← Фатава

Фатава · id 879

تقريب فتاوى ابن تيمية

أحمد بن ناصر الطيار

Полный текст (3 539 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

(مرسل الصحابي مقبول، وما يراد به وبمرسل التابعي) ١٨١٧ - مسألة: ولا تختلف الرواية في قبول مرسل الصحابة ورواية المجهول منهم وهو قول الجمهور، وذكره أبو الطيب، ولم يحك خلافًا لهم. وقال بعض الشافعية: لا يقبل، وإن قبلنا مرسل سعيد بن المسيب؛ لأن ذلك قد علم كونه مسندًا بالتتبع، كما قال الشافعي. وكل معنى منع من قبول مرسل التابعين فهو موجود في الصحابة، وقد ثبت أن الصحابي أو التابعي لو قال: أخبرني بعض أصحاب رسول الله ﷺ أنه قال كذا كان بمنزلة المسند؛ كذلك إذا قال التابعي قال رسول الله ﷺ عيهم يجب أن يكون مثله. وقد قال الأثرم: قيل لأبي عبد الله: إذا قال رجل من التابعين: حدثني رجل من أصحاب النبي ﷺ فالحديث صحيح؟ قال: نعم. وقال أيضًا: لو قال نفسان من التابعين: أشهدنا نفسان من الصحابة على شهادتهما لم تجز حتى يعيناهما، وفي الخبر يجوز عند الجميع. قال شيخنا: كأن مرسل الصاحب عنده ما أرسله الصاحب، أو روى عن صاحب مجهول، كما أن مرسل التابعين عنده يشمل ما أرسل التابع وروى عن تابعي مجهول. قال: فإن قيل: الصحابي معلوم العدالة بأن الله عدله وزكاه وأخبر عن إيمانه ورضي عنه وأرضاه وجعل الجنة مأواه. قيل: قد شهد النبي ﷺ للتابعين كما شهد للصحابة فقال: "خير القرون قرني الدين بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" (١)، وليس من شرط قبول الخبر أن يكون ممن يقطع على عدالته، وإنما نعتبر عدالته في

стр. 1402

الظاهر، وهذا المعنى موجود في التابعين ومن بعدهم، فيجب أن يتساووا في النقل. [المستدرك ٢/ ٨٠ - ٨١] * * * (المعنعن فيه تفصيل) ١٨١٨ - مسألة: المسند بلفظ العنعنة إذا لم يتحقق فيه إرسال صحيح محتج به، نص عليه، وبه قالت الشافعية وعامة المحدثين. [المستدرك ٢/ ٨٢] * * * (رواية المبتدع) ١٨١٩ - ذكر القاضي أنه لا تقبل رواية المبتدع الداعي إلى بدعته، قال: لأنه إذا دعا لا يؤمن أن يضع لما يدعو إليه حديثًا يوافقه، وكذلك أبو الخطاب لم يذكر في الداعي خلافًا، وذكر في غيره ثلاث روايات. [المستدرك ٢/ ٨٣] * * * (من فعل محرمًا بتأويل) ١٨٢٠ - فأما من فعل محرمًا بتأويل فلا ترد روايته في ظاهر المذهب، قال أبو حاتم: حادثت أحمد بن حنبل فيمن شرب النبيذ من محدثي أهل الكوفة وسميت له عددًا منهم. فقال: هذه زلّات لهم لا تسقط بزلاتهم عدالتهم. [المستدرك ٢/ ٨٣] * * * (الرواية عن الجندي، ولبس السواد) ١٨٢١ - قال في رواية المروذي: وقد سأله: يكتب عن الرجل إذا كان جنديًّا؟ فقال: أما نحن فلا نكتب عنهم، وكذلك قال في رواية إبراهيم بن الحارث: إذا كان الرجل في الجند لم أكتب عنه.

стр. 1403

قال القاضي: وهذا محمول على طريق الورع؛ لأن الجندي لا يتجنب المحرمات في الغالب. قال شيخنا: خصَّ نفسه بالامتناع؛ لأنه مظنة الظلم والاعتداء، ولهذا كره لبس السواد لما فيه من التشبه بهم، ويدل عليه قوله: "خذ العطاء ما كان عطاء، فإذا كان عوضًا عن دين أحدكم فلا يأخذه"، والملوك المتأخرون إنما يرزقون على طاعتهم وإن كانت معصية، لا على طاعة الله ورسوله. [المستدرك ٢/ ٨٥ - ٨٦] * * * (إذا عمل العدل بخبر غيره) ١٨٢٢ - إن عمل العدل بخبر غيره كان تعديلًا له، كما لو عدله بقوله. ذكره القاضي في ضمن مسألة من غير خلاف، أي: في مسألة العدل عن غيره. [المستدرك ٢/ ٨٦] * * * (الجرح والتعديل والتفصيل فيه) ١٨٢٣ - مسألة: لا يقبل الجرح إلا مفسرًا مبين السبب، وبه قال الشافعي. وعنه أنه يقبل كالتعديل، وذهب إليه جماعة. وقال ابن الباقلاني: يقبل الجرح المطلق ولا يقبل التعديل المطلق، فصارت المذاهب في المسألتين أربعة. وقال الجويني: هذا يختلف بالمعدل والجارح، فإن كان إمامًا في ذلك من أهل صناعته قبل منه إطلاقه وإلا فلا، وكذلك قال المقدسي في الجرح. قال القاضي: ولا يقبل الجرح إلا مفسرًا، وليس قول أصحاب الحديث: "فلان ضعيف، وفلان ليس بشيء" مما يوجب جرحه ورد خبره.

стр. 1404

قال شيخنا: هذا الباب يفرق فيه بين جرح الرجل وتزكيته، وبين جرح الحديث وتثبيته. ويفرق فيه بين الأئمة الذين هم في الحديث بمنزلة القضاة في الشهود وبين من هو شاهد محض، فإن جرح المحدث يكون بزيادة علم، وأما جرح الحديث فتارة يكون لطلاع له على علة، وتارة لعدم علمه بالطريق الأخرى، أو بحال المحدث به. [المستدرك ٢/ ٨٦ - ٨٧] * * * (هل يقبل جرح الواحد وتعديله) ١٨٢٤ - مسألة: يقبل جرح الواحد وتعديله عندنا، وبه قال المحققون. قال شيخنا: مذهبه (١) التفصيل بين بعض الأشخاص وبعض. وقوله في صالح مولى التوأمة يقتضي أن الكثرة معتبرة، ونقل إسماعيل بن سعيد قلت لأحمد: تعديل الرجل الواحد إذا كان مشهورًا بالصلاح؟ قال: يقبل ذلك. قال القاضي: وظاهر هذا أن تعديل الواحد للشاهد مقبول. [المستدرك ٢/ ٨٧ - ٨٨] * * * (خبر الواحد إذا طعن فيه السلف) ١٨٢٥ - خبر الواحد إذا طعن فيه السلف لم يجز الاحتجاج به عند الحنفية، وقد روي ما يشبه قولهم عن علقمة في إنكاره على الشعبي حديث فاطمة لما طعن فيه عمر وغيره. [المستدرك ٢/ ٨٩] * * *

стр. 1405

(الأخذ بالحديث الضعيف والمرسل إذا لم يخالفه ما هو أثبت منه أو للاعتبار به الضعيف في اصطلاحهم) ١٨٢٦ - ذكر القاضي كلام أحمد في الحديث الضعيف والأخذ به، ونقل الأثرم قال: رأيت أبا عبد الله إن كان الحديث عن النبي ﷺ في إسناده شيء يأخذ به إذا لم يجئ خلافه أثبت منه، مثل حديث عمرو بن شعيب وإبراهيم الهجري، وربما أخذ بالمرسل إذا لم يجئ خلافه، وتكلم عليه ابن عقيل. وقال النوفلي: سمعت أحمد يقول: إذا روينا عن رسول الله ﷺ في الحلال والحرام والسنن والأحكام شددنا في الأسانيد، وإذا روينا عن النبي ﷺ في فضائل الأعمال وما لا يرفع حكمًا فلا نصعب. قال القاضي: قد أطلق أحمد القول بالأخذ بالحديث الضعيف. فقال مهنا: قال أحمد: الناس كلهم أكفاء إلا الحائك والحجام والكساح. فقيل له: تأخذ بحديث: "كل الناس أكفاء إلا حائكًا أو حجامًا" وأنت تضعفه؟! فقال: إنما نضعف إسناده، ولكن العمل عليه. قال (١): وقد ذكر أحمد جماعة ممن يروي عنه مع ضعفه، فقال في رواية إسحاق بن إبراهيم: قد يحتاج أن يحدث الرجل عن الضعيف مثل عمرو بن مرزوق وعمرو بن حكام ومحمد بن معاوية وعلي بن الجعد وإسحاق بن أبي إسرائيل ولا يعجبني أن يحدث عن بعضهم. وقال في رواية ابن القاسم في ابن لهيعة: ما كان حديثه بذاك، وما أكتب حديثه إلا للاعتبار والاستدلال، أنا قد أكتب حديث الرجل كأني استدل به مع حديث كيره يشده، لا أنه حجة إذا انفرد. وقال في رواية المروذي: كنت لا أكتب حديثه -يعني: جابرًا الجعفي- ثم كتبته أعتبر به.

стр. 1406

قال شيخنا: قوله: "كأني أستدل به مع حديث غيره، لا أنه حجة إذا انفرد" يفيد شيئين: أحدهما: أنه جزء حجة، لا حجة (١)، فإذا انضم إليه الحديث الآخر صار حجة، وإن لم يكن واحد منهما حجةً: فضعيفان قد يقومان مقام قوي. الثاني: أنه لا يحتج بمثل هذا منفردًا، وهذا يقتضي أنه لا يحتج بالضعيف المنفرد، فإما أن يريد به نفي الاحتجاج مطلقًا، أو إذا لو يوجد أثبت منه. قال عبد الله بن أحمد: قلت لأبي: ما تقول في حديث ربعي بن خراش؟ قال: الذي يرويه عبد العزيز بن أبي رواد؟ قلت: نعم. قال: لا، الأحاديث بخلافه، وقد رواه الحفاظ عن ربعي عن رجل لم يسموه. قال: قلت: فقد ذكرته في المسند؟ قال: قصدت في المسند المشهور وتركت الناس تحت ستر الله ولو أردت أن أفصل ما صح عندي، لم أرو من هذا المسند إلا الشيء بعد الشيء ولكنك يا بني تعرف طريقتي في الحديث، لست أخالف ما ضعف من الحديث إذا لم يكن في الباب شيء يدفعه. قال شيخنا: مراده بالحديث الذي رواه ربعي عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: "قدم أعرابيان فشهدا" (٢) أو حديث: "لا تقدموا الشهر" (٣) أو غيرهما. قال شيخنا: وعلى هذه الطريقة التي ذكرها أحمد بنى عليه أبو داود "كتاب السنن" لمن تأمله، ولعله أخذ ذلك عن أحمد، فقد بيَّن أن مثل عبد العزيز بن أبي رواد ومثل الذي فيه رجل لم يسم: يعمل به إذا لم يخالفه ما هو أثبت منه.

стр. 1407

قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يقول: - إذا كان في المسألة عن النبي ﷺ حديث لم نأخذ فيها بقول أحد من الصحابة ولا من بعدهم خلافه. - وإذا كان في المسألة (١) عن أصحاب رسول الله ﷺ قول مختلف نختار من أقاويلهم ولم نخرج عن أقاويلهم إلى قول من بعدهم. - وإذا لم يكن فيها عن النبي ﷺ ولا عن الصحابة قول نختار من أقوال التابعين، وربما كان الحديث عن النبي ﷺ في إسناده شيء فنأخذ به إذا لم يجئ خلافه أثبت منه، وربما أخذنا بالحديث المرسل إذا لم يجئ خلافه أثبت منه. [المستدرك ٢/ ٨٩ - ٩٢] * * * (التدليس يكره ولا يوجب رد الخبر) ١٨٢٧ - قال القاضي: فأما التدليس فإنه يكره، ولكن لا يمنع من قبول الخبر. وصورته أن ينقل عمن لم يسمع منه لكنه سمع عن رجل عنه فأتى بلفظ يوهم أنه قد سمع منه؛ مثل: أن يكون قد عاصر الزهري ولم يسمع منه، لكن سمع عن رجل عنه، فأتى بلفظ يوهم أنه قد سمعه من الزهري بلا واسطة، فيقول: روى الزهري، أو قال الزهري، أو عن الزهري، فكل من سمع هذا يذهب إلى أنه سمع من الزهري بلا واسطة، وكذلك إذا سمع الخبر من رجل معروف بعلامة مشهورة فعدل عنها إلى غيرها من أسمائه مثل: إن كان مشهورًا بكنيته فروى عنه باسمه، أو كان مشهورًا باسمه فروى عنه بكنيته، حتى لا يعرف من الرجل، فكل هذا مكروه، نص عليه في رواية حرب، فقال: أكره التدليس، وأقل شيء فيه أنه يتزين للناس.

