← Фатава

Фатава · id 879

تقريب فتاوى ابن تيمية

أحمد بن ناصر الطيار

Полный текст (3 539 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

لَمْ يُمْكِنْ دَفْعُ الضَّرَرِ عَنِ الْمُسْلِمِينَ إلَّا بِمَا يُفْضِي إلَى قَتْلِ أُولَئِكَ الْمُتَتَرَّسِ بِهِم جَازَ ذَلِكَ (١). وَإِن لَمْ يَخَفِ الضَّرَرَ، لَكِنْ لَمْ يُمْكِنِ الْجِهَادُ إلَّا بِمَا يُفْضِي إلَى قَتْلِهِمْ: فَفِيهِ قَوْلَانِ. وَأمّا الثالث: فَمِثْلُ أَكْلِ الْمَيْتَةِ عِنْدَ الْمَخْمَصَةِ؛ فَإِنَّ الْأَكْلَ حَسَنَةٌ وَاجِبَةٌ لَا يُمْكِنُ إلَّا بِهَذِهِ السَّيِّئةِ، وَمَصْلَحَتُهَا رَاجِحَةٌ. وَعَكْسُهُ الدَّوَاءُ الْخَبِيث؛ فَإِنَّ مَضَرَّتَهُ رَاجِحَة عَلَى مَصْلَحَتِهِ مِن مَنْفَعَةِ الْعِلَاجِ؛ لِقِيَامِ غَيْرِهِ مَقَامَهُ، وَلأَنَّ الْبُرْءَ لَا يُتيَقَّنُ بِهِ، وَكَذَلِكَ شُرْبُ الْخَمْرِ لِلدَّوَاءِ. فَتبيَّنَ أَنَّ السَّيِّئَةَ تُحْتَمَلُ فِي مَوْضِعَيْنِ: أ- دَفْعِ مَا هُوَ أَسْوَأُ مِنْهَا إذَا لَمْ تُدْفَعْ إلَّا بِهَا. ب- وَتَحْصُلُ بِمَا هُوَ أَنْفَعُ مِن تَرْكِهَا إذَا لَمْ تَحْصُلْ إلَّا بِهَا.

стр. 1577

وَالْحَسَنَةُ تُتْرَكُ فِي مَوْضِعَيْنِ: أ- إذَا كَانَت مُفَوِّتَة لِمَا هُوَ أَحْسَنُ مِنْهَا. ب- أو مُسْتَلْزِمَةً لِسَيِّئَةٍ تَزِيدُ مَضَرَّتُهَا عَلَى مَنْفَعَةِ الْحَسَنَةِ. هَذَا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُوَازَنَاتِ الدِّينيَّةِ. وَأَمَّا سُقُوط الْوَاجِبِ لِمَضَرَّةٍ فِي الدُّنْيَا، وَإِبَاحَةُ الْمُحَرَّم لِحَاجَةِ فِي الدُّنْيَا؛ كَسُقُوطِ الصِّيَامِ لِأجْلِ السَّفَرِ، وَسُقُوطِ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ وَأرْكَانِ الصَّلَاةِ لِأَجْلِ الْمَرَضِ: فَهَذَا بَابٌ آخَرُ يَدْخُلُ فِي سِعَةِ الدِّينِ وَرَفْعِ الْحَرَجِ الَّذِي قَد تَخْتَلِفُ فِيهِ الشَّرَائِعُ، بِخِلَافِ الْبَابِ الْأَوَّلِ، فَإِنَّ جِنْسَهُ مِمَّا لَا يُمْكِنُ اخْتِلَافُ الشَّرَائِعِ فِيهِ وَإِن اخْتَلَفَتْ فِي أَعْيَانِهِ؛ بَل ذَلِكَ ثَابِتٌ فِي الْعَقْلِ، كَمَا يُقَالُ: لَيْسَ الْعَاقِلُ الَّذِي يَعْلَمُ الْخَيْرَ مِنَ الشَرِّ، وَإِنَّمَا الْعَاقِلُ الَّذِي يَعْلَمُ خَيْرَ الْخَيْرَيْنِ وَشَرَّ الشَّرَّيْنِ. لَكِنْ أَقُولُ هُنَا: إذَا كَانَ الْمُتَوَلِّي لِلسُّلْطَانِ الْعَامّ أَو بَعْض فُرُوعِهِ كَالْإِمَارَةِ وَالْوِلَايَةِ وَالْقَضَاءِ وَنَحْو ذَلِكَ لَا يُمْكِنُهُ أَدَاءُ وَاجِبَاتِهِ وَتَرْكُ مُحَرَّمَاتِهِ، وَلَكِنْ يَتَعَمَّدُ ذَلِكَ (١) مَا لَا يَفْعَلُهُ غَيْرُهُ (٢) قَصْدًا وَقُدْرَةً: جَازَتْ لَهُ الْوِلَايَةُ، وَرُبَّمَا وَجَبَتْ. بَل لَو كَانَتِ الْوِلَايَةُ غَيْرَ وَاجِبَةٍ وَهِيَ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى ظُلْمٍ، وَمَن تَوَلَّاهَا أَقَامَ الظُّلْمَ حَتَّى تَوَلَّاهَا شَخْصٌ قَصدُهُ بِذَلِكَ تَخْفِيفُ الظُّلْمِ فِيهَا، وَدَفْعُ أَكْثَرِهِ بِاحْتِمَالِ أَيْسَرِهِ: كَانَ ذَلِكَ حَسَنًا مَعَ هَذِهِ النِّيَّةِ، وَكَانَ فِعْلُهُ لِمَا يَفْعَلُهُ مِنَ السَّيِّئَةِ بِنيَّةِ دَفْعِ مَا هُوَ أشَدُّ مِنْهَا جَيِّدًا (٣). وَهَذَا بَابٌ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ النِّيَّاتِ وَالْمَقَاصِدِ، فَمَن طَلَبَ مِنْهُ ظَالِمٌ قَادِرٌ وَأَلْزَمَهُ مَالًا، فَتَوَسَّطَ رَجُل بَيْنَهُمَا لِيَدْفَعَ عَنِ الْمَظْلُومِ كَثْرَةَ الظُّلْمِ، وَأَخَذَ مِنْهُ

стр. 1578

وَأَعْطَى الظَّالِمَ، مَعَ اخْتِيَارِهِ أَنْ لَا يَظْلِمَ وَدَفْعَهُ ذَلِكَ لَو أَمْكَنَ (١): كَانَ مُحْسِنًا، وَلَو تَوَسَّطَ إعَانَةً لِلظَّالِمِ كَانَ مُسِيئًا. ثُمَّ الْوِلَايَةُ -وَإِن كَانَت جَائِزَةً أَو مُسْتَحَبَّةً أَو وَاجِبَةً- فَقَد يَكُونُ فِي حَقِّ الرَّجُلِ الْمُعيَّنِ غَيْرُهَا (٢) أَوْجَبَ أَو أَحَبَّ، فَيُقَدِّمُ حِينَئِذٍ خَيْرَ الْخَيْرَيْنِ وُجُوبًا تَارَةً وَاسْتِحْبَابًا أُخْرَى. وَمِن هَذَا الْبَابِ تَوَلِّي يُوسُفَ الصِّدِّيق عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ لِمَلِكِ مِصْرَ؛ بَل وَمَسْأَلَتُهُ أَنْ يَجْعَلَهُ عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ، وَكَانَ هُوَ وَقَوْمُهُ كُفَّارًا كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ﴾ [غافر: ٣٤]. وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ مَعَ كُفْرِهِمْ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لَهُم عَادَةٌ وَسُنَّةٌ فِي قَبْضِ الْأَمْوَالِ وَصَرْفِهَا عَلَى حَاشِيَةِ الْمَلِكِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ وَجُنْدِهِ وَرَعِيَّتِهِ، وَلَا تَكُونُ تِلْكَ جَارِيةً عَلَى سُنَةِ الْأَنْبِيَاءِ وَعَدْلِهِمْ، وَلَمْ يَكُن يُوسُفُ يُمْكِنُهُ أَنْ يَفْعَلَ كُلَّ مَا يُرِيدُ وَهُوَ مَا يَرَاهُ مِن دِينِ اللهِ، فَإِنَّ الْقَوْمَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ، لَكِنْ فَعَلَ الْمُمْكِنَ مِنَ الْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ، وَنَالَ بِالسُّلْطَانِ مِن إكْرَامِ الْمُؤْمِنِينَ مِن أَهْلِ بَيْتِهِ مَا لَمْ يَكُن يُمْكِنُ أنْ يَنَالَهُ بِدُونِ ذَلِكَ، وَهَذَا كُلُّهُ دَاخِلٌ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]. فإذا ازْدَحَمَ وَاجِبَانِ لَا يُمْكِنُ جَمْعُهُمَا فَقُدِّمَ أَوْكَدُهُمَا: لَمْ يَكُنِ الْآخَرُ فِي هَذِهِ الْحَالِ وَاجِبًا، وَلَمْ يَكُن تَارِكُهُ لِأَجْلِ فِعْلِ الْأَوْكَدِ تَارِكَ وَاجِبٍ فِي الْحَقِيقَةِ. وَكَذَلِكَ إذَا اجْتَمَعَ محَرَّمَانِ لَا يُمْكِنُ تَرْكُ أَعْظَمِهِمَا إلَّا بِفِعْلِ أَدْنَاهُمَا لَمْ يَكُن فِعْلُ الْأَدْنَى فِي هَذِهِ الْحَالِ مُحَرَّمًا فِي الْحَقِيقَةِ، وَإِن سُمِّيَ ذَلِكَ تَرْكُ وَاجِبٍ، وَسُمِّيَ هَذَا فِعْلُ مُحَرَّمٍ بِاعْتِبَارِ الْإِطْلَاقِ لَمْ يَضُرَّ.

стр. 1579

فَيَنْبَغِي لِلْعَالِمِ أَنْ يَتَدَبَّرَ أَنْوَاعَ هَذِهِ الْمَسَائِلِ، وَقَد يَكُونُ الْوَاجِبُ فِي بَعْضِهَا: الْعَفْوَ عِنْدَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ فِي بَعْضِ الْأشْيَاءِ، لَا التَّحْلِيلَ وَالْإِسْقَاطَ. مِثْل أَنْ يَكُونَ فِي أَمْرِهِ بِطَاعَةٍ فِعْلًا لِمَعْصِيَةٍ أَكْبَرَ مِنْهَا فَيَتْرُكُ الْأَمْرَ بِهَا دَفْعًا لِوُقُوعِ تِلْكَ الْمَعْصِيَةِ؛ مِثْل أَنْ تَرْفَعَ مُذْنِبًا إلَى ذِي سُلْطَانٍ ظَالِمٍ، فَيَعْتَدِي عَلَيْهِ فِي الْعُقُوبَةِ مَا يَكُون أَعْظَمَ ضَرَرًا مِن ذَنْبِهِ. وَمِثْل أَنْ يَكُونَ فِي نَهْيِهِ عَن بَعْضِ الْمُنْكَرَاتِ تَرْكًا لِمَعْرُوفٍ هُوَ أَعْظَمُ مَنْفَعَةً مِن تَرْكِ الْمُنْكَرَاتِ، فَيَسْكُتُ عَنِ النَّهْيِ خَوْفًا أَنْ يَسْتَلْزِمَ تَرْكَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ وَرَسُولُهُ مِمَّا هُوَ عِنْدَهُ أعْظَمُ مِن مُجَرَّدِ تَرْكِ ذَلِكَ الْمُنْكَرِ. فَأَمَّا إذَا كَانَ الْمَأْمُورُ وَالْمَنْهِيُّ لَا يَتَقَيَّدُ بِالْمُمْكِنِ؛ إمَّا لِجَهْلِهِ وَإِمَّا لِظُلْمِهِ -وَلَا يُمْكِنُ إزَالَةُ جَهْلِهِ وَظُلْمِهِ- (١): فَرُبَّمَا كَانَ الْأَصْلَحُ الْكَفَّ وَالْإِمْسَاكَ عَن امْرِهِ وَنَهْيِهِ (٢)؛ كَمَا قِيلَ: إنَّ مِنَ الْمَسَائِلِ مَسَائِلَ جَوَابُهَا السُّكُوتُ، كَمَا سَكَتَ الشَّارعُ فِي أَوَّلِ الْأمْرِ عَنِ الْأمْرِ بِأَشْيَاءَ وَالنَّهْي عَن أشْيَاءَ حَتَّى عَلَا الْإِسْلَامُ وَظَهَرَ. فَالْعَالِمُ فِي الْبَيَانِ وَالْبَلَاغِ كَذَلِكَ (٣)؛ قَد يُؤَخِّرُ الْبَيَانَ وَالْبَلَاغَ لِأَشْيَاءَ إلَى وَقْتِ التَّمَكُّنِ، كمَا أَخَّرَ اللهُ سُبْحَانَهُ إنْزَالَ آيَاتٍ وَبَيَانَ أَحْكَامٍ إلَى وَقْتِ تَمَكُّنِ رَسُولِ اللهِ ﷺ تَسْلِيمًا إلَى بَيَانِهَا.

