← Фатава

Фатава · id 879

تقريب فتاوى ابن تيمية

أحمد بن ناصر الطيار

Полный текст (3 539 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

قَوْلُهُ: "يَشْهَدُونَ قَبْلَ أَنْ يُسْتَشْهَدُوا". الصَّحِيحُ أَنَّ الذَّمَّ لِمَن يَشْهَدُ بِالْبَاطِلِ، كَمَا جَاءَ فِي بَعْضِ ألْفَاظِ الْحَدِيثِ: "ثُمَّ يَفْشُو فِيهِمْ الْكذِبُ، حَتَّى يَشْهَدَ الرَّجُلُ ولَا يُسْتَشْهَدُ"؛ وَلهَذَا قَرَنَ ذَلِكَ بِالْخِيَانَةِ وَبِتَرْكِ الْوَفَاءِ بِالنَّذْرِ، وَهَذِهِ الْخِصَالُ الثَّلَاثَة هِيَ آيةُ الْمُنَافِقِ. وَفِي الْقُرُونِ الَّتِي أَثْنَى عَلَيْهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مَذْهَبُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَصَحَّ مَذَاهِبِ أَهْلِ الْمَدَائِنِ. وَلهَذَا لَمْ يَذْهَبْ أَحَدٌ مِن عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ إلَى أَنَّ إجْمَاعَ أَهْلِ مَدِينَةٍ مِنَ الْمَدَائِنِ حُجَّةٌ يَجِبُ اتَّبَاعُهَا غَيْرُ الْمَدِينَةِ لَا فِي تِلْكَ الْأَعْصَارِ وَلَا فِيمَا بَعْدَهَا. وَالْكَلَامُ إنَّمَا هُوَ فِي إجْمَاعِهِمْ فِي تِلْكَ الْأَعْصَارِ الْمُفَضَّلَةِ، وَأَمَّا بَعْدَ ذَلِكَ فَقَد اتَّفَقَ النَّاسُ عَلَى أَنَ إجْمَاعَ أَهْلِهَا لَيْسَ بِحُجَّة؛ إذ كَانَ حِينَئِذٍ فِي غَيْرِهَا مِنَ الْعُلَمَاءِ مَا لَمْ يَكُن فِيهَا. فَأَمَّا الأعْصَارُ الثَّلَاثَةُ الْمُفَضَّلَةُ فَلَمْ يَكُن فِيهَا بِالْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ بِدْعَة ظَاهِرَةٌ أَلْبَتَّةَ، وَلَا خَرَجَ مِنْهَا بِدْعَةٌ فِي أُصُولِ الذينِ أَلْبَتَّةَ كَمَا خَرَجَ مِن سَائِرِ الْأَمْصَارِ. وَلَمْ يَزَلِ الْعِلْمُ وَالْإِيمَانُ بِهَا ظَاهِرًا إلَى زَمَنِ أَصْحَابِ مَالِكٍ، وَهُم أَهْلُ الْقَرْنِ الرَّابِعِ؛ حَيْثُ أَخَذَ ذَلِكَ الْقَرْنُ عَن مَالِكٍ وَأَهْلِ طَبَقَتِهِ كَالثَّوْرِيِّ، وَالْأَوْزَاعِي، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، وَحَمَّادِ بْنِ زيدٍ، وَحَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَة، وَأَمْثَالِهِمْ. وَهَؤُلَاءِ أَخَذُوا عَن طَوَائِفَ مِنَ التَّابِعِينَ، وَأُولَئِكَ أَخَذُوا عَمَّن أَدْرَكُوا مِنَ الصَّحَابَةِ. وَالْكَلَامُ فِي إجْمَاعِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي تِلْكَ الْأَعْصَارِ. وَالتَّحْقِيق فِي "مَسْأَلَةِ إجْمَاعِ أَهْلِ "الْمَدِينَةِ" أَنَّ مِنْهُ مَا هوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَمِنْهُ مَا هُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَمِنْهُ مَا لَا يَقُولُ بِهِ إلَّا بَعْضُهُمْ.

стр. 1437

وَذَلِكَ أَنَّ إجْمَاعَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَلَى أَرْبَعِ مَرَاتِبَ: الْأُولَى: مَا يَجْرِي مَجْرَى النَّقْلِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ مِثْلُ نَقْلِهِمْ لِمِقْدَارِ الصَّاعِ وَالْمُدّ، وَكَتَرْكِ صَدَقَةِ الْخَضْرَاوَاتِ وَالْأَحْبَاسِ: فَهَذَا مِمَّا هُوَ حُجَّةٌ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ. الْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَة: الْعَمَلُ الْقَدِيمُ بِالْمَدِينَةِ قَبْلَ مَقْتَلِ عُثْمَانَ بْنِ عفان، فَهَذَا حُجَّة فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَنِ الشَّافِعِيِّ. وَكَذَا ظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَد: أَنَّ مَا سَنَّهُ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ فَهُوَ حُجَّة يَجِبُ اتِّبَاعُهَا، وَقَالَ أَحْمَد: كُلُّ بَيْعَةٍ كَانَت فِي الْمَدِينَةِ فَهِيَ خِلَافَةُ نُبُوَّةٍ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ بَيْعَةَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ كَانَت بِالْمَدِينَةِ، وَكَذَلِكَ بَيْعَةُ عَلِيٍّ كانت بِالْمَدِينَةِ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا وَبَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يُعْقَد بِالْمَدِينَةِ بَيْعَةٌ. وَقَد ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ حَدِيثِ العرباض بْنِ سَارِيةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "عَلَيْكُمْ بِسُنَّتي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ مِن بَعْدِي" (١). الْمَرْتَبَةُ الثَّالِثَةُ: إذَا تَعَارَضَ فِي الْمَسْأَلَةِ دَلِيلَانِ؛ كَحَدِيثَيْنِ وَقِيَاسَيْنِ جُهِلَ أَيُّهُمَا أَرْجَحُ، وَأَحَدُهُمَا يَعْمَلُ بِهِ أَهْلُ الْمَدِينَةِ، فَفِيهِ نِزَاعٌ: أ- فَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يُرَجَّحُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ. ب- وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يُرَجَّحُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ. وَلأَصْحَابِ أَحْمَد وَجْهَانِ. ومَذَاهِبُ جُمْهُورِ الْأَئِمَّةِ تُوَافِقُ مَذْهَبَ مَالِكٍ فِي التَّرْجِيحِ لِأَقْوَالِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ. الْمَرْتَبَةُ الرَّابِعَةُ: الْعَمَلُ الْمُتَأخّرُ بِالْمَدِينَةِ، فَهَذَا هَل هُوَ حُجَّةٌ شَرْعِيَّة يَجِبُ اتِّبَاعُهُ أَمْ لَا؟

стр. 1438

فَاَلَّذِي عَلَيْهِ أَئِمَّةُ النَّاسِ أَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ شَرْعِيَّةٍ، هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَأَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِمْ، وَهُوَ قَوْلُ الْمُحَقِّقِينَ مِن أَصْحَابِ مَالِكٍ. قُلْت: وَلَمْ أَرَ فِي كَلَامِ مَالِكٍ مَا يُوجِبُ جَعْلَ هَذَا حُجَّةً وَهُوَ فِي الْمُوَطَّأِ إنَّمَا يَذْكُرُ الْأَصْلَ الْمُجْمَعَ عَلَيْهِ عِنْدَهُمْ. وَلَو كَانَ مَالِكٌ يَعْتَقِدُ أَنَّ الْعَمَلَ الْمُتَأَخِّرَ حُجَّة يَجِبُ عَلَى جَمِيعِ الْأُمَّةِ اتِّبَاعُهَا وَإِن خَالَفَتْ النُّصُوصَ: لَوَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُلْزِمَ النَّاسَ بذَلِكَ حَدَّ الْإِمْكَانِ، كَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُلْزِمَهُم اتِّبَاعَ الْحَدِيثِ وَالسّنَّةِ الثَّابِتَةِ الَّتِي لَا تَعَارُضَ فِيهَا وَبِالْإِجْمَاعِ. وَقَد عَرَضَ عَلَيْهِ الرَّشِيدُ أَو غَيْرُهُ أَنْ يَحْمِلَ النَّاسَ عَلَى مُوَطَّئِهِ فَامْتَنَعَ مِن ذَلِكَ وَقَالَ: إنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَفَرَّقُوا فِي الْأَمْصَارِ، وَإِنَّمَا جَمَعْت عِلْمَ أَهْلِ بَلَدِي، أَو كَمَا قَالَ. وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ أَصَحُّ أَهْلِ الْمُدُنِ رِوَايَةً وَرَأْيًا، وَأَمَّا حَدِيثُهُم فَأَصَحُّ الْأَحَادِيثِ، وَقَد اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بالحديثِ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنِ الْكذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ، فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْق كَثِيرُونَ مِنْهُم مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ، لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ؛ فَإِنَّهُم أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ. أَمَّا أَحْوَالُ الْحِجَازِ فَلَمْ يَكُن بَعْدَ عَصْرِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ مِن عُلَمَاءِ الْحِجَازِ مَن يُفَضَّلُ عَلَى عُلَمَاءِ الْمَشْرِقِ وَالْعِرَاقِ وَالْمَغْرِبِ. وَلَسْنَا نُنْكِرُ أَنَّ مِنَ النَّاسِ مَن أَنْكَرَ عَلَى مَالِكٍ مُخَالَفَتَهُ أَوَّلًا لِأَحَادِيثِهِمْ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ، كَمَا يُذْكَر عَن عَبْدِ الْعَزِيزِ الدراوردي أَنَّهُ قَالَ لَهُ فِي مَسْأَلَةِ تَقْدِيرِ الْمَهْرِ بِنِصَابِ السَّرِقَةِ: تعَرَّقْتَ يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ؟ أَيْ: صِرْت فِيهَا إلَى قَوْلِ أَهْلِ

стр. 1439

الْعِرَاقِ الَّذِينَ يُقَدِّرُونَ أَقَلَّ الْمَهْرِ بِنِصَابِ السَّرِقَةِ، لَكِنَّ النِّصَابَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ، وَأَمَّا مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَد فَالنِّصَابُ عِنْدَهُم ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ، أَو رُبُعُ دِينَارٍ، كَمَا جَاءَت بذَلِكَ الْأَحَادِيثُ الصِّحَاحُ. فَيُقَالُ: أَوَّلًا: إنَّ مِثْل هَذِهِ الْحِكَايَةِ تَدُلُّ عَلَى ضَعْفِ أَقَاوِيلِ أَهْلِ الْعِرَاقِ عِنْدَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَإِنَهُم كَانُوا يَكْرَهُونَ لِلرَّجُلِ أَنْ يُوَافِقَهُم وَهَذَا مَشْهُورٌ عِنْدَهُمْ، يَعِيبُونَ الرَّجُلَ بِذَلِكَ. وَأَمَّا ثَانِيًا: فَمِثْلُ هَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ قَلِيل جِدًا، وَمَا مِن عَالِمٍ إلَّا وَلَهُ مَا يُرَدُّ عَلَيْهِ. وَأَمَّا الْحَدِيثُ فَأَكْثَرُهُ نَجِدُ مَالِكًا قَد قَالَ بِهِ فِي إحْدَى الرّوَايَتَيْنِ، وَإِنَّمَا تَرَكَهُ طَائِفَةٌ مِن أَصْحَابِهِ كَمَسْألَةِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ عِنْدَ الرُّكُوعِ وَالرَّفْعِ مِنْهُ. وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ رَوَوْا عَن مَالِكٍ الرَّفْعَ مُوَافِقًا لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي رَوَاهُ، لَكِنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ وَنَحْوَهُ مِنَ الْبَصْرِيِّينَ هَمُ الَّذِينَ قَالُوا بالرّوَايَةِ الْأُولَى، وَمَعْلُومٌ أَنَّ مُدَوَّنَةَ ابْنِ الْقَاسِمِ أَصْلُهَا مَسَائِلُ أَسَدِ بْنِ الْفُرَاتِ الَّتِي فَرَّعَهَا أَهْلُ الْعِرَاقِ، ثُمَّ سَأَلَ عَنْهَا أَسَدٌ ابْنَ الْقَاسِمِ، فَأَجَابَة بِالنَّقْلِ عَن مَالِكٍ، وَتَارَةً بِالْقِيَاسِ عَلَى قَوْلِهِ، ثُمَّ أَصْلُهَا فِي رِوَايَةِ سحنون، فَلِهَذَا يَقَعُ فِي كَلَامِ ابْنِ الْقَاسِمِ طَائِفَةٌ مِنَ الْمَيْلِ إلَى أَقْوَالِ أَهْلِ الْعِرَاقِ وإِن لَمْ يَكُن ذَلِكَ من أُصُولِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ. وَيُمْكِنُ الْمُتَّبعُ لِمَذْهَبِهِ أَنْ يًتْبَعَ السّنَّةَ فِي عَامَّةِ الْأُمُورِ؛ إذ قَلَّ مِن سُنَّةٍ إلَّا وَلَهُ قَوْلٌ يُوَافِقُهَا، بِخِلَافِ كَثِيرٍ مِن مَذْهَبِ أَهْلِ الْكُوفَةِ؛ فَإِنَّهُم كَثِيرًا مَا يُخَالِفُونَ السُّنَّةَ وإِن لَمْ يَتَعَمَّدُوا ذَلِكَ. ثُمَّ مَن تَدَبَّرَ أُصُولَ الْإِسْلَامِ وَقَوَاعِدَ الشَرِيعَةِ وَجَدَ أصُولَ مَالِكٍ وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ أَصَحَّ الْأصُولِ وَالْقَوَاعِدِ. لَكِنَّ جُمْلَةَ مَذَاهِبِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ رَاجِحَةٌ فِي الْجُمْلَةِ عَلَى مَذَاهِبِ أَهْلِ الْمَغْرِبِ وَالْمَشْرِقِ وَذَلِكَ يَظْهَرُ بِقَوَاعِدَ جَامِعَةٍ، مِنْهَا:

стр. 1440

قَاعِدَةُ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالنَّجَاسَاتِ فِي الْمِيَاهِ فَإِنَّهُ مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ اللّهُ تَعَالَى أَحَلَّ صلنا الطَّيباتِ وَحَرَّمَ عَلَيْنَا الْخَبَائِثَ، وَالْخَبَائِثُ نَوْعَانِ: أ- مَا خُبْثُهُ لِعَيْنِهِ لِمَعْنًى قَامَ بِهِ؛ كَالدَّمِ وَالْمَيْتَةِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ. ب- وَمَا خبْثُهُ لِكسْبِهِ؛ كَالْمَأْخُوذِ ظُلْمًا، أَو بِعَقْدٍ مُحَرَّمٍ كَالرِّبَا وَالْمَيْسِرِ. فَأَمّا الْأوَّلُ: فَكُلّ مَا حَرُمَ مُلَابَسَتُهُ كَالنَّجَاسَاتِ حَرُمَ أَكْلُهُ، وَلَيْسَ كُلُّ مَا حَرُمَ أَكْلُهُ حَرُمَتْ مُلَابَسَتُهُ كَالسُّمُومِ، وَاللهُ قَد حَرَّمَ عَلَيْنَا أَشْيَاءَ مِنَ الْمَطَاعِمِ وَالْمَشَارِبِ وَحَرَّمَ أَشْيَاءَ مِنَ الْمَلَابِسِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَذْهَبَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي الْأَشْرِبَةِ أَشَدُّ مِن مَذْهَبِ الْكُوفِيِّينَ؛ فَإِنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ وَسَائِرَ الْأَمْصَارِ وَفُقَهَاءَ الْحَدِيثِ يُحَرِّمُونَ كُلَّ مُسْكِرٍ، وَإِنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وَحَرَامٌ، وَإِنَّ مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَائم. وَالْكُوفِيُّونَ لَا خَمْرَ عِنْدَهُم إلَّا مَا اشْتَدَّ مِن عَصِيرِ الْعِنَبِ، فَإِنْ طُبخَ قَبْلَ الِاشْتِدَادِ حَتَّى ذَهَبَ ثُلُثَاهُ حَلَّ، وَنَبِيذُ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ مُحَرَّمٌ إذَا كَانَ مُسْكِرًا نَيِّئًا، فَإِنْ طُبِخَ أَدْنَى طَبْخٍ حَلَّ وَإِن أَسْكَرَ، وَسَائِرُ الْأَنْبِذَةِ تَحِلُّ وَإِن أَسْكَرَتْ، لَكِنْ يُحَرِّمُونَ الْمُسْكِرَ مِنْهَا. وَأَمَّا الْأَطْعِمَةُ فَأَهْلُ الْكُوفَةِ أَشَدُّ فِيهَا مِن أَهْلِ الْمَدِينَةِ؛ فَإِنَّهُم مَعَ تَحْرِيمِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، وَكُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ، وَتَحْرِيمِ اللَّحْم حَتَّى يُحَرِّمُونَ الضَّبَّ وَالضَّبُعَ، وَالْخَيْلُ تَحْرُمُ عِنْدَهُم فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَمَالِكٌ يُحَرِّمُ تَحْرِيمًا جَازِمًا مَا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ، فَذَوَاتُ الأنْيَابِ إمَّا أَنْ يُحَرِّمَهَا تَحْرِيمًا دُونَ ذَلِكَ، وَإِمَّا أَنْ يَكْرَهَهَا فِي الْمَشْهُورِ، وَرُوِيَ عَنْهُ كَرَاهَةُ ذَوَاتِ الْمَخَالِبِ، وَالطَّيْرُ لَا يُحَرِّمُ مِنْهَا شَيْئًا وَلَا يَكْرَهُهُ، وَإِن كَانَ التَّحْرِيمُ عَلَى مَرَاتِبَ، وَالْخَيْلُ يَكْرَهُهَا، وَرُوَيتِ الْإِبَاحَةُ وَالتَّحْرِيمُ أَيْضًا. وَمَن تَدَبَّرَ الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ فِي هَذَا الْبَاب عَلِمَ أَنَّ أهْلَ الْمَدِينَةِ أَتْبَعُ لِلسُّنَّةِ، فَإِنَّ بَابَ الْأَشْرِبَةِ قَد ثَبَتَ فِيهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلَّمَ مِنَ الْأَحَادِيثِ مَا يَعْلَمُ مَن عَلِمَهَا أَنَّهَا مِن أَبْلَغِ الْمُتَوَاتِرَاتِ. وَأَمَّا الْأَطْعِمَةُ فَإِنَّهُ وإِن

стр. 1441

قِيلَ: إنَّ مَالِكًا خَالَفَ أَحَادِيثَ صَحِيحَةً فِي التَّحْرِيمِ. فَفِي ذَلِكَ خِلَافٌ. ثُمَّ إنَّ هَذِهِ الْأحَادِيثَ قَلِيلَةٌ جِدُّا بِالنِّسْبَةِ إلَى أَحَادِيثِ الْأشرِبَةِ. ثُمَّ إنَّ مِن أَعْظَمِ الْمَسَائِلِ مَسْأَلَةَ اخْتِلَاطِ الْحَلَالِ بِالْحَرَامِ لِعَيْنِهِ؛ كَاخْتِلَاطِ النًجَاسَاتِ بِالْمَاءِ وَسَائِرِ الْمَائِعَاتِ، فَأَهْلُ الْكُوفَةِ يُحَرِّمُونَ كُلَّ مَاءٍ أَو مَائِعٍ وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ قَلِيلًا كَانَ أَو كَثِيرًا. وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ بِعَكْسِ ذَلِكَ، فَلَا يَنْجُسُ الْمَاءُ عِنْدَهُمْ إلَّا إذَا تَغَيَّرَ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا أَشْبَهُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ فَإِنَّ اسْمَ الْمَاءِ بَاقٍ. وَالِاسْمُ الَّذِي بِهِ أُبِيحَ قَبْلَ الْوُقُوعِ بَاقٍ. وَقَد دَلَّتْ سُنَّةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي بِئْرِ بضاعة (١) وَغَيْرِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَتَنَجَّسُ، وَلَمْ يُعَارِضْ ذَلِكَ إلا حَدِيثٌ لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ فِيهِ، وَهُوَ حَدِيثُ النَّهْيِ عَنِ الْبَوْلِ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ؛ فَإِنَّهُ قَد يَخُصُّ الْبَوْلَ بِالْحُكْمِ. وَخَصَّ بَعْضُهُم أَنْ يُبَالَ فِيهِ دُونَ انْ يَجْرِيَ إلَيْهِ الْبَوْلُ. وَقَد يَخُصُّ ذَلِكَ بِالْمَاءِ الْقَلِيلِ. وَقَد يُقَالُ: النَّهْيُ عَنِ الْبَوْلِ لَا يَسْتَلْزِمُ التَّنْجِيسَ؛ بَل قَد يُنْهَى عَنْهُ لِأنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إلَى التَّنْجِيسِ إذَا كَثُرَ. يُقَرِّرُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا تَنَازُعَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ النَّهْيَ عَنِ الْبَوْلِ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ

стр. 1442

لَا يَعُمُّ جَمِيعَ الْمِيَاهِ؛ بَل مَاءُ الْبَحْرِ مُسْتَثْنًى بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاع، وَكَذَلِكَ الْمَصَانِعُ الْكِبَارُ الَّتِي لَا يُمْكِنُ نَزْحُهَا وَلَا يَتَحَرَّكُ أَحَدُ طَرَفَيْهَا بِتَحَرُّكِ الطَّرَفِ الْآخَرِ لَا يُنَجِّسُهُ الْبَوْلُ بِالِاتِّفَاقِ. وَالْحَدِيثُ الصَّحِيحُ الصَّرِيحُ لَا يُعَارِضُهُ حَدِيث فِي هَذَا الإِجْمَالِ وَالِاحْتِمَالِ (١). وَأمّا النَّوْعُ الثَّانِي مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ وَهُوَ الْمُحَرَّمُ لِكَسْبِهِ؛ كَالْمَأْخُوذِ ظُلْمًا بِاُّنْوَاعِ الْغَصْبِ مِنَ السَّرِقَةِ وَالْخِيَانَةِ وَالْقَهْرِ، وَكَالْمَأْخوذِ بِالرِّبَا وَالْمَيْسِرِ، وَكالْمَأخُوذِ عِوَضًا عَن عَيْنٍ أَو نَفْعٍ مُحَرَّمٍ؛ كَثَمَنِ الْخَمْرِ وَالدَّمِ، وَالْخِنْزِيرِ وَالْأَصْنَامِ وَمَهْرِ الْبَغِيِّ وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ، وَأَمْثَالِ ذَلِكَ: فَمَذْهَبُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي ذَلِكَ مِن أَعْدَلِ الْمَذَاهِبِ، فَإِنَّ تَحْرِيمَ الظُّلْمِ وَمَا يَسْتَلْزِمُ الظُّلْمَ أَشَدُّ مِن تَحْرِيمِ النَّوْعِ الْأَوَّلِ. وَحُرِّمَ الرِّبَا لأنَّهُ مُتَضَمِّنٌ لِلظُّلْمِ، فَإِنَّهُ أَخْذُ فَضْلٍ بِلَا مُقَابِلٍ لَهُ، وَتَحْرِيمُ الرِّبَا أَشَدُّ مِن تَحْرِيمِ الْمَيْسِرِ الَّذِي هُوَ الْقِمَارُ؛ لِأنَّ الْمُرَابِيَ قَد أَخَذَ فَضْلًا مُحَقَّقًا مِن مُحْتَاجٍ، وَأَمَّا الْمُقَامِرُ فَقَد يَحْصُلُ لَهُ فَضْل وَقَد لَا يَحْصُلُ لَهُ، وَقَد يَقْمُرُ هَذَا هَذَا، وَقَد يَكُونُ بِالْعَكْسِ. وأَهْلُ الْمَدِينَةِ جَعَلُوا الْمَرْجِعَ فِي الْعُقُودِ إلَى عُرْفِ النَّاسِ وَعَادَتِهِمْ، فَمَا عَدَّهُ النَّاسُ بَيْعًا فَهُوَ بَيْعٌ، وَمَا عَدُّوهُ إجَارَةً فَهُوَ إجَارَةٌ، وَمَا عَدُّوهُ هِبَةً فَهُوَ هِبَةٌ، وَهَذَا أَشْبَهُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَأَعْدَلُ. فَإِنَّ الْأسْمَاءَ: أ- مِنْهَا مَا لَهُ حَدٌّ فِي اللُّغَةِ كَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ. ب- وَمِنْهَا مَا لَهُ حَدٌّ فِي الشَّرْعِ كَالصَّلَاةِ وَالْحَجِّ.

стр. 1443

ج- وَمِنْهَا مَا لَيْسَ لَهُ حَدٌّ لَا فِي اللُّغَةِ وَلَا فِي الشَّرْعِ؛ بَل يَرْجِعُ إلَى الْعُرْفِ كَالْقَبْضِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ اسْمَ الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَالْهِبَةِ فِي هَذَا الْبَابِ لَمْ يَحُدَّهَا الشَّارعُ وَلَا لَهَا حَدّ فِي اللُّغَةِ؛ بَل يَتَنَوَّعُ ذَلِكَ بِحَسَبِ عَادَاتِ النَّاسِ وَعُرْفِهِمْ، فَمَا عَدُّوهُ بَيْعًا فَهُوَ بَيْعٌ وَمَا عَدّوهُ هِبَةً فَهوَ هِبَةٌ وَمَا عَدُّوهُ إجَارَةً فَهوَ إجَارَةٌ. وَقَد ثَبَتَ فِي "الصَّحِيحِ" أَنَّهُ أَمَرَ بِوَضْع الْجَوَائِحِ وَقَالَ: "إنْ بِعْت مِن أَخِيك ثَمَرَةً فَأَصَابَتْهَا جَائِحَة فَلَا يَحِلُّ لَك أَنْ تَأْخُذَ مِن مَالِ أَخِيك شَيئًا بِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ بِغَيْرِ حَقٍّ؟ " (١). وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي هَذَا الْبَابِ أَشْبَهُ بِالسُّنَّةِ وَالْعَدْلِ مِن مَذْهَبِ مَن خَالَفَهُم مِن أَهْلِ الْكُوفَةِ وَغَيْرِهِمْ. فَإِنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ: الْعَقْدُ مُوجِبٌ الْقَبْضَ عَقِبَهُ، يُقَالُ لَهُ: مُوجَبُ الْعَقْدِ: أ- إمَّا أَنْ يُتَلَقَّى مِنَ الشَّارعِ. ب- أَو مِن قَصْدِ الْعَاقِدِ. وَالشَّارعُ لَيْسَ فِي كَلَامِهِ مَا يَقْتَضِي أَنَّ هَذَا يُوجِبُ مُوجَبَ الْعَقْدِ مُطْلَقًا، وَأَمَّا الْمُتَعَاقِدَانِ فَهُمَا تَحْتَ مَا تَرَاضَيَا بِهِ ويعْقِدَانِ الْعَقْدَ عَلَيْهِ: أ- فَتَارَة يَعْمِدَانِ عَلَى أَنْ يَتَقَابَضَا عَقِبَهُ. ب- وَتَارَةً عَلَى أَنْ يَتَأَخَّرَ الْقَبْضُ كَمَا فِى الثَّمَرِ؛ فَإِنَّ الْعَقْدَ الْمُطْلَقَ يَقْتَضِي الْحُلُولَ. ج- وَلَهُمَا تَأْجِيلُهُ إذَا كَانَ لَهُمَا فِي التَّأْجِيلِ مَصْلَحَةٌ، فَكَذَلِكَ الأعْيَانُ. فَإِذَا كَانَتِ الْعَيْنُ الْمَبِيعَةُ فِيهَا مَنْفَعَةٌ لِلْبَائِعِ أَو غَيْرِهِ كَالشَّجَرِ الَّذِي ثَمَرُهُ ظَاهِرٌ، وَكَالْعَيْنِ الْمُؤَجَّرَةِ، وَكَالْعَيْنِ الَّتِي اسْتَثْنَى الْبَائِعُ نَفْعَهَا مُدَّةً لَمْ يَكُن مُوجَبُ

стр. 1444

هَذَا الْعَقْدِ أَنْ يَقْبض (١) الْمُشْتَرِي مَا لَيْسَ لَهُ، وَمَا لَمْ يَمْلِكْهُ إذَا كَانَ لَهُ أَنْ يَبِيعَ بَعْضَ الْعَيْنِ دُونَ بَعْضٍ: كَانَ لَهُ أَنْ يَبِيعَهَا دُونَ مَنْفَعَتِهَا. ثُمَّ سَوَاءٌ قِيلَ: إنَّ الْمُشْتَرِيَ يَقْبِضُ الْعَيْنَ أَو قِيلَ: لَا يَقْبِضُهَا بِحَالٍ: لَا يَضرُّ ذَلِكَ؛ فإِنَّ الْقَبْضَ فِي الْبَيْعِ لَيْسَ هُوَ مِن تَمَامِ الْعَقْدِ كَمَا هُوَ فِي الرَّهْنِ؛ بَل الْمِلْكُ يَحْصُلُ قَبْلَ الْقَبْضِ لِلْمُشْتَرى تَابِعًا، وَيَكُونُ نَمَاءُ الْمَبِيعِ لَهُ بِلَا نِزَاعٍ، وَإِن كَانَ فِي يَدِ الْبَائِعِ، وَلَكِنَّ أَثَرَ الْقَبْضِ إمَّا فِي الضَّمَانِ وَإِمَّا فِي جَوَازِ التَّصَرُّفِ. وَمَن جَعَلَ التَّصَرُّفَ تَابِعًا لِلضَّمَانِ فَقَد غَلِطَ؛ فَإِنَّهُم مُتَّفِقونَ عَلَى أَنَّ مَنَافِعَ الْإِجَارَةِ إذَا تَلِفَتْ قَبْلَ تَمَكُّنِ الْمُسْتَأجِرِ مِنَ اسْتِيفَائِهَا كَانَت مِن ضَمَانِ الْمُؤَجِّرِ، وَمَعَ هَذَا لِلْمُسْتَأْجِرِ أَنْ ئؤَجِّرَهَا بِمِثْل الْأُجْرَةِ، وَإِنَّمَا تَنَازَعُوا فِي إيجَارِهَا بِأَكْثَرَ مِنَ الْأُجْرَةِ لِئَلَّا يَكُونَ ذَلِكَ رِبْحًا فِيمَا لَا يُضْمَنُ، وَالصَّحِيحُ جَوَازُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا مَضْمُونَةٌ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ، فَإِنَّهَا إذَا تَلِفَتْ مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنَ الِاسْتِيفَاءِ كَانَت مِن ضَمَانِهِ، وَلَكِنْ إذَا تَلِفَتْ قَبْلَ تَمَكُّنِهِ مِنَ الِاسْتِيفَاءِ لَمْ يَكُن مِن ضمَانِهِ. وَهَذَا هُوَ الْأَصْلُ؛ فَقَد ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: كُنَّا نَبْتَاعُ الطَّعَامَ جُزَافًا (٢) عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَنَهَى أَنْ نَبِيعَهُ حَتَّى نَنْقُلَهُ إلَى رِحَالِنَا.