стр. 1408

قال شيخنا: هذه الكراهة تنزيه أو تحريم؟ يخرج على القولين في معاريض من ليس بظالم ولا مظلوم، والأشبه أنه محرم، فإن تدليس الرواية والحديث أعظم من تدليس المبيع، لكن من فعله متأول فيه، فلم يفسق. قال القاضي: إذا ثبت أنه مكروه فإنه لا يمنع من قبول الخبر، نص عليه في رواية مهنا، وقيل له: كان شعبة يقول: التدليس كذب، فقال أحمد: لا، قد دلَّس قوم ونحن نروي عنهم. وذهب قوم من أهل الحديث إلى أنه لا يُقبل خبره؛ لأنه روى عمن لم يسمع منه. قال القاضي: وهذا غلط لأنه ما كذب فيما نقل؛ بل كان ما قاله صدقًا في الباطن، إلا أنه أوهم في خبره، ومن أوهم في خبره لم يرد خبره بذلك؛ كمن قيل له: حججت؟ فقال: لا مرة ولا مرتين، يوهم أنه حج أكثر، وحقيقته أنه ما حج أصلًا. قال شيخنا: لكن ما هو صادق في الحقيقة العرفية، ولا مُبَيِّنٌ لِمَا ينبغي بيانه. [المستدرك ٢/ ٩٢ - ٩٣] * * * (إذا روى العدل عن العدل خبرًا ثم أنكره المروي عنه أو نسيه) ١٨٢٨ - مسألة: إذا روى العدد عن العدد خبرًا، ثم نسيه المروي عنه فأنكره لم يقدح ذلك فيه، في إحدى الروايتين. [المستدرك ٢/ ٩٣] * * * (إذا أبدل كلمة الرسول بالنبي أو بالعكس) ١٨٢٩ - إذا سمع من الراوي: "أن رسول الله ﷺ أو: "قال رسول الله ﷺ " أو: "عن رسول الله ﷺ " أو: "سمعت رسول الله ﷺ " جاز أن يبدل مكان الرسول النبي، نص عليه. [المستدرك ٢/ ٩٥]

стр. 1409

(إذا قرئ علي المحدث وسكت هل هو إقرار ومتي يجوز أن يقول حدثني أو أخبرني) ١٨٣٠ - مسألة: إذا قرئ على المحدث وهو يسمع فسكت؛ فالظاهر أنه إقرار، قاله القاضي أبو يعلى وأبو الطيب، قالا: والأحوط أن يستنطقه الإقرار به. وقيد هذه المسألة القاضي في كتاب القولين بما إذا لم يقر به الشيخ لفظًا، فقال: مسألة: إذا قرئ عليه وهو ساكت يسمع، ولم يقل له: هو كما قرأت عليك، فيقول: نعم، أو يقول له ابتداء: أقرأ عليك؟ فيقول: أقرأ، فإذا لم يقل له شيئًا من هذا فهل يجوز أن يقول حدثني فلان، أو أخبرني؟ على روايتين؟ إحداهما: لا يجوز؛ لأنه ما حدثه ولا أخبره؛ بل يسوغ له إذا كان ثقة أن يعمل بما قرأ عليه ويرويه، فيقول: قرأت على فلان فلم ينكره؛ لأن سكوته على ذلك رضى به. والرواية الثانية: يجوز أن يقول: حدثني وأخبرني؛ لأن سكوته مع سماع القراءة عليه رضى بما قرأه وإمضاء له، فجاز أن يقول: حدثني وأخبرني، كما لو قال له: اروه عني. فإن كان في سماعه "عن فلان" فهل يجوز أن يقال: "قال فلان" أم لا؟ نقل الحسن بن محمد بن الحارث السجستاني عن أحمد: إذا كان "عن فلان" في الكتاب، قال: فلا يغيره. قال شيخنا: فعلى هذه الطريقة فما أقر به يقول: "أخبرني" قولًا واحدًا، وفي "حدثني" روايتان، وفيما لم يقر به لفظًا بل حالًا: هل يقول أخبرني وحدثني؟ على روايتين. وكذلك قوله في رواية سلمة بن شبيب: "حدثنا وأخبرنا واحد" قاله غير

стр. 1410

مرة، فيقتضي استواءهما (١) في المنع والإذن. ثم قال في العدة: إذا قرئ عليه وهو ساكت لم يقر به فالظاهر أنه إقرار. قال شيخنا: وهنا طريقة ثالثة أن يكون في المسألة ثلاث روايات، الثالثة: الفرق بين أخبرنا وحدثنا، فإنه في رواية أبي داود قد جعل التحديث أسهل من الإخبار، وكذلك قوله: "حدثنا وأخبرنا واحد فيما كان سماعًا من الشيخ " يقتضي الفرق بينهما فيما لم يكن سماعًا. ويتلخص في المسألتين مع اللفظين عدة أقوال: جوازهما فيهما، ومنعهما فيهما، الثالث جواز الإخبار دون التحديث فيهما، والرابع جوازهما فيما أقر به لفظًا دون ما أقر به حالًا، الخامس جواز الإخبار فيما أقر به دون التحديث فيما لم يقر به. [المستدرك ٢/ ٩٥ - ٩٧] * * * (العرض علي مراتب) ١٨٣١ - الكلام في العرض على مراتب: إحداها: هل تجوز الرواية والعمل به، أم لا؟ فيه خلاف قديم عن بعض العراقيين، ومذهب أهل الحجاز وأهل الحديث كأحمد وغيره جوازه كعرض الحاكم والشاهد على المقر. الثانية: أنه قد يكون بصيغة الاستفهام، وقد يكون بصيغة الخبر وهو الغالب، وكلاهما جائز في الشهادة والرواية. الثالثة: أنه قد يتكلم بالجواب بالموافقة كقولهم: نعم، وهو ظاهر، وقد يقول: أرويه عنك؟ فيقول: نعم، فهذا إذن، والأول خبر. الرابعة: السكوت، قال القاضي: فإن قرئ عليه وهو ساكت لم يقر به

стр. 1411

فالظاهر أنه إقرار؛ لأن سكوته مع سماع القراءة عليه رضاء منه بما قرأه وإمضاء له، فجاز أن يقول: أخبرني، وحدثني، كما لو أقر به، والأحوط أن يقول له: هو كما قرأته أو قرئ عليك، فإذا قال: "نعم" حدث به عنه. قال شيخنا: الجواب بنعم عندنا صريح، ولهذا ينعقد به النكاح، فصح أن يقول: حدثني. [المستدرك ٢/ ٩٧] * * * (إذا روى بالإجازة) ١٨٣٢ - إذا روى بالإجازة أن يقول: أجاز لي، أو حدثني أو أخبرني إجازة، ولا يجوز أن يقول: حدثني أو أخبرني، مطلقًا. ذكره ابن عقيل. ويقول في الإجازة: حدثني أو أخبرني إجازة، فإن لم يقل: "إجازة" لم يجز، وجوَّزه قوم. قال شيخنا: كان يفعله أبو نعيم الأصبهاني. [المستدرك ٢/ ٩٨] * * * (إذا كان يدغم الحرف أو لا يعرف بعض حروف كتابه) ١٨٣٣ - في رواية صالح: قلت: الشيخ يدغم الحرف يعرف أنه كذا أو كذا ولا يفهم عنه، ترى أن يروي ذلك عنه؟ قال: أرجو أن لا يضيق هذا. قلت: الكتاب قد طال على الإنسان عهده لا يعرف بعض حروفه فيخبره به بعض أصحابه، ما ترى في ذلك؟ قال: إن كان يعلم أنه كما في الكتاب فليس به بأس. أبو داود: سأل رجل أحمد بن حنبل فقال: أجد في كتابي "جُريج" وأنا أعلم أنه "عن ابن جريج" فقال: أصلحه ورووه (١) على الصحة.

стр. 1412

عبد الله بن أحمد: كان أبي إذا تم الحديث وكان بجانبه من يبصر النحو يقول له: كذا فيصلحه، أو نحو هذا الكلام. [المستدرك ٢/ ٩٨ - ٩٩] * * * (إذا لم يحفظ ما قرأه المحدث أو قرئ عليه) ١٨٣٤ - إذا لم يحفظ ما قرأه المحدث أو قرئ عليه فينبغي أن يكون ناظرًا في كتاب فيه ما يقرأه المحدث من حفظه أو من كتاب ليضبط ما قرأه المحدث، نص عليه في مواضع، وإن كان المحدث يقرأ في كتاب فيجوز أن يرفع بصره، هاذا حدث من حفظه فهو أبعد من ضبطهم إذا لم يحفظوه ولم يكتبوه. [المستدرك ٢/ ٩٩] * * * (معارضة الكتاب) ١٨٣٥ - يجوز أن يعارض الكتاب الذي سمعه بنسخة أخرى مع غيره، نص عليه، وبه قال الجمهور. [المستدرك ٢/ ٩٩] * * * (سماع الصبي والضرير) ١٨٣٦ - قال عبد الله: سألت أبي: متى يجوز سماع الصبي في الحديث؟ قال: إذا عقل وضبط. [المستدرك ٢/ ١٠٠] * * * (من المحدثين من لا يكون حجة إذا انفرد وكذلك الحديث) ١٨٣٧ - من المحدثين من لا يكون حجة إذا انفرد، فإذا وافقه مثله صار حجة، وكذلك الحديث يروى من وجهين فيصير بذلك حجة. وهذا باب واسع يجب اعتباره. [المستدرك ٢/ ١٠٠]

стр. 1413

(إذا قال الصحابي أو التابعي: من السُّنَّة كذا أو أمرنا بكذا ونهينا عن كذا) ١٨٣٨ - مسألة: إذا قال الصحابي: "من السُّنَّة كذا وكذا" اقتضى سُنَّة النبي ﷺ عند أصحابنا وعامة الشافعية وجماعة من الحنفية منهم أبو عبد الله البصري. وقال أبو بكر الرازي والكرخي والصيرفي: لا يقتضي ذلك، واختاره الجويني. قال القاضي: إذا قال الصحابي: "من السُّنَّة كذا" كقول علي: "من السُّنَّة ألا يقتل حر بعبد" اقتضى سُنَّة النبي ﷺ ، وكذلك إذا قال التابعي: "من السُّنَّة كذا" كان بمنزلة المرسل، فيكون حجة على الصحيح من الروايتين، كما قال سعيد بن المسيب: "من السُّنَّة إذا أعسر الرجل بنفقة امرأته أن يفرق بينهما الحاكم " وكذا إذا قال الصحابي: "أمرنا بكذا ونهينا عن كذا" فإنه يرجع إلى أمر النبي ﷺ ونهيه، وكذلك إذا قال: "رخص لنا في كذا". قال القاضي: وقد رأيت هذا لبعض أصحابنا (١). ويغلب على ظني (٢) أنه أبو حفص البرمكي ذكره في مسائل البرزاطي لما روى الحديث عن ابن عمر أنه قال: "مضت السُّنَّة أن ما أدركت الصفقة حبًّا مجموعًا فهو من مال المبتاع" فقال بعد هذا: صار هذا الحديث مرفوعًا بقوله: "مضت السُّنَّة" ويدخل في المسند.

стр. 1414

حرر ابنه عبد الله أن هذا القائل هو ابن بطة. قال شيخنا ﵁: ويغلب على ظني أن هذا الضرب لم يذكره أحمد في الحديث المسند، فلا يكون عنده مرفوعًا. مسألة: فإن قال التابعي ذلك فكذلك، إلا أنه يكون بمنزلة المرسل، وقد أومأ أحمد إلى ذلك. والد شيخنا: قال المقدسي: وقول التابعي والصحابي في ذلك سواء، إلا أن الاحتمال في قول الصحابي أظهر وذكر قول التابعي في هذه وفي التي بعدها. قال أبو الخطاب: في ذلك وجهان، بناء على المرسل. قال شيخنا ﵁: الخلاف في "أُمرنا" و"نُهينا" إنما يتوجه عند الإطلاق، وأما عند الاقتران- بأن الأمر كان على عهد رسول الله ﷺ أو زمنه- فلا يتوجه؛ كقول عائشة: "كنا نحيض على عهد رسول الله ﷺ فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة". [المستدرك ٢/ ١٠١ - ١٠٢] * * * (كنا نفعل كذا على عهد الرسول حجة من وجهين) ١٨٣٩ - قول الصحابي: "كنا نفعل كذا على عهد النبي ﷺ يحتج به من وجهين: من جهة: أن فعلهم حجة كقولهم. ومن جهة: إقرار رسول الله ﷺ . فالأول (١): كقول أبي سعيد: "كنا نعزل والقرآن ينزل فلو كان شيء ينهى عنه لنهانا عنه القرآن" فهذا لا يحتاج إلى أن يبلغ النبي ﷺ لكن هذا المأخذ قد ذكره أبو سعيد، ولم أر الأصوليين تعرضوا له.

стр. 1415

وأما الثاني (١): فيحتاج إلى بلوغ النبي ﷺ ، وفيه الأقوال الثلاثة: أحدها: قول أبي الخطاب وأبي محمد أنه حجة مطلقًا؛ لأن ذكره ذلك في معرض الحجة يدل على أنه أراد ما علمه النبي ﷺ فسكت عنه ليكون دليلًا. والثاني: ليس بحجة كالوجه الذي ذكره القاضي، وهو قول الحنفية. وأما إذا كانت العادة تقتضي أنه بلغه فذاك دليل على البلوغ. وأصل هذا أن الأصل قول اللّه تعالى وفعله، وتركه القول وتركه الفعل، وقول رسول الله ﷺ وفعله، وتركه القول وتركه العمل. وإن كانت قد جرت عادة عامة الأصوليين أنهم لا يذكرون من جهة الله إلا قوله الذي هو كتابه، ومن جهة رسول الله ﷺ قد يقولون بما يقول أصحابنا: قوله وفعله وإقراره. وقد يقولون: "وإمساكه" وهذا أجود؛ فإن إقراره: تركُ النهي؛ فإنه يدل على العفو عن تحريم. وأما الإمساك: فإنه يعم ترك الأمر أيضًا الذي يفيد العفو عن الإيجاب؛ كترك الأمر بصدقة خضروات المدينة؛ فإن ترك الأمر مع الحاجة إلى البيان يدل على عدم الإيجاب؛ كترك النهي، وأما ترك الفعل فإنه يدل على عدم الاستحباب وعدم الإيجاب كثيرًا؛ فإن ترك الفعل مع قيام المقتضي له يدل على عدم كونه مشروعًا كترك النهي مع الحاجة إلى البيان. وأما "فعل الله" كعذابه للمنذَرين فإنه دليل على تحريم ما فعلوه ووجوب ما أُمروا به. وكما استدل أصحابنا وغيرهم من السلف بفعل الله تعالى ورجم قوم لوط على رجمهم.