стр. 1580

وَالْحُجَّةُ عَلَى الْعِبَادِ إنَّمَا تَقُومُ بِشَيْئَيْنِ: أ- بِشَرْطِ التَّمَكُّنِ مِنَ الْعِلْمِ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ. ب- وَالْقُدْرَةِ عَلَى الْعَمَلِ بِهِ. وَلَمْ تَأْتِ الشَّرِيعَةُ جُمْلَةً، كَمَا يُقَالُ: إذَا أَرَدْت أَنْ تُطَاعَ فَأْمُرْ بِمَا يُسْتَطَاعُ. فَكَذَلِكَ الْمُجَدِّدُ لِدِينِهِ وَالْمُحْيِي لِسُنَّتِهِ لَا يُبَلِّغُ إلَّا مَا أَمْكَنَ عِلْمُهُ وَالْعَمَل بِهِ، كَمَا أَنَّ الدَّاخِلَ فِي الْإِسْلَامِ لَا يُمْكِنُ حِينَ دُخُولِهِ أنْ يُلَقَّنَ جَمِيعَ شَرَائِعِهِ ويُؤْمَرَ بِهَا كُلِّهَا. وَكَذَلِكَ التَّائِبُ مِنَ الذُّنُوب، وَالْمُتَعَلِّمُ وَالْمُسْتَرْشِدُ لَا يُمْكِنُ فِي أَوَّلِ الْأمْرِ أَنْ يُؤْمَرَ بِجَمِيعِ الدِّينِ، وَيُذْكَرَ لَهُ جَمِيعُ الْعِلْمِ، فَإِنَّهُ لَا يُطِيقُ ذَلِكَ، وَإِذَا لَمْ يُطِقْهُ لَمْ يَكُن وَاجِبًا عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْحَالِ، وَإِذَا لَمْ يَكُن وَاجِبًا لَمْ يَكن لِلْعَالِمِ وَالْأَمِيرِ أنْ يُوجِبَهُ جَمِيعَهُ ابْتِدَاءً؛ بَل يَعْفُو عَنِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ بِمَا لَا يُمْكِنُ عِلْمُهُ وَعَمَلُهُ إلَى وَقْتِ الْإِمْكانِ، كَمَا عَفَا الرَّسُولُ عَمَّا عَفَا عَنْهُ إلَى وَقْتِ بَيَانِهِ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ مِن بَابِ إقْرَارِ الْمُحَرَّمَاتِ وَتَرْكِ الْأمْرِ بِالْوَاجِبَاتِ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ وَالتَّحْرِيمَ مَشْرُوطٌ بِإِمْكَانِ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ وَقَد فَرَضْنَا انْتِفَاءَ هَذَا الشَّرْطِ. فَتَدَبَّرْ هَذَا الْأَصْلَ فَإِنَّهُ نَافِعٌ. وَمِمَّا يَدْخُلُ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ الِاجْتِهَادِيَّةِ عِلْمًا وَعَمَلًا: أَنَّ مَا قَالَهُ الْعَالِمُ أَو الْأمِيرُ، أو فَعَلَهُ بِاجْتِهَادٍ أَو تَقْلِيدٍ (١)، فَإِذَا لَمْ يَرَ الْعَالِمُ الْآخَرُ وَالْأَمِيرُ الْآخَرُ مِثْل رَأيِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ لَا يَأْمُرُ بِهِ، أو لَا يَأْمُرُ إلَّا بِمَا يَرَاهُ مَصْلَحَةً وَلَا يَنْهَى عَنْهُ، إذ لَيْسَ لَهُ أنْ يَنْهَى غَيْرَهُ عَنِ اتّبَاعِ اجْتِهَادِهِ، وَلَا أَنْ يُوجِبَ عَلَيْهِ اتِّبَاعَهُ، فَهَذِهِ

стр. 1581

الْأُمُورُ فِي حَقِّهِ مِنَ الْأَعْمَالِ الْمَعْفُوَّةِ، لَا يَأْمُرُ بِهَا وَلَا يَنْهَى عَنْهَا؛ بَل هِيَ بَيْنَ الْإِبَاحَهِ وَالْعَفْوِ. [٢٠/ ٥٠ - ٦١] ٢٠٣٢ - مَسَائِلُ الِاجْتِهَادِ مَن عَمِلَ فِيهَا بِقَوْلِ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ لَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِ وَلَمْ يُهْجَرْ، وَمَن عَمِلَ بِأَحَدِ الْقَوْلَيْنِ لَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِ، وَإِذَا كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ: فَإِنْ كَانَ الْإِنْسَانُ يَظْهَرُ لَهُ رُجْحَانُ أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ عَمِلَ بِهِ، وَإِلَّا قَلَّدَ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِم فِي بَيَانِ أَرْجَحِ الْقَوْلَيْنِ. [٢٠/ ٢٠٧] ٢٠٣٣ - اجْتِهَادُ الْعُلَمَاءِ فِي الْأَحْكَامِ كَاجْتِهَادِ الْمُسْتَدِلِّينَ عَلَى جِهَةِ الْكَعْبَةِ، فَإِذَا صَلَّى أَرْبَعَةُ أَنْفُسٍ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُم بِطَائِفَةٍ إلَى أَرْبَعِ جِهَاتٍ لِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّ الْقِبْلَةَ هُنَاكَ: فَإِنَّ صَلَاةَ الْأَرْبَعَةِ صَحِيحَة، وَاَلَّذِي صَلَّى إلَى جِهَةِ الْكَعْبَةِ وَاحِدٌ وَهُوَ الْمُصِيبُ الَّذِي لَهُ أَجْرَانِ (١)، كَمَا فِي الصَّحِيحِ عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إِذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِن اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ" (٢). [٢٠/ ٢٢٤] ٢٠٣٤ - مِن أَشكَلِ مَا أَشْكَلَ عَلَى الْفقَهَاءِ مِن أَحْكَامِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ: امْرَأَةُ الْمَفْقُودِ، فَإِنَّهُ قَد ثَبَتَ عَن عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ لَمَّا أَجَّلَ امْرَأَتَهُ (٣) أَرْبَعَ سِنِينَ وَأَمَرَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ بَعْدَ ذَلِكَ، ثُمَّ قَدِمَ الْمَفْقُودُ خَيَّرَهُ عُمَرُ بَيْنَ امْرَأَتِهِ وَبَيْنَ مَهْرِهَا، وَهَذَا مِمَّا اتَّبَعَهُ فِيهِ الْإِمَامُ أَحْمَد وَغَيْرُهُ. فَإنَّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْل: وَهُوَ وَقْفُ الْعُقُودِ إذَا تَصَرَّفَ الرَّجُلُ فِي حَقِّ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ: هَل يَقَعُ تَصَرُّفُهُ مَرْدُودًا أَو مَوْقُوفًا عَلَى إجَازَتهِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ مَشْهُورينِ هُمَا رِوَايَتَانِ عَن أَحْمَد:

стр. 1582

أَحَدُهُمَا: الرَّدُّ فِي الْجُمْلَةِ عَلَى تَفْصِيل عَنْهُ، وَالرَّدُّ مُطْلَقًا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ مَوْقُوفٌ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ، وَهَذَا فِي النِّكَاحِ وَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَد أَنَّ الْمُتَصَرِّفَ إذَا كَانَ مَعْذُورًا لِعَدَمِ تَمَكُّنِهِ مِنَ الِاسْتِئْذَانِ وَحَاجَتِهِ إلَى التَّصَرُّفِ وُقِفَ عَلَى الْإِجَازَةِ بِلَا نِزَاعٍ، وَإِن أَمْكَنَهُ الِاسْتِئْذَانُ أَو لَمْ يَكُن بِهِ حَاجَةٌ إلَى التَّصَرُّفِ فَفِيهِ النِّزَاعُ. فَيَكُونُ الْقَادِمُ مُخَيَّرًا بَيْنَ إجَازَةِ مَا فَعَلَهُ الْإِمَامُ وَرَدِّهِ، وَإِذَا أَجَازَهُ فَقَد أَخْرَجَ الْبُضْعَ عَن مِلْكِهِ. وَخُرُوجُ الْبُضْعِ مِن مِلْكِ الزَّوْجِ مُتَقَوَّمٌ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ كَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد فِي أَنَصِّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ، وَهُوَ مَضْمُونٌ بِالْمُسَمَّى كَمَا يَقُولُهُ مَالِكٌ وَأَحْمَد فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ، وَالشَّافِعِيُّ يَقُولُ: هُوَ مَضْمُونٌ بِمَهْرِ الْمِثْلِ. وَالْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ دَلَّا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ، فَفِي سُورَةِ الْمُمْتَحِنَةِ فِي قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا﴾ [الممتحنة: ١٠] وَقَوْلِهِ: ﴿فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا﴾ [الممتحنة: ١١]. وَهَذَا الْمسَمَّى دُونَ مَهْرِ الْمِثْلِ، وَكَذَلِكَ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ زَوْجَ الْمُخْتَلعَةِ أَنْ يَأْخُذَ مَا أَعْطَاهَا، وَلَمْ يَأْمُرْ بِمَهْرِ الْمِثْلِ، وَهُوَ إنَّمَا يَأْمُرُ فِي الْمُعَاوَضَاتِ الْمُطْلَقَةِ بِالْعَدْلِ. فَقِصَّةُ عُمَرَ تَنْبَنِي عَلَى هَذَا. وَالْقَوْلُ بِوَقْفِ الْعُقُودِ عِنْدَ الْحَاجَةِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الصَّحَابَةِ. وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ إضْرَارًا أَصْلًا؛ بَل صَلَاحٌ بِلَا فَسَادٍ، فَإِنَّ الرَّجُلَ قَد يَرَى أَنْ يَشْتَرِيَ لِغَيْرِهِ أَو يَبِيعَ لَهُ أَو يَسْتَأْجِرَ لَهُ أَو يُوجِبَ لَهُ ثُمَّ يُشَاوِرَهُ، فَإِنْ رَضِيَ وَإِلَّا فَلَمْ يُصِبْهُ مَا يَضُرُّهُ، وَكَذَلِكَ فِي تَزْوِيجِ مُوَلِّيَتِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَأَمَّا مَعَ الْحَاجَةِ فَالْقَوْلُ بِهِ لَا بُدَّ مِنْهُ.

стр. 1583

فَمَسْأَلَةُ الْمَفْقُودِ هِيَ مِمَّا يَقِفُ فِيهَا تَعْرِيفُ الْإِمَامِ عَلَى إذْنِ الزَّوْجِ إذَا جَاءَ، كَمَا يَقِفُ تَصَرُّفُ الْمُلْتَقِطِ عَلَى إذْنِ الْمَالِكِ إذَا جَاءَ، وَالْقَوْلُ بِرَدِّ الْمَهْرِ إلَيْهِ لِخُرُوجِ امْرَأَتِهِ مِن مِلْكِهِ (١)، وَلَكِنْ تَنَازَعُوا فِي الْمَهْرِ الَّذِي يَرْجِعُ بِهِ: هَل هُوَ مَا أَعْطَاهَا هُوَ، أَو مَا أَعْطَاهَا الثَّاني؟ الصَّوَابُ: أَنَّهُ إنَّمَا يَرْجِعُ بِمَهْرِهِ هُوَ؛ فَإِنَّهُ الَّذِي اسْتَحَقَّهُ، وَأَمَّا الْمَهْرُ الَّذِي أَصْدَقَهَا الثَّانِي فَلَا حَقَّ لَهُ فِيهِ. وَإِذَا ضَمِنَ الْأَوَّلُ لِلثَّانِيَ الْمَهْرَ فَهَل يَرْجِعُ بِهِ عَلَيْهَا؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا: يَرْجعُ؛ لِأَنَّهَا الَّتِي أَخَذَتْهُ. وَالثانِيَةُ؛ لَا يَرْجِعُ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ تَسْتَحِقُّ الْمَهْرَ بِمَا اسْتَحَلَّ مِن فَرْجِهَا، وَالْأَوَّلُ يَسْتَحِقُّ الْمَهْرَ لِخُرُوجِ الْبُضْعِ مِن مِلْكِهِ، فَكَانَ عَلَى الثَّانِي مَهْرَانِ. وَهَذَا الْمَأْثُورُ عَن عُمَرَ فِي "مَسْأَلَةِ الْمَفْقُودِ": هُوَ عِنْدَ طَائِفَةٍ مِن أَئِمَّةِ الْفُقَهَاءِ مِن أَبْعَدِ الْأَقْوَالِ عَنِ الْقِيَاسِ، وَهُوَ مَعَ هَذَا أَصَحُّ الْأقْوَالِ وَأَجْرَاهَا عَلَى الْقِيَاسِ، وَكُلُّ قَوْلٍ قِيلَ سِوَاهُ فَهُوَ خَطَأٌ. فَالصَّوَابُ: مَا قَضَى بِهِ أَمِيرُ الْمُؤمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ. وَقَد تَأَمَّلْت مِن هَذَا الْبَابِ مَا شَاءَ اللهُ فَرَأَيْت الصَّحَابَةَ أَفْقَهَ الْأُمَّةِ وَأَعْلَمَهَا، وَاعْتبِرْ هَذَا بِمَسَائِلِ الْأَيْمَانِ بِالنَّذْرِ وَالْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ. وَمَا شَاءَ اللهُ مِنَ الْمَسَائِلِ لَمْ أَجِدْ أَجْوَدَ الْأَقْوَالِ فِيهَا إلا الْأَقْوَالَ الْمَنْقُولَةَ عَنِ الصَّحَابَةِ. وَإِلَى سَاعَتِي هَذِهِ مَا عَلِمْت قَوْلًا قَالَهُ الصَّحَابَةُ وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِيهِ إلَّا وَكَانَ الْقِيَاسُ مَعَهُم، لَكِنَّ الْعِلْمَ بِصَحِيحِ الْقِيَاسِ وَفَاسِدِهِ مِن أَجَلِّ الْعُلُومِ، وَإِنَّمَا يَعْرِفُ ذَلِكَ مَن كَانَ خَبِيرًا بِأَسْرَارِ الشَّرْعِ وَمَقَاصِدِهِ، وَمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ شَرِيعَةُ الْإِسْلَامِ مِنَ الْمَحَاسِنِ الَّتِي تَفُوقُ التَّعْدَادَ، وَمَا تَضَمَّنَتْهُ مِن مَصَالِحِ الْعِبَادِ فِي

