← Фатава

Фатава · id 879

تقريب فتاوى ابن تيمية

أحمد بن ناصر الطيار

Полный текст (3 539 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ [الحديد: ٣]، وَقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤)﴾ [الأعلى: ٢ - ٤]. وَمَن قَالَ: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣]، أَرَادَ بِهِ مُشْرِكِي الْعَرَبِ، وَقَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [البقرة: ٤]، أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَهْل الْكِتَابِ: فَقَد غَلِطَ، فَإِنَّ مُشْرِكِي الْعَرَبِ لَمْ يُؤْمِنُوا بِمَا أُنْزِلَ إلَيْهِ وَمَا أُنْزِلَ مِن قَبْلِهِ فَلَمْ يَكُونُوا مُفْلِحِينَ، وَأَهْلُ الْكتَابِ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِالْغَيْب وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُم يُنْفِقُونَ لَمْ يَكُونُوا مُفْلِحِينَ؛ وَلهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾ [البقرة: ٥]، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُم صِنْفٌ وَاحِدٌ. [٢٧/ ٢٧٥] ١٤٤٢ - ذَمَّ سُبْحَانَهُ مَن كَتَمَ الْعِلْمَ الَّذِي أَنْزَلَهُ وَمَا فِيهِ مِن الشَّهَادَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٤٠]؛ أَيْ: عِنْدَهُ شَهَادَةٌ مِن اللّهِ وَكَتَمَهَا، وَهُوَ الْعِلْمُ الَّذِي بَيَّنَهُ اللّهُ، فَإِنَّهُ خَبَرٌ مِن اللهِ وَشَهَادَة مِنْهُ بِمَا فِيهِ (١). [١٤/ ١٨٦] ١٤٤٣ - قَالَ اللّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، قَوْلُهُ: ﴿فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: ﴿عَاكِفُونَ﴾ [البقرة: ١٨٧] لَا بِقَوْلِهِ: ﴿تُبَاشِرُوهُنَّ﴾، فَإِنَّ الْمُبَاشَرَةَ فِي الْمَسْجِدِ لَا تَجُوز لِلْمُعْتَكِفِ وَلَا لِغَيْرِهِ، بَل الْمُعْتَكِفُ فِي الْمَسْجِدِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُبَاشِرَ إذَا خَرَجَ مِنْهُ لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ. [٢٦/ ٢١٦] ١٤٤٤ - قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١] لَيْسَ فِيهِ أَنَّ بَعْضَ اللهِ

стр. 1192

صَارَ فِي عِيسَى، بَل (مِنْ) (٥) لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ؛ كَمَا قَالَ: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣] [الجاثية: ١٣]، وَقَالَ: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣]. وَمَا أُضِيفَ إلَى اللهِ أَو قِيلَ هوَ مِنْهُ فَعَلَى وَجْهَيْنِ: أ - إنْ كَانَ عَيْنا قَائِمَةً بِنَفْسِهَا فَهُوَ مَمْلُوكٌ لَهُ، وَ (مِنْ) (٥) لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ. ب - وَمَا كَانَ صِفَةً لَا يَقُومُ بِنَفْسِهِ؛ كَالْعِلْمِ وَالْكَلَامِ فَهُوَ صِفَةٌ لَهُ، كَمَا يُقَالُ: كَلَامُ اللّهِ وَعِلْمُ اللّهِ، وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل: ١٠٢]. [١٧/ ٢٨٢ - ٢٨٣] ١٤٤٥ - الصَّوَابُ قَوْلُ مَن فَسَّرَ ﴿أو ننسأها﴾؛ أَيْ: نُؤَخّرُهَا عِنْدَنَا فَلَا ننزِلُهَا. وَالْمَعْنَى: أَنَ مَا نَنْسَخُهُ مِنَ الْآيَاتِ الَّتِي أَنْزَلْنَاهَا أَو نُؤَخِّرُ نُزُولَهُ مِنَ الْآيَاتِ الَّتِي لَمْ نُنَزلْهَا بَعْدَ ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]، فَكَمَا أَنَّهُ يُعَوِّضُهُم مِنَ الْمَرْفُوعِ يُعَوِّضُهُم مِنَ الْمُنْتَظَرِ الَّذِي لَمْ يُنَزلْهُ بَعْدُ إلَى أَنْ يُنَزلَهُ، فَإِنَّ الْحِكمَةَ اقْتَضَتْ تَأْخِيرَ نُزُولِهِ فَيُعَوِّضُهُم بِمِثْلِهِ أَو خَيْرٍ مِنْهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ إلَى أَنْ يَجِيءَ وَقْتُ نُزُولهِ، فَيُنْزِلُهُ أَيْضًا مَعَ مَا تَقَدَّمَ، وَيَكُونُ مَا عَوَّضَهُ مِثْلَهُ أَو خَيْرًا مِنْهُ قَبْلَ نزُولهِ. وَأَمَّا مَا أَنْزَلَهُ إلَيْهِم وَلَمْ يَنْسَخْهُ فَهَذَا لَا يَحْتَاجُ إلَى بَدَلٍ، وَلَو كَانَ كُلُّ مَا لَمْ يَنْسَخْهُ اللّهُ يَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهُ أَو مِثْلِهِ لَزِمَ إنْزَالُ مَا لَا نِهَايَةَ لَهُ. [١٧/ ١٨٨ - ١٨٩] ١٤٤٦ - لَا يُقَالُ: إنَّ آدَمَ وَلَدَ حَوَّاءَ، وَلَا يُقَالُ إنَّهُ أَبُو حَوَّاءَ، بَل خَلَقَ اللّهُ حَوَّاءَ مِن آدَمَ كَمَا خَلَقَ آدمَ مِنَ الطِّينِ. [١٧/ ٢٦٦] ١٤٤٧ - قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٧١)﴾ [البقرة: ١٧١]، وَقَالَ عَن الْمُنَافِقِينَ: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨)﴾ [البقرة: ١٨].

стр. 1193

وَمِن النَّاسِ مَن يَقُولُ: لَمَّا لَمْ يَنْتَفِعُوا بِالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالنُّطْقِ: جُعِلُوا صُمًّا بُكْمًا عُمْيًا، أَو لَمَّا أعْرَضُوا عَن السَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالنُّطْقِ صَارُوا كَالصُّمِّ الْعُمْيِ الْبُكْمِ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَل نَفْسُ قلُوبِهِم عَمِيَتْ وَصَمَّتْ وَبَكِمَتْ، كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]. وَالْقَلْبُ: هُوَ الْمَلِكُ، وَالْأَعْضَاءُ جُنُودُهُ، وَإِذَا صَلَحَ صَلَحَ سَائِرُ الْجَسَدِ، وَإِذَا فَسَدَ فَسَدَ سَائِرُ الْجَسَدِ، فَيَبْقَى يَسْمَعُ بِالْأُذُنِ الصَّوْتَ كَمَا تَسْمَعُ الْبَهَائِمُ، وَالْمَعْنَى لَا يَفْقَهُهُ، وَإِن فَقِهَ بَعْضَ الْفِقْهِ لَمْ يَفْقَهْ فِقْهًا تَامًّا؛ فَإِنَّ الْفِقْهَ التَّامَّ يَسْتَلْزِمُ تَأْثِيرُهُ فِي الْقَلْبِ مَحَبَّةَ الْمَحْبُوبِ، وَبُغْضَ الْمَكْرُوهِ، فَمَتَى لَمْ يَحْصُلْ هَذَا لَمْ يَكُن التَّصَوُّرُ التَّامُّ حَاصِلًا فَجَازَ نَفْيُهُ. لِأَنَّ مَا لَمْ يَتِمَّ: يُنْفَى؛ كَقَوْلِهِ لِلَّذِي أَسَاءَ فِي صَلَاتِهِ: "صَلِّ فَإِنَّك لَمْ تُصَلِّ"، فَنَفْيُ الْإِيمَانِ حَيْثُ نُفِيَ مِنْ هَذَا الْبَابِ. [٧/ ٢٧] ١٤٤٨ - قَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة: ٢٠٨]، الْجُمْهُورُ يَقُولُونَ: ﴿فِي السِّلْمِ﴾؛ أَيْ: فِي الْإِسْلَامِ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: هُوَ الطَّاعَة، وَكِلَاهُمَا مَأْثُورٌ عَن ابْنِ عَبَّاسٍ، وَكِلَاهُمَا حَقٌّ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿كَافَّةً﴾ فَقَد قِيلَ: الْمُرَادُ اُدْخُلُوا كُلُّكُمْ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ اُدْخُلُوا فِي الْإِسْلَامِ جَمِيعِهِ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ؛ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ لَا يُؤْمَرُ بِعَمَلِ غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا يُؤمَرُ بِمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ. وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾؛ أَيْ: قَاتِلُوهُم كُلَّهُمْ، لَا تَدَعُوا مُشْرِكًا حَتَّى تُقَاتِلُوهُ؛ فَإِنَّهَا أُنْزِلَتْ بَعْدَ نَبْذِ الْعُهُودِ، لَيْسَ الْمُرَادُ: قَاتِلُوهُم مُجْتَمِعِينَ أَو جَمِيعُكُمْ؛ فَإِنَّ هَذَا لَا يَجِبُ، بَل يُقَاتَلُونَ بحَسَب الْمَصْلَحَةِ، وَالْجِهَادُ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ، فَإِذَا كَانَت فَرَائِضُ الْأَعْيَانِ لَمْ يُؤَكِّد الْمَأْمُورِينَ فِيهَا بِـ ﴿كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦]، فَكَيْفَ يُؤَكِّدُ بِذَلِكَ فِي فُرُوضِ الْكِفَايَةِ؟ وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ تَعْمِيمُ الْمُقَاتِلِينَ.

стр. 1194

وَقَوْلُهُ: ﴿كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ فِيهِ احْتِمَالَانِ. وَالْمَقْصُودُ أَنَّ اللهَ أَمَرَ بِالدُّخُولِ فِي جَمِيعِ الْإِسْلَامِ، فَكلُّ مَا كَانَ مِن الْإِسْلَامِ وَجَبَ الدُّخُولُ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ وَاجِبًا عَلَى الْأَعْيَان لَزِمَهُ فِعْلُهُ، وَإِن كَانَ وَاجِبًا عَلَى الْكِفَايَةِ اعْتَقدَ وُجُوبهُ، وَعَزَمَ عَلَيْهِ إذَا تَعَيَّنَ، أَو أَخَذَ بِالْفَضْلِ فَفَعَلَهُ، وَإِن كَانَ مُسْتَحَبًّا اعْتَقَدَ حُسْنَهُ وَأَحَبَّ فِعْلَهُ. [٧/ ٢٦٦ - ٢٦٧] ١٤٤٩ - قوله: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾: هذه القراءة العامة التي في المصحف الإمام، وقد كان ابن عباس يقرأ: "بما آمنتم به"، ويقول: إن الله لا مثل له. وتلك قراءة صحيحة المعنى، لكن قراءة العامة أحسن وأجمع، فإنه لو قيل: بما آمنتم به، وقيل: إنه أريد به الله، لقالوا: قد آمنا بالله؛ فمانهم لا يكفرون بأصل وجود الخالق، وإنما يكفرون ببعض كتبه ورسله وأسمائه وصفاته ودينه، ولذلك استحقوا اسم الكفر. وأيضًا: فلو آمنوا بما آمنَّا به من غير أن يؤمنوا بمثل ما آمنَّا به، لم يكونوا مهتدين وإن آمنوا بجميع الأشياء، وذلك أنه سبحانه قال في المائدة لما أباح نساء أهل الكتاب وطعامهم، قال: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾، والإيمان هو: الإيمان الذي هو الدين، الذي هو الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله، فإن الإيمان الذي يجب على العباد اتباعُه يجب الإيمانُ به، فمن كفر بما يفعله المؤمنون من الإيمان، فقد كفر بالله. وهذا الإيمان الذي في القلوب هو مثلٌ مطابقٌ للحقيقة الخارجة، وما في القلوب من الإيمان متماثل أيضًا، فنحن آمنا بالله، وما أنزل إلينا، وما أنزل إلى إبراهيم، وما أوتي النبيون من ربهم، فإذا آمنوا هم بمثل ما آمنا به -وهو ما في القلوب- فقد اهتدوا، كما أنهم لو كفروا بالإيمان الذي في القلوب لحَبِطَ عملُهم. [المجموعات العليّة ٢/ ٧٩ - ٨٠] * * *

стр. 1195

سورة آل عمران ١٤٥٠ - قَوْلُهُ تعالى: ﴿اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا﴾ [آل عمران: ١٤٧] قِيلَ: إنَّ الذنُوبَ هِيَ الصَّغَائِرُ، وَالْإِسْرَافُ هُوَ الْكَبَائِرُ. وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الذُّنُوبَ اسْمُ جِنْسٍ، وَالْإِسْرَافَ تَعَدِّي الْحَدِّ وَمُجَاوَزَةُ الْقَصْدِ، كَمَا فِي لَفْظِ الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ فَالذُّنُوبُ كَالْإِثْمِ وَالْإِسْرَافُ كَالْعُدْوَانِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ [الأنعام: ١٤٥] وَمُجَاوَزَةُ قَدْرِ الْحَاجَةِ. فَالذُّنُوبُ مِثْلُ اتبَاعِ الْهَوَى بِغَيْرِ هُدًى مِن اللهِ، فَهَذَا كُلُّة ذَنْبٌ؛ كَاَلَّذِي يَرْضَا لِنَفْسِهِ ويغْضَبُ لِنَفْسِهِ، فَهُوَ مُتَّبع لِهَوَاهُ. وَالْإِسْرَافُ كَاَلَّذِي يَغْضَبُ للهِ فَيُعَاقِبُ بِأَكْثَرَ مِمَّا أَمَرَ اللهُ. [١١/ ٦٩٣ - ٦٩٤] ١٤٥١ - قَالَ تَعَالَى: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ [آل عمران: ٣، ٤]، قَالَ جَمَاهِيرُ الْمُفَسِّرِينَ: هُوَ الْقُرْآنُ. [١٣/ ٧] ١٤٥٢ - قَوْله تَعَالَى: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧] فِي الْمُتَشَابِهَاتِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا آيَات بِعَيْنِهَا تتشَابَهُ عَلَى كُلِّ النَّاسِ. والثَّانِي: -وَهُوَ الصَّحِيحُ- أَنَّ التَّشَابُهَ أَمْرٌ نِسْبِي، فَقَد يَتَشَابَهُ عِنْدَ هَذَا مَا لَا يَتَشَابَهُ عِنْدَ غَيْرِهِ، وَلَكِنْ ثَمَّ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ لَا تَشَابُهَ فِيهَا عَلَى أَحَدٍ، وَتلْكَ الْمُتَشَابِهَاتُ إذَا عُرِفَ مَعْنَاهَا صَارَتْ غَيْرَ مُتَشَابِهَةٍ؛ بَل الْقَوْلُ كُلُّهُ مُحْكَمٌ، كَمَا قَالَ: ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ [هود: ١]. [١٣/ ١٤٤] ١٤٥٣ - قَوْله تَعَالَى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)﴾ [آل عمران: ١٨] الشَّهَادَة تتضَمَّنُ كَلَامَ الشَّاهِدِ وَقَوْلَهُ وَخَبَرَهُ عَمَّا شَهِدَ بِهِ، وَهَذَا قَد يَكونُ مَعَ أَنَّ الشَّاهِدَ نَفْسَهُ يَتَكَلَّمُ بِذَلِكَ وَيَقُولُهُ وَيذْكُرُهُ وَإِن لَمْ يَكُن مُعْلِمًا بِهِ لِغَيْرِهِ وَلَا مُخْبِرًا بِهِ لِسِوَاهُ.

