(إذا قال صحابي قولًا ولم ينقل عن صحابي خلافه وهو مما يجري بمثله القياس والاجتهاد فهو حجة. طريقة أحمد في جواباته وأعماله)
١٩٥٤ - مسألة: إذا قال الصحابي قولًا ولم ينقل عن صحابي خلافه، وهو مما يجري بمثله القياس والاجتهاد: فهو حجة، نصَّ عليه أحمد في مواضع، وقدَّمه على القياس، واختاره أبو بكر في التنبيه.
قال شيخنا: قال أبو داود: قال أحمد بن حنبل: ما أجبت في مسألة إلا بحديث عن رسول الله ﷺ إذا وجدت في ذلك السبيل إليه، أو عن الصحابة أو عن التابعين، فإذا وجدت عن رسول الله ﷺ لم أعدل إلى غيره، فإذا لم أجد عن رسول الله ﷺ فعن الخلفاء الأربعة الراشدين المهديين، فإذا لم أجد عن الخلفاء فعن أصحاب رسول الله ﷺ الأكابر فالأكابر من أصحاب رسول الله ﷺ ، فإذا لم أجد فعن التابعين وعن تابعي التابعين.
وما بلغني عن رسول الله ﷺ حديث يعمل له ثواب إلا عملت به رجاء ذلك الثواب ولو مرة واحدة.
وقال الشافعي في "الرسالة العتيقة" بعد أن ذكر فصلًا في اتباع الصحابة للسُّنَّة: ومن أدركنا ممن يُرضى، أو حكي لنا عنه ببلدنا صاروا فيما لم يعلموا لرسول ﷺ فيه سُنَّة: إلى قولهم إنْ أجمعوا، وقولِ بعضهم إن تفرقوا، بهذا نقول، ولم نخرج من أقاويلهم.
وإن قال واحد منهم ولم يخالفه غيره: أخذنا بقوله؛ فإنهم فوقنا في كل علم (١) واجتهاد.
وقال في رواية يونس: لا يقال للأصل: لم ولا كيف؟ [المستدرك ٢/ ١٢٥ - ١٢٦]
* * *
стр. 1507
(إذا قال الصحابي قولًا لا يهتدي إليه قياس فهل يعمل به وإن خالفه صحابي آخر ؟)
١٩٥٥ - مسألة: فإذا قال الصحابي قولًا لا يهتدي إليه قياس: فإنه يجب العمل به، ويجعل في حكم التوقيف المرفوع، بحيث يعمل به وإن خالفه قول صحابي آخر، نصَّ عليه في مواضع، وبه قالت الحنفية.
وقالت الشافعية: لا يحمل على التوقيف؛ بل حكمه حكم مجتهد فيه.
قال شيخنا: وقد يقال: الأمر محتمل. [المستدرك ٢/ ١٢٦ - ١٢٧]
* * *
(ما يعتبر مذهبًا للإمام أحمد)
١٩٥٦ - قال ابن حمدان: إذا نقل عن الإمام أحمد في مسألة قولان صريحان مختلفان في وقتين وتعذر الجمع بينهما، فإن علم التاريخ فالثاني مذهبه.
وقيل: والأول إن جهل رجوعه عنه.
وقيل: أو علم. [المستدرك ٢/ ٢٤١]
١٩٥٧ - إن جهل التأريخ: فمذهبه أقربهما من كتاب أو سُنَّة أو إجماع أو أثر أو قواعد الإمام أو عوائده أو مقاصده أو أدلته. [المستدرك ٢/ ٢٤٢]
١٩٥٨ - ما انفرد به بعض الرواة عن الإمام وقوي دليله: فهو مذهبه.
ويخص كلامه بخاصة في مسألة واحدة.
وما أجاب عنه بكتاب أو سُنَّة أو إجماع أو قول بعض الصحابة: فهو مذهبه؛ لأن قول أحدهم عنده حجة على الأصح.
وما رواه من سُنَّة أو أثر وصححه أو حسَّنه أو رضي بسنده أو دونه في كتبه ولم يردَّه ولم يفت بخلافه: فهو مذهبه.
стр. 1508
فإن أفتى بحكم فاعترض عليه فسكت: فليس رجوعًا.
وإن ذكر عن الصحابة في مسألة قولين: فمذهبه أقربهما من كتاب أو سُنَّة أو إجماع، سواء عللهما أو لا، إذا لم يرجح أحدهما ولم يختره أو يحسنه.
وإن ذكر اختلاف الناس وحسن بعضه: فهو مذهبه إن سكت عن غيره.
وإن سئل مرة فذكر الاختلاف ثم سئل مرة ثانية فتوقف ثم ثالثة فأفتى فيها: فالذي أفتى به مذهبه.
وإن أجاب بقوله: "قال فلان كذا" يعني بعض العلماء: فوجهان.
وإن قال: "يفعل السائل كذا احتياطًا": فهو واجب وقيل: بل مندوب.
وإن نصَّ على حكم مسألة ثم قال: "ولو قال قائل أو ذهب ذاهب إلى كذا -يعني: حكمًا بخلاف ما نص عليه- كان مذهبًا" لم يكن مذهبًا للإمام أيضًا.
وهل يجعل فعله أو مفهوم كلامه مذهبًا له؛ على وجهين، فإن جعلنا المفهوم مذهبًا له فنص في مسألة على خلافه بطل المفهوم.
فصل
الروايات المطلقة نصوص للإمام أحمد، وكذا قولنا: "وعنه"،
وأما التنبيهات بلفظه فقولنا: "أومأ إليه أحمد" أو أشار إليه أو دل كلامه عليه أو توقف فيه".
وأما الأوجه: فاقوال الأصحاب وتخريجهم إن كانت مأخوذة من قواعد الإمام أحمد، أو إيمائه، أو دليله، أو تعليله، أو سياق كلامه وقوته.
وإن كانت مأخوذة من نصوص الإمام أو مخرجة منها: فهي روايات مخرجة له، أو منقولة من نصوصه إلى ما يشبهها من المسائل إن قلنا: "ما قيس على كلامه مذهبًا له".
стр. 1509
وإن قلنا لا: فهي أوجه لمن خرجها وقاسها.
فمن قال من الأصحاب هنا: "هذه المسألة رواية واحدة" أراد نصه.
ومن قال: "فيها روايتان" فإحداهما بنص والأخرى بإيماء أو تخريج من نص آخر له أو بنص جهله منكره.
ومن قال: "فيها وجهان" أراد عدم نصه عليهما، سواء جهل مستنده أم لا، ولم يجعله مذهبًا لأحمد، فلا يعمل إلا بأصح الوجهين وأرجحهما.
وأما "القولان هنا" فقد يكون الإمام نصَّ عليهما. أو نص على أحدهما وأومأ إلى الآخر، وقد يكون مع أحدهما وجه أو تخريج أو احتمال بخلافه.
وأما "الاحتمال" فقد يكون لدليل مرجوح بالنسبة إلى ما خالفه، أو لدليل مساو له.
وأما "التخريج" فهو نقل حكم مسألة إلى ما يشبهها والتسوية بينهما فيه.
وأما "الوقف" فهو ترك الأخذ بالأول والثاني، والنفي والإثبات إن لم يكن فيها قول لتعارض الأدلة وتعادلها عنده، فله حكم ما قبل الشرع من حظر أو إباحة أو وقف. [المستدرك ٢/ ٢٤٣ - ٢٤٦]
١٩٥٩ - مذهبه: ما قاله بدليل ومات قائلًا به.
وفيما قاله قبله بدليل يخالفه ثلاثة أوجه: النفي، والإثبات، والثالث: إن رجع عنه وإلا فهو مذهبه. [المستدرك ٢/ ٢٤٧]
١٩٦٠ - قوله: "لا يصلح" أو "لا ينبغي": للتحريم.