стр. 1445

وَابْنُ عُمَرَ هُوَ الْقَائِلُ: "مَضَتْ السُّنَّةُ أَنَّ مَا أدْرَكَتْهُ الصَّفْقَةُ حَيًّا مَجْمُوعًا فَهُوَ مِن ضَمَانِ الْمُشْتَرِي". فَتَبَيَّنَ أَنَّ مِثْل هَذَا الطَّعَامِ مَضْمُون عَلَى الْمُشْتَرِي، وَلَا يَبِيعُهُ حَتَّى يَنْقلَهُ، وَغَلَّةُ الثِّمَارِ وَالْمَنَافِعُ لَهُ أَنْ يَتَصَرُّفَ فِيهَا، وَلَو تَلِفَتْ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِن قَبْضِهَا كَانَت مِن ضَمَانِ الْمُؤَجِّرِ وَالْبَائِعِ، وَالْمَنَافِعُ لَا يُمْكِنُ التَّصَرُّفُ فِيهَا إلَّا بَعْدَ اسْتِيفَائِهَا. وَكَذَلِكَ الثِّمَارُ لَا تُبَاعُ عَلَى الْأشْجَارِ بَعْدَ الْجِذَاذِ، بِخِلَافِ الطَّعَامِ الْمَنْقُولِ. وَالسُّنَّةُ فِي هَذَا الْبَابِ فَرَّقَتْ بَيْنَ الْقَادِرِ عَلَى الْقَبْضِ وَغَيْرِ الْقَادِرِ فِي الضَّمَانِ وَالتَّصَرفِ (١)، فَأَهْلُ الْمَدِينَةِ أَتْبَعُ لِلسُّنَّةِ فِي هَذَا الْحُكْمِ كُلِّهِ، وَقَوْلُهُم أعْدَلُ مِن قَوْلِ مَن يُخَالِفُ السُّنَّةَ. ثم إنَّ النَّبِيِّ ﷺ نَهَى عَنِ الْمُزَابَنَةِ وَالْمُحَاقَلَةِ، وَهُوَ: اشْتِرَاءُ الثَّمَرِ وَالْحَبِّ بِخَرْص. وَكَمَا نَهَى عَن بَيْعِ الصُّبْرَةِ مِنَ الطَّعَامِ لَا يُعْلَمُ كَيْلُهَا بِالطَّعَامِ الْمُسَمَّى؛ لِأَنَّ الْجَهْلَ بِالتَّسَاوِي فِيمَا يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّسَاوِي كَالْعِلْمِ بِالتَّفَاضُلِ، وَالْخَرْصُ لَا يُعْرَفُ مِقْدَارُ المكال، إنَّمَا هُوَ حَزْز وَحَدْسٌ، وَهَذَا مُتَّفَق عَلَيْهِ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ. ثُمَّ إنَّهُ قَد ثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ أَرْخَصَ فِي الْعَرَايَا يَبْتَاعُهَا أَهْلُهَا بِخَرْصِهَا تَمْرًا، فَيَجُوزُ ابْتِيَاعُ الرِّبَوِيِّ هُنَا بِخَرْصِهِ، وَأَقَامَ الْخَرْصَ عِنْدَ الْحَاجَةِ مَقَامَ الْكَيْلِ،

стр. 1446

وَهَذَا مِن تَمَامِ مَحَاسِنِ الشَّرِيعَةِ، كَمَا أَنَّهُ فِي الْعِلْم بِالزَّكَاةِ وَفِي الْمُقَاسَمَةِ أَقَامَ الْخَرْصَ مَقَامَ الْكَيْلِ، فَكَانَ يَخْرُصُ الثِّمَارَ عَلَى أَهْلِهَا يُحْصِي الزَّكَاةَ، وَكَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ يُقَاسِمُ أَهْلَ خَيْبَرَ خَرْصًا بِأَمْرِ النبِيِّ ﷺ . وَمَعْلُومٌ أنَّهُ إذَا أَمْكَنَ التَّقْدِيرُ بِالْكَيْلِ فُعِلَ، فَإِذَا لَمْ يُمْكِنْ كَانَ الْخَرْصُ قَائِمًا مَقَامَهُ لِلْحَاجَةِ؛ كَسَائِرِ الْأَبْدَالِ فِي الْمَعْلُومِ وَالْعَلَامَةِ؛ فَإِن الْقِيَاسَ يَقُومُ مَقَامَ النَّصِّ عِنْدَ عَدَمِهِ، وَالتَّقْوِيمَ يَقُومُ مَقَامَ الْمِثْل وَعَدَمِ الثَّمَنِ الْمُسَمَّى عِنْدَ تَعَذُّرِ الْمِثْل وَالثَّمَنِ الْمُسَمَّى. وَمِن هَذَا الْبَابِ: الْقَافَةُ، الَّتِي هِيَ اسْتِدْلَالٌ بِالشَّبَهِ عَلَى النسَبِ إذَا تَعَذَّرَ الِاسْتِدْلَالُ بِالْقَرَائِنِ؛ إذِ الْوَلَدُ يُشْبِهُ وَالِدَهُ فِي الْخَرْصِ، وَالْقَافَةُ وَالتَّقْوِيمُ أَبْدَالٌ فِي الْعِلْمِ؛ كَالْقِيَاسِ مَعَ النَّصِّ. وَإِذَا أَتْلَفَ لَهُ مَالًا؛ كَمَا لَو تَلِفَتْ تَحْتَ يَدِهِ الْعَارِيةُ: فَعَلَيْهِ مِثْلُهُ إنْ كَانَ لَهُ مِثْلٌ، وَإِن تَعَذَّرَ الْمِثْلُ كَانَتِ الْقِيمَةُ -وَهِيَ الدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ- بَدَلًا عِنْدَ تَعَذُّرِ الْمِثْلِ، وَلهَذَا كَانَ مَن أَوْجَبَ الْمِثْل فِي كُلِّ شَيءٍ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ مَعَ مُرَاعَاةِ الْقِيمَةِ أَقْرَبَ إلَى الْعَدْلِ مِمَن أَوْجَبَ الْقِيمَةَ مِن غَيْرِ الْمِثْلِ، وَفِي هَذَا كَانَت قِصَّةُ دَاوُد وَسُلَيْمَانَ. وَحِينَئِذٍ فَتَجْوِيزُ الْعَرَايَا أَنْ تُبَاعَ بِخَرْصِهَا لِأَجْلِ الْحَاجَةِ عِنْدَ تَعَذُّرِ بَيعِهَا بِالْكَيْلِ مُوَافِقٌ لِأُصُولِ الشَّرِيعَةِ، مَعَ ثُبُوتِ السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ فِيهِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ، وَمَالِكٌ جَوَّزَ الْخَرْصَ فِي نَظِيرِ ذَلِكَ لِلْحَاجَةِ، وَهَذَا عَيْنُ الْفِقْهِ الصَّحِيحِ. وَمَذْهَبُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَن وَافَقَهُم كَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ: أَنَّة يُضْمَنُ بِالْمِثْل فِي الصُّورَةِ كَمَا مَضَتْ بِذَلِكَ السُّنَّةُ وَأَقْضِيَةُ الصَّحَابَةِ. وَلَمَّا كَانَ الْمُحَرَّمُ نَوْعَيْنِ: أ- نَوْعٌ لِعَيْنِهِ.

стр. 1447

ب- وَنَوْعٌ لِكَسْبِهِ. فَالْكَسْبُ الَّذِي هُوَ مُعَامَلَةُ النَّاسِ نَوْعَانِ: أ- مُعَاوَضَة. ب- وَمُشَارَكَةٌ. فَالْمُبَايَعَةُ وَالْمُؤَاجَرَةُ وَنَحْوُ ذَلِكَ هِيَ الْمُعَاوَضَةُ. وَأَمَّا الْمُشَارَكَةُ فَمِثْلُ مُشَارَكَةِ الْعَنَانِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْمُشَارَكَاتِ. وَمَذْهَبُ مَالِكٍ فِي الْمُشَارَكَاتِ مِن أَصَحِّ الْمَذَاهِبِ وَأَعْدَلِهَا؛ فَإِنَّهُ يُجَوِّزُ شَرِكَةَ الْعَنَانِ وَالْأَبْدَانِ وَغَيْرَهُمَا، وَيُجَوِّزُ الْمُضَارَبَةَ وَالْمُزَارَعَةَ وَالْمُسَاقَاةَ. وَالشُّبْهَةُ الَّتِي مَنَعَتْ أُولَئِكَ الْمُعَامَلَةَ: أَنَّهُم ظَنُّوا أَنَّ هَذِهِ الْمُعَامَلَةَ إجَارَةٌ، وَالْإِجَارَةُ لَا بُدَّ فِيهَا مِنَ الْعِلْمِ بِقَدْرِ الْأُجْرَةِ، ثُمَّ اسْتَثْنَوْا مِن ذَلِكَ الْمُضَارَبَةَ لِأَجْلِ الْحَاجَةِ؛ إذِ الدَّرَاهِمُ لَا تؤَجَّرُ. وَالصَّوَابُ: أَنَّ هَذِهِ الْمُعَامَلَاتِ مِن نَفْسِ الْمُشَارَكَاتِ لَا مِن جِنْسِ الْمُعَاوَضَاتِ؛ فَإِنَّ الْمُسْتَأْجِرَ يَقْصِدُ اسْتِيفَاءَ الْعَمَلِ كَمَا يَقْصِدُ اسْتِيفَاءَ عَمَلِ الْخَيَّاطِ وَالْخَبَّازِ وَالطَّبَّاخِ وَنَحْوِهِمْ، وَأَمَّا فِي هَذَا الْبَابِ فَلَيْسَ الْعَمَلُ هُوَ الْمَقْصُودَ؛ بَل هَذَا يَبْذُلُ نَفْعَ بَدَنِهِ، وَهَذَا يَبْذُلُ نَفْعَ مَالِهِ لِيَشْتَرِكَا فِيمَا رَزَقَ اللهُ مِن رِبْحٍ، فَإِمَّا يَغْنَمَانِ جَمِيعًا أَو يَغْرَمَانِ جَمِيعًا. وَاَلَّذِي نَهَى عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ مِن كِرَاءِ الْمُزَارَعَةِ فِي حَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ وَغَيْرِهِ (١) مُتَّفَق عَلَيْهِ، كَمَا ذَكَرَهُ اللَّيْث وَغَيْرُهُ؛ فَإِنَّهُ نَهَى أَنْ يُكْرَى بِمَا تُنْبِتُ

стр. 1448

الماذيانات (١) وَالْجَدَاوِلُ وَشَيْءٌ مِنَ التِّبْنِ، فَرُبَّمَا غَلَّ هَذَا وَلَمْ يَغُلَّ هَذَا، فَنَهَى أَنْ يُعَيّنَ الْمَالِكُ زَرْعَ بُقْعَةٍ بِعَيْنِهَا، كَمَا نَهَى فِي الْمُضَارَبَةِ أَنْ يُعَيِّنَ الْعَامِلُ مِقْدَارًا مِنَ الرِّبْحِ وَرِبْحَ ثَوْبٍ بِعَيْنِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُبْطِلُ الْعَدْلَ فِي الْمُشَارَكَةِ. وَأَمَّا الْعِبَادَاتُ فَإِنَّ أَصْلَ الدِّينِ أَنَّه لَا حَرَامَ إلَّا مَا حَرَّمَهُ اللهُ وَلَا دِينَ إلَّا مَا شَرَعَهُ اللهُ. إذَا عُرِفَ هَذَا فَأَهْلُ الْمَدِينَةِ أَعْظَمُ النَّاسِ اعْتِصَامًا بِهَذَا الْأَصْلِ؛ فَإِنَّهُم أَشَدُّ أَهْلِ الْمَدَائِنِ الْإِسْلَامِيَّةِ كَرَاهِيَةً لِلْبِدَعِ. وَأَمَّا الدِّينُ فَهُم أَشَدُّ أَهْلِ الْمَدَائِنِ اتِّبَاعًا لِلْعِبَادَاتِ الشَّرْعِيَّةِ وَأَبْعَدُهُم عَنِ الْعِبَادَاتِ الْبِدْعِيَّةِ. وَأَمَّا الْمُنَاكَحُ فَلَا رَيْبَ أَنَّ مَذْهَبَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي بُطْلَانِ نِكَاحِ الْمُحَلِّلِ وَنكاحِ الشِّغَارِ أَتْبَعُ لِلسُّنَّةِ مِمَن لَمْ يُبْطِلْ ذَلِكَ مِن أَهْلِ الْعِرَاقِ. فَإِنَّ مِن أُصُولِهِمْ: أَنَّ القُصُودَ فِي الْعُقُودِ مُعْتَبَرَةٌ، كَمَا يَجْعَلُونَ الشَّرْطَ الْمُتَقَدِّمَ كَالشَّرْطِ الْمُقَارَنِ، وَيَجْعَلُونَ الشَّرْطَ الْعُرْفِيَّ كَالشَّرْطِ اللَّفْظِيِّ. وَلِأَجْلِ هَذِهِ الْأصُولِ أَبْطَلُوا نِكَاحَ الْمُحَلِّلِ، وَخُلْعَ الْيَمِينِ الَّذِي يُفْعَلُ حِيلَةً لِفِعْلِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، وَأَبْطَلُوا الْحِيَلَ الَّتِي يُسْتَحَلَّ بِهَا الرِّبَا وَأَمْثَالَ ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ نِكَاحُ الْحَامِلِ أَو الْمُعْتَدَّةِ مِنَ الزنى بَاطِلٌ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ، وَهُوَ أَشْبَهُ بِالْآثَارِ وَالْقِيَاسِ لِئَلَّا يَخْتَلِطَ الْمَاءُ الْحَلَالُ بِالْحَرَامِ. وَمَسْألَةُ الرَّجْعَةِ بِالْفِعْلِ كَمَا إذَا طَلَّقَهَا: فَهَل يَكُونُ الْوَطْءُ رَجْعَةً؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَاْ يَكُونُ رَجْعَة كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ. وَالثَّانِي: لَا يَكُونُ كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ.