стр. 1584

الْمَعَاشِ وَالْمَعَادِ، وَمَا فِيهَا مِنَ الْحِكْمَةِ الْبَالِغَةِ وَالرَّحْمَةِ السَّابِغَةِ، وَالْعَدْلِ التَّامِّ. [٢٠/ ٥٦١ - ٥٨٣] ٢٠٣٥ - تَأَمَّلْت مَا شَاءَ اللهُ مِنَ الْمَسَائِلِ الَّتِي يَتَبَايَنُ فِيهَا النِّزَاعُ نَفْيًا وإِثْبَاتًا حَتَّى تَصِيرَ مُشَابِهَةً لِمَسَائِلِ الْأَهْوَاءِ، وَمَا يَتَعَصَّبُ لَهُ الطَّوَائِفُ مِنَ الْأَقْوَالِ؛ كَمَسَائِلِ الطَّرَائِقِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْخِلَافِ بَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَبَيْنَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ: فَوَجَدْت كَثِيرًا مِنْهَا يَعُودُ الصَّوَابُ فِيهِ إلَى الْوَسَطِ (١). وَكَذَلِكَ هُوَ الْأصْلُ الْمُعْتَمَدُ فِي الْمَسَائِلِ الْخَبَرِيَّةِ الْعِلْمِيَّةِ الَّتِي تُسَمَّى مَسَائِلَ الْأُصُولِ، أَو أُصُولَ الدِّينِ، أَو أُصُولَ الْكَلَامِ، يَقَعُ فِيهَا اتِّبَاعُ الظَّنِّ وَمَا تَهْوَى الْأنْفُسُ. [٢١/ ١٤١ - ١٤٢] ٢٠٣٦ - مَن لَمْ يَلْحَظِ الْمَعَانِيَ مِن خِطَابِ اللهِ وَرَسُولِهِ وَلَا يَفْهَمُ تَنْبِيهَ الْخِطَابِ وَفَحْوَاهُ مِن أَهْلِ الظَّاهِرِ؛ كَاَلَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] لَا يُفِيدُ النَّهْيَ عَنِ الضَّرْبِ، وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن دَاوُد، وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَزْمٍ، وَهَذَا فِي غَايَةِ الضَّعْفِ. بَل وَكَذَلِكَ قِيَاسُ الْأَوْلَى وَإِن لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ الْخِطَابُ، لَكِنْ عُرِفَ أَنَّهُ أَوْلَى بِالْحُكْمِ مِنَ الْمَنْطُوقِ بِهَذَا، فَإِنْكَارُهُ مِن بِاَع الظَّاهِرِيَّةِ الَّتِي لَمْ يَسْبِقْهُم بِهَا أَحَدٌ مِنَ السَّلَفِ، فَمَا زَالَ السَّلَفُ يَحْتَجُّونَ بِمِثْل هَذَا وَهَذَا. [٢١/ ٢٠٧] ٢٠٣٧ - كُلُّ قَوْلٍ يَنْفَرِدُ بِهِ الْمُتَأَخِّرُ عَن الْمُتَقَدِّمِينَ، وَلَمْ يَسْبِقْهُ إلَيْهِ أَحَدٌ مِنْهُمْ: فَإِنَّهُ يَكُونُ خَطَأً؛ كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: إيَّاكَ أَنْ تَتَكَلَّمَ فِي مَسْأَلَةٍ لَيْسَ لَك فِيهَا إمَامٌ. [٢١/ ٢٩١] ٢٠٣٨ - إذَا اشْتَبَهَ الْأَمْرُ: هَل هَذَا الْقَوْلُ أَو الْفِعْلُ مِمَّا يُعَاقَبُ صَاحِبُهُ عَلَيْهِ أَو

стр. 1585

مَا لَا يُعَاقَبُ؟ فَالْوَاجِبُ تَرْكُ الْعُقُوبَةِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ؛ فَإِنَّك إنْ تُخْطئْ فِي الْعَفْوِ خَيْرٌ مِن أَنْ تُخْطئَ في الْعُقُوبَةِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (١). وَلَا سِيَّمَا إذَا آلَ الْأَمْرُ إلَى شَرٍّ طَوِيل، وَافْتِرَاقِ أهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ؛ فَإِنَّ الْفَسَادَ النَّاشِئَ فِي هَذِهِ الْفُرْقَةِ أَضْعَافُ الشَّرِّ النَّاشِئِ مِن خَطَأِ نَفَرٍ قَلِيلٍ فِي مَسْأَلَةٍ فَرْعِيَّةٍ. [٦/ ٥٠٥] ٢٠٣٩ - إِذَا اشْتَبَهَ عَلَى الْإِنْسَانِ أَمْرٌ: فَلْيَدْعُ بِمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢) فِي "صَحِيحِهِ" عَن عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إذَا قَامَ إلَى الصَّلَاةِ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ رَبَّ جبرائيل وميكائيل وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِك فِيمَا كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِن الْحَقِّ بِإِذْنِك، إنَّك تَهْدِي مَن تَشَاءُ إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ". [٦/ ٥٠٥ - ٥٠٦] ٢٠٤٠ - لَيْسَ لِأحَدٍ أَنْ يَحْمِلَ كَلَامَ اللهِ وَرَسُولِهِ عَلَى وَفْقِ مَذْهَبِهِ (٣)، إنْ لَمْ يَتَبَيَّنْ مِن كَلَامِ اللهِ وَرَسُولِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى مُرَادِ اللهِ وَرَسُولِهِ، وَإِلَّا فَأَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ تَابِعَةٌ لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ ﷺ ، لَيْسَ قَوْلُ اللهِ وَرَسُولِهِ تَابِعًا لِأقْوَالِهِمْ. [٧/ ٣٥] ٢٠٤١ - يجوز ترجيح أحد الدليلين الظنيين على الآخر عند عامة العلماء. [المستدرك ٢/ ١٠٨] ٢٠٤٢ - لا ترجيح في المذاهب الخالية عن دليل، وحكى عبد الجبار بن أحمد عن أصحابه جواز ذلك. [المستدرك ٢/ ١٠٨]

стр. 1586

٢٠٤٣ - الْمَسَائِلُ الَّتِي يَقَعُ فِيهَا النِّزَاعُ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِصِفَاتِ الْعِبَادَاتِ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ: مِنْهَا: مَا ثَبَتَ عن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ سَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِن الْأَمْرَيْنِ، وَاتَّفَقَت الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ مَن فَعَلَ أَحَدَهُمَا لَمْ يَأْثَمْ بِذَلِكَ، لَكِنْ قَد يَتَنَازَعُونَ فِي الْأَفْضَلِ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْقِرَاءَاتِ الثَّابِتَةِ عَن النَّبِيِّ ﷺ الَّتِي اتَّفَقَ النَّاسُ عَلَى جَوَازِ الْقِرَاءَةِ بِأَيِّ قِرَاءَةٍ شَاءَ مِنْهَا؛ كَالْقِرَاءَةِ الْمَشْهُورَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فَهَذِهِ يَقْرَأُ الْمُسْلِمُ بِمَا شَاءَ مِنْهَا وَإِن اخْتَارَ بَعْضَهَا لِسَبَبٍ مِن الْأَسْبَابِ. وَمِن هَذَا الْبَابِ الِاسْتِفْتَاحَاتُ الْمَنْقُولَةُ عَن النَّبِيِّ ﷺ . الْقِسْمُ الثانِي: مَا اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ إذَا فَعَلَ كُلًّا مِن الْأَمْرَيْنِ كَانَت عِبَادَتُهُ صَحِيحَة وَلَا إثْمَ عَلَيْهِ، لَكِنْ يَتَنَازَعُونَ فِي الْأَفْضَلِ وَفِيمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَفْعَلُهُ، وَمَسْأَلَةُ الْقُنُوتِ فِي الْفَجْرِ وَالْوِتْرِ وَالْجَهْرِ بِالْبَسْمَلَةِ وَصِفَةُ الِاسْتِعَاذَةِ وَنَحْوُهَا مِن هَذَا الْبَابِ. وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَا قَد ثَبَتَ عَن النَّبِيِّ ﷺ فِيهِ أَنَّهُ سَنَّ الْأَمْرَيْنِ، لَكِنَّ بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ حَرَّمَ أَحَدَ النَّوْعَيْنِ أَو كَرِهَهُ لِكَوْنِهِ لَمْ يَبْلُغْهُ أَو تَأَوَّلَ الْحَدِيثَ تَأْوِيلًا ضَعِيفًا. وَالصَّوَابُ فِي مِثْل هَذَا: أَنَّ كُلَّ مَا سَنَّهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِأمَّتِهِ فَهُوَ مَسْنُونٌ، لَا يُنْهَى عَن شَيْءٍ مِنْهُ وَإِن كَانَ بَعْضُهُ أَفْضَلَ مِن ذَلِكَ، فَمِن ذَلِكَ أَنْوَاعُ التَّشَهُّدَاتِ. وَأمّا الْقِسْمُ الرَّابعُ: فَهُوَ مِمَّا تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ: فَأَوْجَبَ أَحَدُهُم شَيْئًا أَو اسْتَحَبَّهُ وَحَرَّمَهُ الْآخَرُ، وَالسُّنَّةُ لَا تَدُلُّ إلَّا عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، لَمْ تُسَوِّغْهُمَا جَمِيعًا، فَهَذَا هُوَ أَشْكَل الْأَقْسَامِ الْأَرْبَعَةِ. وَأمَّا الثَّلَاثَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ فَالسُّنَّةُ قَد سَوَّغَت الْأَمْرَيْنِ. وَهَذَا مِثْلُ تَنَازُعِهِمْ فِي قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ حَالَ الْجَهْرِ. [٢٢/ ٢٦٥ - ٢٩٤]

стр. 1587

٢٠٤٤ - مَعَ أَنَّ تَعْلِيلَ الْأَحْكَام بِالْخِلَافِ: عِلَّةٌ بَاطِلَةٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ؛ فَإِنَّ الْخِلَافَ لَيْسَ مِن الصِّفَاتِ الَّتِي يُعَلِّقُ الشَّارعُ بِهَا الْأَحْكَامَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، فَإِنَّ ذَلِكَ وَصْفٌ حَادِثٌ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَلَكِنْ يَسْلُكُهُ مَن لَمْ يَكُن عَالِمًا بِالْأدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ فِي نَفْسِ الْأمْرِ لِطَلَبِ الِاحْتيَاطِ. [٢٣/ ٢٨١ - ٢٨٢] ٢٠٤٥ - إِنَّ الِاحْتِيَاطَ إنَّمَا يُشْرَعُ إذَا لَمْ تَتَبَيَّنْ سُنَّةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَإِذَا تبَيَّنَت السُّنَّةُ فَاتباعُهَا أَوْلَى. [٢٦/ ٥٤] ٢٠٤٦ - أَئِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ لَا يَتَكَلَّمُونَ فِي الدِّينِ بِأَنَّ هَذَا وَاجِبٌ أَو مُسْتَحَبٌّ أَو حَرَامٌ أَو مُبَاحٌ إلَّا بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ مِن الْكِتَابِ أَو السُّنَّةِ وَمَا دَلَّا عَلَيْهِ. وَمَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ فَهُوَ حَقُّ جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ؛ فَإِنَّ أُمتَهُ وَللهِ الْحَمْدُ لَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالَةٍ. [٢٧/ ٣٧٣] ٢٠٤٧ - وَأَمَّا الْقَوْلُ بِأَنَّ هَذَا الْفِعْلَ مُسْتَحَبٌّ أَو مَنْهِيٌّ عَنْهُ أَو مُبَاحٌ فَلَا يَثْبُتُ إلَّا بِدَلِيل شَرْعِيٍّ، فَالْوُجُوبُ وَالنَّدْبُ وَالْإِبَاحَةُ وَالِاسْتِحْبَابُ وَالْكَرَاهَةُ وَالتَّحْرِيمُ لَا يَثْبُتُ شَيْءٌ مِنْهَا إلَّا بِالْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ، وَالْأَدِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ مَرْجِعُهَا كُلُّهَا إلَيْهِ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، فَالْقُرْآنُ هُوَ الَّذِي بَلَّغَهُ، وَالسُّنَّةُ هُوَ الَّذِي عَلَّمَهَا، وَالْإِجْمَاعُ بِقَوْلِهِ عُرِفَ أَنَّهُ مَعْصُومٌ، وَالْقِيَاسُ إنَّمَا يَكُونُ حُجَّةً إذَا عَلِمْنَا أَنَّ الْفَرْعَ مِثْل الْأَصْلِ، وَأَنَّ عِلَّةَ الْأَصْلِ فِي الْفَرْعِ. وَقَد عَلَّمَنَا أَنَّهُ ﷺ لَا يَتَنَاقَضُ، فَلَا يَحْكُمُ فِي الْمُتَمَاثِلَيْنِ بِحُكْمَيْنِ مُتَنَاقِضَيْنِ، وَلَا يَحْكُمُ بِالْحُكمِ لِعِلَّةٍ تَارَةً، وَيَمْنَعُهُ أُخْرَى مَعَ وُجُودِ الْعِلَّةِ، إلَّا لِاخْتِصَاصِ إحْدَى الصُّورَتَيْنِ بِمَا يُوجِبُ التَّخْصِيصَ. فَشَرْعُهُ هُوَ مَا شَرَعَهُ هُوَ ﷺ وَسُنَّتُهُ مَا سَنَّهَا هُوَ، لَا يُضَافُ إلَيْهِ (١) قَوْلُ غَيْرِهِ وَفِعْلُهُ -وَإن كَانَ مِن أَفْضَلِ النَّاسِ- إذَا وَرَدَتْ سُنَّتُهُ؛ بَل وَلَا يُضَافُ إلَيْهِ إلَّا بِدَليل يَدُلُّ عَلَى الْإِضَافَةِ. [٢٧/ ٣٩٦ - ٣٩٧]