و"لا بأس" و"أرجو أن لا بأس": للإباحة.
و"أخشى" أو "أخاف أن يكون" أو "لا يكون": ظاهر في المنع، وقيل: بالوقف.
стр. 1510
وقوله: "أحب كذا" أو "استحبه" أو "استحسنه" أو "هو أحسن" أو "حسن" أو "يعجبني" أو "هو أعجب إلي": للندب، وقيل: للوجوب.
وقوله: "أكره كذا" أو "لا يعجبني" اْو "لا أحبه" أو "لا أستحسنه": للتنزيه والكراهة، وقيل: للتحريم.
وإن قال: "أستقبحه" أو "هو قبيح" أو قال: "لا أراه": فهو حرام.
وإن قال: "هذا حرام" ثم قال: "أكرهه" أو "لا يعجبني" فحرام، وقيل: بل مكروه. [المستدرك ٢/ ٢٤٧ - ٢٤٨]
* * *
(ما يعتبر مذهبًا للشافعي)
١٩٦١ - في قول الشافعي ﵁: إذا وجدتم في كتابي خلاف سُنَّة رسول الله ﷺ فقولوا بسُنَّة رسول الله ﷺ ودعوا ما قلته.
قال أبو عمرو ابن الصلاح: عمل بذلك كثير من أئمة أصحابنا، فكان من ظفر منهم بمسألة فيها حديث ومذهب الشافعي خلافه عمل بالحديث، وأفتى به قائلًا: مذهب الشافعي ما وافق الحديث، ولم يتفق ذلك إلا نادرًا، ومنه ما نقل عنه قول موافق. [المستدرك ٢/ ٢٤٨]
* * *
(إذا عقد بعض الخلفاء الأربعة عقدًا)
١٩٦٢ - مسألة: إذا عقد بعض الخلفاء الأربعة عقدًا لم يجز لمن بعده من الخلفاء فسخه ولا نقضه، نحو ما عقد عمر من صلح بني تغلب، ومن خراج السواد والجزية وما جرى مجراه.
وقال ابن عقيل: يجوز القول بأن لمن بعده من الخلفاء أن يغيره ويعمل فيه باجتهاده؛ لأن المصالح تختلف باختلاف الأزمنة.
стр. 1511
قال شيخنا: هذا مثل تغيير ما ضربه من الجزية والخراج، وفيه خلاف مشهور في المذهب. [المستدرك ٢/ ١٢٧ - ١٢٨]
* * *
(إذا اختلف الصحابة بعد موت النبي وكان أحدهما أقرب من رسول الله)
١٩٦٣ - إذا اختلف الصحابة بعد موت النبي ﷺ وكان أحدهما أقرب من رسول الله ﷺ أو أميرًا له على سرية أو قاضيًا أو رسولًا له لم يوجب ذلك رجحان قوله، ذكره ابن عقيل محل وفاق. [المستدرك ٢/ ١٢٨]
* * *
(هل يجوز إثبات الإجماع بخبر الواحد)
١٩٦٤ - مسألة: يجوز إثبات الإجماع بخبر الواحد، قال ابن عقيل: وهو قول أكثر الفقهاء، ذكرها في أواخر كتابه، قال أبو سفيان: وهو مذهب شيوخنا.
قال: وقال بعض شيوخنا: لا يجوز.
قال شيخنا: تكلم على ذلك ابن عقيل بكلام ذكره، فقال: هذا على ما يقع لي خلاف في عبارة وتحتها اتفاق؛ فإن خبر الواحد لا يعطي علمًا، ولكن يفيد ظنًّا، ونحن إذا قلنا: إنه يثبت به الإجماع فلسنا قاطعين بالإجماع، ولا بحصوله بخبر الواحد؛ بل هو بمنزلة ثبوت قول النبي ﷺ ، والمنازع قال: "الإجماع دليل قطعي" وخبر الواحد دليل ظني، فلا يثبت قطعيًّا. [المستدرك ٢/ ١٢٨ - ١٢٩]
* * *
стр. 1512
(نبينا لم يكن على دين قومه؛ لكن هل كان متعبّدًا بشيء من الشرائع قبله ؟)
١٩٦٥ - مسألة: نبيُّنا محمد ﷺ لم يكن على دين قومه نص عليه؛ بل كان متعبدًا بما صح عنده من شريعة إبراهيم، ذكره ابن عقيل، قال: وبه قال أصحاب الشافعي.
وقال قوم بالوقف، وأنه يجوز ذلك، ويجوز أنه لم يكن متعبّدًا بشيء أصلًا.
ورأينا اختاره الجويني وابن الباقلاني وأبو الخطاب، وبه قال الحنفية فيما حكاه السرخسي: أنه لم يكن متعبّدًا بشيء من الشرائع، وإنما صار بعد البعثة شرعُ مَن قبله شرعٌ له.
قال شيخنا: قلت: وهذا مأخذ جيد. [المستدرك ٢/ ١٢٩]
* * *
стр. 1513
الاستحسان
(الاستحسان وتخصيص العلة، وموضع الاستحسان هل يقاس عليه، وما يقال إنه مخالف للقياس وليس كذلك)
١٩٦٦ - مسألة: "الاستحسان" كان أبو حنيفة وأصحابه يقولون به، وأنكره الشافعي عليهم.
قال القاضي عبد الوهاب المالكي: ليس بمنصوص عن مالك، إلا أن كتب أصحابنا مملوءة من ذكره والقول به، ونص عليه أبو القاسم وأشهب وغيرهما، وفسره الحلواني بأوجه.
ويحتمل عندي أن يكون الاستحسان:
أ- ترك القياس الجلي وغيره لدليلِ نصٍّ من خبرِ واحدٍ أو غيره.
ب- أو ترك القياس لقول الصحابي فيما لا يجري فيه القياس كما تقدم.
فإن الحنفية وافقونا في أن الصحابي إذا قال قولًا لا يهتدي إلى القياس حُمل على أنه قاله توقيفًا، والشافعية خالفونا في ذلك، وكذا الحنفية وافقونا في الاستحسان، والشافعية خالفونا، وهذا وجه حسن إن شاء الله.
[قال شيخنا]: وقد أطلق أحمد القول بالاستحسان في مواضع، قال في رواية الميموني: أستحسن أن يتيمم لكل صلاة، والقياس أنه بمنزلة الماء يصلي به حتى يحدث أو يجد الماء.
وقال في رواية بكر بن محمد فيمن غصب أرضى فزرعها: الزرع لربِّ
стр. 1514
الأرض، وعليه (١) النفقة، وهذا شيء لا يوافق القياس، لكن أستحسن أن يدفع إليه النفقة.
وبه قال أصحاب أبي حنيفة، وكتب مالك مشحونة بالاستحسان، وكذلك قال الشافعي: أستحسن في المتعة قدر ثلاثين درهمًا.
وقد أنكر الشافعي وأصحابه القول بالاستحسان.
قال أبو الخطاب: والذي يقتضيه كلام أصحابنا أن يكون "حد الاستحسان": العدول عن موجب القياس إلى دليل هو أقوى منه.
قال: وحَدَّه شيخنا بأنه ترك الحكم إلى حكم هو أولى منه. قال: وليس بشيء؛ لأن الأحكام لا يقال بعضها أولى من بعض ولا بعضها أقوى من بعض وإنما القوة للأدلة.
وحَدَّه بعضهم بأنه ترك القياس إلى قياس أقوى منه، قال: وهذا باطل فإنهم إذا تركوا القياس لنصِّ أو تنبيه كان استحسانًا.
وحَدَّه بعضهم بأنه ترك طريقة الحكم على طريقة أخرى أولى منها لولاها لوجب البنيان على الأولى.