стр. 1449

وَالثَّالِثُ: يَكُونُ رَجْعَةً مَعَ النِّيَّةِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ مَالِكٍ، وَهُوَ أَعْدَلُ الْأقْوَالِ الثَّلَاثَةِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد. وَأَمَّا الْعُقُوبَاتُ وَالْأَحْكَامُ فَمَذْهَبُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَرْجَحُ مِن مَذْهَبِ أَهْلِ الْكُوفَةِ مِن وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُم يُوجِبُونَ الْقَوَدَ فِي الْقَتْلِ بِالْمُثْقَلِ كَمَا جَاءَت بِذَلِكَ السُّنَّةُ وَكَمَا تَدُلُّ عَلَيْهِ الْأُصُولُ. وَمِن ذَلِكَ: مَسْأَلَةُ قَتْلِ الْمُسْلِمِ بِالْكَافِرِ، وَالذّميِّ وَالْحُرِّ بِالْعَبْدِ: لِلنَّاسِ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: يُقْتَلُ بِهِ بِكُلِّ حَالٍ؛ كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ. وَالثَّانِي: لَا يُقْتَلُ بِهِ بِحَالٍ؛ كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ. وَالثَّالِثُ: لَا يُقْتَلُ بِهِ إلَّا فِي الْمُحَارَبَةِ (١)، فَإِنَّ الْقَتْلَ فِيهَا حَدٌّ؛ لِعُمُومِ الْمَصْلَحَةِ، فَلَا تَتَعَيَّنُ فِيهِ الْمُكَافَأَةُ؛ بَل يُقْتَلُ فِيهِ الْحُرُّ وَإِن كَانَ الْمَقْتُولُ عَبْدًا، وَالْمُسْلِمُ وَإِن كَانَ الْمَقْتُولُ ذِمِّيًّا. وَهَذَا قَوْلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْقَوْلُ الْآخَرُ لِأَحْمَدَ وَهُوَ أَعْدَلُ الْأَقْوَالِ، وَفِيهِ جَمْعٌ بَيْنَ الْآثَارِ الْمَنْقُولَةِ فِي هَذَا الْبَابِ أَيْضًا. وَمَذْهَبُ مَالِكٍ فِي الْمُحَارِبِينَ وَغَيْرِهِمْ إجْرَاءُ الْحُكْمِ عَلَى الرِّدْءِ وَالْمُبَاشِرِ، كَمَا اتَّفَقَ النَّاسُ عَلَى مِثْل ذَلِكَ فِي الْجِهَادِ. وَمِن ذَلِكَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَتَّبِعُونَ مَا خَطَبَ بِهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَيْثُ قَالَ: "الرَّجْمُ فِي كِتَابِ اللهِ حَقٌّ عَلَى كُل مَن زَنَى مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ إذَا أُحْصِنَّ وَقَامَتِ الْبَيِّنَةُ، أَو كَانَ الْحَبَلُ، أَو الِاعْتِرَافُ " (٢). كَذَلِكَ يَحُدُّونَ فِي الْخَمْرِ بِمَا إذَا وُجِدَ سكرانًا، أَو تَقَيَّأَ، أَو وُجِدَتْ مِنْهُ

стр. 1450

الرَّائِحَةُ، وَلَمْ يَكُن هُنَاكَ شُبْهَةٌ، وَهَذَا هُوَ الْمَأثُورُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَخُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ كَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ. وَمَذْهَبُهُم فِي الْأَحْكَامِ أَنَّهُم يُرَجّحُونَ جَانِبَ أَقْوَى الْمُتَدَاعِيَيْنِ، وَيَجْعَلُونَ الْيَمِينَ فِي جَانِبِهِ، فَيَقْضُونَ بِالشَّاهِدِ وَيمِينِ الطَّالِبِ فِي الْحُقُوقِ، وَفِي الْقَسَامَةِ يَبْدَءُونَ بِتَحْلِيفِ الْمُدَّعِينَ، فَإِنْ حَلَفُوا خَمْسِينَ يَمِينًا اسْتَحَقُّوا الدَّمَ. وَالْكُوفِيُّونَ يَرَوْنَ أَنَّهُ لَا يَحْلِفُ إلَّا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَلَا يُحَلِّفُونَ الْمُدَّعِي لَا فِي قَسَامَةٍ وَلَا فِي غَيْرِهَا، وَلَا يَقْضُونَ بِشَاهِدٍ وَيمِينٍ، وَلَا يَرَوْنَ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعِي. وَمَعْلُومٌ أَنَّ سُنَّةَ النَّبِيِّ ﷺ الصَّحِيحَةَ تُوَافِقُ مَذْهَبَ الْمَدَنِيِّينَ. وَكَذَلِكَ "مَسْأَلَةُ الْحُكْمِ بِشَاهِدٍ وَيمِين" فِيهَا أَحَادِيثُ فِي الصَّحِيحِ وَالسُّنَنِ. وَلَيْسَ مَعَ الْكُوفِيِّينَ إلَّا مَا يَرْوُونَهُ مِن قَوْلِهِ: "الْبَيِّنَةُ عَلَى مَنِ ادَّعَى وَالْيَمِينُ عَلَى مَن أَنْكَرَ"، وَهَذَا اللَّفْظُ لَيْسَ فِي السُّنَنِ (١). وَلَكِنْ فِي الصَّحِيحِ (٢) حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قَالَ: "لَو يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُم لَادَّعَى قَوْئم دِمَاءَ قَوْمٍ وَأَمْوَالَهُمْ، وَلَكِن الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ" (٣). وَهَذَا اللَّفْظُ إمَّا أَنْ يُقَالَ: لَا عُمُومَ فِيهِ؛ بَل اللَّامُ لِتَعْرِيفِ الْمَعْهُودِ، وَهُوَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، إذ لَيْسَ مَعَ الْمُدَّعِي إلَّا مُجَرَّدُ الدَّعْوَى كَمَا قَالَ: "لَو يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ" وَمَن يُحَلِّفُ الْمُدَّعِيَ لَا يُحَلِّفُهُ مَعَ مُجَرَّدِ الدَّعْوَى؛ بَل إنَّمَا يُحَلّفُهُ إذَا قَامَتْ حُجَّةٌ يَرْجَحُ بِهَا جَانِبُة؛ كَالشَّاهِدِ فِي الْحُقُوقِ.

стр. 1451

وَمِن ذَلِكَ أَنَّ الْقِتَالَ فِي الْفِتْنَةِ الْكُبْرَى كَانَ الصَّحَابَةُ فِيهَا ثَلَاثَ فِرَقٍ: أ- فِرْقَة قَاتَلَتْ مِن هَذِهِ النَّاحِيَةِ. ب- وَرْقَةٌ قَاتَلَتْ مِن هَذِهِ النَّاحِيَةِ. ج- وَفِرْقَةٌ قَعَدَتْ. وَالْفقَهَاءُ الْيَوْمَ عَلَى قَوْلَيْنِ: أ- مِنْهُم مَن يَرَى الْقِتَالَ مِن نَاحِيَةِ عَلِيٍّ؛ مِثْل أَكْثَرِ الْمُصَنِّفِينَ لِقِتَالِ الْبُغَاةِ. ب- وَمِنْهُم مَن يَرَى الْإِمْسَاكَ (١)، وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِن قَوْلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ، وَالْأَحَادِيثُ الثَّابِتَةُ الصَّحِيحَةُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي أَمْرِ هَذِهِ الْفِتْنَةِ تُوَافِقُ قَوْلَ هَؤُلَاءِ، وَلهَذَا كَانَ الْمُصَنِّفُونَ لِعَقَائِدِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ يَذْكُرُونَ فِيهِ تَرْكَ الْقِتَالِ فِي الْفِتْنَةِ، وَالْإِمْسَاكَ عَمَّا شَجَرَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ. ثُمَّ إنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ يَرَوْنَ قِتَالَ مَن خَرَجَ عَنِ الشَّرِيعَةِ كالحرورية وَغَيْرِهِمْ، ويُفَرِّقونَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الْقِتَالِ فِي الْفِتْنَةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ فُقَهَاءِ الْحَدِيثِ، وَهَذَا هُوَ الْمُوَافِقُ لِسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَسُنَّةِ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ، فَإِنَّهُ قَد ثَبَتَ عَنْهُ الْحَدِيثُ فِي الْخَوَارجِ مِن عَشْرَةِ أَوْجُهٍ خَرَّجَهَا مُسْلِمٌ فِي "صَحِيحِهِ" وَخَرَّجَ الْبُخَارِيُّ بَعْضَهَا. وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ وَالسُّنَةِ فَرَّقُوا بَيْنَ مَا فَرَّقَ اللهُ بَيْنَهُ، وَاتَّبَعُوا النَّصَّ الصَّحِيحَ وَالْقِيَاسَ الْمُسْتَقِيمَ الْعَادِلَ؛ فَإِنَّ الْقِيَاسَ الصَّحِيحَ مِنَ الْعَدْلِ وَهُوَ: التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ وَالتَّفْرِيقُ بَيْنَ الْمُتَخَالِفَيْنِ. وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ أَحَقُّ النَّاسِ بِاتِّبَاعِ النَّصِّ الصَّحِيحِ وَالْقِيَاسِ الْعَادِلِ. وَهَذَا بَابٌ يَطُولُ اسْتِقْصَاؤُهُ؛ وَقَد ذَكَرْنَا مِن ذَلِكَ مَا شَاءَ اللهُ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْكِبَارِ فِي الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.

стр. 1452

وَإِنَّمَا هَذَا جَوَابُ فُتْيَا نَبَّهْنَا فِيهِ تَنْبِيهًا عَلَى جُمَل يُعْرَفُ بِهَا بَعْضُ فَضَائِلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ؛ فَإِنَّ مَعْرِفَةَ هَذَا مِنَ الدِّينِ، لَا سِيَّمَا إذَا جَهِلَ النَّاسُ مِقْدَارَ عِلْمِهِمْ وَدِينِهِمْ، فَبَيَانُ هَذَا يُشْبِهُ بَيَانَ عِلْمِ الصَّحَابَةِ وَدِينِهِمْ إذَا جَهِلَ ذَلِكَ مَن جَهِلَهُ، فَكَمَا أَنَ بَيَانَ السُّنَّةِ وَفَضَائِلِ الصَّحَابَةِ وَتَقْدِيمِهِم الصِّدِّيقَ وَالْفَارُوقَ مِن أَعْظَمِ أُمُورِ الدّينِ عِنْدَ ظُهُورِ بِدَعِ الرَّافِضَةِ وَنَحْوِهِمْ فَكَذَلِكَ بَيَانُ السُّنَّةِ؛ وَمَذَاهِبُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَتَرْجِيحُ ذَلِكَ عَلَى غَيْرِهَا مِن مَذَاهِبِ أَهْلِ الْأَمْصَارِ: أَعْظَمُ أُمُورٍ الدِّينِ عِنْدَ ظُهُورِ بِدَعِ الْجُهَّالِ الْمُتَّبِعِينَ لِلظَّنِّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ. [٢٠/ ٢٩٤ - ٣٩٦] ١٨٧١ - مَعْلُومٌ أَنَّ أَوَّلَ مَن عُرِفَ أَنَهُ جَرَّدَ الْكَلَامَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ هُوَ الشَّافِعِيُّ، وَهُوَ لَمْ يُقَسّم الْكَلَامَ إلَى حَقِيقَةٍ وَمَجَازٍ؛ بَل لَا يُعْرَفُ فِي كَلَامِهِ- مَعَ كَثْرَةِ اسْتِدْلَالِهِ وَتَوَسُّعِهِ وَمَعْرِفَتِهِ الْأَدِلَّةَ الشَّرْعِيَّةَ- أَنَّهُ سَمَّى شَيْئًا مِنْهُ مَجَازًا، وَلَا ذَكَرَ فِي شَيءٍ مِن كُتُبِهِ ذَلِكَ، لَا فِي الرِّسَالَةِ وَلَا فِي غَيْرِهَا. وَحِينَئِذٍ فَمَنِ اعْتَقَدَ أَنَّ الْمُجْتَهِدِينَ الْمَشْهُورِينَ وَغَيْرَهُم مِن أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ وَعُلَمَاءِ السَّلَفِ قَسَّمُوا الْكَلَامَ إلَى حَقِيقَةٍ وَمَجَازٍ كَمَا فَعَلَهُ طَائِفَة مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ: كَانَ ذَلِكَ مِن جَهْلِهِ وَقِلَّةِ مَعْرِفَتِهِ بِكَلَامِ أَئِمَّةِ الدِّينِ وَسَلَفِ الْمُسْلِمِينَ، كَمَا قَد يَظُنُّ طَائِفَة أُخْرَى أَنَّ هَذَا مِمَّا أُخِذَ مِنَ الْكَلَامِ الْعَرَبِى تَوْقِيفًا، وَأَنَّهُم قَالُوا: هَذَا حَقِيقَةٌ وَهَذَا مَجَازٌ، كَمَا ظَنَّ ذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَكَانَ هَذَا مِن جَهْلِهِمْ بِكَلَامِ الْعَرَبِ. ولَا رَيْبَ أَنَّ أَكْثَرَ هَؤُلَاءِ قَسَّمُوا هَذَا التَّقْسِيمَ، لَكِنْ لَيْسَ فِيهِمْ إمَامٌ فِي فَنٍّ مِن فُنُونِ الْإسْلَامِ، لَا التَّفْسِيرِ، وَلَا الْحَدِيثِ، وَلَا الْفِقْهِ، وَلَا اللُّغَةِ، وَلَا النَّحْوِ؛ بَل أَئِمَّةُ النُّحَاةِ أَهْلُ اللُّغَةِ كَالْخَلِيلِ وَسِيبَوَيْهِ وَالْكِسَائِيّ وَالْفَرَّاءِ وَأَمْثَالِهِمْ وَأَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ وَأَبِي زيدٍ الْأَنْصَارِيِّ وَالْأَصْمَعِيِّ وَأَبِي عَمْرٍو الشيباني وَغَيْرِهِمْ: لَمْ يُقَسِّمُوا تَقْسِيمَ هَؤُلَاءِ (١). [٢٠/ ٤٠٣ - ٤٠٥]

стр. 1453

١٨٧٢ - أُصُولَ الْفِقْهِ: هِيَ أَدِلَّةُ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَى طَرِيقِ الْإِجْمَالِ؛ بِحَيْثُ يُمَيِّزُ بَيْنَ الدَّلِيلِ الشَرْعِيِّ وَبَيْنَ غَيْرِهِ، ويعْرِفُ مَرَاتِبَ الْأَدِلَّةِ، فَيُقَدِّمُ الرَّاجِحَ مِنْهَا، وَهَذَا هُوَ مَوْضُوعُ أُصُولِ الْفِقْهِ؛ فَإِنَّ مَوْضُوعَهُ: مَعْرِفَةُ الدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ وَمَرْتبَتِهِ. [٢٠/ ٤٠١] ١٨٧٣ - عَن سَلَمَةَ بْنِ الْمُحَبَّقِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَضَى فِي رَجُلٍ وَقَعَ عَلَى جَارِيةِ امْرَأَتِهِ: "إنْ كانَ اسْتَكْرَهَهَا فَهِيَ حُرَّةٌ، وَعَلَيْهِ لِسَيِّدَتِهَا مِثْلُهَا، وَإِن كَانَت طَاوَعَتْهُ فَهِيَ لَهُ، وَعَلَيْهِ لِسَيِّدَتِهَا مِثْلُهَا" (١). حَدِيث حَسَنٌ. هَذَا الْحَدِيثُ يَسْتَقِيمُ عَلَى الْقِيَاسِ مَعَ ثَلَاثَةِ أُصُولٍ هِيَ صَحِيحَة كُلٌّ مِنْهَا قَوْلُ طَائِفَة مِنَ الْفُقَهَاءِ: أَحَدُهَا: أَنَّ مَن غَيَّرَ مَالَ غَيْرِهِ بِحَيْثُ يُفَوِّتُ مَقْصُودَهُ عَلَيْهِ فَلَهُ أَنْ يُضَمِّنَهُ إيَّاهُ بِمِثْلِهِ، وَهَذَا كَمَا إذَا تَصَرَّفَ فِي الْمَغْصُوبِ بِمَا أَزَالَ اسْمَهُ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ: أَحَدُهَا: أنَّهُ بَاقٍ عَلَى مِلْكِ صَاحِبِهِ وَعَلَى الْغَاصِبِ ضَمَانُ النَّقْصِ وَلَا شَيءَ لَهُ فِي الزِّيَادَةِ كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ. وَالثَّانِي: يَمْلِكُهُ الْغَاصِبُ بِذَلِكَ وَيَضْمَنُهُ لِصَاحِبِهِ كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ. وَالثَّالِثُ: يُخَيَّرُ الْمَالِكُ بَيْنَ أَخْذِهِ وَتَضْمِينِ النَّقْصِ وَبَيْنَ الْمُطَالَبَةِ بِالْبَدَلِ، وَهَذَا أَعْدَلُ الْأَقْوَالِ وَأَقْوَاهَا. الْأَصْلُ الثَّانِي: أَنَّ جَمِيعَ الْمُتْلَفَاتِ تُضْمَنُ بِالْجِنْسِ بِحَسَب الْإِمْكَانِ مَعَ مُرَاعَاةِ الْقِيمَةِ، حَتَّى الْحَيَوَانِ، كَمَا أَنَّهُ فِي الْقَرْضِ يَجِبُ فِيهِ رَدَّ الْمِثْلِ، وَإِذَا اقْتَرَضَ حَيَوَانًا رَدَّ مِثْلَهُ كَمَا اقْتَرَضَ النَّبِيُّ ﷺ بِكْرًا وَرَدَّ خَيْرًا مِنْهُ.

