
ب - وَتَفْسِيرٌ لَا يُعْذَرُ أَحَدٌ بِجَهَالَتِهِ.
ج - وَتَفْسِيرٌ يَعْلَمُهُ الْعُلَمَاءُ.
د - وَتَفْسِيرٌ لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللّهُ، مَن ادَّعَى عِلْمَهُ فَهُوَ كَاذِبٌ.
وَهَذَا الْقَوْلُ يَجْمَعُ الْقَوْلَيْنِ، وَيُبَيِّنُ أَنَّ الْعُلَمَاءَ يَعْلَمُونَ مِن تَفْسِيرِهِ مَا لَا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُمْ، وَأَنَّ فِيهِ مَا لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللّهُ.
فَأمَّا مَن جَعَلَ الصَّوَابَ قَوْلَ مَن جَعَلَ الْوَقْفَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧] وَجَعَلَ التَّأْوِيلَ بِمَعْنَى التَّفْسِيرِ: فَهَذَا خَطَأٌ قَطْعًا.
وَأَمَّا التَّأْوِيلُ بِالْمَعْنَى الثَّالِثِ: وَهُوَ صَرْفُ اللَّفْظِ عَن الاِحْتِمَالِ الرَّاجِحِ إلَى الاِحْتِمَالِ الْمَرْجُوحِ، فَهَذَا الاِصْطِلَاحُ لَمْ يَكُن بَعْدُ عُرِفَ فِي عَهْدِ الصَّحَابَةِ، بَل وَلَا التَّابِعِينَ، بَل وَلَا الْأَئِمَّةِ الْأَرْبِعَةِ، وَلَا كَانَ التَّكَلُّمُ بِهَذَا الاِصْطِلَاحِ مَعْرُوفًا فِي الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ، بَل وَلَا عَلِمْت أَحَدًا مِنْهُم خَصَّ لَفْظَ التَّأْوِيلِ بِهَذَا.
стр. 1167
وَالَّذِي اقْتَضَى شهْرَةَ الْقَوْلِ عَن أَهْلِ السُّنَّةِ بِأَنَّ الْمُتَشَابِهَ لَا يَعْلَمُ تَأِويلَهُ إلَّا اللهُ: ظُهُورُ التَّأْوِيلَاتِ الْبَاطِلَةِ مِن أَهْلِ الْبِدَعِ كالْجَهْمِيَّة وَالْقَدَرِّيَةِ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ، فَصَارَ أُولَئِكَ يَتَكَلَّمُونَ فِي تَأْوِيل الْقُرْآنِ بِرَأيِهِمُ الْفَاسِدِ، وَهَذَا أَصْلٌ مَعْرُوفٌ لِأَهْلِ الْبِدَع أَنَّهُم يُفَسِّرُونَ الْقُرْآنَ بِرَأَيِهِمُ الْعَقْلِيِّ وَتَأْوِيلِهِمُ اللُّغَوِيِّ. [١٧/ ٣٩٩ - ٤١٢]
* * *
(إشارة الآية، ومثالان)
١٤١٤ - قال ابن القيِّم ﵀: سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس اللّه روحه يقول: الصحيح منها (١) ما يدل عليه اللفظ بإشارته من باب قياس الأولى.
والصحيح في الآية: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) ﴾ [الواقعة: ٧٩] أن المراد به الصحف التي بأيدي الملائكة لوجوه عديدة:
منها: أنه وصفه بأنه (مكنون) والمكنون هو المستور عن العيون وهذا إنما هو في الصحف التي بأيدي الملائكة.
ومنها: أنه قال: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) ﴾ وهم الملائكة، ولو أراد المتوضئين لقال: (المتطهرين) فالملائكة مطهرون، والمؤمنون متطهرون.
ومنها: أن هذا نظير الآية التي في سورة عبس: ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (١٦) ﴾ [عبس: ١٢ - ١٦] قال مالك في موطئه: أحسن ما سمعت في تفسير قوله: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) ﴾ أنها مثل هذه الآية التي في سورة عبس.
ومنها: أن الآية مكية من سورة مكية تتضمن تقرير التوحيد والنبوة الحواشي
(١) من الإشارات. (الجامع).стр. 1168
والمعاد وإثبات الصانع والرد على الكفار، وهذا المعنى أليق بالمقصود من فرع عملي، وهو حكم مس المحدث المصحف.
فسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية -قدَّس الله روحه- يقول: لكن تدل الآية بإشارتها على أنه لا يمس المصحف إِلَّا طاهر؛ لأنه إذا كانت تلك الصحف لا يمسها إِلَّا المطهرون لكرامتها على اللّه؛ فهذه الصحف أولى أن لا يمسها إِلَّا طاهر.
وسمعته يقول في قول النَّبِيّ ﷺ : "لا تدخل الملائكة بيتًا فيه صورة ولا كلب" (١) إذا كانت الملائكة المخلوقون يمنعها الكلب والصورة عن دخول البيت فكيف تلج معرفة اللّه ومحبته وحلاوة ذكره والأنس بقربه في قلب ممتلئ بكلاب الشهوات وصورها؛ فهذا من إشارة اللفظ الصحيحة. [المستدرك ١/ ١٦٩ - ١٧١]
* * *
(آيَاتُه سُبْحَانَهُ تُوجِبُ شَيْئَيْنِ .. )
١٤١٥ - آيَاتُهُ سُبْحَانَهُ تُوجِبُ شَيْئَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: فَهْمَهَا وَتَدَبُّرَهَا لِيُعْلَمَ مَا تَضَمَّنَتْهُ.
وَالثَّانِي: عِبَادَتَهُ وَالْخُضُوعَ لَهُ إذَا سُمِعَتْ.
فَتِلَاوَتُهُ إيَّاهَا وَسَمَاعُهَا يُوجِبُ هَذَا وَهَذَا، فَلَو سَمِعَهَا السَّامِعُ وَلَمْ يَفْهَمْهَا كَانَ مَذْمُومًا، وَلَو فَهِمَهَا وَلَمْ يَعْمَلْ بِمَا فِيهَا كَانَ مَذْمُومًا، بَل لَا بُدَّ لِكُلِّ أَحَدٍ عِنْدَ سَمَاعِهَا مِن فَهْمِهَا وَالْعَمَلِ بِهَا (٢) . [٢٣/ ١٤٧]
* * * الحواشي
(١) رواه البخاري(٣٢٢٥) ، ومسلم(٢١٠٦) .(٢) إن القرآن لم يُنزل لأجل التلاوة المجردة، بل أنزل لحكم عظيمة، ومقاصد نبيلة، وكثير من الناس يتطلب ختم القرآن دون فهمه وتدبره والعمل به، وليس هذا من فعل السلف الصالح، =стр. 1169
(الكلام عن التفاسير، وتسمية الجيد منها والرديء)
١٤١٦ - فِي التَّفْسِيرِ مِن هَذِهِ الْمَوْضُوعَاتِ قِطْعَةٌ كَبِيرَةٌ، مِثْلُ الْحَدِيثِ الَّذِي يَرْوِيهِ الثَّعْلَبِيُّ وَالْوَاحِدِيُّ والزمخشري فِي فَضَائِلِ سُوَرِ الْقُرْآنِ سُورَةً سُورَةً، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
والثَّعْلَبِيُّ هُوَ فِي نَفْسِهِ كَانَ فِيهِ خَيْرٌ وَدِين، وَكَانَ حَاطِبَ لَيْلٍ يَنْقُلُ مَا وُجِدَ فِي كُتُبِ التَّفْسِيرِ مِن صَحِيحٍ وَضَعِيفٍ وَمَوْضُوعٍ.
والْوَاحِدِيُّ صَاحِبُهُ كَانَ أَبْصَرَ مِنْهُ بِالْعَرَبِيَّةِ؛ لَكِنْ هُوَ أَبْعَدُ عَن السَّلَامَةِ وَاتِّبَاعِ السَّلَفِ.
والبغوي تَفْسِيرُهُ مُخْتَصَرٌ مِن الثَّعْلَبِيِّ لَكِنَّهُ صَانَ تَفْسِيرَهُ مِن الْأحَادِيثِ الْمَوْضُوعَةِ وَالْآرَاءِ الْمُبْتَدَعَةِ.
وَالْمَوْضُوعَاتُ فِي كُتُبِ التَّفْسِيرِ كَثِيرَةٌ مِثْلُ الْأَحَادِيثِ الْكثِيرَةِ الصَّرِيحَةِ فِي الْجَهْرِ بِالْبَسْمَلَةِ وَحَدِيثِ عَلِيٍّ الطَّوِيلِ فِي تَصَدُّقِهِ بِخَاتَمِهِ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ. [١٣/ ٣٥٤]
١٤١٧ - هَذِهِ الْكُتُبُ الَّتِي يُسَمِّيهَا كَثِيرٌ مِن النَّاسِ كُتُبَ التَّفْسِيرِ فِيهَا كَثِيرٌ مِن التَّفْسِيرِ مَنْقُولَاتٌ عَن السَّلَفِ مَكْذُوبَةٌ عَلَيْهِمْ، وَقَوْلٌ عَلَى اللهِ وَرَسُولِهِ بِالرَّأيِ الْمُجَرَّدِ، بَل بِمُجَرَّدِ شُبْهَةٍ قِيَاسِيَّةٍ، أَو شُبْهَةٍ أَدَبِيَّةٍ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ فِي كُتُبِ التَّفْسِيرِ مِن النَّقْلِ عَن ابْنِ عَبَّاسٍ مِن الْكَذِبِ شَيْئًا كَثِيرًا مِن رِوَايَةِ الْكَلْبِيِّ عَن أَبِي صَالِحٍ وَغَيْرِهِ، فَلَا بُدَّ مِن تَصْحِيحِ النَّقْلِ لِتَقُومَ الْحُجَّةُ، فَلْيُرَاجِعْ كُتُبَ التَّفْسِيرِ الَّتِي يُحَرَّرُ فِيهَا النَّقْلُ مِثْلُ؛ تَفْسِيرِ مُحَمَّدِ بْنِ
الحواشي
(٨٢) ﴾ [النساء: ٨٢].
قال القرطبي رحمه اللّه تعالى: "دَلَّتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا(٢٤) ﴾ [محمد: ٢٤]، عَلَى وُجُوبِ التَّدَبُّرِ فِي الْقُرْآنِ ليُعْرَفَ مَعْنَاهُ". تفسير القرطبي (٥/ ٢٩٠).стр. 1170
جَرِيرٍ الطبري الَّذِي يَنْقُلُ فِيهِ كَلَامَ السَّلَفِ بِالْإِسْنَادِ، وَلْيُعْرضْ عَن تَفْسِيرِ مُقَاتِلٍ، وَالْكَلْبِيِّ، وَقَبْلَهُ تَفْسِيرُ بقي بْنِ مخلد الْأَنْدَلُسِيِّ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إبْرَاهِيمَ دحيم الشَّامِيِّ، وَعَبْدِ بْنِ حميد الكشي وَغَيْرِهِمْ، إنْ لَمْ يَصْعَدْ إلَى تَفْسِيرِ الْإِمَامِ إسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْه، وَتَفْسِيرِ الْإِمَامِ أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ، وَغَيْرِهِمَا مِن الْأَئِمَّةِ، الَّذِينَ هُم أَعْلَمُ أَهْلِ الْأَرْضِ بِالتَّفَاسِيرِ الصَّحِيحَةِ عَن النَّبِيِّ ﷺ وَآثَارِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، كَمَا هُم أَعْلَمُ النَّاسِ بِحَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ وَآثَارِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فِي الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِن الْعُلُومِ. [٦/ ٣٨٩]
١٤١٨ - [تفسير] البغوي مُخْتَصَرٌ مِن "تَفْسِيرِ الثَّعْلَبِيِّ" وحَذَفَ مِنْهُ الْأَحَادِيثَ الْمَوْضُوعَةَ وَالْبِدَع الَّتِي فِيهِ، وَحَذَفَ أَشْيَاءَ غَيْرَ ذَلِكَ.
وَأَمَّا "الْوَاحِدِيُّ" فَإِنَّهُ تِلْمِيذُ الثَّعْلَبِيِّ، وَهُوَ أَخْبَرُ مِنْهُ بِالْعَرَبِيَّةِ؛ لَكِنَّ الثَّعْلَبِيَّ فِيهِ سَلَامَةٌ مِن الْبِدَعِ، وَإِنْ ذِكْرَهَا تَقْلِيدًا لِغَيْرِهِ.