стр. 1196

فَهَذِهِ أَوَّلُ مَرَاتِبِ الشَّهَادَة. ثُمَّ قَد يُخْبِر ويُعْلِمُهُ بِذَلَكَ فَتَكونُ الشَّهَادَةُ إعْلَامًا لِغَيْرِهِ وَإِخْبَارًا لَهُ، وَمَن أَخْبَرَ غَيْرَهُ بِشَيْءٍ فَقَد شَهِدَ بِهِ، سَوَاءٌ كَانَ بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ أو لَمْ يَكُنْ، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (١٩)﴾ [الزخرف: ١٩]، وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا﴾ الْآيَةَ [يوسف: ٨١]. فَفِي كِلَا الْمَوْضِعَيْنِ إنَّمَا أَخْبَرُوا خَبَرًا مُجَرَّدًا. وَذَلِكَ أَنَّهُ إذَا شَهِدَ أَنَّهُ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ فَقَد أَخْبَرَ وَبَيَّنَ وَأَعْلَمَ أَنَّ مَا سِوَاهُ لَيْسَ بِإِلَهٍ فَلَا يُعْبَدُ، وَأَنَّهُ وَحْدَهُ الْإِلَهُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ الْعِبَادَةَ، وَهَذَا يَتَضَمَّنُ الْأمْرَ بِعِبَادَتِهِ وَالنَّهْيَ عَن عِبَادَةِ مَا سِوَاهُ. وَالْعَابِدُونَ إنَّمَا مَقْصُودُهُم أَنْ يَعْبُدُوا مَن هُوَ إلَهٌ يَسْتَحِقُّ الْعِبَادَةَ، فَإِذَا قِيلَ لَهُم كُل مَا سِوَى اللهِ لَيْسَ بِإِلَهِ، إنَّمَا الْإِلَهُ فوَ اللهُ وَحْدَه: كَانَ هَذَا نَهْيًا لَهُم عَن عِبَادَةِ مَا سِوَاهُ وَأَمْرًا بِعِبَادَتِهِ. وَلَيْسَ الْمُرَادُ هُنَا بِالْإِلَهِ مَن عَبَدَهُ عَابِدٌ بِلَا اسْتِحْقَاقٍ. فَالْآلِهَةُ الَّتِي جَعَلَهَا عَابِدُوهَا آلِهَةً يَعْبُذونَهَا كَثِيرَةٌ؛ لَكنْ هِيَ لَا تَسْتَحِقُّ الْعِبَادَةَ، فَلَيْسَتْ بِآلِهَةٍ كَمَن جَعَلَ غَيْرَهُ شَاهِدًا أَو حَاكِمًا أَو مُفْتِيًا او أمِيرًا وَهُوَ لَا يُحْسِنُ شَيْئًا مِن ذَلِكَ. وَشَهَادَةُ الرَّبِّ وَبَيَانُهُ وَإِعْلَامُهُ يَكونُ بِقَوْلِهِ تَارَة وَبِفِعْلِهِ تَارَةً. فَالْقَوْلُ: هُوَ مَا أَرْسَلَ بِهِ رُسُلَهُ وَأَنْزَلَ بِهِ كُتُبَهُ وَأَوْحَاهُ إلَى عِبَادِهِ. وَأَمَّا شَهَادَتُهُ بِفِعْلِهِ: فَهُوَ مَا نَصَبَهُ مِن الْأدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ الَّتِي تُعْلَمُ دَلَالَتُهَا بِالْعَقْلِ، وَإِن لَمْ يَكُن هُنَاكَ خَبَرٌ عَن اللهِ. [١٤/ ١٦٨ - ١٧٤] ١٤٥٤ - قَالَ تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٤٦] الْآيَاتِ، وَالْأَكْثَرُونَ يَقْرَؤُونَ: ﴿قَاتَلَ﴾، وَالرِّبِّيُّونَ الْكثِيرُ عِنْدَ جَمَاهِيرِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ: هُم الْجَمَاعَاتُ الْكَثيرَةُ.

стр. 1197

فَعَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ فَالرِّبِّيُّونَ الَّذِينَ قَاتَلُوا مَعَهُ: الَّذِينَ مَا وَهَنُوا وَمَا ضَعُفُوا. وَأَمَّا عَلَى قِرَاءَةِ أَبِي عَمْرٍو وَغَيْرِهِ (١) فَفِيهَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يُوَافِقُ الْأَوَّلَ؛ أَي: الرِّبِّيُّونَ يُقْتَلُونَ فَمَا وَهَنُوا؛ أَيْ: مَا وَهَنَ مَن بَقِيَ مِنْهُم لِقَتْلِ كَثِيرٍ مِنْهُمْ؛ أَيْ: مَا ضَعُفُوا لِذَلِكَ وَلَا دَخَلَهُم خَوَرٌ وَلَا ذَلُّوا لِعَدُوِّهِمْ، بَل قَامُوا بِأَمْرِ اللهِ فِي الْقِتَالِ حَتَّى أَدَالَهُم اللهُ عَلَيْهِم وَصَارَتْ كلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا. وَالثانِي: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ، فَمَا وَهَنَ مَن بَقِيَ مِنْهُم لِقَتْلِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَهَذَا يُنَاسِبُ صرح الشَّيْطَانِ أَنَّ مُحَمَّدًا قَد قُتِلَ. لَكِنَّ هَذَا لَا يُنَاسِبُ لَفْظَ الْآيَةِ؛ فَالْمُنَاسِبُ أَنَّهُم مَعَ كَثْرَةِ الْمُصِيبَةِ مَا وَهَنُوا. وَأَيْضًا: فَقَوْلُهُ: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ﴾ يَقْتَضِي كَثْرَةَ ذَلِكَ، وَهَذَا لَا يُعْرَفُ أَنَّ أَنْبِيَاءَ كَثِيرِينَ قُتِلُوا فِي الْجِهَادِ. وَأَيْضًا: فَيَقْتَضِي أَنَّ الْمَقْتُولِينَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُم رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ، وَهَذَا لَمْ يُوجَدْ؛ فَإِنَّ مَن قَبْلَ مُوسَى مِن الْأَنْبِيَاءِ لَمْ يَكُونُوا يُقَاتِلُونَ، وَمُوسَى وَأَنْبِيَاءُ بَنِي إسْرَائِيلَ لَمْ يُقْتَلُوا فِي الْغَزْوِ، بَل وَلَا يُعْرَفُ نَبِيٌّ قُتِلَ فِي جِهَادٍ، فَكَيْفَ يَكُونُ هَذَا كَثيرًا؟ وَيَكُونُ جَيْشُهُ كَثِيرًا؟. وَقَد قِيلَ فِي: ﴿رِبِّيُّونَ﴾ هُنَا: إنَّهُم الْعُلَمَاءُ، [وهؤلاء جعلوا لفظ "الرِّبِّي" كلفظ "الربَّاني"] (٢)، وَعَن ابْنِ زَيْدٍ: هُم الْأَتْبَاعُ؛ كَأَنَّهُ جَعَلَهُم المربوبين. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. قِيلَ: إنَّ الرَّبَّانِيَّ مَنْسُوبٌ إلَى الرَّبِّ، فَزِيَادَةُ الْأَلِفِ وَالنُّونِ كَاللّحْيَانِيِّ (٣)،

стр. 1198

وَقِيلَ: إلَى تَرْبِيَتِهِ النَّاسَ، وَقِيلَ: إلَى رُبَّانِ السَّفِينَةِ، وَهَذَا أَصَحُّ؛ فَإِنَّ الْأَصْلَ عَدَم الزِّيَادَةِ فِي النِّسْبَةِ لِأَنَّهُم مَنْسُوبُونَ إلَى التَّرْبِيَةِ، وَهَذِهِ تَخْتَصُّ بِهِمْ، وَأَمَّا نِسْبَتُهُم إلَى الرَّبِّ فَلَا اخْتِصَاصَ لَهُم بِذَلِكَ، بَل كُلُّ عَبْدٍ لَهُ فَهوَ مَنْسُوبٌ إلَيْهِ إمَّا نِسْبَةَ عُمُومٍ أَو خُصُوصٍ. قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وَأَحَدُهُم رَبَّانِيٌّ وَهُم الْعُلَمَاءُ الْمُعَلّمُونَ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: أَحْسَبُ الْكَلِمَةَ عِبْرَانِيَّةً أَو سِرْيَانِيَّةً؛ وَذَلِكَ أَنَّ أَبَا عُبَيْدٍ زَعَمَ أَنَّ الْعَرَبَ لَا تَعْرِفُ الرَّبَّانِيِّينَ. قُلْتُ: اللَّفْظَةُ عَرَبِيَّةٌ مَنْسُوبَةٌ إلَى رَبَّانِ السَّفِينَةِ الَّذِي يَنْزِلُهَا وَيقُومُ لِمَصْلَحَتِهَا، وَلَكِنَّ الْعَرَبَ فِي جَاهِلِيَّتِهِمْ لَمْ يَكُن لَهُم رَبَّانِيُّونَ؛ لِأَنَّهُم لَمْ يَكُونُوا عَلَى شَرِيعَةٍ مُنَزَّلَةٍ مِن اللهِ (١). [١/ ٥٨ - ٦٣] ١٤٥٥ - قَالَ تَعَالَى عَن الْمُؤمِنِينَ الَّذِينَ قُتِلَ نَبِيُّهُمْ: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾؛ أَيْ: النَّبِيُّ (٢) قُتِلَ، هَذَا أَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ. [١٤/ ٣٥٢] وَقَوْلُهُ: ﴿مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِير﴾ جُمْلَة فِي مَوْضِعِ الْخَبَرِ صِفَةٌ لِلنَّبِيِّ -صِفَةٌ بَعْدَ صِفَةٍ- أَيْ: كَمْ مِن نَبِيٍّ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ قُتِلَ وَلَمْ يُقْتَلُوا مَعَهُ. فَإِنَّهُ كَانَ يَكونُ الْمَعْنَى: أَنَّهُ قُتِلَ وَهُم مَعَهُ.

стр. 1199

وَالْمَقْصُودُ: أَنَّهُ كَانَ مَعَهُ رِوبِّيُّونَ كَثيرٌ وَقُتِلَ فِي الْجُمْلَةِ، وَأُولَئِكَ الرِّبِّيُّونَ ﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا﴾ [آل عمران: ١٤٦] (١). [١٤/ ٣٧٣] ١٤٥٦ - أَخْبَرَ اللهُ فِي الْقرْآنِ أَنَ عِيسَى قَالَ لَهُمْ: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: ٥٠]، فَعُلِمَ أَنَّهُ أَحَلَّ الْبَعْضَ دُونَ الْجَمِيعِ، وَأَخْبَرَ عَن الْمَسِيح أَنَّهُ عَلَّمَهُ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٤٨)﴾ [آل عمران: ٤٨]، وَمِن الْمَعْلُوم أَنَّهُ لَوْلَا أَنَّهُ مُتَّبعٌ لِبَعْضِ مَا فِي التَّوْرَاةِ لَمْ يَكُن تَعَلُّمُهَا لَهُ مِنَّةً، أَلَا تَرَىَ أَنَّا نَحْن لَمْ نُؤْمَرْ بِحِفْظِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، وَإِن كَانَ كَثِيرٌ مِن شَرَائِعِ الْكِتَابَيْنِ يُوَافِق شَرِيعَةَ الْقرْآنِ، فَهَذَا وَغَيْرُهُ يُبَيِّنُ مَا ذَكَرَهُ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ مِن أَنَّ الْإِنْجِيلَ لَيْسَ فِيهِ إلَّا أَحْكَامٌ قَلِيلَة، وَأَكْثَرُ الْأحْكَامِ يَتْبَعُ فِيهَا مَا فِي التَّوْرَاةِ؛ وَبِهَذَا يَحْصُلُ التَّغَايُرُ بَيْنَ الشرعتين. وَلهَذَا كَانَ النَّصَارَى مُتَّفِقِينَ عَلَى حِفْظِ التَّوْرَاةِ وَتلَاوَتهَا كَمَا يَحْفَظُونَ الْإِنْجِيلَ؛ وَلهَذَا لَمَّا سَمِعَ النَّجَاشِيُّ الْقُرْآنَ قَالَ: إنَّ هَذَا وَاَلَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى لَيَخْرُجُ مِن مِشْكَاةٍ وَاحِدَة. [١٦/ ٤٣ - ٤٤] ١٤٥٧ - قَوْله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٤]، الْمِنَّةُ عَلَى جَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ عَرَبِهِم وَعَجَمِهِمْ سَابِقِهِمْ