стр. 1454

فَإِنَّ الْوَاجِبَ ضَمَانُ الْمُتْلَفِ بِالْمِثْل بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦]. فَالْأَمْرُ دَائِرٌ بَيْنَ شَيْئَيْنِ: أ- إمَّا أَنْ يَضْمَنَهُ بِالْقِيمَةِ، وَهِيَ دَرَاهِمُ مُخَالِفَةٌ لِلْمُتْلَفِ فِي الْجِنْسِ وَالصِّفَةِ، لَكِنَّهَا تسَاوِيهِ فِي الْمَالِيَّةِ. ب- وإِمَّا أَنْ يَضْمَنَهُ بِثِيَابٍ مِن جِنْسِ ثِيَابِ الْمِثْلِ، أَو آنِيَةٍ مِن جِنْسِ آنِيَتِهِ، أَو حَيَوَانٍ مِن جِنْسِ حَيَوَانِهِ، مَعَ مُرَاعَاةِ الْقِيمَةِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ، وَمَعَ كَوْنِ قِيمَتِهِ بِقَدْرِ قِيمَتِهِ، فَهُنَا الْمَالِيَّةُ مُسَاوَيةٌ كَمَا فِي النَّقْدِ، وَامْتَازَ هَذَا بِالْمُشَارَكَةِ فِي الْجِنْسِ وَالصِّفَةِ، فَكَانَ ذَلِكَ أَمْثَلَ مِن هَذَا، وَمَا كَانَ أَمْثَلَ فَهُوَ أَعْدَلُ، فَيَجِبُ الْحُكْمُ بِهِ إذَا تَعَذَّرَ الْمِثْلُ مِن كُلِّ وَجْهٍ. الْأَصْلُ الثَّالِثُ: مَن مَثَّلَ بِعَبْدِهِ عَتَقَ عَلَيْهِ، وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمَا، وَقَد جَاءَت بِذَلِكَ آثَارٌ مَرْفُوعَة عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ. فَهَذَا الْحَدِيثُ مُوَافِق لِهَذِهِ الْأُصُولِ الثَّلَاثَةِ الثَّابِتَةِ بِالْأَدِلَّةِ الْمُوَافِقَةِ لِلْقِيَاسِ الْعَادِلِ. [٢٠/ ٥٦٢ - ٥٦٦] ١٨٧٤ - اَلَّذِي لَا رَيْبَ فِيهِ أَنُّهُ حُجَّةٌ مَا كَانَ مِن سُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الَّذِي سَنُّوهُ لِلْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّ أَحَدًا مِنَ الصَّحَابَةِ خَالَفَهُم فِيهِ، فَهَذَا لَا ريبَ أَنَّهُ حُجَّةٌ بَل إجْمَاعٌ. وَقَد دَل عَلَيْهِ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : "عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ مِن بَعْدِي تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِدِ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ" (١). مِثَالُ ذَلِكَ: حَبْسُ عُمْرَ وَعُثْمَانَ ﵄ للأرضين الْمَفْتُوحَةِ وَتَرْكُ قِسْمَتِهَا عَلَى الْغَانِمِينَ.

стр. 1455

وَفِي الْجُمْلَةِ: مَن تَدَبَّرَ الْآثَارَ الْمَنْقُولَةَ عَلِمَ بِالِاضْطِرَارِ أَنَّ مَكَّةَ فُتِحَتْ عَنْوَة، وَمَعَ هَذَا فَالنَّبِيُّ ﷺ لَمْ يُقَسِّمْ أَرْضَهَا، كَمَا لَمْ يَسْتَرِقّ رِجَالَهَا، فَفَتَحَ خَيْبَرَ عَنْوَةً وَقَسَمَهَا، وَفَتَحَ مَكَّةَ عَنْوَةً وَلَمْ يَقْسِمْهَا، فَعُلِمَ جَوَازُ الْأَمْرَيْنِ. [٢٠/ ٥٧٣ - ٥٧٥] ١٨٧٥ - تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ مِن أَصْحَابِ الْإِمَامِ أَحْمَد وَغَيْرِهِمْ فِي إجْمَاعِ الْخُلَفَاءِ، وَفِي إجْمَاعِ الْعِتْرَةِ: هَل هُوَ حُجَّةٌ يَجِبُ اتِّبَاعُهَا؟ وَالصَّحِيحُ أَنَّ كِلَيْهِمَا حُجَّة. [٢٨/ ٤٩٣] وَكَذَلِكَ إجْمَاعُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ فِي زَمَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ هُوَ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ. ١٨٧٦ - إنَّ ترك الإيجاب والتحريم مع الحاجة إلى بيانه أو مع المقتضي له: يدل على انتفائه. [المستدرك ٢/ ١٧٥] ١٨٧٧ - اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْعُمُومِ الَّذِي لَمْ يُعْلَمْ تَخْصِيصُهُ، أَو عُلِمَ تَخْصِيصُ صُوَرٍ مُعَيَّنَةٍ مِنْهُ: هَل يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ فِيمَا عَدَا ذَلِكَ قَبْلَ الْبَحْثِ عَن الْمخَصّصِ الْمُعَارِضِ لَهُ؟ اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَغَيْرُهُمَا، وَذَكَرُوا عَن أَحْمَد فِيهِ رِوَايَتَيْنِ، وَأَكْثَرُ نُصُوصِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَهْلِ زَمَانِهِ وَنَحْوِهِم اسْتِعْمَالُ ظَوَاهِرِ الْكِتَابِ قَبْلَ الْبَحْثِ عَمَّا يُفَسِّرُهَا مِن السُّنَّةِ وَأَقْوَالِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَغَيْرِهِمْ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي اخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَغَيْرُهُ؛ فَإِنَّ الظَّاهِرَ الَّذِي لَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّن انْتِفَاءُ مَا يُعَارِضُهُ: لَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ مُقْتَضَاهُ. فَإِذَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ انْتِفَاءُ مُعَارِضِهِ: غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ مُقْتَضَاه. وَهَذِهِ الْغَلَبَةُ لَا تَحْصُلُ لِلْمُتَأَخِّرِينَ فِي أَكْثَرِ العمومات إلا بَعْدَ الْبَحْثِ عَن الْمُعَارِضِ.

стр. 1456

نَعَمْ، مَن غَلَبَ عَلَى ظَنّهِ مِن الْفُقَهَاءِ انْتِفَاءُ الْمُعَارِضِ فِي مَسْأَلَةٍ خِلَافِيَّةٍ أَو حَادِثَةٍ: انْتَفَعَ بِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ. [٢٩/ ١٦٦ - ١٦٧] ١٨٧٨ - الْأُصُولُ الَّتِي لَا تَنَافضَ فِيهَا: مَا أُثْبتَ بِنَصٍّ أَو إجْمَاعٍ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَالتّنَاقُضُ مَوْجُود فِيهِ وَلَيْسَ هوَ حُجَّةً عَلَى أَحَدٍ. وَالْقِيَاسُ الصَّحِيحُ ائَذِي لَا يَتَنَاقَضُ هُوَ مُوَافِقٌ لِلنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ؛ بَل وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ النَصُّ قَد دَلَّ عَلَى الْحُكْمِ، وَهَذَا مَعْنَى الْعِصْمَةِ؛ فَإِنَّ كَلَامَ الْمَعْصُومِ لَا يَتَنَاقَضُ. وَلَا نِزَاعَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ مَعْصُومٌ فِيمَا بَلَّغَهُ عَن اللهِ تَعَالَى، فَهُوَ مَعْصُومٌ فِيمَا شَرَعَهُ لِلْأُمَّةِ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ. وَكَذَلِكَ الْأمَّةُ أَيْضًا مَعْصُومَة أَنْ تَجْتَمِعَ عَلَى ضَلَالَةٍ، بِخِلَافِ مَا سِوَى ذَلِكَ؛ وَلهَذَا كَانَ مَذْهَبُ أَئِمَّةِ الدِّينِ أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ مِن النَّاسِ يُؤْخَذُ مِن قَوْلِهِ ويُتْرَكُ إلَّا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَإِنَّهُ الَّذِي فَرَضَ اللهُ عَلَى جَمِيعِ الْخَلَائِقِ الْإِيمَانَ بِهِ وَطَاعَتَهُ وَتَحْلِيلَ مَا حَلَّلَهُ وَتَحْرِيمَ مَا حَرَّمَهُ، وَهُوَ الَّذِي فَرَّقَ اللهُ بِهِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِ وَالْكافِرِ، وَأَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَهْلِ النَّارِ، وَالْهُدَى وَالضَّلَالِ، وَالْغَيِّ وَالرَّشَادِ. وَمَن آمَنَ بهِ بَاطِنًا وَظَاهِرًا وَاجْتَهَدَ فِي مُتَابَعَتِهِ: فَهُوَ مِن الْمُؤْمِنِينَ السُّعَدَاءِ، وَإِن كَانَ قَد أَخْطَأَ وَغَلِطَ فِي بَعْضِ مَا جَاءَ بِهِ فَلَمْ يَبْلُغْهُ أَو لَمْ يَفْهَمْهُ. [٢٣/ ٢٨ - ٢٩] * * *

стр. 1457

الأحكام الخمسة ١٨٧٩ - ذكر الشيخ تقي الدين: أن السلف لم يطلقوا الحرام إلا على ما علم تحريمه قطعًا. [المستدرك ٢/ ٦] ١٨٨٠ - المباح: قال القاضي: هو كل فعل مأذون فيه بلا ثواب ولا عقاب. وفيه احتراز من فعل الصبيان والمجانين والبهائم (١). [المستدرك ٢/ ٦ - ٧] ١٨٨١ - الجائز: ما وافق الشريعة، وقد يريد به الفقهاء ما ليس بلازم. ١٨٨٢ - إِجْمَاعُ أَئِمَّةِ الدِّينِ أَنَّهُ لَا حَرَامَ إلَّا مَا حَرَّمَهُ اللهُ وَرَسُولُهُ، وَلَا دِينَ إلَّا مَا شَرَعَهُ اللهُ وَرَسُولُهُ، وَمَن خَرَجَ عَن هَذَا وَهَذَا فَقَد دَخَلَ فِي حَرْبٍ مِنَ اللهِ. فَمَن شَرَعَ مِن الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ وَحَرَّمَ مَا لَمْ يُحَرِّم اللهُ وَرَسُولُهُ: فَهُوَ مِن دِينِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ الْمُخَالِفِينَ لِرَسُولِهِ، الَّذِينَ ذَمَّهُم اللهُ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ وَالْأَعْرَافِ وَغَيْرِهِمَا مِن السُّورِ، حَيْثُ شَرَعُوا مِن الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ، فَحَرَّمُوا مَا لَمْ يُحَرِّمْهُ اللهُ وَأَحَلُّوا مَا حَرَّمَهُ اللهُ فَذَمَّهُم اللهُ وَعَابَهُم عَلَى ذَلِكَ. فَلِهَذَا كَانَ دِينُ الْمُؤمِنِينَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ أَنَّ الْأَحْكَامَ الْخَمْسَةَ: أ- الْإِيجَابُ. ب- وَالِاسْتِحْبَابُ. ج- وَالتَّحْلِيلُ.

стр. 1458

د- وَالْكَرَاهِيَةُ. هـ- وَالتَّحْرِيمُ. لَا يُؤْخَذُ إلَّا عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَلَا وَاجِبَ إلَّا مَا أَوْجَبَهُ الله وَرَسُولُهُ، وَلَا حَلَالَ إلَّا مَا أَحَلَّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ (١). [٢٢/ ٢٢٦ - ٢٢٧] * * * (من الأدلة علي أن الأمر يقتضي الوجوب) ١٨٨٣ - قَوْله تعالى: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٦)﴾ [الفتح: ١٦] وَذَمُّهُ فِي غَيْرِ مَوْضِع مِن الْقُرْآنِ مَن تَوَلَّى دَلِيل عَلَى وُجُوبِ طَاعَةِ اللهِ وَرَسُولِهِ، وَأَنَّ الْأَمْرَ الْمُطْلَقَ يَقْتَضِي وُجُوبَ الطَّاعَةِ وَذَمَّ الْمُتَوَلِّي عَن الطَّاعَةِ. [٧/ ٦٠] * * * (متى يقتدى بالنبي ومتي لا يُقتدى به؟ والعمل بمقاصد الشريعة) ١٨٨٤ - مَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى وَجْهِ التَّعَبُّدِ فَهُوَ عِبَادَةٌ يُشْرَعُ التَّأَسِّي وَبِه فِيهِ، فَإِذَا خَصَّصَ زَمَانًا أَو مَكَانًا بِعِبَادَةٍ كَانَ تَخْصِيصُهُ بِتِلْكَ الْعِبَادَةِ سُنَّةً: كَتَخْصِيصِهِ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ بِالِاعْتِكَافِ فِيهَا وَكَتَخْصِيصِهِ مَقَامَ إبْرَاهِيمَ بِالصَّلَاةِ فِيهِ، فَالتَّأَسِّي بِهِ. ١ - أَنْ يَفْعَلَ مِثْل مَا فَعَلَ. ٢ - عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي فَعَلَ. ٣ - لِأَنَّهُ فَعَلَ.

