Полный текст (3 539 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.
стр. 1541
أحدهما: أن يوجد الحكم بوجودها ويزول بزوالها، وقد أومأ أحمد إلى هذا في رواية أحمد بن الحسين بن حسان، فقال: القياس: أن يقاس الشيء على الشيء إذا كان مثله في كل أحواله، وأقبل له وأدبر، فأما إذا أشبهه في حال وخالفه في حال فهذا خطأ. قال أبو بكر: يعني في كل أحواله في نفس الحكم، لا في عينه؛ لأنه لا بد من المخالفة بينهما.
والوجه الثاني: يفتقر إلى شيئين: دلالة عليها ودلالة على صحتها، وهو أن يكون الوصف مؤثرًا في الحكم المعلل، فإذا عرف افتقر إلى سلامته على الأصول، وهو أن يسلم من نقض أو معارضة. فإن عارضها قياس مثلها أو أقوى منها وقفت ولم تكن علة. [المستدرك ٢/ ٢٠٧ - ٢٠٨]
* * *
(الخلاف في العلة المستنبطة هل يقاس عليها ؟)
١٩٨٢ - ذكر القاضي في كتاب الروايتين والوجهين اختلافًا في المذهب في صحة العلة المستنبطة فقال: إذا ثبت معنى الحكم مقطوعًا عليه بنص كتاب أو سُنَّة أو إجماع رد غيره إليه إذا كان معناه فيه، وهذا لا إشكال فيه.
فأما إن كان معنى الأصل عرف بالاستنباط مثل علة الربا [في الزائد] بكيل أو مطعوم، فهل يجب رد غيره إليه، أم لا؟ فقال شيخنا أبو عبد الله: لا يجب رد غيره إليه.
فعلى قوله يكون القول ببعض القياس دون بعض، وقد أومأ أحمد إليه في رواية مهنا، وقد سأله: هل نقيس بالرأي؟ فقال: لا، وهو أن يسمع الرجل الحديث فيقيس عليه.
قال: معنى قوله: "لا يقيس بالرأي"؛ يعني: ما ثبت أصله بالرأي لا نقيس عليه. [المستدرك ٢/ ٢٠٨ - ٢٠٩]
* * *
стр. 1542
(عكس العلل وعدم التأثير)
١٩٨٣ - الحكم إذا ثبت بعلة يزول بزوالها، فإن بقي مع زوالها من غير أن يخلفها علة أخرى كانت عديمة التأثير، فلا تكون علة، وأما إذا خلفها علة أخرى فإنها لا يبطل كونها علة.
وهذا هو التحقيق في "مسألة عكس العلل، وعدم التأثير فيها".
فقوله في الهر: "إنها من الطوافين" (١) : دليل على أن الطواف سبب الطهارة، فإذا انتفى ما هو سبب فيه زالت طهارته، وقد تثبت الطهارة لغيره، وهو الحل كطهارة الصيد والأنعام فإنها طيبة من الطيبات التي أباحها الله تعالى، فلا يحتاج إلى تعليل طهارتها بالطواف؛ فإن الطواف يدل على أن ذلك لدفع الحرج في نجاستها. [المستدرك ٢/ ٢١٠ - ٢١١]
* * *
(تخصيص العلة المستنبطة وتخصيص المانع والمنصوصة)
١٩٨٤ - مسألة: لا يجوز تخصيص العلة المستنبطة، وتخصيصها نقض لها، نص عليه.
واختلف فيه أصحابنا على وجهين.
[قال شيخنا]: الذي يظهر في تخصيص العلة أن تخصيصها يدل على فسادها، إلا أن يكون لعلة مانعة، فإنه إذا كان لعلة مانعة فهذا في الحقيقة ليس تخصيصًا، وإنما عدم المانع شرط في حكمها.
فإن كان التخصيص بدليل ولم يظهر بين صورة التخصيص وبين غيره فرق مؤثر:
فإن كانت العلة مستنبطة: بطلت، وكان قيام الدليل على انتفاء الحكم عنها دليلًا على فسادها. стр. 1543
- وإن كانت العلة منصوصة: وجب العمل بمقتضى عمومها، إلا في كل موضع يعلم أنه مستثنى بمعنى النص الآخر.
وحاصله: أن التخصيص بغير علة: مانع مبطل لكونها علة.
وإذا تعارض نص الأصل المعلل ونص النقض وهو معلل: فلا كلام، وإن لم يكن معللًا بقي التردد في الفرع: هل هو في معنى الأصل أو هو في معنى النقض؟ وقد علم تبعه للأصل دون النقض.
وأخصر منه: أن العلة المستنبطة: لا يجوز تخصيصها إلا لعلة مانعة.
وأما المنصوصة: فيجوز تخصيصها لعلة مانعة أو دليل مخصص.
وهذا في الحقيقة قول المتقدمين الذي منعوا تخصيص العلة. [المستدرك ٢/ ٢١٣ - ٢١٦]
* * *
(تعليل الحكم العدمي أو الثبوتي بالعدم)
١٩٨٥ - أما تعليل الحكم العدمي بالعدم: فذكر بعضهم أنه لا خلاف فيه، وكذلك ينبغي أن يكون؛ فإن الحكم ينتفي لانتفاء مقتضيه أكثر مما ينتفي لوجود منافيه.
وأما تعليل الحكم الثبوتي به (١) : فالعلل ثلاثة أقسام:
أحدها: المعرف وهو: ما يعتبر فيه أن يكون دليلًا على الحكم فقط، فهذا لا ريب أنه يكون عدمًا؛ فإن العدم يدل على الوجود كثيرًا، وعلى هذا فيجوز في قياس الدلالة والشبه أن يكون العدم علة (٢) . الحواشي
(١) أي: بالعدم.(٢) فيقال: هذا يُقاس على هذا لعدم الفارق بينهما.
واعلم أنَّ القياس ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
١ - قياس العلة: وهو ما كانت العلة فيه موجبة للحكم، بحيث لا يحسن عقلًا تخلفه عنها كقياس الضرب على التأفيف للوالدين في التحريم بعلة الإيذاء. =стр. 1544
والثاني: الموجد، فهذا لا يقول أحد إن العدم يوجد وجودًا.
والثالث: الداعي، فهذا محل الاختلاف، وهي العلل الشرعية ونحوها.
والصواب أن العدم المخصوص يجوز أن يكون داعيًا إلى أمر وجودي، كما أنَّ عدم فعل الواجبات داع إلى العقوبة؛ فإن عدم الإيمان سبب لعذاب عظيم.
أما العدم المطلق فلا.
وحينئذٍ فقد صح قول أصحابنا: إن العلة يصح في الجملة أن تكون وصفًا عدميًّا؛ لأن هذا يصح في بعض المواضع. [المستدرك ٢/ ٢١٨ - ٢١٩]
* * *
(عدم التأثير في قياس الدلالة)
١٩٨٦ - عدم التأثير في قياس الدلالة يجب أن لا يؤثر؛ لأنه لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول. ذكره أبو الخطاب. [المستدرك ٢/ ٢٢٠]
* * *
(الاختلاف والاجتهاد والترجيح، والموقف الصحيح من المخطئين والمجتهدين)
١٩٨٧ - مَن ندب إلى شيء يتقرب به إلى الله، أو أوجبه بقوله أو بفعله من غير أن يشرعه الله: فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله، ومن اتَّبعه في ذلك فقد اتخذه شريكًا لله شَرَع له من الدين ما لم يأذن به الله.
الحواشي
(١) = ٢ - قياس الدلالة: وهو الاستدلال بأحد النظيرين على الآخر، وهو أن تكون العلة دالة على الحكم، ولا تكون موجبة للحكم، كقياس مال الصبي على مال البالغ في وجوب الزكاة فيه بجامع أنه مال نام.
ويجوز أن يقال: لا تجب في مال الصبي كما قال به أبو حنيفة.
٣ - قياس الشبه: وهو الفرع المتردد بين أصلين، فيلحق بأكثرهما شبهًا، كما في العبد إذا أتلف فإنه متردد في الضمان بين الإنسان الحر من حيث أنه آدمي، وبين البهيمة من حيث أنه مال، وهو بالمال أكثر شبهًا من الحر، بدليل أنه يباع ويورث ويوقف وتضمن أجزاؤه بما نقص من قيمته.стр. 1545
نعم، قد يكون متَأوِّلًا في هذا الشرع فيُغفر له لأجل تأويله، إذا كان مجتهدًا الاجتهاد الذي يُعفى فيه عن المخطئ ويثاب أيضًا على اجتهاده، لكن لا يجوز اتباعه في ذلك، كما لا يجوز اتباع سائر من قال أو عمل قولًا أو عملًا قد عُلم الصواب في خلافه، وإن كان القائل أو الفاعل مأجورًا أو معذورًا. اقتضاء الصراط المستقيم: ٣٧١
١٩٨٨ - ذِكْرُ النَّاسِ بِمَا يَكْرَهُونَ هُوَ فِي الْأَصْلِ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: ذِكْرُ النَّوْعِ.
وَالثَّانِي: ذِكْرُ الشَّخْصِ الْمُعَيَّنِ الْحَيِّ أَو الْمَيِّتِ.
أَمَّا الْأَوَّلُ: فَكُلُّ صِنْفٍ ذَمَّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ يَجِبُ ذَمُّهُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِن الْغِيبَةِ.
وَأَمَّا الشَّخْصُ الْمُعَيَّنُ: فَيُذْكَرُ مَا فِيهِ مِن الشَّرِّ فِي مَوَاضِعَ:
أ- مِنْهَا: الْمَظْلُومُ لَهُ أَنْ يَذْكُرَ ظَالِمَة بِمَا فِيهِ:
- إمَّا عَلَى وَجْهِ دَفْعِ ظُلْمِهِ وَاسْتِيفَاءِ حَقِّهِ؛ كَمَا قَالَتْ هِنْدُ: يَا رَسُولَ اللهِ إنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ وَأَنَّهُ لَيْسَ يُعْطِينِي مِن النَّفَقَةِ مَا يَكفِينِي وَوَلَدِي، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ : "خُذِي مَا يَكْفِيك وَوَلَدَك بِالْمَعْرُوفِ" (١) .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ [النساء: ١٤٨] (٢) وَقَد رُوِيَ: أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي رَجُلٍ نَزَلَ بِقَوْم فَلَمْ يَقْرُوهُ. الحواشي
(١) رواه البخاري(٥٣٦٤) .(٢) قال العلَّامة ابن عثيمين ﵀: يعني: فله أن يجهر بالسوء من القول لإزالة مظلمته.
ولكن هل يجوز مثل هذا إذا كان قصد الإنسان أن يخفف عليه وطأة الحزن والألم الذي في قلبه بحيث يحكي الحال التي حصلت على صديق له، وصديقه لا يمكن أن يزيل هذه المظلمة لكنه يفرج عنه أو لا؟
الظاهر: أنه يجوز؛ لعموم قوله تعالى: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ وهذا يقع كثيرًا، كثيرًا ما يؤذي الإنسان، ويجني عليه بجحد مال أو أخذ مال، أو ما أشبه ذلك فيأتي الرجل إلى صديقه ويقول: فلان قال في كذا، يريد أن يخفف ما في قلبه من =стр. 1546
فَإِذَا كَانَ هَذَا فِيمَن ظُلِمَ بِتَرْكِ قِرَاهُ الَّذِي تَنَازَعَ النَّاسُ فِي وُجُوبِهِ وَإِن كَانَ الصَّحِيحُ أَنَّهُ وَاجِبٌ: فَكَيْفَ بِمَن ظُلِمَ بِمَنْعِ حَقِّهِ الَّذِي اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى اسْتِحْقَاقِهِ إيَّاهُ.
- أَو يَذْكُرُ ظَالِمَهُ عَلَى وَجْهِ الْقِصَاصِ مِن غَيْرِ عُدْوَانٍ، وَلَا دُخُولٍ فِي كَذِبٍ وَلَا ظلْمِ الْغَيْرِ، وَتَرْكُ ذَلِكَ أَفْضَلُ.
ب- وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ عَلَى وَجْهِ النَّصِيحَةِ لِلْمُسْلِمِينَ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ. وَإِذَا كَانَ النُّصْحُ وَاجِبًا فِي الْمَصَالِحِ الدِّينِيَّةِ الْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ؛ مِثْل نَقَلَةِ الْحَدِيثِ الَّذِينَ يَغْلَطُونَ أو يَكْذِبُون. وَمِثْلُ أَئِمَّةِ الْبِدَع مِن أَهْلِ الْمَقَالَاتِ الْمُخَالِفَةِ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، أَو الْعِبَادَاتِ الْمُخَالِفَةِ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ فَإِنَّ بَيَانَ حَالِهِمْ وَتَحْذِيرَ الْأُمَّةِ مِنْهُم وَاجِبٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، حَتَّى قِيلَ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ: الرَّجُلُ يَصُومُ وَيُصَلِّي ويعْتَكِفُ أَحَبُّ إلَيْك أَو يَتَكَلَّمُ فِي أَهْلِ الْبِدَع؟ فَقَالَ: إذَا قَامَ وَصَلَّى وَاعْتَكَفَ فَإِنَّمَا هُوَ لِنَفْسِهِ، وَإِذَا تَكَلَّمَ فِي أَهْلِ الْبِدَع فَإِنَّمَا هُوَ لِلْمُسْلِمِينَ، هَذَا أَفْضَلُ.
فَبَيَّنَ أَنَّ نَفْعَ هَذَا عَامٌّ لِلْمُسْلِمِينَ فِي دِينِهِمْ مِن جِنْسِ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ؛ إذ تَطْهِيرُ سَبِيلِ اللهِ وَدِينِهِ وَمِنْهَاجِهِ وَشِرْعَتِهِ وَدَفْعِ بَغْيِ هَؤُلَاءِ وَعُدْوَانِهِمْ عَلَى ذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَى الْكِفَايَةِ بِاتفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَوْلَا مَن يُقِيمُهُ اللهُ لِدَفْعِ ضَرَرِ هَؤُلَاءِ لَفَسَدَ الدِّينُ، وَكَانَ فَسَادُهُ أَعْظَمَ مِن فَسَادِ اسْتِيلَاءِ الْعَدُوِّ مِن أَهْلِ الْحَرْبِ، فَإِنَّ هَؤلَاءِ إذَا اسْتَوْلَوْا لَمْ يُفْسِدُوا الْقُلُوبَ وَمَا فِيهَا مِن الدِّينِ إلا تَبَعًا، وَأَمَّا أُولَئِكَ فَهم يُفْسِدُونَ الْقُلُوبَ ابْتِدَاءً (١) . الحواشي
(١) فإذا كان هذا خطرهم وضررهم، فلا يجوز أنْ يُمكن هؤلاء في الإعلام والقنوات والصحف.стр. 1547
وإذَا كَانَ أَقْوَامٌ لَيْسُوا مُنَافِقِينَ لَكِنَّهُم سَمَّاعُونَ لِلْمُنَافِقِينَ، قَد الْتَبَسَ عَلَيْهِم أَمْرُهُم حَتى ظَنُّوا قَوْلَهُم حَقًّا؛ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْكِتَاب وَصَارُوا دُعَاةً إلَى بِدَع الْمُنَافِقِينَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٧]: فَلَا بُدَّ أَيْضًا مِن بَيَانِ حَالِ هَؤُلَاءِ؛ بَل الْفِتْنَةُ بِحَالِ هَؤُلَاءِ أَعْظَمُ؛ فَإِنَّ فِيهِمْ إيمَانًا يُوجِبُ مُوَالَاتَهُمْ، وَقَد دَخَلُوا فِي بِدَعٍ مِن بِدَعِ الْمُنَافِقِينَ الَّتِي تُفْسِدُ الدِّينَ، فَلَا بُدَّ مِن التَّحْذِيرِ مِن تِلْكَ الْبِدَعِ وَإِن اقْتَضَى ذَلِكَ ذِكْرَهُم وَتَعْيِينَهُمْ (١) .
بَل وَلَو لَمْ يَكُن قَد تَلَقَّوْا تِلْكَ الْبِدْعَةَ عَن مُنَافِقٍ، لَكِنْ قَالُوهَا ظَانِّينَ أَنَّهَا هُدًى وَأنَّهَا خَيْرٌ وَأَنَّهَا دِينٌ، وَلَمْ تكُنْ كَذَلِكَ لَوَجَبَ بَيَانُ حَالِهَا.
وَلهَذَا وَجَبَ بَيَانُ حَالِ مَن يَغْلَطُ فِي الْحَدِيثِ وَالرِّوَايَةِ، وَمَن يَغْلَطُ فِي الرّأْيِ وَالْفُتْيَا، وَمَن يَغْلَطُ فِي الزُّهْدِ وَالْعِبَادَةِ، وَإِن كَانَ الْمُخْطِئُ الْمُجْتَهِدُ مَغْفُورًا لَهُ خَطَؤُهُ، وَهُوَ مَأْجُورٌ عَلَى اجْتِهَادِهِ.
فَبَيَانُ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَاجِبٌ، وَإِن كَانَ فِي ذَلِكَ مُخَالَفَةٌ لِقَوْلِهِ وَعَمَلِهِ.
وَمَن عُلِمَ مِنْهُ الِاجْتِهَادُ السَّائِغُ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُذْكَرُ عَلَى وَجْهِ الذَّمِّ وَالتَّأْثِيمِ لَهُ؛ فَإِنَّ اللهَ غَفَرَ لَهُ خَطَأَهُ؛ بَل يَجِبُ لِمَا فِيهِ مِن الْإِيمَانِ وَالتَّقْوَى: مُوَالَاتُهُ وَمَحَبَّتُهُ وَالْقِيَامُ بِمَا أَوْجَبَ اللهُ مِن حُقُوقِهِ مِن ثنَاءٍ وَدُعَاءٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَإِن عُلِمَ مِنْهُ النِّفَاقُ، كَمَا عُرِفَ نِفَاقُ جَمَاعَةٍ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِثْلُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبي وَذَوِيهِ، وَكَمَا عَلِمَ الْمُسْلِمُونَ نِفَاقَ سَائِرِ الرَّافِضَةِ: عَبْدِ اللهِ بْنِ سَبَأٍ وَأَمْثَالِهِ؛ مِثْل عَبْدِ الْقُدُّوسِ بْنِ الْحَجَّاجِ وَمُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ الْمَصْلُوبِ: فَهَذَا يُذْكَرُ بِالنِّفَاقِ. الحواشي
(١) بأسمائهم، ولكن لا يعني ذلك أن نذكرهم على وجه الذم لذواتهم، إلا إذا كثر ذلك منهم، وعُرف عنهم مُحاربة السُّنَّة ونصرة البدعة.стр. 1548
وَإِن أَعْلَنَ بِالْبِدْعَةِ وَلَمْ يُعْلَمْ هَل كَانَ مُنَافِقًا أَو مُؤْمِنًا مُخْطِئًا: ذُكِرَ بِمَا يُعْلَمُ مِنْهُ.
فَلَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَقْفُوَ مَا لَيْسَ لَهُ بِهِ عِلْمٌ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ فِي هَذَا الْبَابِ إلَّا قَاصِدًا بِذَلِكَ وَجْهَ اللهِ تَعَالَى، وَأَنْ تَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا، وَأَنْ يَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ للهِ.
ثُمَّ الْقَائِلُ فِي ذَلِكَ بِعِلْم لَا بُدَّ لَهُ مِن حُسْنِ النِّيَّةِ، فَلَو تَكَلَّمَ بِحَقّ لقَصد الْعلُوّ فِي الْأَرْضِ أَو الْفَسَاد: كَانَ بِمَنْزِلَةِ الَّذِي يُقَاتِلُ حَمِيَّةً وَرِياءً، وَإِن تَكَلَّمَ لِأَجْلِ اللهِ تَعَالَى مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ: كَانَ مِن الْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ مِن وَرَثَةِ الْأَنْبيَاءِ خُلَفَاءِ الرُّسُلِ. [٢٨/ ٢٢٥ - ٢٣٥]
١٩٨٩ - لَا رَيْبَ أَنَّ الْخَطَأ فِي دَقِيقِ الْعِلْمِ مَغْفُورٌ لِلْأُمَّةِ، وَإِن كَانَ ذَلِكَ فِي الْمَسَائِلِ الْعِلْمِيَّةِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَهَلَكَ أَكْثَرُ فُضَلَاءِ الْأمَّةِ، وَإِذَا كَانَ اللهُ يَغْفِرُ لِمَن جَهِلَ تَحْرِيمَ الْخَمْرِ لِكَوْنِهِ نَشَأَ بِأَرْضِ جَهْلٍ، مَعَ كَوْنِهِ لَمْ يَطْلُب الْعِلْمَ: فَالْفَاضِلُ الْمُجْتَهِدُ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ بِحَسَبِ مَا أَدْرَكَهُ فِي زَمَانِهِ وَمَكَانِهِ إذَا كَانَ مَقْصودُهُ مُتَابَعَةَ الرَّسُولِ بِحَسَبِ إمْكَانِهِ هُوَ أَحَقُّ بِأَنْ يَتَقَبَّلَ اللهُ حَسَنَاتِهِ، وَيُثِيبَهُ عَلَى اجْتِهَادَاتِهِ، وَلَا يُؤَاخِذَهُ بِمَا أَخْطَأَ؛ تَحْقِيقًا لِقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. [٢٠/ ١٦٥]
١٩٩٠ - لَيْسَ مِن شَرْطِ وَليِّ اللهِ أَنْ يَكُونَ مَعْصُومًا مِن الْخَطَأ وَالْغَلَطِ؛ بَل وَلَا مِن الذنُوبِ. [١٠/ ٦٩٣]
١٩٩١ - مَن جَعَلَ طَرِيقَ أَحَدٍ مِن الْعُلَمَاءِ وَالْفُقَهَاءِ أو طَرِيقَ أَحَدٍ مِن الْعبَّادِ وَالنُّسَّاكِ أَفْضَلَ مِن طَرِيقِ الصَّحَابَةِ فَهُوَ مُخْطِئٌ ضَالٌّ مُبْتَدِعٌ.
وَمَن جَعَلَ كُل مُجْتَهِدٍ فِي طَاعَةٍ أَخْطَأَ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ مَذْمُومًا مَعِيبًا مَمْقُوتًا فَهُوَ مُخْطِئٌ ضَالٌّ مُبْتَدِعٌ (١) . الحواشي
(١) وفي هذا رد على من يقدح فيمن اجتهد فأخطأ من علمائنا ودعاتنا، ويذكر مساوئهم، وينسى محاسنهم!стр. 1549
ثُمَّ النَّاسُ فِي الْحُبِّ وَالْبُغْضِ وَالْمُوَالَاةِ وَالْمُعَادَاةِ هُم أيْضًا مُجْتَهِدُونَ يُصِيبُونَ تَارَةً وَيُخْطِئُونَ تَارَةً، وَكَثِيرٌ مِن النَّاسِ إذَا عَلِمَ مِن الرَّجُلِ مَا يُحِبُّهُ أَحَبَّ الرَّجُلَ مُطْلَقًا وَأَعْرَضَ عَن سَيِّئَاتِهِ، وَإِذَا عَلِمَ مِنْهُ مَا يُبْغِضُهُ أَبْغَضَهُ مُطْلَقًا وَأَعْرَضَ عَن حَسَنَاتِهِ.
وَأَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ يَقُولُونَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ، وَهُوَ أَنَّ الْمُؤْمِنَ يَسْتَحِقُّ وَعْدَ اللهِ وَفَضْلَهُ: الثَّوَابُ عَلَى حَسَنَاتِهِ، وَيَسْتَحِقُّ الْعِقَابَ عَلَى سَيِّئَاتِهِ، وَإِنَّ الشَّخْصَ الْوَاحِدَ يَجْتَمِعُ فِيهِ مَا يُثَابُ عَلَيْهِ وَمَا يُعَاقَبُ عَلَيْهِ، وَمَا يُحْمَدُ عَلَيْهِ وَمَا يُذَمُّ عَلَيْهِ، وَمَا يُحَبُّ مِنْهُ وَمَا يُبْغَضُ مِنْهُ، فَهَذَا هَذَا. [١١/ ١٥ - ١٦]
١٩٩٢ - مَن لَهُ فِي الْأُمَّةِ لِسَان صِدْقٍ عَامٍّ بِحَيْثُ يُثْنَى عَلَيْهِ وَيُحْمَدُ فِي جَمَاهِيرِ أَجْنَاسِ الْأُمَّهِ فَهَؤُلَاءِ هُم أَئِمَّةُ الْهُدَى، وَمَصَابِيحُ الدُّجَى، وَغَلَطُهُم قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى صَوَابِهِمْ، وَعَامَّتُه مِن مَوَارِدِ الِاجْتِهَادِ الَّتِي يُعْذَرُونَ فِيهَا، وَهُم الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الْعِلْمَ وَالْعَدْلَ، فَهُم بُعَدَاءُ عَن الْجَهْلِ وَالظُّلْمِ، وَعَن اتِّبَاعِ الظَّنِّ، وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُس. [١١/ ٤٣]
١٩٩٣ - لَيْسَ مِن شَرْطِ أَوْليَاءِ اللهِ الْمُتَّقِينَ أَلَّا يَكُونُوا مُخْطِئِينَ فِي بَعْضِ الْأَشْيَاءِ خَطَأً مَغْفُورًا لَهُمْ؛ بَل وَلَا مِن شَرْطَهُم تَرْكُ الصَّغَائِرِ مُطْلَقًا؛ بَل وَلَا مِن شَرْطِهِمْ تَرْكُ الْكَبَائِرِ أَو الْكَفْرُ الَّذِي تَعْقُبُهُ التَّوْبَة. [١١/ ٦٦ - ٦٧]
١٩٩٤ - أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ يَعْرِفُونَ الْحَقَّ، وَيتَّبِعُونَ سُنَّةَ الرَّسُولِ، وَيَرْحَمُونَ الْخَلْقَ، وَيَعْدِلُونَ فِيهِمْ، وَيَعْذُرُونَ مَن اجْتَهَدَ فِي مَعْرِفَةِ الْحَقِّ فَعَجَزَ عَن مَعْرِفَتِهِ.
إنَّمَا يَذُمُّونَ مَن ذَمَّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ، وَهُوَ الْمُفَرِّطُ فِي طَلَبِ الْحَقِّ لِتَرْكِهِ الْوَاجِبَ، وَالْمُعْتَدِي الْمُتَّبعُ لِهَوَاهُ بِلَا عِلْمٍ لِفِعْلِهِ الْمُحَرَّمَ.
فَيَذمُّونَ مَن تَرَكَ الْوَاجِبَ أَو فَعَلَ الْمُحَرَّمَ، وَلَا يُعَاقِبُونَهُ إلَّا بَعْدَ إقَامَةِ
стр. 1550
الْحُجَّةِ عَلَيْهِ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥) ﴾ [الإسراء: ١٥].
لَا سِيَّمَا فِي مَسَائِلَ تَنَازَعَ فِيهَا الْعُلَمَاءُ وَخَفِيَ الْعِلْمُ فِيهَا عَلَى أَكْثَرِ النَّاسِ. [٢٧/ ٢٣٨]
١٩٩٥ - لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُكَفِّرَ أَحَدًا مِن الْمُسْلِمِينَ وَإِن أَخْطَأَ وَغَلِطَ حَتَّى تُقَامَ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ، وَتُبَيَّنَ لَهُ الْمَحَجَّةُ، وَمَن ثَبَتَ إسْلَامُهُ بِيَقِينِ لَمْ يَزُلْ ذَلِكَ عَنْهُ بِالشَّكِّ؛ بَل لَا يَزُولُ إلَّا بَعْدَ إقَامَةِ الْحُجَّةِ وَإِزَالَةِ الشُّبْهَةِ. [١٢/ ٤٦٦]
١٩٩٦ - الْمَشْهُورُ مِن مَذْهَبِ الْإِمَامِ أَحْمَد وَعَامَّةِ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ تَكْفِيرُ الْجَهْمِيَّة، وَهُم الْمُعَطِّلَةُ لِصِفَاتِ الرَّحْمَنِ؛ فَإِنَّ قَوْلَهُم صَرِيحٌ فِي مُنَاقَضةِ مَا جَاءَت بِهِ الرُّسُلُ مِن الْكِتَابِ، وَحَقِيقَةُ قَوْلِهِمْ جُحُودُ الصَّانِعِ، فَفِيهِ جُحُودُ الرَّبِّ، وَجُحُودُ مَا أَخْبَرَ بِهِ عَن نَفْسِهِ عَلَى لِسَانِ رُسُلِهِ.
وَأَمَّا الْمُرْجِئَةُ: فَلَا تَخْتَلِفُ نُصُوصُه أَنَّهُ لَا يُكَفِّرُهُم؛ فَإِنَّ بِدْعَتَهُم مِن جِنْسِ اخْتِلَافِ الْفُقَهَاءِ فِي الْفُرُوعِ، وَكَثِيرٌ مِن كَلَامِهِمْ يَعُودُ النِّزَاعُ فِيهِ إلَى نِزَاعٍ فِي الْأَلْفَاظِ وَالْأَسْمَاءِ، وَلهَذَا يُسَمَّى الْكَلَامُ فِي مَسَائِلِهِمْ: "بَابُ الْأَسْمَاءِ"، وَهَذَا مِن نِزَاعِ الْفُقَهَاءِ لَكنْ يَتَعَلَّقُ بِأَصْلِ الدِّينِ، فَكَانَ الْمُنَازعُ فِيهِ مُبْتَدِعًا.
وَكَذَلِكَ "الشيعَةُ" الْمُفَضِّلُونَ لِعَلِيِّ عَلَى أَبِي بَكْرٍ لَا يَخْتَلِفُ قَوْلُهُ أنَّهُم لَا يُكَفَّرُونَ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ قَوْلُ طَائِفَةٍ مِن الْفُقَهَاءِ أَيْضًا وَإِن كَانُوا يُبَدَّعُونَ.
وَأَمَّا "الْقَدَرِيَّةُ" الْمُقِرُّونَ بِالْعِلْمِ، و"الرَّوَافِضُ" الَّذِينَ لَيْسُوا مِن الْغَالِيَةِ، وَالْجَهْمِيَّة، وَالْخَوَارجُ: فَيُذْكَرُ عَنْهُ فِي تَكْفِيرِهِمْ رِوَايَتَانِ، هَذَا حَقِيقَةُ قَوْلِهِ الْمُطْلَقِ، مَعَ أَنَّ الْغَالِبَ عَلَيْهِ التَّوَقُّفُ عَن تَكْفِيرِ الْقَدَرَّيةِ الْمُقِرِّينَ بِالْعِلْمِ وَالْخَوَارجِ، مَعَ قَوْلِهِ: مَا أَعْلَمُ قَوْمًا شَرًّا مِن الْخَوَارجِ.
ثُمَّ طَائِفَةٌ مِن أَصْحَابِهِ يَحْكُونَ عَنْهُ فِي تَكْفِيرِ أَهْلِ الْبِدَعِ مُطْلَقًا رِوَايَتَيْنِ، حَتَّى يَجْعَلُوا الْمُرْجِئَةَ دَاخِلِينَ فِي ذَلِكَ وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ.
стр. 1551
وَعَنْهُ فِي تَكْفِيرِ مَن لَا يُكَفِّرُ رِوَايَتَانِ أَصَحُّهُمَا لَا يَكْفُرُ.
وَرُبَّمَا جَعَلَ بَعْضُهُم الْخِلَافَ فِي تَكْفِيرِ مَن لَا يُكَفِّرُ مُطْلَقًا وَهُوَ خَطَأٌ مَحْضٌ.
وَالْجَهْمِيَّة -عِنْدَ كَثِيرٍ مِن السَّلَفِ: مِثْل عَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُبَارَكِ وَيُوسُفَ بْنِ أَسْبَاطَ وَطَائِفَةٍ مِن أَصْحَابِ الْإمَامِ أَحْمَد وَغَيْرِهِمْ- لَيْسُوا مِن الثِّنْتَيْنِ وَالسَّبْعِينَ فِرْقَةً الَّتِي افْتَرَقَتْ عَلَيْهَا هَذِهِ الأُمَّةُ؛ بَل أُصُولُ هَذِهِ عِنْدَ هَؤُلَاءِ: هُم الْخَوَارجُ، وَالشِّيعَةُ، وَالْمُرْجِئَةُ، وَالْقَدَرِيَّةُ.
وَهَذَا الْمَأْثُورُ عَن أَحْمَد، وَهُوَ الْمَأْثُورُ عَن عَامَّةِ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ، أَنَّهُم كَانُوا يَقُولُونَ: مَن قَالَ: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ فَهُوَ كَافِرٌ، وَمَن قَالَ: إنَّ اللهَ لَا يُرَى فِي الْآخِرَةِ فَهُوَ كَافِرٌ وَنَحْوَ ذَلِكَ.
ثُمَّ حَكَى أَبُو نَصْرٍ السِّجْزيُّ عَنْهُم فِي هَذَا قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ كُفْرٌ يَنْقُلُ عَن الْمِلَّةِ، قَالَ: وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ.
وَالثَّافي: أَنَّهُ كُفْرٌ لَا يَنْقُل.
وَسَبَبُ هَذَا التَّنَازُعِ تَعَارُضُ الْأدِلَّةِ (١) ، فَإِنَّهُم يَرَوْنَ أَدِلَّةً تُوجِبُ إلْحَاقَ أَحْكَامِ الْكُفْرِ بِهِمْ، ثُمَّ إنَّهُم يَرَوْنَ مِن الْأَعْيَانِ الَّذِينَ قَالُوا تِلْكَ الْمَقَالَاتِ مَن قَامَ بِهِ مِنَ الْإِيمَانِ مَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ كَافِرًا، فَيَتَعَارَضُ عِنْدَهُم الدَّليلَانِ.
وَحَقِيقَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُم أَصَابَهُم فِي أَلْفَاظِ الْعُمُومِ فِي كَلَامِ الْأَئِمَّةِ مَا أَصَابَ الْأَوَّلينَ فِي أَلْفَاظِ الْعُمُومِ فِي نُصُوصِ الشَّارعِ، كُلَّمَا رَأَوْهُم قَالُوا: مَن قَالَ كَذَا فَهُوَ كَافِرٌ اعْتَقَدَ الْمُسْتَمِعُ أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ شَامِل لِكُلِّ مَن قَالَهُ، وَلَمْ يَتَدَبَّرُوا أَنَّ التَّكْفِيرَ لَهُ شُرُوطٌ وَمَوَانِعُ قَد تَنْتَفي فِي حَقِّ الْمُعَيَّنِ، وَأَنَّ تَكْفِيرَ الْمُطْلَقِ لَا يَسْتَلْزِمُ تَكْفِيرَ الْمُعَيَّنِ، إلَّا إذَا وُجِدَتِ الشُّرُوطُ وَانْتَفَتِ الْمَوَانِعُ. الحواشي
(١) في الظاهر كما لا يخفى.стр. 1552
يُبَيِّنُ هَذَا أَنَّ الْإِمَامَ أَحْمَد وَعَامَّةَ الْأَئِمَّةِ -الَّذِينَ أَطْلَقُوا هَذِهِ العمومات: لَمْ يُكفِّرُوا أَكْثَرَ مَن تَكَلَّمَ بِهَذَا الْكَلَامِ بِعَيْنِهِ.
