← Фатава

Фатава · id 879

تقريب فتاوى ابن تيمية

أحمد بن ناصر الطيار

Полный текст (3 539 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

الأخذ بأقل ما قيل أخذًا وتمسكًا بالإجماع فلا؛ لأن النزاع في الاقتصار عليه ولا إجماع فيه. قال بعضهم: هذا نوع من أنواع الإجماع صحيح لا شك فيه. وقال قوم: بل يؤخذ بأكثر ما قيل، ذكرهما ابن حزم. وقال بعضهم: ليس بدليل صحيح. قال شيخنا: إذا اختلف البينتان في قيمة المتلَف فهل يوجب الأقل، أو بقسطهما؟ فيه روايتان، وكذلك لو اختلف شاهدان، فهذا يبين أن في إيجاب الأقل بهذا المسلك اختلافًا، وهو متوجه؛ فإن إيجاب الثلث أو الربع ونحو ذلك لا بد أن يكون له مستند، ولا مستند على هذا التقدير. وإجماعهم على وجوب الثلث نوع من الإجماعات المركبة؛ فإن وجوبه من لوازم القول بوجوب النصف والجميع فالقائل بوجوب النصف يقول: إنما أوجبت النصف لدليل، فإن كان صحيحًا وجب القول به، وإن كان ضعيفًا فلست موافقًا على وجوب الثلث. [المستدرك ٢/ ٢٠ - ٢١] * * * (لا تلزم الشرائع إلا بعد العلم) ١٨٩٣ - لا تلزم الشرائع إلا بعد العلم، وهو أحد الوجهين في مذهب أحمد. فعلى هذا لا تلزم الصلاة حربيًّا أسلم في دار الحرب ولا يعلم وجوبها. والوجهان في كل من ترك واجبًا قبل بلوغ الشرع؛ كمن لم يتيمم لعدم الماء لظنه عدم الصحة (١)، أو لم يزك (٢)، أو أكل حتى يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود لظنه ذلك، أو لم تصل مستحاضة.

стр. 1472

والأصح أن لا قضاء ولا إثم إذا لم تقصد اتفاقًا؛ للعفو عن الخطأ والنسيان. ومن عقد عقدًا فاسدًا مختلفًا فيه باجتهاد أو تقليد واتصل به القبض لم يؤمر برده وإن كان مخالفًا للنص. وكذلك النكاح إذا بان له خطأ الاجتهاد أو التقليد وقد انقضى المفسد لم يفارق وإن كان المفسد قائمًا فارقها. [المستدرك ٢/ ٢٣] ١٨٩٤ - الأحكام لا تثبت في حق العبد إلا بعد بلوغها إليه. [المستدرك ٢/ ٢٤] * * * (من عيوب بعض الأصوليين إعراضُهم عَمَّا فِي الْعِبَادَاتِ الْبَاطِنَةِ وَالظَّاهِرَةِ مِن أَنْوَاعِ الْمَعَارِفِ باللِّه تَعَالَي وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبهِ وَرُسُلِهِ وَأَحْوَالِ الْقُلُوبِ وَأَعْمَالِهَا) ١٨٩٥ - وَقَوْمٌ مِنَ الْخَائِضِينَ فِي أصُولِ الْفِقْهِ وَتَعْلِيل الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ بِالْأَوْصَافِ الْمُنَاسِبَةِ إذَا تَكَلَّمُوا فِي الْمُنَاسَبَةِ وَأَنَّ تَرْتِيبَ الشَّارعِ لِلْأَحْكَامِ عَلَى الْأَوْصَافِ الْمُنَاسِبَةِ يَتَضَمَّنُ تَحْصِيلَ مَصَالِحِ الْعِبَادِ وَدَفْعَ مَضَارِّهِمْ، وَرَأَوْا أَنَّ الْمَصْلَحَةَ نَوْعَانِ أُخْرَوِيَّةٌ وَدُنْيَوِيَّة: جَعَلُوا الْأُخْرَوِيَّةَ مَا فِي سِيَاسَةِ النَّفْسِ وَتَهْذِيبِ الأخْلَاقِ مِنَ الْحِكَمِ، وَجَعَلُوا الدُّنْيَوِيَّةَ مَا تَضْمَنُ حِفْظَ الدّمَاءِ وَالْأمْوَالِ وَالْفُرُوجِ وَالْعُقُولِ وَالدِّينِ الظَّاهِرِ، وَأَعْرَضُوا عَمَّا فِي الْعِبَادَاتِ الْبَاطِنَةِ وَالظَّاهِرَةِ مِن أَنْوَاعِ الْمَعَارِفِ بِاللهِ تَعَالَى وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَأَحْوَالِ الْقُلُوبِ وَأَعْمَالِهَا؛ كَمَحَبَّةِ اللهِ وَخَشْيَتِهِ وَإِخْلَاصِ الدِّينِ لَة وَالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ وَالرَّجَا لِرَحْمَتِهِ وَدُعَائِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِن أَنْوَاعِ الْمَصَالِحِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَكَذَلِكَ فِيمَا شَرَعَهُ الشَّارعُ مِنَ الْوَفَاءِ بِالْعُهُودِ وَصِلَةِ الْأَرْحَامِ وَحُقُوقِ الْمَمَالِيكِ وَالْجِيرَانِ وَحُقُوقِ الْمُسْلِمِينَ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِن أَنْوَاعِ

стр. 1473

مَا أَمَرَ بِهِ وَنَهَى عَنْهُ حِفْظًا لِلْأَحْوَالِ السّنيَّةِ وَتَهْذِيبِ الْأَخْلَاقِ، وَيتَبَيَّنُ أَنَّ هَذَا جُزْءٌ مِن أَجْزَاءِ مَا جَاءَت بِهِ الشَّرِيعَةُ مِنَ الْمَصَالِحِ. [٣٢/ ٢٣٤] * * * (حكم الأخذ بأقوال الصحابة) ١٨٩٦ - أَقْوَالُ الصَّحَابَةِ: أ- إِنْ انْتَشَرَتْ وَلَمْ تُنْكَرْ فِي زَمَانِهِمْ فَهِيَ حُجَّةٌ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ. ب- وَإِن تَنَازَعُوا رُدَّ مَا تَنَازَعُوا فِيهِ إلَى اللهِ وَالرَّسُولِ، وَلَمْ يَكُن قَوْلُ بَعْضِهِمْ حُجَّةً مَعَ مُخَالَفَةِ بَعْضِهِمْ لَهُ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، ج- وإِن قَالَ بَعْضُهُم قَوْلًا وَلَمْ يَقُلْ بَعْضُهُم بِخِلَافِهِ وَلَمْ يَنْتَشِرْ: فَهَذَا فِيهِ نِزَاعٌ، وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ يَحْتَجُّونَ بِهِ كَأَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَأَحْمَد فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ، وَالشَّافِعِيِّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ. [٢٠/ ١٤] * * * (المغمى عليه) ١٨٩٧ - النائم والناسي غير مُكلَّفَين. قال شيخنا: وكذلك المغمى عليه. [المستدرك ٢/ ٢٤] * * * (والمكره) ١٨٩٨ - اختلف الفقهاء والأصوليون في المكره: هل يسمى مختارًا أم لا؟ وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يقول: التحقيق أنه محمول على الاختيار، فله اختيار في الفعل، وبه صح وقوعُه؛ فإنه لولا إرادته واختياره لما وقع الفعل، ولكنه محمول على أنَّ هذه الإرادة والاختيار ليست من قِبَله، فهو مختار باعتبار أن غيره حَمَله على الاختيار ولم يكن مختارًا من نفسه. [المستدرك ٢/ ٢٤]

стр. 1474

(النبي لا يفعل المكروه ليبين الجواز) ١٨٩٩ - قال القاضي: النبي ﷺ لا يفعل المكروه ليبين الجواز؛ لأنه يحصل فيه التأسي؛ لأن الفعل يدل على الجواز، فإذا فعله استدل به على جوازه، وانتفت الكراهية. [المستدرك ٢/ ٥٠] * * * (السهو في البلاغ ولا يقر عليه) ١٩٠٠ - يجوز النسيان على رسول الله ﷺ في أحكام الشرع عند جمهور العلماء، كما في حديث ذي اليدين وغيره، وكما دلَّ عليه القرآن واتفقوا على أنه لا يقر عليه؛ بل يعلمه الله به. ومنعت طائفة السهو عليه في الأفعال البلاغية (١) والعبادات، كما أجمعوا على منعه واستحالته عليه في الأقوال البلاغية. قال شيخنا: ودعوى الإجماع في الأقوال البلاغية لا يصح، وإنما المجمع عليه عدم الإقرار فقط. [المستدرك ٢/ ٥٠ - ٥١] * * * (المعاريض) ١٩٠١ - الذي قيست عليه الحيل الربوية وليست مثله نوعان: أحدهما: المعاريض، وهي أن يتكلم الرجل بكلام جائز يقصد به معنى صحيحًا ويوهم غيره أنه يقصد به معنى آخر، فيكون سبب ذلك الوهم كون اللفظ مشتركًا بين: أ- حقيقتين لغويتين. ب- أو عرفيتين.

стр. 1475

ج- أو شرعيتين. د- أو لغوية مع إحداهما. هـ- أو عرفية مع إحداهما. و- أو شرعية مع إحداهما. فيعني أحد معنييه ويوهم السامع له أنه إنما عنى الآخر. فهذا كله إذا كان المقصود به رفع ضرر غير مستحق فهو جائز كقول الخليل: "هذه أختي"، وقول النبي ﷺ : "نحن من ماء" وقول الصديق ﵁: هاد يهديني السبيل. وقد يكون واجبًا إذا تضمن دفع ضرر يجب دفعه ولا يندفع إلا بذلك. والضابط: أن كل ما وجب بيانه فالتعريض فيه حرام؛ لأنه كتمان وتدليس. [المستدرك ٢/ ١٦٧ - ١٦٨] * * * (الحقيقة والمجاز) ١٩٠٢ - مسألة: في القرآن مجاز (١)، نصَّ عليه بما خرّجه في متشابه القرآن في قوله: "إنا" و"نعلم" و"منتقمون" هذا من مجاز اللغة، يقول الرجل: إنا سنجري عليك رزقك، إنا سنفعل بك خيرًا. قال شيخنا: قد يكون مقصوده يجوز في اللغة. [المستدرك ٢/ ١٦٨] ١٩٠٣ - الْحَقِيقَةُ: هوَ اللَّفْظُ الْمُسْتَعْمَلُ فِيمَا وُضِعَ لَهُ. وَقَد يُرَادُ بِهَا الْمَعْنَى الْمَوْضُوعُ لِلَّفْظِ الَّذِي يُسْتَعْمَل اللَّفْظُ فِيهِ. فَالْحَقِيقَةُ أَو الْمَجَازُ: هِيَ مِن عَوَارِضِ الْأَلْفَاظِ فِي اصْطِلَاحِ أَهْلِ الْأُصُولِ، وَقَد يَجْعَلُونَهُ مِن عَوَارِضِ الْمَعَانِي، لَكِنَّ الْأَوَّلَ أَشْهَرُ. [٥/ ٢٠٠] * * *

стр. 1476

(العموم والفحوى) ١٩٠٤ - إذا قال: "لا تعط زيدًا حبة": فهذا عند ابن عقيل وغيره في اقتضائه النهي عن إعطاء قيراط من باب فحوى الكلام. قال شيخنا: والصواب: أن هذا نكرة فيعم جميع الحبات كسائر النكرات، ولكن اقتضاؤه لما لم يندرج في لفظ "حبة" من باب الفحوى (١)، إلا أن يقال: مثل هذه الكلمة قد صارت بحكم العرف حقيقة في العموم، فيكون هذا أيضًا من باب الحقيقة العرفية، لا من باب الفحوى. فهذا الباب يجب أن يميز فيه ما عم بطريق الوضع اللغوي، وما عم بطريق الوضع العرفي، وما عم بطريق الفحوى الخطابي، وما عم بطريق المعنى القياسي. ويظهر الفرق بين العموم العرفي والفحوى: أنا في الفحوى نقول: فهم المنطوق ثم المسكوت؛ إذ اللازم تابع. وفي العموم نقول: فهم الجميع من اللفظ كأفراد العام. فعلى هذا يكون من باب نقل الخاص إلى العام. وعلى الأول يكون من باب استعمال الخاص وإرادة العام. [المستدرك ٢/ ١٧٤ - ١٧٥] * * * (فحوى الخطاب) ١٩٠٥ - فصل في فحوى الخطاب: منه: ما يكون المتكلم قَصَد التنبيه بالأدنى على الأعلى؛ كآية البر، فهذا معلوم أنه قَصَد المتكلم بهذا الخطاب، وليس قياسًا، وجعْله قياسًا غلط فإنه هو المراد بهذا الخطاب.