стр. 1459

وَذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ بِأَنْ يَقْصِدَ مِثْلَمَا قَصَدَ، فَإِذَا سَافَرَ لِحَجٍّ أَو عُمْرَةٍ أَو جِهَادٍ وَسَافَرْنَا كَذَلِكَ كُنَّا مُتَّبِعِينَ لَهُ، وَكَذَلِكَ إذَا ضَرَبَ لِإِقَامَةِ حَدٍّ. بِخِلَافِ مَن شَارَكَهُ فِي السَّفَرِ وَكَانَ قَصْدُهُ غَيْرَ قَصْدِهِ أَو شَارَكَهُ فِي الضَّرْبِ، وَكَانَ قَصْدُهُ غَيْرَ قَصْدِهِ، فَهَذَا لَيْسَ بِمُتَابعٍ لَهُ (١)، وَلَو فَعَلَ فِعْلًا بِحُكْمِ الِاتِّفَاقِ مِثْل نُزُولهِ فِي السَّفَرِ بِمَكَان، أَو أَنْ يَفْضُلَ فِي إدَاوَتهِ مَاءٌ فَيَصُبَّهُ فِي أَصْلِ شَجَرَةٍ، أَو أَنْ تَمْشِيَ رَاحِلَتُهُ فِي أَحَدِ جَانِبَيْ الطَّرِيقِ وَنَحْو ذَلِكَ، فَهَل يُسْتَحَبُّ قَصْدُ مُتَابَعَتِهِ فِي ذَلِكَ؟ كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُحِبُّ أَنْ يَفْعَلَ مِثْل ذَلِكَ. وَأَمَّا الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ وَجُمْهُورُ الصَّحَابَةِ فَلَمْ يَسْتَحِبُّوا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِمُتَابَعَة لَة، إذ الْمُتَابَعَةُ لَا بُدَّ فِيهَا مِن الْقَصْدِ، فَإِذَا لَمْ يَقْصِدْ هُوَ ذَلِكَ الْفِعْلَ بَل حَصَلَ لَهُ بِحُكْمِ الِاتِّفَاقِ كَانَ فِي قَصْدِهِ غَيْرَ مُتَابعٍ لَهُ. وَهَكَذَا لِلنَّاسِ قَوْلَانِ فِيمَا فَعَلَهُ مِن الْمُبَاحَاتِ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الْقَصْدِ، هَل مُتَابَعَتُهُ فِيهِ مُبَاحَةٌ فَقَطْ أَو مُسْتَحَبَّةٌ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ. وَلَمْ يَكن ابْنُ عُمَرَ وَلَا غَيْرُهُ مِن الصَّحَابَةِ يَقْصِدُونَ الْأَمَاكِنَ الَّتِي كَانَ يَنْزِلُ فِيهَا وَيبِيت فِيهَا مِثْل بُيُوتِ أَزْوَاجِهِ، وَمِثْل مَوَاضِعِ نُزُولهِ فِي مَغَازِيهِ، وإِنَّمَا كَانَ الْكَلَامُ فِي مُشَابَهَتِهِ فِي صُورَةِ الْفِعْلِ فَقَطْ، وَإِن كَانَ هُوَ لَمْ يَقْصِد التَّعَبُّدَ بِهِ، فَأَمَّا الْأَمْكِنَةُ نَفْسُهَا فَالصَّحَابَةُ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُعَظَّمُ مِنْهَا إلَّا

стр. 1460

مَا عَظَّمَهُ الشَّارعُ (١). [١٠/ ٤٠٩ - ٤١١] ١٨٨٥ - مِن خَصَائِصِهِ ﷺ : مَا كَانَ مِن خَصَائِص نُبُوَّتِهِ وَرِسَالَتِهِ: فَهَذَا لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِ فِيهِ، فَإِنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ. وَهَذَا مِثْلُ كَوْنِهِ يُطَاعُ فِي كُلّ مَا يَأْمُرُ بِهِ وَينْهَى عَنْهُ وَإِن لَمْ يُعْلَمْ جِهَة أَمْرِهِ، حَتَّى يُقْتَلَ كُلُّ مَن أَمَرَ بِقَتْلِهِ، وَلَيْسَ هَذَا لِأَحَد بَعْدَهُ، فَوُلَاةُ الْأمُورِ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَالْأُمَرَاءِ يُطَاعُونَ إذَا لَمْ يَأْمُرُوا بِخِلَافِ أَمْرِهِ؛ وَلهَذَا جَعَلَ اللهُ طَاعَتَهُم فِي ضِمْنِ طَاعَتِهِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]، فَقَالَ: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ﴾؛ لِأَنَّ أُولي الْأَمْرِ يُطَاعُونَ طَاعَةً تَابِعَةً لِطَاعَتِهِ، فَلَا يُطَاعُونَ اسْتِقْلَالًا وَلَا طَاعَةً مُطْلَقَةً، وَأَمَّا الرَّسُولُ فَيُطَاعُ طَاعَةً

стр. 1461

مُطْلَقَة مُسْتَقِلَّةً فَإِنَّه: فَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] فَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النور: ٥٤]. فَإِذَا أَمَرَنَا الرَّسُولُ كَانَ عَلَيْنَا أَنْ نُطِيعَهُ وإِن لَمْ نَعْلَمْ جِهَةَ أَمْرِهِ، وَطَاعَتُهُ طَاعَةُ اللهِ، لَا تَكُونُ طَاعَتُهُ بِمَعْصِيَةِ اللهِ قَطُّ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ. وَقَد تَنَازَعَ النَّاسُ فِي أُمُورٍ فَعَلَهَا: هَل هِيَ مِن خَصَائِصِهِ أَمْ لِلْأُمَّةِ فِعْلُهَا؟ كَدُخُولِهِ فِي الصَّلَاةِ إمَامًا بَعْدَ أَنْ صَلَّى بِالنَّاسِ غَيْرُهُ، وَكَتَرْكِهِ الصَّلَاةَ عَلَى الْغَالِّ وَالْقَاتِل (١). وَأَيْضًا: فَإِذَا فَعَلَ فِعْلًا لِسَبَب وَقَد عَلِمْنَا ذَلِكَ السَّبَبَ أَمْكَنَنَا أَنْ نَقْتَدِيَ بِهِ فِيهِ. فَاَمَّا إذَا لَمْ نَعْلَم السَّبَبَ، أَو كانَ السَّبَبُ أَمْرًا اتِّفَاقِيًّا: فَهَذَا مِمَّا يَتَنَازَعُ فِيهِ النَّاسُ: مِثْل نُزُولهِ فِي مَكَانٍ فِي سَفَرِهِ (٢). وَأيْضًا: فَالِاقْتِدَاءُ بِهِ يَكُونُ: أ- تَارَةً فِي نَوْعِ الْفِعْلِ. ب- وَتَارَةً فِي جِنْسِهِ. فَإِنَّهُ قَد يَفْعَلُ الْفِعْلَ لِمَعْنَى يَعُمُّ ذَلِكَ النَّوْعَ وَغَيْرَهُ، لَا لِمَعْنَى يَخُصُّهُ، فَيَكُونُ الْمَشْرُوعُ هُوَ الْأَمْر الْعَامّ (٣). مِثَالُ ذَلِكَ: احْتِجَامُهُ ﷺ ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ كَانَ لِحَاجَتِهِ إلَى إخْرَاجِ الدَّمِ الْفَاسِدِ، ثُمَّ التَّأَسّي هَل مَخْصُوصٌ بِالْحِجَامَةِ، أَو الْمَقْصُودُ إخْرَاجُ الدَّمِ عَلَى الْوَجْهِ النَّافِعِ؟ (٤).

стр. 1462

وَمَعْلُومٌ أَنَّ التَّأَسِّي هُوَ الْمَشْرُوعُ، فَإِذَا كَانَ الْبَلَدُ حَارًّا يَخْرُجُ فِيهِ الدَّمُ إلَى الْجِلْدِ كَانَتِ الْحِجَامَةُ هِيَ الْمَصْلَحَةَ، هاِن كَانَ الْبَلَدُ بَارِدًا يَغُورُ فِيهِ الدَّمُ إلَى الْعُرُوقِ كَانَ إخْرَاجُهُ بِالْفَصْدِ هُوَ الْمَصْلَحَةَ (١). وَكَذَلِكَ ادِّهَانُهُ ﷺ : هَل الْمَقْصُودُ خُصُوصُ الدَّهْنِ أَو الْمَقْصُودُ تَرْجِيلُ الشَّعْرِ؟ فَإِنْ كَانَ الْبَلَدُ رَطْبًا وَأَهْلُهُ يَغْتَسِلُونَ بِالْمَاءِ الْحَارِّ الَّذِي يُغْنِيهِمْ عَنِ الدَّهْنِ، وَالدَّهْنُ يُؤْذِي شُعُورَهُم وَجُلُودَهُمْ: يَكُونُ الْمَشْرُوعُ فِي حَقِّهِمْ تَرْجِيلَ الشَّعْرِ بِمَا هُوَ أَصْلَحُ لَهُمْ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ الثَّانِيَ هُوَ الْأشْبَهُ. وَكَذَلِكَ لَمَّا كَانَ يَأْكُلُ الرُّطَبَ وَالتَّمْرَ وَخُبْزَ الشَّعِيرِ وَنَحْو ذَلِكَ مِن قُوتِ بَلَده، فَهَل التَّأَسِّي بِهِ أَنْ يُقْصَدَ خصُوصُ الرُّطَبِ وَالتَّمْرِ وَالشَّعِيرِ حَتَّى يَفْعَلَ ذَلِكَ مَن يَكُونُ فِي بِلَادٍ لَا يَنْبُتُ فِيهَا التَّمْرُ، وَلَا يَقْتَاتُونَ الشَّعِيرَ؛ بَل يَقْتَاتُونَ الْبُرَّ أَو الرُّزَّ أَو غَيْرَ ذَلِكَ؟ وَمَعْلُوئم أنَّ الثَّانِيَ هُوَ الْمَشْرُوعُ. وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ: أَنَّ الصَّحَابَةَ لَمَّا فَتَحُوا الْأَمْصَارَ كَانَ كُلٌّ مِنْهُم يَأْكُلُ مَن قُوتِ بَلَدِهِ، وَيلْبَسُ مِن لِبَاسِ بَلَدِهِ، مِن غَيْرِ أَنْ يَقْصِدَ أَقْوَاتَ الْمَدِينَةِ وَلبَاسَهَا. وَلَو كَانَ هَذَا الثَّانِي هُوَ الْأَفْضَلَ فِي حَقِّهِمْ لَكَانُوا أَوْلَى بِاخْتِيَارِ الْأَفْضَلِ. وَعَلَى هَذَا يُبْنَى نِزَاغ الْعُلَمَاءِ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ إذَا لَمْ يَكُن أَهْلُ الْبَلَدِ يَقْتَاتُونَ التَّمْرَ وَالشَّعِيرَ: فَهَل يُخْرِجُونَ مِن قُوتِهِمْ كَالْبُرِّ وَالرُّزِّ، أَو يُخْرِجُونَ مِنَ التَّمْرِ وَالشَّعِيرِ؟

стр. 1463

وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ يُخْرِجُ مِن قُوتِ بَلَدِهِ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ؛ كَمَا ذَكَرَ اللهُ ذَلِكَ فِي الْكَفَّارَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]. وَمِن هَذَا الْبَابِ: أَنَّ الْغَالِبَ عَلَيْهِ وَعَلَى أَصْحَابِهِ أَنَّهُم كَانُوا يأتزرون وَيرْتَدُونَ؛ فَهَلِ الْأَفْضَلُ لِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَرْتَدِيَ ويأتزر وَلَو مَعَ الْقَمِيصِ، أَو الْأَفْضَلُ أنْ يَلْبَسَ مَعَ الْقَمِيصِ السَّرَاوِيلَ مِن غَيْرِ حَاجَةٍ إلَى الْإِزَارِ وَالرِّدَاءِ؟ هَذَا أَيْضًا مِمَّا تَنَازَعَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ، وَالثَّانِي أَظْهَرُ، وَهَذَا بَابُ وَاسِعٌ. وَهَذَا سَمَّتْهُ طَائِفَةٌ مِنَ النَّاسِ: "تَنْقِيحُ الْمَنَاطِ" وهُوَ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ قَد ثَبَتَ فِي عَيْنٍ مُعَيَّنَةٍ وَلَيْسَ مَخْصُوصًا بِهَا بَلِ الْحُكْمُ ثَابِتٌ فِيهَا وَفِي غَيْرِهَا، فَيُحْتَاجُ أَنْ يُعْرَفَ "مَنَاطُ الْحُكْمِ". مِثَالُ ذَلِكَ: أَنَّهُ قَد ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ عَن فَأْرَةٍ وَقَعَتْ فِىِ سَمْنٍ فَقَالَ: "اُلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا وَكُلُوا سَمْنكُمْ" (١)، فَإِنَّهُ مُتَّفَق عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ لَيْسَ مُخْتَصًّا بِتِلْكَ الْفَأَرَةِ وَذَلِكَ السَّمْنِ؛ بَل الْحُكْمُ ثَابِت فِيمَا هُوَ أَعَمُّ مِنْهُمَا فَبَقِيَ الْمَنَاطُ الَّذِي عُلِّقَ بِهِ الْحُكْمُ مَا هُوَ؟. وَلَيْسَ هَذَا مَبْنِيًّا عَلَى كَوْنِ الْقِيَاسِ حُجَّةً، فَإِنَّ الْقِيَاسَ الَّذِي يَكُونُ النِّزَاعُ فِيهِ هُوَ تَخْرِيجُ الْمَنَاطِ، وَهُوَ أَنْ يَجُوزَ اخْتِصَاصُ مَوْرِدِ النَّصِّ بِالْحُكْمِ، فَإِذَا جَازَ اخْتِصَاصُهُ، وَجَازَ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ مُشْتَرَكًا بَيْنَ مَوْرِدِ النَّصِّ وَغَيْرِهِ: احْتَاجَ مُعْتَبِرُ الْقِيَاسِ إلَى أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الْمُشْتَرَكَ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ هُوَ مَنَاطُ الْحُكْمِ كَمَا فِي قَوْلِهِ: "لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ وَلَا تَبِيعُوا الْفِضَّةَ بِالْفِضَّةِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ وَلَا تَبِيعُوا الشَّعِيرَ بِالشَّعِيرِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ وَلَا تَبِيعُوا الْمِلْحَ بِالْمِلْحِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ" فَلَمَّا نَهَى عَنِ التَّفَاضُلِ فِي مِثْل هَذِهِ الْأَصْنَافِ أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ لِمَعْنَى مُشْتَرَكٍ وَلمَعْنَى مُخْتَصٍّ.