فَإِنَّ الْإِمَامَ أَحْمَد -مَثَلًا- قَد بَاشَرَ "الْجَهْمِيَّة" الَّذِينَ دَعَوْهُ إلَى خَلْقِ الْقُرْآنِ وَنَفْيِ الصِّفَاتِ، وَامْتَحَنوهُ وَسَائِر عُلَمَاءِ وَقْتِهِ وَفَتَنُوا الْمُؤمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ الَّذِينَ لَمْ يُوَافِقُوهُم عَلَى التَّجَهُّمِ بِالضَّرْبِ وَالْحَبْسِ وَالْقَتْلِ وَالْعَزْلِ عَن الْوِلَايَاتِ، وَقَطْعِ الْأَرْزَاقِ (١) ، وَرَدِّ الشَّهَادَةِ، وَتَرْكِ تَخْلِيصِهِمْ مِن أَيْدِي الْعَدُوِّ، بِحَيْثُ كَانَ كَثِيرٌ مِن أولي الْأَمْرِ إذ ذَاكَ مِن الْجَهْمِيَّة مِن الْوُلَاةِ وَالْقُضَاةِ وَغَيْرِهِمْ: يُكَفِّرُونَ كُلَّ مَن لَمْ يَكُن جهميًّا مُوَافِقًا لَهُم عَلَى نَفْي الصِّفَاتِ، مِثْل الْقَوْلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، وَيَحْكُمُونَ فِيهِ بِحُكْمِهِمْ فِي الْكَافِرِ، فَلَا يُوَلُّونَهُ وِلَايَةً، وَلَا يُعْطُونَهُ شَيْئًا مِن بَيْتِ الْمَالِ، وَلَا يَقْبَلُونَ لَهُ شَهَادَةً وَلَا فُتْيَا وَلَا رِوَايَةً، وَيَمْتَحِنُونَ النَّاسَ عِنْدَ الْوِلَايَةِ وَالشَّهَادَةِ وَالِافْتِكَاكِ مِن الْأسْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
فَمَن أَقَرَّ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ حَكَمُوا لَهُ بِالْإِيمَانِ، وَمَن لَمْ يُقِرَّ بِهِ لَمْ يَحْكُمُوا لَهُ بِحُكْمِ أَهْلِ الْإِيمَانِ، وَمَن كَانَ دَاعِيًا إلَى غَيْرِ التَّجَهُّمِ قَتَلُوهُ أَو ضَرَبُوهُ وَحَبَسُوهُ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا مِن أَغْلَظِ التَّجَهُّم، فَإِنَّ الدُّعَاءَ إلَى الْمَقَالَةِ اعْظَمُ مِن قَوْلِهَا، وَإِثَابَةُ قَائِلِهَا وَعُقُوبَةُ تَارِكِهَا أَعْظَمُ مِن مُجَرَّدِ الدُّعَاءِ إلَيْهَا، وَالْعُقُوبَةُ بِالْقَتْلِ لِقَائِلِهَا أَعْظَمُ مِن الْعُقُوبَةِ بِالضَّرْبِ. الحواشي
(١) فيه أنّه لا بأس بإطلاق هذه العبارة، وبعض الناس ينكر أنْ يُقال: فلان قطع رزقي، فيمن سعى بعزله ونحو ذلك. وإسناد الرزق إلى المخلوق جائز بشرط أن يعتقد أنه سبب، قال العلَّامة محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى في قوله تعالى: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ(٧٢) ﴾ [المؤمنون: ٧٢]، وَصِيغَةُ التَّفْضِيلِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ نَظَرًا إِلَى أَن بَعْضَ الْمَخْلُوقِينَ يَرْزُقُ بَعْضَهُمْ؛ كَقَؤلِهِ تَعَالَى: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾ [النساء: ٥]، وَقَوْلهِ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ الآية [البقرة: ٢٣٣]، وَلَا شَكَّ أَن فَضْلَ رِزْقِ اللهِ خَلْقَهُ، عَلَى رِزْقِ بَعْضِ خَلْقِهِ بَعْضِهِمْ كَفَضْلِ ذَاتِهِ، وَسَائِرِ صِفَاتِهِ عَلَى ذَوَاتِ خَلْقِهِ، وَصِفَاتِهِمْ. أضواء البيان (٥/ ٣٤٣).стр. 1553
ثُمَّ إنَّ الْإِمَامَ أَحْمَد دَعَا لِلْخَلِيفَةِ وَغَيْرِهِ مِمَن ضَرَبَهُ وَحَبَسَة وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ، وحلَّلهم مِمَّا فَعَلُوهُ بِهِ مِن الظُلْمِ وَالدُّعَاءِ إلَى الْقَوْلِ الَّذِي هُوَ كُفْرٌ (١) ، وَلَو كَانُوا مُرْتَدِّينَ عَن الْإِسْلَامِ لَمْ يَجُزِ الِاسْتِغْفَارُ لَهُم؛ فَإِنَّ الِاسْتِغْفَارَ لِلْكَفَّارِ لَا يَجُوزُ بِالْكِتَاب وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ، وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ وَالْأَعْمَالُ مِنْهُ وَمِن غَيْرِهِ مِن الْأَئِمَّةِ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّهُم لَمْ يُكَفرُوا الْمُعَيَّنِينَ مِن الْجَهْمِيَّة، الَّذِينَ كَانُوا يَقُولُونَ: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ، وَإِنَّ اللهَ لَا يُرَى فِي الْآخِرَةِ.
وَقَد نُقِلَ عَن أَحْمَد مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَفَّرَ بِهِ قَوْمًا مُعَيَّنِينَ، فَأَمَّا أَنْ يُذْكَرَ عَنْهُ فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَانِ فَفِيهِ نَظَرٌ، أَو يُحْمَلُ الْأَمْرُ عَلَى التَّفْصِيلِ، فَيُقَالُ: مَن كَفَّرَهُ بِعَيْنِهِ فَلِقِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَى أنَّهُ وُجِدَتْ فِيهِ شُرُوطُ التَّكْفِيرِ وَانْتَفَتْ مَوَانِعُهُ، وَمَن لَمْ يُكَفِّرْهُ بِعَيْنِهِ فَلِانْتِفَاءِ ذَلِكَ فِي حَقِّهِ.
هَذا مَعَ إطْلَاقِ قَوْلِهِ بِالتَّكْفِيرِ عَلَى سبِيلِ الْعُمُومِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ: الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ وَالِاعْتِبَارُ.
أَمَّا الْكِتَابُ: فَقَوْلُهُ : ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ [الأحزاب: ٥]، وقَوْله تَعَالَى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. الحواشي
(١) قارن بين فعل هذا الإمام الجليل مع خصومه في العقيدة، الذين لم يكتفوا بمخالفته في عقيدته ومذهبه، بل تعدّوا عليه بالضرب والسبّ والحبس، ومنعوه من الدروس ونشر العلم، وبين طائفةٍ من الناس، لم يحتملوا أذى إخوانهم في العقيدة والدين، فقاطعوهم، أو انتقموا منهم الذين أكثروا من الطعن والسب المقذع والنيل من أناسٍ صالحين نحسبهم والله حسيبهم، وليس لنا إلا ما ظهر منهم، بل إنهم من الدعاة والمشايخ الذين لهم قبول عند الخاصة والعامة، والعجيب أن من رحمة الله بهؤلاء الدعاة والمصلحين أنهم لم يتكلموا في أولئك الطاعنين، ولا وصل إليهم منهم أذى!! فلماذا يطعنون في إخوانهم؟ وأين هم من الاقتداء بهذا الإمام؟ والله المستعان.стр. 1554
وَقَد ثَبَتَ فِي "صَحِيحِ مُسْلِمٍ" عَن أَبِي هُرَيْرَةَ عَن النَّبِيِّ ﷺ : "أَنَّ اللهَ تَعَالَى فَالَ: قَد فَعَلْت".
وَأَيْضًا: فَقَد ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَن النَّبِيِّ ﷺ : "إنَّ اللهَ يُخْرِجُ مِن النَّارِ مَن كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ دِينَارٍ مِن إيمَانٍ" (١) .
وَأَيْضًا فَإِنَّ السَّلَفَ أَخْطَأَ كَثِيرٌ مِنْهُم فِي كَثِيرٍ مِن هَذِهِ الْمَسَائِلِ (٢) ، وَاتَّفَقُوا عَلَى عَدَمِ التَّكْفِيرِ بِذَلِكَ، مِثْلُ مَا أَنْكَرَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ أَنْ يَكُونَ الْمَيِّتُ يَسْمَعُ نِدَاءَ الْحَيِّ (٣) ، وَأَنْكَرَ بَعْضُهُم أَنْ يَكُونَ الْمِعْرَاجُ يَقَظَةً، وَأَنْكَرَ بَعْضُهُم رُؤَيةَ مُحَمَّدٍ رَبَّهُ.
وَلبَعْضهِمْ فِي الْخِلَافَةِ وَالتَّفْضِيلِ كَلَامٌ مَعْرُوفٌ.
وَكَذَلِكَ لِبَعْضِهِمْ فِي قِتَالِ بَعْضٍ، وَلَعْنِ بَعْضٍ، وَإِطْلَاقِ تَكْفِيرِ بَعْضِ أَقْوَالٍ مَعْرُوفَةٍ.
وَكَانَ الْقَاضِي شريح يُنْكِرُ قِرَاءَةَ مَن قَرَأَ: ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾ (٤) ويقُولُ: إنَّ اللهَ لَا يَعْجَبُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِي فَقَالَ: إنَّمَا شريحٌ شَاعِر يُعْجِبُهُ عِلْمُهُ، كَانَ عَبْد الله أَفْقَه مِنْهُ فَكَانَ يَقُولُ: ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾.
فَهَذَا قَد أَنْكَرَ قِرَاءَةً ثَابِتَةً، وَأَنْكَرَ صِفَةً دَلَّ عَلَيْهَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، وَاتَّفَقَت الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّهُ إمَامٌ مِن الْأَئِمَّةِ.
وَكَذَلِكَ بَعْضُ السَّلَفِ أَنْكَرَ بَعْضُهُم حُرُوفَ الْقُرْآنِ مِثْل إنْكَارِ بَعْضِهِمْ الحواشي
(١) البخاري(٧٤٣٩) .(٢) أي: المسائل العلمية الخبرية.(٣) يقصد عائشة ﵂ وغيرها، فقد روى البخاري عن ابن عمر ﵄ قال: "وقف النبي ﷺ على قَليب بدرٍ فقال: "هل وَجدتم ما وَعد ربُّكم حقًّا؟ " ثم قال: "إنهم الآن يَسمعون ما أقولُ"، فذُكِر لعائشة فقالت: إنما قال النبي ﷺ : "إنهم الآن يعلمون أن الذي كنتُ أقول لهم هو الحق" ثم قرأت: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل: ٨٠] حتى قرأت الآية".(٤) الصافات: ١٢، وعجبت، بالضم والفتح كلاهما قراءتان صحيحتان، وبالضم قرأ حمزة والكسائي.стр. 1555
قَوْلَهُ: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وَقَالَ: إنَّمَا هِيَ: أو لَمْ يَتَبَيَّنِ الَّذِينَ آمَنُوا.
وإِنْكَارِ الْآخَرِ قِرَاءَةَ قَوْلِهِ: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] وَقَالَ: إنَّمَا هِيَ: وَوَصَّى رَبُّك.
وَبَعْضُهُم كَانَ حَذَفَ الْمُعَوِّذَتَيْنِ.
وَآخَرُ يَكْتُبُ سُورَةَ الْقُنُوتِ.
وَهَذَا خَطَأٌ مَعْلُومٌ بِالْإِجْمَاعِ وَالنَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ.
وَمَعَ هَذَا فَلَمَّا لَمْ يَكُن قَد تَوَاتَرَ النَّقْلُ عِنْدَهُم بِذَلِكَ لَمْ يُكَفَّرُوا، وَإِن كَانَ يَكْفُرُ بِذَلِكَ مَن قَامَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ بِالنَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ قَد دَلَّ عَلَى أَنَّ اللهَ لَا يُعَذِّبُ أَحَدًا إلَّا بَعْدَ إبْلَاع الرّسَالَةِ، فَمَن لَمْ تَبْلُغْهُ جُمْلَةً لَمْ يُعَذبْهُ رَأسًا، وَمَن بَلَغَتْهُ جُمْلَةً دُونَ بَعْضِ التَّفْصِيلِ لَمْ يُعَذِّبْهُ إلَّا عَلَى إنْكَارِ مَا قَامَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ الرسالية، وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥].
وَنَحْوُ هَذَا فِي الْقُرْآنِ فِي مَوَاضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ.
فَمَن كَانَ قَد آمَنَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ، وَلَمْ يَعْلَمْ بَعْضَ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ، فَلَمْ يُؤْمِن بِهِ تَفْصِيلًا:
أ- إمَّا أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْهُ (١) .
ب- أَو سَمِعَهُ مِن طَرِيقٍ لَا يَجِبُ التَّصْدِيقُ بِهَا (٢) . الحواشي
(١) أي: لم يبلغه الخبر الصحيح في ذلك.(٢) بأنْ يكون السندُ الواصل إليه ضعيفًا، وهذا كان في الزمن السابق، وكذلك الحال اليوم، فمن حدّث عن الرسول وهو من أهل البدع والعقائد الفاسدة فلا يجب على العامة تصديقُه، بل لا يجوز لهم الاستماع إليه.стр. 1556
ج- أَو اعْتَقَدَ مَعْنًى آخَرَ لِنَوْعٍ مِنَ التَّأْوِيلِ الَّذِي يُعْذَرُ بِهِ (١) .
فَهَذَا قَد جُعِلَ فِيهِ مِن الْإِيمَانِ بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ مَا يُوجِبُ أَنْ يُثِيبَهُ اللهُ عَلَيْهِ وَمَا لَمْ يُؤْمِن بِهِ فَلَمْ تَقُمْ عَلَيْهِ بِهِ الْحُجَّةُ الَّتِي يَكْفُرُ مُخَالِفُهَا.
وَأَيْضًا: فَقَد ثَبَتَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ أَنَّ مِن الْخَطَأِ فِي الدِّينِ مَا لَا يَكْفُرُ مُخَالِفُهُ؛ بَل وَلَا يَفْسُقُ؛ بَل وَلَا يَأْثَمُ، مِثْلُ الْخَطَأِ فِي الْفُرُوعِ الْعَمَلِيَّةِ.
وَإِن كَانَ بَعْضُ الْمُتَكَلِّمَةِ وَالْمُتَفَقِّهَةِ يَعْتَقِدُ أَنَّ الْمُخْطِئَ فِيهَا آثِمٌ، وَبَعْضُ الْمُتَكَلِّمَةِ وَالْمُتَفَقِّهَةِ يَعْتَقِدُ أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ فِيهَا مُصِيبٌ، فَهَذَانِ الْقَوْلَانِ شَاذَّانِ.
وَمَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِتَكْفِيرِ الْمُجْتَهِدِينَ الْمُتَنَازِعِينَ فِيهَا، وَمَعَ ذَلِكَ فَبَعْضُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ قَد ثَبَتَ خَطَأُ الْمُنَازعِ فِيهَا بِالنُّصُوصِ وَالْإِجْمَاعِ الْقَدِيمِ، مِثْلُ اسْتِحْلَالِ بَعْضِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ لِبَعْضِ أَنْوَاعِ الرِّبَا، وَاسْتِحْلَالِ آخَرِينَ لِبَعْضِ أَنْوَاعِ الْخَمْرِ، وَاسْتِحْلَالِ آخَرِينَ لِلْقِتَالِ فِي الْفِتْنَةِ.
وَأَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْمَعْرُوفِينَ بِالْخَيْرِ؛ كَالصَّحَابَةِ الْمَعْرُوفِينَ وَغَيْرِهِمْ مِن أَهْلِ الْجَمَلِ وصفين مِنَ الْجَانِبَيْنِ، لَا يُفَسَّقُ أَحَدٌ مِنْهُمْ، فَضْلًا عَن أَنْ يُكَفَّرَ، حَتَّى عَدَّى ذَلِكَ مَن عَدَّاهُ مِن الْفُقَهَاءِ إلَى سَائِر أَهْلِ الْبَغْيِ، فَإِنَّهُم مَعَ إيجَابِهِم لِقِتَالِهِمْ مَنَعُوا أَنْ يُحْكَمَ بِفِسْقِهِمْ لِأَجْلِ التَّأْوِيلِ، كَمَا يَقُولُ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةُ: إنَّ شَارِبَ النَّبِيذِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ مُتَأَوِّلًا لَا يُجْلَدُ وَلَا يَفْسُقُ.
وَقَد ثَبَتَ فِي الصِّحَاحِ مِن حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ العاص وَأَبِي هُرَيْرَةَ عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ وَإِذَا اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ" (٢) . الحواشي
(١) كمن فهم من القرآن والسُّنَّة مُرادًا غير ما أراده الله ورسوله، وغير ما فهم الصحابةُ وسلف الأمة: فإنه لا يُؤاخذ إذا كان هذا مبلغ علمه وجهدِه.
فهذه ثلاثةُ أعذارِ تُسقط عقوبَتَه في الدنيا والآخرة، وتمنع القدح فيه.(٢) رواه البخاري(٧٣٥٢) ، ومسلم(٤٥٨٤) .стр. 1557
وَقَد ثَبَتَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ أَنَّ مَن بَلَغَتْهُ رِسَالَةُ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يُؤْمِن بِهِ فَهُوَ كَافِرٌ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ الِاعْتِذَارُ بِالِاجْتِهَادِ؛ لِظُهُورِ أَدِلَّةِ الرِّسَالَةِ وَأَعْلَامِ النُّبُوَّةِ. [١٢/ ٤٨٥ - ٤٩٦]
١٩٩٧ - السَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ كَفَّرُوا الْجَهْمِيَّة لَمَّا قَالُوا إنَّهُ: فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَكَانَ مِمَّا أَنْكَرُوهُ عَلَيْهِمْ: أَنَّهُ كَيْفَ يَكونُ فِي الْبُطُونِ وَالْحُشُوشِ والأخلية؟ تَعَالَى اللهُ عَن ذَلِكَ. [٢/ ١٢٦]
١٩٩٨ - التَّكْفِير الْعَامّ -كَالْوَعِيدِ الْعَامِّ- يَجِبُ الْقَوْلُ بِإِطْلَاقِهِ وَعُمُومِهِ.
وَأَمَّا الْحُكْمُ عَلَى الْمُعَيَّنِ بِأَنَّهُ كَافِرٌ أَو مَشْهُودٌ لَهُ بِالنَّارِ: فَهَذَا يَقِفُ عَلَى الدَّلِيلِ الْمُعَيَّنِ، فَإِنَّ الْحُكْمَ يَقِفُ عَلَى ثُبُوتِ شُرُوطِهِ وَانْتِفَاءِ مَوَانِعِهِ.
وَإِذَا عُرِفَ هَذَا فَتَكفِيرُ الْمُعَيَّنِ مِن هَؤُلَاءِ الْجُهَّالِ وَأَمْثَالِهِمْ -بِحَيْثُ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ مِن الْكُفَّارِ- لَا يَجُوزُ الْإِقْدَامُ عَلَيْهِ إلَّا بَعْدَ أَنْ تَقُومَ عَلَى أَحَدِهِم الْحُجَّةُ الرسالية الَّتِي يَتَبَيَّنُ بِهَا أَنَّهُم مُخَالِفُونَ لِلرُّسُلِ، وَإِن كَانَت هَذِهِ الْمَقَالَةُ لَا ريبَ أَنَّهَا كُفْرٌ (١) .
وَهَكَذَا الْكَلَامُ فِي تَكْفِيرِ جَمِيعِ الْمُعَيَّنِينَ، مَعَ أَنَّ بَعْضَ هَذِهِ الْبِدْعَةِ أَشَدُّ مِن بَعْضٍ، وَبَعْضُ الْمُبْتَدِعَةِ يَكُونُ فِيهِ مِنَ الْإِيمَانِ مَا لَيْسَ فِي بَعْضٍ.
فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُكَفِّرَ أَحَدًا مِن الْمُسْلِمِينَ وَإِن أَخْطَأَ وَغَلِطَ حَتَّى تُقَامَ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ وَتُبَيَّنَ لَهُ الْمَحَجَّةُ.
وَمَن ثَبَتَ إيمَانُهُ بِيَقِينٍ لَمْ يَزُلْ ذَلِكَ عَنْهُ بِالشَّكِّ (٢) ؛ بَل لَا يَزُولُ إلَّا بَعْدَ إقَامَةِ الْحُجَّةِ وَإِزَالَةِ الشُّبْهَةِ. [١٢/ ٤٩٨] الحواشي
(١) أي: لو فعل مكفرًا ظاهرًا صريحًا، فلا يجوز الإقدام على تكفيره إلا بعد قيام الحجة عليه.(٢) هذه قاعدةٌ مُتفق عليها بين أهل العلم، ومع وضوحها وإجماع العلماء عليها إلا أنك ترى العجب من خوارج العصر، الذين يُكفرون حكام المسلمين وجنودهم وعلماءهم، وكثيرًا من رموزهم وقادتهم، بل أباحوا قتلهم وسفك دمائهم، ولقد رأينا كيف يتقرب الرجل بقتل ابن عمّه وأقاربه! فقبح الله الجهل كيف يقتل صاحبه، ويُورده المهالك.стр. 1558
١٩٩٩ - يَجِبُ الِاحْتِرَازُ مِن تَكْفِيرِ الْمُسْلِمِينَ بِالذُّنُوب وَالْخَطَايَا، فَإِنَّهُ أَوَّلُ بِدْعَةٍ ظَهَرَتْ فِي الْإِسْلَامِ، فَكَفَّرَ أَهْلُهَا الْمُسْلِمِينَ، وَاسْتَحلُّوا دِمَاءَهُم وَأَمْوَالَهُمْ، وَقَد ثَبَتَ عَن النَّبِيِّ ﷺ أحَادِيثُ صَحِيحَةٌ فِي ذَمِّهِمْ وَالْأَمْرِ بِقِتَالِهِمْ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ ﵁: صَحَّ فِيهِمُ الْحَدِيثُ مِن عَشَرَةِ أَوْجُهٍ، وَلهَذَا قَد أَخْرَجَهَا مُسْلِمٌ فِي "صَحِيحِهِ"، وَأَفْرَدَ الْبُخَارِيُّ قِطْعَةً مِنْهَا، وَهُم مَعَ هَذَا الذَّمِّ إنَّمَا قَصَدُوا اتِّبَاعَ الْقُرْآنِ! [١٣/ ٣١]
٢٠٠٠ - التَّرْجِيحُ بِمُجَرَّدِ الِاخْتِيَارِ، بِحَيْثُ إذَا تَكَافَأَتْ عِنْدَه الْأَدِلَّةُ يُرَجِّحُ بِمُجَرَّدِ إرَادَتِهِ وَاخْتِيَارِهِ (١) ، لَيْسَ قَوْلَ أَحَدٍ مِن أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ.
وَلَكِنْ قَالَهُ طَائِفَة مِن الْفُقَهَاءِ فِي الْعَامِّيِّ الْمُسْتَفْتِي: إنَّهُ يُخَيَّر بَيْنَ الْمُفْتِينَ الْمُخْتَلِفِينَ.
وَهَذَا كَمَا أَنَّ طَائِفَةً مِن السَّالِكِينَ إذَا اسْتَوَى عِنْدَهُ الْأَمْرَانِ فِي الشَّرِيعَةِ رَجَّحَ بِمُجَرَّدِ ذَوْقِهِ وَإِرَادَتِهِ.
فَالتَّرْجِيحُ بِمُجَرَّدِ الْإِرَادَةِ الَّتِي لَا تَسْتَنِدُ إلَى أَمْرٍ عِلْمِيٍّ بَاطِنٍ وَلَا ظَاهِرٍ لَا يَقولُ بِهِ أَحَدٌ مِن أَئِمَّةِ الْعِلْمِ وَالزُّهْدِ.
لَكِنْ قَد يُقَالُ: الْقَلْبُ الْمَعْفورُ بِالتَّقْوَى إذَا رَجَّحَ بِإِرَادَتِهِ فَهُوَ تَرْجِيحٌ شَرْعِيٌّ.
وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ لَيْسَ مِن هَذَا، فَمَن غَلَبَ عَلَى قَلْبِهِ إرَادَةُ مَا يُحِبُّهُ اللهُ وَبُغْضُ مَا يَكْرَهُهُ اللهُ إذَا لَمْ يَدْرِ فِي الْأَمْرِ الْمُعَيَّنِ هَل هُوَ مَحْبُوبٌ للهِ أَو مَكْرُوهٌ وَرَأَى قَلْبَهُ يُحِبُّهُ أَو يَكْرَهُهُ كَانَ هَذَا تَرْجِيحًا عِنْدَهُ.
كَمَا لَو أَخْبَرَهُ مَن صِدْقُهُ أَغْلَبُ مِن كَذِبِهِ، فَإِنَّ التَّرْجِيحَ بِخَبَرِ هَذَا عِنْدَ انْسِدَادِ وُجُوهِ التَّرْجِيحِ تَرْجِيحٌ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ. الحواشي
(١) وهذا يكثر عند العامة، حيث إذا سمعوا أنّ المسألة فيها قولان، أخذوا ما يُناسبهم ويُوافق أهواءهم، وهذا لا يجوز، بل يجب عليهم الرجوع لقول عالم يثقون به.стр. 1559
فَفِي "الْجُمْلَةِ" مَتَى حَصَلَ مَا يَظُنُّ مَعَهُ أَنَ أَحَدَ الأمْرَيْنِ أَحَبّ إلَى اللهِ وَرَسُولِهِ كَانَ هَذَا تَرْجِيحًا بِدَلِيلِ شَرْعِيٍّ.
وَاَلَّذِينَ أَنْكَرُوا كَوْنَ الْإِلْهَامِ طَرِيقًا عَلَى الْإِطْلَاقِ أَخْطَئُوا، كَمَا أَخْطَأَ الَّذِينَ جَعَلُوهُ طَرِيقًا شَرْعِيًّا عَلَى الْإِطْلَاقِ.
وَلَكِنْ إذَا اجْتَهَدَ السَّالِكُ فِي الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ الظَّاهِرَةِ فَلَمْ يَرَ فِيهَا تَرْجِيحًا وَأُلْهِمَ حِينَئِذٍ رُجْحَانَ أَحَدِ الْفِعْلَيْنِ مَعَ حُسْنِ قَصْدِهِ وَعِمَارَتِهِ بِالتَّقْوَى فَإِلْهَامُ مِثْل هَذَا دَلِيلٌ فِي حَقهِ؛ قَد يَكُونُ أَقْوَى مِن كَثِيرٍ مِن الْأَقْيِسَةِ الضَّعِيفَةِ، وَالْأَحَادِيثِ الضَّعِيفَةِ وَالظَوَاهِرِ الضَّعِيفَةِ وَالِاسْتِصْحَابات الضَّعِيفَةِ الَّتِي يَحْتَجُّ بِهَا كَثِيرٌ مِن الْخَائِضِينَ فِي الْمَذْهَبِ وَالْخِلَافِ وَأُصُولِ الْفِقْهِ.
وَأَيْضًا: فَإِذَا كَانَت الْأُمُورُ الْكَوْنِيَّةُ قَد تَنْكَشِفُ لِلْعَبْدِ الْمُؤْمِنِ يَقِينًا أَو ظَنًّا، فَالْأمُورُ الدِّينيَّةُ كَذَلِكَ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، فَإِنَّهُ إلَى كَشْفِهَا أَحْوَجُ.
لَكِنَّ هَذَا فِي الْغَالِبِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ كَشْفًا بِدَلِيل، وَقَد يَكُونُ بِدَلِيل يَنْقَدِحُ فِي قَلْبِ الْمُؤمِنِ وَلَا يُمْكِنُهُ التَّعْبِيرُ عَنْهُ، وَهَذَا أَحَدُ مَا فُسِّرَ بِهِ مَعْنَى "الِاسْتِحْسَانِ".
وَقَد قَالَ مَن طَعَنَ فِي ذَلِكَ -كَأَبِي حَامِدٍ وَأَبِي مُحَمَّدٍ-: مَا لَا يُعَبِّرُ عَنْهُ فَهُوَ هَوَسٌ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ كُل أَحَدٍ يُمْكنُهُ إبَانَةَ الْمَعَانِي الْقَائِمَةِ بِقَلْبِهِ. [١٠/ ٤٧٢ - ٤٧٧]
٢٠٠١ - الصَّوَابُ الَّذِي عَلَيْهِ السَّلَفُ وَالْجُمْهُورُ: أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي كُلِّ حَادِثَةٍ مِن دَلِيل شَرْعِيٍّ، فَلَا يَجُوزُ تَكَافُؤُ الْأَدِلَّةِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، لَكِنْ قَد تَتَكَافَأُ عِنْدَ النَّاظِرِ لِعَدَمِ ظُهُورِ التَرْجِيحِ لَهُ. [١٠/ ٤٧٧]
٢٠٠٢ - الْمُجْتَهِدُ إذَا أدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَى جِهَةٍ سَقَطَ عَنْهُ الْفَرْضُ بِالصَّلَاةِ إلَيْهَا؛ كَالْمُجْتَهِدِ إذَا أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَى قَوْلٍ فَعَمِلَ بِمُوجِبِهِ، كِلَاهُمَا مُطِيعٌ للهِ، وَهُوَ مُصِيبٌ بِمَعْنَى أَنَّهُ مُطِيعٌ للهِ، وَلَهُ أَجْرٌ عَلَى ذَلِكَ، وَلَيْسَ مُصِيبًا بِمَعْنَى أَنَّهُ
стр. 1560
عَلِمَ الْحَقَّ الْمُعَيَّنَ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا وَاحِدًا، وَمُصِيبُهُ لَهُ أَجْرَانِ. [١٠/ ٤٧٨]
٢٠٠٣ - إِنَّ أَقْوَامًا يَقُولُونَ وَيَفْعَلُونَ أُمُورًا هُم مُجْتَهِدُونَ فِيهَا وَقَد أَخْطَئُوا، فَتَبْلُغُ أَقْوَامًا يَظُنُّونَ أَنَّهُم تَعَمَّدُوا فِيهَا الذَّنْبَ، أَو يَظُنُّونَ أَنَّهُم لَا يُعْذَرُونَ بِالْخَطَأِ.
وَهُم أَيْضًا مُجْتَهِدُونَ مُخْطِئُونَ، فَيَكُونُ هَذَا مُجْتَهِدًا مُخْطِئًا فِي فِعْلِهِ، وَهَذَا مُجْتَهِدًا مُخْطِئًا فِي إنْكَارِهِ، وَالْكُلُّ مَغْفُورٌ لَهُمْ.
وَقَد يَكُونُ أَحَدُهُمَا مُذْنِبًا، كَمَا قَد يَكُونَانِ جَمِيعًا مُذْنِبِينَ. [١٠/ ٥٤٦ - ٥٤٧]
٢٠٠٤ - لَيْسَ كُلُّ مَا اعْتَقَدَ فَقِيهٌ مُعَيَّنٌ أنَّهُ حَرَامٌ كَانَ حَرَامًا، إنَّمَا الْحَرَامُ مَا ثَبَتَ تَحْرِيمُهُ بِالْكِتَابِ أَو السُّنَّةِ أَو الْإِجْمَاعِ أَو قِيَاسٍ مُرَجِّحٍ لِذَلِكَ، وَمَا تَنَازَعَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ رُدَّ إلَى هَذِهِ الْأُصُولِ.
وَمِن النَّاسِ مَن يَكُون نَشَأَ عَلَى مَذْهَبِ إمَامٍ مُعَيَّنٍ، أَو اسْتَفْتَى فَقِيهًا مُعَيَّنًا، أَو سَمِعَ حِكَايَةً عَن بَعْضِ الشُّيُوخِ: فَيُرِيدُ أَنْ يَحْمِلَ الْمُسْلِمِينَ كُلَّهُم عَلَى ذَلِكَ وَهَذَا غَلَظ. [١٩/ ٣١٥ - ٣١٦]
٢٠٠٥ - التَّعَصُّبُ لِأَمْرِ مِن الْأُمُورِ بِلَا هُدًى مِن اللهِ: هُوَ مِن عَمَلِ الْجَاهِلِيَّةِ. ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٥٠] (١) . [١١/ ٢٧]
٢٠٠٦ - الْوَاجِبُ عَلَى النَّاسِ اتَّبَاعُ مَا بَعَثَ الله بِهِ رَسُولَهُ، وَأَمَّا إذَا خَالَفَ قَوْلَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ وَوَافَقَ قَوْلَ آخَرِينَ لَمْ يَكُن لِأَحَدٍ أَنْ يُلْزِمَهُ بِقَوْلِ الْمُخَالِفِ وَيَقُول: هَذَا خَالَفَ الشَّرْع. [١١/ ٢٠٤]
٢٠٠٧ - كُلُّ أَحَدٍ يُؤخَذُ مِن قَوْلِهِ ويُتْرَكُ إلَّا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَمَا ثَمَّ مَعْصُومٌ الحواشي
(١) بعضُ مَن يقدح في الدعاة إلى الله والعلماء بسبب بعض الاجتهادات التي يرونها خاطئةً: يكون الدافع لقدح كثير منهم: التعصب لآرائهم بلا برهانٍ تبرأ به الذمة.стр. 1561
مِن الْخَطَأِ غَيْر الرَّسُولِ، لَكِنَّ الشُّيُوخَ الَّذِينَ عُرِفَ صِحَّةُ طَرِيقَتِهِمْ عُلِمَ أَنَّهُم لَا يَقْصِدُونَ مَا يُعْلَمُ فَسَادُهُ بِالضَّرُورَةِ مِن الْعَقْلِ وَالدِّينِ (١) . [١١/ ٣٩٣]
٢٠٠٨ - كَثِيرٌ مِن الْمُتَفَقِّهَةِ (٢) إذَا رَأَى بَعْضَ النَّاسِ مِن الْمَشَايخِ الصَّالِحِينَ يَرَى أَنَّهُ يَكُونُ الصَّوَابُ مَعَ ذَلِكَ وَغَيْره قَد خَالَفَ الشَّرْعَ وَإِنَّمَا خَالَفَ مَا يَظُنُّهُ هُوَ الشَّرْعُ وَقَد يَكُونُ ظَنُّهُ خَطَأً فَيُثَابُ عَلَى اجْتِهَادِهِ وَخَطَؤُهُ مَغْفُورٌ لَهُ وَقَد يَكُونُ الْآخَرُ مُجْتَهِدًا مُخْطِئًا. [١١/ ٤٣٠ - ٤٣١]
٢٠٠٩ - الْمَسَائِلُ إذَا تَصَوَّرَهَا النَّاسُ عَلَى وَجْهِهَا تَصَوُّرًا تَامًّا ظَهَرَ لَهُم الصَّوَابُ، وَقَلَّتْ الْأَهْوَاءُ وَالْعَصَبِيَّاتُ، وَعَرَفُوا مَوَارِدَ النِّزَاعِ (٣) .
فَمَن تَبَيَّنَ لَهُ الْحَقُّ فِي شَيْءٍ مِن ذَلِكَ اتَّبَعَهُ، وَمَن خَفِيَ عَلَيْهِ تَوَقَّفَ حَتَّى يُبَيِّنَه اللهُ لَهُ، وَيَنْبَغِيَ لَهُ أَنْ يَسْتَعِينَ عَلَى ذَلِكَ بِدُعَاءِ اللهِ، وَمِن أَحْسَنِ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي "صَحِيحِهِ" عَن عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذَا قَامَ مِن اللَّيْلِ يُصَلِّي يَقُولُ: "اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرِيلَ وميكائيل وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِك فِيمَا كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اُخْتُلِفَ فِيهِ مِن الْحَقِّ بِإِذْنِك، إنَّك تَهْدِي مَن تَشَاءُ إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ" (٤) . [١١/ ١٠٣]
٢٠١٠ - الصَّوَابُ: أَنَّهُ مَن اجْتَهَدَ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَقَصَدَ الْحَقَّ فَأَخْطَأَ: لَمْ يُكَفَّرْ؛ بَل يُغْفَرُ لَه خَطَؤُهُ.
وَمَن تَبَيَّنَ لَهُ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ فَشَاقَّ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَاتَّبَعَ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ: فَهُوَ كَافِرٌ. الحواشي
(١) قاعدة عظيمة، مفادها: أنه يجب على المسلم أنْ يحمل ما يصدر من أحد المشايخ من الدعاة إلى الله وغيرهم من أخطاء وعبارات ظاهرها الفساد على أنهم لا يقصدون ما يُعلم فساده.(٢) من طلاب العلم وغيرهم.(٣) وقال ﵀ بعد نقاشٍ طويل لإحدى المسائل: وَمَن تَدَبَّرَ هَذِهِ الْمَسَائِلَ وَأَمْثَالَهَا تبَيَّنَ لَهُ أنَّ أَكْثَرَ اخْتِلَافِ الْعُقَلَاءِ مِن جِهَةِ اشتِرَاكِ الْأسْمَاءِ. المجموع (١٢/ ١١٣).(٤) رواه مسلم(٧٧٠) .стр. 1562
وَمَن اتَّبَعَ هَوَاهُ وَقَصَّرَ فِي طَلَبِ الْحَقِّ وَتَكَلَّمَ بِلَا عَلَمٍ: فَهُوَ عَاصٍ مُذْنِبٌ.
ثُمَّ قَد يَكُونُ فَاسِقًا، وَقَد تَكُونُ لَهُ حَسَنَاتٌ تَرْجَحُ عَلَى سَيِّئاتِهِ.