стр. 1416

وأما ترك القول: فكما يستدل بعدم أمره على عدم الإيجاب، وبعدمِ نهيه على عدم التحريم؛ كقوله: "وما سكت عنه فهو مما عفا عنه ". وهو الدليل الثاني للاستدلال على عدم الحكم بعدم الدليل، وكما استدل أبو سعيد بعدم النهي عن الفعل على عدم تحريمه. وأما ترك الفعل: فكإنجائه للمؤمنين دون المنذرين. [المستدرك ٢/ ١٠٣ - ١٠٤] * * * (قول الصحابي: نزلت في كذا) ١٨٤٠ - قول الصاحب: "نزلت هذه الآية في كذا" هل هو من باب الرواية أو الاجتهاد؟ طريقة البخاري في "صحيحه" تقتضي أنه من باب المرفوع وأحمد في المسند لم يذكر مثل هذا. [المستدرك ٢/ ١٠٤] * * * (إذا تفرد العدل بزيادة لا تنافي المزيد عليه) ١٨٤١ - مسألة: إذا انفرد العدل عن سائر الثقات بزيادة لا تنافي المزيد عليه قبلت، نص عليه، وهو قول جماعة الفقهاء والمتكلمين وقول الشافعي. وقال جماعة من أهل الحديث: لا تقبل. وعن المالكية وجهان. وعن أحمد قول كقولهم فيما إذا خالف ظاهر المزيد عليه، وعنه: ترد مطلقًا إذا تركها الجمهور. قال [شيخنا]: هذه المسألة ذات شعب واشتباه بغيرها، وذلك أن الكلام في ثبوتها أوردها غير اتباعها عملًا؛ فإنه قد يروى حديثان منفصلان في قصة، وفي أحدهما زيادة، فهنا لا ريب في قبولها إذا رواها ثقة، كما لو روى حديثًا مفردًا متضمنًا حكمًا آخر، لكن قد يوجب ذلك تقييد الرواية الأخرى أو تخصيصها فتبقى من باب الخطابين المطلق والمقيد، وهنا قد خالفت إطلاق الرواية الأخرى.

стр. 1417

فزيادة بعض الرواة بعض الحديث يستمد من قاعدة، وهي: أن التفرد بالرواية قد يقدح تارة ولا يقدح أخرى، فإذا كان المقتضي للاشتراك قائمًا ولم يقدح قدح وإلا فلا، ومنه رواية ما تعم به البلوى وغير ذلك، وذلك لأنها إذا كانت ثابتة فالمحدث إما أن يكون قد ذكرها للبقية أو لم يذكرها. وإذا ذكرها فإما أنهم لم يسمعوها، أو سمعوها وما حفظوها، أو حفظوها وما حدثوا بها، ليس هنا سبب رابع. فإن كان المقتضي لذكرها وسمعها وحفظها والتحديث بها موجودًا صارت مثل المثبت والنافي سواء. وأما الاختلاف في الإسناد والإرسال والرفع والوقف ففيه تفصيل أيضًا. وكلام أحمد وغيره في هذه الأبواب مبني على التفصيل، وأهل الحديث أعلم من غيرهم. [المستدرك ٢/ ١٠٤ - ١٠٧] * * * (التعارض الحقيقي لا يوجد في الأخبار) ١٨٤٢ - لا يجوز أن يوجد في الشرع خبران متعارضان من جميع الوجوه وليس مع أحدهما ترجيح يقدم به. [المستدرك ٢/ ١٠٨] * * * (المضطرب) ١٨٤٣ - يقدم حديث من دم يضطرب دفظه عدى ما اضطرب لفظه قاله القاضي. [المستدرك ٢/ ١٠٨] * * * (إذا تعارض المرسل وحديث عن الصحابة) ١٨٤٤ - إذا تعارض خبر مرسل عن النبي ﷺ وحديث عن الصحابة أو التابعين فالذي عن الصحابة أولى من المرسل نصَّ عليه. [المستدرك ٢/ ١٠٩] * * *

стр. 1418

(تقديم رواية المثبت على النافي) ١٨٤٥ - في تقديم رواية المثبت على النافي، نصَّ عليه أحمد، قال إسماعيل: إذا كان النفي مستندًا إلى علم بالعدم -بأن كانت جهات الإثبات معلومة- لا إلى عدم علم بأن النفي والإثبات في جهة هذه الصورة يتقابلان من غير ترجيح. [المستدرك ٢/ ١٠٩] * * * (هل تقدم رواية من تقدم إسلامه وهجرته) ١٨٤٦ - مسألة: رواية من تقدم إسلامه ومن تأخر سواء، قاله القاضي وغيره. [المستدرك ٢/ ١٠٩] * * * (أخبار الآحاد يدل على صحتها طرق) ١٨٤٧ - قال المخالف: هذه أخبار آحاد فلا يجوز الاحتجاج بها في مثل هذه المسألة، فقال القاضي: هذه مسألة شرعية طريقها مثل مسائل الفروع ليس للمخالف فيها طريق يمكنه أن يقول: إنه يوجب القطع. وجواب آخر، وهو أنه تواتو في المعنى من وجهين: أحدهما: أن الألفاظ الكثيرة إذا وردت من طرق مختلفة ورواة شتى لم يجز أن يكون جميعها كذبًا، ولم يكن بد أن يكون بعضها صحيحًا، كما لو أخبرنا الجمع الكثير بإسلامهم وجب أن يكون فيهم صادق، ولهذا أثبتنا كثيرًا من معجزات النبي ﷺ وأثبتنا وجوب العمل بخبر الواحد بما روي عن الصحابة من العمل به في قضايا مختلفة. والثاني: أن هذا الخبر تلقته الأمة بالقبول، ولم ينقل عن أحد أنه رده؛ ولهذا نقول: إن قول النبي ﷺ : "إنا معاشر الأنبياء لا نورث ما تركنا

стр. 1419

صدقة" (١) لما اتفقوا على العمل به دلَّ على أنه صحيح عندهم. قال شيخنا ﵁: وثَمَّ طريق ثالث، وهو ثبوت القدر المشترك من المعنى، وهذا غير القطع بصحة واحد من الألفاظ. قال في أدلة المسألة: وأيضًا: فلا خلاف أن نصب الزكاة والمقادير الواجبة فيها وأركان الصلاة مقطوع بها، ومعلوم أنه ما ثبت بها خبر متواتر، هانما نقل فيها أخبار آحاد: ابن عمر وأنس وغيرهما، عدد معروف، فلما اتفقوا عليها وقطعوا على ثبوتها علمنا أن قبولها قطعي من حيث الإجماع، لا من حيث أخبار الآحاد؛ من ناحية أن الأمة تلقتها بالقبول فصارت الأخبار فيها كالمتواتر. [المستدرك ٢/ ١١٥ - ١١٦] * * *

стр. 1420

أصول الفقه (١) ١٨٤٨ - " أصول الفقه" فرض كفاية، وقيل: فرض عين على من أراد الاجتهاد والحكم والفتوى. وتقديم معرفته أولى عند ابن عقيل وغيره لبناء الفروع عليها، وعند القاضي تقديم الفروع أولى؛ لأنها الثمرة المرادة من الأصول. فالفقيه حقيقة من له أهلية تامة يعرف بها الحكم إذا شاء بدليله مع معرفة جملة كثيرة من الأحكام الفرعية وحضورها عنده بأدلتها الخاصة والعامة. [المستدرك ٢/ ٥] ١٨٤٩ - الْمَقْصُودُ مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ: أَنْ نفْقَهَ مُرَادُ اللهِ وَرَسُولِهِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. [٢٠/ ٤٩٧] ١٨٥٠ - كان شيخ الإسلام يقول: من فارق الدليل ضلَّ السبيل، ولا دليل إلا بما جاء به الرسول ﷺ . [المستدرك ٢/ ٦] ١٨٥١ - الْفِقْهُ مِن أَجَل الْعُلُومِ. [١٣/ ١٢٤] ١٨٥٢ - طُرُقُ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي نَتَكَلَّمُ عَلَيْهَا فِي أصُولِ الْفِقْهِ فَهِيَ - بِإجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ-: أ- "الْكِتَابُ " لَمْ يَخْتَلِفْ أَحَدٌ مِن الْأَئِمَّةِ فِي ذَلِكَ كَمَا خَالَفَ بَعْضُ أَهْلِ الضلَالِ فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى بَعْضِ الْمَسَائِلِ الِاعْتِقَادِيَّةِ.

стр. 1421

ب- وَالثانِي: "السّنَّةُ الْمُتَوَاتِرَةُ" الَّتِي لَا تُخَالِفُ ظَاهِرَ الْقُرْآنِ بَل تُفَسِّرُهُ، مِثْلُ أَعْدَادِ الصَّلَاةِ وَأَعْدَادِ رَكَعَاتِهَا وَنُصُبِ الزَّكَاةِ وَفَرَائِضِهَا وَصِفَةِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِن الْأَحْكَامِ الَّتِي لَمْ تعْلَمْ إلَّا بِتَفْسِيرِ السُّنَّةِ. وَأَمَّا السّنَّةُ الْمُتَوَاتِرَةُ الَّتِي لَا تُفَسِّرُ ظَاهِرَ الْقُرْآنِ أَو يُقَالُ تُخَالِفُ ظَاهِرَهُ كَالسُّنَّةِ فِي تَقْدِيرِ نِصَابِ السَّرِقَةِ وَرَجْمِ الزَّانِي وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَمَذْهَبُ جَمِيعِ السَّلَفِ الْعَمَلُ بِهَا أَيْضًا إلَّا الْخَوَارجُ. ج- الطَّرِيقُ الثالِثُ: "السُّنَنُ الْمُتَوَاتِرَةُ" عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ إمَّا مُتَلَقَّاةٌ بِالْقَبُولِ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِهَا؛ أَو بِرِوَايَةِ الثّقَاتِ لَهَا. وَهَذِهِ أَيْضًا مِمَّا اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى اتِّبَاعِهَا مِن أَهْلِ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ وَالتَّصَوُّفِ وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ. د- الطَّرِيقُ الرَّابعُ: الْإِجْمَاعُ ، وَهُوَ مُتَّفَق عَلَيْهِ بَيْنَ عَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ مِن الْفُقَهَاءِ وَالصُّوفِيَّةِ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ وَالْكَلَامِ وَغَيْرِهِمْ فِي الْجُمْلَةِ. لَكِنَّ الْمَعْلُومَ مِنْهُ هُوَ مَا كَانَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ، وَأَمَّا مَا بَعْدَ ذَلِكَ فَتَعَذَّرَ الْعِلْمُ بِهِ غَالِبًا. هـ- الطَّرِيقُ الْخَامِسُ: "الْقِيَاسُ عَلَى النَّصّ وَالْإِجْمَاعِ ". وَهُوَ حُجَّة أَيْضًا عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْفقَهَاءِ، لَكِنَّ كَثِيرًا مِن أَهْلِ الرَّأيِ أَسْرَفَ فِيهِ حَتَّى اسْتَعْمَلَهُ قَبْلَ الْبَحْثِ عَن النَّصِّ، وَحَتَّى رَدَّ بِهِ النُّصُوصَ، وَحَتَّى اسْتَعْمَلَ مِنْهُ الْفَاسِدَ، وَمِن أَهْلِ الْكَلَامِ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ وَأَهْلِ الْقِيَاسِ مَن يُنْكِرُهُ رَأْسًا، وَهِيَ مَسْأَلَةٌ كَبِيرَةٌ، وَالْحَقُّ فِيهَا مُتَوَسّطٌ بَيْنَ الْإِسْرَافِ وَالنَّقْصِ. و- الطَرِيقُ السَّادِسُ: "الِاسْتِصْحَابُ "، وَهُوَ الْبَقَاءُ عَلَى الْأَصْلِ فِيمَا لَمْ يُعْلَمْ ثُبُوتُهُ وَانْتِفَاؤُهُ بِالشَّرْعِ، وَهُوَ حُجَّة عَلَى عَدَمِ الِاعْتِقَادِ بِالِاتِّفَاقِ. وَهَل هُوَ حُجَّةٌ فِي اعْتِقَادِ الْعَدَمِ؟ فِيهِ خِلَافٌ. وَمِمَّا يُشْبِهُهُ الِاسْتِدْلَالُ بِعَدَمِ الدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ عَلَى عَدَمِ الْحُكْمِ الشَرْعِيِّ،