стр. 1200

وَلَاحِقِهِمْ، وَالرَّسُولُ مِنْهُم لِأَنَّهُ إنْسِيٌّ مُؤْمِنٌ، وَهُوَ مِنَ الْعَرَب أَخَصُّ لِكَوْنِهِ عَرَبِيًّا جَاءَ بِلِسَانِهِمْ، وَهُوَ مِن قُرَيْشٍ أَخَصّ. والْخُصُوصُ يُوجِبُ قِيَامَ الْحُجَّةِ، لَا يُوجِبُ الْفَضْلَ إلَّا بِالْإِيمَانِ وَالتَّقْوَى؛ لِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]، وَلهَذَا كَانَ الْأَنْصَارُ أَفْضَلَ مِن الطُّلَقَاءِ مِن قُرَيْشٍ، وَهُم لَيْسُوا مِن رَبِيعَةَ وَلَا مُضَرَ بَل مِن قَحْطَانَ. فَقَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] يَخُصُّ قُرَيْشًا وَالْعَرَبَ، ثُمَّ يَعُمُّ سَائِرَ الْبَشَرِ؛ لِأَنَّ الْقُرْآنَ خِطَابٌ لَهُمْ، وَالرَّسُولُ مِن أَنْفُسِهِمْ، وَالْمَعْنَى: لَيْسَ بِمَلَك لَا يُطِيقُونَ الْأَخْذَ مِنْهُ وَلَا جِنِّيٍّ. ثُمَّ يَعُمُّ الْجِنَّ؛ لِأنَّ الرَّسُولَ أُرْسِلَ إلَى الْإِنْسِ وَالْجِنِّ، وَالْقُرْآنُ خِطَاب لِلثَّقَلَيْنِ، وَالرَّسُولُ مِنْهُم جَمِيعًا، كَمَا قَالَ: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنعام؛ ١٣٠] فَجَعَلَ الرُّسُلَ الَّتِي أَرْسَلَهَا مِن النَّوْعَيْنِ، مَعَ أَنَّهُم مِن الْإِنْسِ، فَإِنَّ الْإِنْسَ وَالْجِنَّ مُشْتَرِكُونَ مَعَ كَوْنِهِمْ أَحْيَاءً نَاطِقِينَ مَأَمُورِينَ مَنْهِيِّينَ، فَإِنَّهُم يَأكُلُونَ وَيشْرَبُونَ وَيَنْكحُونَ وَينْسِلُونَ وَيَغْتَذُونَ وينْمُونَ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، وَهَذِهِ الْأُمُورُ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَهُمْ، وَهُم يَتَمَيَّزُونَ بِهَا عَنِ الْمَلَائِكَةِ؛ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَأْكُلُ وَلَا تَشْرَبُ وَلَا تَنْكِحُ وَلَا تَنْسِل، فَصَارَ الرَّسُولُ مِن أَنْفُسِ الثَّقَلَيْنِ بِاعْتِبَارِ الْقَدْر الْمُشْتَرِك بَيْنَهُم الَّذِي تَمَيَّزُوا بِهِ عَنِ الْمَلَائِكَةِ، حَتَّى كَانَ الرَّسُولُ مَبْعُوثًا إلَى الثَّقَلَيْنِ دُونَ الْمَلَائِكَةِ. [١٦/ ١٩١ - ١٩٢] ١٤٥٨ - قوْله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧]، مَن قالَ: لا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلَّا اللهُ فَأَرَادَ بِهِ مَا يَؤَولُ إلَيْهِ الْكَلَامُ مِن الْحَقَائِقِ الَّتِي لَا يَعْلَمُهَا إلَّا اللهُ. وَمَن قَالَ: إنَّ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ يَعْلَمُونَ التَّأْوِيلَ فَالْمُرَادُ بِهِ تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الَّذِي بَيّنهُ الرَّسُولُ وَالصَّحَابَةُ. وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي لَفْظِ "التَّأْوِيلِ" عَلَى الْمَعْنَى الْمَرْجُوحِ، وَأَنَّهُ حَمْلُ اللَّفْظِ

стр. 1201

عَلَى الِاحْتِمَالِ الْمَرْجُوحِ دُونَ الرَّاجِحِ لدَلِيل يَقْتَرِنُ بِهِ: فَهَذَا اصْطِلَاحُ مُتَأَخِّرٌ، وَهُوَ التَّأْوِيلُ الَّذِي أَنْكرَهُ السَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ. [١٦/ ٤٠٨] ١٤٥٩ - قال اللهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ [آل عمران: ٢٥] وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالْجِدَالِ، وَلَو شَاءَ لَأَنْزَلَ حُجَجًا وَقَالَ لَهُ: قُلْ كَذَا وَكَذَا. [١٦/ ٤٧٦] * * * سورة النساء ١٤٦٠ - قال الله تعالى في سورة النساء بعد الآية التي أمر فيها بقواعد الشريعة: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦]، ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٧]، وقال في سورة الحديد: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (٢٣) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ [الحديدة ٢٣، ٢٤]. ففي كلا الموضعين وصف المختال الفخور بأنه يبخل ويأمر الناس بالبخل، وهذا -والله أعلم- موافق لِمَا (١) رواه أبو داود وغيره (٢) عن النبي ﷺ أنه قال: "من الخيلاء ما يحبها الله، ومن الخيلاء ما يبغضها الله؛ فأما الخيلاء التي يحبها الله فاختيال الرجل نفسه في الحرب، واختياله نفسه عند الصدقة"، أو كما قال: "وأما الخيلاء التي يبغضها الله فالخيلاء في البغي والفخر" فإنه أخبر أن من الخيلاء ما يحبها الله، وهي الخيلاء في السماحة والشجاعة،

стр. 1202

ولذلك قال لأبي دجانة يوم أحد لما اختال بين الصفين فقال: "إنها لمشية يبغضها الله إلا في هذا الموطن"، ولهذا جوَّزنا في أحد القولين ما رويناه عن عمر من لبس الحرير في الحرب؛ لأن الخيلاء التي فيه محبوبة في الحرب كما دل عليه الحديثان؛ وذلك -والله أعلم- لأن الاختيال من التخيل، والتخيل من باب التصور الذي قد يكون تصورًا للموجود، وقد يكون تصورًا للمفقود، فإن كان مطابقًا للموجود ومحمودًا في القصد فهو تخيل حق نافع، وإن كان مخالفًا للموجود مذمومًا في القصد فهو الباطل الضار. [المستدرك ١/ ١٧٨] ١٤٦١ - قَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣]، قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ -وَهُوَ يُرْوى عَن الضَّحَّاكِ-: لَا تَقْرَبُوهَا وَأَنْتُمْ سُكَارَى مِن النَّوْمِ. وَهَذَا إذَا قِيلَ إنَّ الْآيَةَ دَلَّتْ عَلَيْهِ بِطَرِيقِ الِاعْتِبَارِ أَو شُمُولِ مَعْنَى اللَّفْظِ الْعَامِّ، وَإِلَّا فَلَا ريبَ أَنَّ سَبَبَ نُزُولِ الْآيَةِ كَانَ السُّكْرَ مِن الْخَمْرِ، وَاللَّفْظُ صَرِيحٌ فِي ذَلِكَ، وَالْمَعْنَى الْآخَرُ صَحِيحٌ أَيْضًا. [١٠/ ٤٣٨] ١٤٦٢ - قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦)﴾ [النساء: ٢٦]، ذَكَرَ ثَلَاثَةَ أمُورٍ: التَّبْيِينَ وَالْهُدَى وَالتَّوْبَةَ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ أَوَّلًا يَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَةِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ وَمَا أُمِرَ بِهِ وَمَا نُهِيَ عَنْهُ. ثمَّ يَحْتَاجُ بَعْدَ ذَلِكَ إلَى أَنْ يُهْدَى فَيَقْصِدُ الْحَقَّ ويعْمَلُ بِهِ دُونَ الْبَاطِلِ، وَهُوَ سُنَنُ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ. ثُمَّ لَا بُدَّ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ مِن الذُّنُوبِ فَيُرِيدُ أَنْ يَتَطَهَّرَ مِنْهَا بِالتَّوْبَةِ. فَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَى الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ بِهِ، وَإِلَى التَّوْبَةِ مَعَ ذَلِكَ، فَلَا بُدَّ لَهُ مِن التَّقْصِيرِ أَو الْغَفْلَةِ فِي سُلُوكِ تِلْكَ السُّنَنِ الَّتِي هَدَاهُ اللهُ إلَيْهَا فَيَتُوبُ مِنْهَا بِمَا وَقَعَ مِن تَفْرِيطٍ فِي كُلِّ سُنَّةٍ مِن تِلْكَ السُّنَنِ. [١٠/ ٥٧٩ - ٥٨٠]

стр. 1203

١٤٦٣ - قَوْلُهُ: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩] بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٨]: لَو اقْتَصَرَ عَلَى الْجَمْعِ (١): أَعْرَضَ الْعَاصِي عَن ذَمِّ نَفْسِهِ، وَالتَّوْبَةِ مِن الذَّنْبِ، وَالِاسْتِعَاذَةِ مِن شَرِّهِ، وَقَامَ بِقَلْبِهِ حُجَّةُ إبْلِيسَ، فَلَمْ تَزِدْهُ إلَّا طَرْدًا، كَمَا زَادَت الْمُشْرِكِينَ ضَلَالًا حِينَ قَالُوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨]. وَلَو اقْتَصَرَ عَلَى الْفَرْقِ: لَغَابُوا عَن التَّوْحِيدِ وَالْإِيمَانِ بِالْقَدَرِ وَاللَّجَأِ إلَى اللهِ فِي الْهِدَايَةِ. [١٤/ ٢٢٢] واَلَّذِي عَلَيْهِ عَامَّةُ الْمُفَسِّرِينَ: أَنَّ الْحَسَنَةَ والسَّيِّئَةَ يُرَادُ بِهِمَا النِّعَمَ وَالْمَصَائِبَ، لَيْسَ الْمُرَادُ: مُجَرَّدَ مَا يَفْعَلُهُ الْإِنْسَانُ بِاخْتِيَارِهِ بِاعْتِبَارِهِ مِن الْحَسَنَاتِ أَو السَّيِّئّاَتِ. وَلَفْظُ الْحَسَنَاتِ والسَّيِّئَاتِ فِي كِتَابِ اللهِ: يُتَنَاوَلُ هَذَا وَهَذَا، قَالَ اللهُ تَعَالَى عَن الْمُنَافِقِينَ: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾ [آل عمران: ١٢٠]. وَامَّا الْأعْمَالُ الْمَأمُورُ بِهَا وَالْمَنْهِي عَنْهَا: فَفِي مِثْل قَوْله تَعَالَى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٨٤)﴾ [القصص: ٨٤]، وقَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤]. وَإِذَا كَانَت السَّيِّئَاتُ الَّتِي يَعْمَلُهَا الْإِنْسَانُ قَد تَكُونُ مِن جَزَاءِ سَيِّئَاتٍ تَقَدَّمَتْ (٢) -وَهِيَ مُضِرَّةٌ- جَازَ أنْ يُقَالَ: هِيَ مِمَّا أَصَابَهُ مِن السَّيِّئَاتِ وَهِيَ بِذُنُوبِ تَقَدَّمَتْ. وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ: فَالذُّنُوبُ الَّتِي يَعْمَلُهَا؛ هِيَ مِن نَفْسِهِ. وَإِن كَانَت مُقَدَّرَةً عَلَيْهِ.

стр. 1204

وَالْمَقْصُودُ: أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، فإِنَّهُم جَعَلوا مَا يُصِيبهم مِن الْمَصَائِبِ بِسَبَبِ مَا جَاءَهُم بِهِ الرَّسُولُ، وَكَانُوا يَقُولُونَ: النِّعْمَةُ الَّتِي تُصِيبُنَا هِيَ مِن عِنْدِ اللهِ، وَالْمُصِيبَةُ مِن عِنْدِ مُحَمَّدٍ؛ أيْ: بِسَبَبِ دِينِهِ وَمَا أَمَرَ بِهِ، فَقَالَ تَعَالَى: قُلْ هَذَا وَهَذَا مِن عِنْدِ اللهِ، لَا مِن عِنْدِ مُحَمَّدٍ. مُحَمَّدٌ لَا يَأْتِي لَا بِنِعْمَة وَلَا بِمُصِيبَة. [١٤/ ٢٣٤ - ٢٤٥] فَإِنْ قِيلَ: إذَا كَانَت الطَّاعَاتُ وَالْمَعَاصِي مُقَدَّرَةً، وَالنِّعَمُ وَالْمَصَائِبُ مُقَدَّرَةً. فَلِمَ فَرَّقَ بَيْنَ الْحَسَنَاتِ، الَّتِي هِيَ النّعَمُ، وَالسَّيِّئَاتِ، الَّتِي هِيَ الْمَصَائِبُ؟ فَجَعَلَ هَذِهِ مِن اللهِ، وَهَذِهِ مِن نَفْسِ الْإِنْسَانِ؟ قِيلَ: لِفَرُوقِ بَيْنَهُمَا: الْفَرْقُ الْأوّلُ: أَنَّ نِعَمَ اللهِ وَإِحْسَانَهُ إلَى عِبَادِهِ يَقَعُ ابْتِدَاءً بِلَا سَبَبٍ مِنْهُم أَصْلًا، فَهُوَ يُنْعِمُ بِالْعَافِيَةِ وَالرِّزْقِ وَالنَّصْرِ، وَغَيْرِ ذَلِك عَلَى مَن لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ. الْفَرْقُ الثانِي: أَنَّ الَّذِي يَعْمَلُ الْحَسَنَاتِ إذَا عَمِلَهَا، فَنَفْسُ عَمَلِهِ الْحَسَنَاتِ: هو من إحْسَانِ اللهِ، وَبِفَضْلِهِ عَلَيْهِ بِالْهِدَايَةِ وَالْإِيمَانِ. وَأَمَّا السَّيّئَةُ: فَلَا تَكُونُ إلَّا بِذَنْبِ الْعَبْدِ، وَذَنْبُهُ مِن نَفْسِهِ، وَهُوَ لَمْ يَقُلْ: إنِّي لَمْ أقَدِّرْ ذَلِك وَلَمْ أَخْلُقْهُ، بَل ذَكَرَ لِلنَّاسِ مَا يَنْفَعُهُمْ. فَإِذَا تَدَبَّرَ الْعَبْدُ عَلِمَ أَنَّ مَا هُوَ فِيهِ مِن الْحَسَنَاتِ مِن فَضْلِ اللهِ، فَشَكَرَ اللهَ، فَزَادَهُ اللهُ مِن فَضْلِهِ عَمَلًا صَالِحًا، وَنِعَمًا يُفِيضُهَا عَلَيْهِ. وَإِذَا عَلِمَ أَنَّ الشَّرَّ لَا يَحْصُلُ لَهُ إلَّا مِن نَفْسِهِ بِذُنُوبِهِ: اسْتَغْفَرَ وَتَابَ. فَزَالَ عَنْهُ سَبَبُ الشَّرِّ. فَيَكُونُ الْعَبْدُ دَائِمًا شَاكِرًا مُسْتَغْفِرًا. فَلَا يَزَالُ الْخَيْرُ يَتَضَاعَفُ لَهُ، وَالشَّرُّ يَنْدَفِعُ عَنْهُ. [١٤/ ٢٥٩ - ٢٦٢]