وحَدَّه الكرخي بأنه العدول عن أن يحكم في المسألة بمثل ما حكم في نظائرها لوجه هو أقوى من الأول.
قال: وهذا معنى الذي قبله، ويلزم عليه أن يكون العدول عن العموم إلى التخصيص استحسانًا، والعدول عن العموم إلى الخصوص استحسانًا. [المستدرك ٢/ ١٣٤ - ١٣٦]
* * *
стр. 1515
(رسالة في الاستحسان)
١٩٦٧ - أما الاستحسان فالمشهور من معانيه أنه مخالفة القياس لدليل، وقد يراد به غير ذلك.
والعلماء في لفظه ومعناه المذكور على ثلاثة أقوال:
منهم: من ينكر هذا اللفظ مطلقًا، وهم نفاة القياس كداود وأصحابه وكثير من أهل الكلام من المعتزلة والشيعة وغيرهم، فليس عندهم في أدلة الشرع لا قياس ولا استحسان.
ومنهم: من يقر به بهذا المعنى ويُجَوِّز مخالفة القياس للاستحسان ويعمل بالقياس فيما عدا صورة الاستحسان، وهذا هو الصواب عن أبي حنفية وأصحابه.
ومنهم: من ذم الاستحسان تارة وقال به تارة كالشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهم.
وفي كتب مالك وأصحابه ذكر لفظ الاستحسان في مواضع.
والشافعي قال: من استحسن فقد شرع، وتكلم في إبطال الاستحسان وبسط القول في ذلك، وكان من أعظم الأئمة إنكارًا له، وهو الذي عليه أصحابه في أصول الفقه، ومع هذا فقد قال بلفظ الاستحسان، كما قال: أستحسن أن تكون المتعة ثلاثين درهمًا، ولهذا يُحكى للشافعي من الاستحسان قولهم: قديم، وجديد.
وكذلك أحمد بن حنبل نقل عنه أبو طالب أنه قال: أصحاب أبي حنيفة إذا قالوا شيئًا خلاف القياس قالوا: نستحسن هذا وندع القياس، فيدعون الذي (١) يزعمون أنه الحق بالاستحسان، قال: وأنا أذهب إلى كل حديث جاء ولا أقيس عليه.
стр. 1516
قلت: مراد أحمد أني أستعمل النصوص كلها ولا أقيس على أحد النصين قياسًا يعارض النص الآخر كما يفعل من ذكره حيث قاسوا على أحد النصين، ثم يثبتون الاستحسان إما بالنص أو غيره، والقياس عندهم من جنس العلة الصحيحة، فينقضون العلة التي يدَّعون صحتها بمجمل أو قياس معارض.
وهذا من أحمد يبين أنه يوجب طرد العلة الصحيحة، وأن انتقاضها بمساويها من مخالف يوجب فسادها؛ ولهذا قال: لا أقيس على أحد النصين قياسًا ينقضه النص الآخر، فإن ذلك يدل على فساد القياس. وهو يستعمل مثل هذا في مواضع مثل حديث أم سلمة عن النبي ﷺ : "إذا أراد أحدكم أن يضحي ودخل العشر فلا يأخذ من شعره ولا من بشرته شيئا" (١) مع حديث عائشة: "كنت أفتل قلائد هدي رسول الله ﷺ ثم يبعث به وهو مقيم لا يحرم عليه شيء مما يحرم على المحرم" (٢). والناس في هذا على ثلاثة أقوال:
منهم: من سوَّى بين الهدي والأضحية في المنع ويقول: إذا أرسل المحرم هديًا لم يحل حتى ينحر كما يروى عن ابن عباس وغيره.
ومنهم: من سوَّى بينهما في الإذن ويقول: بل المضحي لا يمنع عن شيء كما لا يمنع المهدي؛ فيقيسون على أحد النصين ما يعارض الآخر (٣).
стр. 1517
وفقهاء الحديث: كيحيى بن سعيد والشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهم عملوا بالنصين ولم يقيسوا أحدهما على الآخر، كما أن الله لما أحل البيع وحرم الربا لم يقس المسلمون أحدهما على الآخر، وإنما هذا قياس المشركين، وكذلك لما أحل الله الذكي وحرم الميتة لم يقيسوا أحدهما على الآخر؛ بل هذا قياس المشركين.
وقد قال أحمد بالاستحسان في مواضع.
وقد جعل القاضي أبو يعلى المسألة على روايتين، ونصر هو وأتباعه كأبي الخطاب وابن عقيل القول بالاستحسان كقول أصحاب أبي حنيفة.
وفسّر (١) هؤلاء الاستحسان الذي يقولون به: بأنه ترك الحكم إلى حكم هو أولى (٢) منه.
وقيل: هو أولى القياسين.
قالوا -وهذا لفظ القاضي-: وأما الحجة التي يرجع إليها في الاستحسان فهي الكتاب تارة، والسُّنَّة أخرى، والإجماع ثالثة.
قال: ومما قلنا فيه بالاستحسان للسُّنَّة: فيمن غصب أرضي وزرعها فالزرع لذي الأرض وعلى صاحب الأرض النفقة لصاحب الزرع، لحديث رافع بن خديج عن النبي ﷺ : "من زرع في أرض قوم فالزرع لربِّ الأرض وله نفقته" (٣) وقال: كان القياس أن يكون الزرع لزارعه.
стр. 1518
قال: ومما قلنا فيه بذلك للإجماع: جواز سلم الدراهم والدنانير في الموزونات (١)، وكان القياس ألا يجوز ذلك لوجود العلة وهي الوزن إلا أنهم استحسنوا فيه للإجماع.
ولهذا؛ فسر غير واحد الاستحسان بتخصيص العلة، كما ذكر ذلك أبو الحسن البصري والرازي وغيرهما، وكذلك هو؛ فإن عامة الاستحسان الذي يقال فيه: إنه يخالف القياس حقيقته تخصيص العلة.
والمشهور عن أصحاب الشافعي منع تخصيص العلة، وعن أصحاب أبي حنيفة القول بتخصيصها كالمشهور عنهما في منع الاستحسان وإجازته.
ولكن في مذهب الشافعي خلاف في جواز تخصيص العلة، كما في مذهب مالك وأحمد.
ومن الناس من يحكي ذلك روايتين عن أحمد.
والتحقيق في هذا الباب: أن العلة تقال على "العلة التامة" وهي المستلزمة لمعلولها، فهذه متى انتقضت بطلت بالاتفاق، وتقال على "العلة البعضية" وتسمى السبب، ودليل العلة، ونحو ذلك، فهذه إذا انتقضت لفرق مؤثر يفرق فيه بين صورة النقض وغيرها من الصور: لم تفسد.
ثم إذا كانت صورة الفرع التي هي صورة النزاع في معنى صورة النقض ألحقت بها، وإن كانت في معنى صورة الأصل ألحقت بها.
وأما من جوَّز تخصيص العلة بمجرد دليل لا يبين الفرق بين صورة التخصيص وغيرها: فهذا مورد النزاع في الاستحسان المخالف للقياس وغيره.
ثم هذه العلة إن كانت مستنبطة وخصت بنصٍّ ولم يتبين الفرق المعنوي بين صورة التخصيص وغيرها: فهذا أضعف ما يكون.
стр. 1519
وهذا هو الذي كان ينكره كثيرًا الشافعي وأحمد وغيرهما على من يفعله من أصحاب أبي حنيفة وغيرهم.
وكلام أحمد فيما تقدم أراد به هذا؛ فإن العلة السببية لم تعلم صحتها إلا بالرأي، فإذا عارضها النص كان مبطلًا لها.
والنص إذا عارض العلة دلَّ على فسادها، كما أنه إذا عارض الحكم الثابت بالقياس دل على فساده بالإجماع.