стр. 1477

ومنه: ما لم يكن قصْد المتكلم إلا القسم الأدنى؛ لكن يعلم أنه يثبت مثل ذلك الحكم في الأعلى. وهذا ينقسم إلى مقطوع، ومظنون. ومثالهما: ما احتج به أحمد ﵁ وقد سئل عن رهن المصحف عند أهل الذمة، فقال: لا "نهى النبي ﷺ يسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن يناله العدو" (١) فهذا قاطع؛ لأنه إذا نهى عما قد يكون وسيلة إلى نيلهم إياه فهو عن إنالتهم إياه أنهى وأنهى. واحتج أن لا شفعة (٢) لذمي بقوله: "إذا لقيتموهم في طريق فالجئوهم إلى أضيقه" (٣) فإذا كان ليس لهم في الطريق حق فالشفعة أحرى ألا يكون لهم فيها حق، وهذا مظنون. [٢/ ١٩٩] * * * (المجمل) ١٩٠٦ - مسألة: الأمر بالصلاة والزكاة والحج ونحو ذلك مجمل. هذا ظاهر كلام أحمد؛ بل نصُّه. ذكره ابن عقيل والقاضي أيضًا في العدة. [شيخنا]: وذكر القاضي في مسألة الأمر بعد الحظر، ومسألة تأخير البيان إنما يحمل على عرف الشرع. وبه قالت الحنفية. وقال بعض الشافعية: يتناول ما يفهم مته في اللغة إلى أن يوجد البيان الشرعي. وقال أبو الخطاب: ويقوى عندي أن تقدم الحقيقة الشرعية؛ لأن الآية

стр. 1478

غير مجملة؛ بل تحمل على الصلاة الشرعية؛ بناء على أن هذه الأسماء منقولة من اللغة إلى الشرع، وأنها في الشرع حقيقة لهذه الأفعال المخصوصة؛ فينصرف أمر الشرع إليها. قال والد شيخنا: والمقدسي اختار مثل أبي الخطاب. شيخنا: وهذا ليس بصحيح؛ لأنه قبل أنْ يعرف الحقيقة الشرعية أو الزيادات الشرعية: كيف يصرف الكلام إليها؟ وبعدما عرف ذلك صار ذلك بيانًا، فما أخرجه عن كونه مجملًا في نفسه أو غير مفهوم منه المراد الشرعي. والصحيح: أنه إذا كان ذلك بعدما تقررت الزيادة الشرعية، أو المغيرة: أنه ينصرف إليها؛ لكونه هو أصل الوضع مع الزيادة، فصرفه إلى زيادة أخرى يخالف الأصل. [المستدرك ٢/ ١٧٧ - ١٧٨] * * * فصل في حد البيان ١٩٠٧ - قال القاضي: هو إظهار المعنى وإيضاحه للمخاطب مفصلًا مما يلتبس به ويشتبه به. وقال الصيرفي وأبو بكر عبد العزيز: هو إخراج الشيء من الإشكال إلى التجلي. [المستدرك ٢/ ١٧٨ - ١٧٩] * * * (تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة) ١٩٠٨ - مسألة: تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة فيه روايتان: إحداهما: الجواز، وهذا ظاهر كلامه في رواية صالح وعبد الله وأكثر أصحابه.

стр. 1479

ولا فرق بين بيان المجمل أو العموم وغيره مما أريد به خلاف ظاهره. والرواية الأخرى: لا يجوز. [شيخنا]: قولهم: "تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز" ونقل الإجماع على ذلك: ينبغي أن يُفهم على وجهه، فإن الحاجة قد تدعو إلى بيان الواجبات والمحرمات من العقائد والأعمال، لكن قد يحصل التأخير للحاجة أيضًا: أ- إما من جهة المبلِّغ. ب- أو المبلَّغ. أما المبلِّغ: فإنه لا يمكنه أن يخاطب الناس جميعًا ابتداء، ولا يخاطبهم بجميع الواجبات جملة؛ بل يبلغ بحسب الطاقة والإمكان. وأما المبلَّغ: فلا يمكنه سمع الخطاب وفهمه جميعًا؛ بل على سبيل التدريج. وأيضًا: فإنما يجب البيان على الوجه الذي يحصل المقصود فإذا كان في الإمهال والاستثناء من مصلحة البيان ما ليس في المبادرة كان ذلك هو البيان مأمور به، وكان هو الواجب أو هو المستحب؛ مثل تأخير البيان للأعرابي المسيء في صلاته إلى ثالث مرة. وأيضًا: فإنما يجب التعجيل إذا خيف الفوت بأن يترك الواجب المؤقت حتى يخرج وقته، ونحو ذلك. [المستدرك ٢/ ١٧٩ - ١٨٢] * * * (المحكم والمتشابه) ١٩٠٩ - مسألة: في "المحكم والمتشابه": ظاهر كلام أحمد أن المحكم ما استقل بنفسه ولم يحتج إلى بيان.

стр. 1480

والمتشابه: ما احتاج إلى بيان. قال شيخنا أبو العباس: التشابه الذي هو الاختلاف يعود: أ- إلى اللفظ تارة كالمشترك مثلًا. ب- وإلى المعنى أخرى؛ بأن يكون قد أثبت تارة ونفي أخرى، كما في قوله: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥)﴾ [المرسلات: ٣٥] مع قوله: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (٤٢)﴾ [النساء: ٤٢] ونحو ذلك من المتشابه الذي تكلم عليه ابن عباس في مسائل نافع بن الأزرق وتكلم عليه أحمد وغيره. [المستدرك ٢/ ١٨٢ - ١٨٤] * * * (الاستثناء) ١٩١٠ - الاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لوجب دخوله لغة، قاله أصحابنا والأكثرون. [شيخنا]: يجوز تقديم الاستئناء على المستثنى منه. [شيخنا]: يجوز الاستثناء من الاستثناء. [المستدرك ٢/ ١٩٠] ١٩١١ - الاستثناء من النفي ومن الإثبات نفي، عندنا وعند الجمهور، وقالت الحنفية: ليس كذلك. وقيل: هو من الإثبات نفي، وأما من النفي فليس بإثبات. [المستدرك ٢/ ١٩٤] ١٩١٢ - "ثم" للترتيب مع المهلة والتراخي. قال القاضي: "ثم" للفصل مع الترتيب، فإذا قال: "رأيت غلامًا ثم فلانًا" اقتضى أن يكون الثاني متأخرًا عن الأول في الرؤية؛ ولهذا يحتج أصحابنا بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ [المجادلة: ٣] أن ذلك للمهلة فيقتضي أن يكون العود العزم على الوطء. [المستدرك ٢/ ١٩٥] ١٩١٣ - لا يصح الاستثناء من النكرات كما يصح من المعارف ذكره ابن

стр. 1481

عقيل محل وفاق، محتجًّا به على أن الاستثناء يخرج ما دخل لا ما صح دخوله. [المستدرك ٢/ ١٩٥] * * * (الحكم العام أو المطلق إذا ادُّعِيَ اختصاصه) ١٩١٤ - فصل كثير المنفعة، متعلق بالنسخ والعموم وغيرهما: وهو أن الحكم العام أو المطلق، هل يجوز تعليله بما يوجب تخصيصه أو تقييده، سواء كان ثابتًا بخطاب أو بفعل؟ هذا فيه أقسام: القسم الأول: ما كان عامًّا للمكلفين فيُدَّعَى تخصيصه بنفي التعليل، فمنه ما علم بالاضطرار عمومه فمخصصه كافر؛ كمدعي تخصيص تحريم الخمر بمن قد سبقه، أو بغير الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وسقوط الصلاة عمن دام حضور قلبه. القسم الثاني: ما كان عامًّا في الأزمنة لفظًا أو حكمًا؛ فيُدَّعَى اختصاصه بزمانه فقط. القسم الثالث: أن يُدَّعَى اختصاصه بحال من الأحوال الموجودة في زمان الشرع مما قد يجوز عودها. القسم الرابع: أن يُدَّعَى اختصاصه بمكان الشارع كدعوى اختصاص فرضه للأصناف الخمسة في صدقة الفطر بالمدينة لكونها قوتهم الغالب، وكذلك في الدية والمصراة وغير ذلك. وهذا من جنس الذي قبله، فإنه لا يوجب انقطاع الحكم؛ بل اختصاصه بحال دون حال. القسم الخامس: الأفعال التي فعلها في العبادات والعادات إذا ادّعي اختصاصها بزمان أو مكان أو حال. [المستدرك ٢/ ١٩٦ - ١٩٧] * * *

стр. 1482

(الخاص) ١٩١٥ - فصل في حد الخاص: وهو اللفظ الدال على واحد بعينه، بخلاف العام والمطلق. [المستدرك ٢/ ١٩٧] * * * (إذا علق الحكم على صفة في جنس دل على نفيه فيما عداها) ١٩١٦ - إذا علق الحكم على صفة في جنس كقوله: "في سائمة الغنم الزكاة": دلَّ على نفيه عما عداها في ذلك الجنس دون بقية الحيوان، في قول بعض أصحابنا وبه قال بعض الشافعية. وفيه وجه آخر: أنه يدل على نفيه عما عدا السائمة في سائر الحيوان، وهو قول بعض الشافعية. [المستدرك ٢/ ١٩٧ - ١٩٨] * * * (المفهوم) ١٩١٧ - المفهوم: لا عموم له عند المصنف، والشيخِ تقي الدين وغيرهم من الأصوليين، وأنه يكفي فيه صورة واحدة. [المستدرك ٢/ ١٩٩] * * * (تعليق الحكم على مظنة … أو إقامة السبب مقام العلة وهو أقسام) فصل في تعليق الحكم على مظنة الحكمة دون حقيقتها ١٩١٨ - يسميه بعضهم: إقامة السبب مقام العلة، وهذا منتشر في كلام الفقهاء غير منضبط، فإنهم يذكرون هذا في مسألة الإيلاج بلا إنزال، ومسألة النوم، ومسألة السفر، ومسألة البلوغ، ومنهم من يذكره في مسألة مس النساء. وهو أقسام: الأول: أن تكون الحكمة التي هي العلة خفية: فهنا لا سبيل إلى تعليق الحكم بها، فإنما يعلق بسببها وهو نوعان:

стр. 1483

أحدهما: أن يكون دليلًا عليها؛ كالعدالة مع الصدق، والأبوة في التملك، فهنا يعمل بدليل العلة ما لم يعارضه أقوى منه. الثاني: أن يكون حصولها معه ممكنًا؛ كالحدث مع النوم، والكذب أو الخطأ مع تهمة القرابة أو العداوة أو الصداقة، وإقرار المريض. القسم الثاني: أن تكون ظاهرة في الجملة، لكن الحكم لا يتعلق بنوعها، وإنما يتعلق بمقدار مخصوص منه، وهو غير منضبط، فقدرها غير ظاهر، ويمثلون في هذا بالمشقة مع السفر، والعقل مع البلوغ؛ فإن العقل الذي يحصل به التكليف غير منضبط لنا، وكذلك المشقة التي يحصل معها الضرر. القسم الثالث: أن تكون ظاهرة منضبطة، لكن قد تخفى؛ مثل الإيلاج مع الإنزال، واللمس مع اللذة، وهذا فيه نظر، وقد اختلف فيه قبولًا وردًّا. [المستدرك ٢/ ٢٢٢ - ٢٢٣] * * * (لا يجوز لأحد أن يلزم خصمه ما لا يقول به، إلا النقض) ١٩١٩ - مسألة: قال القاضي وأبو الطيب: لا يجوز لأحد أن يلزم خصمه ما لا يقول به، إلا النقض. فأما غيره كدليل الخطاب أو القياس أو المرسل ونحو ذلك فلا، ولم يذكر خلافًا. [المستدرك ٢/ ٢٢٥] * * * (لا بد أن يتم دليل المستدل أولًا) ١٩٢٠ - لا يجوز للسائل أن يعارض المستدل بما ليس دليلًا عند السائل، مثل علة منتقضة على أصل السائل، بخلاف نقض علة المعلل بما لا يراه المعترض فإنه يجوز.

стр. 1484

قال شيخنا: إن كان المعارض قصده إثبات مذهبه لم يجز ذلك، وإن كان قصده إبطال دليل المستدل جاز ذلك؛ لأن المستدل إنما يتم دليله إذا سلم عن المعارضة، كما لا يتم حتى يسلم من المناقضة، فإذا كان المستدل لم يتم الدليل له كيف يلزم به غيره. [المستدرك ٢/ ٢٢٩] * * * (لا تتكافأ الأدلة القطعية وفي الظنية خلاف) ١٩٢١ - اتفقوا على أنه لا يجوز تعادل الأدلة القطعية لوجوب وجود مدلولاتها وهو محال، وكذلك الأدلة الظنية عندنا، ذكره القاضي وأبو الخطاب. [المستدرك ٢/ ٢٣٢ - ٢٣٣] * * *

стр. 1485

النسخ ١٩٢٢ - لَا تُتْرَكُ سُنَّة ثَابِتَة إلَّا بِسُنَّةٍ ثَابِتَةٍ، ويمْتَنِعُ انْعِقَاد الْإِجْمَاعِ عَلَى خِلَافِ سُنَّةٍ إلَّا وَمَعَ الْإِجْمَاعِ سُنَّة مَعْلُومَة نَعْلَمُ أَنَّهَا نَاسِخَة لِلْأُولَى. [١٩/ ٢٥٧] ١٩٢٣ - لَمْ يَثْبُتْ أَنَّ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ نُسِخَ بِسُنَّةٍ بِلَا قُرْآنٍ. [٢٠/ ٣٩٨] (هل هذه الآية: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ منسوخة؟) ١٩٢٤ - قَوْله تَعَالَى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ [الأنعام: ١٤٥] نَفَى التَّحْرِيمَ عَن غَيْرِ الْمَذْكُورِ، فَيَكُونُ الْبَاقِي مَسْكُوتا عَن تَحْرِيمِهِ عَفْوًا، وَالتَّحْلِيلُ إنَّمَا يَكُونُ بِخِطَاب (١)؛ وَلهَذَا قَالَ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ الَّتِي أُنْزِلَتْ بَعْدَ هَذَا: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [٤، ٥] فَفِي ذَلِكَ الْيَوْمِ أُحِلَّ لَهُم الطَّيباتُ، وَقَبْلَ هَذَا لَمْ يَكن مُحَرَّمًا عَلَيْهِم إلَّا مَا اسْتَثْنَاهُ. وَقَد حَرَّمَ النَّبِيُّ ﷺ "كُلَّ ذِي نَابٍ مِن السّبَاعِ وَكُلَّ ذِي مِخْلَبٍ مِن الطيْرِ" (٢)، وَلَمْ يَكُن هَذَا نَسْخًا لِلْكِتَابِ؛ لِأَنَّ الْكتَابَ لَمْ يُحِلَّ ذَلِكَ، وَلَكِنْ سَكَتَ عَن تَحْرِيمِهِ فَكَانَ تَحْرِيمُهُ ابْتِدَاءَ شَرْعٍ. [٧/ ٤٦] * * *

стр. 1486

(ما يجوز نسخه وما لا يجوز) ١٩٢٥ - قال شيخنا: قال القاضي في "العدة" في الخبر: هل يصح نسخه أم لا؟ فإن كان خبرًا لا يصح أن يقع إلا على الوجه المخبر به فلا يصح نسخه؛ كالخبر عن الله تعالى بأنه واحد ذو صفات، والخبر بموسى وعيسى وغيرهما من الأنبياء أنهم كانوا أنبياء موجودين والخبر بخروج الدجال في آخر الزمان، ونحو ذلك فهذا لا يصح نسخه؛ لأنه يفضي إلى الكذب. قال شيخنا: قلت: إلا أن النسخ اللغوي كما في قوله تعالى: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ [الحج: ٥٢] على قول من قال: إنه ألقي في التلاوة "تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى"، وإن كان مما يصح أن يتغير ويقع على غير الوجه المخبر عنه فإنه يصح نسخه؛ كالخبر عن زيد بانه مؤمن أو كافر أو عدل أو فاسق فهذا يجوز نسخه، فإذا أخبر عن زيد بأنه مؤمن جاز أن يقول بعد ذلك هو كافر، وكذلك يجوز أن يقول: الصلاة على المكلف في المستقبل، ثم يقول بعده: ليس على المكلف فعل صلاة؛ لأنه يجوز أن تتغير صفته من حال إلى حال. قال ﵁: وعلى هذا يخرج نسخ قوله ﴿يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] كما قد جاء عن الصحابة والتابعين خلافًا لمن أنكره من أصحابنا وغيرهم كابن الجوزي. فضابط القاضي: أن الخبر إن قبل التغيير جاز النسخ وإلا فلا. [المستدرك ٢/ ٢٦ - ٢٧] * * * (فضيلة الناسخ على المنسوخ) ١٩٢٦ - لما قال المخالف القرآن كله متساو في الخبر فقوله: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] يدل على أنه لا ينسخ بالأثقل، فقال: ومعلوم أنه

стр. 1487

لم يرد بقوله: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ فضيلة الناسخ على المنسوخ؛ لأن القرآن كله متساو في الفضيلة، فعلم أنه أراد الأخف، فلم يمنع القاضي ذلك؛ بل قال: الخير ما كان أنفع: إما بزيادة الثواب مع المشقة، وإما بكثرة انتفاع المغير به، فإنه سبب لزيادة الثواب. قال شيخنا: قلت: بقي القول الثالث -وهو الحق- التفاضل الحقيقي كما نطقت به النصوص الصحيحة الصريحة. [المستدرك ٢/ ٢٧ - ٢٨] * * * (نسخ التلاوة ونسخ الحكم) ١٩٢٧ - ذكر القاضي في ضمن مسألة نسخ القرآن بالسُّنَّة أن الخلاف في نسخ تلاوته بأن يقول النبي: لا تقرؤوا هذه الآية فتصير تلاوتها منسوخة بالسُّنَّة، وفي نسخ حكمه مع بقاء تلاوته، وأن المجيز يجيزهما جميعًا، وجعل نسخ التلاوة أعظم من نسخ الحكم؛ فإنه منعهما جميعًا. قال شيخنا: قلت: إذا قال الرسول: "هذه الآية قد رفعها الله " فهو تبليغ منه لارتفاعها كإخباره بنزولها، فلا ينبغي أن يمنع من هذا وإن منع من نسخ الحكم، فيكون الأمر على ضد ما يتوهم فيما ذكره القاضي. [المستدرك ٢/ ٢٨] * * * (هل السُّنَّة تنسخ القرآن ؟) ١٩٢٨ - قال شيخنا: قال ابن أبي موسى: والسُّنَّة لا تنسخ القرآن عندنا، ولكنها تخص وتبين. وقد روي عنه رواية أخرى: أن القرآن ينسخ بالمتواتر من السُّنَّة. قال شيخنا: حكى محمد بن بركات النحوي في كتاب الناسخ والمنسوخ أن بعضهم جوَّز نسخ القرآن بالإجماع، وبعضهم جوَّزه بالقياس قال: وهذا يجوز أنْ يكون مناقضًا.

стр. 1488

قال: واختلف في نسخ الإجماع بالإجماع، والقياس بالقياس، والمشهور عن مالك وأصحابه نسخ القرآن بالاجماع ومنع نسخ الإجماع بالإجماع والقياس بالقياس، فقال: وهذا ذكره البغداديون في أصولهم. ١٩٢٩ - اختلف من قال بجواز نسخ القرآن بالسُّنَّة: هل وجد ذلك أم لا؟ فقال بعضهم: وجد ذلك. وقال بعضهم: لم يوجد، قال أبو الخطاب: وهو الأقوى عندي. [المستدرك ٢/ ٢٩ - ٣٠] ١٩٣٠ - قَوْلُهُ تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] فَإِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ جُمْلَةٌ شَرْطِيَّة تَضَمَّنَتْ وَعْدَهُ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَأْتِيَ بِذَلِكَ وَهُوَ الصَّادِقُ الْمِيعَادُ، فَمَا نَسَخَهُ بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ أَوْ أَنْسَأَ نُزولَهُ مِمَّا يُرِيدُ إنْزَالَهُ يَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهُ أَوْ مِثْلِهِ، وَأَمَّا مَا نَسَخَهُ قَبْلَ هَذِهِ أَوْ أَنْسَاَهُ فَلَمْ يَكُنْ قَد وَعَدَ حِينَئِذٍ أَنَّهُ يَأْتِي بِخَيْرٍ مِنْهُ أَوْ مِثْلِهِ. وَعَلَى مَا ذُكِرَ فَيَتَوَجَّهُ الِاحْتِجَاجُ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْسَخُ الْقُرْآنَ إلَّا قُرْآن، كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الشَافِعِيِّ وَهُوَ أَشْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَد؛ بَل هِيَ الْمَنْصُوصَةُ عَنْهُ صَرِيحًا أَنْ لَا يَنْسَخُ الْقُرْآنَ إلَّا قُرْآنٌ يَجِيءُ بَعْدَهُ، وَعَلَيْهَا عَامَّةُ أَصْحَابِهِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ اللهَ قَد وَعَدَ أَنَّهُ لَا بُدَّ لِلْمَنْسُوخِ مِن بَدَلٍ مُمَاثِلٍ أو خَيْرٍ. فَلَو كَانَتِ السُّنَّةُ نَاسِخَةً لِلْكِتَابِ: لَزِمَ أَنْ تَكُونَ مِثْلَهُ أَو أَفْضَلَ مِنْهُ. وَأَيْضًا فَلَا يُعْرَفُ فِي شَيءٍ مِن آياتِ الْقُرْآنِ أَنَّهُ نَسَخَهُ إلَّا قُرْآنٌ. [١٧/ ١٩٤ - ١٩٨] * * * (نسخ القرآن بالسُّنَّة المتواترة) ١٩٣١ - أما نسخ القرآن بالسُّنَّة المتواترة فيجوز عقلًا قاله القاضي وبعض الشافعية. [المستدرك ٢/ ٣٠]