стр. 1205

وَفِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ مِن الْفَوَائِدِ: أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَرْكَنُ إلَى نَفْسِهِ وَلَا يَسْكُنُ إلَيْهَا (١). فَإِنَّ الشَّرَّ لَا يَجِيءُ إلَّا مِنْهَا. وَلَا يَشْتَغِلُ بِمَلَامِ النَّاسِ وَلَا ذَمِّهِمْ إذَا أَسَاؤُوا إلَيْهِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ مِن السَّيِّئاتِ الَّتِي أَصَابَتْهُ، وَهِيَ إنَّمَا أَصَابَتْهُ بِذُنُوبِهِ، فَيَرْجِعُ إلَى الذُّنُوبِ فَيَسْتَغْفِرُ مِنْهَا، ويستَعِيذُ بِاللهِ ٠ مِن شَرِّ نَفْسِهِ وَسَيِّئَاتِ عَمَلِهِ، وَيَسْأَلُ اللهَ أَنْ يُعِينَهُ عَلَى طَاعَتِهِ، فَبِذَلِكَ يَحْصُلُ لَهُ كُلُّ خَيْرٍ، وَيَنْدَفِعُ عَنْهُ كلُّ شَرٍّ. وَلهَذَا كَانَ أَنْفَعُ الدُّعَاءِ وَأَعْظَمُهُ وَأَحْكَمُهُ: دُعَاءَ الْفَاتِحَةِ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ [الفاتحة: ٦]، فَإِنَّهُ إذَا هَدَاهُ هَذَا الصّرَاطَ: أَعَانَهُ عَلَى طَاعَتِهِ وَتَرْكِ مَعْصِيَتِهِ، فَلَمْ يُصِبْهُ شَرٌّ لَا فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ. لَكِنَّ الذُّنُوبَ هِيَ مِن لَوَازِمِ نَفْسِ الْإِنْسَانِ، وَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَى الْهُدَى فِي كُلّ لَحْظَةٍ، وَهُوَ إلَى الْهُدَى أَحْوَجُ مِنْهُ إلَى الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ. لَيْسَ كَمَا يَقُولُهُ طَائِفَة مِن الْمُفَسِّرِينَ: إنَّهُ قَد هَدَاهُ. فَلِمَاذَا يَسْأَلُ الْهُدَى؟ وَأَنَّ الْمُرَادَ بِسُؤَالِ الْهُدَى: الثَّبَاتُ أَو مَزِيدُ الْهِدَايَةِ. بَلِ الْعَبْدُ مُحْتَاجٌ إلَى أَنْ يُعَلِّمَهُ رَبُّهُ مَا يَفْعَلُهُ مِن تَفَاصِيلِ أَحْوَالِهِ، وَإِلَى مَا يَتَوَلَّدُ مِن تَفَاصِيلِ الْأُمُورِ فِي كُلِّ يَوْمٍ، وَإِلَى أَنْ يُلْهَمَ أَنْ يَعْمَلَ ذَلِكَ. فَإِنَّهُ لَا يَكْفِي مُجَرَّدُ عِلْمِهِ إنْ لَمْ يَجْعَلْهُ اللهُ مُرِيدًا لِلْعَمَلِ بِعِلْمِهِ، وَإِلَّا كَانَ الْعِلْمُ حُجَّةً عَلَيْهِ، وَلَمْ يَكُن مُهْتَدِيًا. وَالْعَبْدُ مُحْتَاجٌ إلَى أَنْ يَجْعَلَهُ اللهُ قَادِرًا عَلَى الْعَمَلِ بِتِلْكَ الْإِرَادَةِ الصَّالِحَةِ. فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ مُهْتَدِيًا إلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ -صِرَاطِ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِن النَّبِيّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ- إلَّا بِهَذِهِ الْعُلُومِ وَالْإِرَادَاتِ

стр. 1206

وَالْقُدْرَةِ عَلَى ذَلِكَ (١). [١٤/ ٣١٩ - ٣٢١] ١٤٦٤ - قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (١٠٧)﴾ [النساء: ١٠٧]، فَقَوْلُهُ: ﴿يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ مِثْلُ قَوْلِهِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة؛ ١٨٧]، قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ وَطَائِفَةٌ مِن الْمُفَسِّرِينَ: مَعْنَاهُ: تَخُونُونَ أَنْفُسَكُمْ، زَادَ بَعْضُهُمْ: تَظْلِمُونَهَا. وَهَذَا الْقَوْلُ فِيهِ نَظَرٌ؛ فَإِنَّ كُلَّ ذَنْبٍ يُذْنِبُهُ الْإِنْسَان فَقَد ظَلَمَ فِيهِ نَفْسَهُ، سَوَاءٌ فَعَلَهُ سِرًّا أَو عَلَانِيَةً. وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ إِنَّمَا اُسْتُعْمِلَ فِي خَاص مِن الذُّنوبِ مِمَّا يُفْعَلُ سِرًّا. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ: فَالْإِنْسَانُ كَيْفَ يَخُونُ نَفْسَهُ، وَهُوَ لَا يَكْتُمُهَا مَا يَقُولُهُ وَيَفْعَلُهُ سِرًّا عَنْهَا؛. فَالْأَشْبَهُ -وَاللهُ أَعْلَمُ- أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ مِثْل قَوْلِهِ: ﴿إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠]. وَالْبَصْرِيُّونَ يَقُولُونَ فِي مِثْل هَذَا: إنَّهُ مَنْصُوبٌ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، ويُخْرِجُونِ قَوْلَهُ: ﴿سَفِهَ﴾ عَن مَعْنَاهُ فِي اللُّغَةِ، فَإِنَّهُ فِعْلٌ لَازِمٌ؛ فَيَحْتَاجُونَ أَنْ يَنْقُلُوهُ مِن اللُّزُومِ إلَى التَّعْدِيَةِ بِلَا حُجَّةٍ. وَأَمَّا الْكُوفِيُّونَ -كَالْفَرَّاءِ وَغَيْرِهِ وَمَن تَبِعَهُم- فَعِنْدَهُم أَنَّ هَذَا مَنْصُوبٌ عَلَى التَّمْيِيزِ، وَعِنْدَهُم أَنَّ الْمُمَيَّزَ قَد يَكُونُ مَعْرِفَةً كَمَا يَكُون نَكِرَةً، وَذَكَرُوا لِذَلِكَ شَوَاهِدَ كَثِيرَةً مِن كَلَامِ الْعَرَبِ مِثْل قَوْلِهِمْ: أَلِمَ فُلَانٌ رَأسَهُ، وَوَجِعَ بَطْنَهُ، وَرَشَدَ أَمْرَهُ.

стр. 1207

وَكَانَ الْأَصْلُ سَفِهَتْ نَفْسُهُ وَرَشَدَ أَمْرُهُ. وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: غَبِنَ رَأيُهُ، وَبَطِرَتْ نَفْسُهُ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾ [القصص: ٥٨] مِن هَذَا الْبَابِ، فَالْمَعِيشَةُ نَفْسُهَا بَطِرَتْ. فَقَوْلُهُ: ﴿سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ مَعْنَاهُ: إلَّا مَن سَفِهَتْ نَفْسُهُ؛ أَيْ: كَانَت سَفِيهَة، فَلَمَّا أَضَافَ الْفِعْلَ إلَيْهِ نَصَبَهَا عَلَى التَّمْيِيزِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ [مريم: ٤] وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ قُتَيْبَةَ وَغَيْرِهِ؛ لَكِنَّ ذَاكَ نَكِرَةٌ وَهَذَا مَعْرِفَةٌ. وَهَذَا الَّذِي قَالَه الْكُوفِيُّونَ أَصَحُّ فِي اللُّغَةِ وَالْمَعْنَى؛ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ هُوَ السَّفِيهُ نَفْسُهُ: كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٢]. فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾؛ أَيْ: تَخْتَانُ أَنْفُسُكُمْ؛ فَالْأَنْفُسُ هِيَ الَّتِي اخْتَانَتْ كَمَا أَنَّهَا هِيَ السَّفِيهَةُ. وَقَالَ: اخْتَانَتْ وَلَمْ يَقلْ خَانَتْ؛ لِأَنَّ الِافْتِعَالَ فِيهِ زِيَادَةُ فِعْلٍ عَلَى مَا فِي مُجَرَّدِ الْخِيَانَةِ. أَو يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾؛ أَيْ: يَخُونُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا كَقَوْلِهِ: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤]. وَالْأوَّلُ أَشْبَهُ. وَخَانَ وَاخْتَانَ مِثْلُ كَسَبَ وَاكْتَسَبَ. [١٤/ ٤٣٨ - ٤٤٣] ١٤٦٥ - دَلَّ قَوْلُهُ تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٧]، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْجِدَالُ عَن الْخَائِنِ، وَلَا يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يُجَادِلَ عَن نَفْسِهِ إذَا كَانَت خَائِنَةً: لَهَا فِي السِّرِّ أَهْوَاءٌ وَأَفْعَالٌ بَاطِنَةٌ تَخْفَى عَلَى النَّاسِ. فَالِاعْتِذَارُ عَن النَّفْسِ بِالْبَاطِلِ وَالْجِدَالُ عَنْهَا لَا يَجُوز (١). [١٤/ ٤٤٤ - ٤٤٧]

стр. 1208

١٤٦٦ - وَهُوَ سُبْحَانَه ذَكَرَ فِي سُورَةِ النسَاءِ مَا يُخْتَصُّ بِالنِّسَاءِ مِنَ الْعُقُوبَةِ بِالْإِمْسَاكِ فِي الْبُيُوتِ إلَى الْمَمَاتِ أَو إلَى جَعْلِ السَّبِيلِ، ثُمَّ ذَكَرَ مَا يَعُمُّ الصِّنْفَيْنِ فَقَالَ: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ [النساء: ١٦] فَإِنَّ الْأَذَى يَتَنَاوَلُ الصِّنْفَيْنِ، وَأَمَّا الْإمْسَاكُ فَيُخْتَصُّ بِالنسَاءِ، فَالنّسَاءُ يُؤْذَيْنَ، وُيحْبَسْنَ بِخِلَافِ الرِّجَالِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ فِيهِمْ بِالْحَبْسِ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ يَجِبُ أَنْ تُصَانَ وَتحْفَظَ بِمَا لَا يَجِبُ مِثْلُهُ فِي الرَّجُلِ. [١٥/ ٢٩٧] ١٤٦٧ - قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾ [النساء: ١٦]، أَمْرٌ بِالْأذَى مُطْلَقًا، وَلَمْ يَذْكُرْ كَيْفِيَّتَهُ وَصِفَتَهُ وَلَا قَدْرَهُ، بَل ذَكَرَ أَنَّهُ يَجِبُ إيذَاؤهُمَا، وَلَفْظُ "الْأَذَى" يُسْتَعْمَلُ فِي الْأَقْوَالِ كَثِيرًا كَقَوْلِهِ: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى﴾ [آل عمران: ١١١]. وَقَالَ: ﴿فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾ وَالْإِعْرَاضُ هُوَ الْإِمْسَاكُ عَن الْإِيذَاءِ. فَالْمُذْنِبُ لَا يَزَالُ يُؤْذَى وَيُنْهَى ويُوعَظُ ويوَبَّخُ وَيُغَلَّظُ لَهُ فِي الْكَلَامِ إلَى أَنْ يَتُوبَ ويُطِيعَ اللهَ، وَأَدْنَى ذَلِكَ هَجْرُهُ فَلَا يُكَلَّمُ بِالْكَلَامِ الطَّيِّبِ. فَمَن أَتَى الْفَاحِشَةَ مِن الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فَإِنَّهُ يَجِبُ إيذَاؤُهُ بِالْكَلَامِ الزَّاجِرِ لَهُ عَنِ الْمَعْصِيَةِ إلَى أنْ يَتُوبَ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ فَأَمَرَ بِإِيذَائِهِمَا وَلَمْ يُعَلِّقْ ذَلِكَ عَلَى اسْتِشْهَادِ أَرْبَعَةٍ، كَمَا عَلَّقَ ذَلِكَ فِي حَقّ النِّسَاءِ وَإِمْسَاكِهِنَّ فِي الْبُيُوتِ، وَلَمْ يَأْمُرْ بِهِ هُنَا كَمَا أَمَرَ بِهِ هُنَاكَ، وَلَيْسَ هَذَا مِن بَابِ حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ وَاحِدًا. وَذَكَرَ فِي حَدِّ الْقَذْفِ ثَلَاثَةَ أَحْكَامٍ: جَلْدُ ثَمَانِينَ، وَتَرْكُ قَبُولِ شَهَادَتِهِمْ أَبَدًا، وَإِنَّهُم فَاسِقُونَ ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾ [النور: ٥]، وَأَنَّ التَوْبَةَ لَا تَرْفَعُ الْجَلْدَ إذَا طَلَبَهُ الْمَقْذُوفُ، وَتَرْفَعُ الْفِسْقَ بِلَا

стр. 1209

تَرَدُّدٍ، وَهَل تَرْفَعُ الْمَنْعَ مِن قَبُولِ الشَّهَادَةِ؟ فَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ قَالُوا تَرْفَعُهُ. وَإِذَا اُشْتُهِرَ عَن شَخْصٍ الْفَاحِشَةُ بَيْنَ النَّاسِ لَمْ يُرْجَمْ؛ لِمَا ثَبَتَ فِي "الصَّحِيحِ" (١) عَن ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ حَدِيثَ الْمُلَاعَنَةِ وَقَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ : "إنْ جَاءَت بِهِ يُشْبِهُ الزَّوْجَ فَقَد كَذَبَ عَلَيْهَا، وَإِن جَاءَت بِهِ يُشْبِهُ الرَّجُلَ الَّذِي رَمَاهَا بِهِ فَقَد صَدَقَ عَلَيْهَا"، فَجَاءَت بِهِ عَلَى النَّعْتِ الْمَكْرُوهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَوْلَا الْأَيْمَانُ لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ"، فَقِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: أَهَذِهِ الَّتِي قَالَ فِيهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَو كنْت رَاجِمًا أَحَدًا بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ لَرَجَمْتهَا؟ " فَقَالَ: لَا، تِلْكَ امْرَأَة كَانَت تُعْلِنُ السُّوءَ فِي الْإِسْلَامِ (٢). فَقَد أَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يَرْجْمُ أَحَدًا إلَّا بِبَيّنَةٍ وَلَو ظَهَرَ عَن الشَّخْصِ السُّوءُ. وَدَلَّ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ الشَّبَهَ لَهُ تَأْثِيرٌ فِي ذَلِكَ وَإِن لَمْ يَكُن بَيِّنةً. وَكَذَلِكَ ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ لَمَّا مُرَّ عَلَيْهِ بِجَنَازَةٍ فَأثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْرًا، قَالَ النَّبِيّ ﷺ : "وَجَبَتْ" ثُمَّ مَرُّوا بِأُخْرَى فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا شَرًّا، فَقَالَ: "وَجَبَتْ" فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ ﵁: مَا وَجَبَتْ؟ قَالَ: "هَذَا أثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا، فَوَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ، وَهَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا، فَوَجَبَتْ لَهُ النَّارُ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللهِ فِي الأَرْضِ" (٣). وَفِي الْمُسْنَدِ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: "يُوشِكُ أَنْ تَعْلَمُوا أَهْلَ الْجَنَّةِ مِن أَهْلِ النَّارِ" قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ وَبِمَ ذَلِكَ؟ قَالَ: "بِالثناءِ الْحَسَنِ وَالثَّناءِ السَّيِّئِ" (٤). فَقَد جَعَلَ الِاسْتِفَاضَةَ حُجَّةً وَبَيِّنَةً فِي هَذِهِ الْأَحْكَامِ، وَلَمْ يَجْعَلْهَا حُجَّةً فِي الرَّجْمِ (٥).