وأما إذا كانت العلة منصوصة، وقد جاء نص بتخصيص بعض صور العلة: فهذا مما لا ينكره أحمد بل ولا الشافعي ولا غيرهما (١)، كما إذا جاء نص في صورة وجاء نص يخالفه في صورة أخرى لكن بينهما شبه لم يقم دليل على أنه مناط الحكم: فهؤلاء يقرون النصوص ولا يقيسون منصوصًا على منصوص خالف حكمه؛ بل هذا من جنس الذين قالوا: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] وهذا هو الذي قال أحمد فيه: أنا أذهب إلى كل حديث كما جاء ولا أقيس عليه؛ أي: لا أقيس عليه صورة الحديث الآخر فأجعل الأحاديث متناقضة وأدفع بعضها ببعض بل أستعملها كلها.
والذين يدفعون بعض النصوص ببعض يقولون: الصورتان سواء لا فرق بينهما فيكون أحد النصين ناسخًا للآخر.
ومثل هذا كثيرًا ما يتنازع فيه فقهاء الحديث ومن ينازعهم ممن يقيس منصوصًا على منصوص ويجعل أحد النصين منسوخًا لمخالفته قياس النص الآخر، فيمضي هذا القياس ويبقى الأمر دائرًا: هل دلَّ الشرع على التسوية بين الصورتين حتى يجعل حكمهما سواء ويجعل الحكم الوارد في إحداهما منسوخًا بالحكم المضاد له الوارد في الأخرى؟
стр. 1520
- كما يقوله مَن يجعل القرعة منسوخةً بآية الميسر.
- وأمْرَ المأمومين بأن يتبعوا الإمام فإذا كبَّر كبروا وإذا ركع ركعوا وإذا صلى جالسًا صلوا جلوسًا أجمعين: [منسوخًا بدوام قيامهم في] (١) الصلاة التي صَلَّوا بعضَها خلفَ إمام قائمِ، وباقِيهَا خلفَ إمامٍ قاعدِ.
- ويجعل حديث الأضحية والهدي أحدهما منسوخًا بالآخر.
- ويجعلون قطع جاحد العارية منسوخًا بقوله: "ليس على المختلس ولا المنتهب ولا الخائن قطع".
- ويجعلون العقوبة المالية منسوخة بالنهي عن إضاعة المال.
- ويجعلون تضعيف الغرم على من درئ عنه القطع منسوخًا بقوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠].
- ويجعل بعضهم ما شرطه النبي ﷺ بينه وبين المشركين من الهدنة منسوخًا بقوله: "من اثشرط شرطًا ليس في كتاب الله فهو باطل" (٢).
وكثيرًا مما يدَّعونه من الناسخ: لا يعلمون أنه بعد المنسوخ.
فهذا ونحوه من دفع النصوص الصحيحة الصريحة بلفظ مجمل أو قياس هو مما ينكره أحمد وغيره.
وكان أحمد يقول: أكثر ما يخطئ الناس من جهة التأويل والقياس.
وقال: ينبغي للمتكلم في الفقه أن يجتنب هذين الأصلين: المجمل والقياس.
стр. 1521
ومراده: أنه لا يعارض بهما ما يثبت بنصٍّ خاص، ولا يعمل بمجردهما قبل النظر في النصوص والأدلة الخاصة المفسرة.
وكلامه وكلام غيره من الأئمة كالشافعي وغيره من المجمل لا يريدون بالمجمل:
- ما لا يُفهم معناه كما يظنه بعض الناس.
- ولا ما لا يستقل بالدلالة.
فإن هذا لا يجوز الاحتجاج به.
قال: وأما إذا جاء نصَّان بحكمين مختلفين في صورتين وثم صور مسكوت عنها فهل يقال القياس هو مقتضى أحد النصين فما سكت عنه يلحق به وإن لم يعلم المعنى الفارق بينه وبين الآخر؟: فهذا هو الاستحسان الذي تنوزع فيه. فكثير من الفقهاء يقول به كأصحاب أبي حنيفة وكثير من أصحاب أحمد وغيره.
وهذا نظير أخذ أحمد بالنصوص الواردة في سجود السهو، فما كان منها قبل السلام أخذ به، وما كان بعد السلام أخذ به، وما لم يجئ فيه نص ألحقه بما قبل السلام؛ لأنه القياس عنده.
وتحقيق هذا كما مر أنه:
أ- إما أن يعلم استواء الصورتين في الصفات المؤثرة في الشرع.
ب- وإما أن يعلم افتراقهما.
ت- وإما أن لا يعلم واحد منهما.
فالأول: متى ثبت الحكم في بعض الصور دون بعض علم أن العلة باطلة.
وهذا مثل دعوى من يدعي أن الواجب النفقة بين الإيلاد أو بين الرحم
стр. 1522
المحرمة، أو مطلق الإرث بفرض أو تعصيب؛ ويقول: إذا اجتمع الجد والجدة كانت النفقة عليهما؛ فإنه لما ثبت بالنص والإجماع أنه إذا اجتمع الأبوان كانت النفقة على الأب علم أن العصبة في ذلك يقدم على غيره إذا كان وارثًا بفرض، وهذا إحدى الروايتين عن أحمد، وعلم أن قوله: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] هو الوارث المطلق، وهو العاصب إن كان موجودًا؛ لأن عمر جبر بني عم مَنْفُوسِ (١) على نفقته (٢).
وهذه الآية صريحة في إلحاق نفقة الصغير على الوارث العاصب، وقال بها جمهور السلف، وليس فيما خالفها حجة أصلًا، ولكن ادعى بعضهم أنها منسوخة، ونقل ذلك عن مالك.
وبعضهم قال: عليه أن لا يضار، فتركها بدون نسخ أو تأويل هو من نوع تحريف الكلم عن مواضعه لغير معارض لها أصلًا مما يعلم بطلانه كل من تدبر ذلك.
وإذا كانت الأم أقرب الناس إليه لا نفقة عليها مع الأب وهي تحوز الثلث معه: فأن لا يجب على الجدة مع الجد وهي تحوز السدس أولى وأحرى.
والقائلون بذلك يقولون: القياس يقتضي وجوب ثلثها على الأم؛ لكن ترك ذلك للنص.
فيقال: أي قياس معكم؟ إنما يكون قياسًا لو كان معهم نص يتناول هذه
стр. 1523
الصورة بلفظه أو معناه، وليس معهم ذلك، ولو كان ذلك لكان مجيء هذا النص بهذا يوجب إلحاق نظائره به فيقاس على الأب مع الأم.
فانتقاض العلة يوجب بطلانها إذا لم تختص صورة النقض بفرق معنوي قطعًا؛ فإن الشارع حكيم عادل لا يفرق بين المتماثلين، فلا تكون الصورتان متماثلتين ثم يخالف بين حكميهما؛ بل اختلاف الحكمين دليل على اختلاف الصورتين في نفس الأمر، فإن علم أنه فرق بينهما كان ذلك دليلًا على عدم استوائهما في نفس الأمر، وإن لم يعلم مجيء الفرق لم يجز أن يجمع ويسوى إلا بدليل يقتضي ذلك.
وهذا معنى قول إياس بن معاوية: قيسوا ما صلح الناس فإذا فسدوا فاستحسنوا.
فأقر مخالفة القياس إذا تغير الأمر بحصول معاند يمنع القياس.
وأحمد قال بالاستحسان لأجل الفارق بين صورة الاستحسان وغيرها، وهذا من باب تخصيص العلة للفارق المؤثر، وهذا حق، وأنكر الاستحسان إذا خصت العلة من غير فارق مؤثر؛ ولهذا قال: يدعون القياس الذي هو حق عندهم للاستحسان.