стр. 1422

مِثْل أَنْ يُقَالَ: لَو كَانَت الْأُضْحِيَّةُ أَو الْوِتْرُ وَاجِبًا لَنَصَبَ الشَّرْعُ عَلَيْهِ دَلِيلًا شَرْعِيًّا، إذ وُجُوبُ هَذَا لَا يُعْلَمُ بِدُونِ الشَّرْعِ، وَلَا دَلِيلَ فَلَا وُجُوبَ. فَالْأَوَّلُ يَبْقَى عَلَى نَفْيِ الْوُجُوبِ وَالتَّحْرِيمِ الْمَعْلُومِ بِالْعَقْلِ حَتَّى يَثْبُتَ الْمُغَيِّرُ لَهُ، وَهَذَا اسْتِدْلَالٌ بِعَدَم الدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ الْمُثْبِتِ عَلَى عَدَمِ الْحُكْمِ، إذ يَلْزَمُ مِن ثُبُوتِ مِثْل هَذَا الْحُكْمِ ثبُوتُ دَلِيلِهِ السَّمْعِيِّ. كَمَا يُسْتَدَلُّ بِعَدَمِ النَّقْلِ لَمَّا تَتَوَفَّرُ الْهِمَمُ وَالدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ وَمَا تُوجِبُ الشَّرِيعَةُ نَقْلَهُ، وَمَا يُعْلَمُ مِن دِينِ أَهْلِهَا وَعَادَتِهِمْ أَنَّهُم يَنْقُلُونَهُ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ. ز- الطَّرِيقُ السَّابعُ: "الْمَصَالِحُ الْمُرْسَلَةُ " وهُوَ أَنْ يَرَى الْمُجْتَهِدُ أَنَّ هَذَا الْفِعْلَ يَجْلِبُ مَنْفَعَة رَاجِحَةً؛ وَلَيْسَ فِي الشَّرْعِ مَا يَنْفِيه؛ فَهَذِهِ الطَّرِيقُ فِيهَا خِلَافٌ مَشْهُورٌ فَالْفُقَهَاءُ يُسَمُّونَهَا "الْمَصَالِحَ الْمُرْسَلَةَ" ومِنْهُم مَن يُسَمِّيهَا الرَّأيَ وَبَعْضُهُم يُقَرِّبُ إلَيْهَا الِاسْتِحْسَانَ وَقَرِيبٌ مِنْهَا ذَوْقُ الصُّوفِيَّةِ وَوَجْدُهُم وَإِلْهَامَاتُهُمْ. وَالْقَوْلُ بِالْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ يُشَرّعُ مِن الدّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ غَالِبًا. وَهِيَ تُشْبِهُ مِن بَعْضِ الْوُجُوهِ مَسْأَلَةَ الِاسْتِحْسَانِ وَالتَّحْسِينِ الْعَقْلِيِّ وَالرَّأْيِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. فَإِنَّ الِاسْتِحْسَانَ طَلَبُ الْحُسْنِ وَالْأَحْسَنِ؛ كَالِاسْتِخْرَاجِ، وَهُوَ رُؤية الشَّيْءِ حُسْنًا، كَمَا أَنَّ الِاسْتِقْبَاحَ رُويَتُهُ قَبِيحًا، وَالْحُسْنُ هُوَ الْمَصْلَحَةُ، فَالِاسْتِحْسَانُ وَالِاسْتِصْلَاحُ مُتَقَارِبَانِ، وَالتَّحْسِينُ الْعَقْلِيُّ قَوْلٌ بِأَنَّ الْعَقْلَ يُدْرِكُ الْحَسَنَ، لَكِنْ بَيْنَ هَذِهِ فُرُوقٌ، وَالْقَوْلُ الْجَامِعُ أَنَّ الشَّرِيعَةَ لَا تُهْمِلُ مَصْلَحَة قَطُّ؛ بَل اللهُ تَعَالَى قَد أَكْمَلَ لَنَا الدّينَ، وَأَتَمَّ النِّعْمَةَ، فَمَا مِن شَيءٍ يُقَرِّبُ إلَى الْجَنَّةِ إلَّا وَقَد حَدَّثنَا بِهِ النَّبِيُّ ﷺ ، وَتَرَكَنَا عَلَى الْبَيْضَاءِ، لَيْلِهَا كَنَهَارِهَا، لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدَهُ إلَّا هَالِكٌ. لَكِنْ مَا اعْتَقَدَهُ الْعَقْلُ مَصْلَحَةً وإِن كَانَ الشَّرْعُ لَمْ يَرِدْ بِهِ فَأَحَدُ الْأَمْرَيْنِ لَازِمٌ لَهُ:

стр. 1423

أ- إمَّا أَنَّ الشَّرْعَ دَلَّ عَلَيْهِ مِن حَيْثُ لَمْ يَعْلَمْ هَذَا النَّاظِرُ. ب- أَو أَنَّهُ لَيْسَ بِمَصْلَحَةٍ وَإِن اعْتَقَدَهُ مَصْلَحَةً؛ لِأَنَّ الْمَصْلَحَةَ هِيَ الْمَنْفَعَةُ الْحَاصِلَةُ أَو الْغَالِبَةُ. وَكَثِيرًا مَا يَتَوَهَّمُ النَّاسُ أَنَّ الشَّيْءَ يَنْفَعُ فِي الدّينِ وَالدُّنْيَا، وَيَكُونُ فِيهِ مَنْفَعَةٌ مَرْجُوحَةٌ بِالْمَضرَّةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩]. وَكَثِيرٌ مِمَّا ابْتَدَعَهُ النَّاسُ مِن الْعَقَائِدِ وَالْأَعْمَالِ مِن بِدَعِ أَهْلِ الْكَلَامِ وَأَهْلِ التَّصَوُّفِ وَأَهْلِ الرَّأيِ وَأَهْلِ الْمُلْكِ حَسِبُوهُ مَنْفَعَةً أَو مَصْلَحَةً نَافِعًا وَحَقًّا وَصَوَابًا وَلَمْ يَكُن كَذَلِكَ. [١١/ ٣٣٩ - ٣٤٥] ١٨٥٣ - إِنَّ كَثِيرًا مِن نِزَاعِ الْعُقَلَاءِ لِكوْنِهِمْ لَا يَتَصَوَّرُونَ مَوْرِدَ النِّزَاعِ تَصَوُّرًا بَيِّنًا، وَكَثِيرٌ مِن النِّزَاعِ قَد يَكُونُ الصَّوَابُ فِيهِ فِي قَوْلٍ آخَرَ غَيْرِ الْقَوْلَيْنِ الَّلَذِينَ قَالَاهُمَا، وَكَثِيرٌ مِن النِّزَاعِ قَد يَكُونُ مَبْنِيًّا عَلَى أَصْلٍ ضَعِيفٍ إذَا بُيِّنَ فَسَادُهُ ارْتَفَعَ النِّزَاعُ. [١٢/ ٥٧] ١٨٥٤ - الْعُلُومُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: أ- مِنْهَا مَا لَا يُعْلَمُ إلَّا بِالْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ، وَأَحْسَنُ الْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ الَّتِي بَيَّنَهَا الْقُرْآنُ، وَأَرْشَدَ إلَيْهَا الرَّسُولُ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُعْرَفَ أَنَّ أَجَلَّ الْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ وَأَكْمَلَهَا وَأَفْضَلَهَا مَأخُوذٌ عَن الرَّسُولِ. فَإِنَّ مِن النَّاسِ مَن يُذْهَلُ عَن هَذَا، فَمِنْهُم مَن يَقْدَحُ فِي الدَّلَائِلِ الْعَقْلِيَّةِ مُطْلَقًا لِأَنَّهُ قَد صَارَ فِي ذِهْنِهِ أَنَّهَا هِيَ الْكَلَامُ الْمُبْتَدَعُ الَّذِي أَحْدَثَهُ مَن أَحْدَثَهُ مِن الْمُتَكَلِّمِينَ. ب- وَمِنْهَا مَا لَا يَعْلَمُهُ غَيْرُ الْأَنْبِيَاءِ إلَّا بِخَبَرِ الْأنْبِيَاءِ، وَخَبَرُهُم الْمُجَرَّدُ هُوَ دَلِيل سَمْعِيٌّ، مِثْل تَفَاصِيلِ مَا أَخْبَرُوا بِهِ مِن الْأُمُورِ الْإِلَهِيَّةِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْعَرْشِ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَتَفَاصِيلِ مَا يُؤْمَرُ بِهِ وَيُنْهَى عَنْهُ.

стр. 1424

فَأَمَّا نَفْسُ إثْبَاتِ الصَّانِعِ وَوَحْدَانِيَّتِهِ وَعِلْمِهِ وَقُدْرَتهِ وَمَشِيئَتِهِ وَحِكْمَتِهِ وَرَحْمَتِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَهَذَا لَا يُعْلَمُ بالأدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ، وَإِن كَانَت الْأَدِلَّةُ وَالْآيَاتُ الَّتِي يَاُتِي بِهَا الْأَنْبِيَاءُ هِيَ أَكْمَلُ الْأَدِلًّةِ الْعَقْلِيَّةِ. [١٣/ ١٣٧ - ١٣٨] ١٨٥٥ - التَّأْوِيلُ فِي عُرْفِ الْمُتَأَخّرِينَ: هُوَ صَرْفُ اللَّفْظِ عَن الْمَعْنَى الرَّاجِحِ إلَى الْمَعْنَى الْمَرْجُوحِ لِدَلِيلٍ يَقْتَرِنُ بِهِ، وَهَذَا هُوَ التَّأْوِيلُ الَّذِي يَتَكَلَّمُونَ عَلَيْهِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَمَسَائِلِ الْخِلَافِ. وَأَمَّا التَّأْوِيلُ فِي لَفْظِ السَّلَفِ فَلَهُ مَعْنيَانِ: أَحَدُهُمَا: تَفْسِيرُ الْكَلَامِ وَبَيَانُ مَعْنَاهُ، سَوَاءٌ وَافَقَ ظَاهِرَهُ أَو خَالَفَهُ؛ فَيَكُونُ التَّأْوِيلُ وَالتَّفْسِيرُ عِنْدَ هَؤُلَاءِ مُتَقَارِبًا أَو مُتَرَادِفًا. والْمَعْنَى الثانِي فِي لَفْظِ السَّلَفِ- وَهُوَ الثَّالِثُ مِن مُسَمَّى التَّاوِيلِ مُطْلَقًا-: هُوَ نَفْسُ الْمُرَادِ بِالْكَلَامِ، فَإِنَّ الْكَلَامَ إنْ كَانَ طَلَبًا كَانَ تَأْوِيلُة نَفْسَ الْفِعْلِ الْمَطْلُوبِ، وَإِن كَانَ خَبَرًا كَانَ تَأْوِيلُهُ نَفْسَ الشَّيْءِ الْمُخْبَرِ بِهِ. وَمِمَّا يُوَافِقُهُ فِي اشْتِقَاقِهِ الْأَصْغَرِ: (الْآلُ) فَإِنَّ آلَ الشَّخْصِ مَن يَئُولُ إلَيْهِ؛ وَلهَذَا لَا يُسْتَعْمَلُ إلَّا فِي عَظِيمٍ، بِحَيْثُ يَكُونُ الْمُضَافُ إلَيْهِ أَعْظَمَ مِن الْمُضَافِ، يَصْلُحُ أَنْ يَئُولَ إلَيْهِ الْآلُ؛ كَآلِ إبْرَاهِيمَ وَآلِ لُوطٍ وَاَلِ فِرْعَوْنَ، بِخِلَافِ الْأَهْلِ. وَأَمَّا إدْخَالُ أَسْمَاءِ اللهِ وَصِفَاتِهِ أَو بَعْضِ ذَلِكَ فِي الْمُتَشَابِهِ الَّذِي لَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلَّا اللهُ، أَو اعْتِقَادُ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمُتَشَابِهُ الَّذِي اسْتَأْثَرَ اللّهُ بِعِلْمِ تَأْوِيلِهِ، كَمَا يَقُولُ كُلُّ وَاحِدٍ مِن الْقَوْلَيْنِ طَوَائِفُ مِن أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ، فَإِنَّهُم وإن أَصَابُوا فِي كَثِيرٍ مِمَّا يَقُولُونَهُ وَنَجَوْا مِن بِدَعٍ وَقَعَ فِيهَا غَيْرُهُمْ، فَالْكَلَامُ عَلَى هَذَا مِن وَجْهَيْنِ: الْأوَّلُ: مَن قَالَ: إنَ هَذَا مِن الْمُتَشَابِهِ وَأَنَّهُ لَا يُفْهَمُ مَعْنَاهُ، فَنَقُولُ: أَمَّا الدَّلِيلُ عَلَى بُطْلَانِ ذَلِكَ فَإِنِّي مَا أَعْلَمُ عَن أَحَدٍ مِن سَلَفِ الْأمَّةِ وَلَا مِن الْأَئِمَّةِ لَا أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ وَلَا غَيْرِهِ أَنَّهُ جَعَلَ ذَلِكَ مِن الْمُتَشَابِهِ الدَّاخِلِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ،

стр. 1425

وَنَفَى أَنْ يَعْلَمَ أَحَدٌ مَعْنَاهُ، وَجَعَلوا أَسْمَاءَ اللّهِ وَصفَاتِهِ بِمَنْزِلَةِ الْكَلَامِ الْأَعْجَمِيِّ الَّذِي لَا يُفْهَمُ. فَهَذَا أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ وَهُوَ مَنْعُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ مِن الْمُتَشَابِهِ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ إذَا قِيلَ: هَذِهِ مِن الْمُتَشَابِهِ أَو كَانَ فِيهَا مَا هُوَ مِن الْمُتَشَابِهِ كَمَا نُقِلَ عَن بَعْضِ الْأَئِمَّةِ أَنَّهُ سَمَّى بَعْضَ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ الْجَهْمِيَّة مُتَشَابِهًا فَيُقَالُ: الَّذِي فِي الْقرْآنِ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلَّا اللهُ: إمَّا الْمُتَشَابِهُ وَإِمَّا الْكِتَابُ كُلُّهُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَنَفْيُ عِلْمِ تَأْوِيلِهِ لَيْسَ نَفْيَ عِلْمِ مَعْنَاهُ. [١٣/ ١٣٧ - ١٣٨] ١٨٥٦ - الْفِعْل لَا يَدُلُّ بِنَفْسِهِ عَلَى الْوُجُوبِ. [١٧/ ٤٩٤] ١٨٥٧ - تَنْقِيح الْمَنَاطِ: هُوَ أَنْ يَكُونَ الرَّسُولُ ﷺ حَكَمَ فِي مُعَيَّنٍ، وَقَد عُلِمَ أَنَّ الْحُكْمَ لَا يَخْتَصُّ، فَيُرِيدُ (١) أَنْ يُنَقِّحَ مَنَاطَ الْحُكْمِ لِيَعْلَمَ النَّوْعَ الَّذِي حَكَمَ فِيهِ، كَمَا أَنَّهُ لَمَّا أَمَرَ الْأَعْرَابِيَّ الَّذِي وَاقَعَ امْرَأَتَهُ فِي رَمَضَانَ بِالْكَفَّارَةِ، وَقَد عُلِمَ أَنَّ الْحُكْمَ لَا يَخْتَصُّ بِهِ، وَعُلِمَ أَنَّ كَوْنَهُ أَعْرَابِيًّا أَو عَرَبِيًّا أَو الْمَوْطُوءَةِ زَوْجَتَهُ لَا أَثَرَ لَهُ، فَلَو وَطِئَ الْمُسْلِمُ الْعَجَمِيُّ سُرِّيّتهُ كَانَ الْحُكْمُ كَذَلِكَ. وَلَكِنْ هَلِ الْمُؤَثِّرُ فِي الْكَفَّارَةِ كَوْنُهُ مُجَامِعًا فِي رَمَضَانَ أَو كَوْنُهُ مُفْطِرًا؟ فَالْأوَّلُ: مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ. وَالثَّانِي: مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَهُوَ رِوَايَةٌ مَنْصُوصَةٌ عَن أَحْمَد فِي الْحِجَامَةِ؛ فَغَيْرُهَا أَوْلَى. ثُمَّ مَالِكٌ يَجْعَلُ الْمُؤَثِّرَ جِنْسَ الْمُفَطِّرِ وَأَبُو حَنِيفَةَ يَجْعَلُهَا الْمُفَطّرِ كَتَنَوُّعِ جِنْسِهِ فَلَا يُوجِبُهُ فِي ابْتِلَاع الْحَصَاةِ وَالنَّوَاةِ. وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ، وَهَذَا لَا بُدَّ مِنْة فِي الشَّرَائِعِ، وَلَا يُسَمَّى قِيَاسًا عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ؛ كَأَبِي حَنِيفَةَ ونفاة الْقِيَاسِ؛ لِاتِّفَاقِ النَّاسِ عَلَى الْعَمَلِ بِهِ، كَمَا