стр. 1210

وَكَذَلِكَ تقْبَلُ شَهَادَةُ أَهْلِ الْكِتَابِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي الْوَصِيَّةِ فِي السَّفَرِ عِنْدَ أَحْمَد، وَكَذَلِكَ شَهَادَةُ الصِّبْيَانِ فِي الْجِرَاحِ إذَا أَدَّوْهَا قَبْلَ التَّفَرُّقِ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، هاِذَا شَهِدَ شَاهِدٌ أَنَّهُ رَأَى الرَّجُلَ وَالْمَرْأَةَ وَالصَّبِيَّ فِي لِحَافٍ، أَو فِي بَيْتِ مِرْحَاضٍ، أَو رَآهُمَا مُجَرَّدَيْنِ أَو مَحْلُوليْ السَّرَاوِيلِ، ويُوجَدُ مَعَ ذَلِكَ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، مِن وُجُودِ اللِّحَافِ قَد خَرَجَ عَن الْعَادَةِ إلَى مَكَانِهِمَا، أَو يَكُونُ مَعَ أَحَدِهِمَا أَو مَعَهُمَا ضَوْءٌ قَد أَظْهَرَهُ فَرَآه فَأَطْفَأَهُ، فَإِنَّ إطْفَاءَهُ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِخْفَائِهِ بِمَا يَفْعَلُ، فَإِذَا لَمْ يَكُن مَا يُسْتَخْفَى بِهِ إلَّا مَا شَهِدَ بِهِ الشَّاهِدُ كَانَ ذَلِكَ مِن أَعْظَمِ الْبَيَانِ عَلَى مَا شَهِدَ بِهِ. فَهَذَا الْبَابُ بَابٌ عَظِيمُ النَّفْعِ فِي الدِّينِ، وَهُوَ مِمَّا جَاءَت بهِ الشَّرِيعَةُ الَّتِي أَهْمَلَهَا كَثِيرٌ مِنَ الْقُضَاةِ وَالْمُتَفَقِّهَةِ، زَاعِمِينَ أَنَّهُ لَا يُعَاقَبُ أَحَدٌ إلَّا بِشُهُودٍ عَايَنُوا أَو إقْرَارٍ مَسْمُوعٍ، وَهَذَا خِلَافُ مَا تَوَاتَرَتْ بِهِ السُّنَّةُ وَسُنَّةُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَخِلَافُ مَا فُطِرَتْ عَلَيْهِ الْقُلُوبُ الَّتِي تَعْرِفُ الْمَعْرُوفَ وَتُنْكِرُ الْمُنْكَرَ، وَيعْلَمُ الْعُقَلَاءُ أَنَّ مِثْل هَذَا لَا تَأْبَاهُ سِيَاسَةٌ عَادِلَةٌ، فَضْلًا عَن الشَّرِيعَةِ الْكَامِلَةِ. وَيدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ [الحجرات: ٦] فَفِي الْآيَةِ دَلَالَاتٌ: أَحَدُهَا قَوْلُهُ: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ فَأَمَرَ بِالتَّبَيُّنِ عِنْدَ مَجِيءِ كُل فَاسِقٍ بِكُلِّ نَبَأٍ. بَل هَذِهِ دَلَالَةٌ وَاضِحَةٌ عَلَى أَنَّ الْإِصَابَةَ بِنَبَأِ الْعَدْلِ الْوَاحِدِ لَا يُنْهَى عَنْهَا مُطْلَقًا، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى قَبُولِ شَهَادَةِ الْعَدْلِ الْوَاحِدِ فِي جِنْسِ الْعُقُوبَاتِ (١)، فَإِنَّ

стр. 1211

سَبَبَ نُزُولِ الْآيَةِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنَّهَا نَزَلَتْ فِي إخْبَارِ وَاحِدٍ بِأَنَّ قَوْمًا قَد حَارَبُوا بِالرِّدَّةِ أَو نَقْضِ الْعَهْدِ. وَفيهِ أَيْضًا أَنَّهُ مَتَى اقْتَرَنَ بِخَبَرِ الْفَاسِقِ دَلِيلٌ آخَرُ يَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِ فَقَدِ اسْتَبَانَ الْأَمْرُ وَزَالَ الْأَمْرُ بِالتَّثَبُّتِ (١)؛ فَتَجُوزُ إصَابَةُ الْقَوْمِ وَعُقُوبَتُهُم بِخَبَرِ الْفَاسِقِ مَعَ قَرِينَةٍ إذَا تَبَيَّنَ بِهِمَا الْأمُورُ، فَكَيْفَ خَبَرُ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ مَعَ دَلَالَةٍ؟.

стр. 1212

وَقَوْلُهُ: ﴿أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ فَجَعَلَ الْمَحْذُورَ هُوَ الْإِصَابَةَ لِقَوْمٍ بِلَا عِلْمٍ، فَمَتَى أصِيبُوا بِعِلْمٍ زَالَ الْمَحْذُورُ، وَهَذَا هُوَ الْمَنَاطُ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ، كَمَا قَالَ: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦]، وَقَالَ: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]. وقَوْله تَعَالَى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣)﴾ [النور: ٣]، لَمَّا أَمَرَ اللهُ تَعَالَى بِعُقُوبَةِ الزَّانِيَيْنِ: حَرَّمَ مُنَاكَحَتَهُمَا عَلَى الْمُؤمِنِينَ؛ هَجْرًا لَهُمَا وَلمَا مَعَهُمَا مِن الذُّنُوبِ وَالسَّيِّئاتِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥)﴾ [المدثر: ٥]. وَالْمَقْصُودُ قَوْلُهُ: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ فَإِنَّ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَ الزَّانِيَ لَا يَتَزَوَّجُ إلَّا زَانِيَةً أَو مُشْرِكَة، وَإِنَّ ذَلِكَ حَرَامٌ عَلَى الْمُؤمِنِينَ، وَلَيْسَ هَذَا لِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ فَاجِرًا، بَل لِخُصُوصِ كَوْنِهِ زَانِيًا. وَكَذَلِكَ فِي الْمَرْأَةِ لَيْسَ لِمُجَرَّدِ فُجُورِهَا، بَل لِخُصُوصِ زِنَاهَا، بِدَلِيلِ أَنَّهُ جَعَلَ الْمَرْأَةَ زَانِيَة إذَا تَزَوَّجَتْ زَانِيًا، كَمَا جَعَلَ الزَّوْجَ زَانِيًا إذَا تَزَوَّجَ زَانيَةً، هَذَا إذَا كَانَا مُسْلِمَيْنِ يَعْتَقِدَانِ تَحْرِيمَ الزِّنَا (١). فَإِذَا رَضِيَتْ الْمَرْأَةُ أَنْ تَنْكِحَ زَانِيًا فَقَد رَضِيَتْ عَمَلَهُ، وَكَذَلِكَ إنْ رَضِيَ الرَّجُلُ أَنْ يَنْكِحَ زَانِيَةً فَقَد رَضِيَ عَمَلَهَا، وَمَن رَضِيَ الزنى كَانَ بِمَنْزِلَةِ الزَّانِي. وَمَن تَزَوَّجَ غَيْرَ تَائِبَةٍ فَقَد رَضِيَ أَنْ تَزْنِيَ؛ إذ لَا يُمْكِنُهُ مَنْعُهَا مِن ذَلِكَ، فَإِنَّ كَيْدَ النِّسَاءِ عَظِيمٌ. وَلهَذَا جَازَ لِلرَّجُلِ إذَا أَتَتْ امْرَأَتُهُ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ أَنْ يَعْضُلَهَا لِتَفْتَدِي نَفْسَهَا مِنْهُ، وَهُوَ نَصُّ أَحْمَد وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهَا بِزِنَاهَا طَلَبَتْ الِاخْتِلَاع مِنْهُ وَتَعَرَّضَتْ لِإِفْسَادِ نِكَاحِهِ.

стр. 1213

وقَوْله تَعَالَى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ [النور: ٢٦] .. جَاءَ الْحَصْرُ مِن الْجَانِبَيْن مُوَافِقًا لِقَوْلِهِ: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾. وَقَد مَضَتْ سُنَّةُ النَّبِيِّ ﷺ بِالتَّفْرِيقِ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ سَوَاءٌ حَصَلَتِ الْفُرْقَة بِتَلَاعُنِهِمَا أَو احْتَاجَتْ إلَى تَفْرِيقِ الْحَاكِمِ أَو حَصَلَتْ عِنْدَ انْقِضَاءِ لِعَانِ الزَّوْجِ؛ لِأنَّ أحَدَهُمَا مَلْعُون أو خَبِيث، فَاقْتِرَانُهُمَا بَعْدَ ذَلِكَ يَقْتَضِي مُقَارَنَةَ الْخَبِيثِ الْمَلْعُونِ لِلطَّيِّبِ. وَفي "صَحِيحِ مُسْلِمٍ" (١) عَن عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْن حَدِيثُ الْمَرْأَةِ الَّتِي لَعَنَتْ نَاقَةً لَهَا فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ فَأَخَذَ مَا عَلَيْهَا وَأُرْسِلَتْ وَقَالَ: "لَا تَصْحَبُنَا نَاقَةٌ مَلْعُونَةٌ". وَهَكَذَا السُّنَّةُ فِي مُقَارِنَةِ الظَّالِمِينَ وَالزُّنَاةِ وَأَهْلِ الْبِدَعِ وَالْفُجُورِ وَسَائِرِ الْمَعَاصِي: لَا يَنْبَغِي لِأَحَدِ أَنْ يُقَارِنَهُم وَلَا يُخَالِطَهُم إلَّا عَلَى وَجْهٍ يَسْلَمُ بِهِ مِن عَذَابِ اللهِ ، وَأَقَلُّ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مُنْكِرًا لِظُلْمِهِمْ، مَاقِتًا لَهُم شَانِئًا مَا هُم فِيهِ بِحَسَبِ الْإمْكَانِ. وَذَلِكَ أَنَّ مُقَارَنَةَ الْفُجَّارِ إنَّمَا يَفْعَلُهَا الْمُؤمِنُ فِي مَوْضِعَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مُكْرَهًا عَلَيْهَا. وَالثانِي: أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي مَصْلَحَةٍ دِينِيَّةٍ رَاجِحَةٍ عَلَى مَفْسَدَةِ الْمُقَارَنَةِ أَو أَنْ يَكُونَ فِي تَرْكِهَا مَفْسَدَةٌ رَاجِحَة فِي دِينِهِ فَيَدْفَعُ أَعْظَمَ الْمَفْسَدَتَيْنِ بِاحْتِمَالِ أَدْنَاهُمَا. فَالْمُصَاحَبَة وَالْمُصَاهَرَةُ وَالْمُؤَاخَاةُ لَا تَجُوزُ إلَّا مَعَ أَهْلِ طَاعَةِ اللهِ تَعَالَى

стр. 1214

عَلَى مُرَادِ اللهِ، وَيدُلُّ عَلَى ذَلِكَ الْحَدِيثُ الَّذِي فِي "السُّنَنِ" (١): "لَا تُصَاحِبْ إلَّا مُؤْمِنًا، وَلَا يَأكلْ طَعَامَك إلَّا تَقِيٌّ". الْمُؤْمِنُ مُحْتَاجٌ إلَى امْتِحَانِ مَن يُرِيدُ أَنْ يُصَاحِبَهُ وَيُقَارِنَهُ بِنِكَاحٍ وَغَيْرِهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠]. وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ الَّتِي زَنَى بِهَا الرَّجُلُ فَإِنَّهُ لَا يَتَزَوَّجُ بِهَا إلَّا بَعْدَ التَّوْبَةِ فِي أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسّنَّةُ وَالْآثَارُ. لَكِنْ إذَا أَرَادَ أَنْ يَمْتَحِنَهَا هَل هِيَ صَحِيحَةُ التَّوْبَةِ أَمْ لَا؟ فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَن أَحْمَد: أَنَّهُ يُرَاوِدُهَا عَن نَفْسِها، فَإِنْ أَجَابَتْهُ لَمْ تَصِحَّ تَوْبَتُهَا، وَإِن لَمْ تُجِبْهُ فَقَد تَابَتْ. ثُمَّ إنَّهُ سُبْحَانَهُ نَهَى الْمَظْلُومَ بِالْقَذْفِ أَنْ يَمْنَعَ مَا يَنْبَغِي لَهُ فِعْلُهُ مِن الْإِحْسَانِ إلَى ذَوِي قَرَابَتِهِ وَالْمَسَاكِينِ وَأَهْلِ التَّوْبَةِ، وَأَمَرَهُ بِالْعَفْوِ وَالصَّفْحِ (٢)؛ فَإِنَّهُم كَمَا يُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُم فَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا وَلْيَغْفِرُوا، وَلَا ريبَ أَنَّ صِلَةَ الْأَرْحَامِ وَاجِبَةٌ، وَإِيتَاءَ الْمَسَاكِينِ وَاجِبٌ، وَإِعَانَةَ الْمُهَاجِرِينَ وَاجِبٌ، فَلَا يَجُوزُ تَرْكُ مَا يَجِبُ مِن الْإِحْسَانِ لِلْإِنْسَانِ بِمُجَرَّدِ ظُلْمِهِ وَإِسَاءَتِهِ فِي عِرْضِهِ (٣)، كَمَا لَا يَمْنَعُ الرَّجُلُ مِيرَاثَهُ وَحَقَّهُ مِن الصَّدَقَاتِ وَالْفَيءِ بِمُجَرَّدِ ذَنْبٍ مِن الذُّنُوبِ، وَقَد يُمْنَعُ مِن ذَلِكَ لِبَعْضِ الذُّنُوبِ.