فَالتَّكْفِيرُ يَخْتَلِفُ بِحَسَب اخْتِلَافِ حَالِ الشَّخْصِ، فَلَيْسَ كُلُّ مُخْطِئٍ، وَلَا مُبْتَدعٍ، وَلَا جَاهِلٍ، وَلَا ضَالٍّ: يَكُونُ كَافِرًا؛ بَل وَلَا فَاسِقَا؛ بَل وَلَا عاصِيًا. [١٢/ ١٨٠]
٢٠١١ - يُسْتَفَادُ مِن قَوْلِ كُلِّ طَائِفَةٍ (١) بَيَانُ فَسَادِ قَوْلِ الطَّائِفَةِ الْأُخْرَى، فَيَعْرِفُ الطَّالِبُ فَسَادَ تِلْكَ الْأَقْوَالِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ دَاعِيًا لَهُ إلَى طَلَبِ الْحَقِّ، وَلَا تَجِدُ الْحَقَّ إلَّا مُوَافِقًا لِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ ، وَلَا تَجِدُ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ إلَّا مُوَافِقًا لِصَرِيحِ الْمَعْقُولِ، فَيَكُونُ مِمَن لَهُ قَلْبٌ أَو أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ، وَمِمَن لَهُ قَلْبٌ يَعْقِلُ بِهِ، وَأُذُن يَسْمَعُ بِهَا، بِخِلَافِ الَّذِينَ قَالُوا: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (١٠) ﴾ [الملك: ١٠]. [١٢/ ٣١٤]
٢٠١٢ - كَثُرَ مِن الْمُتَأَخِّرِينَ مُخَالَفَةُ الْكتَابِ وَالسّنَّةِ مَا لَمْ يَكُن مِثْلُ هَذَا فِي السَّلَفِ.
وَإِن كَانُوا مَعَ هَذَا مُجْتَهِدِينَ مَعْذُورِينَ، يَغْفِرُ اللهُ لَهُم خَطَايَاهُمْ، وَيُثِيبُهُم عَلَى اجْتِهَادِهِمْ.
وَقَد يَكُونُ لَهُم مِن الْحَسَنَاتِ مَا يَكُونُ لِلْعَامِلِ مِنْهُم أَجْرُ خَمْسِينَ رَجُلًا يَعْمَلُهَا فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ؛ لِأَنَّهُم كَانُوا يَجِدُونَ مَن يُعِينُهُم عَلَى ذَلِكَ وَهَؤُلَاءِ الْمُتَأَخِّرُونَ لَمْ يَجِدُوا مَن يُعِينُهُم عَلَى ذَلِكَ.
لَكِنَّ تَضْعِيفَ الْأَجْرِ لَهُم فِي أُمُورٍ لَمْ يُضَعَّفْ لِلصَّحَابَةِ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونُوا أَفْضَلَ مِن الصَّحَابَةِ، وَلَا يَكُون فَاضِلُهُم كَفَاضِلِ الصَّحَابَةِ. [١٣/ ٦٥]
٢٠١٣ - قَوْله تَعَالَى فِي هَذِهِ: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ [النساء: ١٥٧] هُوَ ذَمٌّ لَهُم عَلَى اتِّبَاعِ الظَّنِّ بِلَا عِلْمٍ. الحواشي
(١) الَّذِينَ أقْوَالُهُمْ بَاطِلَةٌ.стр. 1563
كَذَلِكَ قَولهُ: ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (١٤٨) ﴾ [الأنعام: ١٤٨]، مُطَالَبَةٌ بِالْعِلْمِ وَذَمٌّ لِمَن يَتَّبعُ الظَنَّ وَمَا عِنْدَهُ عِلْمٌ.
وَالِاجْتِهَادُ فِي تَحْقِيقِ الْمَنَاطِ مِمَّا اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ وَلَا بُدَّ مِنْهُ.
وَلَا يُوجَدُ مَن يَسْتَغْنِي عَن الظَوَاهِرِ وَالْأَخْبَارِ وَالْأَقْيِسَةِ؛ بَل لَا بُدَّ أَنْ يَعْمَلَ بِبَعْضِ ذَلِكَ مَعَ تَجْوِيزِ نَقِيضِهِ (١) ، وَهَذَا عَمَلٌ بِالظَّنِّ، وَالْقُرْآنُ قَد حَرَّمَ اتِّبَاعَ الظَّنِّ.
وَقَد تَنَوَّعَتْ طُرُقُ النَّاسِ فِي جَوَازِ هَذَا، فَطَائِفَةٌ قَالَتْ (٢) : لَا يُتَّبَعُ قَطُّ إلَّا الْعِلْمُ وَلَا يُعْمَلُ بِالظَّنِّ أَصْلًا.
وَهُنَا السُّؤَالُ الْمَشْهُورُ فِي حَدِّ الْفِقْهِ: أَنَّهُ الْعِلْمُ بِالْأَحْكَامِ الشَرْعِيَّةِ الْعَمَلِيَّةِ.
وَقَالَ الرَّازِي: الْعِلْمُ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْعَمَلِيَّةِ الْمُسْتَدَلِّ عَلَى أَعْيَانِهَا، بِحَيْثُ لَا يُعْلَمُ كَوْنُهَا مِن الدِّينِ ضَرُورَةً.
قَالَ: فَإِنْ قُلْت: الْفِقْهُ مِن بَابِ الظُّنُونِ فَكَيْفَ جَعَلْته عِلْمًا؟
قُلْت: الْمُجْتَهِدُ إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ مُشَارَكَةُ صُورَةٍ لِصُورَةٍ فِي مَنَاطِ الْحُكمِ قَطَعَ بِوُجُوبِ الْعَمَلِ بِمَا أَدَّى إلَيْهِ ظَنُّهُ، فَالْعِلْمُ حَاصِلٌ قَطْعًا، وَالظَّنِّ وَاقِعٌ فِي طَرِيقِهِ. اهـ.
وَحَقِيقَةُ هَذَا الْجَوَابِ أنَّ هُنَا مُقَدِّمَتَيْنِ:
إحْدَاهُمَا: أَنَّهُ قَد حَصَلَ عِنْدِي ظَنٌّ.
وَالثَّانِيَةُ: قَد قَامَ الدَّلِيلُ الْقَطْعِيُّ عَلَى وُجُوبِ اتِّباعِ هَذَا الظَّنِّ. الحواشي
(١) أي: قد يعمل بقولِ، وهو يُجوّز أنْ يكون الراجح في القول الآخر المخالف لقوله.(٢) هذا القول الأول.стр. 1564
لَكِنْ يُقَالُ: الْعَمَلُ بِهَذَا الظَّنِّ هُوَ حُكْمُ أُصُولِ الْفِقْهِ لَيْسَ هُوَ الْفِقْهَ؛ بَل الْفِقْهُ هُوَ ذَاكَ الظَّنُّ الْحَاصِل بِالظَّاهِرِ؛ وَخَبَر الْوَاحِدِ، وَالْقِيَاسُ، وَالْأصُولُ: تُفِيدُ أَنَّ الْعَمَلَ بهَذَا الظَّنِّ وَاجِبٌ (١) ، وَإِلَّا فَالْفُقَهَاءُ لَا يَتَعَرَّضُونَ لِهَذَا، فَهَذَا الْحُكْمُ الْعَمَلِيُّ الْأُصُولِيُّ لَيْسَ هُوَ الْفِقْهَ.
وَقَالَ الْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُ مِمَن نَصَرَ قَوْله (٢) : قَد يَكُونُ بِحَسَبِ مَيْلِ النَّفْسِ إلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ دُونَ الْآخَرِ، كَمَيْلِ ذِي الشِّدَّةِ إلَى قَوْلٍ، وَذِي اللِّينِ إلَى قَوْلٍ.
وَحِينَئِذٍ فَعِنْدَهُم مَتَى وَجَدَ الْمُجْتَهِدُ ظَنًّا فِي نَفْسِهِ فَحُكْمُ اللهِ فِي حَقّهِ اتِّبَاعُ هَذَا الظَّنِّ، وَقَد أَنْكَرَ أَبُو الْمَعَالِي وَغَيْرُهُ عَلَيْهِ هَذَا الْقَوْلَ إنْكَارًا بَلِيغًا، وَهُم مَعْذُورُونَ فِي إنْكَارِهِ.
وَالْكلَامُ فِي شَيْئَيْنِ:
١ - فِي اتِّبَاعِ الظَّنِّ (٣) .
٢ - وَفِي الْفِقْهِ هَل هُوَ مِن الظُّنُونِ؟
أَمَّا الْأَوَّلُ: فَالْجَوَابُ الصَّحِيحُ هُوَ الْجَوَابُ الثَّالِثُ (٤) : وَهُوَ أَنَّ كُلَّ مَا أَمَرَ اللهُ تَعَالَى بِهِ فَإِنَّمَا أَمَرَ بِالْعِلْمِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ فِي الْمَسَائِلِ الْخَفِيَّةِ عَلَيْهِ أَنْ يَنْظُرَ فِي الْأَدِلَّةِ وَيَعْمَلَ بِالرَّاجِحِ.
وَكَوْنُ هَذَا هُوَ الرَّاجِح: أَمْرٌ مَعْلُومٌ عِنْدَ أَمْرٍ مَقْطُوعٍ بِهِ.
وَإِن قُدِّرَ أَنَّ تَرْجِيحَ هَذَا عَلَى هَذَا فِيهِ شَكٌّ عِنْدَهُ لَمْ يَعْمَلْ بِهِ. الحواشي
(١) مثالُه: أنْ يجتهد الفقيه في حكم قراءة الجنب للقرآن، فيجد في النصوص ما يمنع من ذلك، فيطمئنّ قلبُه للمنع، فهذا من اختصاص الفقيه، ثم تأتي مرحلةٌ أخرى، وهي: أنّ النهي يقتضي التحريم، فيحرم على الجنب قراءة القرآن، وهذا من اختصاص الأصولي، ولكن الفقه لا يستغني عن الأصول أبدًا.(٢) هذا القول الثاني.(٣) أي: هل يجوز ذلك، والنصوص كما سبق ذمت من اتبع الظن.(٤) وهو لم يُذكر من قبل، لكنه ذكره الآن.стр. 1565
وَإِذَا ظَنَّ الرُّجْحَانَ فَإِنَّمَا ظَنُّهُ لِقِيَامِ دَلِيلٍ عِنْدَهُ عَلَى أَنَّ هَذَا رَاجِحٌ.
فَيَكُونُ مُتَّبِعًا لِمَا عَلِمَ أَنَّهُ أَرْجَحُ، وَهَذَا اتِّبَاعٌ لِلْعِلْمِ لَا لِلظَّنِّ، وَهُوَ اتِّبَاعُ الْأَحْسَنِ كَمَا قَالَ ﴿فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾ [الأعراف: ١٤٥]، وَقَالَ: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٨].
فَإذَا كَانَ أَحَدُ الدَّلِيلَيْنِ هُوَ الْأَرْجَحَ فَاتِّبَاعُهُ هُوَ الْأَحْسَنُ وَهَذَا مَعْلُومٌ. فَالْوَاجِبُ عَلَى الْمُجْتَهِدِ أَنْ يَعْمَلَ بِمَا يَعْلَمُ أَنَّهُ أَرْجَحُ مِن غَيْرِهِ، وَهُوَ الْعَمَلُ بِأَرْجَحِ الدَّلِيلَيْنِ الْمُتَعَارِضَيْنِ.
وَحِينَئِذٍ فَمَا عَمِلَ إلَّا بِالْعِلْمِ.
وَالْقُرْآنُ ذَمَّ مَن لَا يَتَّبعُ إلَّا الظَّنَّ فَلَمْ يَسْتَنِدْ ظَنُّهُ إلَى عِلْمٍ بِأَنَّ هَذَا أَرْجَحُ مِن غَيْرِهِ؛ كَمَا قَالَ: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ [النساء: ١٥٧]، وَهَكَذَا فِي سَائِرِ الْمَوَاضِع يَذُمُّ الَّذِينَ إنْ يَتَّبِعُونَ إلَّا الظَّنَّ فَعِنْدَهُم ظَنّ مُجَرَّد لَا عِلْمَ مَعَهُ وَهُم يَتَّبِعُونَهُ، وَاَلذِي جَاءَت بِهِ الشَّرِيعَةُ وَعَلَيْهِ عُقَلَاءُ النَّاسِ أَنَّهُم لَا يَعْمَلُونَ إلَّا بِعِلْمٍ بِأَنَّ هَذَا أَرْجَحُ مِن هَذَا، فَيَعْتَقِدُونَ الرُّجْحَانَ اعْتِقَادًا عَمَلِيًّا، لَكِنْ لَا يَلْزَمُ إذَا كَانَ أَرْجَحَ أَنْ لَا يَكُونَ الْمَرْجُوحُ هُوَ الثَّابِتَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَن قَوْلِهِمْ: (الْفِقْهُ مِن بَابِ الظُّنُونِ): فالتَّحْقِيقُ أَنَّ عَنْهُ جَوَابَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُقَالَ: جُمْهُورُ مَسَائِلِ الْفِقْهِ الَّتِي يَحْتَاجُ إلَيْهَا النَّاسُ وَيُفْتُونَ بِهَا هِيَ ثَابِتَةٌ بِالنَّصِّ أَو الْإِجْمَاعِ، وَإِنَّمَا يَقَعُ الظَّنُّ وَالنِّزَاعُ فِي قَلِيلٍ مِمَّا يَحْتَاجُ إلَيْهِ النَّاسُ، وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي سَائِرِ الْعُلُومِ، وَكَثِيرُ مَسَائِلِ الْخِلَافِ هِيَ فِي أُمُورٍ قَلِيلَةِ الْوُقُوعِ وَمُقَدَّرَةٍ، وَأَمَّا مَا لَا بُدَّ لِلنَاسِ مِنْهُ مِن الْعِلْمِ مِمَّا يَجِبُ عَلَيْهِم وَيَحْرُمُ وَيُبَاحُ فَهُوَ مَعْلُومٌ مَقْطُوعٌ بِهِ، وَمَا يُعْلَمُ مِن الدِّينِ ضَرُورَة جُزْءٌ مِن الْفِقْهِ، وَإِخْرَاجُهُ مِن الْفِقْهِ قَوْلٌ لَمْ يُعْلَمْ أَحَدٌ مِن الْمُتَقَدِّمِينَ قَالَهُ.
الْجَوَابُ الثَّاني: أَنْ يُقَالَ: الْفِقْهُ لَا يَكُونُ فِقْهًا إلَّا مِن الْمُجْتَهِدِ الْمُسْتَدِلِّ،
стр. 1566
وَهُوَ قَد عَلِمَ أَنَّ هَذَا الدَّلِيلَ أَرْجَحُ، وَهَذَا الظَّنَّ أَرْجَحُ، فَالْفِقْهُ هُوَ عِلْمُهُ بِرُجْحَانِ هَذَا الدَّلِيلِ وَهَذَا الظَّنِّ.
لَيْسَ الْفِقْهُ قَطْعَهُ بِوُجُوبِ الْعَمَل؛ أَيْ: بِمَا أَدَّى إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ؛ بَل هَذَا الْقَطْعُ مِن أُصُولِ الْفِقْهِ، وَالْأصُولِيُّ يَتَكَلّمُ فِي جِنْسِ الْأدِلَّةِ، ويتَكَلَّمُ كَلَامَا كُلِيًّا، فَيَقُولُ: يَجِبُ إذَا تَعَارَضَ دَلِيلَانِ أَنْ يُحْكَمَ بِأَرْجَحِهِمَا، وَيَقُولُ أَيْضًا: إذَا تَعَارَضَ الْعَامُّ وَالْخَاصُّ فَالْخَاصُّ أرْجَحُ، وَإِذَا تَعَارَضَ الْمُسْنَدُ وَالْمُرْسَلُ فَالْمُسْنَدُ أَرْجَحُ، وَيَقُولُ أَيْضًا: الْعَامُّ الْمُجَرَّدُ عَن قَرَائِنِ التَّخْصِيصِ شُمُولُهُ الْأفْرَادَ أَرْجَحُ مِن عَدَمِ شُمُولِهِ، ويجِبُ الْعَمَلُ بِذَلِكَ. فَأَمَّا الْفَقِيهُ: فَيَتَكَلَّمُ فِي دَليلِ مُعَيَّنِ فِي حُكْمٍ مُعَيَّنٍ.
فَقَد تَبَيَّنَ أَنَّ الظَّنَّ لَهُ أَدِلَّةٌ تَقْتَضِيهِ وَأنَّ الْعَالِمَ إنَّمَا يَعْلَمُ بِمَا يُوجِبُ الْعِلْمَ بِالرُّجْحَانِ لَا بِنَفْسِ الظَّنِّ إلَّا إذَا عَلِمَ رُجْحَانَهُ وَأَمَّا الظَّنُّ الَّذِي لَا يُعْلَمُ رُجْحَانُهُ فَلَا يَجُوزُ اتِّبَاعُهُ وَذَلِكَ هُوَ الَّذِي ذَمَّ اللهُ بِهِ مَن قَالَ فِيهِ: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ [الأنعام: ١١٦] فَهُم لَا يَتَّبِعُونَ إلَّا الظَّنّ لَيْسَ عِنْدَهُم عِلْمٌ. وَلَو كَانُوا عَالِمِينَ بِأَنَّهُ ظَنٌّ رَاجِحٌ لَكانُوا قَد اتَّبَعُوا عِلْمًا لَمْ يَكُونُوا مِمَن يَتَّبعُ إلَّا الظَّنَّ وَاللهُ أعْلَمُ. [١٣/ ١١٠ - ١٢٠]
٢٠١٤ - من المعلوم لمن تدبر الشريعة أنَّ أحكام عامة أفعال العباد معلومة لا مظنونة، وأن الظن فيها إنما هو قليل جدًّا في بعض الحوادث لبعض المجتهدين، فأما كالب الأفعال مفادها وأحداثها فغالب أحكامها معلومة ولله الحمد. [الاستقامة ٦٧]
٢٠١٥ - إِذَا أُرِيدَ بِالْخَطَأِ الْإثْمُ: فَلَيْسَ الْمُجْتَهِدُ بِمُخْطِئٍ؛ بل كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ مُطِيعٌ للهِ فَاعِلٌ مَا أَمَرَهُ اللهُ بِهِ:
وَإِذَا أُرِيدَ بِهِ عَدَمُ الْعِلْمِ بِالْحَقِّ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ: فَالْمُصِيبُ وَاحِدٌ وَلَهُ أَجْرَانِ.
стр. 1567
وَهَذِهِ حَالُ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ وَالنَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ فِي الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ، وَلَمْ يُفَرِّق أَحَدٌ مِن السَّلَفِ وَالْأئِمَّةِ بَيْنَ أُصُولٍ وَفُرُوعٍ.