стр. 1489

(نسخ السُّنَّة بقرآن) ١٩٣٢ - يجوز نسخ السُّنَّة بالقرآن وبه قالت الحنفية. قال شيخنا: الذي منع نسخ السُّنَّة بقرآن يقول: إذا نزل القرآن فلا بد أن يسن النبي ﷺ سُنَّة تنسخ السُّنَّة الأولى، وهذا حاصل، وأما بدون ذلك فلم يقع. [المستدرك ٢/ ٣١] * * * (الزيادة على النص هل تكون نسخًا ؟) ١٩٣٣ - الزيادة على النص ليست نسخًا عند أصحابنا والمالكية والشافعية. وقالت الحنفية: هي نسخ. قال شيخنا: التحقيق في مسألة الزيادة على النص -زيادة إيجاب أو تحريم أو إباحة-: أنَّ الزيادة ليست نسخًا إذا رفعت موجب الاستصحاب أو المفهوم الذي لم يثبت حكمه، إلا بمعنى النسخ العام الذي يدخل فيه التخصيص ومخالفة الاستصحاب ونحوهما، وذلك يجوز بخبر الواحد والقياس. وأما إن رفعت موجب الخطاب فهو نسخ بمعنى النسخ المشهور في عرف المتأخرين إن كان ذلك الموجب قد ثبت أنه مراد بالخطاب. وأما إذا لم يثبت أنه مراد إما مع تأخر المفسر عند من يجوز تأخره، أو مع جواز تأخره عند من يوجب الاقتران فإنه كتخصيص العموم. وقد أجاب أبو محمد عن هذا بأن النسخ رفع جميع موجب الخطاب لا رفع بعضه، إذ رفع بعضه كتخصيص العموم وترك المفهوم. ثم الخطاب إذا دل على عدم الإيجاب وعدم التحريم فهو مثل النصوص الواردة في الخمر قبل التحريم: هل هو نسخ؟ فيه خلاف، قال أبو محمد: هو نسخ.

стр. 1490

والأشبه أنه ليس بنسخ؛ لأنه لم ينف الحرج ولم يؤذن في الفعل، وإذا سكت عن التحريم أقروا على الفعل إلى حين النسخ، والإقرار المستقر حجة. وأما غير المستقر فبمنزلة الاستصحاب المرفوع. فلو فعل المسلمون شيئًا مدة فلم ينهوا عنه ثم نهوا عنه لم يكن هذا نسخًا، وإن كان الإقرار على الشيء حجة شرعية؛ لأن الإقرار إنما يكون حجة إذا لم ينهوا عنه بحال، فمتى نهوا عنه فيما بعد: زال شرط كونه حجة، وقد يقال: هو نسخ. [المستدرك ٢/ ٣١ - ٣٥] ١٩٣٤ - تحقيق الأمر في نسخ القياس: أنه إن استقر حكم ثم جاء بعده نص يعارضه كان نسخًا للقياس فقط، سواء كانت العلة منصوصة أو مستنبطة، وإن لم يستقر حكمها كان مجيء النص دليلًا على فساد القياس. وهكذا القول في نسخ العموم والمفهوم، وكل دليل ظني بقطعي أو بظني أرجح منه؛ فإنه عند التعارض: إما أن يرفع الحكم. أو دلالة الدليل عليه. فالأول: هو النسخ الخاص. والثاني: من باب فوات الشرط أو وجود المانع. [المستدرك ٢/ ٤٠] * * * (قاعدة أحمد فيما إذا تعارض حديثان في قضيتين .. ) ١٩٣٥ - قاعدة أحمد التي ذكرها في كلامه ودلت عليها تصرفاته: أنه إذا تعارض حديثان في قضيتين متشابهتين داخلتين تحت جنس واحد لم يدفع أحد النصين بقياس النص الآخر؛ بل يستعمل كل واحد من النصَّين في موضعه، ويجعل النوعين حكمين مختلفين، والمسكوت عنه يلحقه بأحدهما، مثل ما عمل في السجود قبل السلام وبعده، ومثل ما عمل في صلاة الفذ خلف رجلًا

стр. 1491

كان أو امرأة، ومثل ما عمل فيمن باع عبدًا وله مال مع حديث القلادة الخيبرية، وفي مسألة مد عجوة، ومثل ما عمل في حديث هند: "خذي ما يكفيك وولدك" (١) مع قوله: "أد الأمانة إلى من ائتمنك" (٢) وهذا على ثلاثة أقسام: أحدها: أن يظهر بين النوعين المنصوصين فرق، فهذا ظاهر. والثاني: أن يعلم انتفاء الفرق، فهذا ظاهر أيضًا. وأحمد وغيره يقولون بالتعارض، مثل أن يكون أحد النصَّين في حق زيد والآخر في حق عمرو، ونحو ذلك. والثالث: أن تكون التسوية ممكنة، والفرق ممكنًا، فهنا هو مضطرب الفقهاء، فمن غلب على رأيه التسوية قال بالتعارض والنسخ، مثلًا، ومن جوَّز أن يكون هناك فرق لم يقدم على رفع أحد النصين بقياس النص الآخر، وقد يعم كلام أحمد هذا القسم فينظر ويقول: هذا من جنس خبر الواحد المخالف لقياس الأصول. وأهل الرأي كثيرًا ما يعارضون النصوص الخاصة بقياس نصوص أخرى، أو بعمومها، وفي كلام أحمد إنكار على من يفعل ذلك. [المستدرك ٢/ ٤٤ - ٤٥] * * * (النسخ بالعموم والقياس) ١٩٣٦ - الحنفية يقولون بهذا كثيرًا، وأصحابنا والشافعية وغيرهم يدفعونه كثيرًا. والحاجة إلى معرفته ماسة، فإنه كثيرًا ما وقعت أحكام الأفعال في وقت

стр. 1492

لم يكن نظائر تلك الأفعال محرمةً، ثم حرمت تلك الأفعال بلفظ يخصها، أو بلفظ يعمها والفعل الآخر؛ فالواجب فيه أن ينظر: فإن كان ذلك العموم مما قد عرف دخول تلك الصورة فيه كان نسخًا، وكذلك إذا لم يكن بين الصورتين فرق، وهذا مثل ما نقل عن النبي ﷺ : أنه كان يعامل المشركين والمنافقين من العفو والصفح، قبل نزول براءة، وكانت المساجد ينتابها المشركون قبل نزول براءة، وكان المسلمون يلون أقاربهم المشركين في الغسل وغيره؛ كولاية علي أباه، قبل أن يقطع الله الموالاة بينهم. وبالجملة: متى كان الحكم الأول قد عرفت علَّته وزالت بمجيء النص الناسخ، أو كان معنى النص الناسخ متناولًا لتلك الصورة: فلا ريب في النسخ. وتختلف بعض آراء المجتهدين في بعض هذه التفاصيل، وهذه القاعدة يُحتاج إليها في الفقه كثيرًا. [المستدرك ٢/ ٤٥ - ٤٦] * * * (النسخ بالتعليل نسخ للشريعة وما له إلى الانحلال … ) ١٩٣٧ - ما حكم به الشارع مطلقًا أو في أعيان: فهل يجوز تعليله بعلة مختصة بذلك الوقت بحيث يزول ذلك الحكم زوالًا مطلقًا: قد ذهب الحنفية والمالكية إلى جواز ذلك، ذكروه في مسألة التحليل، وذكره المالكية في حكمه بتضعيف الغرم على سارق الثمر المعلق والضالة المكتومة ومانع الزكاة وتحريق متاع الغال، وهو يشبه قول من يقول: إن حكم المؤلفة قد انقطع. قال شيخنا: وهذا عندي اصطلام للدين، ونسخ للشريعة بالرأي، ومآله إلى انحلال من بعد الرسول عن شرعه بالرأي؛ فإنه لا معنى للنسخ إلا اختصاص كل زمان بشريعة، فإذا جوز هذا بالرأي نسخ بالرأي. وأما أصحابنا وأصحاب الشافعي فيمنعون ذلك، ولا يرفعون الحكمَ المشروعَ بخطابٍ إلا بخطاب.

стр. 1493

ثم منهم من يقول: قد تزول العلة ويبقى الحكم كالرمل والاضطباع. ومنهم من يقول: النطق حَكَم مطلق، وإن كان سببه خاصًّا، فقد ثبتت العلة بها مطلقًا. وهذان جوابان لا يحتاج إليهما، واستمساك الصحابة بنهيه عن الادخار في العام القابل يبطل هذه الطريقة. وهذا أصل عظيم. [المستدرك ٢/ ٤٦] * * * (إذا قال الصحابي: هذه الآية منسوخة) ١٩٣٨ - مسألة: إذا قال الصحابي: هذه الآية منسوخة: فإنا لا نصير إلى قوله حتى يخبر بماذا نسخت، قال القاضي: أومأ إليه أحمد، وبه قالت الحنفية والشافعية. وفيه رواية أخرى: يقبل قوله ذكرها ابن عقيل وغيره. وعندي (١) أنه إن كان هناك نص آخر يخالفها (٢) فإنه يقبل قوله في ذلك؛ لأن الظاهر أن ذلك النص هو النسخ، ويكون حاصل قول الصحابي الإعلام بالتقدم والتأخر، وقوله يقبل في ذلك. [المستدرك ٢/ ٤٧] * * * (إذا قال الراوي: كان كذا ونسخ) ١٩٣٩ - مسألة: إذا قال الراوي: كان كذا ونسخ. قال شيخنا: يجب الفرق بين أن يقول: "كان كذا، ونسخ" وبين أن يقول لخبر معلوم بنقل غيره: "هذا منسوخ" فإن هذا بمنزلة قوله عن الآية: "هي منسوخة". [المستدرك ٢/ ٤٨] * * *