وهذا أيضًا هو الاستحسان الذي أنكره الشافعي وغيره، وهو منكر كما أنكروه؛ فإن هذا الاستحسان وما عدل عنه من القياس المخالف له يقتضي فرقًا وجمعًا بين الصورتين بلا دليل شرعي؛ بل بالرأي الذي لا يستند إلى بيان الله ورسوله وأمر الله ورسوله، فهو عندهم وضع شرع ابتداء، وقد قال الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١] وذلك أنه إذا كان القياس لم ينص الشارع على علته ولا دل لفظ الشارع على عموم المعنى فيه، ولكن رأى الرائي ذلك لمناسبة أو لمشابهة ظنها مناط الحكم، ئم خص من ذلك المعنى صورًا بنص يعارضه كان معذورًا في عمله بالنص، لكن
стр. 1524
مجيء النص بخلاف تلك العلة في بعض الصور دليل على أنها ليست علة تامة قطعًا؛ فإن العلة التامة لا تقبل الانتقاض.
وإن كان مورد الاستحسان هو أيضًا معنى ظنه مناسبًا أو مشابهًا فإنه محتاج حينئذٍ إلى أن يثبت ذلك بالأدلة الدالة على تأثير ذلك الوصف، فلا يكون قد ترك القياس إلا لقياس أقوى منه لاختصاص صورة الاستحسان بما يوجب الفرق بينها وبين غيرها، فلا يكون لنا حينئذٍ استحسانًا يخرج عن نص أو قياس.
وهذا هو الذي أنكره الشافعي وأحمد وغيرهما من الاستحسان.
وما قال به فإنما هو: عدول عن قياس لاختصاص تلك الصورة بما يوجب الفرق.
وحينئذٍ فلا يكون الاستحسان الصحيح عدولًا عن قياس صحيح، والقياس الصحيح لا يجوز العدول عنه بحال.
وهذا هو الصواب كما بسطناه في مصنف مفرد، وبيّنّا فيه أنه ليس من الشرع شيء بخلاف القياس الصحيح أصلًا.
وكلامهم في هذه المسألة يقتضي أن ما قيل فيه: إنه خالف القياس من صور الاستحسان فلا بد أن يكون قياسه فاسدًا، أو أن يكون تخصيصه بالاستحسان فاسدًا، إذا لم يكن هناك فرق مؤثر.
وهذا هو الصواب في هذا الباب.
وحقيقة هذا كله: أنه هل يثبت الحكم على خلاف القياس الصحيح في نفس الأمر؟
فمن يقول بالاستحسان من غير فارق مؤثر وتخصيص العلة من غير فارق مؤثر ويمنع القياس على المخصوص: يثبت أحكامًا على خلاف القياس الصحيح في نفس الأمر، وهذا هو الاستحسان الذي أنكره الأئمة كالشافعي وأحمد وغيرهما.
стр. 1525
فصل
وقد تدبرت عامة هذه المواضع التي يدعي من يدعي فيها من الناس أنها تثبت على خلاف القياس الصحيح، أو أن العلة الشرعية الصحيحة خصت بلا فرق شرعي من فوات شرط أو وجود مانع، أو أن الاستحسان الصحيح يكون على خلاف القياس الصحيح من غير فرق شرعي: فوجدت الأمر بخلاف ذلك كما قاله أكثر الأئمة كالشافعي وأحمد وغيرهما.
وإن كان الواحد من هؤلاء قد يتناقض أيضًا فيخص ما يجعله علة بلا فارق مؤثر، كما أنه قد يقيس بلا علة مؤثرة.
فالمقصود: ضبط أصول الفقه الكلية المطردة المنعكسة، وبيان أن الشريعة ليس فيها تناقض (١) أصلًا، والقياس الصحيح لا يكون خلافه إلا تناقضًا (٢)؛ فإن القياس الصحيح هو التسوية بين المتماثلين، والتفريق بين المختلفين، والجمع بين الأشياء التي جمع الله ورسوله بينها فيه والتفريق بينها فيما فرق الله ورسوله بينها فيه.
والقياس: هو اعتبار المعنى الجامع المشترك الذي اعتبره الشارع وجعله مناطًا للحكم، وذلك المعنى يكون لفظًا شرعيًّا عامًّا (٣) أيضًا، فيكون الحكم ثابتًا بعموم لفظ الشارع ومعناه.
وقد بيّنّا في غير هذه الموضع (٤) أنَّ الأحكام كلها ثابتة بلفظ الشارع
стр. 1526
ومعناه؛ فألفاظه تناولت جميع الأحكام، والأحكام كلها معللة بالمعاني المؤثرة، فمعانيه أيضًا متناولة لجميع الأحكام.
وإنا نبيِّن ما يذكره العلماء أنه استحسان على خلاف القياس.
فمن ذلك: ما يذكره أحمد في إحدى الروايتين عنه إذا اعتبر الاستحسان؛ فإنه ذُكر عنه روايتين (١) كما تقدم.
والقول الثالث -وهو الذي يدل عليه أكثر نصوصه-: أن الاستحسان المخالف للقياس صحيح إذا كان بينهما فرق مؤثر قد اعتبره الشارع، وليس بصحيح إذا جمع بغير دليل شرعي دعوى بغير دليل شرعي وأنه لا يجوز ترك القياس الصحيح.
أما قوله: "أستحسن أن يتيمم لكل صلاة؛ لكن القياس أنه بمنزلة الماء حتى يجد الماء أو يحدث" فهذا القياس هو الرواية الأخرى عنه، وهو مذهب أبي حنيفة وأهل الظاهر وغيرهم، وهو الصواب كما دل عليه الكتاب والسُّنَّة.
стр. 1527
وقوله: "القياس" هو قياس الشرع لفظًا ومعنى؛ فإن قول النبي ﷺ : "الصعيد الطيب طهور المسلم ولو لم يجد الماء عشر سنين" (١)، وقوله: "جعلت لي الأرض مسجدًا أو طهورًا" (٢) ونحو ذلك ألفاظ دالة على أن التراب طهور كما جعل الماء طهورًا.
وقول النبي ﷺ لعمرو بن العاص: "أصليت بأصحابك وأنت جنب؟ " (٣): استفهام، سأله أكان ذلك أو لم يكن، وليس خبرًا أنه صلى وهو جنب، فلما أخبره أنه تيمم تبيَّن أنه لم يكن جنبا، [فأقَره] (٤) النبي ﷺ ، وإلا فلو كان المراد الخبر وهو قد صلى مع الجنابة صلاة جائز لم يسأله، وإن كانت الجنابة مانعة من الصلاة مطلقًا لم يقبل عذره.
ونحن إذا قلنا: لا يجوز تخصيص بدون فارق مؤثر أفاد شيئين:
أحدهما: أنه إذا ثبت أنها علة صحيحة لم يجز تخصيصها مثل هذا الموضع.
والثاني: أنه إذا ثبت تخصيصها علم بطلانها، وهذا معنى قولنا: لا
يجتمع قياس صحيح واستحسان صحيح إلا مع الفارق المؤثر من الشرع.
وأما قوله في المضارب: إذا خالف فاشترى غير ما أمر به صاحب المال فالربح لصاحب المال ولهذا أجرة مثله إلا أن يكون الربح يحيط بأجرة مثله فيذهب، قال: وكنت أذهب إلى أن الربح لصاحب المال، ثم استحسنت.
فهذا استحسان منه رآه بفرق مؤثر، أو القياس مستنبط والاستحسان مستنبط، وهو تخصيص لعلة مستنبطة بفرق مستنبط. وأحمد لا يرد مثل هذا الاستحسان.