بَل جَعْلُ الدِّينِ قِسْمَيْنِ: أُصُولًا وَفُرُوعًا لَمْ يَكُن مَعْرُوفًا فِي الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَلَمْ يَقُلْ أحَدٌ مِن السَّلَفِ وَالصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ إنَّ الْمُجْتَهِدَ الَّذِي اسْتَفْرَغَ وُسْعَهُ فِي طَلَبِ الْحَقِّ يَأْثَمُ، لَا فِي الْأُصُولِ وَلَا فِي الْفُرُوعِ، وَلَكنَّ هَذَا التَّفْرِيقَ ظَهَرَ مِن جِهَةِ الْمُعْتَزِلَةِ وَأَدْخَلَهُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ مَن نَقَلَ ذَلِكَ عَنْهُمْ.
وَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ الْأَئِمَّةِ كَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمَا. [١٣/ ١٢٤ - ١٢٥]
٢٠١٦ - إِذَا تَدَبَّرَ الْإِنْسَانُ تَنَازُعَ النَّاسِ وَجَدَ عِنْدَ كُلِّ طَائِفَةٍ مِن الْعِلْمِ مَا لَيْسَ عِنْدَ الْأُخْرَى، كَمَا فِي مَسَائِلِ الْأَحْكَامِ (١) . [١٣/ ١٢٧]
٢٠١٧ - عَلَى الْمُسْلِمِ الِاعْتِصَامُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَأَنْ يَجْتَهِدَ فِي أَنْ يَعْرِفَ مَا أَخْبَرَ بِهِ الرَّسُولُ وَأَمَرَ بِهِ عِلْمًا يَقِينِيًّا؛ وَحِينَئِذٍ فَلَا يَدَعُ الْمُحْكَمَ الْمَعْلُومَ لِلْمُشْتَبِهِ الْمَجْهُولِ، فَإِنَّ مِثَالَ ذَلِكَ: مِثْلُ مَن كَانَ سَائِرًا إلَى مَكَّةَ فِي طَرِيقٍ مَعْرُوفَةٍ لَا شَكَّ أَنَّهَا تُوَصِّلُهُ إلَى مَكَّةَ إذَا سَلَكَهَا، فَعَدَلَ عَنْهَا إلَى طَرِيقٍ مَجْهُولَةٍ لَا يَعْرِفُهَا وَلَا يَعْرِفُ مُنْتَهَاهَا، وَهَذَا مِثَالُ مَن عَدَلَ عَن الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ إلَى كَلَامِ مَن لَا يَدْرِي هَل يُوَافِقُ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ أَو يُخَالِفُ ذَلِكَ.
وَأَمَّا مَن عَارَضَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ بِمَا يُخَالِفُ ذَلِكَ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَن كَانَ يَسِيرُ عَلَى الطَّرِيقِ الْمَعْرُوفَةِ إلَى مَكَّةَ، فَذَهَبَ إلَى طَرِيقِ قُبْرُصَ يَطْلُبُ الْوُصُولَ مِنْهَا إلَى مَكَّةَ، فَإِنَّ هَذَا حَالُ مَن تَرَكَ الْمَعْلُومَ مِن الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ إلَى مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ مِن كَلَامِ زيدٍ وَعَمْرٍو كَائِنًا مَن كَانَ. [١٣/ ٢٥٨ - ٢٥٩] الحواشي
(١) فالواجب على المسلم أن يستفيد من غيره الحق والصواب، فقد يجد عنده ما يستفيد منه في الدين أو الدنيا، وقد يكون عنده نظرٌ سياسيّ ثاقب، أو مشاريع تنموية أو صناعية ونحو ذلك.
وكذلك قد يكون عنده من الوسائل الدعوية ما يستفيد منه.стр. 1568
٢٠١٨ - مَن حَكَى خِلَافًا فِي مَسْأَلَةٍ وَلَمْ يَسْتَوْعِبْ أَقْوَالَ النَّاسِ فِيهَا فَهُوَ نَاقِصٌ؛ إذ قَد يَكُونُ الصَّوَابُ فِي الَّذِي تَرَكَهُ.
أَو يَحْكِي الْخِلَافَ وَيُطْلِقُهُ وَلَا يُنَبِّهُ عَلَى الصَّحِيحِ مِن الْأَقْوَالِ فَهُوَ نَاقِصٌ أَيْضًا، فَإِنْ صَحَّحَ غَيْرَ الصَّحِيحِ عَامِدًا فَقَد تَعَمَّدَ الْكَذِبَ، أَو جَاهِلًا فَقَد أَخْطَأ.
كَذَلِكَ مَن نَصَبَ الْخِلَافَ فِيمَا لَا فَائِدَةَ تَحْتَهُ، أَو حَكى أَقْوَالًا مُتَعَدِّدَةً لَفْظًا ويَرْجِعُ حَاصِلُهَا إلَى قَوْلٍ أَو قَوْلَيْنِ مَعْنى فَقَد ضَيَّعَ الزَّمَانَ، وَتَكَثَّرَ بِمَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ فَهُوَ كَلَابِسِ ثَوْبَي زُورٍ. [١٣/ ٣٦٨]
٢٠١٩ - مَن لَمْ يَعْدِلْ فِي خُصُومِهِ وَمُنَازَعِيهِ، وَيَعْذُرْهُم بِالْخَطَأِ فِي الِاجْتِهَادِ؛ بَل ابْتَدَعَ بِدْعَةً وَعَادَى مَن خَالَفَهُ فِيهَا أَو كَفَّرَهُ: فَإِنَّهُ هُوَ ظَلَمَ نَفْسَهُ.
وَأَهْلُ السُّنَّةِ وَالْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ يَعْلَمُونَ الْحَقَّ وَيَرْحَمُونَ الْخَلْقَ، يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ فَلَا يَبْتَدِعُونَ.
وَمَن اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ خَطَأً يَعْذُرُهُ فِيهِ الرَّسُولُ: عَذَرُوهُ. وَأَهْلُ البِدَعِ مِثْلُ الْخَوَارجِ يَبْتَدِعُونَ بِدْعَةً وَيُكَفِّرُونَ مَن خَالَفَهُم وَيَسْتَحِلُّونَ دَمَهُ.
وَاللهُ يُحِبُّ الْكَلَامَ بِعِلْمٍ وَعَدْلٍ، وَيكْرَهُ الْكَلَامَ بِجَهْلٍ وَظُلْمٍ؛ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "الْقُضَاةُ ثَلَاَثةٌ: قَاضِيَانِ في النَّارِ وَقَاضٍ فِي الْجَنَّةِ: رَجُلٌ قَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ فَهُوَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ عَلِمَ الْحَقَّ وَقَضَى بِخِلَافِهِ فَهُوَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ عَلِمَ الْحَقَّ وَقَضَى بِهِ فَهُوَ في الْجَنَّةِ" (١) .
وَقَد حَرَّمَ سُبْحَانَهُ الْكلَامَ بِلَا عِلْمٍ مُطْلَقًا، وَخَصَّ الْقَوْلَ عَلَيْهِ بِلَا عِلْم بِالنَّهْي فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦) ﴾ [الإسراء: ٣٦]. الحواشي
(١) رواه أبو داود(٣٥٧٣٩) ، والترمذي(١٣٢٢) ، وابن ماجه(٢٣١٥) ، وصحَّحه الألباني في صحيح الجامع(٤٤٤٦) .стр. 1569
وَأمَرَ بِالْعَدْلِ عَلَى أَعْدَاءِ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨]. [١٦/ ٩٦ - ٩٧]
٢٠٢٠ - إِنَّ كَثِيرًا مِن النَّاسِ يَقْرَأُ كُتُبًا مُصَنَّفَةً فِي أُصُولِ الدِّينِ وَأُصُولِ الْفِقْهِ؛ بَل فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ، وَلَا يَجِدُ فِيهَا الْقَوْلَ الْمُوَافِقَ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الَّذِي عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا، وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِصَحِيحِ الْمَنْقُولِ وَصَرِيحِ الْمَعْقُولِ؛ بَل يَجِدُ أَقْوَالًا كُلٌّ مِنْهَا فِيهِ نَوْعٌ مِن الْفَسَادِ وَالتَّنَاقُضِ، فَيَحَارُ مَا الَّذِي يُؤْمِنُ بِهِ فِي هَذَا الْبَابِ، وَمَا الَّذِي جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ، وَمَا هُوَ الْحَقُّ وَالصِّدْقُ، إذ لَمْ يَجِدْ فِي تِلْكَ الْأَقْوَالِ مَا يَحْصُلُ بِهِ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا الْهُدَى فِيمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ الَّذِي قَالَ اللهُ فِيهِ: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (٥٣) ﴾ [الشورى: ٥٢، ٥٣]. [١٧/ ١٠٢]
٢٠٢١ - يَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ يَعْرِفَ أَنَّ مِثْل هَذِهِ الْمَسَائِلِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي هِيَ مِن أَعْظَمِ مَسَائِلِ الدِّينِ لَمْ يَكُنِ السَّلَفُ جَاهِلِينَ بِهَا وَلَا مُعْرِضِينَ عَنْهَا؛ بَل مَن لَمْ يَعْرِفْ مَا قَالُوهُ فَهُوَ الْجَاهِلُ بِالْحَقِّ فِيهَا، وَبِأقْوَالِ السَّلَفِ، وَبِمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ.
وَالصَّوَابُ فِي جَمِيعِ مَسَائِلِ النّزَاعِ مَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ مِن الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُم بِإِحْسَانٍ، وَقَوْلُهُم هُوَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْعَقْلُ الصَّرِيحُ. [١٧/ ٢٠٥]
٢٠٢٢ - إِذَا جَاءَت نُصُوصٌ بَيِّنَةٌ مُحْكَمَةٌ بِأَمْرٍ، وجَاءَ نَصٌّ آخَرُ يُظَنُّ أَنَّ ظَاهِرَهُ يُخَالِفُ ذَلِكَ: يُقَالُ فِي هَذَا: إنَّهُ يُرَدُّ الْمُتَشَابِهُ إلَى الْمُحْكَمِ.
أَمَّا إذَا نَطَقَ الْكِتَابُ أَو السُّنَّةُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ: لَمْ يَجُزْ أَنْ يُجْعَلَ مَا يُضَادُّ ذَلِكَ الْمَعْنَى هُوَ الْأَصْلُ، وَيُجْعَلَ مَا فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ مُشْكِلًا مُتَشَابِهًا، فَلَا يُقْبَلُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ. [١٧/ ٣٠٧]
стр. 1570
٢٠٢٣ - اتَّفَقَ الصَّحَابَةُ فِي مَسَائِلَ تَنَازَعُوا فِيهَا: عَلَى إقْرَارِ كُلِّ فَرِيقٍ لِلْفَرِيقِ الْآخَرِ عَلَى الْعَمَلِ بِاجْتِهَادِهِمْ؛ كَمَسَائِلَ فِي الْعِبَادَاتِ والمناكح وَالْمَوَارِيثِ وَالْعَطَاءِ وَالسّيَاسَةِ (١) وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَهُم الْأَئِمَّةُ الَّذِينَ ثَبَتَ بِالنُّصُوصِ أَنَّهُم لَا يَجْتَمِعُونَ عَلَى بَاطِلٍ وَلَا ضَلَالَةٍ، وَدَلَّ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ عَلَى وُجُوبِ مُتَابَعَتِهِمْ.
وَتَنَازَعُوا فِي مَسَائِلَ عِلْمِيَّةٍ اعْتِقَادِيَّةٍ؛ كَسَمَاعِ الْمَيِّتِ صَوْتَ الْحَيِّ، وَتَعْذِيبِ الْمَيِّتِ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ، وَرُؤيةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ربَّهُ قَبْلَ الْمَوْتِ، مَعَ بَقَاءِ الْجَمَاعَةِ وَالْأُلْفَةِ، وَهَذِهِ الْمَسَائِلُ مِنْهَا مَا أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ خَطَأٌ قَطْعًا. [١٩/ ١٢٢ - ١٢٣]
٢٠٢٤ - يَسُوغُ بَل يَجِبُ أَنْ نُبَيِّنَ الْحَقَّ الَّذِي يَجِبُ اتِّبَاعُهُ وَإِن كَانَ فِيهِ بَيَانُ خَطَأِ مَن أَخْطَأَ مِن الْعُلَمَاءِ وَالْأُمَرَاءِ. [١٩/ ١٢٣]
٢٠٢٥ - تَنَازَعَ أَصْحَابُنَا فِيمَن لَمْ يُصِبِ الْحُكْمَ الْبَاطِنَ: هَل يُقَالُ: إنَّهُ مُصِيبٌ فِي الظَّاهِرِ؟ التَّحْقِيقُ: أَنَّهُ اجْتَهَدَ الِاجْتِهَادَ الْمَقْدُورَ عَلَيْهِ فَهُوَ مُصِيبٌ مِن هَذَا الْوَجْهِ مِن جِهَةِ الْمَأْمُورِ الْمَقْدُورِ، وَإِن لَمْ يَكُن مُصِيبًا مِن جِهَةِ إدْرَاكِ الْمَطْلُوبِ وَفِعْل الْمَأْمُورِ الْمُطْلَقِ. [١٩/ ١٢٥]
٢٠٢٦ - الْمُجْتَهِدُ الْمُسْتَدِلُّ مِن إمَامٍ وَحَاكِمٍ وَعَالِمٍ وَنَاظِرٍ وَمُفْتٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ: إذَا اجْتَهَدَ وَاسْتَدَلَّ فَاتَّقَى اللهَ مَا اسْتَطَاعَ كَانَ هَذَا هُوَ الَّذِي كَلَّفَهُ اللهُ إيَّاهُ، وَهُوَ مُطِيعٌ للهِ مُسْتَحِقٌّ لِلثَّوَابِ إذَا اتَّقَاهُ مَا اسْتَطَاعَ، وَلَا يُعَاقِبُهُ اللهُ أَلْبَتَّةَ، وَهُوَ الحواشي
(١) تأمل قوله: والسياسة؛ أي: أنّ الصحابة ﵃ اختلفوا فيما بينهم في أمورٍ سياسية، ووجهاتِ نظرٍ حول بعض الحكام أو الوزراء، فبعضهم رفض بيعة الأمير، وآخر يخرج عليه بالسيف كما فعل الحسين ﵁، وكما فعل الذين خرجوا على الحجاج وفيهم أفاضل التابعين، ومع ذلك لم يُجرحهم علماء ومشايخ ذلك الزمان، ولم يستبيحوا أعراضهم، بل دامت بينهم الألفة، واعتذروا لأفعالهم، واستغفر بعضهم لبعض.стр. 1571
مُصِيبٌ؛ بِمَعْنَى: أَنَّهُ مُطِيعٌ للهِ، لَكِنْ قَد يَعْلَمُ الْحَقَّ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَقَد لَا يَعْلَمُهُ.
وَكَذَلِكَ الْكُفَّارُ: مَن بَلَغَهُ دَعْوَةُ النَّبِيِّ ﷺ فِي دَارِ الْكُفْرِ، وَعَلِمَ أَنَّهُ رَسُولُ اللهِ فَآمَنَ بِهِ وَآمَنَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ، وَاتَّقَى اللهَ مَا اسْتَطَاعَ؛ كَمَا فَعَلَ النَّجَاشِيُّ وَغَيْرُهُ، وَلَمْ تُمْكِنْهُ الْهِجْرَةُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، وَلَا الْتِزَامُ جَمِيعِ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ؛ لِكَوْنِهِ مَمْنُوعًا مِنَ الْهِجْرَةِ وَمَمْنُوعًا مِن إظْهَارِ دِينِهِ، وَلَيْسَ عِنْدَهُ مَن يُعَلِّمُهُ جَمِيعَ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ: فَهَذَا مُؤْمِنٌ مِن أَهْلِ الْجَنَّةِ، كَمَا كَانَ مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ مَعَ قَوْمِ فِرْعَوْنَ، وَكَمَا كَانَت امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ؛ بَل وَكَمَا كَانَ يُوسُفُ الصِّدِّيقُ ﵇ مَعَ أَهْلِ مِصْرَ؛ فَإِنَّهُم كَانُوا كُفَّارًا، وَلَمْ يُمْكِنْهُ أَنْ يَفْعَلَ مَعَهُم كُلَّ مَا يَعْرِفُهُ مِن دِينِ الْإِسْلَامِ؛ فَإِنَّهُ دَعَاهُم إلَى التَّوْحِيدِ وَالْإِيمَانِ فَلَمْ يُجِيبُوهُ.
وَكَذَلِكَ النَّجَاشِيُّ، هُوَ وَإِن كَانَ مَلِكَ النَّصَارَى فَلَم يُطِعْهُ قَوْمُهُ فِي الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ؛ بَل إنَّمَا دَخَلَ مَعَهُ نَفَرٌ مِنْهُم؛ وَلهَذَا لَمَّا مَاتَ لَمْ يَكُن هُنَاكَ أَحَدٌ يُصَلِّي عَلَيْهِ، فَصَلَّى عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ.
وَكَثِيرٌ مِن شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ أَو أَكْثَرِهَا لَمْ يَكُن دَخَلَ فِيهَا لِعَجْزِهِ عَن ذَلِكَ، فَلَمْ يُهَاجِرْ وَلَمْ يُجَاهِدْ وَلَا حَجَّ الْبَيْتَ؛ بَل قَد رُوِيَ أَنَّهُ لَمْ يُصَل الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ، وَلَا يَصُومُ شَهْرَ رَمَضَانَ، وَلَا يُؤَدِّ الزَّكَاةَ الشَّرْعِيَّةَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ يَظْهَرُ عِنْدَ قَوْمِهِ فَيُنْكِرُونَهُ عَلَيْهِ، وَهُوَ لَا يُمْكِنُهُ مُخَالَفَتَهُم، وَنَحْنُ نَعْلَمُ قَطْعًا أَنَّهُ لَمْ يَكُن يُمْكِنْهُ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُم بِحُكْمِ الْقُرْآنِ، وَاللهُ قَد فَرَضَ عَلَى نَبِيِّهِ بِالْمَدِينَةِ أَنَّهُ إذَا جَاءَهُ أَهْلُ الْكِتَابِ لَمْ يَحْكمْ بَيْنَهُم إلَّا بِمَا أَنْزَلَ اللهُ إلَيْهِ، وَحَذَّرَهُ أَنْ يَفْتِنُوهُ عَن بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللهُ إلَيْهِ.
وَالنَّجَاشِيُّ مَا كَانَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَحْكُمَ بِحُكْمِ الْقُرْآنِ؛ فَإِنَّ قَوْمَهُ لَا يُقِرُّونَهُ عَلَى ذَلِكَ.