стр. 1215

وَفِي الْآيَةِ دَلَالَةٌ عَلَى وُجُوبِ الصِّلَةِ وَالنَّفَقَةِ وَغَيْرِهَا لِذَوِي الْأَرْحَامِ -الَّذِينَ لَا يَرِثُونَ بِفَرْضٍ وَلَا تَعْصِيبٍ (١) - فَإِنَّهُ قَد ثَبَتَ فِي "الصَّحِيحِ" عَن عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ الْإِفْكِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدّيقَ حَلَفَ أَنْ لَا يُنْفِقَ عَلَى مِسْطَحِ بْنِ أُثَاثَةَ، وَكَانَ أَحَدَ الْخَائِضِينَ فِي الْإِفْكِ فِي شَأنِ عَائِشَةَ، وَكَانَت أُمُّ مِسْطَحٍ بِنْتَ خَالَةِ أَبِي بَكْرٍ، وَقَد جَعَلَهُ اللهُ مِن ذَوِي الْقُرْبَى الَّذِينَ نَهَى عَن تَرْكِ إيتَائِهِمْ، وَالنَّهْيُ

стр. 1216

يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ، فَإِذَا لَمْ يَجُز الْحَلِفُ عَلَى تَرْكِ الْفِعْلِ كَانَ الْفِعْلُ وَاجِبًا؛ لِأَنَّ الْحَلِفَ عَلَى تَرْكِ الْجَائِزِ جَائِزٌ. قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النورة ٤]، وَقَالَ فِيهَا: والذين يرمون أزواجهم ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة، فَذَكَرَ عَدَدَ الشُّهَدَاءِ وَأَطْلَقَ صِفَتَهُم وَلَمْ يُقَيِّدْهُم بِكَوْنِهِمْ مِنَّا وَلَا مِمَن نَرْضَى وَلَا مِن ذَوِي الْعَدْلِ، كَمَا قَيَّدَ صِفَةَ الشُّهَدَاءِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. وَلهَذَا تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ: هَل شَهَادَةُ الْأَرْبَعَةِ الَّتِي يَجِبُ بِهَا الْحَدُّ عَلَى الزَّانِي مِثْلُ شَهَادَةِ أَهْلِ الْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ وَغَيْرِهِمْ، هَل تَدْرَأُ الْحَدَّ عَن الْقَاذِفِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا تَدْرَأُ الْحَدَّ عَن الْقَاذِفِ وَإِن لَمْ تُوجِبْ حَدَّ الزنى عَلَى الْمَقْذُوفِ؛ كَشَهَادَةِ الزَّوْجِ عَلَى امْرَأَتِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَدْرَأُ حَدَّ الْقَذْفِ وَلَا يَجِبُ الْحَدُّ عَلَى امْرَأَتِهِ لِمُجَرَّدِ ذَلِكَ. فَلَا يَلْزَمُ مِن دَرْءِ الْحَدِّ عَن الْقَاذِفِ وُجُوبُ حَدِّ الزنى عَلَى الْمَقْذُوفِ؛ فَإِن كِلَاهُمَا حَدٌّ، وَالْحُدُودُ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَات. وَلَو كَانَ الْمَقْذُوفُ غَيْرَ مُحْصَنٍ -مِثْل أَنْ يَكُونَ مَشْهُورًا بِالْفَاحِشَةِ- لَمْ يُحَدَّ قَاذِفُهُ حَدَّ الْقَذْفِ، وَلَمْ يُحَدَّ هُوَ حَدَّ الزنى لِمُجَرَّدِ الِاسْتِفَاضَةِ، وَإِن كَانَ يُعَاقَبُ كُلٌّ مِنْهُمَا دُونَ الْحَدِّ، وَقَد اُعْتُبِرَ نِصَابُ حَدِّ الزنى بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ. وَكَذَلِكَ تُعْتَبَرُ صِفَاتُفمْ، فَلَا يُقَامُ حَدُّ الزنى عَلَى مُسْلِمٍ إلَّا بِشَهَادَةِ مُسْلِمِينَ، لَكِنْ يُقَالُ: لَمْ يُقَيّدْهُم بِأَنْ يَكُونُوا عُدُولًا مَرْضِيِّينَ كَمَا قَيَّدَهُم فِي آيةِ الدَّيْنِ لِقَوْلِهِ: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [المقرة: ٢٨٢]، وَقَالَ فِي آيَةِ الْوَصِيَّةِ: ﴿اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦]، وَقَالَ فِي آيةِ الرَّجْعَةِ:

стр. 1217

﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: ٢] فَقَد أَمَرَنَا اللهُ سُبْحَانَهُ بِأَنْ نَحْمِلَ الشَّهَادَةَ الْمُحْتَاجَ إلَيْهَا لِأَهْلِ الْعَدْلِ وَالرضى وَهَؤُلَاءِ هُم الْمُمْتَثِلُونَ مَا أَمَرَهُم اللهُ بِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا﴾ [النساء: ١٣٥] الْآيَةُ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [الأنعام: ١٥٢]، وَقَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وَقَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ (٣٣)﴾ [المعارج: ٣٣]، فَهُم يَقُومُونَ بِالشَّهَادَةِ بِالْقِسْطِ للهِ فَيَحْصُلُ مَقْصُودُ الَّذِي اسْتَشْهَدَهُ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ كَوْنَ شَهَادَتِهِمْ مَقْبُولَةً مَسْمُوعَة لِأَنَّهُم أَهْلُ الْعَدْلِ وَالزضَا، فَدَلَّ عَلَى وُجُوبِ ذَلِكَ فِي الْقَبُولِ وَالْأَدَاءِ، وَقَد نَهَى سُبْحَانَهُ عَن قَبُولِ شَهَادَةِ الْفَاسِقِ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجراتْ ٦] .. وَإِنَّمَا أَمَرَ بِالتَّثَبُّتِ عِنْدَ خَبَرِ الْفَاسِقِ الْوَاحِدِ وَلَمْ يَأْمُرْ بِهِ عِنْدَ خَبَرِ الْفَاسِقِينَ، فَإِنَّ خَبَرَ الِاثْنَيْنِ يُوجِئما مِنَ الِاعْتِقَادِ مَا لَا يُوجِبُهُ خَبَرُ الْوَاحِدِ. وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ [النور: ٤] فَهَذَا نَصٌّ فِي أَنَّ هَؤُلَاءِ الْقَذَفَةِ لَا تُقْبَلُ لَهُم شَهَادَةٌ أَبَدًا وَاحِدًا كَانوا أَو عَدَدًا. وَدَلَّت الآيةُ عَلَى أَنَّ شَهَادَتَهُم بَعْدَ التَّوْبَةِ مَقْبُولَةٌ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْجمْهُورِ. [١٥/ ٣٠٠ - ٣٥٤] ١٤٦٨ - قَوْلُهُ تعالى: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النساء: ١٥] دَلَّ عَلَى شَيْئَيْنِ: أ- عَلَى أَنَّ نِصَابَ الشَّهَادَةِ عَلَى الْفَاحِشَةِ أَرْبَعَةٌ. ب- وَعَلَى أَنَّ الشُّهَدَاءَ بِهَا عَلَى نِسَائِنَا يَجِبُ أَنْ يَكُونُوا مِنَّا، فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْكُفَّارِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَهَذَا لَا نِزَاعَ فِيهِ.

стр. 1218

وَإِنَّمَا النِّزَاعُ فِي قَبُولِ شَهَادَةِ الْكُفَّارِ بَعْضِهم عَلَى بَعْضٍ، وَفِيهِ قَوْلَانِ عِنْدَ أَحْمَدَ: أَشْهَرُهُمَا عِنْدَهُ وَعِنْدَ أَصْحَابِهِ أَنَّهَا لَا تُقْبَلُ كَمَذْهَبِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ. وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهَا تُقْبَلُ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَهُوَ أَشْبَهُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. [١٥/ ٢٩٧] ١٤٦٩ - قَالَ تَعَالَى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨]؛ أَيْ: ضَعِيفًا عَن النِّسَاءِ لَا يَصْبِرُ عَنْهُنَّ (١). [١٥/ ٤٠٠] ١٤٧٠ - قَالَ تَعَالَى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (١٦٦)﴾ [النساء: ١٦٦] .. قَوْلُهُ: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾، قَالَ الزَّجَّاجُ: أَنْزَلَهُ وَفِيهِ عِلْمُهُ .. وَهَذَا الْمَعْنَى مَأْثُورٌ عَن السَّلَفِ كَمَا رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَن عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ قَالَ: أَقْرَأَنِي أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقُرْآنَ، وَكَانَ إذَا أَقْرَأَ أَحَدَنَا الْقُرْآنَ قَالَ: قَد أَخَذْت عِلْمَ اللهِ فَلَيْسَ أَحَدٌ الْيَوْمَ أَفْضَلَ مِنْك إلَّا بِعَمَلِ ثمَّ يَقْرَأُ: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾. قُلْت: الْبَاءُ قَد يَكُونُ لِلْمُصَاحَبَةِ، كَمَا تَقُولُ: جَاءَ بِأَسْيَاد وَأَوْلَادِهِ، فَقَد أَنْزَلَهُ مُتَضَمِّنًا لِعِلْمِهِ مُسْتَصْحِبًا لِعِلْمِهِ، فَمَا فِيهِ مِنَ الْخَبَرِ هُوَ خَبَرٌ بِعِلْمِ اللهِ، وَمَا فِيهِ مِنَ الْأَمْرِ فَهُوَ أَمْرٌ بِعِلْمِ اللهِ، بِخِلَافِ الْكَلَامِ الْمُنَزَّلِ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ قَد يَكُونُ كَذِبًا وَظُلْمًا كَقُرْآنِ مُسَيْلِمَةَ، وَقَد يَكُونُ صِدْقًا لَكِنْ إنَّمَا فِيهِ عِلْمُ الْمَخْلُوقِ الَّذِي قَالَهُ فَقَطْ، لَمْ يَدُلَّ عَلَى عِلْمِ الله تَعَالَى إلَّا مِن جِهَةِ اللُّزومِ، وَهُوَ أَنَّ الْحَقَّ يَعْلَمُهُ اللهُ. [١٦/ ٤٦٤ - ٤٦٥]

стр. 1219

١٤٧١ - قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]، أَمَرَ سُبْحَانَهُ بِطَاعَتِهِ وَطَاعَةِ رَسُولِهِ وَأُولي الْأَمْرِ مِنَّا، وَأَمَرَ إنْ تَنَازَعْنَا فِي شَيءٍ أَنْ نَرُدَّهُ إلَى اللهِ وَالرَّسُولِ، فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ كُل مَا تَنَازَعَ الْمُؤمِنُونَ فِيهِ مِن شَيءٍ فَعَلَيْهِم أَنْ يَرُدُّوهُ إلَى اللهِ وَالرَّسُولِ، وَالْمُعَلَّقُ بِالشَرْطِ يُعْدَمُ عِنْدَ عَدَمِ الشَّرْطِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُم إذَا لَمْ يَتَنَازَعُوا لَمْ يَكُن هَذَا الْأَمْر ثَابِتًا، وَكَذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ لأنَهُم إذَا لَمْ يَتَنَازَعُوا كَانُوا عَلَى هُدًى وَطَاعَة للهِ وَرَسُولِهِ، فَلَا يَحْتَاجُوا حِينَئِذٍ أَنْ يَأْمُرُوا (١) بِمَا هُم فَاعِلُونَ مِن طَاعَةِ اللهِ وَالرَّسُولِ. وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُم إذَا لَمْ يَتَنَازَعُوا بَلِ اجْتَمَعُوا فَإِنَّهُم لَا يَجْتَمِعُونَ عَلَى ضَلَالَةٍ، وَلَو كَانُوا قَد يَجْتَمِعُونَ عَلَى ضَلَالَةٍ لَكَانُوا حِينَئِذٍ أَوْلَى بِوُجُوبِ الرَّدِّ إلَى اللهِ وَالرَّسُولِ مِنْهُم إذَا تَنَازَعُوا، فَقَد يَكُونُ أَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ مُطِيعًا للهِ وَالرَّسُولِ. فَإِذَا كَانُوا مَأْمُورِينَ فِي هَذَا الْحَالِ بِالرَّدِّ إلَى اللهِ وَالرَّسُولِ لِيَرْجِعَ إلَى ذَلِكَ فَرِيقٌ مِنْهُم -خَرَجَ عَن ذَلِكَ- فَلَأَنْ يُؤْمَرُوا بِذَلِكَ إذَا قُدِّرَ خُرُوجُهُم كُلُّهُم عَنْهُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى. [١٩/ ٩١ - ٩٢] ١٤٧٢ - قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]، هُوَ الرَّدُّ إلَى كِتَابِ اللهِ أَو إلَى سُنَّةِ الرَّسُولِ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ﴾ شَرْطٌ، وَالْفِعْلُ نَكِرَة فِي سِيَاقِ الشَّرْطِ، فَأَيُّ شَيءٍ تَنَازَعُوا فِيهِ رَدُّوهُ إلَى اللهِ وَالرَّسُولِ، وَلَو لَمْ يَكُن بَيَانُ اللهِ وَالرَّسُولِ فَاصِلًا لِلنِّزَاعِ لَمْ يُؤْمَرُوا بِالرَّدِّ إلَيْهِ. [١٩/ ١٧٤ - ١٧٥] ١٤٧٣ - قَوْلُهُ تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [النساء: ٩٢] .. قِيلَ: إذَا كَانَ مِن أَهْلِ الْحَرْبِ لَمْ يَكُن لَهُ وَارِثٌ، فَلَا يُعْطَى أَهْلُ

стр. 1220

الْحَرْبِ دِيَتُهُ بَل تَجِبُ الْكَفَّارَة فَقَطْ، وَسَوَاءٌ عُرِفَ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ وَقُتِلَ خَطُا أَو ظُنَّ أَنَّهُ كَافِرٌ، وَهَذَا ظَاهِرُ الْآيَةِ. وقد قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: إنَّ هَذِهِ الْآيَةَ: نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلَامٍ وَأَصْحَابِهِ كَمَا نُقِلَ عَنِ ابْنِ جريج وَمُقَاتِل وَابْنِ زيدٍ؛ يَعْنِي: قَوْلَهُ: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [النساء: ١٥٩]، وَبَعْضُهُم قَالَ: إنَّهَا فِي مُؤْمِنِي أَهْلِ الْكِتَابِ، فَهُوَ كَالْقَوْلِ الْأَوَّلِ، وَإِن أَرَادَ الْعُمُومَ فَهُوَ كَالثَّانِي، وَهَذَا قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَرَوَاهُ أَبُو صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَوْلُ مَن أَدْخَلَ فِيهَا (١) ابْنَ سَلَامٍ وَأَمْثَالَهُ ضَعِيفٌ؛ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ مِن الْمُؤمِنِينَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا مِن كُلِّ وَجْهٍ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ فِيهِمْ: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩٩)﴾ [آل عمران: ١٩٩]. أَمَّا أوَّلًا: فَإِنَّ ابْنَ سَلَامٍ أَسْلَمَ فِي أَوَّلِ مَا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ، وَقَالَ: فَلَمَّا رَأَيْت وَجْهَهُ عَرَفْت أنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ، وَسُورَةُ آلِ عِمْرَانَ إنَّمَا نَزَلَ ذِكْرُ أَهْلِ الْكِتَابِ فِيهَا لَمَّا قَدِمَ وَفْدُ نَجْرَانَ سَنَةَ تِسْعٍ أَو عَشْرٍ. وَثَانِيًا: أَنَّ ابْنَ سَلَام وَأَمْثَالَهُ هُوَ وَاحِدٌ مِن جُمْلَةِ الصَّحَابَةِ وَالْمُؤْمِنِينَ، وَهُوَ مِن أَفْضَلِهِمْ وَكَذَلِكَ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ، فَلَا يُقَالُ فِيهِ: إنَّهُ مِن أَهْلِ الْكِتَابِ. وَيُشْبِهُ هَذِهِ الْآيَةَ أَنَّة لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى أهْلَ الْكتَابِ فَقَالَ: ﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ١١٠] .. وَهَذِهِ الْآيَةُ قِيلَ: إنَّهَا نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلَامٍ وَأَصْحَابِهِ، وَقِيلَ: إن قَوْلَهُ: ﴿مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُون﴾ هُوَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ وَأَصْحَابُهُ. وَهَذَا -وَاللهُ أَعْلَمُ- مِن نَمَطِ الَّذِي قَبْلَهُ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ مَا بَقُوا مِن أَهْلِ الْكِتَابِ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ مَن هُوَ مِنْهُم فِي الظَّاهِرِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ؛ لَكِنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ الْمُومِنُونَ الْمُهَاجِرُونَ الْمُجَاهِدُونَ؛ كَمُؤمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ، هُوَ مِن