وَتَفْسِيرُهُ وتَفْسِيرُ الْوَاحِدِيّ الْبَسِيطُ وَالْوَسِيطُ وَالْوَجِيزُ فِيهَا فَوَائِدُ جَلِيلَةٌ، وَفِيهَا غَثٌّ كَثِيرٌ مِن الْمَنْقُولَاتِ الْبَاطِلَةِ وَغَيْرِهَا.
وَأَمَّا الزمخشري فَتَفْسِيرُهُ مَحْشُوٌّ بِالْبِدْعَةِ، وَعَلَى طَرِيقَةِ الْمُعْتَزِلَةِ مِن إنْكَارِ الصِّفَاتِ وَالرُّؤيَةِ، وَالْقَوْلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، وَأَنْكَرَ أَنَّ اللّهَ مُرِيدٌ لِلْكَائِنَاتِ، وَخَالِقٌ لِأَفْعَالِ الْعِبَادِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِن أُصُولِ الْمُعْتَزِلَةِ.
وتَفْسِيرُ الْقُرْطُبِيِّ خَيْرٌ مِنْهُ بِكَثِير وَأَقْرَبُ إلَى طَرِيقَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَأَبْعَدُ مِن الْبِدَعِ، وَإِن كَانَ كُلٌّ مِن هَذِهِ الْكُتُب لَا بُدَّ أَنْ يَشْتَمِلَ عَلَى مَا يُنْقَدُ؛ لَكِنْ يَجِبُ الْعَدْلُ بَيْنَهَا وَإِعْطَاءُ كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ.
وتَفْسِيرُ ابْنِ عَطِيَّةَ خَيْرٌ مِن تَفْسِيرِ الزمخشري وَأَصَحُّ نَقْلًا وَبَحْثًا، وَأَبْعَدُ عَن الْبِدَعِ وَإِن اشْتَمَلَ عَلَى بَعْضِهَا، بَل هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ بِكَثِير؛ بَل لَعَلَّهُ أَرْجَحُ هَذِهِ التَّفَاسِيرِ؛ لَكِنَّ تَفْسِيرَ ابْنِ جَرِيرٍ أَصَحُّ مِن هَذِهِ كُلِّهَا. [١٣/ ٣٨٦ - ٣٨٨]
١٤١٩ - تَفْسِيرُ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَن مُجَاهِدٍ مِن أَصَحِّ التَّفَاسِيرِ، بَل لَيْسَ
стр. 1171
بِأَيْدِي أَهْلِ التَّفْسِيرِ كِتَابٌ فِي التَّفْسِيرِ أَصَحّ مِن تَفْسِيرِ ابْن أبِي نَجِيحٍ عَن مُجَاهِدٍ، إلَّا أَنْ يَكُونَ نَظِيرَهُ فِي الصِّحَّةِ.
ثُمَّ مَعَهُ مَا يُصَدِّقُهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ: عَرَضْت الْمُصْحَفَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَقِفُهُ عِنْدَ كُلِّ آيَةٍ وَأَسْألُهُ عَنْهَا. [١٧/ ٤٠٩]
* * *
(القرآن يفسر بعضه بعضًا)
١٤٢٠ - مَن تَدَبَّرَ الْقُرْآنَ وَجَدَ بَعْضَهُ يُفَسِّرُ بَعْضًا، فَإِنَّهُ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةِ الوالبي: مُشْتَمِل عَلَى الْأَقْسَامِ وَالْأَمْثَالِ، وَهُوَ تَفْسِيرُ: ﴿مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣].
وَلهَذَا جَاءَ كِتَابُ اللّهِ جَامِعًا، كَمَا قَالَ ﷺ : "أُعْطِيت جَوَامِعَ الْكَلِمِ" (١) .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ فَالتَّشَابُهُ يَكُونُ فِي الْأَمْثَالِ، وَالْمَثَانِي فِي الْأَقْسَامِ. [١٦/ ٥٢٢ - ٥٢٣]
* * * الحواشي
(١) رواه مسلم(٥٢٣) .стр. 1172
التفسير
سورة الفاتحة
١٤٢١ - قال ابن القيم ﵀: قال شيخ الإسلام ابن تيمية - قدَّس اللّه روحه -: تأملت أنفع الدعاء فإذا هو سؤال العون على مرضاته ثم رأيته في الفاتحة في: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) ﴾ [الفاتحة: ٥].
وكثيرًا ما سمعت شيخ الإسلامِ - قدَّس الله روحه - يقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ تدفع الرياء، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) ﴾ تدفع الكبرياء.
وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يقول: في بعض الآثار الإلهية يقول اللّه تعالى: "إني لا أنظر إلى كلام الحكيم، وإنما أنظر إلى همته". [المستدرك ١/ ١٧٦]
١٤٢٢ - أَمَرَنَا اللّهُ تَعَالَى: أَنْ نَقُولَ [في] (١) كُلَّ صَلَاةٍ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧) ﴾ [الفاتحة: ٦، ٧].
والْمَغْضُوبُ عَلَيْهِمْ: هُم الَّذِينَ يَعْلَمُونَ الْحَقَّ وَيَعْمَلُونَ بِخِلَافِهِ.
والضَّالُّونَ: الَّذِينَ يَعْبُدُونَ اللهَ بِغَيْرِ عِلْمٍ.
فَمَن اتَّبَعَ هَوَاهُ وَذَوْقَهُ وَوَجْدَهُ مَعَ عِلْمِهِ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ وَالسّنَّةِ فَهُوَ مِن "الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم".
وَإِنْ كَانَ لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ فَهُوَ مِن "الضَّالِّينَ". [١٠/ ٤٥٣] الحواشي
(١) ما بين المعقوفتين ليس في الأصل، والمثبت من الفتاوى الكبرى (١/ ١٨٠)، وإقامة الدليل على إبطال التحليل (٢/ ٢٣٨).стр. 1173
١٤٢٣ - يقول بعضهم في قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) ﴾ [الفاتحة: ٦]: المؤمن قد هُدِيَ إلى الصراط المستقيم؛ فأيّ فائدة في طلب الهدى؟! ثم يجيب بعضهم بأن المراد ثبتنا على الهدى كما تقول العرب للنائم: نم حتى آتيك، أو يقول بعضهم: ألزم قلوبنا الهدى، فحذف الملزوم، ويقول بعضهم: زدني هدى، وإنما يوردون هذا السؤال؛ لعدم تصورهم الصراط المستقيم الذي يطلب العبد الهداية إليه؛ فإن المراد به العمل بما أمر الله به، وترك ما نهى اللّه عنه في جميع الأمور.
فإن العمل في المستقبل بالعلم لم يحصل بعد، ولا يكون مهتديًا حتى يعمل في المستقبل بالعلم، وقد لا يحصل العلم في المستقبل بل يزول عن القلب، وإن حصل فقد لا يحصل العمل، فالناس كلهم مضطرون إلى هذا الدعاء؛ ولهذا فرضه اللّه عليهم في كل صلاة، فليسوا إلى شيء من الدعاء أحوج منهم إليه، وإذا حصل الهدى إلى الصراط المستقيم حصل النصر والرزق وسائر ما تطلب النفوس من السعادة. [١٠/ ١٠٦ - ١٠٩]
١٤٢٤ - قَوْلُهُ تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) ﴾ [الفاتحة: ٤] مَعَ أَنَّهُ مَلِكُ الدُّنْيَا؛ لِأَنَّ يَوْمَ الدِّينِ لَا يَدَّعِي أَحَدٌ فِيهِ مُنَازَعَةً، وَهُوَ الْيَوْمُ الْأَعْظَمُ، فَمَا الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إلَّا كَمَا يَضَعُ أَحَدُكُمْ إصْبَعَهُ فِي الْيَمّ فَلْيَنْظرْ بِمَ يَرْجِعُ، والدِّينُ: عَاقِبَةُ أَفْعَالِ الْعِبَادِ. [٦/ ٢٦٦]
* * *
سورة البقرة
١٤٢٥ - قَوْله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦) ﴾ [البقرة: ٦] فَإِنَّ لِلنَّاسِ فِي هَذ الْآيَةِ قَوْلَيْنِ:
أَحَدَهُمَا: أَنَّهَا خَاصَّةٌ بِمَن يَمُوتُ كَافِرًا .. وَطَائِفَةٌ مِن الْمُفَسّرِينَ لَمْ يَذْكُرُوا غَيْرَ هَذَا الْقَوْلِ كَالثَّعْلَبِيِّ والبغوي وَابْنِ الْجَوْزِيِّ.
стр. 1174
وَالْقَوْلُ الثانِي: أَنَّ الْآيَةَ عَلَى مُقْتَضَاهَا، وَالْمُرَادُ بِهَا أَنَّ الْإِنْذَارَ وَعَدَمَهُ سَوَاءٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْكَافِرِ مَا دَامَ كَافِرًا لَا يَنْفَعُهُ الْإِنْذَارُ وَلَا يُؤَثِّرُ فِيهِ كَمَا قِيلَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْآيَاتِ أَنَّهَا غَيْرُ مُوجِبَةٍ لِلْإِيمَانِ.
وَقَد جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١] فالآيَاتُ لِمَن إذَا عَرَفَ الْحَق عَمِلَ بِهِ، فَهَذَا تَنْفَعُهُ الْحِكْمَةُ.
وَالْإِنْذَارُ لِمَن يَعْرِفُ الْحَقَّ وَلَهُ هَوً ى يَصُدُّهُ، فَيُنْذَرُ بِالْعَذَابِ الَّذِي يَدْعُوهُ إلَى مُخَالَفَةِ هَوَاهُ، وَهُوَ خَوْفُ الْعَذَابِ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي يَحْتَاجُ إِلَى الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ، وَآخَرُ لَا يَقْبَلُ الْحَقَّ فَيَحْتَاجُ إلَى الْجَدَلِ فَيُجَادَلُ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ.
وَالدُّعَاءُ وَالتَّعْلِيمُ وَالْإِرْشَادُ، وَكُلُّ مَا كَانَ مِن هَذَا الْجِنْسِ: لَهُ فَاعِل وَهُوَ الْمُتَكَلِّمُ بِالْعِلْمِ وَالْهُدَى وَالنِّذَارَةِ، وَلَهُ قَابِلٌ وَهُوَ الْمُسْتَمِعُ، فَإِذَا كَانَ الْمُسْتَمِعُ قَابِلًا حَصَلَ الْإِنْذَارُ التَّامُّ وَالتَّعْلِيمُ التَامُّ وَالْهُدَى التَّامُّ، وَإِنْ لَمْ يَكُن قَابِلًا قِيلَ: عَلَّمْته فَلَمْ يَتَعَلَّمْ، وَهَدَيْته فَلَمْ يَهْتَدِ، وَخَاطَبْته فَلَمْ يُصْغِ وَنَحْو ذَلِكَ.
فَقَوْلُهُ فِي الْقُرْآنِ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] هُوَ مِن هَذَا، إنَّمَا يَهْتَدِي مَن يَقْبَلُ الاِهْتِدَاءَ وَهُم الْمتَّقُونَ، لَا كُلُّ أَحَدٍ.
وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُم كَانُوا مُتَّقِينَ قَبْلَ اهْتِدَائِهِمْ، بَل قَد يَكُونُوا كُفَّارًا، لَكِنْ إنَّمَا يَهْتَدِي بِهِ مِن كَانَ مُتَّقِيًا.
فَمَنِ اتَّقَى اللّهَ اهْتَدَى بِالْقُرْآنِ.
وَهَكَذَا قَوْلُهُ: ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا﴾ [يس: ٧٠] الْإِنْذَارَ التَّامَّ، فَإِنَّ الْحَيَّ يَقْبَلُهُ؛ وَلهَذَا قَالَ: ﴿وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [يس: ٧٠] فَهُم لَمْ يَقْبَلُوا الْإِنْذَارَ.
وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا (٤٥) ﴾ [النازعات: ٤٥]، وَعَكْسُهُ قَوْلُهُ: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٦]؛ أَيْ: كُلُّ مَن ضَلَّ بِهِ فَهُوَ فَاسِقٌ، فَهُوَ ذَمّ لِمَن يَضِلُّ بِهِ فَإِنَّهُ فَاسِقٌ، لَيْسَ أَنَّهُ كَانَ فَاسِقًا قَبْلَ ذَلِكَ.