стр. 1464

وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ، وَهُوَ مُتَنَاوِلٌ لِكُلِّ حُكْمٍ تَعَلَّقَ بِعَيْن مُعَيّنةٍ، مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بِهَا، فَيُحْتَاجُ أَنْ يُعْرَفَ الْمَنَاطُ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ الْحُكْمُ. وَالصَّوَابُ: أَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنَ الْقِيَاسِ الَّذِي يُمْكِنُ فِيهِ النِّزَاعُ، كَمَا أَنَ تَحْقِيقَ الْمَنَاطِ لَيْسَ مِمَّا يَقْبَلُ النِّزَاعَ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ. وَهَذِهِ الْأَنْوَاعُ الثَّلَاثَةُ: أ- تَحْقِيقُ الْمَنَاطِ. ب- وتَنْقِيحُ الْمَنَاطِ. ج- وتَخْرِيجُ الْمَنَاطِ. هِيَ جِمَاعُ الِاجْتِهَادِ. فَالْأوَّلُ: أَنْ يَعْمَلَ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ؛ فَإِنَّ الْحُكمَ مُعَلَّقٌ بِوَصْفٍ يَحْتَاجُ فِي الْحُكْمِ عَلَى الْمُعَيَّنِ إلَى أَنْ يَعْلَمَ ثُبُوتَ ذَلِكَ الْوَصْفِ فِيهِ، كَمَا يَعْلَمُ أَنَّ اللهَ أَمَرَنَا بِإِشْهَادِ ذَوِي عَدْلٍ مِنَّا وَمِمَن نَرْضَى مِنَ الشُّهَدَاءِ، وَلَكِنْ لَا يُمْكِنُ تَعْيِينُ كُلِّ شَاهِدٍ، فَيَحْتَاجُ أَنْ يَعْلَمَ فِي الشُّهُودِ الْمُعَيَّنِينَ: هَل هُم مِن ذَوِي الْعَدْلِ الْمَرْضِيِّينَ أَمْ لَا؟ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠] يَبْقَى هَذَا الشَخْصُ الْمُعَيَّنُ هَل هُوَ مِنَ الْفُقَرَاءِ الْمَسَاكِينِ الْمَذْكُورِينَ فِي الْقُرْآنِ أَمْ لَا؟ وَهَذَا النَّوْعُ مِمَّا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ بَلِ الْعُقَلَاءُ بِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَنُصَّ الشَّارعُ عَلَى حُكْمِ كلِّ شَخْصٍ، إنَّمَا يَتَكَلَّمُ بِكَلَام عَامٍّ، وَكَانَ نَبِيُّنَا ﷺ -قَد أُوتِيَ جَوَامِعَ الْكَلِمِ. وَأَمَّا النَّوْعُ الثَّانِي الَّذِي يُسَمُّونَهُ "تَنْقِيحَ الْمَنَاطِ": بِأَنْ يَنُصَّ عَلَى حُكْمِ أَعْيَانٍ مُعَيَّنَةٍ، لَكِنْ قَد عَلِمْنَا أَنَّ الْحُكْمَ لَا يَخْتَصُّ بِهَا، فَالصَّوَابُ فِي مِثْل هَذَا أَنَّهُ لَيْسَ مِن بَابِ الْقِيَاسِ.

стр. 1465

وَمَسْأَلَةُ الْفَأْرَةِ فِي السَّمْنِ مِن هَذَا الْبَابِ، فَإِنَّ الْحُكْمَ لَيْسَ مَخْصُوصًا بِتِلْكَ الْفَأْرَةِ وَذَلِكَ السَّمْنِ، وَلَا بِفَأْرِ الْمَدِينَةِ وَسَمْنِهَا، وَلَكِنَّ السَّائِلَ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَن فَأَرَةٍ وَقَعَتْ فِي سَمْنٍ فَأَجَابَهُ، لَا أنَّ الْجَوَابَ يَخْتَصُّ بِهِ وَلَا بِسُؤَالِهِ كَمَا أَجَابَ غَيْرُهُ. فَالصَّوَابُ فِي هَذَا مَا عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ الْمَشْهُورُونَ: أَنَّ الْحُكْمَ فِي ذَلِكَ مُعَلَّقٌ بِالْخَبِيثِ الَّذِي حَرَّمَهُ اللهُ إذَا وَقَعَ فِي السَّمْنِ وَنَحْوِهِ مِنَ الْمَائِعَاتِ، لِأَنَّ اللهَ أَبَاحَ لَنَا الطَّيِّبَاتِ وَحَرَّمَ عَلَيْنَا الْخَبَائِثَ، فَإِذَا عَلَّقْنَا الْحُكْمَ بِهَذَا الْمَعْنَى كُنَّا قَد اتَّبَعْنَا كِتَابَ اللهِ، فَإِذَا وَقَعَ الْخَبِيثُ فِي الطَّيِّبِ أُلْقي الْخَبِيثُ وَمَا حَوْلَهُ وَأُكِلَ الطَّيِّبُ، كَمَا أَمَرَ النَّبِي ﷺ . وَأَحَقُّ النَّاسِ بِالْحَقِّ مَن عَلَّقَ الْأَحْكَامَ بِالْمَعَانِي الَّتِي عَلَّقَهَا بِهَا الشَّارعُ. وَهَذَا مَوْضِعٌ تَفَاوَتَ فِيهِ النَّاسُ وَتَنَازَعُوا: هَل يُسْتَفَادُ ذَلِكَ مِن خِطَابِ الشَّارعِ؟ أَو مِنَ الْمَعَانِي الْقِيَاسِيَّةِ؟ فَقَوْمٌ زَعَمُوا أَنَّ أَكْثَرَ أَحْكَامِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ لَا يَتَنَاوَلُهَا خِطَابُ الشَّارعِ بَل تَحْتَاجُ إلَى الْقِيَاسِ. وَقَوْمٌ زَعَمُوا أَنَّ جَمِيعَ أَحْكَامِهَا ثَابِتَةٌ بِالنَّصّ، وَأَسْرَفُوا فِي تَعَلُّقِهِمْ بِالظَّاهِرِ حَتَّى أَنْكَرُوا فَحْوَى الْخِطَابِ وَتَنْبِيهَهُ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] وَقَالُوا: إنَّ هَذَا لَا يَدُلُّ إلَّا عَلَى النَّهْيِ عَنِ التَّأْفِيفِ، لَا يُفْهَمُ مِنْهُ النَّهْيُ عَنِ الضَّرْبِ وَالشَّتْمِ. وَأَنْكَرُوا "تَنْقِيحَ الْمَنَاطِ" وَادَّعَوْا فِي الْأَلْفَاظِ مِنَ الظُّهُورِ مَا لَا تَدُلُّ عَلَيْهِ. وَنَحْنُ قَد بَيَّنَّا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ أَنَّ الْأَدِلَّةَ الصَّحِيحَةَ لَا تَتَنَاقَضُ، فَلَا تَتَنَاقَضُ الْأَدِلَّةُ الصَّحِيحَةُ الْعَقْلِيَّةُ وَالشَّرْعِيَّةُ، وَلَا تتنَاقَضُ دَلَالَةُ الْقِيَاسِ إذَا كَانَت صَحِيحَةً، وَدَلَالَةُ الْخِطَابِ إذَا كَانَت صَحِيحَةً.

стр. 1466

فَإِنَّ الْقِيَاسَ الصَّحِيحَ حَقِيقَتُهُ (١) التَّسْوِيَة بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ، وَهَذَا هُوَ الْعَدْلُ الَّذِي أَنْزَلَ اللّهُ بِهِ الْكِتَابَ، وَأَرْسَلَ بِهِ الرُّسُلَ. وَالرَّسُولُ لَا يَأْمُرُ بِخِلَافِ الْعَدْلِ، وَلَا يَحْكُمُ فِي شَيْئَيْنِ مُتَمَاثِلَيْنِ بِحُكْمَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، وَلَا يُحرِّمُ الشَّيْء ويُحِلُّ نَظِيرُهُ. وَقَد تَأَمَّلْنَا عَامَّةَ الْمَوَاضِعِ الَّتِي قِيلَ: إنَّ الْقِيَاسَ فِيهَا عَارَضَ النَّصَّ وَأَنَّ حُكْمَ النَّصَّ فِيهَا عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ: فَوَجَدْنَا مَا خَصَّهُ الشَّارعُ بِحُكْمٍ عَن نَظَائِرِهِ فَإِنَّمَا خَصَّهُ بِهِ لِاخْتِصَاصِهِ بِوَصْف أَوْجَبَ اخْتِصَاصَهُ بِالْحُكْمِ، كَمَا خَصَّ الْعَرَايَا بِجَوَازِ بَيْعِهَا بِمِثْلِهَا خَرْصًا لِتَعَذُّرِ الْكَيْلِ مَعَ الْحَاجَةِ إلَى الْبَيْعِ، وَالْحَاجَةُ تُوجِبُ الِانْتِقَالَ إلَى الْبَدَلِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْأَصْلِ. فَالْخَرْصُ عِنْدَ الْحَاجَةِ قَامَ مَقَامَ الْكَيْلِ، كَمَا يَقُومُ التُّرَابُ مَقَامَ الْمَاءِ، وَالْمَيْتَةُ مَقَامَ الْمُذَكَّى عِنْدَ الْحَاجَةِ. وَلَعَلَّ مَن رَزَقَهُ اللهُ فَهْمًا وَآتَاهُ مِن لَدُنْه عِلْمًا: يَجِدُ عَامَّةَ الْأَحْكَامِ الَّتِي تُعْلَمُ بِقِيَاس شَرْعِيٍّ صَحِيحٍ يَدُلُّ عَلَيْهَا الْخِطَابُ الشَّرْعِيُّ، كَمَا أَنَّ غَايَةَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْخِطَابُ الشَّرْعِيُّ هُوَ مُوَافِقٌ لِلْعَدْلِ الَّذِي هُوَ مَطْلُوبُ الْقِيَاسِ الصَّحِيحِ. [١٩/ ٣٢٣ - ٣٢٤] * * * (الشرع لا يَمنعُ ما كان في العقل واجبًا، ولا يُبيح ما كان في العقل ممنوعًا إلا على شرط المنفعة) ١٨٨٦ - لا يجوز أن يرد السمع بحظر ما كان في العقل واجبًا؛ نحو شكر المنعم والعدل والإنصاف ونحوه، وكذلك لا يجوز أن يرد بإباحة ما كان في العقل محظورًا نحو الكذب والظلم وكفر نعمة المنعم ونحوه، وإنما يرد بإباحة

стр. 1467

ما كان في العقل محظورًا على شرط المنفعة نحو إيلام بعض الحيوان -يعني بالذبح- لما فيه من المنفعة كما جاز إدخال الآلام علينا بالفصد والحجامة وشرب الأدوية الكريهة للمنفعة وإن لم يجز ذلك لغير منفعة. [المستدرك ٢/ ١٢] * * * (استصحاب براءة الذمة من الواجبات فيه نظر) ١٨٨٧ - قال القاضي: استصحاب براءة الذمة من الواجب حتى يدل دليل شرعي عليه هو صحيح بإجماع أهل العلم كما في الوتر. قال شيخنا: قوله: "استصحاب في نفي الواجب" احتراز من استصحاب في نفي التحريم أو الإباحة، فإن فيه خلافًا مبنيًّا على مسألة الأعيان قبل الشرع. وأما دعوى الإجماع على نفي الواجبات بالاستصحاب ففيه نظر؛ فإن من يقول بالإيجاب العقلي من أصحابنا وغيرهم لا يقف الوجوب على دليل شرعي، اللَّهُمَّ إلا أن يراد به في الأحكام التي لا مجال للعقل فيها بالاتفاق كوجوب الصلاة والأضحية ونحو ذلك. قال شيخنا: جعل القاضي استصحاب الحال الذي طريقه العقل مثل أن يقال: أجمعنا على براءة الذمة فمن زعم اشتغالها بزكاة الحلي فعليه الدليل. [المستدرك ٢/ ١٨ - ١٩] * * * (الباطل في عرف الفقهاء وفي الآية) ١٨٨٨ - الباطل في عُرف الفقهاء ضِدُّ الصحيح في عُرفهم، وهو ما أبرأ الذمة. فقولهم: بطلت صلاته وصومه لمن ترك ركنًا بمعنى وجب القضاء، لا بمعنى أنه لا يثاب عليه بشيء في الآخرة، وقال تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (٣٣)﴾

стр. 1468

[محمد: ٣٣] الإبطال هو إبطال الثواب ولا يُسَلَّم بطلانه جميعه؛ بل قد يثاب على ما فعله فلا يكون مبطلًا لعمله. [المستدرك ٢/ ٢٥، ٣/ ١٠١ - ١٠٢] * * * (إذا استدل مبطل بآية أو حديث صحيح ففي ذلك ما يدل على نقيض قوله) ١٨٨٩ - أنا ألتزم أن لا يحتج مبطل بآية أو حديث صحيح على باطله إلا وفي ذلك الدليل ما يدل على نقيض قوله، فمنها هذه الآية: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] هي على جواز الرؤية أدل منها على امتناعها. [المستدرك ٢/ ٢٥] * * * (هل دَلَالَةُ الْمَفْهُومِ حُجَّةٌ؟ وَإذَا كَانَت حُجَّةً فَهَل يَخصُّ بِهَا الْعَامَّ ؟) ١٨٩٠ - هَذَا الَّذِي تَكلَّمَ النَّاسُ فِيهِ مِن دَلَالَةِ الْمَفْهُومِ هَل هِيَ حُجَّةٌ أَمْ لَا؟ وإذَا كَانت حُجَّةً فَهَل يَخُصُّ بِهَا الْعَامَّ أَمْ لَا؟ إنَّمَا هُوَ فِي كَلَامَيْنِ مُنْفَصِلَيْنِ مِن مُتَكَلِّمٍ وَاحِدٍ، أَو فِي حُكْم الْوَاحِدِ لَيْسَ ذَلِكَ فِي كَلَامٍ وَاحِدٍ مُتَّصِلٍ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، وَلَا فِي كَلَامِ مُتَكَلِّمِينَ لَا يَجِبُ اَتحَادُ مَقْصُودِهِمَا. فَهُنَا ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: كَلَامَانِ مِن مُتَكَلِّمٍ وَاحِدٍ، أَو فِي حُكْمِ الْوَاحِدِ، وَإِنَّمَا ذَكَرْنَا ذَلِكَ لِيَدْخُلَ فِيهِ إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا كَلَامَ اللهِ وَالْآخَرُ كَلَامَ رَسُولِهِ؛ فَإنَّ حُكْمَ ذَلِكَ حُكْمُ مَا لَو كَانَا جَمِيعًا مِن كَلَامِ اللهِ أَو كَلَامِ رَسُولِهِ؛ مِثْل قَوْلِهِ ﷺ : "الْمَاءُ طَهُور لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ" (١)، مَعَ قَوْلِهِ: "إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ الْخَبَث" (٢)، فَإِنَّ الْمُتَكَلِّمَ بِهِمَا وَاحِدٌ ﷺ ، وَهُمَا كَلَامَانِ.