стр. 1572
وَكَثيرًا مَا يَتَوَلَّى الرَّجُلُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالتَّتَارِ قَاضِيًا بَل وَإِمَامًا، وَفِي نَفْسِهِ أُمُورٌ مِنَ الْعَدْلِ يُرِيدُ أَنْ يَعْمَلَ بِهَا فَلَا يُمْكِنُهُ ذَلِكَ؛ بَل هُنَاكَ مَن يَمْنَعُهُ ذَلِكَ، وَلَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا (١) . [١٩/ ٢١٦ - ٢١٨]
٢٠٢٧ - الصَّوَابُ: أَنَّ الْحُكْمَ لَا يَثْبُتُ إلَّا مَعَ التَّمَكُّنِ مِنَ الْعِلْمِ، وَأَنَّهُ لَا يَقْضِي مَا لَمْ يَعْلَمْ وُجُوبَهُ، فَقَد ثَبَتَ فِي الصحِيح أَنَّ مِنَ الصَّحَابَةِ مَن أَكَلَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فِي رَمَضَانَ حَتَّى تَبَيَّنَ لَهُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأسْوَدِ، وَلَمْ يَأْمُرْهُم النَّبِيُّ ﷺ بِالْقَضَاءِ، وَمِنْهُم مَن كَانَ يَمْكُثُ جُنُبًا مُدَّةً لَا يُصَلِّي وَلَمْ يَكُن يَعْلَمُ جَوَازَ الصَّلَاةِ بِالتَّيَمُّمِ؛ كَأَبِي ذَرٍّ وَعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَمَّارٍ لَمَّا أَجْنَبَ، وَلَمْ يَأْمُر النَّبِيُّ ﷺ أَحَدًا مِنْهُم بِالْقَضَاءِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ خَلْقًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِمَكَّةَ وَالْبَوَادِي صَارُوا يُصَلُّونَ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ حَتَّى بَلَغَهُم النَّسْخَ وَلَمْ يُؤْمَرُوا بِالْإِعَادَة، وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ. [١٩/ ٢٢٦ - ٢٢٧]
٢٠٢٨ - اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ حُكمَ الْحَاكِمِ الْعَادِلِ إذَا خَالَفَ نَصًّا أَو إجْمَاعًا لَمْ يَعْلَمْهُ فَهُوَ مَنْقُوضٌ. [٣١/ ٣٩]
٢٠٢٩ - الْخَطَأُ الْمَغْفُورُ فِي الِاجْتِهَادِ هُوَ فِي نَوْعَيْ الْمَسَائِلِ الْخَبَرِيَّةِ وَالْعِلْمِيَّةِ؛ كَمَنِ اعْتَقَدَ ثُبُوتَ شَيْءٍ لِدَلَالَةِ آيَةٍ أَو حَدِيثٍ وَكَانَ لِذَلِكَ مَا يُعَارِضُهُ وَيُبَيِّنُ الْمُرَادَ وَلَمْ يَعْرِفْة: مِثْل:
أ- مَنِ اعْتَقَدَ أَنَّ اللهَ لَا يُرَى؛ لِقَوْلِهِ: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، وَلقَوْلِهِ: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى: ٥١]، كَمَا احْتَجَّتْ عَائِشَةُ بِهَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ عَلَى انْتِفَاءِ الرُّؤَيةِ فِي حَقِّ النَّبِيِّ وَإِنَّمَا يَدُلَّانِ بِطَرِيقِ الْعُمُومِ. الحواشي
(١) والشَّرِيعَةُ مَبْنَاهَا عَلَى تَحْصِيلِ الْمَصَالِح وَتَكْمِيلِهَا، وَتَعْطِيلِ الْمَفَاسِدِ وَتَقْلِيلِهَا، وَالْعاقل الحكيم من يُرجح خَيْر الْخَيْرَينِ بِتَفْوِيتِ أَدْنَاهُمَا، وَيدْفع شَرّ الشَّرَّيْنِ وَإِن حَصَلَ أدْنَاهُمَا.
ورحم الله شيخ الإسلام، فقد أوقفنا على سماحة الدين، وغيَّر أخلاق وطِباع كثيرٍ ممن قرأ له، ونفَّرهم من التشدد الفقهي والأخلاقي، وأخذ بيدهم إلى الرفق بالناس، وتحبيب الدين لهم.стр. 1573
ب- أَو مَنِ اعْتَقَدَ أَنَّ الْمَيِّتَ لَا يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ؛ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، وَأَنَّ ذَلِكَ يُقَدَّمُ عَلَى رِوَايَةِ الرَّاوِي؛ لِأَنَّ السَّمْعَ يَغْلَطُ كَمَا اعْتَقَدَ ذَلِكَ طَائِفَة مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ.
ج- أَو اعْتَقَدَ أَنَّ الْمَيِّتَ لَا يَسْمَعُ خِطَابَ الْحَيِّ؛ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [الروم: ٥٢] يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ.
د- أَو اعْتَقَدَ أَنَّ اللهَ لَا يَعْجَبُ كَمَا اعْتَقَدَ ذَلِكَ شريح؛ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّ الْعَجَبَ إنَّمَا يَكُونُ مِن جَهْلِ السَّبَبِ، وَاللهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الْجَهْلِ.
هـ- أَو اعْتَقَدَ أَنَّ عَلِيًّا أَفْضَلُ الصَّحَابَةِ؛ لِاعْتِقَادِهِ صِحَّةَ حَدِيثِ الطَّيْرِ، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: اللَّهُمَّ ائْتِنِي بِأَحَبِّ الْخَلْقِ إلَيْك يَأْكُلُ مَعِي مِن هَذَا الطَّائِرِ.
و- أَو اعْتَقَدَ أَنَّ مَن جَسَّ لِلْعَدُوِّ وَأَعْلَمَهُم بِغَزْوِ النَّبِيِّ ﷺ فَهُوَ مُنَافِقٌ، كَمَا اعْتَقَدَ ذَلِكَ عُمَرُ فِي حَاطِبٍ.
ز- أَو اعْتَقَدَ أَنَّ مَن غَضِبَ لِبَعْضِ الْمُنَافِقِينَ غَضْبَةً فَهُوَ مُنَافِقٌ؛ كَمَا اعْتَقَدَ ذَلِكَ أسيد بْنُ حضير فِي سَعْدِ بْنِ عبادة.
ح- أَو اعْتَقَدَ أَنَّ بَعْضَ الْكَلِمَاتِ أَو الْآيَاتِ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنَ الْقُرْآنِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ بِالنَّقْلِ الثَّابِتِ، كَمَا نُقِلَ عَن غَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ أنَّهُم أَنْكَرُوا أَلْفَاظًا مِنَ الْقُرْآنِ؛ كَإِنْكَارِ بَعْضِهِمْ: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ﴾ [الإسراء: ٢٣] وَقَالَ: إنَّمَا هِيَ وَوَصَّى رَبُّك.
ط- وَكَمَا أَنْكَرَ طَائِفَةٌ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ أَنَّ اللهَ يُرِيدُ الْمَعَاصِيَ؛ لِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّ مَعْنَاهُ: أَنَّ اللهَ يُحِبُّ ذَلِكَ وَيَرْضَاهُ وَيأمُرُ بِهِ، وَأَنْكَرَ طَائِفَة مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ أَنَّ اللهَ يُرِيدُ الْمَعَاصِيَ؛ لِكَوْنِهِمْ ظَنُّوا أَنَّ الْإِرَادَةَ لَا تَكُونُ إلَّا بِمَعْنَى الْمَشِيئَةِ لِخَلْقِهَا، وَقَد عَلِمُوا أَنَّ اللهَ خَالِقُ كُلّ شَيءٍ، وَأَنَّهُ مَا شَاءَ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وَالْقُرْآنُ قَد جَاءَ بِلَفْظِ الْإِرَادَةِ بِهَذَا الْمَعْنَى وَبِهَذَا الْمَعْنَى، لَكِنَّ كُلَّ طَائِفَةٍ عَرَفَتْ أَحَدَ الْمَعْنييْنِ وَأَنْكَرَت الْآخَرَ. [٢٠/ ٣٣ - ٣٦]
стр. 1574
٢٠٣٠ - الْقَلْبُ الْمَعْمُورُ بِالتَّقْوَى إذَا رَجَّحَ بِمُجَرَّدِ رَأيِهِ فَهُوَ تَرْجِيحٌ شَرْعِيٌّ.
فَإِذَا كَانَتِ الْفِطْرَةُ مُسْتَقِيمَةً عَلَى الْحَقِيقَةِ مُنَوَّرَةً بِنُورِ الْقرْآنِ: تَجَلَّتْ لَهَا الْأَشْيَاءُ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ فِي تِلْكَ الْمَزَايَا، وَانْتَفَتْ عَنْهَا ظُلُمَات الْجَهَالَاتِ، فَرَأَتِ الْأُمُورَ عِيَانًا مَعَ غَيْبِهَا عَن غَيْرِهَا.
وَكُلَّمَا قَوِيَ الْإِيمَانُ فِي الْقَلْبِ قَوِيَ انْكِشَافُ الْأمُورِ لَهُ، وَعَرَفَ حَقَائِقَهَا مِن بَوَاطِلِهَا (١) ، وَكُلَّمَا ضَعُفَ الْإِيمَانُ ضَعُفَ الْكَشْفُ، وَذَلِكَ مَثَل السِّرَاجِ الْقَوِيِّ وَالسِّرَاجِ الضَّعِيفِ فِي الْبَيْتِ الْمُظْلِمِ.
وَكَثِيرٌ مِن أَهْلِ الْإِيمَانِ وَالْكَشْفِ يُلْقِي اللهُ فِي قَلْبِهِ أَنَّ هَذَا الطَّعَامَ حَرَامٌ، وَأَنَّ هَذَا الرَّجُلَ كَافِرٌ، أَو فَاسِقٌ، او دَيُّوثٌ، أَو كَاذِبٌ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ ظَاهِرٍ؛ بَل بِمَا يُلْقِي اللهُ فِي قَلْبِهِ.
وَكَذَلِكَ بِالْعَكْسِ، يُلْقِي فِي قَلْبِهِ مَحَبَّةً لِشَخْصٍ وَأَنَّهُ مِن أَوْليَاءِ اللهِ، وَأَنَّ هَذَا الرَّجُلَ صَالِحٌ، وَهَذَا الطَّعَامَ حَلَالٌ، وَهَذَا الْقَوْلَ صِدْق، فَهَذَا وَأَمْثَالُهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُسْتَبْعَدَ فِي حَقِّ أَوْليَاءِ اللهِ الْمُؤمِنِينَ الْمُتَّقِينَ.
وَقِصَّةُ الْخَضرِ مَعَ مُوسَى هِيَ مِن هَذَا الْبَابِ (٢) ، وَانَّ الْخَضِرَ عَلِمَ هَذِهِ الْأحْوَالَ الْمُعَيَّنَةَ بِمَا أَطْلَعَة اللهُ عَلَيْهِ. [٢٠/ ٤٢ - ٤٧] (٣)
٢٠٣١ - إذَا ثَبَتَ أَنَّ الْحَسَنَاتِ لَهَا مَنَافِعُ -وَإِن كَانَت وَاجِبَةً-: كَانَ فِي تَرْكِهَا مَضَارُّ، وَالسَّيِّئَات فِيهَا مَضَارُّ، وَفِي الْمَكْرُوهِ بَعْضُ حَسَنَاتٍ، فَالتَّعَارُضُ: الحواشي
(١) فيعرف حقيقة الدنيا وأنها فانيةٌ لا تسوى من تعب لأجلها، ويعرف حقيقة المناصب والرئاسة وأنها لا تُحمد لذاتها، ويعرف حقيقة العلم وشرفه، وأنه من لذائذ الدنيا ومُتعها، وعزّ الإنسان وشرفه ورفعته، ويعرف الشر وأسبابه فيجتنبه، ويعرف الخير وأسبابه فيعمل به.(٢) أي: من باب الفراسة، وكأن الشيخ ﵀ يُشير أن الخضر ليس نبيًّا؛ لأنه لو كان نبيًّا لاستغنى بالوحي عن الفراسة ونحوها.(٣) تحدث عن هذه المسألة في المجلد العاشر (ص ٤٧٢ - ٤٧٧).стр. 1575
أ- إمَّا بَيْنَ حَسَنَتَيْنِ لَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا؛ فَتُقَدَّمُ أَحْسَنُهُمَا بِتَفْوِيتِ الْمَرْجُوحِ.
ب- وَإِمَّا بَيْنَ سَيِّئَتَيْنِ لَا يُمْكِنُ الْخُلُوُّ مِنْهُمَا؛ فَيَدْفَعُ أَسْوَأَهُمَا بِاحْتِمَالِ أَدْنَاهُمَا.
ج- وَإِمَّا بَيْنَ حَسَنَةٍ وَسَيِّئَةٍ لَا يُمْكِنُ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا؛ بَل فِعْلُ الْحَسَنَةِ مُسْتَلْزِمٌ لِوُقُوعِ السَّيِّئَةِ، وَتَرْكُ السَّيِّئَةِ مُسْتَلْزِمٌ لِتَرْكِ الْحَسَنَةِ، فَيُرَجَّحُ الْأَرْجَحُ مِن مَنْفَعَةِ الْحَسَنَةِ وَمَضَرَّةِ السَّيِّئةِ.
فَالْأَوَّلُ: كَالْوَاجِبِ وَالْمُسْتَحَبِّ؛ وَكَفَرْضِ الْعَيْنِ وَفَرْضِ الْكِفَايَةِ؛ مِثْل تَقْدِيمِ قَضَاءِ الدَّيْنِ الْمُطَالَبِ بِهِ عَلَى صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ.
وكَتَقْدِيمِ نَفَقَةِ الْأَهْلِ عَلَى نَفَقَةِ الْجِهَادِ الَّذِي لَمْ يَتَعَيَّنْ؛ وَتَقْدِيمِ نَفَقَةِ الْوَالِدَيْنِ عَلَيْهِ.
وَالثانِي: كَتَقْدِيمِ الْمَرْأَةِ الْمُهَاجِرَةِ لِسَفَرِ الْهِجْرَة بِلَا مَحْرَمٍ عَلَى بَقَائِهَا بِدَارِ الْحَرْبِ، كَمَا فَعَلَتْ أُمُّ كُلْثُومٍ الَّتِي أَنْزَلَ اللهُ فِيهَا آيَةَ الِامْتِحَانِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ [الممتحنة: ١٠] وَكَتَقْدِيمِ قَتْلِ النَّفْسِ عَلَى الْكُفْرِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: ٢١٧] فَتُقْتَلُ النُّفُوسُ الَّتِي تَحْصُلُ بِهَا الْفِتْنَةُ عَنِ الْإِيمَانِ؛ لأنَّ ضَرَرَ الْكُفْرِ أعْظَمُ مِن ضَرَرِ قَتْلِ النَّفْسِ.
وَكَذَلِكَ فِي "بَابِ الْجِهَادِ" وإِن كَانَ قَتْلُ مَن لَمْ يُقَاتِلْ مِنَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَغَيْرِهِمْ حَرَامًا، فَمَتَى اُحْتِيجَ إلَى قِتَالٍ قَد يَعُمُّهُمْ، مِثْلُ: الرَّمْيُ بِالْمَنْجَنِيقِ، وَالتَّبْيِيتُ بِاللَّيْلِ، جَازَ ذَلِكَ كَمَا جَاءَت فِيهَا السُّنَّةُ فِي حِصَارِ الطَّائِفِ وَرَمْيِهِمْ بِالْمَنْجَنِيقِ وَفِي أَهْلِ الدَّارِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يَبِيتُونَ، وَهُوَ دَفْعٌ لِفَسَادِ الْفِتْنَةِ أَيْضًا بِقَتْلِ مَن لَا يَجُوزُ قَصْدُ قَتْلِهِ.
وَكَذَلِكَ "مَسْأَلَةُ التَّتَرُّسِ" الَّتِي ذَكَرَهَا الْفُقَهَاءُ؛ فَإِنَّ الْجِهَادَ هُوَ دَفْعُ فِتْنَةِ الْكُفْرِ فَيَحْصُلُ فِيهَا مِنَ الْمَضَرَّةِ مَا هُوَ دُونَهَا؛ وَلهَذَا اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ مَتَى
стр. 1576
لَمْ يُمْكِنْ دَفْعُ الضَّرَرِ عَنِ الْمُسْلِمِينَ إلَّا بِمَا يُفْضِي إلَى قَتْلِ أُولَئِكَ الْمُتَتَرَّسِ بِهِم جَازَ ذَلِكَ (١) .
وَإِن لَمْ يَخَفِ الضَّرَرَ، لَكِنْ لَمْ يُمْكِنِ الْجِهَادُ إلَّا بِمَا يُفْضِي إلَى قَتْلِهِمْ: فَفِيهِ قَوْلَانِ.
وَأمّا الثالث: فَمِثْلُ أَكْلِ الْمَيْتَةِ عِنْدَ الْمَخْمَصَةِ؛ فَإِنَّ الْأَكْلَ حَسَنَةٌ وَاجِبَةٌ لَا يُمْكِنُ إلَّا بِهَذِهِ السَّيِّئةِ، وَمَصْلَحَتُهَا رَاجِحَةٌ.
وَعَكْسُهُ الدَّوَاءُ الْخَبِيث؛ فَإِنَّ مَضَرَّتَهُ رَاجِحَة عَلَى مَصْلَحَتِهِ مِن مَنْفَعَةِ الْعِلَاجِ؛ لِقِيَامِ غَيْرِهِ مَقَامَهُ، وَلأَنَّ الْبُرْءَ لَا يُتيَقَّنُ بِهِ، وَكَذَلِكَ شُرْبُ الْخَمْرِ لِلدَّوَاءِ.
فَتبيَّنَ أَنَّ السَّيِّئَةَ تُحْتَمَلُ فِي مَوْضِعَيْنِ:
أ- دَفْعِ مَا هُوَ أَسْوَأُ مِنْهَا إذَا لَمْ تُدْفَعْ إلَّا بِهَا.
ب- وَتَحْصُلُ بِمَا هُوَ أَنْفَعُ مِن تَرْكِهَا إذَا لَمْ تَحْصُلْ إلَّا بِهَا. الحواشي
(١) فهم خوارج العصر كلام الشيخ فهمًا خاطئًا، واستباحوا به دماء المسلمين والمعاهدين، وروَّعوا الآمنين، وفهموا منه وجوب تفجير وقتل الكفار ولو كانوا مُستأمنين، ولو كان قتلهم يُفضي إلى قتل بعض المسلمين! وهذا ضلال لا يقول به عاقل، فضلًا عن هذا الإمام العَلَم الكبير.