стр. 1588

٢٠٤٨ - الْفِعْلُ الَّذِي لَمْ يَشْرَعْهُ هُوَ ﷺ لنَا وَلَا أَمَرَنَا بِهِ، وَلَا فَعَلَهُ فِعْلًا سَنَّ لَنَا أَنَّ نَتَأسَّى بِهِ فِيهِ: لَيْسَ مِن الْعِبَادَاتِ وَالْقُرَبِ، فَاتِّخَاذُ هَذَا قُرْبَة مُخَالَفَةٌ لَهُ ﷺ . وَمَا فَعَلَهُ مِن الْمُبَاحَاتِ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ التَّعَبُّدِ: يَجُوزُ لَنَا أَنْ نَفْعَلَهُ مُبَاحًا كَمَا فَعَلَهُ مُبَاحًا، وَلَكِنْ هَل يُشْرَعُ لَنَا أَنْ نَجْعَلَهُ عِبَادَةً وَقُرْبَةً؟ فِيهِ قَوْلَانِ، وَأَكْثَرُ السَّلَفِ وَالْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّا لَا نَجْعَلُهُ عِبَادَة وَقُرْبَةً؛ بَل نَتَّبِعُهُ فِيهِ: فَإِنْ فَعَلَهُ مُبَاحًا فَعَلْنَاهُ مُبَاحًا، وَإِن فَعَلَهُ قُرْبَةً فَعَلْنَاهُ قُرْبَةً. وَمَن جَعَلَهُ عِبَادَةً: رَأَى أَنَّ ذَلِكَ مِن تَمَامِ التَّأَسِّي بِهِ وَالتَّشَبُّهِ بِهِ، وَرَأَى أَنَّ فِي ذَلِكَ بَرَكَةً لِكَوْنِهِ مُخْتَصًّا بِهِ نَوْعَ اخْتِصَاصٍ. [٢٧/ ٥٠٤] ٢٠٤٩ - وَأَمَّا أَهْلُ التَّأوِيلِ الْمَحْضِ الَّذِينَ يَسُوغُ تَأْوِيلُهُم: فَأُولَئِكَ مُجْتَهِدُونَ مُخْطِئُونَ، خَطَؤُهُم مَغْفُورٌ لَهُمْ، وَهُم مُثَابُونَ عَلَى مَا أَحْسَنُوا فِيهِ مِن حُسْنِ قَصْدِهِمْ وَاجْتِهَادِهِمْ فِي طَلَبِ الْحَقِّ وَاتِّبَاعِهِ. وَلهَذَا كَانَ الْكَلَامُ فِي السَّابِقِينَ الْأَوَّلينَ وَمَن شَهِدَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِالْجَنَّةِ كَعُثْمَانِ وَعَلِيٍّ وَطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ وَنَحْوِهِمْ: لَهُ هَذَا الْحُكْمُ. فَنَقُولُ فِي هَؤُلَاءِ وَنَحْوِهِمْ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُم: إمَّا أَنْ يَكُونَ عَمَلُ أَحَدِهِمْ سَعْيًا مَشْكُورًا، أَو ذَنْبًا مَغْفُورًا، أَو اجْتِهَادًا قَد عُفِيَ لِصَاحِبِهِ عَن الْخَطَأِ فِيهِ. فَلِهَذَا كَانَ مِن أُصُولِ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَنَّهُ لَا يُمَكَّنُ أَحَدٌ مِن الْكَلَامِ فِي هَؤُلَاءِ بِكَلَام يَقْدَحُ فِي عَدَالَتِهِمْ وَدِيَانَتِهِمْ؛ بَل يُعْلَمُ أَنَّهُم عُدُولٌ مَرْضِيُّونَ، وَأَنَّ هَؤُلَاءِ ﵃، لَا سِيَّمَا وَالْمَنْقُولُ عَنْهُم مِن الْعَظَائِمِ كَذِبٌ مُفْتَرًى. [٢٧/ ٤٧٦ - ٤٧٧] ٢٠٥٠ - عُقُوبَةُ الْإِمَامِ لِلْكَذَّابِ الْمُفْتَرِي عَلَى النَاسِ وَالْمُتَكَلِّمِ فِيهِمْ وَفِي اسْتِحْقَاقِهِمْ لِمَا يُخَالِفُ دِينَ الْإِسْلَامِ: لَا يَحْتَاجُ إلَى دَعْوَاهُمْ؛ بَل الْعُقُوبَةُ فِي ذَلِكَ جَائِزَةٌ بِدُونِ دَعْوَى أَحَدٍ؛ كَعُقُوبَتِهِ لِمَن يَتَكَلَّمُ فِي الدِّينِ بِلَا عِلْمٍ، فَيُحدِّثُ بِلَا عِلْمٍ، وَيُفْتِي بِلَا عِلْمٍ، وَأَمْثَالُ هَؤُلَاءِ يُعَاقَبُونَ.

стр. 1589

فَعقُوبَةُ كُلِّ هَؤُلَاءِ جَائِزَةٌ بِدُونِ دَعْوَى، فَإِنَّ الْكَذِبَ عَلَى النَّاسِ وَالتَّكَلُّمَ فِي الدِّينِ وَفِي النَّاسِ بِغَيْرِ حَقٍّ: كَثِيرٌ فِي كَثيرٍ مِن النَّاسِ. [٢٨/ ٥٧٥] ٢٠٥١ - الْفُقَهَاءُ الَّذِينَ قَالُوا بِرأيٍ يُخَالِفُ النُّصُوصَ بَعْدَ اجْتِهَادِهِمْ وَاسْتِفْرَاغِ وُسْعِهِمْ ﵃: قَد فَعَلُوا مَا قَدَرُوا عَلَيْهِ مِن طَلَبِ الْعِلْمِ، وَاجْتَهَدُوا، وَاللهُ يُثيبُهُمْ، وَهُم مُطِيعُونَ للهِ سُبْحَانَهُ فِي ذَلِكَ، وَاللهُ يُثيبُهُم عَلَى اجْتِهَادِهِمْ، فَآجَرَهُم اللهُ عَلَى ذَلِكَ، وَإِن كَانَ الَّذِينَ عَلِمُوا مَا جَاءَت بِهِ النُّصُوصُ أَفْضَلَ مِمَن خَفِيَتْ عَلَيْهِ النُّصُوصُ، وَهَؤُلَاءِ لَهُم أَجْرَانِ، وَأُولَئِكَ لَهُم أَجْرٌ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٨، ٧٩]. [٣٢/ ١٣٢ - ١٣٣] ٢٠٥٢ - الْقَوْلُ الْمُوَافِقُ لِسُنَّتِهِ ﷺ مَعَ الْقَوْلِ الْآخَرِ بِمَنْزِلَةِ طَرِيقٍ سَهْلٍ مُخْصِبٍ يُوْصِلُ إلَى الْمَقْصُودِ، وَتِلْكَ الْأَقْوَالُ فِيهَا بُعْذ، وَفِيهَا وُعُورَةٌ، وَفِيهَا حدوثة، فَصَاحِبُهَا يَحْصُلُ لَهُ مِن التَّعَبِ وَالْجُهْدِ أَكْثَرُ مِمَّا فِي الطَّرِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ. [٣٣/ ١٤٩] ٢٠٥٣ - الْأُمَّة إذَا اخْتَلَفَتْ فِي مَسْأَلَةٍ عَلَى قَوْلَيْنِ: لَمْ يَكُن لِمَن بَعْدَهُم إحْدَاثُ قَوْلٍ يُنَاقِضُ الْقَوْلَيْنِ، وَيتَضَمَّنُ إجْمَاعَ السَّلَفِ عَلَى الْخَطَأِ وَالْعُدُولِ عَن الصَّوَابِ. [٣٤/ ١٢٥] * * *

стр. 1590

الاختلاف ٢٠٥٤ - الِاخْتِلَافُ إنَّمَا يُورِثُ شُبْهَةً إذَا لَمْ تتبيَّنْ سُنَةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ . [٢١/ ٦٢] ٢٠٥٥ - نَجِدُ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ-مِمَن يُخَالِفُ الْحَدِيثَ الصَّحِيحَ مِن أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ أَو غَيْرِهِمْ- يَقُولُ: هَذَا مَنْسُوخٌ وَقَد اتَّخَذُوا هَذَا مَجْنَةً (١)؛ كُلُّ حَدِيثٍ لَا يُوَافِقُ مَذْهَبَهُم يَقُولُونَ: هُوَ مَنْسُوخٌ مِن غَيْرِ أَنْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْسُوخٌ وَلَا يُثْبِتُوا مَا الَّذِي نَسَخَهُ. [٢١/ ١٥٠] ٢٠٥٦ - اخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ ﵃ -وَالنَّاسُ بَعْدَهُم- فِي رُؤَيةِ النَّبِيِّ ﷺ رَبَّهُ فِي الدُّنْيَا، وَقَالُوا فِيهَا كَلِمَاتٍ غَلِيظَةً؛ كَقَوْلِ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ ﵂: "مَن زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَأَى رَبَّهُ فَقَد أَعْظَمَ عَلَى اللهِ الْفِرْيَةَ"، وَمَعَ هَذَا فَمَا أَوْجَبَ هَذَا النِّزَاعُ تَهَاجُرًا وَلَا تَقَاطُعًا. وَكَذَلِكَ نَاظَرَ الْإِمَامُ أَحْمَد أَقْوَامًا مِن أَهْلِ السُّنَّةِ فِي مَسْألَةِ الشَّهَادَةِ لِلْعَشَرَةِ بِالْجَنَّةِ، حَتَّى آلَت الْمُنَاظَرَةُ إلَى ارْتِفَاعِ الْأَصْوَاتِ، وَكَانَ أَحْمَد وَغَيْرُهُ يَرَوْنَ الشَّهَادَةَ، وَلَمْ يَهْجُرُوا مَن امْتَنَعَ مِن الشَّهَادَةِ، إلَى مَسَائِلَ نَظِيرِ هَذِهِ كَثِيرَةٍ. [٦/ ٥٠٢] * * *

стр. 1591

(إذا تَنَازَعَ الْمُسْلِمُونَ فِي عَمَلٍ هَل هُوَ مُحَرَّمٌ أَو مُبَاحٌ: لا يجوز جَعلهُ قُرْبَةً) ٢٠٥٧ - مَعْلُومٌ فِي كُلِّ عَمَلٍ تَنَازَعَ الْمُسْلِمُونَ فِيهِ: هَل هُوَ مُحَرَّمٌ أَو مُبَاحٌ لَيْسَ بِقُرْبَة أَنَّ مَن جَعَلَهُ قُرْبَةً فَقَد خَالَفَ الْإِجْمَاعَ، وَإِذَا فَعَلَهُ مُتَقَرِّبًا بِهِ كَانَ ذَلِكَ حَرَامًا بِالْإِجْمَاعِ، كَمَا لَو تَقَرَّبَ بِلَعِبِ النَّرْدِ وَالشَّطْرَنْجِ، وَبَيْعِ الدِّرْهَمِ بِالدِّرْهَمَيْنِ، وَإِتْيَانِ النِّسَاءِ فِي الْحُشُوشِ، وَاسْتِمَاعِ الْغِنَاءِ وَالْمَعَازِفِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا لِلنَّاسِ فِيهِ قَوْلَانِ: التَّحْرِيمُ وَالْإِبَاحَةُ، لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ إنَّهَا قُرْبَةٌ، فَاَلَّذِي يَجْعَلُهُ عِبَادَةً يَتَقَرَّبُ بِهِ كَمَا يَتَقَرَّبُ بِالْعِبَادَاتِ: قَد فَعَلَ مُحَرَّمًا بِالْإِجْمَاعِ. وَالْمَقْصُودُ: أَنَّ مَا اخْتَلَفَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ هَل هُوَ حَرَامٌ أَو مُبَاحٌ كَانَ مَن جَعَلَهُ قُرْبَةً مُخَالِفًا لِإِجْمَاعِهِمْ، كَمَا إذَا اخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ عَلَى قَوْلَيْنِ فَمَن أَحْدَثَ قَوْلًا ثَالِثًا فَقَد خَالَفَ إجْمَاعَهُمْ. [٢٧/ ٢٢٩] * * * (متى يُثاب المخطئ ومتى يستحق العقاب ؟) ٢٠٥٨ - سَبَبُ الْفَرْقِ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَأَهْلِ الْأَهْوَاءِ -مَعَ وُجُودِ الِاخْتِلَافِ فِي قَوْلِ كُلٍّ مِنْهُمَا-: أَنَّ الْعَالِمَ قَد فَعَلَ مَا أُمِرَ بِهِ مِن حُسْنِ الْقَصْدِ وَالِاجْتِهَادِ، وَفوَ مَأْمُورٌ فِي الظَّاهِرِ بِاعْتِقَادِ مَا قَامَ عِنْدَهُ دَلِيلُهُ، وَإِن لَمْ يَكُن مُطَابِقًا. فَإِذَا اعْتَقَدَ الْعَالِمُ اعْتِقَادَيْنِ متَنَاقِضَيْنِ فِي قَضِيَّةٍ أَو قَضِيّتَيْنِ مَعَ قَصْدِهِ لِلْحَقِّ وَاتِّبَاعِهِ لِمَا أُمِرَ بِاتِّبَاعِهِ مِن الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ: عُذِرَ بِمَا لَمْ يَعْلَمْهُ وَهُوَ الْخَطَأُ الْمَرْفُوعُ عَنَّا، بِخِلَافِ أَصْحَابِ الْأَهْوَاءِ فَإِنَّهُم ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ﴾ [النجم: ٢٣]، وَيجْزِمُونَ بِمَا يَقُولُونَهُ بِالظَّن وَالْهَوَى جَزْمًا لَا يَقْبَلُ النَّقِيضَ مَعَ عَدَمِ الْعِلْمِ بِجَزْمِهِ، فَيَعْتَقِدُونَ مَا لَمْ يُؤْمَرُوا بِاعْتِقَادِهِ لَا بَاطِنًا وَلَا ظَاهِرًا، وَيقْصِدُونَ مَا لَمْ يُؤْمَرُوا بِقَصْدِهِ، وَيَجْتَهِدُونَ اجْتِهَادًا لَمْ يُؤْمَرُوا بِهِ.