стр. 1175
فَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ١٦١]، مِن هَذَا الْبَاب، وَالتَّقْدِيرُ: مَن خَتَمَ عَلَى قَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى سَمْعِهِ وَبَصَرِهِ غِشَاوَةً فَسَوَاءٌ عَلَيْك أَنْذَرْته أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُ هُوَ لَا يُؤْمِنُ، أَيْ: مَا دَامَ كَذَلِكَ.
وَأَمَّا إذَا أَطْلَقَ الْقَوْلَ عَلَى الْكفَّارِ مِن غَيْرِ تَقْيِيدٍ: فَإِنَّهُ لَا يُرِيدُ مَن لَا يُؤْمِنُ مِنْهُمْ، فَإِنَّ اللَّفْظَ لَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَلْبَتَّةَ. [١٦/ ٥٨٣ - ٥٩٤]
١٤٢٦ - قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (١٢) ﴾ [البقرة: ١١، ١٢]. وَقَوْلُهُم: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ فُسِّرَ بِإِنْكَارِ مَا أَقَرُّوا بِهِ؛ أَيْ: إنَّا إنَّمَا نَفْعَلُ مَا أَمَرَنَا بِهِ الرَّسُولُ.
وَفُسِّرَ بِأَنَّ الَّذِي نَفْعَلُهُ صَلَاحٌ وَنَقْصدُ بِهِ الصَّلَاحَ.
وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ يُرْوَى عَن ابْنِ عَبَّاسٍ، وَكِلَاهُمَا حَقٌّ، فَإِنَّهُم يَقُولُونَ هَذَا وَهَذَا.
يَقُولُونَ الْأَوَّلَ: لِمَن لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى بَوَاطِنِهِمْ.
وَيَقُولُونَ الثَّانِيَ: لِأَنْفسِهِمْ وَلمَن اطَّلَعَ عَلَى بَوَاطِنِهِمْ.
لَكِنَ الثَّانِيَ يَتَنَاوَلُ الْأَوَّلَ؛ فَإِنَّ مِن جُمْلَةِ أَفْعَالِهِمْ إسْرَارَ خِلَافِ مَا يُظْهِرُونَ، وَهُم يَرَوْنَ هَذَا صَلَاحًا.
وَلِأَجْلِ الْقَوْلَيْنِ قِيلَ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (١٢) ﴾؛ أَيْ: لَا يَشْعُرُونَ أَنَّ مَا فَعَلُوهُ فَسَادٌ لَا صَلَاحٌ.
وَقِيلَ: لَا يَشْعُرُونَ أَنَّ اللهَ يُطْلِعُ نَبِيَّهُ عَلَى فَسَادِهِمْ.
وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ يَتَنَاوَلُ الثَّانِيَ فَهُوَ الْمُرَادُ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ لَفْظُ الْآيَةِ. [٧/ ٨٣ - ٨٤]
стр. 1176
١٤٢٧ - الضَّمِيرُ عَائِدٌ عَلَى الْمُنَافِقِينَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨) ﴾ [البقرة: ٨]، وَهَذَا مُطْلَقٌ يَتَنَاوَلُ مَن كَانَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَمَن سَيَكُونُ بَعْدَهُمْ. [٧/ ٨٣]
١٤٢٨ - قوله (١) : في قوله: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٥٠]: منقطع قد قاله أكثر الناس، ووجهه أن الظالم لا حجة له، فاستثناؤه مما ذكر قبله منقطع.
وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: ليس الاستثناء بمنقطع، بل هو متصل على بابه، وإنما أوجب لهم أن حكموا بانقطاعه حيث ظنوا أن الحجة ههنا المراد بها الحجة الصحيحة الحق.
والحجة في كلام اللّه نوعان:
أ - أحدهما: الحجة الحق الصحيحة؛ كقوله: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾ [الأنعام: ٨٣]، وقوله: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ [الأنعام: ١٤٩].
ب - ويراد بها مطلق الاحتجاج بحق أو بباطل؛ كقوله: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ٢٠].
وإذا كانت الحجة اسمًا لما يحتج به من حق وباطل (تبين) صحة استثناء حجة الظالمين من قوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ [البقرة: ١٥٠]، وهذا في غاية التحقيق.
والمعنى: أن الظالمين يحتجون عليك بالحجة الباطلة الداحضة ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾ [البقرة: ١٥٠]. [المستدرك ١/ ١٧٦ - ١٧٧]
١٤٢٩ - ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، قال ابن القيم: وقال لي شيخنا يومًا: لهذين الإسمين وهما: الحي القيوم تأثير عظيم في حياة القلب وكان يشير إلى أنهما الاسم الأعظم. [المستدرك ١/ ١٧٧] الحواشي
(١) أبو القاسم السهيلي. (الجامع).стр. 1177
١٤٣٠ - لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ آيَة وَاحِدَة تَضَمَّنَتْ مَا تَضَمَّنَتْهُ آيَةُ الْكُرْسِيِّ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ اللّهُ فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْحَدِيدِ وَآخِرِ سُورَةِ الْحَشْرِ عِدَّةُ آيَاتٍ لَا آيَةٌ وَاحِدَة. [١٧/ ١٣٠]
١٤٣١ - قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٨٤]، هَذ الْآيَةُ وَإِنْ كَانَ قَد قَالَ طَائِفٌ مِن السَّلَفِ إنَّهَا مَنْسُوخَةٌ .. فَالنَّسْخُ فِي لِسَانِ السَّلَفِ أَعَمُّ مِمَّا هُوَ فِي لِسَانِ الْمُتَأَخِّرِينَ، يُرِيدُونَ بِهِ رَفْعَ الدَّلَالَةِ مُطْلَقًا وَإِن كَانَ تَخْصِيصًا لِلْعَامّ أَو تَقْيِيدًا لِلْمُطْلَقِ وَغَيْرَ ذَلِكَ، كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ فِي عُرْفِهِمْ.
وَالْقَائِلُونَ بِنَسْخِهَا يَجْعَلُونَ النَّاسِخَ لَهَا الْآيَةَ الَّتِي بَعْدَهَا وَهِيَ قَوْلُهُ: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
وحَقِيقَةُ الْأَمْرِ أَنَّ قَوْلَهُ سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤]، لَمْ يَدُلّ عَلَى الْمُؤَاخَذَةِ بِذَلِكَ؛، بَل دَلَّ عَلَى الْمُحَاسَبَةِ بِهِ، وَلَا يَلْزَمُ مِن كَوْنِهِ يُحَاسَبُ أَنْ يُعَاقَبَ. [١٠/ ٧٦٢ - ٧٦٣]
١٤٣٢ - قَوْلُهُ: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ الْآيَةَ [البقرة: ٨١].
قَالَ مُجَاهِد: هِيَ الذُّنُوبُ تُحِيطُ بِالْقَلْبِ.
وَقَوْلُ مُجَاهِدٍ صَحِيحٌ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: "إِذَا أَذْنَبَ الْعَبْدُ نُكِتَ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ" (١) … إلَخْ وَالَّذِي يَغْشَى الْقَلْبَ يُسَمَّى: رَيْنًا وطَبْعًا وخَتْمًا وقَفْلًا وَنَحْو ذَلِكَ، فَهَذَا مَا أَصَرَّ عَلَيْهِ.
وإحَاطَةُ الْخَطيئَةِ إحْدَاقُهَا بِهِ، فَلَا يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ، وَهَذَا هُوَ الْبَسْلُ بِمَا كَسَبَتْ نَفْسُهُ (٢) ؛ أَيْ: تُحْبَسُ عَمَّا فِيهِ نَجَاتُهَا فِي الدَّارينِ؛ فَإِنَّ الْمَعَاصِيَ قَيْدٌ الحواشي
(١) رواه مسلم(١٤٤) .(٢) في قوله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ﴾.стр. 1178
وَحَبْسٌ لِصَاحِبِهَا عَن الْجَوَلَانِ فِي فَضَاءِ التَّوْحِيدِ، وَعَن جَنْي ثِمَارِ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ.
وَمِنَ الْمُنْتَسِبِينَ إلَى السُّنَّةِ مَن يَقُولُ: إنَّ صَاحِبَ الْكَبِيرَةِ يُعَذَّبُ مُطْلَقًا، وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى خِلَافِهِ، وَأَنَّ اللّهَ سُبْحَانَهُ يَزِنُ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ، وَعَلَى هَذَا دَلَّ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، وَهُوَ مَعْنَى الْوَزْنِ.
لَكِنَّ تَفْسِيرَ السَّيِّئَةِ بِالشِّرْكِ هُوَ الْأَظْهَرُ؛ لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ غَايَرَ بَيْنَ الْمَكْسُوبِ وَالْمُحِيطِ، فَلَو كَانَ وَاحِدًا لَمْ يُغَايِرْ، وَالْمُشْرِكُ لَهُ خَطَايَا غَيْرُ الشِّرْكِ أَحَاطَتْ بِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَتبْ مِنْهَا. [١٤/ ٤٨ - ٤٩]
١٤٣٣ - قَوْلُهُ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) ﴾ [البقرة: ٦٢]، وَصَفَ سُبْحَانَهُ أَهْلَ السَّعَادَةِ مِن الْأَوَّلينَ والآخرين، وَهُوَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ وَيُعْرَفُ بِهِ مَعْنَاهُ مِن غَيْرِ تَنَاقُضٍ، وَمُنَاسِبَةٍ لِمَا قَبْلهَا وَلمَا بَعْدَهَا، وَهُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ السَّلَفِ.
وَظَنَّ بَعْضُ النَّاسِ: أَنَّ الْآيَةَ فِيمَن بُعِثَ إلَيْهِم مُحَمَّدٌ ﷺ خَاصَّةً، فَغَلِطُوا ثُمَّ افْتَرَقُوا عَلَى أَقْوَالٍ مُتَنَاقِضَةٍ. [١٤/ ٦٨ - ٦٩]
١٤٣٤ - قَسَّمَ اللّهُ مَن ذَمَّهُ مِن أَهْل الْكِتَابِ إلَى مُحَرِّفِينَ وَأُمِّيِّينَ حَيْث يَقُولُ: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٧٦) أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٧) وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٧٨) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩) ﴾ [البقرة: ٧٥ - ٧٩]. وَفِي هَذَا عِبْرَةٌ لِمَن رَكِبَ سَنَنَهُم مِن
стр. 1179
أُمَّتِنَا؛ فَإِنَّ الْمُنْحَرِفِينَ فِي نُصُوصِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ كَالصِّفَاتِ وَنَحْوِهَا مِن الْأَخْبَارِ وَالأَوَامِر:
أ - قَوْمٌ يُحَرِّفُونَهُ إِمَّا لَفْظًا وَإِمَّا مَعْنى، وَهُم النَّافُونَ لِمَا أَثْبَتَهُ الرَّسُولُ ﷺ جُحُودًا وَتَعْطِيلًا، وَيَدَّعُونَ أَنَّ هَذَا مُوجَبُ الْعَقْلِ الصَّرِيحِ الْقَاضِي عَلَى السَّمْعِ.
ب - وقَوْمٌ لَا يَزِيدُونَ عَلَى تِلَاوَةِ النُّصُوصِ، لَا يَفْقَهُونَ مَعْنَاهَا .. فَهُم ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾؛ أَيْ: تِلَاوَةً ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾.
ج - ثُمَّ يُصَنِّفُ أَقْوَامٌ عُلُومًا يَقُولُونَ: إنَّهَا دِينِيَّةٌ، وَأَنَّ النُّصُوصَ دَلَّتْ عَلَيْهَا وَالْعَقْلَ وَهِيَ دِينُ اللّهِ؛ مَعَ مُخَالَفَتِهَا لِكِتَابِ اللّهِ، فَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَكْتبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هُوَ مِن عِنْدِ اللّهِ بِوَجْهٍ مِن الْوُجُوهِ.
فَتَدَبَّرْ كَيْفَ اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ عَلَى الْأَصْنَافِ الثَّلَاثَةِ.