стр. 1494

(كُلُّ نَصٍّ مَنْسُوخٍ بِإِجْمَاعِ الْأمَّةِ فَمَعَ الْأمَّةِ النَّصُّ النَّاسِخُ لَه) ١٩٤٠ - لَا يُوجَدُ قَطُّ مَسْأَلَة مُجْمَعٌ عَلَيْهَا إلَّا وَفِيهَا بَيَانٌ مِنَ الرَّسُولِ، وَلَكِنْ قَد يَخْفَى ذَلِكَ عَلَى بَعْضِ النَّاسِ ويعْلَمُ الْإِجْمَاعَ؛ فَيَسْتَدِلُّ بِهِ. فَإِنَّ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ فَقَد دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، وَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ فَعَن الرَّسُولِ أُخِذَ، فَالْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ كِلَاهُمَا مَأخُوذٌ عَنْهُ. وَلَا يُوجَدُ مَسْاَلَةٌ يَتَّفِقُ الْإِجْمَاعُ عَلَيْهَا إلَّا وَفِيهَا نَصٌّ. وَقَد كَانَ بَعْضُ النَّاسُ يَذْكُرُ مَسَائِلَ فِيهَا إجْمَاعٌ بِلَا نَصّ كَالْمُضَارَبَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ بَل الْمُضَارَبَةُ كَانَت مَشْهُورَةً بَيْنَهُم فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَا سِيَّمَا قُرَيْشٌ؛ فَإِنَّ الْأَغْلَبَ كَانَ عَلَيْهِم التِّجَارَةُ، وَكَانَ أَصْحَابُ الْأَمْوَالِ يَدْفَعُونَهَا إلَى الْعُمَّالِ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ قَد سَافَرَ بِمَالِ غَيْرِهِ قَبْلَ النُّبُوَّةِ، كَمَا سَافَرَ بِمَالِ خَدِيجَةَ، وَالْعِيرُ الَّتِي كَانَ فِيهَا أَبُو سُفْيَانَ كَانَ أَكْثَرُهَا مُضَارَبَةً مَعَ أَبِي سُفْيَانَ وَغَيْرِهِ، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ أَقَرَّهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَكَانَ أَصْحَابُهُ يُسَافِرُونَ بِمَالِ غَيْرِهِمْ مُضَارَبَةً، وَلَمْ يَنْهَ عَن ذَلِكَ، وَالسُّنَّةُ: قَوْلُهُ وَفِعْلُهُ وَإِقْرَارُهُ، فَلَمَّا أَقَرَّهَا كَانَت ثَابِتَةً بِالسُّنَّةِ. وَأَمَّا مَسْأَلَةٌ مُجَرَّدَةٌ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُسْتَدَلُّ فِيهَا بِنَصٍّ جَلِيٍّ وَلَا خَفِيٍّ: فَهَذَا مَا لَا أَعْرِفُهُ. وَقَد رُوِيَ عَن عَلِيٍّ وَزيدٍ ﵄ أَنَّهُمَا احْتَجَّا بِقِيَاسٍ، فَمَن ادَّعَى إجْمَاعَهُم عَلَى تَرْكِ الْعَمَلِ بِالرَّأيِ وَالْقِيَاسِ مُطْلَقًا فَقَد غَلِطَ، وَمَنِ ادَّعَى أَنَّ مِنَ الْمَسَائِلِ مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ فِيهَا أَحَدٌ مِنْهُم إلَّا بِالرَّأيِ وَالْقِيَاسِ فَقَد غَلِطَ؛ بَل كَانَ كُلٌّ مِنْهُم يَتَكَلَّمُ بِحَسَبِ مَا عِنْدَهُ مِنَ الْعِلْمِ، فَمَن رَأَى دَلَالَةَ الْكِتَابِ ذَكَرَهَا، وَمَن رَأَى دَلَالَةَ الْمِيزَانِ ذَكَرَهَا، وَالدَّلَائِلُ الصَّحِيحَةُ لَا تَتَنَاقَضُ، لَكِنْ قَد يَخْفَى وَجْهُ اتِّفَاقِهَا، أَو ضَعْفُ أَحَدِهَا عَلَى بَعْضِ الْعُلَمَاءِ. وَللصَّحَابَةِ فَهْمٌ فِي الْقُرْآنِ يَخْفَى عَلَى أَكْثَرِ الْمُتَأَخِّرِينَ، كَمَا أَنَّ لَهُم مَعْرِفَةً بِأَمُورٍ مِنَ السُّنَّةِ وَأَحْوَالِ الرَّسُولِ لَا يَعْرِفُهَا أَكْثَرُ الْمُتَأَخِّرِينَ، فَإِنَّهُم شَهِدُوا

стр. 1495

الرَّسُولَ وَالتَّنْزِيلَ، وَعَايَنُوا الرَّسُولَ وَعَرَفُوا مِن أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ وَأَحْوَالِهِ مِمَّا يَسْتَدِلُّونَ بِهِ عَلَى مُرَادِهِمْ مَا لَمْ يَعْرِفْهُ أَكْثَرُ الْمُتَأَخِّرِينَ الَّذِينَ لَمْ يَعْرِفُوا ذَلِكَ، فَطَلَبُوا الْحُكْمَ مَا اعْتَقَدُوا مِن إجْمَاع أَو قِيَاسٍ. [١٩/ ١٩٥ - ٢٠٠] ١٩٤١ - أمَّا عَلَى قَوْلِ مَن يَرَى مِن هَؤُلَاءِ أَنَّ الْإِجْمَاعَ يَنْسَخُ النُصُوصَ، كَمَا يُذْكَرُ ذَلِكَ عَن عِيسَى بْنِ أَبَانَ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ قَوْلٌ فِي غَايَةِ الْفَسَادِ، مَضْمُونُهُ أَنَّ الْأمَّةَ يَجُوزُ لَهَا تَبْدِيلُ دِينِهَا بَعْدَ نَبِيّهَا، وَأَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ لَهُمْ، كَمَا تَقُولُ النَّصَارَى: أُبِيحَ لِعُلَمَائِهِمْ أَنْ يَنْسَخُوا مِن شَرِيعَةِ الْمَسِيحِ مَا يَرَوْنَهُ، وَلَيْسَ هَذَا مِن أَقْوَالِ الْمُسْلِمِينَ. وَمِمَن يَظُنُّ الْإِجْمَاعَ مَن يَقُولُ: الْإِجْمَاعُ دَلَّ عَلَى نَصِّ نَاسِخٍ لَمْ يَبْلُغْنَا. وَكُلُّ مَن عَارَضَ نَصُّا بِإِجْمَاع، وَادَّعَى نَسْخَهُ مِن غَيْرِ نَصِّ يُعَارِضُ ذَلِكَ النَّصَّ: فَإِنَهُ مُخْطِئٌ فِي ذَلِكَ، كَمَا قَد بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا فِي مَوْضِع آخَرَ، وَبُيِّنَ أَنَّ النُّصُوصَ لَمْ يُنْسَخْ مِنْهَا شَيْءٌ إلَّا بِنَصّ بَاقٍ مَحْفُوظٍ عِنْدَ الْأُمَّةِ، وَعِلْمُهَا بِالنَّاسِخِ الَّذِي الْعَمَلُ بِهِ أَهَمُّ عِنْدَهَا مَن عِلْمِهَا بِالْمَنْسُوخِ الَّذِي لَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِهِ، وَحِفْظُ اللّهِ النُّصُوصَ النَّاسِخَةَ أَوْلَى مِن حِفْظِهِ الْمَنْسُوخَةَ. ١٩٤٢ - لَا يَجُوزُ لِأحَدٍ أَنْ يَظُنَّ بِالصَّحَابَةِ أَنَّهُم بَعْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَجْمَعُوا عَلَى خِلَافِ شَرِيعَتِهِ؛ بَل هَذَا مِن أَقْوَالِ أَهْلِ الْإِلْحَادِ، وَلَا يَجُوزُ دَعْوَى نَسْخِ مَا شَرَعَهُ الرَّسُولُ بِإِجْمَاعِ أَحَدٍ بَعْدَهُ كَمَا يَظُنُّ طَائِفَةٌ مِن الغالطين؛ بَل كُلُّ مَا أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ فَلَا يَكونُ إلَّا مُوَافِقًا لِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ، لَا مُخَالِفًا لَهُ؛ بَل كُلُّ نَصٍّ مَنْسُوخٍ بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ فَمَعَ الْأُمَّةِ النَّصُّ النَّاسِخُ لَهُ؛ تَحْفَظُ الْأُمَّةُ النَّصَّ النَّاسِخَ كَمَا تَحْفَظُ النَّصَّ الْمَنْسُوخَ، وَحِفْظُ النَّاسِخِ أَهَمُّ عِنْدَهَا وَأَوْجَبُ عَلَيْهَا مِن حِفْظِ الْمَنْسُوخِ، ويُمْنَعُ أَنْ يَكُونَ عُمَرُ وَالصَّحَابَةُ مَعَهُ أَجْمَعُوا عَلَى خِلَافِ نَصِّ الرَّسُولِ ﷺ ، وَلَكِنْ قَد يَجْتَهِدُ الْوَاحِدُ وَيُنَازِعُهُ غَيْرُهُ وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ. [٣٣/ ٣٢]

стр. 1496

الإجماع (معنى الإجماع) ١٩٤٣ - مَعْنَى الْإِجْمَاعِ: أَنْ تَجْتَمِعَ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى حُكْمٍ مِنَ الْأَحْكَامِ، وَإِذَا ثَبَتَ إجْمَاعُ الْأمَّةِ عَلَى حُكْمٍ مِنَ الْأَحْكَامِ لَمْ يَكُن لِأَحدٍ أَنْ يَخْرُجَ عَن إجْمَاعِهِمْ؛ فَإِنَّ الْأمَّةَ لَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالَةٍ، وَلَكِنْ كَثِيرٌ مِنَ الْمَسَائِلِ يَظنُّ بَعْضُ النَّاسِ فِيهَا إجْمَاعًا وَلَا يَكونُ الْأَمْرُ كَذَلِكَ؛ بَل يَكُونُ الْقَوْلُ الْآخَرُ أَرْجَحَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. وَأمَّا أَقْوَالُ بَعْضِ الْأئِمَّةِ كَالْفُقَهَاءِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ؛ فَلَيْسَ حُجَّةً لَازِمَةً وَلَا إجْمَاعًا بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ. [٢٠/ ١٠] * * * (هل الإجماع حجة ؟) ١٩٤٤ - قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥]: فَإِنَّهُمَا مُتَلَازِمَانِ، فَكُلُّ مَن شَاقَّ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى فَقَد اتَّبَعَ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤمِنِينَ، وَكُلّ مَن اتَّبَعَ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤمِنِينَ فَقَد شَاقَّ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى. وَهَذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ إجْمَاعَ الْمُؤْمِنِينَ حُجَّة؛ مِن جِهَةِ أَنَّ مُخَالَفَتَهُم مُسْتَلْزِمَةٌ لِمُخَالَفَةِ الرَّسُولِ، وَأَنَّ كُلَّ مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُوْنَ فِيهِ نَصٌّ عَن الرَّسُولِ. فَكُلُّ مَسْألَةٍ يُقْطَعُ فِيهَا بِالْإِجْمَاعِ وَبِانْتِفَاءِ الْمُنَارعِ مِن الْمُؤمِنِينَ: فَإِنَّهَا مِمَّا