стр. 1592

فَلَمْ يَصْدُرْ عَنْهُم مِن الِاجْتِهَادِ وَالْقَصْدِ مَا يَقْتَضِي مَغْفِرَةَ مَا لَمْ يَعْلَمُوهُ فَكَانُوا ظَالِمِينَ شَبِيهًا بِالْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ، أو جَاهِلِينَ شَبِيهًا بِالضَّالِّينَ. فَالْمُجْتَهِدُ الِاجْتِهَادَ الْعِلْمِيَّ الْمَحْضَ: لَيْسَ لَهُ غَرَضٌ سِوَى الْحَقِّ، وَقَد سَلَكَ طَرِيقَهُ، وَأَمَّا مُتَّبعُ الْهَوَى الْمَحْضِ: فَهُوَ مَن يَعْلَمُ الْحَقَّ وَيُعَانِدُ عَنْهُ. وَثَمَّ قِسْمٌ آخَرُ -وَهُوَ غَالِبُ النَّاسِ-: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ لَهُ هَوًى فِيهِ شُبْهَةٌ، فَتَجْتَمِعُ الشَّهْوَةُ وَالشُبْهَةُ. فَالْمُجْتَهِدُ الْمَحْضُ مَغْفُورٌ لَهُ وَمَأجُورٌ. وَصَاحِبُ الْهَوَى الْمَحْضِ مُسْتَوْجِبٌ لِلْعَذَابِ. وَأَمَّا الْمُجْتَهِدُ الِاجْتِهَادَ الْمُرَكَّبَ مِن شُبْهَةٍ وَهَوًى: فَهُوَ مُسِيءٌ، وَهُم فِي ذَلِكَ عَلَى دَرَجَاتٍ حَسَبَ مَا يَغْلِبُ، وَبِحَسَبِ الْحَسَنَاتِ الْمَاحِيَةِ. [٢٩/ ٤٣ - ٤٤] ٢٠٥٩ - من أصل الإمام أحمد الذي لا خلاف عنه فيه: أنه لا يجوز الخروج عن أقوال الصحابة، ولا يجوز ترك الحديث الصحيح من غير معارض له من جنسه، وكان ﵀ شديد الإنكار على من يخالف ذلك. [المستدرك ٤/ ٢٠٣] * * * (ضوابط الإنكار في مسائل الاجتهاد) ٢٠٦٠ - لَيْسَ لِمَن رَجَّحَ أَحَدَ الْقَوْلَيْنِ أَنْ يُنْكِرَ عَلَى صَاحِبِ الْقَوْلِ الْآخَرِ إلَّا بِحُجَّةٍ شَرْعِيَّةٍ. فَمَن صَارَ إلَى قَوْلٍ مُقَلِّدًا لِقَائِلِهِ: لَمْ يَكُن لَهُ أَنْ يُنْكِرَ عَلَى مَن صَارَ إلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ مُقَلِّدًا لِقَائِلِهِ، لَكِنْ إنْ كَانَ مَعَ أَحَدِهِمَا حجَّةٌ شَرْعِيَّةٌ وَجَبَ الِانْقِيَادُ لِلْحُجَجِ الشَّرْعِيَّةِ إذَا ظَهَرَتْ. وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُرجِّح قَوْلًا عَلَى قَوْلٍ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، وَلَا يَتَعَصَّبُ لِقَوْلٍ عَلَى قَوْلٍ، وَلَا لقَائِلٍ عَلَى قَائِلٍ بِغَيْرِ حُجَّةٍ؛ بَل مَن كَانَ مُقَلِّدًا لَزِمَ حُكْمَ

стр. 1593

التَّقْلِيدِ، فَلَمْ يُرَجِّحْ وَلَمْ يُزَيِّفْ وَلَمْ يُصَوِّبْ وَلَمْ يُخَطِّئْ (١). وَمَن كَانَ عِنْدَهُ مِن الْعِلْمِ وَالْبَيَانِ مَا يَقُولُهُ سُمِعَ ذَلِكَ مِنْهُ، فَقُبِلَ مَا تَبَيَّنَ أَنَّهُ حَقٌّ، وَرُدَّ مَا تَبَيَّنَ أَنَّهُ بَاطِلٌ، وَوُقِفَ مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ فِيهِ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ، وَاللهُ تَعَالَى قَد فَاوَتَ بَيْنَ النَّاسِ فِي قُوَى الْأَذْهَانِ، كَمَا فَاوَتَ بَيْنَهُم فِي قُوَى الْأَبْدَانِ. وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ (٢) وَنَحْوُهَا فِيهَا مِن أَغْوَارِ الْفِقْهِ وَحَقَائِقِهِ مَا لَا يَعْرِفُهُ إلَّا مَن عَرَفَ أَقَاوِيلَ الْعُلَمَاءِ وَمَآخِذَهُمْ. فَأمَّا مَن لَمْ يَعْرِفْ إلَّا قَوْلَ عَالِمٍ وَاحِدٍ وَحُجَّتَهُ دُونَ قَوْلِ الْعَالِمِ الْآخَرِ وَحُجَّتِهِ: فَإِنَّهُ مِن الْعَوَامِّ الْمُقَلِّدِينَ، لَا مِن الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُرَجِّحُونَ وَيُزَيِّفُونَ. [٣٥/ ٢٣٣] * * * (التحذير من امتحان الناس بمسألة اجتهادية) ٢٠٦١ - لَا يَنْبَغِي لِأَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ يَجْعَلُوا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ: [رؤية الكفار ربّهم]: مِحْنَةً وَشِعَارًا يُفَضِّلُونَ بِهَا بَيْنَ إخْوَانِهِمْ وَأَضْدَادِهِمْ؛ فَإنَّ مِثْل هَذَا مِمَّا يَكْرَهُهُ اللهُ وَرَسُولُهُ. وَكَذَلِكَ لَا يُفَاتِحُوا فِيهَا عَوَامَّ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ هُم فِي عَافِيَةٍ وَسَلَامٍ عَن الْفِتَنِ (٣)، وَلَكِنْ إذَا سُئِلَ الرَّجُلُ عَنْهَا أَو رَأَى مَن هُوَ أَهْلٌ لِتَعْرِيفِهِ ذَلِكَ أَلْقَى إلَيْهِ

стр. 1594

مِمَّا عِنْدَهُ مِن الْعِلْمِ مَا يَرْجُو النَّفْعَ بِهِ، بِخِلَافِ الْإِيمَانِ بِأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَرَوْنَ رَبَّهُم فِي الْآخِرَةِ؛ فَإنَّ الْإِيمَانَ بِذَلِكَ فَرْضٌ وَاجِبٌ، لِمَا قَد تَوَاتَرَ فِيهَا عَن النَّبِيِّ ﷺ وَصَحَابَتِهِ وَسَلَفِ الْأُمَّةِ. [٦/ ٥٠٤] * * * (الحكم فيما لو حكم القاضي بقول يُخالف مذاهب الأئمة الأربعة) ٢٠٦٢ - لَو قَضَى أَو أَفْتَى بِقَوْلٍ سَائِغٍ يَخْرُجُ عَن أَقْوَالِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ فِي مَسَائِلِ الْأَيْمَانِ وَالطَّلَاقِ وَغَيْرِهِمَا مِمَّا ثَبَتَ فِيهِ النِّزَاعُ بَيْنَ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يُخَالِفْ كِتَابًا وَلَا سُنَّةً وَلَا مَعْنَى ذَلِكَ؛ بَل كَانَ الْقَاضِي بِهِ وَالْمُفْتِي بِهِ يَسْتَدِلُّ عَلَيْهِ بِالْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ -كَالِالسْتِدْلَالِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ-: فَإِنَّ هَذَا يَسُوغُ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِهِ وَيُفْتِيَ بِهِ. وَلَا يَجُوزُ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ نَقْضُ حُكْمِهِ إذَا حَكَمَ، وَلَا مَنْعُهُ مِنَ الْحُكْمِ بِهِ، وَلَا مِنَ الْفُتْيَا بِهِ، وَلَا مَنْعِ أَحَدٍ مِن تَقْلِيدِهِ. وَمَن قَالَ: إنَّهُ يَسُوغُ الْمَنْعُ مِن ذَلِكَ: فَقَد خَالَفَ إجْمَاعَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ؛ بَل خَالَفَ إجْمَاعَ الْمُسْلِمِينَ مَعَ مُخَالَفَتِهِ للهِ وَرَسُولِهِ؛ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩].

стр. 1595

فَأَمَرَ اللهُ الْمُؤمِنِينَ بِالرَّدِّ فِيمَا تَنَازَعُوا فِيهِ إلَى اللهِ وَالرَّسُولِ، وَهُوَ الرَّدُّ إلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. فَمَن قَالَ: إنَّهُ لَيْسَ لأحَدٍ أَنْ يَردَّ مَا تَنَازَعُوا فِيهِ إلَى الْكتَابِ وَالسُّنَّةِ، بَل عَلَى الْمُسْلِمِينَ اتِّبَاعُ قَوْلِنَا دُونَ الْقَوْلِ الْآخَرِ مِن غَيْرِ أنْ يُقِيمَ دَلِيلًا شَرْعِيًّا- كَالِاسْتِدْلَالِ بِالْكتَابِ وَالسُّنَّةِ- عَلَى صِحَّةِ قَوْلِهِ: فَقَد خَالَفَ الْكتَابَ وَالسُّنَّةَ وَإِجْمَاعَ الْمُسْلِمِينَ، وَتَجِبُ اسْتِتَابَةُ مِثْل هَذَا وَعُقُوبَتُهُ كَمَا يُعَاقَبُ أَمْثَالُهُ. فَإِذَا كَانَتِ الْمَسْأَلَةُ مِمَّا تَنَازَعَ فِيهِ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ وَتَمَسَّكَ بِأَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، ويَحْتَجُّ (١) عَلَى قَوْلِهِ بِالْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ -كَالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ- وَلَيْسَ مَعَ صَاحِبِ الْقَوْلِ الْآخَرِ مِنَ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ مَا يُبْطِلُ بِهِ قَوْلهُ: لَمْ يَكُن لِهَذَا الَّذِي لَيْسَ مَعَهُ حُجَّةٌ تَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِهِ أَنْ يَمْنَعَ ذَلِكَ الَّذِي يَحْتَجُّ بِالْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ؛ بَل [مَنْ] (٢) جَوَّزَ أَنْ يُمْنَعَ الْمُسْلِمُونَ مِنَ الْقَوْلِ الْمُوَافِقِ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَأَوْجَبَ عَلَى النَّاسِ اتِّبَاعَ الْقَوْلِ الَّذِي يُنَاقِضُه بِلَا حجَّةٍ شَرْعِيَّةٍ تُوجِبُ عَلَيْهِم اتِّبَاعَ هَذَا الْقَوْلِ وَتُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ اتِّبَاعَ ذَلِكَ الْقَوْلِ: فَإِنَّهُ قَد انْسَلَخَ مِنَ الدِّينِ، تَجب اسْتِتَابَتُهُ وَعُقُوبَتُهُ كَأَمْثَالِهِ، وَغَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ جَاهِلًا فَيُعْذَرُ بِالْجَهْلِ أَوَّلًا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ أَقْوَالُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَدَلَائِلُ الْكِتَاب وَالسُّنَّةِ، فَإِنْ أَصَرَّ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى مُشَاقَّةِ الرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَاتَّبَعَ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ: فَإِنَّهُ يُسْتَتَابُ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ. [٣٣/ ١٣٤ - ١٣٥] * * * (الاجتهاد والتقليد وهل المصيب واحد) ٢٠٦٣ - قال القاضي في كتاب الروايتين: الحق عند الله واحد، وقد نصب عليه دليلًا، وكلف المجتهد طلبه، فإن أصابه فقد أصاب الحق عند الله وفي الحكم وإن أخطأه فقد أخطأ عند الله.

стр. 1596

وهل أخطأ في الحكم أيضًا؟ على روايتين: إحداهما: أنه مخطئ في الحكم إلا أن الخطأ موضوع عنه. والثانية: هو مصيب في الحكم. قال القاضي: وقد أومأ أحمد إلى هذا في رواية بكر بن محمد، عن أبيه عنه، فقال: الحق عند الله في واحد، وعلى الرجل أن يجتهد، ولا يقول لمخالفه: إنه مخطئ. وقال بعده كلامًا: وإذا اختلف أصحاب محمد ﷺ في شيء، فأخذ رجل بقول بعضهم وأخذ رجل آخر عن رجل آخر منهم فالحق واحد، وعلى الرجل أن يجتهد ولا يدري أصاب الحق أم أخطأ. قال: فظاهر كلامه في أول المسألة أنه مصيب في الحكم؛ لأنه منع من إطلاق الخطأ عليه في الحكم، وآخر كلامه يقتضي إطلاق ذلك عليه؛ لأنه قال: عليه أن يجتهد ولا يدري أصاب الحق أم لا، فأطلق الخطأ عليه. قال شيخنا: أحمد فرق لأن الأولين كل منهما استدل بنص، والآخرين لا نص مع واحد منهما، فعلى هذا: من استمسك بنص لا يطلق عليه الخطأ في الحكم؛ كالمصلي إلى القبلة المنسوخة قبل عِلْمه بالناسخ. ومن لا نص معه يقال: هو مخطئ في الحكم، بمنزلة الذي ليس هو على شريعة، ولم تبلغه شريعة فصارت الأقوال ثلاثة، والفرق هو المنصوص. [المستدرك ٢/ ٢٣٤ - ٢٣٥] * * * (المسائل تنقسم إلي ما يقطع فيه بالإصابة وإلى ما لا ندري) ٢٠٦٤ - إذا ثبت أن المصيب من المختلفين واحد، فهل نقطع بصحة قولنا وخطأ المخالف، أم يجوز أن يكون الحق في غير ما قلنا؟ قد نقل عن أبي الطيب الطبري أنه يقطع بخطأ مخالفه، وينقض حكمه.

стр. 1597

والصحيح أن المسائل تنقسم إلى قسمين: أ- إلى ما يقطع فيه بالإصابة. ب- وإلى ما لا ندري أصاب الحق أم أخطأ، بحسب الأدلة وظهور الحكم للناظر. ولا أظن يخالف في هذا من فهمه وعلى هذا ينبني حكم الحاكم وغيره. ومن ذلك قول أبي بكر في الكلالة، وقول عمر وغيره، وعليه ينبني حلف الإمام أحمد في مسائل منها العينة، وجبنه عن الحلف في آخر كالشفعة للجار وغير ذلك. [المستدرك ٢/ ٢٣٧] * * * (الاجتهاد بحضرة النبي ﷺ وفي غيبته) ٢٠٦٥ - مسألة: يجوز لمن كان في زمن النبي ﷺ أن يجتهد سواء كان غائبًا عنه أو حاضرًا معه، وبه قال أكثر الشافعية، ومنع قوم منه لمن بحضرته أو قريبًا منه. [المستدرك ٢/ ٢٤٠] * * * (الاجتهاد والمجتهدون) ٢٠٦٦ - ذكر ابن عقيل: أن العامي لا يجوز له التقليد إلا لمجتهد، وكذلك التزم أنه لا بد في كل عصر من مجتهد يجوز للعامي تقليده. [المستدرك ٢/ ٢٦٣] ٢٠٦٧ - مسألة: لا يجوز للمجتهد تقليد مجتهد آخر، سواء في ذلك ضيق الزمان وسعته، نص عليه في رواية الفضل بن زياد، ذكرها ابن بطة أن أحمد قال له: يا أبا العباس لا تقلد دينك الرجال؛ فإنهم لم يسلموا من أن يغلطوا. وقال في رواية أبي الحارث: لا تقلد أمرك أحدًا منهم وعليك بالأثر.