وَقَوْلُهُ فِي صِفَةِ أُولَئِكَ: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ حَالُ مَن يَكْتُمُ النُّصُوصَ الَّتِي يَحْتَجُّ بِهَا مُنَازِعُهُ، حَتَّى إنَّ مِنْهُم مَن يَمْنَعُ مِن رِوَايَةِ الْأَحَادِيثِ الْمَأْثُورَةِ عَن الرَّسُولِ ﷺ ، وَلَو أَمْكَنَهُم كِتْمَانُ الْقُرْآنِ لَكَتَمُوهُ، لَكِنَّهُم يَكْتُمُونَ مِنْهُ وُجُوهَ دَلَالَتِهِ مِن الْعُلُومِ الْمُسْتَنْبَطَةِ مِنْهُ، وَيُعَوِّضُونَ النَّاسَ عَن ذَلِكَ بِمَا يَكْتبونَهُ بِأَيْدِيهِمْ، وَيُضِيفُونَهُ إلَى أَنَّهُ مِن عِنْدِ اللّهِ. [١٤/ ٧٠ - ٧١]
١٤٣٥ - فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ الْآيَةَ [البقرة:
١٧٨]، قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْقِصَاصَ فِي الْقَتْلَى يَكُونُ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ الْمُقْتَتِلَتَيْن قِتَالَ عَصَبِيَّةٍ وَجَاهِلِيَّةٍ؛ فَيُقْتَلُ مِن هَؤُلَاءِ وَمِن هَؤلَاءِ، أَحْرَارٌ وَعَبِيدٌ وَنِسَاءٌ، فَأَمَرَ اللهُ تَعَالَى بِالْعَدْلِ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ، بِأَنْ يُقَاصَّ دِيَةُ حُرٍّ بِدِيَةِ حُرٍّ، وَدِيَةُ امْرَأَةٍ بِدِيَةِ امْرَأَةٍ، وَعَبْدٍ بِعَبْدٍ، فَإِنْ فَضَلَ لِإِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ شَيْءٌ بَعْدَ الْمُقَاصَّةِ فَلْتَتْبَعِ الْأُخْرَى بِمَعْرُوفِ، وَلْتؤَدِّ الْأُخْرَى إلَيْهَا بِإِحْسَانٍ، وَهَذَا قَوْلُ الشَّعْبِيِّ وَغَيْرِهِ.
الْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْقِصَاصَ هُوَ الْقَوَدُ، وَهُوَ أَخْذُ الدِّيَةِ بَدَلَ الْقَتْلِ.
стр. 1180
وَالْمُرَادُ عَلَى هَذَا الْقَوْل أَنْ يُقْتَلَ الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى.
وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ وَقَد ذَكَرَ ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ (١) .
وَيَحْتَجُّ بِهَا طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد عَلَى أَنَّ الْحُرَّ لَا يُقْتَلُ بِالْعَبْدِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ [البقرة: ١٧٨] فَيَنْقُض ذَلِكَ عَلَيْهِ بِالْمَرْأَةِ فَإِنَّهُ قَالَ: ﴿وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ [البقرة: ١٧٨]، وَطَائِفَةٌ مِن الْمُفَسِّرِينَ لَمْ يَذْكُرُوا إلَّا هَذَا الْقَوْلَ (٢) .
وعَلَى هَذَا الْقَوْلِ: فَإِنَّهُ إذَا جُعِلَ ظَاهِرُ الْآيَةِ لَزِمَتْهُ إشْكَالَاتٌ؛ لَكِنَّ الْمَعْنَى الثَّانِي هُوَ مَدْلُولُ الْآيَةِ وَمُقْتَضَاهُ وَلَا إشْكَالَ عَلَيْهِ؛ [بِخِلَافِ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ يُسْتَفَادُ مِن دَلَالَةِ الْآيَةِ، (٣) ، كَمَا سَنُنَبِّهُ عَلَيْهِ إنْ شَاءَ اللّهُ تَعَالَى، وَمَا ذَكَرْنَاهُ يَظْهَرُ مِن وُجُوهٍ: الحواشي
(١) ذكر هذين القولين ابن جرير الطبري ﵀ حيث قال: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.
فقال بعضهم: تأويله: فمن تُرك له من القتل ظلمًا، من الواجب كان لأخيه عليه من القصَاص -وهو الشيء الذي قال الله: "فمن عُفي له من أخيه شيء"- فاتباعٌ من العافي للقاتل بالواجب له قبَله من الدية، وأداءٌ من المعفوِّ عنه ذلك إليه بإحسان.
وقال آخرون معنى قوله: "فمن عُفي"، فمن فَضَل له فضل، وبقيتْ له بقية. وقالوا: معنى قوله: "من أخيه شيء": من دية أخيه شيء، أو من أرْش جراحته، فاتباع منه القاتلَ أو الجارحَ الذي بَقي ذلك قبله بمعروف، وأداء من القاتل أو الجارح إليه ما بقي قبله له من ذلك بإحسان.
وهذا قول من زعم أن الآية نزلت - أعني: قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ - في الذين تحاربوا على عهد رسول الله ﷺ ، فأمِر رسول الله ﷺ أن يُصلح بينهم، فيقاصَّ ديات بعضهم من بعض، ويُردّ بعضُهم على بعض بفضل إن بَقي لهم قبل الآخرين.
وأحسب أن قائلي هذا القول وَجَّهوا تأويل "العفو" -في هذا الموضع- إلى: الكثرة من قول الله تعالى ذكره: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾ [الأعراف: ٩٥]، فكانّ معنى الكلام عندهم: فمن كثر له قِبَل أخيه القاتل. تفسير الطبري (٣/ ٣٦٦ - ٣٧٠).(٢) في الأصل خطأ يُخلّ بالمعنى إخلالًا كبيرًا، وهو أنّه جعل القول الأول هو القول الثاني والعكس، ولم أر أحدًا نبَّه على هذا.(٣) الذي يظهر لي أنّ هذه العبارة مقحمة، ولا معنى لها. والله أعلم.стр. 1181
أَحَدُهَا: أَنَّهُ قَالَ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ والْقِصَاصُ: مَصْدَرُ قَاصَّهُ يُقَاصُّة مُقَاصَّةً وَقِصَاصًا، وَمِنْهُ مُقَاصَّةُ الدَّيْنَيْنِ أَحَدُهُمَا بِالْآخِرِ، وَالْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى إنَّمَا يَكُونُ إذَا كَانَ الْجَمِيعُ قَتْلَى كَمَا ذَكَرَ الشَّعْبِيُّ فَيُقَاصُّ هَؤُلَاءِ الْقَتْلَى بِهَؤلَاءِ الْقَتْلَى، أَمَّا إذَا قَتَلَ رَجُلٌ رَجُلًا فَالْمَقْتُولُ مَيِّتٌ، فَهُنَا الْمَقْتُولُ لَا مُقَاصَّةَ فِيهِ، وَلَكِنَّ الْقِصَاصَ أَنْ يُمَكَّنَ مِن قَتْلِ الْقَاتِلِ لَا غَيْرِهِ.
وأَيْضًا: فَنَفْسُ انْقِيَادِ الْقَاتِلِ لِلْوَلِيِّ لَيْسَ هُوَ قِصَاصًا؛ بَل الْوَلِيُّ لَهُ أَنْ يَقْتَصَّ، وَلَهُ أَنْ لَا يَقْتَصَّ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ هَذَا قَوْدًا لِأَنَّ الْوَلِيَّ يَقُودُهُ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ تَسْلِيمِ السِّلْعَةِ إلَى الْمُشْتَرِي.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ قَالَ: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة: ١٧٨]، لَفْظُ (عُفِيَ) هُنَا قَد اُسْتُعْمِلَ مُتَعَدِّيًا؛ فَإِنَّهُ قَالَ: (عُفِيَ) (شَيْءٌ) وَلَمْ يَقُلْ: (عَفَا) (شَيْئًا) وَهَذَا إنَّمَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْفِعْلِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة ة ٢١٩]، وَأَمَّا الْعَفْوُ عَن الْقَتْلِ فَذَاكَ يُقَالُ فِيهِ: عَفَوْت عَن الْقَاتِلِ، فَوَلِيُّ الْمَقْتُولِ بَيْنَ خِيرَتَيْنِ: بَيْنَ أَنْ يَعْفُوَ عَن الْقَتْلِ وَيَأْخُذَ الدِّيَةَ، فَلَمْ يُعْفَ لَهُ شَيْءٌ؛ بَل هُوَ عَفَا عَن الْقَتْلِ.
وَقَد قَالَ بَعْضُهُمْ: ﴿مِنْ أَخِيهِ﴾ [البقرة: ١٧٨]؛ أَيْ: مِن دَمِ أَخِيهِ؛ أَيْ: تَرَكَ لَهُ الْقَتْلَ وَرَضِيَ بِالدِّيَةِ؛ وَالْمُرَادُ الْقَاتِلُ؛ يَعْنِي: أَنَّ الْقَاتِلَ عُفِيَ لَهُ مِن دَمِ أَخِيهِ الْمَقْتُولِ؛ أَيْ: تَرَكَ لَهُ الْقَتْلَ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: أَنَّ الْوَلِيَّ عَفَا لِلْقَاتِلِ مِن دَمِ الْمَقْتُولِ شَيْئًا، وَهَذَا كَلَامٌ لَا يُعْرَفُ، لَا يُقَالُ: عَفَوْت لَك شَيْئًا، وَلَا يُقَالُ: عَفَوْت مِن دَمِ الْقَاتِلِ، وَإِنَّمَا الَّذِي يُقَالُ: إنَّهُ عَفَا عَن الْقَاتِلِ، فَأيْنَ هَذَا مِن هَذَا؟
وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ (١) ، فَالْمُتَقَاصَّانِ إذَا تَعَادَّا الْقَتْلَى فَمَن غفِيَ لَهُ؛ الحواشي
(١) أي: أَنَ الْقِصَاصَ فِي الْقَتْلَى يَكُونُ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ الْمُقْتَتِلَتَيْن قِتَالَ عَصَبِيَّةٍ وَجَاهِلِيَّةٍ.
وهذا يُؤكد ما ذكرتُه أنّ ما جاء في القول الثاني صوابه أن يكون هو القول الأول كما أثبتُه.стр. 1182
أَيْ: فَضَلَ لَهُ مِن مُقَاصَّةِ أَخِيهِ مُقَاصَّةٌ أُخْرَى؛ أَيْ: هَذَا الَّذِي فَضَلَ لَهُ فَضْلٌ، ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ١٧٨] فَهَذَا الْمُسْتَحِقّ لِلْفَضْلِ يَتَّبع الْمُقَاصَّ الْآخَرَ بِالْمَعْرُوفِ، وَذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى هَذَا بِإِحْسَانٍ ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٧٨]؛ أَيْ: مِن أَنَّ كُلَّ طَائِفَةٍ تُودِي (١) قَتْلَى الْأُخْرَى، فَإِنَّ فِي هَذَا تَثْقِيلًا عَظِيمًا لَهُ، ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩]، فَإِنَّهُم إذَا تَعَادُّوا الْقَتْلَى وَتَقَاصُّوا وَتَعَادَلُوا لَمْ يَبْقَ وَاحِدَةٌ تَطْلُبُ الْأُخْرَى بِشَيْءٍ، فَحَيِيَ هَؤُلَاءِ وَحَيِيَ هَؤُلَاءِ، بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَتَقَاصُّوا، فَإِنَّهُم يَتَقَاتَلُونَ وَتَقُومُ بَيْنَهُم الْفِتَنُ الَّتِي يَمُوت فِيهَا خَلَائِقُ كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ فِي فِتَنِ الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ، إنَّمَا تَقَعُ الْفِتَنُ لِعَدَمِ الْمُعَادَلَةِ وَالتَّنَاصُفِ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ، وَإِلَّا فَمَعَ التَّعَادُلِ وَالتَّنَاصُفِ الَّذِي يَرْضَا بِهِ أُولُو الْأَلْبَابِ لَا تَبْقَى فِتْنَةٌ.
وَقَوْلُ مَن قَالَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ مَعْنَاهُ: أَنَّ الْقَاتِلَ إذَا عَرَفَ أَنَّهُ يُقْتَلُ كَفَّ، فَكَانَ فِي ذَلِكَ حَيَاةٌ لَهُ وَللْمَقْتُولِ.