стр. 1469

فَمَن قَالَ: إنَّ الْمَفْهُومَ حُجَّة يَخصُّ بِهِ الْعُمُومَ خَصَّ عُمُومَ قَوْلِهِ: "الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ" بِمَفْهُومِ: "إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِل الْخَبَثَ"، مَعَ أَنَّ مَفْهُومَ الْعَدَدِ أَضْعَفُ مِن مَفْهُومِ الصِّفَةِ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشافِعِيِّ وَأَحْمَد فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ وَغَيْرِهِمَا. وَمَنِ امْتَنَعَ مِن ذَلِكَ قَالَ: قَوْلُهُ: "الْمَاءُ طَهُورٌ" عَامٌّ، وَقَوْلُهُ: "إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يُنَجَّسْ" هُوَ بَعْضُ ذَلِكَ الْعَامِّ، وَهُوَ مُوَافِق لَهُ فِي حُكْمِهِ، فَلَا تُتْرَكُ دَلَالَةُ الْعُمومِ لِهَذَا. وَقَد اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَاتَيْنِ الدَّلَالَتَيْنِ (١) إذَا تَعَارَضَتَا: فَذَهَبَ أهْلُ الرَّأْيِ وَأَهْلُ الظَّاهِرِ وَكَثِير مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ وَطَائِفَةٌ فِيَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنْبَلِيَّةِ إلَى تَرْجِيحِ الْعُمُومِ. وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنْبَلِيَّةِ وَطَائِفَة مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ: إلَى تَقْدِيمِ الْمَفْهُومِ، وَهُوَ الْمَنْقُولُ صَرِيحًا عَنِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمَا. وَالْمَسْأَلَةُ مُحْتَمَلَةٌ، وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ تَفْصِيلِهَا؛ فَإِنَّهَا ذَاتُ شُعَب كَثِيرَةٍ، وَهِيَ مُتَّصِلَةٌ بمَسْأَلَةِ "الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ"، وَهِيَ غَمْرَة مِن غَمَرَاتِ أُصُولِ الْفِقْهِ، وَقَد اشْتَبهَتْ أنْوَاعُهَا عَلَى كَثِيرٍ مِنَ السَّابِحِينَ فِيهِ. "فَالصَّوَابُ: أَنَّ مِثْل هَذَا الْمَفْهُومِ يُقَدَّمُ عَلَى الْعُمُومِ، كَمَا هُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيُّةِ وَالْحَنْبَلِيَّةِ، وَقَد حَكَاهُ بَعْضُ النَّاسِ إجْمَاعًا مِنَ الْقَائِلِينَ بِالْمَفْهُومِ؛ لِأنَّ الْمَفْهُومَ دَلِيلٌ خَاصٌّ، وَالدَّلِيلُ الْخَاصُّ مُقَدَّمٌ عَلَى الْعَامِّ. وَلَا عِبْرَةَ بِالْخِلَافِ فِي الْمَفْهُومِ؛ فَإِنَّ الْقِيَاسَ الْجَلِيَّ مُقَدَّمٌّ عَلَى الْمَفْهُومِ، مَعَ أَنَّ الْمُخَالِفِينَ فِي الْقِيَاسِ قَرِيبُونَ مِنَ الْمُخَالِفِينَ فِي الْمَفْهُومِ، وَخَبَرُ الْوَاحِدِ يَخُصُّ بِهِ عُمُومَ الْكِتَابِ، مَعَ أَنَّ الْمُخَالِفِينَ فِي خَبَرِ الْوَاحِدِ أَكْثَرُ مِنَ الْمُخَالِفِينَ

стр. 1470

عُمُومَ الْكِتَابِ" (١). الْقِسْم الثَّانِي: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ كَلَامٌ وَاحِد مُتَّصِلٌ بَعْضُهُ ببَعْض آخِرُهُ مُقَيِّدٌ لِأَوَّلِهِ؛ مِثْل مَا لَو قَالَ: "الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إذَا بَلَغَ قُلَّتَيْنِ"، أَو يَقُولُ: "الْمَاءُ طَهُورٌ إذَا بَلَغَ قُلَّتَيْنِ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ". كَمَا قَالَ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ كم﴾ [النساء: ٢٥]، فَأَطْلَقَ وَعَمَّمَ ثمَّ قَالَ فِي آخِرِهِ: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٥]. فَإنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَ النَّاسِ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ لَا يُؤخَذُ بِعُمُومِ أَوَّلِهِ. الْقِسْمُ الثالِثُ: أَنْ يَكُونَ فِي كَلَامِ مُتَكَلِّمَينِ لَا يَجِبُ اتِّحَادُ مَقْصُودِهِمَا؛ مِثْل شَاهِدَيْنِ شَهِدَا أَنَّ جَمِيعَ الدَّارِ لِزَيْد، وَشَهِدَ آخَرَانِ أَنَّ الْمَوْضِعَ الْفُلَانِيَّ مِنْهَا لِعَمْرِو، فَإِنَّ هَاتَيْنِ الْبَيِّنَتَيْنِ يَتَعَارَضَانِ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَلَا يَقُولُ أَحَدٌ: أَّنَّهُ يُبْنى الْعَامّ على الْخَاصِّ هُنَا. [٣١/ ١٠٦ - ١١٠] * * * (شرع من قبلنا) ١٨٩١ - الَّذِي عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ أَنَّه [أي: شَرْع مَن قَبْلَنَا] شَرْعٌ لَنَا مَا لَمْ يَرِدْ شَرْعُنَا بِخِلَافِهِ، وَهَذَا إنَّمَا هُوَ فِيمَا ثَبَتَ أَنَّهُ شَرْعٌ لِمَن قَبْلَنَا مِن نَقْلٍ ئَابِتٍ عَن نَبِيِّنا ﷺ أَو بِمَا تَوَاتَرَ عَنْهُمْ. [١/ ٢٥٨] * * * (الأخذ بأقل ما قيل فيه خلاف) ١٨٩٢ - يجوز الأخذ بأقل ما قيل ونفي ما زاد؛ لأنه يرجع حاصله إلى استصحاب دليل العقل على براءة الذمة فيما لم يثبت شغلها به. وأما إن يكون

стр. 1471

الأخذ بأقل ما قيل أخذًا وتمسكًا بالإجماع فلا؛ لأن النزاع في الاقتصار عليه ولا إجماع فيه. قال بعضهم: هذا نوع من أنواع الإجماع صحيح لا شك فيه. وقال قوم: بل يؤخذ بأكثر ما قيل، ذكرهما ابن حزم. وقال بعضهم: ليس بدليل صحيح. قال شيخنا: إذا اختلف البينتان في قيمة المتلَف فهل يوجب الأقل، أو بقسطهما؟ فيه روايتان، وكذلك لو اختلف شاهدان، فهذا يبين أن في إيجاب الأقل بهذا المسلك اختلافًا، وهو متوجه؛ فإن إيجاب الثلث أو الربع ونحو ذلك لا بد أن يكون له مستند، ولا مستند على هذا التقدير. وإجماعهم على وجوب الثلث نوع من الإجماعات المركبة؛ فإن وجوبه من لوازم القول بوجوب النصف والجميع فالقائل بوجوب النصف يقول: إنما أوجبت النصف لدليل، فإن كان صحيحًا وجب القول به، وإن كان ضعيفًا فلست موافقًا على وجوب الثلث. [المستدرك ٢/ ٢٠ - ٢١] * * * (لا تلزم الشرائع إلا بعد العلم) ١٨٩٣ - لا تلزم الشرائع إلا بعد العلم، وهو أحد الوجهين في مذهب أحمد. فعلى هذا لا تلزم الصلاة حربيًّا أسلم في دار الحرب ولا يعلم وجوبها. والوجهان في كل من ترك واجبًا قبل بلوغ الشرع؛ كمن لم يتيمم لعدم الماء لظنه عدم الصحة (١)، أو لم يزك (٢)، أو أكل حتى يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود لظنه ذلك، أو لم تصل مستحاضة.

стр. 1472

والأصح أن لا قضاء ولا إثم إذا لم تقصد اتفاقًا؛ للعفو عن الخطأ والنسيان. ومن عقد عقدًا فاسدًا مختلفًا فيه باجتهاد أو تقليد واتصل به القبض لم يؤمر برده وإن كان مخالفًا للنص. وكذلك النكاح إذا بان له خطأ الاجتهاد أو التقليد وقد انقضى المفسد لم يفارق وإن كان المفسد قائمًا فارقها. [المستدرك ٢/ ٢٣] ١٨٩٤ - الأحكام لا تثبت في حق العبد إلا بعد بلوغها إليه. [المستدرك ٢/ ٢٤] * * * (من عيوب بعض الأصوليين إعراضُهم عَمَّا فِي الْعِبَادَاتِ الْبَاطِنَةِ وَالظَّاهِرَةِ مِن أَنْوَاعِ الْمَعَارِفِ باللِّه تَعَالَي وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبهِ وَرُسُلِهِ وَأَحْوَالِ الْقُلُوبِ وَأَعْمَالِهَا) ١٨٩٥ - وَقَوْمٌ مِنَ الْخَائِضِينَ فِي أصُولِ الْفِقْهِ وَتَعْلِيل الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ بِالْأَوْصَافِ الْمُنَاسِبَةِ إذَا تَكَلَّمُوا فِي الْمُنَاسَبَةِ وَأَنَّ تَرْتِيبَ الشَّارعِ لِلْأَحْكَامِ عَلَى الْأَوْصَافِ الْمُنَاسِبَةِ يَتَضَمَّنُ تَحْصِيلَ مَصَالِحِ الْعِبَادِ وَدَفْعَ مَضَارِّهِمْ، وَرَأَوْا أَنَّ الْمَصْلَحَةَ نَوْعَانِ أُخْرَوِيَّةٌ وَدُنْيَوِيَّة: جَعَلُوا الْأُخْرَوِيَّةَ مَا فِي سِيَاسَةِ النَّفْسِ وَتَهْذِيبِ الأخْلَاقِ مِنَ الْحِكَمِ، وَجَعَلُوا الدُّنْيَوِيَّةَ مَا تَضْمَنُ حِفْظَ الدّمَاءِ وَالْأمْوَالِ وَالْفُرُوجِ وَالْعُقُولِ وَالدِّينِ الظَّاهِرِ، وَأَعْرَضُوا عَمَّا فِي الْعِبَادَاتِ الْبَاطِنَةِ وَالظَّاهِرَةِ مِن أَنْوَاعِ الْمَعَارِفِ بِاللهِ تَعَالَى وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَأَحْوَالِ الْقُلُوبِ وَأَعْمَالِهَا؛ كَمَحَبَّةِ اللهِ وَخَشْيَتِهِ وَإِخْلَاصِ الدِّينِ لَة وَالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ وَالرَّجَا لِرَحْمَتِهِ وَدُعَائِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِن أَنْوَاعِ الْمَصَالِحِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَكَذَلِكَ فِيمَا شَرَعَهُ الشَّارعُ مِنَ الْوَفَاءِ بِالْعُهُودِ وَصِلَةِ الْأَرْحَامِ وَحُقُوقِ الْمَمَالِيكِ وَالْجِيرَانِ وَحُقُوقِ الْمُسْلِمِينَ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِن أَنْوَاعِ

стр. 1473

مَا أَمَرَ بِهِ وَنَهَى عَنْهُ حِفْظًا لِلْأَحْوَالِ السّنيَّةِ وَتَهْذِيبِ الْأَخْلَاقِ، وَيتَبَيَّنُ أَنَّ هَذَا جُزْءٌ مِن أَجْزَاءِ مَا جَاءَت بِهِ الشَّرِيعَةُ مِنَ الْمَصَالِحِ. [٣٢/ ٢٣٤] * * * (حكم الأخذ بأقوال الصحابة) ١٨٩٦ - أَقْوَالُ الصَّحَابَةِ: أ- إِنْ انْتَشَرَتْ وَلَمْ تُنْكَرْ فِي زَمَانِهِمْ فَهِيَ حُجَّةٌ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ. ب- وَإِن تَنَازَعُوا رُدَّ مَا تَنَازَعُوا فِيهِ إلَى اللهِ وَالرَّسُولِ، وَلَمْ يَكُن قَوْلُ بَعْضِهِمْ حُجَّةً مَعَ مُخَالَفَةِ بَعْضِهِمْ لَهُ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، ج- وإِن قَالَ بَعْضُهُم قَوْلًا وَلَمْ يَقُلْ بَعْضُهُم بِخِلَافِهِ وَلَمْ يَنْتَشِرْ: فَهَذَا فِيهِ نِزَاعٌ، وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ يَحْتَجُّونَ بِهِ كَأَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَأَحْمَد فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ، وَالشَّافِعِيِّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ. [٢٠/ ١٤] * * * (المغمى عليه) ١٨٩٧ - النائم والناسي غير مُكلَّفَين. قال شيخنا: وكذلك المغمى عليه. [المستدرك ٢/ ٢٤] * * * (والمكره) ١٨٩٨ - اختلف الفقهاء والأصوليون في المكره: هل يسمى مختارًا أم لا؟ وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يقول: التحقيق أنه محمول على الاختيار، فله اختيار في الفعل، وبه صح وقوعُه؛ فإنه لولا إرادته واختياره لما وقع الفعل، ولكنه محمول على أنَّ هذه الإرادة والاختيار ليست من قِبَله، فهو مختار باعتبار أن غيره حَمَله على الاختيار ولم يكن مختارًا من نفسه. [المستدرك ٢/ ٢٤]

стр. 1474

(النبي لا يفعل المكروه ليبين الجواز) ١٨٩٩ - قال القاضي: النبي ﷺ لا يفعل المكروه ليبين الجواز؛ لأنه يحصل فيه التأسي؛ لأن الفعل يدل على الجواز، فإذا فعله استدل به على جوازه، وانتفت الكراهية. [المستدرك ٢/ ٥٠] * * * (السهو في البلاغ ولا يقر عليه) ١٩٠٠ - يجوز النسيان على رسول الله ﷺ في أحكام الشرع عند جمهور العلماء، كما في حديث ذي اليدين وغيره، وكما دلَّ عليه القرآن واتفقوا على أنه لا يقر عليه؛ بل يعلمه الله به. ومنعت طائفة السهو عليه في الأفعال البلاغية (١) والعبادات، كما أجمعوا على منعه واستحالته عليه في الأقوال البلاغية. قال شيخنا: ودعوى الإجماع في الأقوال البلاغية لا يصح، وإنما المجمع عليه عدم الإقرار فقط. [المستدرك ٢/ ٥٠ - ٥١] * * * (المعاريض) ١٩٠١ - الذي قيست عليه الحيل الربوية وليست مثله نوعان: أحدهما: المعاريض، وهي أن يتكلم الرجل بكلام جائز يقصد به معنى صحيحًا ويوهم غيره أنه يقصد به معنى آخر، فيكون سبب ذلك الوهم كون اللفظ مشتركًا بين: أ- حقيقتين لغويتين. ب- أو عرفيتين.

стр. 1475

ج- أو شرعيتين. د- أو لغوية مع إحداهما. هـ- أو عرفية مع إحداهما. و- أو شرعية مع إحداهما. فيعني أحد معنييه ويوهم السامع له أنه إنما عنى الآخر. فهذا كله إذا كان المقصود به رفع ضرر غير مستحق فهو جائز كقول الخليل: "هذه أختي"، وقول النبي ﷺ : "نحن من ماء" وقول الصديق ﵁: هاد يهديني السبيل. وقد يكون واجبًا إذا تضمن دفع ضرر يجب دفعه ولا يندفع إلا بذلك. والضابط: أن كل ما وجب بيانه فالتعريض فيه حرام؛ لأنه كتمان وتدليس. [المستدرك ٢/ ١٦٧ - ١٦٨] * * * (الحقيقة والمجاز) ١٩٠٢ - مسألة: في القرآن مجاز (١)، نصَّ عليه بما خرّجه في متشابه القرآن في قوله: "إنا" و"نعلم" و"منتقمون" هذا من مجاز اللغة، يقول الرجل: إنا سنجري عليك رزقك، إنا سنفعل بك خيرًا. قال شيخنا: قد يكون مقصوده يجوز في اللغة. [المستدرك ٢/ ١٦٨] ١٩٠٣ - الْحَقِيقَةُ: هوَ اللَّفْظُ الْمُسْتَعْمَلُ فِيمَا وُضِعَ لَهُ. وَقَد يُرَادُ بِهَا الْمَعْنَى الْمَوْضُوعُ لِلَّفْظِ الَّذِي يُسْتَعْمَل اللَّفْظُ فِيهِ. فَالْحَقِيقَةُ أَو الْمَجَازُ: هِيَ مِن عَوَارِضِ الْأَلْفَاظِ فِي اصْطِلَاحِ أَهْلِ الْأُصُولِ، وَقَد يَجْعَلُونَهُ مِن عَوَارِضِ الْمَعَانِي، لَكِنَّ الْأَوَّلَ أَشْهَرُ. [٥/ ٢٠٠] * * *
следующие страницы →