стр. 1497

بَيَّنَ اللهُ فِيهِ الْهُدَى، وَمُخَالِفُ مِثْل هَذَا الْإِجْمَاعِ يَكْفُرُ، كَمَا يَكْفُرُ مُخَالِفُ النَّصِّ الْبَيِّنِ. وَأَمَّا إذَاكَانَ يُظَنُّ الْإِجْمَاعُ وَلَا يُقْطَعُ بِهِ: فَهُنَا قَد لَا يُقْطَعُ أَيْضًا بِأَنَّهَا مِمَّا تَبَيَّنَ فِيهِ الْهُدَى مِن جِهَةِ الرَّسُولِ، وَمُخَالِفُ مِثْل هَذَا الْإِجْمَاعِ قَد لَا يَكْفُرُ؛ بَل قَد يَكُونُ ظَنُّ الْإِجْمَاعِ خَطَأً، وَالصَّوَابُ فِي خِلَافِ هَذَا الْقَوْلِ، وَهَذَا هُوَ فَصْلُ الْخِطَابِ فِيمَا يَكْفُرُ بِهِ مِن مُخَالَفَةِ الْإِجْمَاعِ وَمَا لَا يَكفُرُ. وَالْإِجْمَاعُ هَل هُوَ قَطْعِيُّ الدَّلَالَةِ أَو ظَنِّيُّ الدَّلَالَةِ؟ .. الصَّوَابُ: التَّفْصِيلُ بَيْنَ مَا يُقْطَعُ بِهِ مِن الْإِجْمَاعِ وَيُعْلَمُ يَقِينًا أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مُنَارعٌ مِن الْمُؤمِنِينَ أَصْلًا، فَهَذَا يَجِبُ الْقَطْعُ بِأَنَّهُ حَقٌ، وَهَذَا لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مِمَّا بَيَّنَ فِيهِ الرَّسُولُ الْهُدَى. [٧/ ٣٨ - ٣٩] * * * (دلالة كون الإجماع حجة) ١٩٤٥ - دلالة كون الإجماع حجة هو الشرع. وقيل: العقل أيضًا نثبته حجة: إما بالسمع، وإما بالعقل. والسمع: إما بالكتاب، وإما بالسُّنَّة. ونثبت السُّنَّة بالتواتر المعنوي. [المستدرك ٢/ ١١٥] * * * (الإجماع حجة، وإذا اختلف الصحابة لم يخرج عن أقاويلهم وينظر إلى أقرب القولين إلى الكتاب والسُّنَّة) ١٩٤٦ - مسألة: لا يجوز أن تجمع الأمة على الخطأ، نصَّ عليه، وهو قول جماعة الفقهاء والمتكلمين. وأول من استدل بالآية (١) الشافعي ﵁. قال القاضي: الإجماع حجة مقطوع عليها، يجب المصير إليها، وتحرم

стр. 1498

مخالفته، ولا يجوز أن تجمع الأمة على الخطأ، وقد نص أحمد على هذا في رواية عبد الله وأبي الحارث في الصحابة إذا اختلفوا لم يخرج عن أقاويلهم: أرأيت إن أجمعوا له أن يخرج من أقاويلهم؛ هذا قول خبيث، قول أهل البدع، لا ينبغي لأحد أن يخرج من أقاويل الصحابة إذا اختلفوا. [المستدرك ٢/ ١١٣] قال شيخنا ﵁: قال في رواية عبد الله: من ادعى الإجماع فهو كاذب، لعل الناس قد اختلفوا، وهذه دعوى بشر المريسي والأصم، ولكن يقول: "لا نعلم الناس اختلفوا" إذا لم يبلغه، وكذلك نقل المروذي عنه أنه قال: كيف يجوز للرجل أن يقول: "أجمعوا"؟ إذا سمعتهم يقولون أجمعوا فاتهمهم، لو قال: "إني لم أعلم مخالفًا" كان ذلك، ونقل أبو طالب عنه أنه قال: هذا كذب، ما أعلمه أنَّ الناس مجمعون، ولكن يقول: "لا أعلم فيه اختلافًا" فهو أحسن من قوله: "إجماع الناس" وكذلك نقل أبو الحارث: لا ينبغي لأحد أن يدعي الإجماع، لعل الناس اختلفوا. * * * (هل يَبْدَأُ الْمُجْتَهِدُ بِأَنْ يَنْطرَ أَوَّلًا فِي الْإِجْمَاعِ) ١٩٤٧ - عُمَرُ ﵁ قَدَّمَ الْكِتَابَ ثُمَّ السُّنَّةَ، وَكَذَلِكَ ابْنُ مَسْعُودٍ قَالَ مِثْل مَا قَالَ عُمَرُ، قَدَّمَ الْكِتَابَ ثُمَّ السُّنَّةُ ثُمَّ الْإِجْمَاعُ، وَكَذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ كَانَ يُفْتِي بِمَا فِي الْكِتَابِ، ثُمَّ بِمَا فِي السُّنَّةِ، ثُمَّ بِسُنَّةِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، لِقَوْلِهِ: "اقْتَدُوا بِاَللَّذَيْنِ مِن بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ" (١)، وَهَذِهِ الْاَثَارُ ثَابِتَةٌ عَن عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَهُم مِن أَشْهَرِ الصَّحَابَةِ بِالْفُتْيَا وَالْقَضَاءِ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ. وَلَكِنْ طَائِفَةٌ مِن الْمُتَأخّرِينَ قَالُوا: يَبْدَأُ الْمُجْتَهِدُ بِأَنْ يَنْظرَ أَوَّلًا فِي الْإِجْمَاعِ، فَإِنْ وَجَدَهُ لَمْ يَلْتَفِتْ إلَى غَيْرِهِ، وَإِن وَجَدَ نَصًّا خَالَفَهُ اعْتَقَدَ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ بِنَصٍّ لَمْ يَبْلُغْهُ، وَقَالَ بَعْضُهُم؛ الْإِجْمَاعُ نَسَخَهُ!

стр. 1499

وَالصَّوَابُ: طَرِيقَةُ السَّلَفِ. وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ إذَا خَالَفَهُ نَصٌّ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَعَ الْإِجْمَاعِ نَصٌّ مَعْرُوفٌ بِهِ أَنَّ ذَلِكَ مَنْسُوخ، فَأمَّا أَنْ يَكُونَ النَّصُّ الْمُحْكَمُ قَد ضَيَّعَتْهُ الْأمَّةُ وَحَفِظَتْ النَصَّ الْمَنْسُوخَ فَهَذَا لَا يُوجَدُ قَطُّ، وَهُوَ نِسْبَةُ الْأمَّةِ إلَى حِفْظِ مَا نُهِيَتْ عَنِ اتِّبَاعِهِ، وَإِضَاعَةِ مَا أُمِرَتْ بِاتِّبَاعِهِ، وَهِيَ مَعْصُومَةٌ عَن ذَلِكَ. وَمَعْرِفَةُ الْإِجْمَاعِ قَد تَتَعَذَّرُ كَثِيرًا أَو غَالِبًا، فَمَن ذَا الَّذِي يُحِيطُ بِأَقْوَالِ الْمُجْتَهِدِينَ؟ بِخِلَافِ النُّصُوصِ فَإِنَّ مَعْرِفَتَهَا ممْكِنَةٌ مُتَيَسّرَةٌ. وَهُم إنَّمَا كَانُوا يَقْضُونَ بِالْكِتَابِ أَوَّلًا؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ لَا تَنْسَخُ الْكِتَابَ، فَلَا يَكونُ فِي الْقُرْآنِ شَيءٌ مَنْسُوخٌ بِالسُّنَّةِ؛ بَل إنْ كَانَ فِيهِ مَنْسُوخ كَانَ فِي الْقُرْآنِ نَاسِخُهُ، فَلَا يُقَدّمُ غَيْرَ الْقُرْآنِ عَلَيْهِ، ثمَّ إذَا لَمْ يَجِدْ ذَلِكَ طَلَبَهُ فِي السُّنَّةِ، وَلَا يَكُونُ فِي السُّنَّةِ شَيءٌ مَنْسُوخ إلَّا وَالسُّنَّةُ نَسَخَتْهُ، لَا يَنْسَخُ السُّنَّةَ إجْمَاعٌ وَلَا غَيْرُهُ. [١٩/ ٢٠١ - ٢٠٢] * * * (الإجماع نوعان) ١٩٤٨ - الْإِجْمَاعُ نَوْعَانِ: أ- قَطْعِيٌّ، فَهَذَا لَا سَبِيلَ إلَى أَنْ يُعْلَمَ إجْمَاعٌ قَطْعِيٌّ عَلَى خِلَافِ النَّصِّ. ب- وَأَمَّا الظَّنيُّ فَهُوَ الْإِجْمَاعُ الإقراري والاستقرائي، بِأنْ يَسْتَقْرِئَ أَقْوَالَ الْعُلَمَاءِ فَلَا يَجِدُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا، أَو يَشْتَهِرُ الْقَوْلُ فِي الْقُرْآنِ وَلَا يَعْلَمُ أَحَدًا أَنْكَرَه، فَهَذَا الْإِجْمَاعُ وَإِن جَازَ الِاحْتِجَاجُ بِهِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ تُدْفَعَ النُّصُوصُ الْمَعْلُومَةُ بِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا حُجَّة ظَنِّيَّة لَا يَجْزِمُ الْإِنْسَانُ بِصِحَّتِهَا؛ فَإِنَّهُ لَا يَجْزِمُ بِانْتِفَاءِ الْمُخَالِفِ، وَحَيْثُ قَطَعَ بِانْتِفَاءِ الْمُخَالِفِ فَالْإِجْمَاعُ قَطْعِيٌّ. وَأَمَّا إذَا كَانَ يَظُنُّ عَدَمَهُ وَلَا يَقْطَعُ بِهِ فَهُوَ حُجَّةٌ ظَنِّيَّةٌ، وَالظَّنِّيُّ لَا يُدْفَعُ بِهِ

стр. 1500

النَّصُّ الْمَعْلُومُ، لَكِنْ يُحْتَجُّ بِهِ ويُقَدَّمُ عَلَى مَا هُوَ دُونَهُ بِالظَّنِّ، وَيُقَدَّمُ عَلَيْهِ الظَّنُّ الَّذِي هُوَ أَقْوَى مِنْهُ، فَمَتَى كَانَ ظَنُّهُ لِدَلَالَةِ النَّصِّ أَقْوَى مِن ظَنِّهِ بِثُبُوتِ الْإِجْمَاعِ قَدَّمَ دَلَالَةَ النَّصِّ، وَمَتَى كَانَ ظَنُّهُ لِلْإِجْمَاعِ أَقْوَى قَدَّمَ هَذَا، وَالْمُصِيبُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَاحِدٌ. فَلَا يَكُونُ قَطُّ إجْمَاعٌ يَجِبُ اتِّبَاعُهُ مَعَ مُعَارَضَتِهِ لِنَصٍّ آخَرَ لَا مُخَالِفَ لَهُ، وَلَا يَكُونُ قَطُّ يَجِبُ اتِّبَاعُهُ وَلَيْسَ فِي الْأُمَّةِ قَائِلٌ بِهِ؛ بَل قَد يَخْفَى الْقَائِلُ بِهِ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: كُلُّ حَدِيثٍ فِي كِتَابِي قَد عَمِلَ بِهِ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ إلَّا حَدِيثَيْنِ: حَدِيثَ الْجَمْعِ (١)، وَقَتْلَ الشَّارِبِ (٢). وَمَعَ هَذَا فَكِلَا الْحَدِيثَيْنِ قَد عَمِلَ بِهِ طَائِفَةٌ، وَحَدِيثُ الْجَمْعِ قَد عَمِلَ بِهِ أَحْمَد وَغَيْرُهُ. وَلَكنْ مَن ثَبَتَ عِنْدَهُ نَصٌّ يَعْلَمْ قَائِلًا بِهِ وَهُوَ لَا يَدْرِي: أُجْمِعَ عَلَى نَقِيضِهِ أَمْ لَا؟ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَن رَأَى دَلِيلًا عَارَضَهُ آخَرُ وَهُوَ بَعْدُ لَمْ يَعْلَمْ رُجْحَانَ أَحَدِهِمَا، فَهَذَا يَقِفُ إلَى أَنْ يَتَبَيَّنَ لَهُ رُجْحَانُ هَذَا أَو هَذَا، فَلَا يَقُولُ قَوْلًا بِلَا عِلْمٍ. وَأكْثَرُ مَسَائِلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ الَّتِي يَحْتَجُّونَ فِيهَا بِالْعَمَلِ يَكُونُ مَعَهُم فِيهَا نَصٌّ؛ فَالنَّصُّ الَّذِي مَعَهُ الْعَمَلُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْآخَرِ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ.