يُقَالُ لَهُ: هَذَا مَعْنًى صَحِيحٌ؛ وَلَكِنَّ هَذَا مِمَّا يَعْرِفُهُ جَمِيعُ النَّاسِ، وَهُوَ مَغْرُوزٌ فِي جِبِلَّتِهِمْ.
وَإِذَا كَانَ هَذَا الْمَعْنَى مِن أَوَائِلِ مَا يَعْرِفُهُ الْآدَمِيّونَ وَيَعْلَمُونَ أَنَّهُم لَا يَعِيشُونَ بِدُونِهِ صَارَ هَذَا مِثْلُ حَاجَتِهِمْ إلَى الطَّعَامِ وَالشَّرَاب وَالسُّكْنَى؛ فَالْقُرْآنُ أَجَلُّ مِن أَنْ يَكُونَ مَقْصُودُهُ التَّعْرِيفَ بِهَذِهِ الْأُمُورِ الْبَدِيهِيَّةِ (٢) ؛ بَل هَذَا مِمَّا يَدْخُلُ فِي مَعْنَاهُ، وَهُوَ أَنَّهُ إذَا كَتَبَ عَلَيْهِم الْقِصَاصَ فِي الْمَقْتُولِينَ أَنَّهُ يَسْقُطُ حُرٌّ بِحُرٍّ الحواشي
(١) أي: يفدي.
تنبيه: في الأصل: (تُؤَدِّي)، ولعل المثبت هو الصواب؛ والمعنى يقتضيه.(٢) فيه استخدام هذه الكلمة، خلافًا لمن منعها، وصوّب: بدهيّ، ومثله: طبيعي، فقد استخدمها الشيخ وغيرُه.
وفيه أن القرآن يُنزّه عن أنْ يقرر الأمور البديهية التي لا نفع من معرفتها، وكثيرًا ما يغلط بعض الناس في تنزيل معنى آية على ما هو معلوم بديهةً، مثل من يقول: معنى قوله تعالى: ﴿النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ نسبة إلى أم القرى، ولا فائدة من هذه النسبة للنبي.стр. 1183
وَعَبْدٌ بِعَبْدٍ وَأُنْثَى بأُنْثَى، فَجَعَلَ دِيَةَ هَذَا كَدِيَةِ هَذَا، وَدَمَ هَذَا كَدَمِ هَذَا، مُتَضَمِّنٌ لِمُسَاوَاتِهِمْ فِي الدِّمَاءِ وَالدِّيَاتِ، وَكَانَ بِهَذِهِ الْمُقَاصَّةِ لَهُم حَيَاةٌ مِن الْفِتَنِ الَّتِي تُوجِبُ هَلَاكَهُم كَمَا هُوَ مَعْرْوفٌ.
وَأَمَّا قَتْلُ الْحُرِّ بِالْعَبْدِ وَالذَّكَرِ بِالْأُنْثَى فَالْآيَةُ لَمْ تَتَعَرَّضْ لَهُ لَا بِنَفْيٍ وَلَا إثْبَاتٍ، وَلَا لَهَا مَفْهُومٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ، لَا مَفْهُومَ مُوَافَقَةٍ وَلَا مُخَالَفَةٍ؛ فَإِنَّهُ إذَا كَانَ فِي الْمُقَاصَّةِ يُقَاسُ الْحرُّ بِالْحُرِّ، وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ، وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى، لِتَسَاوِي الدِّيَاتِ: دَلَّ ذَلِكَ عَلَى قَتْلِ النَّظِيرِ بِالنَّظِيرِ، وَالْأدْنَى بِالْأَعْلَى.
يَبْقَى قَتْل الْأَعْلَى الْكَثِيرِ الدِّيَةِ بِالْأَدْنَى الْقَلِيلِ الدِّيَةِ، لَيْسَ فِي الْآيَةِ تَعَرُّضٌ لَهُ، فَإِنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ بِهَا ابْتِدَاءَ الْقَوَدِ، وَإِنَّمَا قَصَدَ الْمُقَاصَّةَ فِي الْقَتْلَى لِتَسَاوِي دِيَاتِهِمْ.
وَدَلَّت الْآيَةُ عَلَى أَنَّ الْقَتْلَى يُؤْخَذُ لَهُم دِيَات، فَدَلَّ عَلَى ثُبُوتِ الدّيَةِ عَلَى الْقَاتِلِ، وَأَنَّهَا مُخْتَلِفَةٌ بِاخْتِلَافِ الْمَقْتُولِينَ، وَهَذَا مِمَّا مَنَّ اللَّه بِهِ عَلَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ حَيْثُ أَثْبَتَ الْقِصَاصَ وَالدِّيَةَ.
وَأمَّا كَوْنُ الْعَفْوِ هُوَ قَبُولُ الدِّيَةِ فِي الْعَمْدِ، وَأَنَّهُ يَسْتَحِقُّهَا الْعَافِي بِمُجَرَّدِ عَفْوِهِ فَالْآيَةُ لَمْ تتعَرَّضْ لِهَذَا.
وَدَلَّتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ الطَّوَائِفَ الْمُمْتَنِعَةَ تضَمِّنُ كُل مِنْهُمَا مَا أَتْلَفَتْهُ الْأُخْرَى مِن دَمٍ وَمَالٍ بِطَرِيقِ الظُّلْمِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿مِنْ أَخِيهِ﴾ [البقرة: ١٧٨]، بِخِلَافِ مَا أَتْلَفَهُ الْمُسْلِمُونَ لِلْكُفَّارِ وَالْكفَّارُ لِلْمُسْلِمِينَ.
وَأَمَّا الْقِتَالُ بِتَأوِيلٍ كَقِتَالِ أَهْلِ الْجَمَلِ وصفين، فَلَا ضَمَانَ فِيهِ أَيْضًا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى عِنْدَ الْجُمْهُورِ؛ فَإِنَّهُ إذَا كَانَ الْكُفَارُ الْمُتَأَوِّلُونَ لَا يَضْمَنُونَ فَالْمُسْلِمُونَ الْمُتَأَوّلُونَ أَوْلَى أَنْ لَا يَضْمَنُوا.
وَدَلَّت الْآيَةُ عَلَى أَنَّ هَذَا الضَّمَانَ عَلَى مَجْمُوعِ الطَّائِفَةِ يَسْتَوِي فِيهِ الرِّدْءُ وَالْمُبَاشِرُ، لَا يُقَالُ: اُنْظُرُوا مَن قَتَلَ صَاحِبَكُمْ هَذَا فَطَالِبُوهُ بِدِيَتِهِ، بَل يُقَالُ: دِيَتُهُ
стр. 1184
عَلَيْكُمْ كُلُّكُمْ، فَإِنَّكُمْ جَمِيعًا قَتَلْتُمُوهُ؛ لِأَنَّ الْمُبَاشِرَ إنَّمَا تَمَكَّنَ بِمُعَاوَنَةِ الرَّدْءِ لَهُ.
وَلَيْسَ فِي الْعَبْدِ نُصُوصٌ صَرِيحَةٌ صَحِيحَة كَمَا فِي الذِّمِّي؛ بَل مَا رُوِيَ "من قتل عبده قتلناه به" (١) وَهَذَا لِأَنَّهُ إذَا قَتَلَهُ ظَالِمًا كَانَ الْإِمَامُ وَليَّ دَمِهِ؛ لِأَنَّ الْقَاتِلَ كَمَا لَا يَرِثُ الْمَقْتُولَ إذَا كَانَ حُرًّا، فَكَذَلِكَ لَا يَكُونُ وَليَّ دَمِهِ إذَا كَانَ عَبْدًا؛ بَل هَذَا أوْلَى، كَيْفَ يَكُونُ وَليَّ دَمِهِ وَهُوَ الْقَاتِلُ؟ بَل لَا يَكُونُ وَليَّ دَمِهِ؛ بَل وَرَثَةُ الْقَاتِلِ السَّيِّدُ؛ لِأَنَّهُم وَرَثَتُهُ وَهُوَ بِالْحَيَاةِ، وَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ وِلَايَة حَتَّى تَنْتَقِلَ إلَيْهِمْ، فَيَكُونُ وَليَّهُ الْإِمَامُ، وَحِينَئِذٍ فَلِلْإِمَامِ قَتْلُهُ، فَكُلُّ مَن قَتَلَ عَبْدَهُ كَانَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْتُلَهُ. [١٤/ ٧٣ - ٨٧]
١٤٣٦ - قَوْله تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٧] مِن بَابِ بَدَلِ الاِشْتِمَالِ (٢) وَالسُّؤَالُ إنَّمَا وَقَعَ عَن الْقِتَالِ فِيهِ، فَلِمَ قُدِّمَ الشَّهْرُ وَقَد قُلْتُمْ: إنَّهُم يُقَدّمُونَ مَا بَيَانُهُ أَهَمُّ وَهُم بِهِ أَعْنَى؟
قِيلَ: السُّؤَالُ لَمْ يَقَعْ مِنْهُم إلَّا بَعْدَ وُقُوعِ الْقِتَالِ فِي الشَّهْرِ، وَتَشْنِيعِ أَعْدَائِهِمْ عَلَيْهِم انْتِهَاكَهُ وَانْتِهَاكَ حُرْمَتِهِ، وَكَانَ اهْتِمَامُهُم بِالشَّهْرِ فَوْقَ اهْتِمَامِهِمْ بِالْقِتَالِ؛ فَالسُّؤَالُ إنَّمَا وَقَعَ مِن أَجْلِ حُرْمَةِ الشَهْرِ؛ فَلِذَلِكَ قُدّمَ فِي الذِّكْرِ، وَكَانَ تَقْدِيمُهُ مُطَابِقًا لِمَا ذَكَرْنَا مِن الْقَاعِدَةِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَمَا الْفَائِدَةُ فِي إعَادَةِ ذِكْرِ الْقِتَالِ بِلَفْظِ الظَّاهِرِ وَهَلَّا اكْتَفَى بِضَمِيرِهِ فَقَالَ: هُوَ كَبِيرٌ؟ الحواشي
(١) رواه الترمذي(١٤١٤) ، وأبو داود(٤٥١٥) ، وضعَّفه الألباني.(٢) بدل اشتمال: هو أَن يكون المبدل منه مشتملًا على البدل، مثل أعجبني أخوك فهمُه.
وللتوضيح: إذا قلت: أعجبني الكتاب، جاز للسامع أن ينسب الإعجاب إلى محتواه أو شكله، أو لونه أو جودة طباعته؛ لأن الإعجاب يحتمل هذه المعاني مفردة ومجتمعة، وبشتمل عليها ضمنًا.
فإذا قلت: أعجبني الكتاب علمُه: تعين معنى واحد من تلك المعاني التي يتضمنها العامل (أعجب).стр. 1185
قِيلَ: فِي إعَادَتِهِ بِلَفْظِ الظَاهِرِ بَلَاغَةٌ بَدِيعَةٌ، وَهُوَ تَعْلِيقُ الْحُكْمِ الْخَبَرِيِّ بِاسْمِ الْقِتَال فِيهِ عُمُومًا، وَلَو أَتَى بِالْمُضْمَرِ فَقَالَ: هُوَ كَبِيرٌ لَتُوِهِّمَ اخْتِصَاصُ الْحُكْمِ بِذَلِكَ الْقِتَالِ الْمَسْؤُولِ عَنْهُ وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا هُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ قِتَالٍ وَقَعَ فِي شَهْرٍ حَرَامٍ.
وَقَرِيبٌ مِن هَذَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (١٧٠) ﴾ [الأعراف: ١٧٥]، وَلَمْ يَقُلْ: ﴿أَجْرَهُمْ﴾ [النحل: ٩٦] تَعْلِيقًا لِهَذَا الْحُكْمِ بِالْوَصْفِ، وَهُوَ كَوْنُهُم مُصْلِحِينَ، وَلَيْسَ فِي الضَّمِيرِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْوَصْفِ الْمَذْكُورِ.
وَقَرِيبٌ مِنْهُ -وَهُوَ أَلْطَفُ مَعْنَى- قَوْله تَعَالَى: [البقرة: ٢٢٢]، وَلَمْ يَقُلْ: ﴿فِيهِ﴾ [البقرة: ٢٤٨] تَعْلِيقًا بِحُكْمِ الاِعْتِزَالِ بِنَفْسِ الْحَيْضِ، وَأَنَّهُ هُوَ سَبَبُ الاِعْتِزَالِ (١) . [١٤/ ٨٨ - ٩٠]
١٤٣٧ - قال تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٦٥) ﴾ [البقرة: ٢٦٥].