стр. 1598

قال القاضي: فقد منع من التقليد وندب إلى الأخذ بالأثر، وإنما يكون هذا فيمن له معرفة بالأثر والاجتهاد. قال أبو الخطاب: وعن أبي حنيفة روايتان إحداهما: جوازه، والثانية: المنع منه، وبه قال الشافعي. قال شيخنا: هذا في تقليد الصحابة عند من جعله من صور المسألة ليس بصحيح، فإن العلماء صرحوا بجواز ذلك، وإن خالف رأينا، وفي كلام بعضهم ما يدل على أنهم كانوا يقلدون في مخالفة رأيهم، وأما وقوع هذا بالفعل من اتباع الأئمة فكثير لا يحصر. وذكر أيضًا أبو الخطاب أنه لا خلاف في أنه يجوز ترك قول الأعلم لاجتهاده، ثم ذكر بعد هذا أن قول الصحابي ليس من صور هذه المسألة، فإنه يجب عليه ترك اجتهاده لقول الصحابي عند من جعله حجة، ولا يجب عليه تقليد غيره. وحكى أبو المعالي في كتاب الاجتهاد عن الإمام أحمد قال: فأما تقليد الصحابة، قال أحمد: العالم قبل اجتهاده يقلد الصحابي ويتخير في تقليده من شاء منهم. ولم يجوز تقليد التابعين. قال: وقال الشافعي في القديم: قول الصحابي حجة، ويجب على المجتهدين التمسك به. ثم قال: يقدم على القياس الجلي والخفي، وفي رواية: على الخفي دون الجلي. وظاهر مذهبه في القديم: أنه حجة إذا لم يظهر خلاف في الصحابة، ونقل عنه في القديم: إذا اختلفوا فالتمسك بقول الخلفاء أولى. وقال في الجديد: لا حجة في قول الصحابي، والاختيار عنده إذا انطبق

стр. 1599

على القياس لم يكن حجة، وإذا خالف القياس الجلي فلا يخالفه إلا عن توقيف. [المستدرك ٢/ ٢٦٤ - ٢٦٦] * * * (يجوز خلو عصر من الأعصار من مجتهد) ٢٠٦٨ - مسألة: لا يجوز خلو عصر من الأعصار من مجتهد يجوز للعامي تقليده، ويجوز أن يولى القضاء، خلافا لبعض المحدثين في قولهم: لم يبق في عصرنا مجتهد. هذا نقل ابن عقيل. [المستدرك ٢/ ٢٦٧] * * * (إذا وقعت الحادثة مرة ثانية فهل يجدد النظر ؟) ٢٠٦٩ - قال أبو الخطاب: أجمع الناس على أن المجتهد إذا حكم في حادثة بحكم ثم جاءته مثلها أنه لا يقنع بذلك الاجتهاد؛ بل يجتهد ثانيًا، وما عليه دليل قطعي لا يحتاج إلى ذلك؛ كمن عرف التوحيد والنبوة. قال: وفيه نظر (١). وقال أيضًا: إذا سئل المفتي عن مسألة فإن كان قد تقدم له فيها اجتهاد وقول وهو ذاكر لطريق الاجتهاد والحكم جاز له أن يفتي بذلك، وإلا فلا. فإن ذكر الحكم دون طريق الاجتهاد لزمه أن يذكر طريق الاجتهاد، ويعيد النظر في ذلك، فإن أدَّاه اجتهاده إلى ذلك الحكم أفتى به، وإن أداه إلى غيره أفتى به أيضًا. وكذلك ذكر ابن عقيل. وذكر أبو عمرو ابن الصلاح: أنه إذا وقعت الحادثة مرة ثانية: - فإن كان ذكر الفتيا الأولى ومستندها بالنسبة إلى أصل الشرع إن كان

стр. 1600

مستَقِلًّا، أو بالنسبة إلى مذهبه إن كان منتسبًا إلى مذهب ذي مذهب: أفتى بذلك. - وإن تذكرها دون مستندها، ولم يظهر ما يوجب رجوعه عنها: فقد قيل: له أن يُفتي بذلك. والأصح: أنه لا يفتي حتى يجدد النظر. ومن لم تكن فتياه حكاية عن غيره: لم يكن له بد من استصحاب الدليل فيها (١). [المستدرك ٢/ ٢٦٧ - ٢٦٨] * * * (إذا حدثت مسألة ليس فيها قول لأحد من العلماء، وإذا سئل عن مسألة لم تقع) ٢٠٧٠ - إذا حدثت مسألة ليس فيها قول لأحد من العلماء: جاز الاجتهاد فيها: الحكم والفتوى، لمن هو أهل لذلك للحاجة. وقد أومأ أحمد إلى المنع منه؛ كقوله للميموني: إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام. وقيل: يجوز ذلك في الفروع دون الأصول، وهو أولى. [المستدرك ٢/ ٢٦٨] * * * (الإفتاء والمفتون) ٢٠٧١ - قال أبو الخطاب: وإن أفتى باجتهاده: - فإن كان المستفتي قد عمل بما أفتاه: لم يلزم المفتي أن يعرفه بتغير اجتهاده، ولم يلزم المستفتي نقضُ ما عمله. - وإن كان لم يعمل بها: لزمه ذلك إن أمكنه. [المستدرك ٢/ ٢٦٨] * * *

стр. 1601

في كيفية الفتوى ٢٠٧٢ - إذا سئل المجتهد عن الحكم: لم يجز له أن يفتي بمذهب غيره (١)، لأنه إنما سئل عما عنده، فإن سئل عن مذهب غيره جاز له أن يحكيه؛ لأن العامي يجوز له حكاية قول غيره، ولا يجوز له أن يفتي بما يجده في كتب الفقهاء، ولا بما يفتيه به فقيه، وهذا قول أبي الخطاب. وقال الحليمي والروياني: لا يجوز للمقلد (٢) أن يفتي بما هو مقلد فيه. وقال أبو محمد الجويني عن القفال والمروذي: أنه يجوز لمن حفظ مذهب صاحب مذهب ونصوصه أن يفتي به وإن لم يكن عارفًا بغوامضه وحقائقه. وقال أبو محمد: لا يجوز أن يفتي بمذهب غيره إذا لم يكن متبحرًا فيه عالمًا بغوامضه وحقائقه، كما لا يجوز للعامي الذي جمع فتاوى المفتين أن يفتي بها، وإذا كان متبحرًا فيه جاز أن يفتي به. قال أبو عمرو: وقول من قال: لا يجوز: معناه: أنه لا يذكره في صورة ما يقوله من عند نفسه؛ بل يضيفه إلى إمامه الذي يحكيه عنه (٣). [المستدرك ٢/ ٢٦٩] ٢٠٧٣ - ذكر الماوردي في الحاوي في العامي إذا عرف حكم حادثة بنى على دليلها ثلاثة أوجه: أحدها: أنه يجوز أن يفتي به، ويجوز تقليده فيه. والثاني: يجوز ذلك إن كان دليلُها من الكتاب أو السُّنَّة.

стр. 1602

والثالث -وهو الأصح-: أنه لا يجوز ذلك مطلقًا (١). [المستدرك ٢/ ٢٧٠] ٢٠٧٤ - لا يشترط في المفتي الحرية والذكورية كالراوي. وذكر عن الماوردي أن المفتي إذا نابذ في فتاواه شخصًا معينًا صار خصمًا معاندًا: ترد فتواه على من عاداه، كما ترد شهادته. ولا بأس أن يكون المفتي أعمى، أو أخرس مفهوم الإشارة أو كاتبًا، ولا تصح فتيا فاسق، غير أنه يعمل فيما يقع له باجتهاد نفسه، وتقبل فتوى المستور في الأظهر، ولا فرق بين القاضي وغيره في الفتيا. [المستدرك ٢/ ٢٧٠] ٢٠٧٥ - كَثِيرٌ مِن أَجْوِبَةِ الْإِمَامِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ مِن الْأَئِمَّةِ خَرَجَ عَلَى سُؤَالِ سَائِلٍ، قَد عَلِمَ الْمَسْؤُولُ حَالَهُ، أَو خَرَجَ خِطَابًا لِمُعَيَّن قَد عَلِمَ حَالَهُ، فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ قَضَايَا الْأَعْيَانِ الصَّادِرَةِ عَن الرَّسُولِ ﷺ إنَّمَا يَثْبُتُ حُكْمُهَا فِي نَظِيرِهَا. [٢٨/ ٢١٣] * * * فصل: شيخنا: في ترجيح المقلد أحد الأقوال لكثرة عدد قائليه من المفتين حال الفتوى: ٢٠٧٦ - قال الوزير أبو المظفر يحيى بن محمد بن هبيرة: الصحيح في هذه المسألة أن قول من قال: "لا يجوز تولية قاض حتى يكون من أهل الاجتهاد" فإنه إنما عنى به هنا ما كانت الحالة عليه قبل استقرار ما استقر في هذه المذاهب التي أجمعت الأئمة على أن كلًّا منها يجوز العمل به؛ لأنه مستند إلى أمر رسول الله ﷺ أو على سبيل معه.

стр. 1603

فالقاضي في هذا الوقت وإن لم يكن قد سعى في طلب الأحاديث وانتِقَاء طرقها وعرف من لغة الناطق بالشريعة ﷺ ما لا يعوزه معه معرفة ما يحتاج إليه فيه، وغير ذلك من شروط الاجتهاد؛ فإن ذلك قد فُرغ [له] (١) منه، ودَأَب فيه سواه، وانتهى الأمر من هؤلاء الأئمة المجتهدين إلى ما أراحوا به من بعدهم، وانحصر الحق في أقاويلهم (٢)، وتدونت العلوم وانتهت إلى ما اتضح فيه الحق. وعلى ذلك فإنه إذا خرج من خلافهم متوخيًا مواطن الاتفاق ما أمكنه: كان آخذًا بالحزم، عاملًا بالأَولى، وكذلك إذا قصد في مواطن الخلاف توخي ما عليه الأكثر منهم، والعمل بما قاله الجمهور دون الواحد منهم: فإنه قد أخذ بالحزم والأحوط والأولى مع جواز أن يعمل بقول الواحد. إلا أنني أكره له أن يكون ذلك من حيث أنه قد قرأ مذهب واحد منهم أو نشأ في بلدة لم يعرف فيها إلا مذهب إمام واحد منهم، أو كان شيخه ومعلمه على مذهب فقيه من الفقهاء خاصة يقصر نفسه على اتباع ذلك المذهب. وبمقتضى هذا: فإن ولايات الحكام في وقتنا هذا ولايات صحيحة، وإنهم قد سدوا من ثغر الإسلام ما سدُّه فرض كفاية. ومتى أهملنا هذا القول ولم نذكره ومشينا على طريق التغافل التي يمشي فيها من يمشي من الفقهاء: أنه لا يصح أن يكون أحد قاضيًا حتى يكون من أهل الاجتهاد، ثم يذكر في شروط الاجتهاد أشياء ليست موجودة في الحكام: فإن هذا كالإحالة وكالتناقض، وكأنه تعطيل للأحكام وسد لباب الحكم وألا ينفذ لأحد حق، ولا يكاتب به، ولا تقام بينة، ولا يثبت لأحد ملك، إلى غير ذلك من القواعد الشرعية، فكان هذا الأصل غير صحيح، وبَانَ أن الحكام

стр. 1604

اليوم حكوماتهم صحيحة نافذة، وولاياتهم جائزة شرعًا، فقد تضمن هذا الكلام أن تولية المقلد تجوز إذا تعذر تولية المجتهد. فأما تعيين المدارس بأسماء فقهاء معينين: فإنه لا أرى به بأسًا، حيث إن اشتغال الفقهاء بمذهب واحد من غير أن يختلط بهم فقيه في مذهب آخر يثير الخلاف معهم ويوقع النزاع فيه؛ فإنه حكى لى الشيخ محمد بن يحيى، عن القاضي أبي يعلى أنه قصده فقيه ليقرأ عليه مذهب أحمد، فسأله عن بلده فأخبره، فقال له: إن أهل بلدك كلهم يقرؤون مذهب الشافعي فلماذا عدلت أنت عنه إلى مذهبنا؟ فقال له: إنما عدلت عن المذهب رغبة فيك أنت، فقال له: إن هذا لا يصلح فإنك إذا كنت في بلدك على مذهب أحمد وباقي أهل البلد على مذهب الشافعي لم تجد أحدًا يعبد (١) معك، ولا يدارسك، وكنتَ خليقًا أن تثير خصومة وتوقع نزاعًا؛ بل كونك على مذهب الشافعي حيث أهل بلدك على مذهبه أولى، ودله على الشيخ أبي إسحاق وذهب به إليه، فقال: سمعًا وطاعة، أقدمه على الفقهاء (٢). [المستدرك ٢/ ٢٧١ - ٢٧٧] * * * (متى تلزمه الفتوى ؟) ٢٠٧٧ - للمفتي أن يرد الفتوى إذا كان في البلد من يقوم مقامه، وإلا لزمه النظر إليها. فإن كان في البلد من هو معروف عند العوام بالفتيا وهو في الباطن جاهل: تعين على هذا الجواب. [المستدرك ٢/ ٢٧٨] * * *

стр. 1605

(الأدب مع المفتي) ٢٠٧٨ - لا ينبغي للعامي أن يطالب المفتي بالحجة فيما أفتاه ولا يقول له: لم؟ ولا كيف؟ فإن أحب أن تسكن نفسه بسماع الحجة في ذلك سأل عنه في مجلس آخر، أو فيه بعد قبوله الفتوى مجردة عن الحجة. وذكر السمعاني: أنه لا يمنع من أن يطالب المفتي بالدليل لأجل احتياطه لنفسه (١)، وأنه يلزمه أن يذكر له الدليل إن كان مقطوعًا به، وإلا فلا؛ لافتقاره حينئذ إلى اجتهاد يقصر العامي عنه. وينبغي له أن يحفظ الأدب مع المفتي، ويجله في خطابه وسؤاله ونحو ذلك، ولا يومئ بيده في وجهه، ولا يقول له: ما تحفظ في كذا؟ ولا ما مذهب إمامك في كذا؟ ولا يقول له إذا أجابه: هكذا قلتُ أنا، ولا: هكذا وقع لى، ولا يقول له: أفتاني فلان، أو أفتاني غيرك بكذا وكذا، ولا يسأله وهو قائم، أو مستوفز، أو على حال ضجر أو همِّ، أو غير ذلك مما يشغل قلبه، ويبدأ بالأسن الأعلم من المفتين، وبالأَولى فالأولى. وقال أبو القاسم الصيمري: إذا أراد جمع الجوابات في رقعة قدم الأسن الأعلم وإن أراد إفرادها فلا يبالي بأيهم بدأ. [المستدرك ٢/ ٢٧٩] * * * (العامي من يستفتي) ٢٠٧٩ - ليس للمسلم أن يستفتي إلا من يعلم أنه من أهل العلم والدين، وأن لا يقتدي إلا بمن يصلح الاقتداء به. [المستدرك ٢/ ٢٨٠] ٢٠٨٠ - لا يجوز استفتاء إلا من يفتي بعلم وعدل.