стр. 1501

وَأَمَّا رَدُّ النَّصِّ بِمُجَرَّدِ الْعَمَلِ فَهَذَا بَاطِلٌ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ، وَقَد تَنَازَعَ النَّاسُ فِي مُخَالِفِ الْإِجْمَاعِ: هَل يَكْفُرُ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ. وَالتَّحْقِيقُ: أَنَّ الْإِجْمَاعَ الْمَعْلُومَ يَكْفُرُ مُخَالِفُهُ كَمَا يَكْفُرُ مُخَالِفُ النَّصِّ بِتَرْكِهِ، لَكِنَّ هَذَا (١) لَا يَكُونُ إلَّا فِيمَا عُلِمَ ثُبُوتُ النَّصِّ بِهِ. وَأَمَّا الْعِلْمُ بِثُبُوتِ الْإِجْمَاعِ فِي مَسْأَلَةٍ لَا نَصَّ فَهَذَا لَا يَقَعُ، وَأَمَّا غَيْرُ الْمَعْلُومِ فَيَمْتَنِعُ تَكْفِيرُهُ. وَحِينَئِذٍ فَالْإِجْمَاعُ مَعَ النَّصِّ دَلِيلَانِ كَالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. وَتَنَازَعُوا فِي الْإِجْمَاعِ: هَل هُوَ حُجَّة قَطْعِيَّة أَو ظَنِّيَّةٌ؟ وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ قَطْعِيَّهُ قَطْعِيٌّ وَظَنِّيَّةُ ظَنِّيٌّ وَاللهُ أَعْلَمُ. وإِذَا نَقَلَ عَالِمٌ الْإجْمَاعَ وَنَقَلَ آخَرُ النِّزَاعَ؛ إمَّا نَقْلًا سُمِّيَ قَائِلُهُ؛ وَإِمَّا نَقْلًا بِخِلَافٍ مُطْلَقًا وَلَمْ يُسَمَّ قَائِلُهُ: فَلَيْسَ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ نَقْلًا لِخِلَافٍ لَمْ يَثْبُتْ؛ فَإِنَّهُ مُقَابَلٌ بِأَنْ يُقَالَ: وَلَا يَثْبُتُ نَقْلُ الْإِجْمَاعِ؛ بَل نَاقِلُ الْإِجْمَاعِ نَافٍ لِلْخِلَافِ، وَهَذَا مُثْبِتٌ لَهُ، وَالْمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي. وَإِذَا قِيلَ: يَجُوزُ فِي نَاقِلِ النّزَاعِ أَنْ يَكُونَ قَد غَلِطَ فِيمَا أَثْبَتَهُ مِنَ الْخِلَافِ. قِيلَ لَهُ: وَنَافِي النِّزَاعِ غَلَطُهُ أجوز؛ فَإِنَّهُ قَد يَكُونُ فِي الْمَسْأَلَةِ أَقْوَالٌ لَمْ تَبْلُغْهُ، أَو بَلَغَتْهُ وَظَنَّ ضَعْفَ إسْنَادِهَا وَكَانَت صَحِيحَةً عِنْدَ غَيْرِهِ، أَو ظَنَّ عَدَمَ الدَّلَالَةِ وَكَانَت دَالًةً. فَإِنَّ عَدَمَ الْعِلْمِ لَيْسَ عِلْمًا بِالْعَدَمِ، لَا سِيَّمَا فِي أَقْوَالِ عُلَمَاءِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ الَّتِي لَا يُحْصِيهَا إلَّا رَبُّ الْعَالَمِينَ؛ وَلهَذَا قَالَ أَحْمَد وَغَيْرُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ: مَنِ ادَّعَى الْإجْمَاعَ فَقَد كَذَبَ، هَذِهِ دَعْوَى الْمَرِيسِيِّ وَالْأَصَمِّ، وَلَكِنْ يَقُولُ: لَا أَعْلَمُ نِزَاعًا.

стр. 1502

وَاَلَّذِينَ كَانُوا يَذْكُرُونَ الْإِجْمَاعَ كَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي ثَوْرٍ وَغَيْرِهِمَا يُفَسِّرُونَ مُرَادَهُم: بِأَنَّا لَا نَعْلَمُ نِزَاعًا وَيَقُولُونَ هَذَا هُوَ الْإجْمَاعُ الَّذِي نَدَّعِيه. وَإِذَا تَضَافَرَ عَلَى نَقْلِ النزَاعِ اثْنَانِ لَمْ يَأْخُذْ أَحَدُهُمَا عَن صَاحِبِهِ فَهَذَا يَثْبُتُ بِهِ النِّزَاعُ، بِخِلَافِ دَعْوَى الْإجْمَاعِ؛ فَإِنَّهُ لَو تَضَافَرَ عَلَيْهِ عَدَدٌ لَمْ يُسْتَفَدْ بِذَلِكَ إلَّا عَدَمُ عِلْمِهِمْ بِالنِّزَاعِ. [١٩/ ٢٦٧ - ٢٧٠] * * * (دعوى الإجماع التي أنكرها أحمد والإجماع الذي يعتبره) ١٩٤٩ - قال شيخنا: الذي أنكره أحمد دعوى إجماع المخالفين بعد الصحابة أو بعدهم وبعد التابعين، أو بعد القرون الثلاثة المحمودة، ولا يكاد يوجد في كلامه احتجاج بإجماع بعد عصر التابعين أو بعد القرون الثلاثة، مع أن صغار التابعين أدركوا القرن الثالث، وكلامه في إجماع كل عصر إنما هو في التابعين. ثم هذا منه نهي عن دعوى الإجماع العام النطقي، وهو كالإجماع السكوتي، أو إجماع الجمهور من غير علم بالمخالف؛ فإنه قال في القراءة خلف الإمام: ادُّعي الإجماع في نزول الآية وفي عدم الوجوب في صلاة الجهر، وإنما فقهاء المتكلمين كالمريسي والأصم يدعون الإجماع ولا يعرفون إلا قول أبي حنيفة ومالك ونحوهما، ولا يعلمون أقوال الصحابة والتابعين، وقد ادَّعى الإجماع في مسائل الفقه غير واحد من مالك ومحمد بن الحسن والشافعي وأبي عبيد في مسائل وفيها خلاف لم يطلعوه، وقد جاء الاعتماد على الكتاب والسُّنَّة والإجماع في كلام عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود وغيرهما حيث يقول كل منهما: اقض بما في كتاب الله، فإن لم يكن فبما في سُنَّة رسول الله، فإن لم يكن فبما أجمع عليه الصالحون. لكن يقتضي تأخير هذا عن الأصلين، وما ذاك إلا لأن هؤلاء لا يخالفون الأصلين. [المستدرك ١/ ١١٣ - ١١٥]

стр. 1503

(اعتبار انقراض العصر في صحة الإجماع، واللاحقون إذا صاروا مجتهدين قبل انقضاء العصر) ١٩٥٠ - مسألة: يعتبر انقراض العصر عند القاضي والمقدسي والحلواني وابن عقيل. وذكر القاضي أنه ظاهر كلام أحمد، وذكر ابن برهان أنه مذهبهم. [قال شيخنا]: فإن كان الذين صاروا مجتهدين موجودين في حال إجماع الأولين فلا أثر لذلك؛ إذ وجودهم غير مجتهدين بمنزلة عدمهم أو وجودهم كفارًا أو صبيانًا، وإن صاروا مجتهدين قبل انقراض عصر الأولين لكن لم يخالفوهم حتى انقرض عصرهم فهذا الخلاف مسبوق بالإجماع المتقدم؛ لأن المجتهد اللاحق لا يعتبر انقراض عصره في صحة الإجماع الأول بلا تردد إذا وافق أو سكت: - أما إذا وافق فلا ريب، إذ لو اعتبر ذلك لما استمر إجماع. - وأما إذا سكت فكذلك أيضًا إذا منعناه أن يخالف. وإن سوغ له أن يخالف ولم يخالف: فالإجماع قد تم بشروطه؛ فإن المجمعين انقرض عصرهم من غير خلاف. والضابط: أن اللاحق: أ- إما أن يتأهل قبل الانقراض. ب- أو بعده. وعلى الأول: فإما أن يوافق أو يخالف، أو يسكت. [قال شيخنا]: سر المسألة: أن المدرِك لا يعتبر وفاته (١)؛ بل يعتبر عدم خلافه إذا قلنا به. قال القاضي: انقراض العصر معتبر في صحة الإجماع واستقراره، فإذا

стр. 1504

أجمعت الصحابة على حكم من الأحكام ثم رجع بعضهم أو جميعهم: انحل الإجماع. وإن أدرك بعض التابعين عصرهم وهو من أهل الاجتهاد: اعتد بخلافه إذا قلنا: إنه يعتد بخلافه معهم، وهذا ظاهر كلام أحمد في رواية عبد الله، قال: الحجة على من زعم أنه إذا كان أمرًا مجمعًا عليه ثم افترقوا أنا نقف على ما أجمعوا عليه حتى يكون إجماعًا، إنَّ أم الولد كان حكمها حكم الأَمَة بإجماع، ثم أعتقهن عمر، وخالفه علي بعد موته، فرأى أن تسترق، فكان الإجماع في الأصل أنها أَمَة. وحد الخمر ضرب أبو بكر أربعين ثم ضرب عمر ثمانين وضرب علي في خلافة عثمان أربعين، وقال: ضرب أبو بكر أربعين وكملها عمر ثمانين، وكلٌّ سُنَّة، فالحجة عليه في الإجماع في الضرب أربعين ثم عمر خالفه فزاد أربعين ثم ضرب علي أربعين، قال: وظاهر هذا اعتبار انقراض العصر؛ لأنه اعتد بخلاف علي بعد عمر في أم الولد، وكذا اعتد بخلاف عمر بعد أبي بكر في حد الخمر. [المستدرك ٢/ ١١٦ - ١٢٠] * * * (إذا اختلف الصحابة على قولين، ثم أجمع التابعون على أحدهما: هل يرتفع الخلاف ؟) ١٩٥١ - قال القاضي: إذا اختلف الصحابة على قولين ثم أجمع التابعون على أحدهما: لم يرتفع الخلاف، وجاز الرجوع إلى القول الآخر والأخذ به، وهو ظاهر كلام أحمد في رواية يوسف بن موسى، قال: ما اختلف فيه علي وزيد: يُنظر أشبهه بالكتاب والسُّنَّة. شيخنا: وكذلك نقل المروذي عنه: إذا اختلف الصحابة ينظر إلى أقرب القولين إلى الكتاب والسُّنَّة.