قَوْلُهُ: ﴿مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٤]؛ أَيْ: لَيْسَ الْمُقَوِّي لَهُ (٢) مِن خَارجٍ؛ كَالَّذِي يَثْبُتُ وَقْتَ الْحَرْبِ لِإِمْسَاكِ أَصْحَابِهِ لَهُ، وَهَذَا كقَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (٣٧) ﴾ [الشورى: ٣٧] بَل تَثَبُّتُهُ وَمَغْفِرَتُهُ مِن جِهَةِ نَفْسِهِ (٣) . [١٤/ ٩٥]
١٤٣٨ - فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤) ﴾ [البقرة: ٢٨٤]، الحواشي
(١) فمتى وُجد الحيض وجب اعتزال النساء في الجماع، وحرم عليهن الصلاة والصيام، ولم يُقيد ذلك بزمن، ومتى فُقد الحيض جاز الجماع، ووجبت الصلاة والصوم.
والحيض يُخرج الاستحاضة والدم الفاسد، فهذا الدم لا اعتبار له.(٢) على الإنفاق والصدقة والبذل والكرم.(٣) أي: من إيمانه وقناعته وحبه للبذل وتفريج الكرب.стр. 1186
قَد ثَبَتَ فِي "صَحِيحِ مُسْلِمٍ" (١) عَن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: لَمَّا أَنْزَلَ اللهُ: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] اشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ النَّبيِّ ﷺ ، فَأَتَوْا رَسُولَ اللّهِ ﷺ ثُمَّ بَرَكُوا عَلَى الرُّكَبِ، وَقَالُوا: أَيْ رَسُولَ اللّهِ، كُلِّفْنَا مِن الْعَمَلِ مَا نُطِيقُ: الصَّلَاةَ وَالصِّيَامَ وَالْجِهَادَ وَالصَّدَقَةَ؛ وَقَد نَزَلَتْ عَلَيْك هَذِهِ الْآيَةُ وَلَا نُطِيقهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ ﷺ : "أَتُرِيدُونَ أَنْ تَقُولُوا كَمَا قَالَ أَهْلُ الْكِتَابَيْنِ مِن قَبْلِكمْ: سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا؟ قُولُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَك رَبَّنَا وَإِلَيْك الْمَصِيرُ"، فَلَمَّا قَرَأَهَا الْقَوْمُ وَذَلَّتْ بِهَا أَلْسِنَتُهُم أَنْزَلَ اللهُ فِي أَثَرِهَا: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥) ﴾ [البقرة: ٢٨٥] فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ نَسَخَهَا اللّهُ فَأَنْزَلَ اللّهُ: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، قَالَ: نَعَمْ ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] قَالَ: نَعَمْ ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٦، قَالَ: نَعَمْ. ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٨٦] قَالَ: نَعَمْ".
وَلهَذَا قَالَ كَثِيرٌ مِن السَّلَفِ وَالْخَلَفِ: إنَّهَا مَنْسُوخَة بِقَوْلِهِ: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾.
وَنُقِلَ عَن آخَرِينَ أَنَّهَا لَيْسَتْ مَنْسُوخَةً، بَل هِيَ ثَابِتَةٌ فِي الْمُحَاسَبَةِ عَلَى الْعُمُومِ فَيَأْخُذُ مَن يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ.
وفَصْلُ الْخِطَابِ: أَنَّ لَفْظَ "النَّسْخِ" مُجْمَلٌ، فَالسَّلَفُ كَانُوا يَسْتَعْمِلُونَهُ فِيمَا يُظَنُّ دَلَالَةُ الْآيَةِ عَلَيْهِ مِن عُمُومٍ، أَو إطْلَاقٍ، أَو غَيْرِ ذَلِكَ، كَمَا قَالَ مَن قَالَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢]، ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ
стр. 1187
جِهَادِهِ﴾ [الحج: ٧٨] نُسِخَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وَلَيْسَ بَيْنَ الْآيَتَيْنِ تَنَاقُضٌ، لَكِنْ قَد يَفْهَمُ بَعْضَ النَّاسِ مِن قَوْلِهِ: ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ و ﴿حَقَّ جِهَادِهِ﴾ الْأمْرَ بِمَا لَا يَسْتَطِيعُهُ الْعَبْدُ، فَيَنْسَخُ مَا فَهِمَهُ هَذَا، كَمَا يَنْسَخُ اللّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ وَيُحْكِمُ اللّهُ آيَاتِهِ، وَإِن لَمْ يَكُن نسْخُ ذَلِكَ نَسْخَ مَا أَنْزَلَهُ، بَل نَسْخُ مَا أَلْقَاهُ الشَّيْطَانُ: إمَّا مِن الْأَنْفُسِ، أَو مِن الْأَسْمَاعِ، أَو مِن اللِّسَانِ.
وَكَذَلِكَ يَنْسَخُ اللّهُ مَا يَقَعُ فِي النُّفُوسِ مِن فَهْمِ مَعْنًى، وَإِن كَانَت الْآيَةُ لَمْ تَدُلَّ عَلَيْهِ لَكِنَّهُ مُحْتَمَلٌ، وَهَذِهِ الْآيَةُ مِن هَذَا الْبَابِ؛ فَإِنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ الْآيَةَ [البقرة: ٢٨٤]، إنَّمَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللّهَ يُحَاسِبُ بِمَا فِي النُّفُوسِ لَا عَلَى أَنَّهُ يُعَاقِبُ عَلَى كُلِّ مَا فِي النُّفوسِ، وَقَوْلَهُ: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] يَقْتَضِي أَنَّ الْأمْرَ إلَيْهِ فِي الْمَغْفِرَةِ وَالْعَذَابِ لَا إلَى غَيْرِهِ. وَلَا يَقْتَضِي أَنَّهُ يَغْفِرُ وَيُعَذِّبُ بِلَا حِكْمَةٍ وَلَا عَدْلٍ.
قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾؛ أَيْ: لَا تُحَمِّلْنَا مَا يَثْقُلُ عَلَيْنَا أَدَاؤُهُ، وَإِن كُنَّا مُطِيقِينَ لَهُ عَلَى تَجَشُّمٍ وَتَحَمُّلِ مَكْرُوهٍ.
قَالَ: فَخَاطَبَ الْعَرَبَ عَلَى حَسَب مَا تَعْقِلُ؛ فَإِنَّ الرَّجُلَ مِنْهُم يَقُولُ لِلرَّجُلِ: مَا أُطِيقُ النَّظَرَ إلَيْك وَهُوَ مُطِيقٌ لِذَلِكَ؛ لَكِنَّهُ ثَقِيلٌ عَلَيْهِ النَّظَرُ إلَيْهِ، قَالَ: وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾ [هود: ٢٠].
قُلْت لَيْسَتْ هَذِهِ لُغَةُ الْعَرَبِ وَحْدَهُمْ؛ بَل هَذَا مِمَّا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْعُقَلَاءُ.
والاِسْتِطَاعَةُ فِي الشَّرْعِ: هِيَ مَا لَا يَحْصُلُ مَعَهُ لِلْمُكَلَّفِ ضَرَرٌ رَاجِحٌ كَاسْتِطَاعَةِ الصِّيَامِ وَالْقِيَامِ، فَمَتَى كَانَ يَزِيدُ فِي الْمَرَضِ أَو يُؤَخّرُ الْبُرْءَ لَمْ يَكُن مُسْتَطِيعًا؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ مَضَرَّةً رَاجِحَةً؛ بِخِلَافِ هَؤُلَاءِ فَإِنَّهُم كَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ، لِبُغْضِ الْحَقِّ وَثقَلِهِ عَلَيْهِمْ: إمَّا حَسَدًا لِقَائِلِهِ، وَإِمَّا اتّبَاعًا لِلْهَوَى وَرَيْنِ الْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي عَلَى الْقُلُوبِ، وَلَيْسَ هَذَا عُذْرًا، فَلَو لَمْ يَأْمُرِ الْعِبَادَ إلَّا بِمَا يَهْوُونَهُ لَفَسَدَت السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ.
стр. 1188
وَالْوُسْعُ: فِعْلٌ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ؛ أَيْ: مَا يَسَعُهُ، لَا يُكَلِّفُهَا مَا تضِيقُ عَنْهُ فَلَا تَسَعُهُ، وَهُوَ الْمَقْدُورُ عَلَيْهِ الْمُسْتَطَاعُ.
١٤٣٩ - قَالَ اللّه تَعَالَى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] تَأمَّلْ قَوْلَهُ : ﴿وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] كَيْفَ تَجِدُ تَحْتَهُ أَنَّهُم فِي سَعَةٍ وَمِنْحَةٍ مِن تَكَالِيفِهِ، لَا فِي ضِيقٍ وَحَرَجٍ وَمَشَقَّةٍ، فَإِنَّ الْوُسْعَ يَقْتَضِي ذَلِكَ فَاقْتَضَتْ الْآيَةُ أَنَّ مَا كَلَّفَهُم بِهِ مَقْدُورٌ لَهُم مِن غَيْرِ عُسْرٍ لَهُم وَلَا ضِيقٍ وَلَا حَرِجٍ. [١٤/ ١٣٨]
١٤٤٠ - فصل: فِي الدُّعَاءِ الْمَذْكُورِ فِي آخِرِ (سُورَةِ الْبَقَرَةِ) وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ إلَى آخِرِهَا، قَد ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: "أَنَّهُ قَالَ: قَد فَعَلْت".
قَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إذَا كَانَ هَذَا الدُّعَاءُ قَد أُجِيبَ فَطَلَبُ مَا فِيهِ مِن بَابِ تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ وَهَذَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ، فَيَكُونُ هَذَا الدُّعَاءُ عِبَادَة مَحْضَةً لَيْسَ الْمَقْصُودُ بِهِ السُّؤَالَ.
وَقَد بَسَطْنَا الْكَلَامَ عَلَى هَؤُلَاءِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ .. وَذَكَرْنَا أَنَّ الْقَوْلَ الثَّالِثَ هُوَ الصَّوَابُ، وَهُوَ أَنَّ الدُّعَاءَ وَالتَّوَكُّلَ وَالْعَمَلَ الصَّالِحَ سَبَبٌ فِي حُصُولِ الْمَدْعُوِّ بِهِ مِن خَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَالْمَعَاصِي سَبَبٌ، وَأَنَّ الْحُكْمَ الْمُعَلَّقَ بِالسَّبَبِ قَد يَحْتَاجُ إلَى وُجُودِ الشَّرْطِ وَانْتِفَاءِ الْمَوَانِعِ، فَإِذَا حَصَلَ ذَلِكَ حَصَلَ الْمُسَبَّب بِلَا رَيْبٍ.
وَقَد أُجِيبَ بِجَوَابٍ آخَرَ: وَهُوَ أَنَّ اللّهَ تَعَالَى إذَا قَدَّرَ أَمْرًا فَإِنَّهُ يُقَدِّرُ أَسْبَابَهُ، وَالدُّعَاءُ مِن جُمْلَةِ أَسْبَابِهِ، كَمَا أَنَّهُ لَمَّا قَدَّرَ النَّصْرَ يَوْمَ بَدْرٍ وَأَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ قَبْلَ وُقُوعِهِ أَصْحَابَهُ بِالنَّصْرِ وَبِمَصَارعِ الْقَوْمِ كَانَ مِن أَسْبَابِ ذَلِكَ اسْتِغَاثَةُ النَّبِيِّ ﷺ وَدُعَاؤُهُ، وَكَذَلِكَ مَا وَعَدَهُ بِهِ رَبُّهُ مِن الْوَسِيلَةِ وَقَد قَضَى بِهَا لَهُ وَقَد أَمَرَ أُمَّتَهُ بِطَلَبِهَا لَهُ وَهُوَ سُبْحَانَهُ قَدَّرَهَا بِأَسْبَاب مِنْهَا مَا سَيَكُونُ مِن الدُّعَاءِ.