стр. 1528
والفرق: أن المضارِب مأمور بجعل؛ بل هو شريك في الربح وعمله له ولصاحب المال جميعًا؛ ولهذا كان للعلماء فيما يستحقه في المضاربة الفاسدة ونحو ذلك قولان: هل يستحق ربح مثله -قسط مثله من الربح- أو أجرة تكون أجرة مثله؟
والقول الأول هو الصواب قطعًا.
وهذا ينافي مذهب أحمد؛ فإن من أصله أن هذه المعاملات مشاركة لا مؤاجرة بأجرة معلومة.
والقياس عنده صحتها.
وإنما يقول أجرة المثل من يجعلها من باب الإجارة ويقول القياس يقتضي فسادها، وإنما جوز منها ما جوز للحاجة.
وقولُ أحمد: "كنتُ أذهبُ إلى أن الربحَ لصاحبِ المال، ثم استحسنتُ": رجوعٌ منه إلى هذا، وجَعْلُه الربحَ في جميع الصُّوَرِ للمالك يَقتضي أنه يُصَحح تصرف الفضولي إذا أُجيْزَ (١)، وإلّا كان البيعُ باطلًا.
والآثار المأثورة عن الصحابة والتابعين في باب البيع والنكاح والطلاق وغير ذلك تدل على أنهم كانوا يقولون بوقف العقود، لا سيما حين يتعذر استئذان المالك؛ ولهذا أحمد يقول بوقفها هنا كما في مسألة المفقود اتباعًا للصحابة في ذلك.
ولهذا ظهر ما استحسنه أحمد ورجع إليه أخيرًا؛ لأنه إذا صار (٢) بالإجازة (٣) فالمأذون له وهو لم يعمل إلا بجعل برضى المالك فلا يجوز منعه حقه، [وهذا بناء] (٤) على أنَّه إذا تصرَّف ابتداءً فالربح كله للمالك، وهو إحدى الروايتين في المسألة.
стр. 1529
وقيل: يتصدقان به، وهو رواية عن أحمد.
وقيل: هو للعامل كله كقول الشافعي.
وقيل: هما شريكان فيه، وهو أصح الأقوال، وهو المأثور عن عمر.
ومن قال: يتصدقان به: جعله كغير الماذون فيه، فيكون خبيثًا، وهو متعد؛ لأن الحق لهما لا يعدوهما، فإذا أجاز المالك التصرف جاز، وكذلك في جميع تصرفات الغاصب، لا سيما من لم يعلم أنه غاصب إذا تصرف في المغصوب فأزال اسمه كطحن الحب ونسج الثوب ونحو ذلك ففيه ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره:
قيل: كل ذلك للمالك دون الغاصب، وعليه ضمان النقص كقول الشافعي.
وقيل: ملكه الغاصب وعليه بدله كقول أبي حنيفة.
وقيل: يخير المالك بينهما كقول مالك، وهو أصح (١)، بناء على وقفِ التصرُّفاتِ (٢)، فإن شاءَ المالك أجازَ تصرُّفَه، وطَالبَه بالنقصِ، كما في العاملِ المخالف، وإن شاءَ طالَبَه بالبَدَلِ لإفسادِه عليه، وبأجرة ذلك.
وهذا الباب -بابُ تدبر العموم والخصوص من ألفاظِ الشرع ومعانيه التي هي عِلَلُ الأحكام- هو (٣) الأصل الذي تُعْرَف منه (٤) شرائع الإسلام. [المستدرك ٢/ ١٣٧ - ١٦٧]
* * *
صَحِيحًا، كَمَا أَنَّ الْمَعْقُولَ الصَّرِيحَ لَا يُخَالِفُ الْمَنْقُولَ الصَّحِيحَ؛ بَل مَتَى رَأَيْت قِيَاسًا يُخَالِفُ أَثَرًا فَلَا بُدَّ مِن ضَعْفِ أَحَدِهِمَا، لَكِنَّ التَّمْيِيزَ بَيْنَ صَحِيحِ الْقِيَاسِ وَفَاسِدِهِ مِمَّا يَخْفَى كَثِيرٌ مِنْهُ عَلَى أَفَاضِلِ الْعُلَمَاءِ، فَضْلًا عَمَّن هُوَ دونَهُمْ.
فَإِنَّ إدْرَاكَ الصِّفَاتِ الْمُؤَثرَةِ فِي الْأَحْكَامِ عَلَى وَجْهِهَا وَمَعْرِفَةَ الْحِكَمِ وَالْمَعَانِي الَّتِي تَضَمَّنَتْهَا الشَّرِيعَةُ: مِن أَشْرَفِ الْعُلُومِ، فَمِنْهُ الْجَلِيُّ الَّذِي يَعْرِفُهُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، وَمِنْهُ الدَّقِيقُ الَّذِي لَا يَعْرِفُهُ إلَّا خَوَّاصُهُمْ. [٢٠/ ٥٦٧ - ٥٦٨]
١٩٧٠ - إن الكلام في كون الشيء يفيد الاعتقاد علمًا أو ظنًّا غير الكلام في الاستدلال به واعتقاد موجبه. [المستدرك ٢/ ٢٠٠]
١٩٧١ - القول في القياس الشرعي كالقول في القياس العقلي، وحصول الاعتقاد به لا يتوقف على ما يدل من جهة الشرع على صحة القياس. [المستدرك ٢/ ٢٠١]
وأما وجوب النظر فيه أو الاعتقاد به فبالشرع.
١٩٧٢ - قال القاضي في كتاب القولين: القياس الشرعي قد نص أحمد في مواضع على أنه حجة تعلق الأحكام عليه، فقال في رواية محمد بن الحكم: لا يستغني أحد عن القياس، وعلى الإمام والحاكم يرد عليه الأمر أن يجمع له الناس ويقيس.
قال: وحكى شيخنا أبو عبد الله أن من أصحابنا من قال:
ليس بحجة قال: لأن أحمد قال في رواية الميموني: يجتنب المتكلم في الفقه هاتين الخصلتين: المجمل والقياس.
وكذلك نقل أبو الحارث عنه وقد ذكر أهل الرأي وردهم للحديث، فقال: ما تصنع بالرأي والقياس وفي الأثر ما يغنيك عنه؟
وهذا لا يدل على أنه ليس بحجة، وإنما يدل على أنه لا يجوز استعماله مع النص ولا يعارض الأخبار إذا كانت خاصة أو منصوصة، وليس هذا بمذهب فيشتغل بتوجيهه. [المستدرك ٢/ ٢٠١ - ٢٠٢]
وَهُنَا كَانَ اللَّبَنُ مَوْجُودًا فِي الضَّرْعِ، فَصَارَ جُزْءًا مِنَ الْمَبِيعِ، وَلَمْ يُجْعَلِ الصَّاعُ عِوَضًا عَمَّا حَدَثَ بَعْدَ الْعَقْدِ؛ بَل عِوَضًا عَنِ اللَّبَنِ الْمَوْجُودِ فِي الضَّرْعِ وَقْتَ الْعَقْدِ.