стр. 1606

ولا يجوز أن يُقْدم العامي على فعل لا يعلم جوازه، ويفسق إن كان مما يفسق به. ذكره القاضي. قال ابن عقيل: لا يجوز للعامي أن يستفتي في الأحكام الشرعية من شاء؛ بل يجب أن يبحث عن حال من يريد سؤاله وتقليده فإذا أخبره أهل الثقة والخبرة أنه أهل لذلك علمًا وديانة حينئذ استفتاه وإلا فلا. وقال أبو الخطاب: لا يجوز للمستفتي أن يستفتي إلا من يغلب على ظنه أنه من أهل الاجتهاد بما يراه من انتصابه للفتوى بمشهد من أعيان العلماء، وأخذ الناس عنه وإجماعهم على سؤاله، وما يبدو منه من سمات الدين والخير، فأما من لا يراه مشتغلًا بالعلم ويرى عليه سيما الدين فلا يجوز له استفتاؤه بمجرد ذلك. وقال أبو المعالي: إذا تقرر عنده بقول الأثبات: إن هذا الرجل بالغ مبلغ الاجتهاد فحينئذ يستفتيه. ثم قال القاضي: له أن يُعَوِّل على قول عدلين، وقال: لا يستفتي إلا من استفاضت الأخبار ببلوغه منصب الاجتهاد، والأمر هنا مظنون. [المستدرك ٢/ ٢٨٠] * * * (أدب العالم والمتعلم) ٢٠٨١ - ويل للعالم إذا سكت عن تعليم الجاهل، ووبل للجاهل إذا لم يقبل. [المستدرك ٢/ ٢٨١] * * * (ضوابط الاجتهاد والتقليد وحكم ذلك) ٢٠٨٢ - نَقَلَ غَيْرُ وَاحِدٍ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْعَالِمِ أَنْ يُقَلِّدَ غَيْرَهُ إذَا كَانَ قَد اجْتَهَدَ وَاسْتَدَلَّ وَتَبَيَّنَ لَهُ الْحَقُّ الَّذِي جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ، فَهُنَا لَا يَجُوزُ لَهُ تَقْلِيدُ مَن قَالَ خِلَافَ ذَلِكَ بِلَا نِزَاعٍ.

стр. 1607

وَلَكِنْ هَل يَجُوزُ مَعَ قُدْرَتهِ عَلَى الِاسْتِدْلَالِ أَنَّهُ يُقَلِّدُ؟ هَذَا فِيهِ قَوْلَانِ: فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمَا لَا يَجُوزُ. وَحُكِيَ عَن مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ جَوَازهُ. [١٩/ ٢٦١] ٢٠٨٣ - الْعَادِلُ عَنْهَا [أي: النصوص] إلَى خِلَافِهَا يَدْخُلُ فِيهِ مَن قَلَّدَ أَحَدًا مِنَ الْأَوَّلينَ والآخرين فِيمَا يَعْلَمُ أَنَّهُ خِلَافُ قَوْلِ الرَّسُولِ، سَوَاءٌ كَانَ صَاحِبًا أَو تَابِعًا أَو أَحَدَ الْفُقَهَاءِ الْمَشْهُورِينَ الْأَرْبَعَةِ أَو غَيْرِهِمْ. وَأَمَّا مَن ظَنَّ أَنَّ الَّذِينَ قَلَّدَهُم مُوَافِقُونَ لِلرَّسُولِ فِيما قَالُوهُ: - فَإِنْ كَانَ قَد سَلَكَ فِي ذَلِكَ طَرِيقًا عِلْمِيًّا فَهُوَ مُجْتَهِدٌ لَهُ حُكْمُ أَمْثَالِهِ. - وَإِن كَانَ مُتَكَلِّمًا بِلَا عِلْمٍ فَهُوَ مِن الْمَذْمُومِينَ (١). [١٩/ ٢٦٦] ٢٠٨٤ - الْوَاجِبُ فِي الِاعْتِقَادِ أَنْ يَتَّبعَ أَحْسَنَ الْقَوْلَيْنِ، لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَعْتَقِدَ قَوْلًا وَهُوَ يَعْتَقِدُ أَنَّ الْقَوْلَ الْمُخَالِفَ لَهُ أَحْسَنُ مِنْهُ. وَإِن جَازَ لَهُ فِعْلُ الْمَفْضُولِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَ ذَلِكَ أَفْضَلُ، وَيكُونُ ذَاكَ أَحَبَّ إلَيْهِ مِن هَذَا. [١٩/ ٢٧٠] ٢٠٨٥ - لَيْسَ عَلَى أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ أَنْ يُقَلِّدَ رَجُلًا بِعَيْنِهِ فِي كُلِّ مَا يَأْمُرُ بِهِ

стр. 1608

وَينْهَى عَنْهُ وَيَسْتَحِبُّهُ، إلَّا رَسُولَ اللهِ ﷺ ، وَمَا زَالَ الْمُسْلِمُونَ يَسْتَفْتُونَ عُلَمَاءَ الْمُسْلِمِينَ فَيُقَلِّدُونَ تَارَةً هَذَا وَتَارَةً هَذَا. فَإذَا كَانَ الْمُقَلِّدُ يُقَلِّدُ فِي مَسْألَةٍ يَرَاهَا أَصْلَحَ فِي دِينِهِ، أَو الْقَوْلُ بِهَا أَرْجَحُ، أَو نَحْوِ ذَلِكَ: جَازَ هَذَا بِاتِّفَاقِ جَمَاهِيرِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ. لَمْ يُحَرِّمْ ذَلِكَ لَا أَبُو حَنِيفَةَ وَلَا مَالِكٌ وَلَا الشَّافِعِيُّ وَلَا أَحْمَد. [٢٣/ ٣٨١] ٢٠٨٦ - لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَحْتَجَّ بِقَوْلِ أَحَدٍ فِي مَسَائِلِ النِّزَاعِ، وَإِنَّمَا الْحُجَّةُ: أ- النَّصُّ. ب- وَالْإِجْمَاعُ. ج- وَدَلِيل مُسْتَنْبَطٌ مِن ذَلِكَ تُقَرَّرُ مُقَدِّمَاتُهُ بِالْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ. لَا بِأَقْوَالِ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ؛ فَإِنَّ أَقْوَالَ الْعُلَمَاءِ يُحْتَجُّ لَهَا بِالْأدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ لَا يُحْتَجُّ بِهَا عَلَى الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ. وَمَن تَرَبَّى عَلَى مَذْهَبٍ قَد تَعَوَّدَهُ وَاعْتَقَدَ مَا فِيهِ وَهُوَ لَا يُحْسِنُ الْأَدِلَّةَ الشَرْعِيَّةَ وَتَنَازُع الْعُلَمَاءِ: لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ مَا جَاءَ عَنِ الرَّسُولِ وَتَلَقَّتْهُ الْأمَّةُ بِالْقَبُولِ، بِحَيْثُ يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ وَبَيْنَ مَا قَالَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ وَيتَعَسَّرُ أَو يَتَعَذَّرُ إقَامَةُ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ، وَمَن كَانَ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ هَذَا وَهَذَا: لَمْ يُحْسِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ فِي الْعِلْمِ بِكَلَامِ الْعُلَمَاءِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنَ الْمُقَلِّدَةِ النَّاقِلِينَ لِأَقْوَالِ غَيْرِهِمْ مِثْل الْمُحَدِّثِ عَن غَيْرِهِ، وَالشَّاهِدُ عَلَى غَيْرِهِ لَا يَكُونُ حَاكِمًا، وَالنَّاقِلُ الْمُجَرَّدُ يَكُونُ حَاكِيًا لَا مُفْتِيًا. [٢٦/ ٢٠٢ - ٢٠٣] ٢٠٨٧ - انْظُرْ فِي عُمُومِ كَلَامِ اللهِ وَرَسُولِهِ لَفْظًا وَمَعْنًى حَتَّى تُعْطِيَهُ حَقَّهُ، وَأَحْسَنُ مَا تَسْتَدِلُّ بِهِ عَلَى مَعْنَاهُ: آثَارُ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ كَانُوا أَعْلَمَ بِمَقَاصِدِهِ؛ فَإِنَّ ضَبْطَ ذَلِكَ يُوجِبُ تَوَافُقَ أصُولِ الشَّرِيعَةِ وَجَرْيِهَا عَلَى الْأُصُولِ الثَّابِتَةِ الْمَذْكورَةِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. [٢٩/ ٨٦ - ٨٧]

стр. 1609

٢٠٨٨ - التَّقْلِيدُ الْبَاطِلُ الْمَذْمُومُ: فوَ قَبُولُ قَوْلِ الْغَيْرِ بِلَا حُجَّةٍ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٧٠)﴾ [البقرة: ١٧٠]. [٢٠/ ١٥] ٢٠٨٩ - تَقْلِيدُ الْعَالِمِ -حَيْثُ يَجُوز- هوَ بِمَنْزِلَةِ اتِّبَاعِ الْأدِلَّةِ الْمُتَغَلِّبَةِ عَلَى الظَّنِّ؛ كخَبَرِ الْوَاحِدِ وَالْقِيَاسِ؛ لِأَنَّ الْمُقَلِّدَ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ إصَابَةُ الْعَالِمِ الْمُجْتَهِدِ، كَمَا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ صِدْقُ الْمُخْبِرِ، لَكِنْ بَيْنَ اتِّبَاعِ الرَّاوِي وَالرَّأْيِ فَرْقٌ، فَإِنَّ اتِّبَاعَ الرَّاوِي وَاجِبٌ؛ لِأَنَّه انْفَرَدَ بِعِلْمِ مَا أَخْبَرَ بِهِ، بِخِلَافِ الرَّأْيِ؛ فَإِنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُعْلَمَ مِن حَيْثُ عَلِمَ. [٢٠/ ١٧] ٢٠٩٠ - النَّاسُ فِي الِاسْتِدْلَالِ وَالتَّقْلِيدِ عَلَى طَرَفَيْ نَقِيضٍ: أ- مِنْهُم مَن يُوجِبُ الِاسْتِدْلَالَ حَتَّى فِي الْمَسَائِلِ الدَّقِيقَةِ: أُصُولِهَا وَفُرُوعِهَا عَلَى كُلِّ أَحَدٍ. ب- وَمِنْهُم مَن يُحَرِّمُ الِاسْتِدْلَالَ فِي الدَّقِيقِ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ، وَهَذَا فِي الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ. ج- وَخِيَارُ الْأمُورِ أَوْسَاطُهَا. [٢٠/ ١٨] ٢٠٩١ - الَّذِي عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ الْأرْبَعَةُ وَسَائِرُ أَئِمَّةِ الْعِلْمِ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى أَحَدٍ وَلَا شُرع لَهُ الْتِزَامُ قَوْلِ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ فِي كُلِّ مَا يُوجِبُهُ وَيُحَرِّمُهُ وَيُبِيحُهُ إلَّا رَسُولُ اللهِ ﷺ . لَكِنَّ مِنْهُم مَن يَقُولُ: عَلَى الْمُسْتَفْتِي أَنْ يُقَلِّدَ الْأعْلَمَ الْأَرْوَعَ مِمَن يُمْكِنُهُ اسْتِفْتَاؤُهُ. وَمِنْهُم مَن يَقُولُ: بَل يُخَيَّر بَيْنَ الْمُفْتِينَ. وَإذَا كَانَ لَهُ نَوْعُ تَمْيِيزٍ: فَقَد قِيلَ: يَتَّبعُ أَيَّ الْقَوْلَيْنِ أَرْجَحُ عِنْدَه بِحَسَبِ تَمْيِيزِهِ، فَإِنَّ هَذَا أَوْلَى مِنَ التَّخْيِيرِ الْمُطْلَقِ. وَقِيلَ: لَا يَجْتَهِدُ إلَّا إذَا صَارَ مِن أَهْلِ الِاجْتِهَادِ.