وَقَوْلُ اللهِ: "قَد فَعَلْت" يُقَالُ فِيهِ شَيْئَانِ:
стр. 1189
أَحَدُهُمَما: أَنَّهُ قَد فَعَلَ ذَلِكَ بِالْمُؤمِنِينَ الْمَذْكُورِينَ فِي الْآيَةِ، وَالْإِيمَانُ الْمُطْلَقُ يَتَضَمَّنُ طَاعَةَ اللّهِ وَرَسُولِهِ، فَمَن لَمْ يَكن كَذَلِكَ نَقَصَ إيمَانُهُ الْوَاجِبُ؛ فَيَسْتَحِقُّ مِن سَلْبِ هَذِهِ النِّعَمِ بِقَدْرِ النَّقْصِ، وَيُعَوِّقُ اللّهُ عَلَيْهِ مَلَاذَّ ذَلِكَ، وَلَمْ يَسْتَحِقَّ مِن الْجَزَاءِ مَا يَسْتَحِقُّهُ مَن قَامَ بِالْإِيمَانِ الْوَاجِبِ.
الثَّانِي: أَنْ يُقَالَ: هَذَا الدُّعَاءُ اُسْتُجِيبَ لَهُ فِي جُمْلَةِ الْأَمَةِ، وَلَا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ ثُبُوتُهُ لِكُلِّ فَرْدٍ.
وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ صَحِيحٌ.
وَأَمَّا دَفْعُ الْمُؤَاخَذَةِ بِالْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ وَدَفْعُ الْآصَارِ: فَإِنَّ هَذَا قَد يُشْكِلُ؛ لِأَنَّهُ مِن بَابِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ؛ -أَحْكَامِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ-. فَيُقَالُ: الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ الْمَرْفُوعُ عَن الْأُمَّةِ مَرْفُوعٌ عَن عُصَاةِ الْأُمَّةِ؛ فَإِنَّ الْعَاصِيَ لَا يَأْثَمُ بِالْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ؛ فَإِنَّهُ إذَا أَكَلَ نَاسِيًا أَتَمَّ صَوْمَهُ، سَوَاءٌ كَانَ مُطِيعًا فِي غَيْرِ ذَلِكَ أَو عَاصِيًا، فَهَذَا هُوَ الَّذِي يُشْكِلُ وَعَنْهُ جَوَابَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الذُّنُوبَ وَالْمَعَاصِيَ قَد تَكُونُ سَبَبًا لِعَدَمِ الْعِلْمِ بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ؛ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ قَد يَفْعَلُ شَيْئًا نَاسِيًا أَو مُخْطِئًا وَيَكُونُ لِتَقْصِيرِهِ فِي طَاعَةِ اللّهِ عِلْمًا وَعَمَلًا لَا يَعْلَمُ أَنَّ ذَلِكَ مَرْفُوعٌ عَنْهُ؛ إمَّا لِجَهْلِهِ، وَإِمَّا لِكَوْنِهِ لَيْسَ هُنَاكَ مَن يُفْتِيهِ بِالرُّخْصَةِ فِي الْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ.
وَالْعُلَمَاءُ قَد تَنَازَعُوا فِي كَثِيرٍ مِن مَسَائِلِ الْخَطَإِ وَالنِّسْيَانِ، وَاعْتَقَدَ كَثِيرٌ مِنْهُم بُطْلَانَ الْعِبَادَاتِ أَو بَعْضِهَا بِهِ؛ كَمَن يُبْطِلُ الصَّوْمَ بِالنِّسْيَانِ، وَآخَرُونَ بِالْخَطَإِ، وَكَذَلِكَ الْإِحْرَامُ، وَكَذَلِكَ الْكَلَامُ فِي الصَّلَاةِ، وَكَذَلِكَ إذَا فَعَلَ الْمَخْلُوفَ عَلَيْهِ نَاسِيًا أَو مُخْطِئًا، فَإِذَا كَانَ اللّهُ سُبْحَانَهُ قَد نَفَى الْمُؤَاخَذَةَ بِالْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ، وَخَفِيَ ذَلِكَ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ عَلَى كَثِيرٍ مِن عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ، كَانَ هَذَا عُقُوبَةً لِمَن لَمْ يَجِدْ فِي نَفْسِهِ ثِقَةً إلَّا هَؤُلَاءِ فَيُفْتُونَهُ بِمَا يَقْتَضِي مُؤَاخَذَتَهُ بِالْخَطَإِ وَالنِّسْيَانِ، فَلَا يَكُونُ مُقْتَضَى هَذَا الدُّعَاءِ حَاصِلًا فِي حَقِّهِ لِعَدَمِ الْعِلْمِ لَا لِنَسْخِ الشَّرِيعَةِ.
стр. 1190
وَاللهُ سُبْحَانَهُ جَعَلَ مِمَّا يُعَاقِبُ بِهِ النَّاسَ عَلَى الذُّنُوبِ سَلْبَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ النَّافِعِ كَقَوْلِهِ: ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥].
وَهَذَا كَمَا أَنَّهُ حَرَّمَ عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ؛ لِأَجْلِ ظُلْمِهِمْ وَبَغْيِهِمْ، فَشَرِيعَةُ مُحَمَّدٍ لَا تُنْسَخُ، وَلَا تعَاقَبُ أُمَّتُهُ كلُّهَا بِهَذَا، وَلَكِنْ قَد تُعَاقَبُ ظَلَمَتُهُم بِهَذَا، بِأَنْ يُحْرَمُوا الطَّيِّبَاتِ أَو بِتَحْرِيمِ الطَّيِّبَاتِ: إمَّا تَحْرِيمًا كَوْنِيًّا بِأَنْ لَا يُوجَدَ غَيْثُهُم وَتَهْلَكَ ثِمَارُهُم وَتُقْطَعَ الْمِيرَةُ عَنْهُمْ، أَو أَنَّهُم لَا يَجِدُونَ لَذَّةَ مأْكَل وَلَا مَشْرَبٍ وَلَا منكح وَلَا مَلْبَسٍ وَنَحْوِهِ، كَمَا كَانُوا يَجِدُونَهَا قَبْلَ ذَلِكَ، وَتُسَلَّطَ عَلَيْهِم الْغُصَصُ وَمَا يُنَغِّصُ ذَلِكَ وَيُعَوِّقُهُ، وَيَجْرَعُونَ غُصَصَ الْمَالِ وَالْوَلَدِ وَالْأَهْلِ.
فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْمُقَصِّرِينَ فِي طَاعَتِهِ مِن الْأُمَّةِ قَد يُؤَاخَذونَ بِالْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ، وَمِن غَيْرِ نَسْخٍ بَعْدَ الرَّسُولِ؛ لِعَدَمِ عِلْمِهِمْ بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ مِن التَّيْسِيرِ، وَلعَدَمِ عِلْمِ مَن عِنْدَهُم مِن الْعُلَمَاءِ بِذَلِكَ (١) .
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ فَعَلَى قَوْلَيْنِ:
قِيلَ: هُوَ مِن بَابِ التَّحْمِيلِ الْقَدَرِيِّ، لَا مِن بَابِ التَّكْلِيفِ الشَّرْعِي؛ أَيْ: لَا تَبْتَلِينَا بِمَصَائِبَ لَا نُطِيقُ حَمْلَهَا، كَمَا يُبْتَلَى الْإِنْسَانُ بِفَقْرٍ لَا يُطِيقُهُ أَو مَرَضٍ لَا يُطِيقُهُ أَو حَدَث أَو خَوْفٍ أَو حُبٍّ أَو عِشْقٍ لَا يُطِيقُهُ، وَيَكُونُ سَبَبُ ذَلِكَ ذُنُوبَهُ.
وَهَذَا مِمَّا يُبَيّنُ أَنَّ الذُّنُوبَ عَوَاقِبُهَا مَذْمُومَةٌ مُطْلَقًا (٢) . [١٤/ ١٤٢ - ١٥٦]
١٤٤١ - الصَّحِيحُ فِي قَوْلِهِ -تعالى-: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [البقرة: ٤] أَنَهُ وَالَّذِي قَبْلَهُ (٣) صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ وَاحِدٍ؛ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِن الْإِيمَانِ بِمَا أُنْزِلَ إلَيْهِ وَمَا أُنْزِلَ مِن قَبْلِهِ، وَالْعَطْفُ لِتَغَايُرِ الصِّفَاتِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿هُوَ الحواشي
(١) لم يذكر الجواب الثاني.(٢) لم يذكر القول الثاني.(٣) أي: قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ(٣) ﴾.стр. 1191
الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ [الحديد: ٣]، وَقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤) ﴾ [الأعلى: ٢ - ٤].
وَمَن قَالَ: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣]، أَرَادَ بِهِ مُشْرِكِي الْعَرَبِ، وَقَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [البقرة: ٤]، أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَهْل الْكِتَابِ: فَقَد غَلِطَ، فَإِنَّ مُشْرِكِي الْعَرَبِ لَمْ يُؤْمِنُوا بِمَا أُنْزِلَ إلَيْهِ وَمَا أُنْزِلَ مِن قَبْلِهِ فَلَمْ يَكُونُوا مُفْلِحِينَ، وَأَهْلُ الْكتَابِ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِالْغَيْب وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُم يُنْفِقُونَ لَمْ يَكُونُوا مُفْلِحِينَ؛ وَلهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥) ﴾ [البقرة: ٥]، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُم صِنْفٌ وَاحِدٌ. [٢٧/ ٢٧٥]
١٤٤٢ - ذَمَّ سُبْحَانَهُ مَن كَتَمَ الْعِلْمَ الَّذِي أَنْزَلَهُ وَمَا فِيهِ مِن الشَّهَادَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٤٠]؛ أَيْ: عِنْدَهُ شَهَادَةٌ مِن اللّهِ وَكَتَمَهَا، وَهُوَ الْعِلْمُ الَّذِي بَيَّنَهُ اللّهُ، فَإِنَّهُ خَبَرٌ مِن اللهِ وَشَهَادَة مِنْهُ بِمَا فِيهِ (١) . [١٤/ ١٨٦]
١٤٤٣ - قَالَ اللّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، قَوْلُهُ: ﴿فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: ﴿عَاكِفُونَ﴾ [البقرة: ١٨٧] لَا بِقَوْلِهِ: ﴿تُبَاشِرُوهُنَّ﴾، فَإِنَّ الْمُبَاشَرَةَ فِي الْمَسْجِدِ لَا تَجُوز لِلْمُعْتَكِفِ وَلَا لِغَيْرِهِ، بَل الْمُعْتَكِفُ فِي الْمَسْجِدِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُبَاشِرَ إذَا خَرَجَ مِنْهُ لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ. [٢٦/ ٢١٦]
١٤٤٤ - قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١] لَيْسَ فِيهِ أَنَّ بَعْضَ اللهِ الحواشي
(١) قال القاسمي ﵀ في محاسن التأويل في معنى الآية: وَمَن أَظْلَمُ مِمَن كَتَمَ شَهادَةً موجودة ومودعة عِنْدَهُ مِنَ اللهِ وهو كتمان العلم الذي هو الإخبار بما أنزل الله. اهـ.
فالآية فيها أعظم الوعيد للذين يكتمون العلم بحجة التواضع أو الحياء، ويعظم الوعيد إذا كان كتمان العلم نابعًا عن الكسل والخمول، فهؤلاءِ ظلمة، وعَمَلُهم هذا من أعظم الظلم، وأشد الإثم، وقبح اللّه الجهل كيف يُزين لصاحبه القبيح، ويُقبح له الحسن.стр. 1192
صَارَ فِي عِيسَى، بَل (مِنْ) (٥) لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ؛ كَمَا قَالَ: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣] [الجاثية: ١٣]، وَقَالَ: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣].
وَمَا أُضِيفَ إلَى اللهِ أَو قِيلَ هوَ مِنْهُ فَعَلَى وَجْهَيْنِ:
أ - إنْ كَانَ عَيْنا قَائِمَةً بِنَفْسِهَا فَهُوَ مَمْلُوكٌ لَهُ، وَ (مِنْ) (٥) لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ.
ب - وَمَا كَانَ صِفَةً لَا يَقُومُ بِنَفْسِهِ؛ كَالْعِلْمِ وَالْكَلَامِ فَهُوَ صِفَةٌ لَهُ، كَمَا يُقَالُ: كَلَامُ اللّهِ وَعِلْمُ اللّهِ، وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل: ١٠٢]. [١٧/ ٢٨٢ - ٢٨٣]
١٤٤٥ - الصَّوَابُ قَوْلُ مَن فَسَّرَ ﴿أو ننسأها﴾؛ أَيْ: نُؤَخّرُهَا عِنْدَنَا فَلَا ننزِلُهَا.