стр. 1426

اتَّفَقُوا عَلَى تَحْقِيقِ الْمَنَاطِ، وَهُوَ: أَنْ يُعَلِّقَ الشَّارعُ الْحُكْمَ بِمَعْنى كُلِّيٍّ، فَيَنْظُر فِي ثُبُوتِهِ فِي بَعْضِ الْأَنْوَاعِ أَو بَعْضِ الْأَعْيَانِ، كَأَمْرِهِ بِاسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ، وَكَأَمْرِهِ بِاسْتِشْهَادِ شَهِيدَيْنِ مِن رِجَالِنَا مِمَن نَرْضَى مِنَ الشُّهَدَاءِ، وَكَتَحْرِيمِهِ الْخَمْرَ وَالْمَيْسِرَ، وَكَفَرْضِهِ تَحْلِيلَ الْيَمِينِ بِالْكَفَّارَةِ، وَكَتَفْرِيقِهِ بَيْنَ الْفِدْيَةِ وَالطَّلَاقِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ. فَيَبْقَى النَّظَرُ فِي بَعْضِ الْأَنْوَاعِ: هَل هِيَ خَمْرٌ، وَيَمِين، وَمَيْسِرٌ، وَفِدْيَةٌ، أَو طَلَاقٌ؟ وَفِي بَعْضِ الْأَعْيَانِ: هَل هِيَ مِن هَذَا النَّوْعِ؟ وَهَل هَذَا الْمُصَلِّي مُسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةِ؟ وَهَذَا الشَّخْصُ عَدْلٌ مَرْضِيٌّ؟ وَنَحْو ذَلِكَ. فَإِنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنَ الِاجْتِهَادِ مُتَّفَق عَلَيْهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ؛ بَل بَيْنَ الْعُقَلَاءِ فِيمَا يَتْبَعُونَهُ مِن شَرَائِعِ دِينِهِمْ وَطَاعَةِ وُلَاةِ أُمُورِهِمْ وَمَصَالِحِ دُنْيَاهُم وَآخِرَتِهِمْ. وَحَقِيقَةُ ذَلِكَ يَرْجِعُ إلَى تَمْثِيلِ الشَّيْءِ بِنَظِيرِهِ، وَإِدْرَاجِ الْجُزْئِي تَحْتَ الْكُلِّيِّ، وَذَاكَ (١) يُسَمَّى قِيَاسَ التَّمْثِيلِ؛ وَهَذَا يُسَمَّى قِيَاسَ الشُّمُولِ، وَهُمَا مُتَلَازِمَانِ؛ فَإِنَّ الْقَدْرَ الْمُشْتَرَكَ بَيْنَ الْأفْرَادِ فِي قِيَاسِ الشُّمُولِ الَّذِي يُسَمِّيهِ الْمَنْطِقِيُّونَ الْحَدَّ الْأَوْسَطَ: هُوَ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ فِي قِيَاسِ التَّمْثِيلِ الَّذِي يُسَمِّيهِ الْأُصُولِيُّونَ الْجَامِعَ، وَالْمَنَاطَ، وَالْعِلَّةَ، وَالْأَمَارَةَ، وَالدَّاعِي، وَالْبَاعِثَ، وَالْمُقْتَضِيَ، وَالْمُوجِبَ، وَالْمُشْتَرَكَ، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْعِبَارَاتِ. وَأَمَّا تَخْرِيجُ الْمَنَاطِ وَهُوَ: الْقِيَاسُ الْمَحْضُ وَهُوَ: أَنْ يَنُصَّ عَلَى حُكْمٍ فِي أُمُورٍ قَد يُظَنُّ أَنَّهُ يَخْتَصُّ الْحُكْمُ بِهَا، فَيَسْتَدِلُّ عَلَى أَنَّ غَيْرَهَا مِثْلُهَا، إمَّا لِانْتِفَاءِ الْفَارِقِ، أَو لِلِاشْتِرَاكِ فِي الْوَصْفِ الَّذِي قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الشَّارعَ عَلَّقَ الْحُكْمَ

стр. 1427

بِهِ فِي الْأَصْلِ، فَهَذَا هُوَ الْقِيَاسُ الَّذِي تُقِرُّ بِهِ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ وَيُنْكِرُهُ نفاة الْقِيَاسِ. وَإِنَّمَا يَكْثُرُ الْغَلَطُ فِيهِ لِعَدَمِ الْعِلْمِ بِالْجَامِعِ الْمُشْتَرَكِ الَّذِي عَلَّقَ الشَّارعُ الْحُكْمَ بِهِ. فَأَكْثَرُ غَلَطِ الْقَائِسِينَ مِن ظَنّهِمْ عِلَّةً فِي الْأَصْلِ مَا لَيْسَ بِعِلَّةٍ، وَلهَذَا كَثُرَتْ شَنَاعَاتُهُم عَلَى أَهْلِ الْقِيَاسِ الْفَاسِدِ. فَأَمَّا إذَا قَامَ دَلِيل عَلَى إلْغَاءِ الْفَارِقِ وَأَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ فَرْقٌ يُفَرِّقُ الشَّارعُ لِأَجْلِهِ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ، أَو قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْمَعْنَى الْفُلَانِيَّ هُوَ الَّذِي لِأَجْلِهِ حَكَمَ الشَّارعُ بِهَذَا الْحُكْمِ فِي الْأَصْلِ وَهُوَ مَوْجُود فِي صُورَةٍ أُخْرَى: فَهَذَا الْقِيَاسُ لَا يُنَازعُ فِيهِ إلَّا مَن لَمْ يَعْرِفْ هَاتَيْنِ الْمُقَدِّمَتَيْنِ. [٩/ ١٤ - ١٨] ١٨٥٨ - مَن قَالَ مِنَ الْعُلَمَاءِ: إنَّهُ حَرَّمَ عَلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ مَا تَسْتَخْبِثُهُ الْعَرَبُ وَأَحَلَّ لَهُم مَا تَسْتَطِيبُهُ: فَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى خِلَافِ هَذَا الْقَوْلِ؛ كَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَد وَقُدَمَاءِ أَصْحَابِهِ، وَلَكِنِ الخرقي وَطَائِفَة مِنْهُم وَافَقُوا الشَّافِعِيَّ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ، وَأَمَّا أَحْمَد نَفْسُهُ فَعَامَّةُ نُصُوصِهِ مُوَافِقَةٌ لِقَوْلِ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ وَمَا كَانَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ وَالتَابِعُونَ أَنَ التَّحْلِيلَ وَالتَّحْرِيمَ لَا يَتَعَلَّقُ بِاسْتِطَابَةِ الْعَرَبِ وَلَا بِاسْتِخْبَاثِهِمْ. [١٩/ ٢٤] ١٨٥٩ - الْأُصُولُ الثَّابِتَةُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ هِيَ بِمَنْزِلَةِ الدِّينِ الْمُشْتَرِكِ بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ، لَيْسَ لِأَحَدٍ خُرُوجٌ عَنْهَا، وَمَن دَخَلَ فِيهَا كَانَ مِن أَهْلِ الْإِسْلَامِ الْمَحْضِ، وَهُم أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ. وَمَا تَنَوَّعُوا فِيهِ مِنَ الْأَعْمَالِ وَالْأَقْوَالِ الْمَشْرُوعَةِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا تَنَوَّعَتْ فِيهِ الْأَنْبِيَاء. [١٩/ ١١٧] ١٨٦٠ - إنَّ الْأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ الَّتِي نُصِبَتْ عَلَيْهَا أَدِلَّة قَطْعِيَّةٌ مَعْلُومَة مِثْل الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ وَالْإِجْمَاعِ الظَّاهِرِ؛ كَوُجُوبِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ

стр. 1428

وَالصِّيَامِ وَتَحْرِيمِ الزنى وَالْخَمْرِ وَالرِّبَا: إذَا بَلَغَتْ هَذِهِ الْأَدِلَّةُ لِلْمُكَلَّفِ بَلَاغًا يُمَكِّنُهُ مِنَ اتّبَاعِهَا فَخَالَفَهَا تَفْرِيطًا فِي جَنْبِ اللهِ، وَتَعَدِّيًا لِحُدُودِ اللهِ: فَلَا رَيْبَ أَنَّهُ مُخْطِئٌ آثِمٌ، وَأَنَّ هَذَا الْفِعْلَ سَببٌ لِعُقُوبَةِ اللهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَإِنَّ اللهَ أَقَامَ حُجَّتَهُ عَلَى خَلْقِهِ بِالرُّسُلِ الَّذِينَ بَعَثَهُم إلَيْهِم مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]. وَأَمَّا إذَا كَانَ فِي الْفِعْلِ وَالْحَادِثَةِ وَالْمَسْأَلَةِ الْعَمَلِيَّةِ نَصٌّ لَا يَتَمَكَّنُ الْمُكَلَّفُ مِن مَعْرِفَتِهِ وَمَعْرِفَةِ دَلَالَتِهِ؛ مِثْل أَنْ يَكُونَ الْحَدِيث النَّبَوِيُّ الْوَارِدُ فِيهَا عِنْدَ شَخْصٍ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ الْمُجْتَهِدُ وَلَمْ يَشْعُرْ بِمَا يَدُلُّهُ عَلَيْهِ، أَو تَكُونُ دَلَالَتُهُ خَفِيَّةً لَا يَقْدِرُ الْمُجْتَهِدُ عَلَى فَهْمِهَا، أَو لَمْ يَكُن فِيهَا بِحَالٍ: فَهَذَا مَوْرِدُ نِزَاعٍ، فَذَهَبَ فَرِيقٌ مِن أَهْلِ الْكَلَامِ، مِثْل أَبِي عَلِيٍّ وَأَبِي هَاشِمٍ وَالْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ وَالْغَزَالِيِّ إلَى قَوْلٍ مُبْتَدَعٍ يُشْبِهُ فِي الْمُجْتَهِدَاتِ قَوْلَ الزَّنَادِقَةِ الْإِبَاحِيَّةِ فِي الْمَنْصُوصَاتِ، وَهُوَ أَنَّهُ لَيْسَ لِهَذِهِ الْحَادِثَةِ حُكْمٌ عِنْدَ اللهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَإِنَّمَا حُكْمُهُ فِي حَقِّ كُل مُكَلَّفٍ يَتْبَعُ اجْتِهَادَهُ وَاعْتِقَادَهُ، فَمَنِ اعْتَقَدَ وُجُوبَ الْفِعْلِ فَهُوَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ، وَمَنِ اعْتَقَدَ تَحْرِيمَهُ فَهُوَ حَرَامٌ عَلَيْهِ. وَأَمَّا السَّلَفُ وَالْفُقَهَاءُ وَالصُّوفِيَّةُ وَالْعَامَّةُ وَجُمْهُورُ الْمُتَكَلِّمِينَ فَعَلَى إنْكَارِ هَذَا الْقَوْلِ، وَأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وإِجْمَاعِ السَّلَفِ؛ بَل هُوَ مُخَالِفٌ لِلْعَقْلِ الصرِيحِ. وَأَمَّا الْأَحْكَامُ وَالِاعْتِقَادَاتُ وَالْأَقْوَالُ الْعَمَلِيَّةُ الَّتِي يَتْبَعُهَا الْمَحْكُومُ: فَهِيَ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ، وَالتَّحْسِينُ وَالتَّقْبِيحُ، وَاعْتِقَادُ الْوُجُوبِ وَالتَّحْرِيمِ، وَيُسَمِّيهَا كَثِيرٌ مِنَ الْمُتَفَقِّهَةِ وَالْمُتَكَلِّمَةِ: الْأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ، وَتُسَمَّى الْفُرُوعُ وَالْفِقْهُ وَنَحْو ذَلِكَ. وَهَذِهِ تَكونُ فِي جَمِيعِ الْمِلَلِ وَالْأَدْيَانِ، وَتَكُونُ فِي الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ مِنَ السِّيَاسَاتِ وَالصِّنَاعَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَهِيَ الَّتِي قَصَدْنَا الْكَلَامَ عَلَيْهَا فِي هَذِهِ الْقَاعِدَةِ حَيْثُ قُلْنَا: إنَّ الِاعْتِقَادَاتِ قَد تُؤَثّرُ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، فَهَذِهِ أَيْضًا النَّاسُ فِيهَا طَرَفَانِ وَوَسَطٌ:

стр. 1429

الطَّرَفُ الْأوَّلُ: طَرَفُ الزَّنَادِقَةِ الْإِبَاحِيَّةِ الْكَافِرَةِ بِالشَّرَائِعِ وَالْوَعِيدِ وَالْعِقَابِ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ الَّذِينَ يَرَوْنَ أَنَّ هَذِهِ الْأَحْكَامَ تَتْبَعُ الِاعْتِقَادَ مُطْلَقًا، وَالِاعْتِقَادُ فوَ الْمُؤَثّرُ فِيهَا. الطَّرَفُ الثَّانِي: طَرَفُ الْغَالِيَةِ الْمُتَشَدِّدِينَ، الَّذِينَ لَا يَرَوْن لِلِاعْتِقَادِ أَثَرًا فِي الْأَفْعَالِ؛ بَل يَقُولُ غَالِيَتُهُم كَقَوْمٍ مِن مُتَكَلِّمَةِ الْمُعْتَزِلَةِ: إنَّ للهِ حُكْمًا فِي كُلّ فِعْل مَن أَخْطَأَهُ كَانَ آثِمًا مُعَاقَبًا. وَأَمَّا الْأُمَّةُ الْوَسَطُ فَعَلَى أَنَّ الِاعْتِقَادَ قَد يُؤَثِّرُ فِي الْأَحْكَامِ، وَقَد لَا يُؤَثِّرُ بِحَسَبِ الْأَدِلَّةِ وَالْأَسْبَابِ. [١٩/ ١٤٢ - ١٥١] ١٨٦١ - إجْمَاعُ الْأُمَّةِ فِي نَفْسِهِ حَقٌّ، لَا تَجْتَمِعُ الْأُمَّةُ عَلَى ضَلَالَةٍ، وَكَذَلِكَ الْقِيَاسُ الصَّحِيحُ حَقٌّ. وَبِذَلِكَ وَصَفَ الْمُؤْمِنِينَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة: ٧١] فَلَو قَالَت الْأُمَّةُ فِي الدِّينِ بِمَا هُوَ ضَلَالٌ لَكَانَت لَمْ تَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ فِي ذَلِكَ وَلَمْ تَنْهَ عَن الْمُنْكَرِ فِيهِ. وقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥]. وَالشَّافِعِيُّ ﵁ لَمَّا جَرَّدَ الْكَلَامَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ احْتَجَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى الْإِجْمَاعِ، كَمَا كَانَ هُوَ وَغَيْرُهُ وَمَالِكٌ ذَكَرَ عَن عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ. وَالْآيَةُ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ مُتَّبعَ غَيْرِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ مُسْتَحِقٌّ لِلْوَعِيدِ، كَمَا أَنَّ مُشَاقَّ الرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى مُسْتَحِقّ لِلْوَعِيدِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا الْوَصْفَ يُوجِبُ الْوَعِيدَ بِمُجَرَّدِهِ، فَلَو لَمْ يَكُنِ الْوَصْفُ الْآخَرُ يَدْخُل فِي ذَلِكَ لَكَانَ لَا فَائِدَةَ فِي ذِكْرِهِ. [١٩/ ١٧٧ - ١٧٩] ١٨٦٢ - الْأَسْمَاءُ الَّتِي عَلَّقَ اللهُ بِهَا الْأَحْكَامَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ: أ- مِنْهَا مَا يُعْرَفُ حَدُّهُ وَمُسَمَّاهُ بِالشَّرْعِ، فَقَد بَيَّنَهُ اللهُ وَرَسُولُهُ؛ كَاسْمِ

стр. 1430

الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصيَامِ وَالْحَجِّ وَالْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ وَالْكُفْرِ وَالنِّفَاقِ. ب- وَمِنْهُ مَا يُعْرَفُ حَدُّهُ بِاللُّغَةِ؛ كَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالسَّمَاءِ وَالْأرْضِ وَالْبَرِّ. ج- وَمِنْهُ مَا يَرْجِعُ حَدّهُ إلَى عَادَةِ النَّاسِ وَعُرْفِهِمْ، فَيَتَنَوَّعُ بِحَسَبِ عَادَتِهِمْ؛ كَاسمِ الْبَيْعِ وَالنِّكَاح وَالْقَبْضِ وَالدّرْهَمِ وَالدِّينَارِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْأَسمَاءِ الَّتِي لَمْ يَحُدَّهَا الشَّارعُ بِحَدٍّ وَلَا لَهَا حَدٌّ وَاحِدٌ يَشْتَرِكُ فِيهِ جَمِيعُ أَهْلِ اللُّغَةِ؛ بَل يَخْتَلِفُ قَدْرُهُ وَصِفَتُهُ بِاخْتِلَافِ عَادَاتِ النَّاسِ. فَمَا كَانَ مِنَ النَّوْعِ الْأَوَّلِ فَقَد بَيّنهُ اللهُ وَرَسُولُهُ. وَمَا كَانَ مِنَ الثَّانِي وَالثَّالِثِ فَالصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ الْمُخَاطَبُونَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ قَد عَرَفوا الْمُرَادَ بِهِ؛ لِمَعْرِفَتِهِمْ بِمُسَمَّاهُ الْمَحْدُودِ فِي اللُّغَةِ، أَو الْمُطْلَقِ فِي عُرْفِ النَّاسِ وَعَادَتِهِمْ مِن غَيْرِ حَدٍّ شَرْعِيٍّ وَلَا لُغَوِيٍّ، وَبِهَذَا يَحْصُل التَّفَقُّهُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. وَالِاسْمُ إذَا بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ حدَّ مُسَمَّاهُ لَمْ يَلْزَمْ أَنْ يَكُونَ قَد نَقَلَهُ عَنِ اللُّغَةِ أَو زَادَ فِيهِ. وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَمَا أَطْلَقَهُ اللهُ مِنَ الْأَسْمَاءِ وَعَلَّقَ بِهِ الْأَحْكَامَ مِنَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالتَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ لَمْ يَكُن لِأَحَدٍ أَنْ يُقَيِّدَهُ إلَّا بِدَلَالَةٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ (١).

стр. 1431

فَمِن ذَلِكَ اسْمُ الْمَاءِ مُطْلَق فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَلَمْ يُقَسِّمْهُ النَّبِيُّ ﷺ إلَى قِسْمَيْنِ: طَهُورٌ وَغَيْرُ طَهُورٍ، فَهَذَا التَّقْسِيِمُ مُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. وَمِن ذَلِكَ اسْمُ الْحَيْضِ، عَلَّقَ اللهُ بِهِ أَحْكَامًا مُتَعَدِّدَةً فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَلَمْ يُقَدَّرْ لَا أَقَفُهُ وَلَا أَكْثَرُهُ وَلَا الطُّهْرُ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ مَعَ عُمُومِ بَلْوَى الْأمَّةِ بِذَلِكَ، وَاحْتِيَاجِهِمْ إلَيْهِ، وَاللُّغَةُ لَا تُفَرِّقُ بَيْنَ قَدْرٍ وَقَدْرٍ، فَمَن قَدَّرَ فِي ذَلِكَ حَدًّا فَقَد خَالَفَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ. وَكَذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُق صَدَقَة؛ وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسٍ أَوَاقٍ صَدَقَة وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَة" (١) وَقَالَ: "لَا شَيْءَ فِي الرِّقَّةِ حَتَّى تَبْلُغَ مَائَتَيْ دِرْهَمٍ لا، وَقَالَ فِي السَّارِقِ: "يُقْطَعُ إِذَا سَرَقَ مَا يَبْلُغُ ثَمَنَ الْمِجَنِّ " (٢) وَقَالَ: "تُقْطَعُ الْيَدُ فِي رُبُعِ دِينَارٍ" (٣)، وَالْأُوقِيَّةُ فِي لُغَتِهِ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا، وَلَمْ يَذْكُرْ لِلدِّرْهَمِ وَلَا لِلدِّينَارِ حَدًّا، وَلَا ضَرَبَ هُوَ دِرْهَمًا، وَلَا كَانَتِ الدَّرَاهِمُ تُضْرَبُ فِي أَرْضِهِ؛ بَل تُجْلَبُ مَضْرُوبَةً مِن ضَرْبِ الْكُفَّارِ (٤)، وَفِيهَا كِبَارٌ وَصِغَارٌ، وَكَانُوا يَتَعَامَلُونَ بِهَا تَارَةً عَدَدًا وَتَارَةً وَزْنًا، كَمَا قَالَ: "زِنْ وَأَرْجِحْ فَإِنَّ خَيْرَ النَّاسِ أَحْسَنُهُم قَضَاءً"، وَكَانَ هُنَاكَ وَزَّان يَزِنُ بِالْأَجْرِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُم إذَا وَزَنُوهَا فَلَا بُدَّ لَهُم مِن صَنْجَةٍ يَعْرِفُونَ بِهَا مِقْدَارَ الدَّرَاهِمِ، لَكِنَّ هَذَا لَمْ يَحُدَّهُ النَّبِيُّ ﷺ .

стр. 1432

وَلَو قَالَ قَائِلٌ: إنَّ الصَّاعَ وَالْمُدَّ يُرْجَعُ فِيهِ إلَى عَادَاتِ النَّاسِ؛ وَاحْتَجَّ بِأَنَّ صَاعَ عُمَرَ كَانَ أَكْبَرَ، وَبِهِ كَانَ يَأْخُذُ الْخَرَاجَ. لَكِنْ لَمْ أَعْلَمْ بِهَذَا قَائِلًا، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إلَّا مَا قَالَهُ السَّلَفُ قَبْلَنَا؛ لِأَنَّهُم عَلِمُوا مُرَادَ الرَّسُولِ قَطْعًا، فَإِنْ كَانَ مِنَ الصَّحَابَةِ أَو التَابِعِينَ مَن جَعَلَ الصَّاعَ كَيْرَ مُقَدَّرٍ بِالشَّرْعِ صَارَتْ مَسْأَلَةَ اجْتِهَادٍ (١). وَأَمَّا الدِّرْهَمُ وَالدّينَارُ فَقَد عَرَفْتَ تَنَازُعَ النَّاسِ فِيهِ وَاضْطِرَابَ أَكْثَرِهِمْ؛ حَيْثُ لَمْ يَعْتَمِدُوا عَلَى دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ؛ بَل جَعَلُوا مِقْدَارَ مَا أَرَادَة الرَّسُولُ هُوَ مِقْدَار الدَّرَاهِمِ الَّتِي ضَرَبَهَا عَبْدُ الْمَلِكِ؛ لِكَوْنِهِ جَمَعَ الدَّرَاهِمَ الْكِبَارَ وَالصِّغَارَ وَالْمُتَوَسِّطَةَ، وَجَعَلَ مُعَدَّلَهَا سِتَّةَ دَوَانِيقَ. فَيُقَالُ لَهُم: هَبْ أَنَّ الْأَمْرَ كَذَلِكَ؛ لَكِنَّ الرَّسُولَ ﷺ لَمَّا خَاطَبَ أَصْحَابَهُ وَأُمَّتَهُ بِلَفْظِ الدِّرْهَمِ وَالدِّينَارِ وَعِنْدَهُم أَوْزَان مُخْتَلِفَة الْمَقَادِيرِ كَمَا ذَكَرْتُمْ لَمْ يَحُدَّ لَهُم الدِّرْهَمَ بِالْقَدْرِ الْوَسَطِ كَمَا فَعَلَ عَبْدُ الْمَلِكِ، بَل أَطْلَقَ لَفْظَ الدِّرْهَمِ وَالدِّينَارِ، كَمَا أَطْلَقَ لَفْظَ الْقَمِيصِ وَالسَّرَاوِيل؛ وَالْإِزَارِ وَالرِّدَاءِ وَالدَّارِ وَالْقَرْيَةِ وَالْمَدِينَةِ وَالْبَيْتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِن مَصْنوعَاتِ الْآدَمِيِّينَ، فَلَو كَانَ لِلْمُسَمَّى عِنْدَة حَدٌّ لَحَدَّه، مَعَ عِلْمِهِ بِاخْتِلَافِ الْمَقَادِيرِ، فَاصْطِلَاحُ النَّاسِ عَلَى مِقْدَارِ دِرْهَمٍ وَدِينَارٍ أَمْرٌ عَادِيٌّ. وَكَذَلِكَ لَفْظُ "الْجِزْيَةِ" و"الدِّيَةِ". وَكَذَلِكَ لَفْظُ الضَّرِيبَةِ لِمَا يُضْرَبُ عَلَى النَّاسِ، فَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ كُلُّهَا لَيْسَ لَهَا حَدٌّ فِي اللُّغَةِ، وَلَكِنْ يَرْجِعُ إلَى عَادَاتِ النَّاسِ، فَإِنْ كَانَ الشَّرْعُ قَد حَدَّ لِبَعْضٍ حَدًّا كَانَ اتِّبَاعُهُ وَاجِبًا. وَلهَذَا اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْجِزْيَةِ: هَل هِيَ مُقَدَّرَةٌ بِالشَّرْعِ أَو يُرْجَعُ فِيهَا إلَى اجْتِهَادِ الْأَئِمَّةِ؟