стр. 1505

قال: وظاهر هذا أنه رجع في ذلك إلى موافقة الدليل، ولم يرجع إلى إجماع التابعين على أحدِ القولين. [المستدرك ٢/ ١٢١] * * * (إذا قيل: إن قول الصحابي حجة، فهل يجوز أن يجمع التابعون على خلافه ؟) ١٩٥٢ - إذا قلنا: "هو حجة" فهل يجوز أن يجمع التابعون على خلافه؟ قال عبد الوهاب المالكي: يجوز، ويتبين بذلك أنه كان هناك قول صحابي آخر بخلافه، كما يجوز الإجماع على مخالفة خبر، ويدل الإجماع على أنه منسوخ بخبر، أو بآية، أو أن المراد خلاف ظاهره، وحينئذٍ فيجب العمل بالإجماع. وظاهر كلام أحمد أن ذلك لا يجوز، أو أنه لو وقع لم يمنع كون قول الصحابي حجة، وهذا مبني على أن إجماع التابعين على أحد قولي الصحابة لا يوجب أن يكون هو الصواب؛ لأنهم بعض من تكلم في تلك المسألة من الأَمَة. [المستدرك ٢/ ١٢٤] * * * (إذا قال بعض الصحابة وانتشر وسكتوا عن مخالفته حتى انقضى العصر) ١٩٥٣ - مسألة: إذا قال بعض الصحابة، وانتشر في الباقي، وسكتوا ولم يظهر خلافه فهو إجماع، يجب العمل به عندنا. قال شيخنا: إذا سكتوا عن مخالفته حتى انقرض العصر، هكذا قيَّده القاضي، قال في المجرد: هو حجة ودليل مقطوع عليه يجب اتباعه وتحرم مخالفته، وهو إجماع. [المستدرك ٢/ ١٢٥] * * *

стр. 1506

(إذا قال صحابي قولًا ولم ينقل عن صحابي خلافه وهو مما يجري بمثله القياس والاجتهاد فهو حجة. طريقة أحمد في جواباته وأعماله) ١٩٥٤ - مسألة: إذا قال الصحابي قولًا ولم ينقل عن صحابي خلافه، وهو مما يجري بمثله القياس والاجتهاد: فهو حجة، نصَّ عليه أحمد في مواضع، وقدَّمه على القياس، واختاره أبو بكر في التنبيه. قال شيخنا: قال أبو داود: قال أحمد بن حنبل: ما أجبت في مسألة إلا بحديث عن رسول الله ﷺ إذا وجدت في ذلك السبيل إليه، أو عن الصحابة أو عن التابعين، فإذا وجدت عن رسول الله ﷺ لم أعدل إلى غيره، فإذا لم أجد عن رسول الله ﷺ فعن الخلفاء الأربعة الراشدين المهديين، فإذا لم أجد عن الخلفاء فعن أصحاب رسول الله ﷺ الأكابر فالأكابر من أصحاب رسول الله ﷺ ، فإذا لم أجد فعن التابعين وعن تابعي التابعين. وما بلغني عن رسول الله ﷺ حديث يعمل له ثواب إلا عملت به رجاء ذلك الثواب ولو مرة واحدة. وقال الشافعي في "الرسالة العتيقة" بعد أن ذكر فصلًا في اتباع الصحابة للسُّنَّة: ومن أدركنا ممن يُرضى، أو حكي لنا عنه ببلدنا صاروا فيما لم يعلموا لرسول ﷺ فيه سُنَّة: إلى قولهم إنْ أجمعوا، وقولِ بعضهم إن تفرقوا، بهذا نقول، ولم نخرج من أقاويلهم. وإن قال واحد منهم ولم يخالفه غيره: أخذنا بقوله؛ فإنهم فوقنا في كل علم (١) واجتهاد. وقال في رواية يونس: لا يقال للأصل: لم ولا كيف؟ [المستدرك ٢/ ١٢٥ - ١٢٦] * * *

стр. 1507

(إذا قال الصحابي قولًا لا يهتدي إليه قياس فهل يعمل به وإن خالفه صحابي آخر ؟) ١٩٥٥ - مسألة: فإذا قال الصحابي قولًا لا يهتدي إليه قياس: فإنه يجب العمل به، ويجعل في حكم التوقيف المرفوع، بحيث يعمل به وإن خالفه قول صحابي آخر، نصَّ عليه في مواضع، وبه قالت الحنفية. وقالت الشافعية: لا يحمل على التوقيف؛ بل حكمه حكم مجتهد فيه. قال شيخنا: وقد يقال: الأمر محتمل. [المستدرك ٢/ ١٢٦ - ١٢٧] * * * (ما يعتبر مذهبًا للإمام أحمد) ١٩٥٦ - قال ابن حمدان: إذا نقل عن الإمام أحمد في مسألة قولان صريحان مختلفان في وقتين وتعذر الجمع بينهما، فإن علم التاريخ فالثاني مذهبه. وقيل: والأول إن جهل رجوعه عنه. وقيل: أو علم. [المستدرك ٢/ ٢٤١] ١٩٥٧ - إن جهل التأريخ: فمذهبه أقربهما من كتاب أو سُنَّة أو إجماع أو أثر أو قواعد الإمام أو عوائده أو مقاصده أو أدلته. [المستدرك ٢/ ٢٤٢] ١٩٥٨ - ما انفرد به بعض الرواة عن الإمام وقوي دليله: فهو مذهبه. ويخص كلامه بخاصة في مسألة واحدة. وما أجاب عنه بكتاب أو سُنَّة أو إجماع أو قول بعض الصحابة: فهو مذهبه؛ لأن قول أحدهم عنده حجة على الأصح. وما رواه من سُنَّة أو أثر وصححه أو حسَّنه أو رضي بسنده أو دونه في كتبه ولم يردَّه ولم يفت بخلافه: فهو مذهبه.

стр. 1508

فإن أفتى بحكم فاعترض عليه فسكت: فليس رجوعًا. وإن ذكر عن الصحابة في مسألة قولين: فمذهبه أقربهما من كتاب أو سُنَّة أو إجماع، سواء عللهما أو لا، إذا لم يرجح أحدهما ولم يختره أو يحسنه. وإن ذكر اختلاف الناس وحسن بعضه: فهو مذهبه إن سكت عن غيره. وإن سئل مرة فذكر الاختلاف ثم سئل مرة ثانية فتوقف ثم ثالثة فأفتى فيها: فالذي أفتى به مذهبه. وإن أجاب بقوله: "قال فلان كذا" يعني بعض العلماء: فوجهان. وإن قال: "يفعل السائل كذا احتياطًا": فهو واجب وقيل: بل مندوب. وإن نصَّ على حكم مسألة ثم قال: "ولو قال قائل أو ذهب ذاهب إلى كذا -يعني: حكمًا بخلاف ما نص عليه- كان مذهبًا" لم يكن مذهبًا للإمام أيضًا. وهل يجعل فعله أو مفهوم كلامه مذهبًا له؛ على وجهين، فإن جعلنا المفهوم مذهبًا له فنص في مسألة على خلافه بطل المفهوم. فصل الروايات المطلقة نصوص للإمام أحمد، وكذا قولنا: "وعنه"، وأما التنبيهات بلفظه فقولنا: "أومأ إليه أحمد" أو أشار إليه أو دل كلامه عليه أو توقف فيه". وأما الأوجه: فاقوال الأصحاب وتخريجهم إن كانت مأخوذة من قواعد الإمام أحمد، أو إيمائه، أو دليله، أو تعليله، أو سياق كلامه وقوته. وإن كانت مأخوذة من نصوص الإمام أو مخرجة منها: فهي روايات مخرجة له، أو منقولة من نصوصه إلى ما يشبهها من المسائل إن قلنا: "ما قيس على كلامه مذهبًا له".

стр. 1509

وإن قلنا لا: فهي أوجه لمن خرجها وقاسها. فمن قال من الأصحاب هنا: "هذه المسألة رواية واحدة" أراد نصه. ومن قال: "فيها روايتان" فإحداهما بنص والأخرى بإيماء أو تخريج من نص آخر له أو بنص جهله منكره. ومن قال: "فيها وجهان" أراد عدم نصه عليهما، سواء جهل مستنده أم لا، ولم يجعله مذهبًا لأحمد، فلا يعمل إلا بأصح الوجهين وأرجحهما. وأما "القولان هنا" فقد يكون الإمام نصَّ عليهما. أو نص على أحدهما وأومأ إلى الآخر، وقد يكون مع أحدهما وجه أو تخريج أو احتمال بخلافه. وأما "الاحتمال" فقد يكون لدليل مرجوح بالنسبة إلى ما خالفه، أو لدليل مساو له. وأما "التخريج" فهو نقل حكم مسألة إلى ما يشبهها والتسوية بينهما فيه. وأما "الوقف" فهو ترك الأخذ بالأول والثاني، والنفي والإثبات إن لم يكن فيها قول لتعارض الأدلة وتعادلها عنده، فله حكم ما قبل الشرع من حظر أو إباحة أو وقف. [المستدرك ٢/ ٢٤٣ - ٢٤٦] ١٩٥٩ - مذهبه: ما قاله بدليل ومات قائلًا به. وفيما قاله قبله بدليل يخالفه ثلاثة أوجه: النفي، والإثبات، والثالث: إن رجع عنه وإلا فهو مذهبه. [المستدرك ٢/ ٢٤٧] ١٩٦٠ - قوله: "لا يصلح" أو "لا ينبغي": للتحريم. و"لا بأس" و"أرجو أن لا بأس": للإباحة. و"أخشى" أو "أخاف أن يكون" أو "لا يكون": ظاهر في المنع، وقيل: بالوقف.

стр. 1510

وقوله: "أحب كذا" أو "استحبه" أو "استحسنه" أو "هو أحسن" أو "حسن" أو "يعجبني" أو "هو أعجب إلي": للندب، وقيل: للوجوب. وقوله: "أكره كذا" أو "لا يعجبني" اْو "لا أحبه" أو "لا أستحسنه": للتنزيه والكراهة، وقيل: للتحريم. وإن قال: "أستقبحه" أو "هو قبيح" أو قال: "لا أراه": فهو حرام. وإن قال: "هذا حرام" ثم قال: "أكرهه" أو "لا يعجبني" فحرام، وقيل: بل مكروه. [المستدرك ٢/ ٢٤٧ - ٢٤٨] * * * (ما يعتبر مذهبًا للشافعي) ١٩٦١ - في قول الشافعي ﵁: إذا وجدتم في كتابي خلاف سُنَّة رسول الله ﷺ فقولوا بسُنَّة رسول الله ﷺ ودعوا ما قلته. قال أبو عمرو ابن الصلاح: عمل بذلك كثير من أئمة أصحابنا، فكان من ظفر منهم بمسألة فيها حديث ومذهب الشافعي خلافه عمل بالحديث، وأفتى به قائلًا: مذهب الشافعي ما وافق الحديث، ولم يتفق ذلك إلا نادرًا، ومنه ما نقل عنه قول موافق. [المستدرك ٢/ ٢٤٨] * * * (إذا عقد بعض الخلفاء الأربعة عقدًا) ١٩٦٢ - مسألة: إذا عقد بعض الخلفاء الأربعة عقدًا لم يجز لمن بعده من الخلفاء فسخه ولا نقضه، نحو ما عقد عمر من صلح بني تغلب، ومن خراج السواد والجزية وما جرى مجراه. وقال ابن عقيل: يجوز القول بأن لمن بعده من الخلفاء أن يغيره ويعمل فيه باجتهاده؛ لأن المصالح تختلف باختلاف الأزمنة.
следующие страницы →