وَأَمَّا تَضْمِينُ اللَّبَنِ بِغَيْرِهِ وَتَقْدِيرِهِ بِالشَّرْعِ: فَلِأَنَّ اللَّبَنَ الْمَضْمُونَ اخْتَلَطَ بِاللَّبَنِ الْحَادِثِ بَعْدَ الْعَقْدِ، فَتَعَذَّرَتْ مَعْرِفَةُ قَدْرِهِ، فَلِهَذَا قَدَّرَ الشَّارعُ الْبَدَلَ قَطْعًا لِلنِّزَاعِ، وَقَدَّرَ بِغَيْرِ الْجِنْسِ؛ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ بِالْجِنْسِ قَد يَكُونُ أَكْثَرَ مِنَ الْأَوَّلِ أَو أَقَلَّ فَيُفْضِي إلَى الرِّبَا، بِخِلَافِ غَيْرِ الْجِنْسِ فَإِنَّهُ كَأنَّهُ ابْتَاعَ لِذَلِكَ اللَّبَنِ الَّذِي تَعَذَّرَتْ مَعْرِفَةُ قَدْرِهِ بِالصَّاعِ مِنَ التَّمْرِ، وَالتَّمْرُ كَانَ طَعَامَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَهُوَ مَكِيلٌ مَطْعُومٌ يُقْتَاتُ بِهِ، كَمَا أَنَّ اللَّبَنَ مَكِيلٌ مُقْتَاتٌ وَهُوَ أَيْضًا يُقْتَاتُ بِهِ بِلَا صَنْعَةٍ، بِخِلَافِ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ فَإِنَّهُ لَا يُقْتَاتُ بِهِ إلَّا بِصَنْعَة، فَهُوَ أَقْرَبُ الْأَجْنَاسِ الَّتِي كَانُوا يَقْتَاتُونَ بِهَا إلَى اللَّبَنِ.
وَلهَذَا كَانَ مِن مَوَارِدِ الِاجْتِهَادِ أَنَّ جَمِيعَ الْأمْصَارِ يَضْمَنُونَ ذَلِكَ بِصَاعٍ مِن تَمْرٍ، أَو يَكُونُ ذَلِكَ لِمَن يَقْتَاتُ التَّمْرَ، فَهَذَا مِن مَوَارِدِ الِاجْتِهَادِ؛ كَأَمْرِهِ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ بِصَاعٍ مِن شَعِيرٍ أَو تَمْرٍ. [٢٠/ ٥٠٤ - ٥٥٨]
١٩٧٤ - القياس إذا خالف النص كان فاسدًا، أمّا فسادُ الحكمِ المخالفِ للنص فبالاتّفاق. [المستدرك ٢/ ١٦٢]
* * *
(من نزلت به حادثة وضاق عليه الوقت)
١٩٧٥ - قال أبو الخطاب: من نزلت به حادثة، وكان فيها قاضيًا أو مفتيًا أو مجتهدًا لنفسه، وضاق عليه الوقت، وجب عليه أن يقيس وينظر.
وإذا لم يضق عليه الوقت استُحِب له ذلك، والواجب والمستحب من الدين. [المستدرك ٢/ ٢٠٣]
* * *
стр. 1538
(المتردد بين أصلين، وقياس علة الشبه)
١٩٧٦ - قال القاضي: المتردد بين الأصلين: يجب إلحاقه بأحد الأصلين وهو أشبههما به وأقربهما إليه (١).
[شيخنا] قلت: من قال: قياس علة الشبه -كما فسره القاضي-: حجة: فلا كلام، لكن يرد عليه التسوية بين الشيئين في الحكم مع العلم بافتراقهما في بعض الصفات المؤثرة، وإنما فعلوه لضرورة إلحاق الفرع بأحد الأصلين؛ فألحقوه بالأشبه به كما تفعل القافة بالولد. ومن قال: "ليس بحجة" فقد يحكم فيه بحكم ثالث مأخوذ من الأصلين وهو طريقة الشبهيين، فيعطيه بعض حكم هذا وبعض حكم هذا، كما فعله أحمد في ملك العبد، وكذلك مالك، وهذا كثير في مذهب مالك وأحمد؛ مثل تعلق الزكاة بالعين أو بالذمة، والوقف هل هو ملك للّه تعالى أو للموقوف عليه، ونحو ذلك.
وطريقة الشبهيين ينكرها كثير من أصحاب الشافعي وأحمد، وهو مقتضى من يقول بغلبة الاشتباه ويعتبر للحادثة أصلًا معينا، ومن لم يقل به فقد يقول بها.
стр. 1539
والأشبه: أنه إن أمكن استعمال الشبهين وإلا ألحق بأشبههما به؛ فإن القائلين بالأشبه كالقاضي سلموا أن العلة لم توجد في الفرع وأنه حكم بغير قياس؛ بل بأنه أشبه بهذا الأصل من سائر الأصول كما أن في طريقة الشبهيين ليس أحدهما هو الأصل. [المستدرك ٢/ ٢٠٣ - ٢٠٤]
* * *
(العلة المناسبة والمطردة)
١٩٧٧ - العلة المناسبة مقدمة على غير المناسبة (١)، والمطردة مقدمة على المنقوضة (٢) إذا قبلت، وكذلك تقدم المنعكسة على غير المنعكسة. هذا كلام إسماعيل بن المني. [المستدرك ٢/ ٢٠٤]
* * *
(إذا كانت أكثر أوصافًا)
١٩٧٨ - إذا كانت إحدى العلتين أكثر أوصافًا فالقليلة الأوصاف أولى. [المستدرك ٢/ ٢٠٥]
* * *
стр. 1540
(وإذا كان أصلها أقوى)
١٩٧٩ - ترجح إحدى العلتين: بكون أصلها أقوى، مثل أن يكون أصلها مجمعًا عليه والأخرى أصلها مختلف فيه. [المستدرك ٢/ ٢٠٥]
* * *
(العلة المستنبطة لا بد لها من دليل)
١٩٨٠ - العلة المستنبطة لا بد من دليل يدل على صحتها، وذلك الدليل هو كونها مؤثرة في الحكم، وسلامتها على الأصول من نقض أو معارضة، ويجوز أن يجعل وصف العلة الدال على الحكم وصفًا نافيًا. ويحوز أن يجعل وصفًا مثبتًا، سواء في ذلك الأوصاف الذاتية والحكمية كما في قوله: "إنها ليست بنجس" (١) تعليلًا لطهارة الماء. [المستدرك ٢/ ٢٠٦ - ٢٠٧]
* * *
(هل الأصول كلها معللة)
١٩٨١ - الأصول التي ثبت حكمها بنصِّ أو إجماعٍ ذكر أبو الخطاب أنها كلها معللة، وإنما تخفى علينا العلة في النادر منها.
ولفظ القاضي: الأصل هو تعليل الأصول، وإنما ترك تعليلها نادرًا، فصار الأصل هو العام الظاهر دون غيره، ومن الناس من قال: الأصول منقسمة إلى معلل وغير معلل.
ثم قال بعد هذا (٢): مسألة في العلة المستنبطة كعلة الربا ونحوها، الشيء الدال على صحتها يخرج على وجهين:
стр. 1541
أحدهما: أن يوجد الحكم بوجودها ويزول بزوالها، وقد أومأ أحمد إلى هذا في رواية أحمد بن الحسين بن حسان، فقال: القياس: أن يقاس الشيء على الشيء إذا كان مثله في كل أحواله، وأقبل له وأدبر، فأما إذا أشبهه في حال وخالفه في حال فهذا خطأ. قال أبو بكر: يعني في كل أحواله في نفس الحكم، لا في عينه؛ لأنه لا بد من المخالفة بينهما.
والوجه الثاني: يفتقر إلى شيئين: دلالة عليها ودلالة على صحتها، وهو أن يكون الوصف مؤثرًا في الحكم المعلل، فإذا عرف افتقر إلى سلامته على الأصول، وهو أن يسلم من نقض أو معارضة. فإن عارضها قياس مثلها أو أقوى منها وقفت ولم تكن علة. [المستدرك ٢/ ٢٠٧ - ٢٠٨]
* * *
(الخلاف في العلة المستنبطة هل يقاس عليها ؟)
١٩٨٢ - ذكر القاضي في كتاب الروايتين والوجهين اختلافًا في المذهب في صحة العلة المستنبطة فقال: إذا ثبت معنى الحكم مقطوعًا عليه بنص كتاب أو سُنَّة أو إجماع رد غيره إليه إذا كان معناه فيه، وهذا لا إشكال فيه.