وَالْمَعْنَى: أَنَ مَا نَنْسَخُهُ مِنَ الْآيَاتِ الَّتِي أَنْزَلْنَاهَا أَو نُؤَخِّرُ نُزُولَهُ مِنَ الْآيَاتِ الَّتِي لَمْ نُنَزلْهَا بَعْدَ ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]، فَكَمَا أَنَّهُ يُعَوِّضُهُم مِنَ الْمَرْفُوعِ يُعَوِّضُهُم مِنَ الْمُنْتَظَرِ الَّذِي لَمْ يُنَزلْهُ بَعْدُ إلَى أَنْ يُنَزلَهُ، فَإِنَّ الْحِكمَةَ اقْتَضَتْ تَأْخِيرَ نُزُولِهِ فَيُعَوِّضُهُم بِمِثْلِهِ أَو خَيْرٍ مِنْهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ إلَى أَنْ يَجِيءَ وَقْتُ نُزُولهِ، فَيُنْزِلُهُ أَيْضًا مَعَ مَا تَقَدَّمَ، وَيَكُونُ مَا عَوَّضَهُ مِثْلَهُ أَو خَيْرًا مِنْهُ قَبْلَ نزُولهِ.
وَأَمَّا مَا أَنْزَلَهُ إلَيْهِم وَلَمْ يَنْسَخْهُ فَهَذَا لَا يَحْتَاجُ إلَى بَدَلٍ، وَلَو كَانَ كُلُّ مَا لَمْ يَنْسَخْهُ اللّهُ يَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهُ أَو مِثْلِهِ لَزِمَ إنْزَالُ مَا لَا نِهَايَةَ لَهُ. [١٧/ ١٨٨ - ١٨٩]
١٤٤٦ - لَا يُقَالُ: إنَّ آدَمَ وَلَدَ حَوَّاءَ، وَلَا يُقَالُ إنَّهُ أَبُو حَوَّاءَ، بَل خَلَقَ اللّهُ حَوَّاءَ مِن آدَمَ كَمَا خَلَقَ آدمَ مِنَ الطِّينِ. [١٧/ ٢٦٦]
١٤٤٧ - قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٧١) ﴾ [البقرة: ١٧١]، وَقَالَ عَن الْمُنَافِقِينَ: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨) ﴾ [البقرة: ١٨].
стр. 1193
وَمِن النَّاسِ مَن يَقُولُ: لَمَّا لَمْ يَنْتَفِعُوا بِالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالنُّطْقِ: جُعِلُوا صُمًّا بُكْمًا عُمْيًا، أَو لَمَّا أعْرَضُوا عَن السَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالنُّطْقِ صَارُوا كَالصُّمِّ الْعُمْيِ الْبُكْمِ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَل نَفْسُ قلُوبِهِم عَمِيَتْ وَصَمَّتْ وَبَكِمَتْ، كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦].
وَالْقَلْبُ: هُوَ الْمَلِكُ، وَالْأَعْضَاءُ جُنُودُهُ، وَإِذَا صَلَحَ صَلَحَ سَائِرُ الْجَسَدِ، وَإِذَا فَسَدَ فَسَدَ سَائِرُ الْجَسَدِ، فَيَبْقَى يَسْمَعُ بِالْأُذُنِ الصَّوْتَ كَمَا تَسْمَعُ الْبَهَائِمُ، وَالْمَعْنَى لَا يَفْقَهُهُ، وَإِن فَقِهَ بَعْضَ الْفِقْهِ لَمْ يَفْقَهْ فِقْهًا تَامًّا؛ فَإِنَّ الْفِقْهَ التَّامَّ يَسْتَلْزِمُ تَأْثِيرُهُ فِي الْقَلْبِ مَحَبَّةَ الْمَحْبُوبِ، وَبُغْضَ الْمَكْرُوهِ، فَمَتَى لَمْ يَحْصُلْ هَذَا لَمْ يَكُن التَّصَوُّرُ التَّامُّ حَاصِلًا فَجَازَ نَفْيُهُ.
لِأَنَّ مَا لَمْ يَتِمَّ: يُنْفَى؛ كَقَوْلِهِ لِلَّذِي أَسَاءَ فِي صَلَاتِهِ: "صَلِّ فَإِنَّك لَمْ تُصَلِّ"، فَنَفْيُ الْإِيمَانِ حَيْثُ نُفِيَ مِنْ هَذَا الْبَابِ. [٧/ ٢٧]
١٤٤٨ - قَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة: ٢٠٨]، الْجُمْهُورُ يَقُولُونَ: ﴿فِي السِّلْمِ﴾؛ أَيْ: فِي الْإِسْلَامِ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: هُوَ الطَّاعَة، وَكِلَاهُمَا مَأْثُورٌ عَن ابْنِ عَبَّاسٍ، وَكِلَاهُمَا حَقٌّ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿كَافَّةً﴾ فَقَد قِيلَ: الْمُرَادُ اُدْخُلُوا كُلُّكُمْ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ اُدْخُلُوا فِي الْإِسْلَامِ جَمِيعِهِ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ؛ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ لَا يُؤْمَرُ بِعَمَلِ غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا يُؤمَرُ بِمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ.
وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾؛ أَيْ: قَاتِلُوهُم كُلَّهُمْ، لَا تَدَعُوا مُشْرِكًا حَتَّى تُقَاتِلُوهُ؛ فَإِنَّهَا أُنْزِلَتْ بَعْدَ نَبْذِ الْعُهُودِ، لَيْسَ الْمُرَادُ: قَاتِلُوهُم مُجْتَمِعِينَ أَو جَمِيعُكُمْ؛ فَإِنَّ هَذَا لَا يَجِبُ، بَل يُقَاتَلُونَ بحَسَب الْمَصْلَحَةِ، وَالْجِهَادُ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ، فَإِذَا كَانَت فَرَائِضُ الْأَعْيَانِ لَمْ يُؤَكِّد الْمَأْمُورِينَ فِيهَا بِـ ﴿كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦]، فَكَيْفَ يُؤَكِّدُ بِذَلِكَ فِي فُرُوضِ الْكِفَايَةِ؟ وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ تَعْمِيمُ الْمُقَاتِلِينَ.
стр. 1194
وَقَوْلُهُ: ﴿كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ فِيهِ احْتِمَالَانِ.
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ اللهَ أَمَرَ بِالدُّخُولِ فِي جَمِيعِ الْإِسْلَامِ، فَكلُّ مَا كَانَ مِن الْإِسْلَامِ وَجَبَ الدُّخُولُ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ وَاجِبًا عَلَى الْأَعْيَان لَزِمَهُ فِعْلُهُ، وَإِن كَانَ وَاجِبًا عَلَى الْكِفَايَةِ اعْتَقدَ وُجُوبهُ، وَعَزَمَ عَلَيْهِ إذَا تَعَيَّنَ، أَو أَخَذَ بِالْفَضْلِ فَفَعَلَهُ، وَإِن كَانَ مُسْتَحَبًّا اعْتَقَدَ حُسْنَهُ وَأَحَبَّ فِعْلَهُ. [٧/ ٢٦٦ - ٢٦٧]
١٤٤٩ - قوله: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾: هذه القراءة العامة التي في المصحف الإمام، وقد كان ابن عباس يقرأ: "بما آمنتم به"، ويقول: إن الله لا مثل له.
وتلك قراءة صحيحة المعنى، لكن قراءة العامة أحسن وأجمع، فإنه لو قيل: بما آمنتم به، وقيل: إنه أريد به الله، لقالوا: قد آمنا بالله؛ فمانهم لا يكفرون بأصل وجود الخالق، وإنما يكفرون ببعض كتبه ورسله وأسمائه وصفاته ودينه، ولذلك استحقوا اسم الكفر.
وأيضًا: فلو آمنوا بما آمنَّا به من غير أن يؤمنوا بمثل ما آمنَّا به، لم يكونوا مهتدين وإن آمنوا بجميع الأشياء، وذلك أنه سبحانه قال في المائدة لما أباح نساء أهل الكتاب وطعامهم، قال: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾، والإيمان هو: الإيمان الذي هو الدين، الذي هو الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله، فإن الإيمان الذي يجب على العباد اتباعُه يجب الإيمانُ به، فمن كفر بما يفعله المؤمنون من الإيمان، فقد كفر بالله.
وهذا الإيمان الذي في القلوب هو مثلٌ مطابقٌ للحقيقة الخارجة، وما في القلوب من الإيمان متماثل أيضًا، فنحن آمنا بالله، وما أنزل إلينا، وما أنزل إلى إبراهيم، وما أوتي النبيون من ربهم، فإذا آمنوا هم بمثل ما آمنا به -وهو ما في القلوب- فقد اهتدوا، كما أنهم لو كفروا بالإيمان الذي في القلوب لحَبِطَ عملُهم. [المجموعات العليّة ٢/ ٧٩ - ٨٠]
* * *
стр. 1195
سورة آل عمران
١٤٥٠ - قَوْلُهُ تعالى: ﴿اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا﴾ [آل عمران: ١٤٧] قِيلَ: إنَّ الذنُوبَ هِيَ الصَّغَائِرُ، وَالْإِسْرَافُ هُوَ الْكَبَائِرُ.
وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الذُّنُوبَ اسْمُ جِنْسٍ، وَالْإِسْرَافَ تَعَدِّي الْحَدِّ وَمُجَاوَزَةُ الْقَصْدِ، كَمَا فِي لَفْظِ الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ فَالذُّنُوبُ كَالْإِثْمِ وَالْإِسْرَافُ كَالْعُدْوَانِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ [الأنعام: ١٤٥] وَمُجَاوَزَةُ قَدْرِ الْحَاجَةِ.
فَالذُّنُوبُ مِثْلُ اتبَاعِ الْهَوَى بِغَيْرِ هُدًى مِن اللهِ، فَهَذَا كُلُّة ذَنْبٌ؛ كَاَلَّذِي يَرْضَا لِنَفْسِهِ ويغْضَبُ لِنَفْسِهِ، فَهُوَ مُتَّبع لِهَوَاهُ.
وَالْإِسْرَافُ كَاَلَّذِي يَغْضَبُ للهِ فَيُعَاقِبُ بِأَكْثَرَ مِمَّا أَمَرَ اللهُ. [١١/ ٦٩٣ - ٦٩٤]
١٤٥١ - قَالَ تَعَالَى: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ [آل عمران: ٣، ٤]، قَالَ جَمَاهِيرُ الْمُفَسِّرِينَ: هُوَ الْقُرْآنُ. [١٣/ ٧]
١٤٥٢ - قَوْله تَعَالَى: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧] فِي الْمُتَشَابِهَاتِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا آيَات بِعَيْنِهَا تتشَابَهُ عَلَى كُلِّ النَّاسِ.
والثَّانِي: -وَهُوَ الصَّحِيحُ- أَنَّ التَّشَابُهَ أَمْرٌ نِسْبِي، فَقَد يَتَشَابَهُ عِنْدَ هَذَا مَا لَا يَتَشَابَهُ عِنْدَ غَيْرِهِ، وَلَكِنْ ثَمَّ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ لَا تَشَابُهَ فِيهَا عَلَى أَحَدٍ، وَتلْكَ الْمُتَشَابِهَاتُ إذَا عُرِفَ مَعْنَاهَا صَارَتْ غَيْرَ مُتَشَابِهَةٍ؛ بَل الْقَوْلُ كُلُّهُ مُحْكَمٌ، كَمَا قَالَ: ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ [هود: ١]. [١٣/ ١٤٤]
١٤٥٣ - قَوْله تَعَالَى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨) ﴾ [آل عمران: ١٨] الشَّهَادَة تتضَمَّنُ كَلَامَ الشَّاهِدِ وَقَوْلَهُ وَخَبَرَهُ عَمَّا شَهِدَ بِهِ، وَهَذَا قَد يَكونُ مَعَ أَنَّ الشَّاهِدَ نَفْسَهُ يَتَكَلَّمُ بِذَلِكَ وَيَقُولُهُ وَيذْكُرُهُ وَإِن لَمْ يَكُن مُعْلِمًا بِهِ لِغَيْرِهِ وَلَا مُخْبِرًا بِهِ لِسِوَاهُ.
следующие страницы →