стр. 1433

وَكَذَلِكَ الْخَرَاجُ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا لَيْسَتْ مُقَدَّرَة بِالشَّرْع، وَأَمْرُ النَّبِيِّ ﷺ لِمُعَاذٍ ﵁: أَنْ يَأْخُذَ مِن كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا أَو عِدْلَهُ معافريًّا (١): قَضِيَّةٌ فِي عَيْنٍ، لَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ شَرْعًا عَامًّا لِكُلِّ مَن تُؤخَذُ مِنْهُ الْجِزْيَةُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَأَمَّا الدِّيَةُ فَفِي الْعَمْدِ يُرْجَعُ فِيهَا إلَى رِضَى الْخَصْمَيْنِ، وَأَمَّا فِي الْخَطَأِ فَوَجَبَتْ عَيْنًا بِالشَّرْعِ فَلَا يُمْكِنُ الرّجُوعُ فِيهَا إلَى تَرَاضِيهِمْ؛ بَل قَد يُقَالُ: هِيَ مُقَدَّرَةٌ بِالشَّرْعِ تَقْدِيرًا عَامًّا لِلأُمَّةِ كَتَقْدِيرِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، وَقَد تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ أَقْوَالِ النَّاسِ فِي جِنْسِهَا وَقَدْرِهَا، وَهَذَا أَقْرَبُ الْقَوْلَيْنِ، وَعَلَيْهِ تَدُلُّ الْآثَارُ، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إنَّمَا جَعَلَهَا مِائَةً لِأَقْوَامٍ كَانَت أَمْوَالُهُم الْإِبِلَ؛ وَلهَذَا جَعَلَهَا عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ ذَهَبًا، وَعَلَى أَهْلِ الْفِضَّةِ فِضَّةً، وَعَلَى أَهْلِ الشَّاءِ شَاءً، وَعَلَى أَهْلِ الثيابِ ثِيَابًا، وَبِذَلِكَ مَضَتْ سِيرَةُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَغَيْرِهِ. [١٩/ ٢٣٥ - ٢٥٩] ١٨٦٣ - لَفْظُ "الْأَمْرِ" إذَا أُطْلِقَ: يَتَنَاوَلُ النَّهْيَ، وَإِذَا قُيِّدَ بِالنَّهْي: كَانَ النَّهْيُ نَظِيرَ مَا تَقَدَّمَ؛ فَإِذَا قَالَ تَعَالَى عَن الْمَلَائِكَةِ: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾ [التحريم: ٦] دَخَلَ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا نَهَاهُم عَن شَيْءٍ اجْتَنبوهُ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٥٠)﴾ [النحل: ٥٠] فَقَد قِيلَ: لَا يَتَعَدَّوْنَ مَا أُمِرُوا بِهِ. [٧/ ١٧٤] ١٨٦٤ - إِذَا تَعَارَضَ عمومان أَحَدُهُمَا مَحْفُوظٌ وَالْاَخَرُ مَخْصُوصٌ وَجَبَ تَقْدِيمُ الْمَحْفُوظِ. [٢٣/ ٢٩١] ١٨٦٥ - التَّرْكُ الرَّاتِبُ: سُنَّةٌ، كَمَا أَنَّ الْفِعْلَ الرَّاتِبَ: سُنَّةٌ، بِخِلَافِ مَا كَانَ تَرْكُهُ لِعَدَمِ مُقْتَضٍ، أَو فَوَاتِ شَرْطٍ، أَو وُجُودِ مَانِعٍ، وَحَدَثَ بَعْدَهُ مِنَ الْمُقْتَضَيَاتِ وَالشُّرُوطِ وَزَوَالِ الْمَانِعِ مَا دَلَّتِ الشَّرِيعَةُ عَلَى فِعْلِهِ حِينَئِذٍ؛ كَجَمْعِ الْقُرْآنِ فِي الْمُصْحَفِ، وَجَمْعِ النَّاسِ فِي التَّرَاوِيحِ عَلَى إمَامٍ وَاحِدٍ، وَتَعَلمِ الْعَرَبِيَّةِ، وَأَسْمَاءِ النَّقَلَةِ لِلْعِلْمِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُحْتَاجُ إلَيْهِ فِي الدِّينِ، بِحَيْثُ لَا

стр. 1434

تَتِمُّ الْوَاجِبَاتُ أَو الْمُسْتَحَبَّاتُ الشَّرْعِيَّةُ إلَّا بِهِ، وَإِنَّمَا تَرَكَهُ ﷺ لِفَوَاتِ شَرْطِهِ أَو وُجُودِ مَانِعٍ. فَأَمَّا مَا تَرَكَهُ مِن جِنْسِ الْعِبَادَاتِ مَعَ أَنَّهُ لَو كَانَ مَشْرُوعًا لَفَعَلَهُ أَو أَذِنَ فِيهِ وَلَفَعَلَهُ الْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ وَالصَّحَابَةُ: فَيَجِبُ الْقَطْعُ بِأَنَّ فِعْلَهُ بِدْعَةٌ وَضَلَالَةٌ، وَيَمْتَنِعُ الْقِيَاسُ فِي مَثَلِهِ وَإِن جَازَ الْقِيَاسُ فِي النَّوْعِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ مِثْلُ قِيَاسِ "صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ وَالِاسْتِسْقَاءِ وَالْكُسُوفِ" عَلَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فِي أَنْ يُجْعَلَ لَهَا أَذَانًا وإِقَامَةً كَمَا فَعَلَهُ بَعْضُ المراونية فِي الْعِيدَيْنِ، وَقِيَاسِ حُجْرَتِهِ وَنَحْوِهَا مِن مَقَابِرِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى بَيْتِ اللهِ فِي الِاسْتِلَامِ وَالتَّقْبِيلِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْأَقْيِسَةِ الَّتِي تُشْبِهُ قِيَاسَ الَّذِينَ حَكَى اللهُ عَنْهُم أَنَّهُم قَالُوا: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]. [٢٦/ ١٧٢] ١٨٦٦ - الْعُمُومُ الْمَخْصُوصُ بِالنَّصّ أَو الْإِجْمَاعِ: يَجُوزُ أَنْ يُخَصَّ مِنْهُ صُوَرٌ فِي مَعْنَاهُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ مِن سَائِرِ الطَّوَائِفِ، ويجُوزُ أَيْضًا تَخْصِيصُهُ بِالْإِجْمَاعِ وَبِالْقِيَاسِ الْقَوِيِّ. [٢٩/ ٨٦] ١٨٦٧ - كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يَتَكَلَّمُ بِفُرُوقٍ لَا حَقِيقَةَ لَهَا وَلَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي الشَّرْعِ، أَو يُمْنَعُ تَأْثِيرُهُ فِي الْأَصْلِ. وَذَلِكَ أَنَّهُ قَد يَذْكُرُ وَصْفًا يَجْمَغ بِهِ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ الْوَصْفُ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا؛ بَل قَد يَكُونُ مَنْفِيًّا عَنْهُمَا أَو عَن أَحَدِهِمَا. وَكَذَلِكَ الْمُفَرّقُ قَد يُفَرِّقُ بِوَصْفٍ يَدَّعِي انْتِقَاضَهُ بِإِحْدَى الصُّورَتَيْنِ، وَلَيْسَ هُوَ مُخْتَصَّا بِهَا؛ بَل هُوَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْأُخْرَى؛ كَقَوْلِهِمْ: النَّهْيُ لِمَعْنًى فِي الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَذَلِكَ لِمَعْنًى فِي غَيْرِهِ، أَو ذَاكَ لِمَعْنًى فِي وَصْفِهِ دُونَ أَصْلِهِ. [٢٩/ ٢٨٩ - ٢٩٠] ١٨٦٨ - فَصْلٌ: فِي تَعْلِيلِ الْحُكْمِ الْوَاحِدِ بِعِلَّتَيْنِ، وَمَا يُشْبِهُ ذَلِكَ مِن وُجُودِ مُقَدَّرٍ وَاحِدٍ بَيْنَ قَادِرينِ وَوُجُودِ الْفِعْلِ الْوَاحِدِ مِن فَاعِلَيْنِ، فَنَقُولُ: النّزَاعُ وَإِن

стр. 1435

كَانَ مَشْهُورًا فِي ذَلِكَ فَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ مِن أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ يُجَوِّزُ تَعْلِيلَ الْحُكْمِ بِعِلَّتَيْنِ، وَكَثِيرٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِين يَمْنَعُ ذَلِكَ. فَالنِّزَاعُ فِي ذَلِكَ يَعُودُ إلَى نِزَاعٍ تَنَوُّعِيٍّ، وَنِزَاعٍ فِي الْعِبَارَةِ، وَلَيْسَ بِنِزَاعِ تَنَاقُضٍ، وَنَظِيرُ ذَلِكَ النّزَاعُ فِي تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ. [٢٠/ ١٦٧] ١٨٦٩ - الْمُتَكلِّمُ بِاللَّفْظِ الْعَامِّ لَا بُدَّ أَنْ يَقُومَ بِقَلْبِهِ مَعْنًى عَامٌّ؛ فَإِنَّ اللَّفْظَ لَا بُدَّ لَهُ مِن مَعْنًى. وَمَن قَالَ: الْعُمُومُ مِن عَوَارِضِ الْأَلْفَاظِ دُونَ الْمَعَانِي: فَمَا أَرَادَ- وَاللهُ أَعْلَم- إلَّا الْمَعَانِيَ الْخَارِجَةَ عَنِ الذِّهْنِ؛ كَالْعَطَاءِ وَالْمَطَرِ، عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ مَرْجُوحٌ. ثُمَّ إنَ ذَلِكَ الْحُكْمَ يَتَخَلَّفُ عَن بَعْضِ تِلْكَ الْاَحَادِ لِمُعَارِض؛ مِثْل أَنْ يَقُولَ: أَعْطِ لِكُلِّ فَقِيرٍ دِرْهَمًا، فَإِذَا قِيلَ لَهُ: فَإِنْ كَانَ كَافِرًا أَو عَدُوًّا؟ فَقَدَ يَنْهَى عَنِ الْإِعْطَاءِ. [٢٠/ ١٨٨ - ١٨٩] ١٨٧٠ - مَذْهَبُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ النبوِيَّةِ- دَارِ السُّنَّةِ وَدَارِ الْهِجْرَةِ وَدَارِ النُّصْرَةِ إذ فِيهَا سَنَّ اللهُ لِرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ سُنَنَ الْإِسْلَامِ وَشَرَائِعَهُ وَإِلَيْهَا هَاجَرَ الْمُهَاجِرُونَ إلَى اللهِ وَرَسُولِهِ وَبِهَا كَانَ الْأَنْصَارُ الَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ- مَذْهَبُهُم فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَتَابِعِيهِمْ أَصَحُّ مَذَاهِبِ أَهْلِ الْمَدَائِنِ الْإِسْلَامِيَّةِ شَرْقًا وَغَرْبًا؛ فِي الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ. وَهَذِهِ الْأَعْصَارُ الثَّلَاثَة هِيَ أَعْصَارُ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ الْمُفَضَّلَةِ الَّتِي قَالَ فِيهَا النَّبِيُّ ﷺ : "إنَّ خَيْرَكُمْ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُم، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَكُونُ بَعْدَهُم قَوْمٌ يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ، ويخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ، وَيُنْذِرُونَ وَلَا يُوفُونَ، وَيظْهَرُ فِيهِم السِّمَنُ" (١).

стр. 1436

قَوْلُهُ: "يَشْهَدُونَ قَبْلَ أَنْ يُسْتَشْهَدُوا". الصَّحِيحُ أَنَّ الذَّمَّ لِمَن يَشْهَدُ بِالْبَاطِلِ، كَمَا جَاءَ فِي بَعْضِ ألْفَاظِ الْحَدِيثِ: "ثُمَّ يَفْشُو فِيهِمْ الْكذِبُ، حَتَّى يَشْهَدَ الرَّجُلُ ولَا يُسْتَشْهَدُ"؛ وَلهَذَا قَرَنَ ذَلِكَ بِالْخِيَانَةِ وَبِتَرْكِ الْوَفَاءِ بِالنَّذْرِ، وَهَذِهِ الْخِصَالُ الثَّلَاثَة هِيَ آيةُ الْمُنَافِقِ. وَفِي الْقُرُونِ الَّتِي أَثْنَى عَلَيْهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مَذْهَبُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَصَحَّ مَذَاهِبِ أَهْلِ الْمَدَائِنِ. وَلهَذَا لَمْ يَذْهَبْ أَحَدٌ مِن عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ إلَى أَنَّ إجْمَاعَ أَهْلِ مَدِينَةٍ مِنَ الْمَدَائِنِ حُجَّةٌ يَجِبُ اتَّبَاعُهَا غَيْرُ الْمَدِينَةِ لَا فِي تِلْكَ الْأَعْصَارِ وَلَا فِيمَا بَعْدَهَا. وَالْكَلَامُ إنَّمَا هُوَ فِي إجْمَاعِهِمْ فِي تِلْكَ الْأَعْصَارِ الْمُفَضَّلَةِ، وَأَمَّا بَعْدَ ذَلِكَ فَقَد اتَّفَقَ النَّاسُ عَلَى أَنَ إجْمَاعَ أَهْلِهَا لَيْسَ بِحُجَّة؛ إذ كَانَ حِينَئِذٍ فِي غَيْرِهَا مِنَ الْعُلَمَاءِ مَا لَمْ يَكُن فِيهَا. فَأَمَّا الأعْصَارُ الثَّلَاثَةُ الْمُفَضَّلَةُ فَلَمْ يَكُن فِيهَا بِالْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ بِدْعَة ظَاهِرَةٌ أَلْبَتَّةَ، وَلَا خَرَجَ مِنْهَا بِدْعَةٌ فِي أُصُولِ الذينِ أَلْبَتَّةَ كَمَا خَرَجَ مِن سَائِرِ الْأَمْصَارِ. وَلَمْ يَزَلِ الْعِلْمُ وَالْإِيمَانُ بِهَا ظَاهِرًا إلَى زَمَنِ أَصْحَابِ مَالِكٍ، وَهُم أَهْلُ الْقَرْنِ الرَّابِعِ؛ حَيْثُ أَخَذَ ذَلِكَ الْقَرْنُ عَن مَالِكٍ وَأَهْلِ طَبَقَتِهِ كَالثَّوْرِيِّ، وَالْأَوْزَاعِي، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، وَحَمَّادِ بْنِ زيدٍ، وَحَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَة، وَأَمْثَالِهِمْ. وَهَؤُلَاءِ أَخَذُوا عَن طَوَائِفَ مِنَ التَّابِعِينَ، وَأُولَئِكَ أَخَذُوا عَمَّن أَدْرَكُوا مِنَ الصَّحَابَةِ. وَالْكَلَامُ فِي إجْمَاعِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي تِلْكَ الْأَعْصَارِ. وَالتَّحْقِيق فِي "مَسْأَلَةِ إجْمَاعِ أَهْلِ "الْمَدِينَةِ" أَنَّ مِنْهُ مَا هوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَمِنْهُ مَا هُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَمِنْهُ مَا لَا يَقُولُ بِهِ إلَّا بَعْضُهُمْ.