فأما إن كان معنى الأصل عرف بالاستنباط مثل علة الربا [في الزائد] بكيل أو مطعوم، فهل يجب رد غيره إليه، أم لا؟ فقال شيخنا أبو عبد الله: لا يجب رد غيره إليه.
فعلى قوله يكون القول ببعض القياس دون بعض، وقد أومأ أحمد إليه في رواية مهنا، وقد سأله: هل نقيس بالرأي؟ فقال: لا، وهو أن يسمع الرجل الحديث فيقيس عليه.
قال: معنى قوله: "لا يقيس بالرأي"؛ يعني: ما ثبت أصله بالرأي لا نقيس عليه. [المستدرك ٢/ ٢٠٨ - ٢٠٩]
* * *
стр. 1542
(عكس العلل وعدم التأثير)
١٩٨٣ - الحكم إذا ثبت بعلة يزول بزوالها، فإن بقي مع زوالها من غير أن يخلفها علة أخرى كانت عديمة التأثير، فلا تكون علة، وأما إذا خلفها علة أخرى فإنها لا يبطل كونها علة.
وهذا هو التحقيق في "مسألة عكس العلل، وعدم التأثير فيها".
فقوله في الهر: "إنها من الطوافين" (١): دليل على أن الطواف سبب الطهارة، فإذا انتفى ما هو سبب فيه زالت طهارته، وقد تثبت الطهارة لغيره، وهو الحل كطهارة الصيد والأنعام فإنها طيبة من الطيبات التي أباحها الله تعالى، فلا يحتاج إلى تعليل طهارتها بالطواف؛ فإن الطواف يدل على أن ذلك لدفع الحرج في نجاستها. [المستدرك ٢/ ٢١٠ - ٢١١]
* * *
(تخصيص العلة المستنبطة وتخصيص المانع والمنصوصة)
١٩٨٤ - مسألة: لا يجوز تخصيص العلة المستنبطة، وتخصيصها نقض لها، نص عليه.
واختلف فيه أصحابنا على وجهين.
[قال شيخنا]: الذي يظهر في تخصيص العلة أن تخصيصها يدل على فسادها، إلا أن يكون لعلة مانعة، فإنه إذا كان لعلة مانعة فهذا في الحقيقة ليس تخصيصًا، وإنما عدم المانع شرط في حكمها.
فإن كان التخصيص بدليل ولم يظهر بين صورة التخصيص وبين غيره فرق مؤثر:
فإن كانت العلة مستنبطة: بطلت، وكان قيام الدليل على انتفاء الحكم عنها دليلًا على فسادها.
стр. 1543
- وإن كانت العلة منصوصة: وجب العمل بمقتضى عمومها، إلا في كل موضع يعلم أنه مستثنى بمعنى النص الآخر.
وحاصله: أن التخصيص بغير علة: مانع مبطل لكونها علة.
وإذا تعارض نص الأصل المعلل ونص النقض وهو معلل: فلا كلام، وإن لم يكن معللًا بقي التردد في الفرع: هل هو في معنى الأصل أو هو في معنى النقض؟ وقد علم تبعه للأصل دون النقض.
وأخصر منه: أن العلة المستنبطة: لا يجوز تخصيصها إلا لعلة مانعة.
وأما المنصوصة: فيجوز تخصيصها لعلة مانعة أو دليل مخصص.
وهذا في الحقيقة قول المتقدمين الذي منعوا تخصيص العلة. [المستدرك ٢/ ٢١٣ - ٢١٦]
* * *
(تعليل الحكم العدمي أو الثبوتي بالعدم)
١٩٨٥ - أما تعليل الحكم العدمي بالعدم: فذكر بعضهم أنه لا خلاف فيه، وكذلك ينبغي أن يكون؛ فإن الحكم ينتفي لانتفاء مقتضيه أكثر مما ينتفي لوجود منافيه.
وأما تعليل الحكم الثبوتي به (١): فالعلل ثلاثة أقسام:
أحدها: المعرف وهو: ما يعتبر فيه أن يكون دليلًا على الحكم فقط، فهذا لا ريب أنه يكون عدمًا؛ فإن العدم يدل على الوجود كثيرًا، وعلى هذا فيجوز في قياس الدلالة والشبه أن يكون العدم علة (٢).
стр. 1544
والثاني: الموجد، فهذا لا يقول أحد إن العدم يوجد وجودًا.
والثالث: الداعي، فهذا محل الاختلاف، وهي العلل الشرعية ونحوها.
والصواب أن العدم المخصوص يجوز أن يكون داعيًا إلى أمر وجودي، كما أنَّ عدم فعل الواجبات داع إلى العقوبة؛ فإن عدم الإيمان سبب لعذاب عظيم.
أما العدم المطلق فلا.
وحينئذٍ فقد صح قول أصحابنا: إن العلة يصح في الجملة أن تكون وصفًا عدميًّا؛ لأن هذا يصح في بعض المواضع. [المستدرك ٢/ ٢١٨ - ٢١٩]
* * *
(عدم التأثير في قياس الدلالة)
١٩٨٦ - عدم التأثير في قياس الدلالة يجب أن لا يؤثر؛ لأنه لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول. ذكره أبو الخطاب. [المستدرك ٢/ ٢٢٠]
* * *
(الاختلاف والاجتهاد والترجيح، والموقف الصحيح من المخطئين والمجتهدين)
١٩٨٧ - مَن ندب إلى شيء يتقرب به إلى الله، أو أوجبه بقوله أو بفعله من غير أن يشرعه الله: فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله، ومن اتَّبعه في ذلك فقد اتخذه شريكًا لله شَرَع له من الدين ما لم يأذن به الله.
стр. 1545
نعم، قد يكون متَأوِّلًا في هذا الشرع فيُغفر له لأجل تأويله، إذا كان مجتهدًا الاجتهاد الذي يُعفى فيه عن المخطئ ويثاب أيضًا على اجتهاده، لكن لا يجوز اتباعه في ذلك، كما لا يجوز اتباع سائر من قال أو عمل قولًا أو عملًا قد عُلم الصواب في خلافه، وإن كان القائل أو الفاعل مأجورًا أو معذورًا. اقتضاء الصراط المستقيم: ٣٧١
١٩٨٨ - ذِكْرُ النَّاسِ بِمَا يَكْرَهُونَ هُوَ فِي الْأَصْلِ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: ذِكْرُ النَّوْعِ.
وَالثَّانِي: ذِكْرُ الشَّخْصِ الْمُعَيَّنِ الْحَيِّ أَو الْمَيِّتِ.
أَمَّا الْأَوَّلُ: فَكُلُّ صِنْفٍ ذَمَّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ يَجِبُ ذَمُّهُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِن الْغِيبَةِ.
وَأَمَّا الشَّخْصُ الْمُعَيَّنُ: فَيُذْكَرُ مَا فِيهِ مِن الشَّرِّ فِي مَوَاضِعَ:
أ- مِنْهَا: الْمَظْلُومُ لَهُ أَنْ يَذْكُرَ ظَالِمَة بِمَا فِيهِ:
- إمَّا عَلَى وَجْهِ دَفْعِ ظُلْمِهِ وَاسْتِيفَاءِ حَقِّهِ؛ كَمَا قَالَتْ هِنْدُ: يَا رَسُولَ اللهِ إنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ وَأَنَّهُ لَيْسَ يُعْطِينِي مِن النَّفَقَةِ مَا يَكفِينِي وَوَلَدِي، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ : "خُذِي مَا يَكْفِيك وَوَلَدَك بِالْمَعْرُوفِ" (١).
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ [النساء: ١٤٨] (٢) وَقَد رُوِيَ: أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي رَجُلٍ نَزَلَ بِقَوْم فَلَمْ يَقْرُوهُ.