ومعنى التترس: التستر بالتُرس، والمراد به عند العلماء: أن يتستر الكفار في الحرب بمن لا يحل قتلهم؛ كالصبيان والنساء والأسرى.
وقد قرر أهل العلم أن قتل المسلمين المتترس بهم لا يجوز إلا بشرط أن يُخاف على المسلمين الآخرين الضرر بترك قتال الكفار، بأن كان في الكفّ عن قتالهم انهزامٌ للمسلمين، واسْتباحةٌ لحرماتهم، وسقوط بُلدانهم بأيديهم. فإذا لم يحصل ضرر بترك قتال الكفار في حال التترس بقي حكم قتل المتترس بهم على الأصل وهو التحريم.
فجوازه لأجل الضرورة وليس مطلقًا.
أما لو قتل المسلمون المُتترس بهم دون خوفٍ مُحقق من الكفار، فإننا نكون قد ارتكبنا ضررًا عظيمًا وهو قتل مسلم، لا لدفع ضرر عام، بل لمجرد قتل كفار! والأصل في دماء المسلمين الحرمة، فكيف نستبيح دمه لأجل قتل كفار؟
ويُقال في الرد على هؤلاء: إن مسألة التترس خاصة بحال الحرب، وهي الخال التي تكون فيها المصافة والمواجهة العسكرية - وهؤلاء الكفار المستهدفون بالتفجير لسنا في حال حرب معهم، بل هم معاهدون مسالَمون.стр. 1577
وَالْحَسَنَةُ تُتْرَكُ فِي مَوْضِعَيْنِ:
أ- إذَا كَانَت مُفَوِّتَة لِمَا هُوَ أَحْسَنُ مِنْهَا.
ب- أو مُسْتَلْزِمَةً لِسَيِّئَةٍ تَزِيدُ مَضَرَّتُهَا عَلَى مَنْفَعَةِ الْحَسَنَةِ.
هَذَا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُوَازَنَاتِ الدِّينيَّةِ.
وَأَمَّا سُقُوط الْوَاجِبِ لِمَضَرَّةٍ فِي الدُّنْيَا، وَإِبَاحَةُ الْمُحَرَّم لِحَاجَةِ فِي الدُّنْيَا؛ كَسُقُوطِ الصِّيَامِ لِأجْلِ السَّفَرِ، وَسُقُوطِ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ وَأرْكَانِ الصَّلَاةِ لِأَجْلِ الْمَرَضِ: فَهَذَا بَابٌ آخَرُ يَدْخُلُ فِي سِعَةِ الدِّينِ وَرَفْعِ الْحَرَجِ الَّذِي قَد تَخْتَلِفُ فِيهِ الشَّرَائِعُ، بِخِلَافِ الْبَابِ الْأَوَّلِ، فَإِنَّ جِنْسَهُ مِمَّا لَا يُمْكِنُ اخْتِلَافُ الشَّرَائِعِ فِيهِ وَإِن اخْتَلَفَتْ فِي أَعْيَانِهِ؛ بَل ذَلِكَ ثَابِتٌ فِي الْعَقْلِ، كَمَا يُقَالُ: لَيْسَ الْعَاقِلُ الَّذِي يَعْلَمُ الْخَيْرَ مِنَ الشَرِّ، وَإِنَّمَا الْعَاقِلُ الَّذِي يَعْلَمُ خَيْرَ الْخَيْرَيْنِ وَشَرَّ الشَّرَّيْنِ.
لَكِنْ أَقُولُ هُنَا: إذَا كَانَ الْمُتَوَلِّي لِلسُّلْطَانِ الْعَامّ أَو بَعْض فُرُوعِهِ كَالْإِمَارَةِ وَالْوِلَايَةِ وَالْقَضَاءِ وَنَحْو ذَلِكَ لَا يُمْكِنُهُ أَدَاءُ وَاجِبَاتِهِ وَتَرْكُ مُحَرَّمَاتِهِ، وَلَكِنْ يَتَعَمَّدُ ذَلِكَ (١) مَا لَا يَفْعَلُهُ غَيْرُهُ (٢) قَصْدًا وَقُدْرَةً: جَازَتْ لَهُ الْوِلَايَةُ، وَرُبَّمَا وَجَبَتْ.
بَل لَو كَانَتِ الْوِلَايَةُ غَيْرَ وَاجِبَةٍ وَهِيَ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى ظُلْمٍ، وَمَن تَوَلَّاهَا أَقَامَ الظُّلْمَ حَتَّى تَوَلَّاهَا شَخْصٌ قَصدُهُ بِذَلِكَ تَخْفِيفُ الظُّلْمِ فِيهَا، وَدَفْعُ أَكْثَرِهِ بِاحْتِمَالِ أَيْسَرِهِ: كَانَ ذَلِكَ حَسَنًا مَعَ هَذِهِ النِّيَّةِ، وَكَانَ فِعْلُهُ لِمَا يَفْعَلُهُ مِنَ السَّيِّئَةِ بِنيَّةِ دَفْعِ مَا هُوَ أشَدُّ مِنْهَا جَيِّدًا (٣) .
وَهَذَا بَابٌ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ النِّيَّاتِ وَالْمَقَاصِدِ، فَمَن طَلَبَ مِنْهُ ظَالِمٌ قَادِرٌ وَأَلْزَمَهُ مَالًا، فَتَوَسَّطَ رَجُل بَيْنَهُمَا لِيَدْفَعَ عَنِ الْمَظْلُومِ كَثْرَةَ الظُّلْمِ، وَأَخَذَ مِنْهُ الحواشي
(١) أي: يتعمّد أدَاء وَاجِبَاتِهِ وَتَرْك مُحَرَّمَاتِهِ، ويسعى لتقليص الشر، وزيادة الخير بقدر طاقته.(٢) أي: ليس هناك من يقوم بتولي الولاية وهو قادرٌ على تخفيف الشر غيره، فقد تعيّنت عليه.(٣) ما أعظم فقه هذا الإمام الربانيّ، وأخبره بروح الشريعة، ومصالح الناس، ولا يُمكن أنْ تستقيم أمور الناس إلا بالأخذ بما قرره ﵀.стр. 1578
وَأَعْطَى الظَّالِمَ، مَعَ اخْتِيَارِهِ أَنْ لَا يَظْلِمَ وَدَفْعَهُ ذَلِكَ لَو أَمْكَنَ (١) : كَانَ مُحْسِنًا، وَلَو تَوَسَّطَ إعَانَةً لِلظَّالِمِ كَانَ مُسِيئًا.
ثُمَّ الْوِلَايَةُ -وَإِن كَانَت جَائِزَةً أَو مُسْتَحَبَّةً أَو وَاجِبَةً- فَقَد يَكُونُ فِي حَقِّ الرَّجُلِ الْمُعيَّنِ غَيْرُهَا (٢) أَوْجَبَ أَو أَحَبَّ، فَيُقَدِّمُ حِينَئِذٍ خَيْرَ الْخَيْرَيْنِ وُجُوبًا تَارَةً وَاسْتِحْبَابًا أُخْرَى.
وَمِن هَذَا الْبَابِ تَوَلِّي يُوسُفَ الصِّدِّيق عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ لِمَلِكِ مِصْرَ؛ بَل وَمَسْأَلَتُهُ أَنْ يَجْعَلَهُ عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ، وَكَانَ هُوَ وَقَوْمُهُ كُفَّارًا كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ﴾ [غافر: ٣٤].
وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ مَعَ كُفْرِهِمْ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لَهُم عَادَةٌ وَسُنَّةٌ فِي قَبْضِ الْأَمْوَالِ وَصَرْفِهَا عَلَى حَاشِيَةِ الْمَلِكِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ وَجُنْدِهِ وَرَعِيَّتِهِ، وَلَا تَكُونُ تِلْكَ جَارِيةً عَلَى سُنَةِ الْأَنْبِيَاءِ وَعَدْلِهِمْ، وَلَمْ يَكُن يُوسُفُ يُمْكِنُهُ أَنْ يَفْعَلَ كُلَّ مَا يُرِيدُ وَهُوَ مَا يَرَاهُ مِن دِينِ اللهِ، فَإِنَّ الْقَوْمَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ، لَكِنْ فَعَلَ الْمُمْكِنَ مِنَ الْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ، وَنَالَ بِالسُّلْطَانِ مِن إكْرَامِ الْمُؤْمِنِينَ مِن أَهْلِ بَيْتِهِ مَا لَمْ يَكُن يُمْكِنُ أنْ يَنَالَهُ بِدُونِ ذَلِكَ، وَهَذَا كُلُّهُ دَاخِلٌ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].
فإذا ازْدَحَمَ وَاجِبَانِ لَا يُمْكِنُ جَمْعُهُمَا فَقُدِّمَ أَوْكَدُهُمَا: لَمْ يَكُنِ الْآخَرُ فِي هَذِهِ الْحَالِ وَاجِبًا، وَلَمْ يَكُن تَارِكُهُ لِأَجْلِ فِعْلِ الْأَوْكَدِ تَارِكَ وَاجِبٍ فِي الْحَقِيقَةِ.
وَكَذَلِكَ إذَا اجْتَمَعَ محَرَّمَانِ لَا يُمْكِنُ تَرْكُ أَعْظَمِهِمَا إلَّا بِفِعْلِ أَدْنَاهُمَا لَمْ يَكُن فِعْلُ الْأَدْنَى فِي هَذِهِ الْحَالِ مُحَرَّمًا فِي الْحَقِيقَةِ، وَإِن سُمِّيَ ذَلِكَ تَرْكُ وَاجِبٍ، وَسُمِّيَ هَذَا فِعْلُ مُحَرَّمٍ بِاعْتِبَارِ الْإِطْلَاقِ لَمْ يَضُرَّ. الحواشي
(١) أي: هو في قرارة نفسِه يُحب ويختار ألا يقع الظلم أصلًا، ولكن لا يُمكن ذلك، فقصد تخفيف الظلم عن الرجل بقدر استطاعتِه.(٢) أي: غير الولاية، من دعوة أو علم أو نحو ذلك.стр. 1579
فَيَنْبَغِي لِلْعَالِمِ أَنْ يَتَدَبَّرَ أَنْوَاعَ هَذِهِ الْمَسَائِلِ، وَقَد يَكُونُ الْوَاجِبُ فِي بَعْضِهَا: الْعَفْوَ عِنْدَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ فِي بَعْضِ الْأشْيَاءِ، لَا التَّحْلِيلَ وَالْإِسْقَاطَ.
مِثْل أَنْ يَكُونَ فِي أَمْرِهِ بِطَاعَةٍ فِعْلًا لِمَعْصِيَةٍ أَكْبَرَ مِنْهَا فَيَتْرُكُ الْأَمْرَ بِهَا دَفْعًا لِوُقُوعِ تِلْكَ الْمَعْصِيَةِ؛ مِثْل أَنْ تَرْفَعَ مُذْنِبًا إلَى ذِي سُلْطَانٍ ظَالِمٍ، فَيَعْتَدِي عَلَيْهِ فِي الْعُقُوبَةِ مَا يَكُون أَعْظَمَ ضَرَرًا مِن ذَنْبِهِ.
وَمِثْل أَنْ يَكُونَ فِي نَهْيِهِ عَن بَعْضِ الْمُنْكَرَاتِ تَرْكًا لِمَعْرُوفٍ هُوَ أَعْظَمُ مَنْفَعَةً مِن تَرْكِ الْمُنْكَرَاتِ، فَيَسْكُتُ عَنِ النَّهْيِ خَوْفًا أَنْ يَسْتَلْزِمَ تَرْكَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ وَرَسُولُهُ مِمَّا هُوَ عِنْدَهُ أعْظَمُ مِن مُجَرَّدِ تَرْكِ ذَلِكَ الْمُنْكَرِ.
فَأَمَّا إذَا كَانَ الْمَأْمُورُ وَالْمَنْهِيُّ لَا يَتَقَيَّدُ بِالْمُمْكِنِ؛ إمَّا لِجَهْلِهِ وَإِمَّا لِظُلْمِهِ -وَلَا يُمْكِنُ إزَالَةُ جَهْلِهِ وَظُلْمِهِ- (١) : فَرُبَّمَا كَانَ الْأَصْلَحُ الْكَفَّ وَالْإِمْسَاكَ عَن امْرِهِ وَنَهْيِهِ (٢) ؛ كَمَا قِيلَ: إنَّ مِنَ الْمَسَائِلِ مَسَائِلَ جَوَابُهَا السُّكُوتُ، كَمَا سَكَتَ الشَّارعُ فِي أَوَّلِ الْأمْرِ عَنِ الْأمْرِ بِأَشْيَاءَ وَالنَّهْي عَن أشْيَاءَ حَتَّى عَلَا الْإِسْلَامُ وَظَهَرَ.
فَالْعَالِمُ فِي الْبَيَانِ وَالْبَلَاغِ كَذَلِكَ (٣) ؛ قَد يُؤَخِّرُ الْبَيَانَ وَالْبَلَاغَ لِأَشْيَاءَ إلَى وَقْتِ التَّمَكُّنِ، كمَا أَخَّرَ اللهُ سُبْحَانَهُ إنْزَالَ آيَاتٍ وَبَيَانَ أَحْكَامٍ إلَى وَقْتِ تَمَكُّنِ رَسُولِ اللهِ ﷺ تَسْلِيمًا إلَى بَيَانِهَا. الحواشي
(١) هذا قيدٌ مُهم، حتى لا يُترك أمرُ الناس بالمعروف ونهيُهم عن المنكر بحجة جهل أو ظلم الظالم أو الفاجر.(٢) هذا يُؤكد خطأ الأخذ بمبدأ الصدع بالحق مهما كان، ولو ترتب على الصدع من مفاسد وأضرار كبيرة.(٣) والحاكم في تطبيق الشريعة كذلك، قد يُؤخر تحكيم الشريعة إذا كان لا يتَمَكَّن من ذلك في الحال، وهنا لا بد من القيد الذي ذكره الشيخ: "وَقَد يَكُونُ الْوَاجِبُ فِي بَعْضِهَا: الْعَفْوَ عِنْدَ الْأمْرِ وَالنهْي فِي بَعْضِ الْأشْيَاءِ، لَا التحْلِيلَ وَالْإِسْقَاطَ".
فالحاكم والعالم لا يجوز لهما ولا لغيرهما أنْ ينووا بالسكوت التحليل أو الإسقاط، بل يعزموا على فعل الواجب متى تمكنوا من ذلك.стр. 1580
وَالْحُجَّةُ عَلَى الْعِبَادِ إنَّمَا تَقُومُ بِشَيْئَيْنِ:
أ- بِشَرْطِ التَّمَكُّنِ مِنَ الْعِلْمِ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ.
ب- وَالْقُدْرَةِ عَلَى الْعَمَلِ بِهِ.
وَلَمْ تَأْتِ الشَّرِيعَةُ جُمْلَةً، كَمَا يُقَالُ: إذَا أَرَدْت أَنْ تُطَاعَ فَأْمُرْ بِمَا يُسْتَطَاعُ.
فَكَذَلِكَ الْمُجَدِّدُ لِدِينِهِ وَالْمُحْيِي لِسُنَّتِهِ لَا يُبَلِّغُ إلَّا مَا أَمْكَنَ عِلْمُهُ وَالْعَمَل بِهِ، كَمَا أَنَّ الدَّاخِلَ فِي الْإِسْلَامِ لَا يُمْكِنُ حِينَ دُخُولِهِ أنْ يُلَقَّنَ جَمِيعَ شَرَائِعِهِ ويُؤْمَرَ بِهَا كُلِّهَا.
وَكَذَلِكَ التَّائِبُ مِنَ الذُّنُوب، وَالْمُتَعَلِّمُ وَالْمُسْتَرْشِدُ لَا يُمْكِنُ فِي أَوَّلِ الْأمْرِ أَنْ يُؤْمَرَ بِجَمِيعِ الدِّينِ، وَيُذْكَرَ لَهُ جَمِيعُ الْعِلْمِ، فَإِنَّهُ لَا يُطِيقُ ذَلِكَ، وَإِذَا لَمْ يُطِقْهُ لَمْ يَكُن وَاجِبًا عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْحَالِ، وَإِذَا لَمْ يَكُن وَاجِبًا لَمْ يَكن لِلْعَالِمِ وَالْأَمِيرِ أنْ يُوجِبَهُ جَمِيعَهُ ابْتِدَاءً؛ بَل يَعْفُو عَنِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ بِمَا لَا يُمْكِنُ عِلْمُهُ وَعَمَلُهُ إلَى وَقْتِ الْإِمْكانِ، كَمَا عَفَا الرَّسُولُ عَمَّا عَفَا عَنْهُ إلَى وَقْتِ بَيَانِهِ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ مِن بَابِ إقْرَارِ الْمُحَرَّمَاتِ وَتَرْكِ الْأمْرِ بِالْوَاجِبَاتِ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ وَالتَّحْرِيمَ مَشْرُوطٌ بِإِمْكَانِ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ وَقَد فَرَضْنَا انْتِفَاءَ هَذَا الشَّرْطِ.
فَتَدَبَّرْ هَذَا الْأَصْلَ فَإِنَّهُ نَافِعٌ.
وَمِمَّا يَدْخُلُ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ الِاجْتِهَادِيَّةِ عِلْمًا وَعَمَلًا: أَنَّ مَا قَالَهُ الْعَالِمُ أَو الْأمِيرُ، أو فَعَلَهُ بِاجْتِهَادٍ أَو تَقْلِيدٍ (١) ، فَإِذَا لَمْ يَرَ الْعَالِمُ الْآخَرُ وَالْأَمِيرُ الْآخَرُ مِثْل رَأيِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ لَا يَأْمُرُ بِهِ، أو لَا يَأْمُرُ إلَّا بِمَا يَرَاهُ مَصْلَحَةً وَلَا يَنْهَى عَنْهُ، إذ لَيْسَ لَهُ أنْ يَنْهَى غَيْرَهُ عَنِ اتّبَاعِ اجْتِهَادِهِ، وَلَا أَنْ يُوجِبَ عَلَيْهِ اتِّبَاعَهُ، فَهَذِهِ الحواشي
(١) أي: تقليد عالمٍ مُعتبرٍ، لا تقليدِ الجهال أو علماء السوء، أو الآباء والأجداد، فهذا التقليد لا اعتبار له.следующие страницы →