стр. 1437

وَذَلِكَ أَنَّ إجْمَاعَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَلَى أَرْبَعِ مَرَاتِبَ: الْأُولَى: مَا يَجْرِي مَجْرَى النَّقْلِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ مِثْلُ نَقْلِهِمْ لِمِقْدَارِ الصَّاعِ وَالْمُدّ، وَكَتَرْكِ صَدَقَةِ الْخَضْرَاوَاتِ وَالْأَحْبَاسِ: فَهَذَا مِمَّا هُوَ حُجَّةٌ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ. الْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَة: الْعَمَلُ الْقَدِيمُ بِالْمَدِينَةِ قَبْلَ مَقْتَلِ عُثْمَانَ بْنِ عفان، فَهَذَا حُجَّة فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَنِ الشَّافِعِيِّ. وَكَذَا ظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَد: أَنَّ مَا سَنَّهُ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ فَهُوَ حُجَّة يَجِبُ اتِّبَاعُهَا، وَقَالَ أَحْمَد: كُلُّ بَيْعَةٍ كَانَت فِي الْمَدِينَةِ فَهِيَ خِلَافَةُ نُبُوَّةٍ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ بَيْعَةَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ كَانَت بِالْمَدِينَةِ، وَكَذَلِكَ بَيْعَةُ عَلِيٍّ كانت بِالْمَدِينَةِ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا وَبَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يُعْقَد بِالْمَدِينَةِ بَيْعَةٌ. وَقَد ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ حَدِيثِ العرباض بْنِ سَارِيةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "عَلَيْكُمْ بِسُنَّتي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ مِن بَعْدِي" (١). الْمَرْتَبَةُ الثَّالِثَةُ: إذَا تَعَارَضَ فِي الْمَسْأَلَةِ دَلِيلَانِ؛ كَحَدِيثَيْنِ وَقِيَاسَيْنِ جُهِلَ أَيُّهُمَا أَرْجَحُ، وَأَحَدُهُمَا يَعْمَلُ بِهِ أَهْلُ الْمَدِينَةِ، فَفِيهِ نِزَاعٌ: أ- فَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يُرَجَّحُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ. ب- وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يُرَجَّحُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ. وَلأَصْحَابِ أَحْمَد وَجْهَانِ. ومَذَاهِبُ جُمْهُورِ الْأَئِمَّةِ تُوَافِقُ مَذْهَبَ مَالِكٍ فِي التَّرْجِيحِ لِأَقْوَالِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ. الْمَرْتَبَةُ الرَّابِعَةُ: الْعَمَلُ الْمُتَأخّرُ بِالْمَدِينَةِ، فَهَذَا هَل هُوَ حُجَّةٌ شَرْعِيَّة يَجِبُ اتِّبَاعُهُ أَمْ لَا؟

стр. 1438

فَاَلَّذِي عَلَيْهِ أَئِمَّةُ النَّاسِ أَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ شَرْعِيَّةٍ، هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَأَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِمْ، وَهُوَ قَوْلُ الْمُحَقِّقِينَ مِن أَصْحَابِ مَالِكٍ. قُلْت: وَلَمْ أَرَ فِي كَلَامِ مَالِكٍ مَا يُوجِبُ جَعْلَ هَذَا حُجَّةً وَهُوَ فِي الْمُوَطَّأِ إنَّمَا يَذْكُرُ الْأَصْلَ الْمُجْمَعَ عَلَيْهِ عِنْدَهُمْ. وَلَو كَانَ مَالِكٌ يَعْتَقِدُ أَنَّ الْعَمَلَ الْمُتَأَخِّرَ حُجَّة يَجِبُ عَلَى جَمِيعِ الْأُمَّةِ اتِّبَاعُهَا وَإِن خَالَفَتْ النُّصُوصَ: لَوَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُلْزِمَ النَّاسَ بذَلِكَ حَدَّ الْإِمْكَانِ، كَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُلْزِمَهُم اتِّبَاعَ الْحَدِيثِ وَالسّنَّةِ الثَّابِتَةِ الَّتِي لَا تَعَارُضَ فِيهَا وَبِالْإِجْمَاعِ. وَقَد عَرَضَ عَلَيْهِ الرَّشِيدُ أَو غَيْرُهُ أَنْ يَحْمِلَ النَّاسَ عَلَى مُوَطَّئِهِ فَامْتَنَعَ مِن ذَلِكَ وَقَالَ: إنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَفَرَّقُوا فِي الْأَمْصَارِ، وَإِنَّمَا جَمَعْت عِلْمَ أَهْلِ بَلَدِي، أَو كَمَا قَالَ. وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ أَصَحُّ أَهْلِ الْمُدُنِ رِوَايَةً وَرَأْيًا، وَأَمَّا حَدِيثُهُم فَأَصَحُّ الْأَحَادِيثِ، وَقَد اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بالحديثِ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنِ الْكذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ، فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْق كَثِيرُونَ مِنْهُم مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ، لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ؛ فَإِنَّهُم أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ. أَمَّا أَحْوَالُ الْحِجَازِ فَلَمْ يَكُن بَعْدَ عَصْرِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ مِن عُلَمَاءِ الْحِجَازِ مَن يُفَضَّلُ عَلَى عُلَمَاءِ الْمَشْرِقِ وَالْعِرَاقِ وَالْمَغْرِبِ. وَلَسْنَا نُنْكِرُ أَنَّ مِنَ النَّاسِ مَن أَنْكَرَ عَلَى مَالِكٍ مُخَالَفَتَهُ أَوَّلًا لِأَحَادِيثِهِمْ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ، كَمَا يُذْكَر عَن عَبْدِ الْعَزِيزِ الدراوردي أَنَّهُ قَالَ لَهُ فِي مَسْأَلَةِ تَقْدِيرِ الْمَهْرِ بِنِصَابِ السَّرِقَةِ: تعَرَّقْتَ يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ؟ أَيْ: صِرْت فِيهَا إلَى قَوْلِ أَهْلِ

стр. 1439

الْعِرَاقِ الَّذِينَ يُقَدِّرُونَ أَقَلَّ الْمَهْرِ بِنِصَابِ السَّرِقَةِ، لَكِنَّ النِّصَابَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ، وَأَمَّا مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَد فَالنِّصَابُ عِنْدَهُم ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ، أَو رُبُعُ دِينَارٍ، كَمَا جَاءَت بذَلِكَ الْأَحَادِيثُ الصِّحَاحُ. فَيُقَالُ: أَوَّلًا: إنَّ مِثْل هَذِهِ الْحِكَايَةِ تَدُلُّ عَلَى ضَعْفِ أَقَاوِيلِ أَهْلِ الْعِرَاقِ عِنْدَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَإِنَهُم كَانُوا يَكْرَهُونَ لِلرَّجُلِ أَنْ يُوَافِقَهُم وَهَذَا مَشْهُورٌ عِنْدَهُمْ، يَعِيبُونَ الرَّجُلَ بِذَلِكَ. وَأَمَّا ثَانِيًا: فَمِثْلُ هَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ قَلِيل جِدًا، وَمَا مِن عَالِمٍ إلَّا وَلَهُ مَا يُرَدُّ عَلَيْهِ. وَأَمَّا الْحَدِيثُ فَأَكْثَرُهُ نَجِدُ مَالِكًا قَد قَالَ بِهِ فِي إحْدَى الرّوَايَتَيْنِ، وَإِنَّمَا تَرَكَهُ طَائِفَةٌ مِن أَصْحَابِهِ كَمَسْألَةِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ عِنْدَ الرُّكُوعِ وَالرَّفْعِ مِنْهُ. وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ رَوَوْا عَن مَالِكٍ الرَّفْعَ مُوَافِقًا لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي رَوَاهُ، لَكِنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ وَنَحْوَهُ مِنَ الْبَصْرِيِّينَ هَمُ الَّذِينَ قَالُوا بالرّوَايَةِ الْأُولَى، وَمَعْلُومٌ أَنَّ مُدَوَّنَةَ ابْنِ الْقَاسِمِ أَصْلُهَا مَسَائِلُ أَسَدِ بْنِ الْفُرَاتِ الَّتِي فَرَّعَهَا أَهْلُ الْعِرَاقِ، ثُمَّ سَأَلَ عَنْهَا أَسَدٌ ابْنَ الْقَاسِمِ، فَأَجَابَة بِالنَّقْلِ عَن مَالِكٍ، وَتَارَةً بِالْقِيَاسِ عَلَى قَوْلِهِ، ثُمَّ أَصْلُهَا فِي رِوَايَةِ سحنون، فَلِهَذَا يَقَعُ فِي كَلَامِ ابْنِ الْقَاسِمِ طَائِفَةٌ مِنَ الْمَيْلِ إلَى أَقْوَالِ أَهْلِ الْعِرَاقِ وإِن لَمْ يَكُن ذَلِكَ من أُصُولِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ. وَيُمْكِنُ الْمُتَّبعُ لِمَذْهَبِهِ أَنْ يًتْبَعَ السّنَّةَ فِي عَامَّةِ الْأُمُورِ؛ إذ قَلَّ مِن سُنَّةٍ إلَّا وَلَهُ قَوْلٌ يُوَافِقُهَا، بِخِلَافِ كَثِيرٍ مِن مَذْهَبِ أَهْلِ الْكُوفَةِ؛ فَإِنَّهُم كَثِيرًا مَا يُخَالِفُونَ السُّنَّةَ وإِن لَمْ يَتَعَمَّدُوا ذَلِكَ. ثُمَّ مَن تَدَبَّرَ أُصُولَ الْإِسْلَامِ وَقَوَاعِدَ الشَرِيعَةِ وَجَدَ أصُولَ مَالِكٍ وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ أَصَحَّ الْأصُولِ وَالْقَوَاعِدِ. لَكِنَّ جُمْلَةَ مَذَاهِبِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ رَاجِحَةٌ فِي الْجُمْلَةِ عَلَى مَذَاهِبِ أَهْلِ الْمَغْرِبِ وَالْمَشْرِقِ وَذَلِكَ يَظْهَرُ بِقَوَاعِدَ جَامِعَةٍ، مِنْهَا:

стр. 1440

قَاعِدَةُ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالنَّجَاسَاتِ فِي الْمِيَاهِ فَإِنَّهُ مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ اللّهُ تَعَالَى أَحَلَّ صلنا الطَّيباتِ وَحَرَّمَ عَلَيْنَا الْخَبَائِثَ، وَالْخَبَائِثُ نَوْعَانِ: أ- مَا خُبْثُهُ لِعَيْنِهِ لِمَعْنًى قَامَ بِهِ؛ كَالدَّمِ وَالْمَيْتَةِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ. ب- وَمَا خبْثُهُ لِكسْبِهِ؛ كَالْمَأْخُوذِ ظُلْمًا، أَو بِعَقْدٍ مُحَرَّمٍ كَالرِّبَا وَالْمَيْسِرِ. فَأَمّا الْأوَّلُ: فَكُلّ مَا حَرُمَ مُلَابَسَتُهُ كَالنَّجَاسَاتِ حَرُمَ أَكْلُهُ، وَلَيْسَ كُلُّ مَا حَرُمَ أَكْلُهُ حَرُمَتْ مُلَابَسَتُهُ كَالسُّمُومِ، وَاللهُ قَد حَرَّمَ عَلَيْنَا أَشْيَاءَ مِنَ الْمَطَاعِمِ وَالْمَشَارِبِ وَحَرَّمَ أَشْيَاءَ مِنَ الْمَلَابِسِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَذْهَبَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي الْأَشْرِبَةِ أَشَدُّ مِن مَذْهَبِ الْكُوفِيِّينَ؛ فَإِنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ وَسَائِرَ الْأَمْصَارِ وَفُقَهَاءَ الْحَدِيثِ يُحَرِّمُونَ كُلَّ مُسْكِرٍ، وَإِنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وَحَرَامٌ، وَإِنَّ مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَائم. وَالْكُوفِيُّونَ لَا خَمْرَ عِنْدَهُم إلَّا مَا اشْتَدَّ مِن عَصِيرِ الْعِنَبِ، فَإِنْ طُبخَ قَبْلَ الِاشْتِدَادِ حَتَّى ذَهَبَ ثُلُثَاهُ حَلَّ، وَنَبِيذُ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ مُحَرَّمٌ إذَا كَانَ مُسْكِرًا نَيِّئًا، فَإِنْ طُبِخَ أَدْنَى طَبْخٍ حَلَّ وَإِن أَسْكَرَ، وَسَائِرُ الْأَنْبِذَةِ تَحِلُّ وَإِن أَسْكَرَتْ، لَكِنْ يُحَرِّمُونَ الْمُسْكِرَ مِنْهَا. وَأَمَّا الْأَطْعِمَةُ فَأَهْلُ الْكُوفَةِ أَشَدُّ فِيهَا مِن أَهْلِ الْمَدِينَةِ؛ فَإِنَّهُم مَعَ تَحْرِيمِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، وَكُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ، وَتَحْرِيمِ اللَّحْم حَتَّى يُحَرِّمُونَ الضَّبَّ وَالضَّبُعَ، وَالْخَيْلُ تَحْرُمُ عِنْدَهُم فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَمَالِكٌ يُحَرِّمُ تَحْرِيمًا جَازِمًا مَا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ، فَذَوَاتُ الأنْيَابِ إمَّا أَنْ يُحَرِّمَهَا تَحْرِيمًا دُونَ ذَلِكَ، وَإِمَّا أَنْ يَكْرَهَهَا فِي الْمَشْهُورِ، وَرُوِيَ عَنْهُ كَرَاهَةُ ذَوَاتِ الْمَخَالِبِ، وَالطَّيْرُ لَا يُحَرِّمُ مِنْهَا شَيْئًا وَلَا يَكْرَهُهُ، وَإِن كَانَ التَّحْرِيمُ عَلَى مَرَاتِبَ، وَالْخَيْلُ يَكْرَهُهَا، وَرُوَيتِ الْإِبَاحَةُ وَالتَّحْرِيمُ أَيْضًا. وَمَن تَدَبَّرَ الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ فِي هَذَا الْبَاب عَلِمَ أَنَّ أهْلَ الْمَدِينَةِ أَتْبَعُ لِلسُّنَّةِ، فَإِنَّ بَابَ الْأَشْرِبَةِ قَد ثَبَتَ فِيهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلَّمَ مِنَ الْأَحَادِيثِ مَا يَعْلَمُ مَن عَلِمَهَا أَنَّهَا مِن أَبْلَغِ الْمُتَوَاتِرَاتِ. وَأَمَّا الْأَطْعِمَةُ فَإِنَّهُ وإِن
следующие страницы →