стр. 1221

آلِ فِرْعَوْنَ وَهوَ مُؤمِنٌ؛ وَلهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [غافر: ٢٨]، فَهُوَ مِن آلِ فِرْعَوْنَ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَكَذَلِكَ هَؤُلَاءِ مِنْفم الْمُؤْمِنُونَ، وَلهَذَا قَالَ: ﴿وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ١١٠]. [١٩/ ٢٢١ - ٢٢٤] ١٤٧٤ - قَالَ تَعَالَى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساءة ٥٩] لَمْ يَأْمُرْ بِالرَّدِّ إلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إلَّا إذَا كَانَ نِزَاعٌ. فَدَلَّ مِن وَجْهَيْنِ: مِن جِهَةِ وجُوبِ طَاعَتِهِمْ، وَمِن جِهَةِ أَنَّ الرَّدَّ إلَى الْكِتَاب وَالسُّنَّةِ إنَّمَا وَجَبَ عِنْدَ النّزَاعِ؛ فَعُلِمَ أَنَّهُ عِنْدَ عَدَمِ النِّزَاعِ لَا يَجِبُ وَإِن جَازَ، لِأَنَّ اتِّفَاقَهُم دَلِيل عَلَى مُوَافَقَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. [٢٠/ ٤٩٩] * * * سورة المائدة ١٤٧٥ - قَوْلُهُ تعالى: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ﴾ [المائدة: ٤١] الصَّوَابُ أَنَّهَا (١) لَامُ التَّعْدِيَةِ مِثْل قَوْلِهِ: "سمع الله لمن حمده"؛ فَالسَّمَاعُ مُضَمَّنٌ مَعْنَى الْقَبُولِ؛ أَيْ: قَابِلُونَ لِلْكَذِبِ، ويسْمَعُونَ مِن قَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوك، وَيُطِيعُونَهُم فَيَكُونُ ذَمًّا لَهُم عَلَى قَبُولِ الْخَبَرِ الْكَاذِبِ وَعَلَى طَاعَةِ غَيْرِهِ مِن الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ. ثُمَّ قَالَ: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ [المائدة: ٤٢] فَذَكَرَ أَنَّهُم فِي غذاءي الْجَسَدِ وَالْقَلْبِ يَغْتَذُونَ الْحَرَامَ، بِخِلَافِ مَن يَأْكُلُ الْحَلَالَ، وَلَا يَقْبَلُ إلَّا الصِّدْقَ. وَفيهِ ذَمّ لِمَن يَروجُ عَلَيْهِ الْكَذِبُ وَيقْبَلُهُ، أَو يُؤْثِرُهُ لِمُوَافَقَتِهِ هَوَاهُ، وَيدْخُلُ فِيهِ قَبُولُ الْمَذَاهِبِ الْفَاسِدَةِ. [١٤/ ٤٥٢ - ٤٥٣]

стр. 1222

١٤٧٦ - قَوْلُهُ تعالى: ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ [المائدة: ٦٠] الصَّوَابُ عَطْفُهُ عَلَى قَوْلِهِ: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٦٠] (١) فِعْل مَاضٍ مَعْطُوفٌ عَلَى مَا قَبْلَهُ مِن الْأَفْعَالِ الْمَاضِيَةِ؛ لَكِنَ الْمُتَقَدِّمَةَ الْفَاعِلُ (اللهُ) مُظْهَرًا أَو مُضْمَرًا، وَهَذَا الْفِعْلُ اسْمُ مَن عَبَدَ الطَّاغُوتَ، وَهُوَ الضَّمِيرُ فِي عَبَدَ، وَلَمْ يُعَدِّ حَرْفَ (مَنْ) لِأَنَّ هَذِهِ الْأَفْعَالَ لِصِنْفٍ وَاحِدٍ وَهُم الْيَهُودُ. [١٤/ ٤٥٥] ١٤٧٧ - قَالَ تعالى: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] إِنَّمَا يَتمُّ الِاهْتِدَاءُ إذَا أُطِيعَ الله وَأُدّيَ الْوَاجِبُ مِن الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَغَيْرِهِمَا. [١٤/ ٤٨٠] ١٤٧٨ - الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ فِي سُورة الْمَائِدَةِ فِي آيَةِ الشَّهَادَةِ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا﴾ [المائدة: ١٠٦]؛ أَيْ: بِقَوْلِنَا: وَلَو كَانَ ذَا قُرْبَى، حُذِفَ ضَمِيرُ (كَانَ) لِظُهُوره؛ أَيْ: وَلَو كَانَ الْمَشْهُودُ لَهُ. فَيْحْلِفَانِ لَا نَشْتَرِي بقَوْلِنَا ثَمَنًا: أَيْ: لَا نَكْذِبُ وَلَا نَكتُمُ شَهَادَةَ اللهِ، أَو لَا نَشْتَرِي بِعَهْدِ اللهِ ثَمَنًا؛ لِأنَّهُمَا كَانَا مؤتَمَنَيْنِ فَعَلَيْهِمَا عَهْدٌ بِتَسْلِيمِ الْمَالِ إلَى مُسْتَحِقِّهِ؛ فَإِنَّ الْوَصِيَّةَ عَهْدٌ مِن الْعُهُودِ. وَقَوْلُهُ: ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ﴾ [المائدة: ١٠٧] يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُضَمَّنًا مَعْنى بَغَى عَلَيْهِمْ. وَلهَذَا قِيلَ: ﴿لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا﴾ [المائدة: ١٠٧]؛ أَيْ: كَمَا اعْتَدَوْا. ثُمَّ قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ [المائدة: ١٠٨] وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْبُخَارِيِّ (٢) صَرِيحٌ فِي أَنَّ النَّبِيِّ ﷺ

стр. 1223

حَكَمَ بِمَعْنَى مَا فِي الْقُرْآنِ فَرَدَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعِيَيْنِ، بَعْدَ أَنْ اسْتَحْلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ، لَمَّا عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إثْمًا (١)، وَهُوَ إخْبَارُ الْمُشْتَرِينَ أَنَّهُم اشْتَرَوْا "الْجَامَ" مِنْهُمَا، بَعْدَ قَوْلِهِمَا: مَا رَأَيْنَاهُ، فَحلَّفَ النَّبِيُّ ﷺ اثْنَيْنِ مِن الْمُدَّعِينَ الْأَولَيَانِ، وَأَخَذَ "الْجَامَ" مِن الْمُشْتَرِي، وَسُلِّمَ إلَى الْمُدَّعِي، وَبَطَلَ الْبَيْعُ، وَهَذَا لَا يَكُونُ مَعَ إقْرَارِهِمَا بِأَنَّهُمَا بَاعًا الْجَامَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُن يَحْتَاجُ إلَى يَمِينِ الْمُدَّعِيينَ لَو اعْتَرَفَا بِأَنَّهُ جَامُ الْمُوصِي، وَأَنَّهُمَا غَصَبَاهُ وَبَاعَاهُ، بَل بَقُوا عَلَى إنْكَارِ قَبْضِهِ مَعَ بَيْعِهِ، أَو ادَّعَوْا مَعَ ذَلِكَ أَنَّهُ أَوْصَى لَهُمَا بِهِ، وَهَذَا بَعِيدٌ. فَظَاهِرُ الْآيَةِ أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْمُتَّهَمَ بِخِيَانَةٍ وَنَحْوِهَا -كَمَا اتُّهمَ هَؤُلَاءِ- إذَا ظَهَرَ كَذِبُهُ وَخِيَانتهُ كَانَ ذَلِكَ لَوْثًا (٢) يُوجِبُ رُجْحَانَ جَانِبِ الْمُدَّعِي؛ فَيَحْلِفُ وَيأْخُذُ كَمَا قُلْنَا فِي الدِّمَاءِ سَوَاءٌ.

стр. 1224

وَالْحِكْمَةُ فِيهِمَا وَاحِدَةٌ، وَذَلِكَ أنَّه لَمَّا كَانَت الْعَادَةُ أَنَّ الْقَتْلَ لَا يُفْعَلُ عَلَانِيَةً بَل سِرًّا، فَيَتَعَذَّرُ إقَامَة الْبَيّنَةِ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُؤخَذَ بِقَوْلِ الْمُدَّعِي مُطْلَقًا، أُخِذَ بِقَوْلِ مَن يَتَرَجَّحُ جَانِبُهُ، فَمَعَ عَدَمِ اللَّوْثِ جَانِبُ الْمُنْكِرِ رَاجِحٌ، أَمَّا إذَا كَانَ قَتْلٌ وَلَوْثٌ قَوِيَ جَانِبُ الْمُدَّعِي فَيَحْلِفُ. وَكَذَلِكَ الْخِيَانَةُ وَالسَّرِقَةُ يَتَعَذَّرُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِمَا فِي الْعَادَةِ، وَمَن يَسْتَحِلُّ أَنْ يَسْرِقَ فَقَد لَا يَتَوَرَّعُ عَن الْكَذِبِ. فَإِذَا لَمْ يَكُن لَوْثٌ فَالْأَصْلُ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ، أَمَّا إذَا ظَهَرَ لَوْثٌ، بأَنْ يُوجَدَ بَعْضُ الْمَسْرُوقِ عِنْدَهُ (١): فَيَحْلِفُ الْمُدَّعِي وَيأْخُذُ. وَكَذَلِكَ لَو حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ابْتِدَاءً ثُمَّ ظَهَرَ بَعْضُ الْمَسْرُوقِ عِنْدَ مَن اشْتَرَاهُ أَو اتَّهَبَهُ أَو أَخَذَهُ مِنْهُ، فَإِنَّ هَذَا اللَّوْثَ فِي تَغْلِيبِ الظَّنِّ أَقْوَى؛ لَكِنْ فِي الدَّمِ قَد يَتيقَّنُ الْقَتْلُ وَيشُكُّ فِي عَيْنِ الْقَاتِلِ؛ فَالدَّعْوَى إنَّمَا هِيَ بِالتَّعْيِينِ. وَأَمَّا فِي دَعْوَى الْخِيَانَةِ: فَلَا تُعْلَمُ الْخِيَانَةُ، فَإِذَا ظَهَرَ بَعْضُ الْمَالِ الْمُتَّهَمِ بِهِ عِنْدَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، أَو مَن قَبَضه مِنْهُ: ظَهَرَ اللَّوْثُ بِتَرْجِيحِ جَانِبِ الْمُدَّعِي، فَإِنَّ تَحْلِيفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ حِينَئِذٍ بَعِيدٌ. وَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : "لَو يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُم لَادَّعَى قَوْمٌ دِمَاءَ قَوْمٍ وَأَمْوَالَهُمْ، وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ" (٢)، جَمَعَ فِيهِ الدِّمَاءَ وَالْأَمْوَالَ، فَكَمَا أَنَّ الدِّمَاءَ إذَا كَانَ مَعَ الْمُدَّعِي لَوْثٌ حَلَفَ، فَكَذَلِكَ الْأَمْوَالُ، كَمَا حَلَّفْنَاهُ مَعَ شَاهِدِهِ. فَكُلُّ مَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ صِدْقُهُ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ شَاهِدِهِ. [١٤/ ٤٨٤ - ٤٨٧] ١٤٧٩ - قَالَ تعالى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] أَمَرَهُ -تعالى- أَنْ

стр. 1225

يَحْكُمَ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى مَن قَبْلَهُ، لِكُل جَعَلْنَا مِنَ الرَّسُولَيْنِ وَالْكِتَابَيْنِ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا؛ أَيْ: سُنَّةً وَسَبِيلًا، فَالشِّرْعَةُ الشَّرِيعَةُ وَهِيَ السُّنَّةُ، وَالْمِنْهَاجُ الطَّرِيقُ وَالسَّبِيلُ. [١٩/ ١١٣] ١٤٨٠ - قَوْله تَعَالَى: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (٨٠) وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٨١)﴾ [المائدة: ٨٠، ٨١]، فَذَكَرَ جُمْلَةً شَرْطِيَّةً تَقْتَضِي أَنَّهُ إذَا وُجِدَ الشَّرْطُ وُجِدَ الْمَشْرُوطُ بِحَرْفِ "لَو" الَّتِي تَقْتَضِي مَعَ الشَّرْطِ انْتِفَاءَ الْمَشْرُوطِ فَقَالَ: ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة: ٨١]، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ الْمَذْكُورَ يَنْفِي اتّخَاذَهُم أَوْليَاءَ وَيُضَادُّهُ، وَلَا يَجْتَمِعُ الْإِيمَانُ وَاتّخَاذُهُم أَوْليَاءَ فِي الْقَلْبِ. وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَن اتَّخَذَهُم أَوْليَاءَ مَا فَعَلَ الْإِيمَانَ الْوَاجِبَ مِن الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إلَيْهِ. [٧/ ١٨] ١٤٨١ - قَالَ اللهُ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، فَمَا أَفْضَى إلَى نَقْصِ كَمَالِ دِينِهَا وَلَو بِتَرْكِ مُسْتَحَبٍّ يُفْضِي إلَى تَرْكِهِ مُطْلَقًا كَانَ تَحْصِيلُهُ وَاجِبًا عَلَى الْكفَايَةِ: إمَّا عَلَى الْأَئِمَّةِ وَإِمَّا عَلَى غَيْرِهِمْ. [٢٥/ ١٧٦] * * * سورة الأنعام ١٤٨٢ - قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥٣]، هم الذين يعرفون قدر نعمة الإيمان ويشكرون الله عليها. [المستدرك ١/ ١٨٠] ١٤٨٣ - قَوْلُهُ تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ١٩]، فَقَوْلُهُ: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٩] فِيهَا وَجْهَانِ:

стр. 1226

قِيلَ: هُوَ جَوَابُ السَّائِلِ، وَقَوْلُهُ ﴿شَهِيدٌ﴾ [الأنعام: ١٩] خَبَرُ مُبْتَدَأِ: أَيْ هُوَ شَهِيدٌ. وَقِيلَ: هُوَ مُبْتَدَأٌ، وَقَوْلُهُ: ﴿شَهِيدٌ﴾ [الأنعام: ١٩] خَبَرُهُ؛ فَأَغْنَى ذَلِكَ عَن جَوَابِ الِاسْتِفْهَامِ. والْأوَّلُ: عَلَى قِرَاءَةِ مَن يَقِفُ عَلَى قَوْله: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٩]. والثَّانِي: عَلَى قِرَاءَةِ مَن لَا يَقِفُ، وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ؛ لَكِنَّ الثَّانِيَ أَحْسَنُ وَهُوَ أَتَمُّ. وَذَلِكَ أَنَّ كَوْنَ اللهِ أكْبَرُ شَهَادَةَ هُوَ مَعْلُومٌ، وَلَا يَثْبُتُ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ: ﴿أَكْبَرُ شَهَادَةً﴾ بِخِلَافِ كَوْنِهِ شَهِيدًا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ؛ فَإِنَّ هَذَا مِمَّا يُعْلَمُ بِالنَّصِّ وَالِاسْتِدْلَالِ. [١٤/ ١٩٣ - ١٩٤] ١٤٨٤ - قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [الأنعام: ١٥١]، فَهَذَا مُحَرَّمٌ مُطْلَقًا لَا يَجُوزُ مِنْهُ شَيْءٌ ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الأنعام: ١٥١] فَهَذَا فِيهِ تَقْيِيد، فَإِنَّ الْوَالِدَ إذَا دَعَا الْوَلَدَ إلَى الشِّرْكِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُطِيعَهُ، بَل لَهُ أَنْ يَأْمُرَهُ وينْهَاهُ، وَهَذَا الأمْرُ وَالنَّهْيُ لِلْوَالِدِ هُوَ مِن الْإحْسَانِ إلَيْهِ. وَإِذَا كَانَ مُشْرِكًا: جَاز لِلْوَلَدِ قَتْلُهُ، وَفِي كَرَاهَتِهِ نِزَاعٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ (١). [١٤/ ٤٧٧ - ٤٧٨]

стр. 1227

١٤٨٥ - قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾ [الأنعام: ٢]، الْأجَلُ الْأَوَّلُ هُوَ أَجَلُ كُلِّ عَبْدٍ؛ الَّذِي يَنْقَضِي بِهِ عُمُره، وَالْأجَلُ الْمُسَمَّى عِنْدَهُ هُوَ: أَجَلُ الْقِيَامَةِ الْعَامَّةِ. وَلهَذَا قَالَ: ﴿مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ فَإِنَّ وَقْتَ السَّاعَةِ لَا يَعْلَمُهُ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَلَا نَبِيٌّ مُرْسَل. [١٤/ ٤٨٩] ١٤٨٦ - قَوْلُهُ تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٩)﴾ [الأنعام: ١٠٩]، وَالْآيَةُ بَعْدَهَا: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠]: أَشْكلَتْ قِرَاءَةُ الْفَتْحِ (١) عَلَى كَثِيرٍ بِسَبَب أنَّهُم ظَنُّوا أَنَّ الْآيَةَ بَعْدَهَا جُمْلَة مُبْتَدَأَةٌ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ لَكنَّهَا دَاخِلَةٌ فِي خَبَرِ أنَّ. وَالْمَعْنَى: إذَا كُنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ أَنَّهَا إذَا جَاءَت لَا يُومِنُونَ وَأنَا أَفْعَلُ بِهِم هَذَا: لَمْ يَكُن قَسَمَهُم صِدْقًا؛ بَل قَد يَكُونُ كَذِبًا، وَهُوَ ظَاهِرُ الْكَلَامِ الْمَعْرُوفِ أَنَّهَا "أَنَّ" الْمَصْدَرِّيَةَ، وَلَو كَانَ (وَنُقَلِّبُ) إلَخْ كَلَامًا مُبْتَدُا لَزِمَ أنَّ كُلَّ مَن جَاءَتْهُ آيَةٌ قُلِّبَ فُؤَاهُ، وَليْسَ كَذلِكَ، بَل قد يُؤمِنُ كثرٌ مِنْهُمْ (٢). [١٤/ ٤٩٥]

стр. 1228

١٤٨٧ - قَوْلُهُ تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، الْإِدْرَاكُ عِنْدَ السَّلَفِ وَالْأكْثَرِينَ هُوَ الْإِحَاطَةُ، وَقَالَ طَائِفَةٌ: هُوَ الرُّؤْيةُ، وَهُوَ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ نَفْيَ الرُّويَةِ عَنْهُ لَا مَدْحَ فِيهِ؛ فَإِنَّ الْعَدَمَ لَا يُرَى، وَكُلُّ وَصْفٍ يَشْتَرِكُ فِيهِ الْوُجُودُ وَالْعَدَمُ لَا يَسْتَلْزِمُ أَمْرًا ثُبُوتِيًّا فَلَا يَكونُ فِيهِ مَدْحٌ، إذ هُوَ عَدَمٌ مَحْضٌ، بِخِلَافِ مَا إذَا قِيلَ: لَا يُحَاطُ بِهِ، فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى عَظَمَةِ الرَّبِّ ﷻ ، وَإِنَّ الْعِبَادَ مَعَ رُؤْيتِهِمْ لَهُ لَا يُحِيطُونَ بِهِ رُؤَيةً، كَمَا أَنَّهُم مَعَ مَعْرِفَتِهِ لَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا، وَكَمَا أَنَّهُم مَعَ مَدْحِهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ لَا يُحِيطُونَ ثَنَاءً عَلَيْهِ، بَل هُوَ كمَا أَثْنَى عَلَى نَفْسِهِ الْمُقَدَّسَةِ. [١٧/ ١١١] ١٤٨٨ - قَالَ تَعَالَى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ﴾ [الأنعام: ١٢٢]، فَالْإِيمَانُ الَّذِي يَهَبُهُ اللهُ لِعَبْدِهِ سَمَّاهُ نُورًا، وَسمّى الْوَحْي النَّازِل مِن السَّمَاءِ الَّذِي بِهِ يَحْصُلُ الْإِيمَانُ ﴿نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]. وَلَا ريبَ أَنَّ الْمُؤْمِنَ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْحَق وَالْبَاطِلِ، بَل يُفَرِّقُ بَيْنَ أعْظَمِ الْحَقِّ. لَكِنْ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: بأَنَّ كُلَّ مَن لَهُ إيمَانٌ: يُفَرِّقُ بِمُجَرَّدِ مَا أُعْطِيَهُ مِن الْإِيمَانِ بَيْنَ كُلِّ حَقٍّ وَكُلِّ بَاطِل (١). [٧/ ٦٥٠] * * * سورة الأعراف ١٤٨٩ - قال اللهُ : ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥) وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾ [الأعراف: ٥٥، ٥٦]: هَاتَانِ الْآيَتَانِ مُشْتَمِلَتَانِ عَلَى آدَابِ نَوْعَي الدُّعَاءِ: دُعَاءِ الْعِبَادَةِ وَدُعَاءِ الْمَسْأَلَةِ؛ فَإِنَّ الدُّعَاءَ فِي الْقرْآنِ يُرَادُ بِهِ هَذَا تَارَةً وَهَذَا تَارَةً، ويُرَادُ بِهِ مَجْموعُهُمَا؛ وَهُمَا مُتَلَازِمَانِ.

стр. 1229

فَعُلِمَ أَنَّ النَّوْعَيْنِ مُتَلَازِمَانِ، فَكُلُّ دُعَاءِ عِبَادَةٍ مُسْتَلْزِمٌ لِدُعَاءِ الْمَسْأَلَةِ، وَكُلُّ دُعَاءِ مَسْألَةٍ مُتَضَمِّن لِدُعَاءِ الْعِبَادَةِ. وَعَلَى هَذَا فَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦] يَتَنَاوَلُ نَوْعَي الدُّعَاءِ، وَبِكُل مِنْهُمَا فُسّرَتْ الْآيَةُ، قِيلَ: أُعْطِيهِ إذَا سَأَلَني، وَقِيلَ: أُثِيبُهُ إذَا عَبَدَنِي. وَالْقَوْلَانِ مُتَلَازِمَانِ، وَلَيْسَ هَذَا مِن اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ فِي مَعْنَيَيْهِ كِلَيْهِمَا (١)، أَو اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ فِي حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ (٢)، بَل هَذَا اسْتِعْمَالُهُ فِي حَقِيقَتِهِ الْمُتَضَمِّنَةِ لِلْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا (٣)، فَتَأَمَّلْهُ فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ عَظِيمُ النَّفْعِ وَقَل مَا يُفْطَنُ لَهُ. وَأَكْثَرُ آياتِ الْقُرْآنِ دَالَّة عَلَى مَعْنيَيْنِ فَصَاعِدًا: فَهِيَ مِن هَذَا الْقَبِيلِ. مِثَالُ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء: ٧٨] فُسِّرَ "الدُّلُوكُ " بِالزَّوَالِ، وَفُسِّرَ بِالْغُرُوبِ، وَلَيْسَ بِقَوْلَيْنِ؛ بَل اللَّفْظُ يَتَنَاوَلُهُمَا مَعًا؛ فَإِنَّ الدُّلُوكَ هُوَ الْمَيْلُ، وَدُلُوكُ الشَّمْسِ مَيْلُهَا، وَلهَذَا الْمَيْلِ مُبْتَدَأٌ وَمُنْتَهًى، فَمبْتَدَؤُهُ الزَّوَالُ وَمُنْتَهَاهُ الْغُرُوبُ، وَاللَّفْظُ متَنَاوِلٌ لَهُمَا بِهَذَا الِاعْتِبَارِ. وَمِثَالُهُ أَيْضًا تَفْسِيرُ "الْغَاسِقِ" بِاللَّيْلِ وَتَفْسِير بِالْقَمَرِ، فَإِنَّ ذَلِكَ ليْسَ بِاخْتِلَافِ؛ بَل يَتَنَاوَلُهُمَا لِتَلَازُمِهِمَا، فَإِنَّ الْقَمَرَ آيَةُ اللَّيْلِ، وَنَظَائِرُه كَثِيرَةٌ. وَمِن ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ [الفرقان: ٧٧]؛ أَيْ: دُعَاؤُكمْ إيَّاهُ، وَقِيلَ: دُعَاؤُهُ إيَّاكُمْ إلَى عِبَادَتِهِ، فَيَكُونُ الْمَصْدَرُ مُضَافًا إلَى الْمَفْعُولِ، وَمَحَلُّ الْأَوَّلِ مُضَافًا إلَى الْفَاعِلِ وَهُوَ الْأَرْجَحُ مِن الْقَوْلَيْنِ.

стр. 1230

وَعَلَى هَذَا فَالْمُرَادُ بِهِ نَوْعَي الدُّعَاءِ، وَهُوَ فِي دُعَاءِ الْعِبَادَةِ أَظْهَرُ؛ أَيْ: مَا يَعْبَأُ بِكُمْ لَوْلَا أَنَّكُمْ تَرْجُونَهُ، وَعِبَادَتُهُ تَسْتَلْزِمُ مَسْأَلَتَهُ. فَالنَّوْعَانِ دَاخِلَانِ فِيهِ. وَمِن ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، فَالدُّعَاءُ يَتَضَمَّنُ النَّوْعَيْنِ وَهُوَ فِي دُعَاءِ الْعِبَادَةِ أَظْهَرُ. وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج: ٧٣] الْآيَةُ .. وَكُلُّ مَوْضِعٍ ذَكَرَ فِيهِ دُعَاءَ الْمُشْرِكِينَ لِأَوْثَانِهِمْ فَالْمُرَادُ بِهِ دُعَاءُ الْعِبَادَةِ الْمُتَضَمِّنُ دُعَاءَ الْمَسْألَةِ فَهُوَ فِي دُعَاءِ الْعِبَادَةِ أَظْهَرُ. إذَا عُرِفَ هَذَا: فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ يَتَنَاوَلُ نَوْعَي الدُّعَاءِ؛ لَكِنَّهُ ظَاهِرٌ فِي دُعَاءِ الْمَسْأَلَةِ، مُتَضَمّنٌ دُعَاءَ الْعِبَادَةِ، وَلهَذَا أَمَرَ بِإِخْفَائِهِ وَإِسْرَارِهِ. وَفِي إخْفَاءِ الدُّعَاءِ فَوَائِدُ عَدِيدَة: أَحَدُهَا: أَنَّهُ أَعْظَمُ إيمَانًا؛ لِأَنَّ صَاحِبَهُ يَعْلَمُ أَنَّ اللهَ يَسْمَعُ الدُّعَاءَ الْخَفِيَّ. وثَانِيهَا: أَنَّهُ أَعْظَمُ فِي الْأَدَبِ وَالتَّعْظِيمِ؛ لِأَنَّ الْمُلُوكَ لَا تُرْفَعُ الْأَصْوَاتُ عِنْدَهُمْ، وَمَن رَفَعَ صَوْتَه لَدَيْهِمْ مَقَتُوهُ، وَللَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى، فَإِذَا كَانَ يَسْمَعُ الدُّعَاءَ الْخَفِيَّ فَلَا يَلِيقُ بِالْأَدَبِ بَيْنَ يَدَيْهِ إلَّا خَفْضُ الصَّوْتِ بِهِ. وثَالِثُهَا: أَنَّه أَبْلَغُ فِي التَّضَرُّعِ وَالْخُشُوعِ الَّذِي هُوَ رُوحُ الدُّعَاءِ وَلُبُّهُ وَمَقْصُودُهُ، فَإِنَّ الْخَاشِعَ الذَّلِيلَ إنَّمَا يَسْأَلُ مَسْأَلَةَ مِسْكِينٍ ذَلِيلٍ قَد انْكسَرَ قَلْبُهُ، وَذَلَّتْ جَوَارِحُهُ، وَخَشَعَ صَوْتُهُ، حَتَّى إنَّهُ لَيَكَادُ تَبْلُغُ ذِلَّتُهُ وَسَكِينَتُهُ وَضَرَاعَتُهُ إلَى أَنْ يَنْكَسِرَ لِسَانُهُ، فَلَا يُطَاوِعُهُ بِالنُّطْقِ، وَقَلْبُهُ يَسْأَلُ طَالِبًا مُبْتَهِلًا، وَلسَانُهُ لِشِدَّةِ ذِلَّتِهِ سَاكِتًا، وَهَذِهِ الْحَالُ لَا تَأتِي مَعَ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالدُّعَاءِ أَصْلًا. ورَابِعُهَا: أَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْإِخْلَاصِ. وخَامِسُهَا: أَنَّهُ أَبْلَغُ فِي جَمْعِيَّةِ الْقَلْبِ عَلَى الذّلَّةِ فِي الدُّعَاءِ، فَإِن رَفْعَ الصَّوْتِ يُفَرِّقُهُ، فَكُلَّمَا خَفَضَ صَوْتَهُ كَانَ أَبْلَغَ فِي تَجْرِيدِ هِمَّتِهِ وَقَصْدِهِ لِلْمَدْعُوِّ سُبْحَانَهُ.
следующие страницы →