стр. 1610

وَالْأَوَّلُ أَشْبَهُ، فَإِذَا تَرَجَّحَ عِنْدَ الْمُسْتَفْتِي أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ: إمَّا لِرُجْحَانِ دَلِيلِهِ بِحَسَبِ تَمْيِيزِهِ، وَإِمَّا لِكَوْنِ قَائِلِهِ أَعْلَمَ وَأَرْوَعَ: فَلَهُ ذَلِكَ وَإِن خَالَفَ قَوْلُهُ الْمَذْهَبَ. [٣٣/ ١٦٨] ٢٠٩٢ - لَفْظُ الْخَطَأِ يُسْتَعْمَلُ فِي الْعَمْدِ وَفِي غَيْرِ الْعَمْدِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا (٣١)﴾ [الإسراء: ٣١] وَالْأَكْثَرُونَ يَقْرَءُونَ (خِطْئًا) عَلَى وَزْنِ رِدْءًا وَعِلْمًا، وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ (خَطَأً) عَلَى وَزْنِ عَمَلًا؛ كَلَفْظِ الْخَطَأِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾ [النساء: ٩٢]. وَأَمَّا اسْمُ الْخَاطِئِ فَلَمْ يَجِئْ فِي الْقُرْآنِ إلَّا لِلْإِثْمِ بِمَعْنَى الْخَطِيئَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ (٢٩)﴾ [يوسف: ٢٩]. وَإِذَا تَبَيَّنَ هَذَا: فَكُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ غَيْرُ خَاطِئٍ، وَغَيْرُ مُخْطِئٍ أَيْضًا إذَا أُرِيدَ بِالْخَطَأِ الْإِثْمُ عَلَى قِرَاءَةِ ابْنِ عَامِرٍ، وَلَا يَكُونُ مِن مُجْتَهِدٍ خَطَأٌ (١)، وَهَذَا هُوَ الَّذِي أَرَادَهُ مَن قَالَ: كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ. وَلَكِنَّ الصَّحَابَةَ وَالْأَئِمَّةَ الْأَرْبَعَةَ ﵃ وَجُمْهُورَ السَّلَفِ يُطْلِقُونَ لَفْظَ الْخَطَأِ عَلَى غَيْرِ الْعَمْدِ وَإِن لَمْ يَكُن إثْمًا، كَمَا نَطَقَ بِذَلِكَ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: "إذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ وَإِذَا اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ" (٢). وَأَحْمَد يُفَرِّقُ فِي هَذَا الْبَابِ: أ- فَإِذَا كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ لَا مُعَارِضَ لَهُ كَانَ مَن أَخَذَ بِحَدِيث ضَعِيفٍ أَو قَوْلِ بَعْضِ الصَّحَابَةِ مُخْطِئًا.

стр. 1611

ب- وَإِذَا كَانَ فِيهَا حَدِيثَانِ صَحِيحَانِ نَظَرَ فِي الرَّاجِحِ فَأخَذَ بِهِ، وَلَا يَقُولُ لِمَن أخَذَ بِالْآخَرِ إنَّهُ مُخْطِئٌ. ج- وَإِذَا لَمْ يَكُن فِيهَا نَصٌّ اجْتَهَدَ فِيهَا بِرَأْيِهِ، قَالَ: وَلَا أَدْرِي أَصَبْت الْحَقَّ أمْ أَخْطَأْته. فَفَرَّقَ بَيْنَ أَنْ يَكونَ فِيهَا نَصٌّ يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ، وَبَيْنَ انْ لَا يَكُونَ كَذَلِكَ، وَإِذَا عَمِلَ الرَّجُلُ بِنَصٍّ وَفِيهَا نَصّ آخَرُ خَفِيَ عَلَيْهِ لَمْ يُسَمِّهِ مُخْطِئا، لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ. لَكِنَّ هَذَا التَّفْصِيلَ فِي تَعْيِينِ الْخَطَأِ، فَإِنَّ مِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ: لَا أَقْطَعُ بِخَطَأِ مُنَازِعِي فِي مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ، وَمِنْهُم مَن يَقُولُ: أَقْطَعُ بِخَطَئِهِ، وَأحْمَد فَصَّلَ وَهُوَ الصَّوَابُ، وَهُوَ إذَا قَطَعَ بِخَطَئِهِ بِمَعْنَى عَدَمِ الْعِلْمِ لَمْ يَقْطَعْ بِإِثْمِهِ، هَذَا لَا يَكُونُ إلا فِي مَن عَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَجْتَهِدْ. وَحَقِيقَةُ الْأمْرِ: أَنَّهُ إذَا كَانَ فِيهَا نَصٌّ خَفِيَ عَلَى بَعْضِ الْمُجْتَهِدِينَ وَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ عِلْمُهُ، وَلَو عَلِمَ بِهِ لَوَجَبَ عَلَيْهِ اتِّبَاعُهُ، لَكِنَهُ لَمَّا خَفِيَ عَلَيْهِ اتَّبَعَ النَّصَّ الْآخَرَ وَهُوَ مَنْسُوخٌ أَو مَخْصُوصٌ: فَقَد فَعَلَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ بِحَسَبِ قُدْرَتهِ؛ كَاَلَّذِينَ صَلَّوْا إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ بَعْدَ أَنْ نُسِخَتْ وَقَبْلَ أَنْ يَعْلَمُوا بِالنَّسْخِ، وَهَذَا لِأَنَّ حُكْمَ الْخِطَابِ لَا يَثْبُتُ فِي حَقِّ الْمُكلَّفِينَ إلَّا بَعْدَ تَمَكُنِهِمْ مِن مَعْرِفَتِهِ فِي أَصَحِّ الأقْوَالِ. وَالْمُجْتَهِدُ الْمُخْطِئُ لَهُ أَجْرٌ؛ لِأَنَّ قَصْدَهُ الْحَقُّ، وَطَلَبَهُ بِحَسَبِ وُسْعِهِ، وَهُوَ لَا يَحْكُمُ إلَّا بِدَلِيل (١). فَفِي الْجُمْلَةِ: الْأَجْرُ هُوَ عَلَى اتِّبُاعِهِ الْحَقَّ بِحَسَبِ اجْتِهَادِهِ. وَلَو كَانَ فِي الْبَاطِنِ حَقٌّ يُنَاقِضُهُ: هُوَ أَوْلَى بِالِاتِّبَاعِ لَو قَدَرَ عَلَى مَعْرِفَتِهِ،

стр. 1612

لَكِنْ لَمْ يَقْدِرْ، فَهَذَا كَالْمُجْتَهِدِينَ فِي جِهَاتِ الْكَعْبَةِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَن عَبَدَ عِبَادَةً نُهِيَ عَنْهَا وَلَمْ يَعْلَمْ بِالنَّهْي؛ مِثْل مَن صَلَّى فِي أَوْقَاتِ النَّهْيِ وَبَلَغَهُ الْأمْرُ الْعَامُّ بِالصَّلَاةِ وَلَمْ يَبْلُغْهُ النَّهْيُ، أَو تَمَسَّكَ بِدَلِيلِ خَاصٍّ مَرْجُوحٍ مِثْل صَلَاةِ جَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّاهُمَا، وَمِثْل صَلَاةٍ رُوِيتْ فِيهَا أَحَادِيثُ ضَعِيفَةٌ أَو مَوْضوعَة كَألْفِيَّةِ نِصْفِ شَعْبَانَ، وَأَوَّلِ رَجَبَ، وَصَلَاةِ التَّسْبِيحِ، كَمَا جَوَّزَهَا ابْنُ الْمُبَارَكِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. فَإِنَّهَا إذَا دَخَلَتْ فِي عُمُومِ اسْتِحْبَابِ الصَّلَاةِ وَلَمْ يَبْلُغْهُ مَا يُوجِبُ النَّهْيَ: أُثِيبَ عَلَى ذَلِكَ. بِخِلَافِ مَا لَمْ يُشْرَعْ جِنْسُهُ؛ مِثْل الشِّرْكِ؛ فَإِنَّ هَذَا لَا ثَوَابَ فِيهِ، وَإِن كَانَ اللهُ لَا يُعَاقِبُ صَاحِبَهُ إلَّا بَعْدَ بُلُوغِ الرِّسَالَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ [الإسراء: ١٥] لَكِنَّهُ وَإِن كَانَ لَا يُعَذِّبُ فَإِنَّ هَذَا لَا يُثَابُ (١). ثُمَّ إنْ عَلِمَ أَنَّهَا مَنْهِيٌّ عَنْهَا وَفَعَلَهَا اسْتَحَقَّ الْعِقَابَ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ لَمْ يَسْتَحِقَّ الْعِقَابَ. وَهَذَا لَا يَكُونُ مُجْتَهِدًا؛ لِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ لَا بُدَّ أَنْ يَتَّبعَ دَلِيلًا شَرْعِيًّا، وَهَذِهِ لَا يَكُونُ عَلَيْهَا دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ (٢).

стр. 1613

فَهَؤُلَاءِ إذَا لَمْ تَقُمْ عَلَيْهِم الْحُجَّة بِالنَّهْيِ لَا يُعَذَّبُونَ. وَأَمَّا الثَّوَابُ بِالتَّقَرُّبِ إلَى اللهِ فَلَا يَكُونُ بِمِثْل هَذِهِ الْأَعْمَالِ. [٢٠/ ٢٠ - ٣٣] ٢٠٩٣ - أَمَّا فِي الْمَسَائِلِ الْأُصُولِيَّةِ فَكَثِيرٌ مِنَ الْمُتَكَلِّمَةِ وَالْفُقَهَاءِ مِن أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ مَن يُوجِبُ النَّظَرَ وَالِاسْتِدْلَالَ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ حَتَّى عَلَى الْعَامَّةِ وَالنِّسَاءِ، حَتَّى يُوجِبُوهُ فِي الْمَسَائِلِ الَّتِي تَنَازَعَ فِيهَا فُضَلَاءُ الْأُمَّةِ، قَالُوا: لِأَنَّ الْعِلْمَ بِهَا وَاجِبٌ وَلَا يَحْصُلُ الْعِلْمُ إلَّا بِالنَّظَرِ الْخَاصِّ. وَأَمَّا جُمْهُورُ الْأُمَّةِ فَعَلَى خِلَافِ ذَلِكَ؛ فَإِنَّ مَا وَجَبَ عِلْمُهُ إنَّمَا يَجِبُ عَلَى مَن يَقْدِرُ عَلَى تَحْصِيلِ الْعِلْمِ، وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ عَاجِزٌ عَنِ الْعِلْمِ بِهَذِهِ الدَّقَائِقِ، فَكَيْفَ يُكلَّفُ الْعِلْمَ بِهَا؟ وَبِإِزَاءِ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مِنَ الْمُحَدِّثَةِ وَالْفُقَهَاءِ وَالْعَامَّةِ قَد يُحَرِّمُونَ النَّظَرَ فِي دَقِيقِ الْعِلْمِ، وَالِاسْتِدْلَالَ وَالْكَلَامَ فِيهِ حَتَّى ذَوِي الْمَعْرِفَةِ بِهِ، وَأَهْلِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ مِن أَهْلِهِ، وَيُوجِبُونَ التَّقْلِيدَ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ، أَو الْإِعْرَاضَ عَن تَفْصِيلِهَا. وَهَذَا لَيْسَ بِجَيِّد أَيْضًا. فَلَا إطْلَاقُ الْقَوْلِ بِالْوُجُوب صَحِيحًا، وَلَا إطْلَاقُ الْقَوْلِ بِالتَّحْرِيمِ صَحِيحًا. وَكَذَلِكَ الْمَسَائِلُ الفروعية: مِن غَالِيَةِ الْمُتَكَلِّمَةِ وَالْمُتَفَقِّهَةِ مَن يُوجِبُ النَّظَرَ وَالِاجْتِهَادَ فِيهَا عَلَى كُلِّ أَحَدٍ حَتَّى عَلَى الْعَامَّةِ، وَهَذَا ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّهُ لَو كَانَ طَلَبُ عِلْمِهَا وَاجِبًا عَلَى الْأَعْيَانِ فَإِنَّمَا يَجِبُ مَعَ الْقُدْرَةِ، وَالْقُدْرَةُ عَلَى مَعْرِفَتِهَا مِنَ الْأَدِلَّةِ الْمُفَصَّلَةِ تتعَذَّرُ أَو تتعَسَّرُ عَلَى أَكْثَرِ الْعَامَّةِ. وَبِإِزَائِهِمْ مِن أَتْبَاعِ الْمَذَاهِبِ مَن يُوجِبُ التَّقْلِيدَ فِيهَا عَلَى جَمِيعِ مَن بَعْدَ الْأَئِمَّةِ؛ عُلَمَائِهِمْ وَعَوَامِّهِمْ. وَاَلَّذِي عَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأُمَّةِ أَنَّ الِاجْتِهَادَ جَائِزٌ فِي الْجُمْلَةِ، وَالتَّقْلِيدَ جَائِزٌ فِي الْجُمْلَةِ، لَا يُوجِبُونَ الِاجْتِهَادَ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ وَيُحَرِّمُونَ التَّقْلِيدَ، وَلَا يُوجِبُونَ

стр. 1614

التَّقْلِيدَ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ وَيُحَرِّمُونَ الِاجْتِهَادَ، وَأَنَّ الِاجْتِهَادَ جَائِزٌ لِلْقَادِرِ عَلَى الِاجْتِهَادِ، وَالتَّقْلِيدَ جَائِز لِلْعَاجِزِ عَنِ الِاجْتِهَادِ. فَأَمَّا الْقَادِرُ عَلَى الِاجْتِهَادِ فَهَل يَجُوزُ لَهُ التَّقْلِيدُ؟ هَذَا فِيهِ خِلَافٌ، وَالصَّحِيح: أَنَّهُ يَجُوزُ حَيْثُ عَجَزَ عَنِ الِاجْتِهَادِ: أ- إمَا لِتَكَافُؤِ الْأَدِلَّةِ. ب- وَإِمَّا لِضِيقِ الْوَقْتِ عَنِ الِاجْتِهَادِ. ج- وَإِمَّا لِعَدَمِ ظُهُورِ دَلِيل لَهُ (١). فَإِنَّهُ حَيْثُ عَجَزَ: سَقَطَ عَنْهُ وُجُوبُ مَا عَجَزَ عَنْهُ وَانْتَقَلَ إلَى بَدَلِهِ وَهُوَ التَّقْلِيدُ، كَمَا لَو عَجَزَ عَنِ الطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ. وَكَذَلِكَ الْعَامِّيُّ إذَا أَمْكَنَهُ الِاجْتِهَادُ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ جَازَ لَهُ الِاجْتِهَادُ، فَإِنَّ الِاجْتِهَادَ مُنْصِبٌ يَقْبَلُ التجزي وَالِانْقِسَامَ (٢)، فَالْعِبْرَةُ بِالْقُدْرَةِ وَالْعَجْزِ، وَقَد يَكُونُ الرَّجُلُ قَادِرًا فِي بَعْضٍ عَاجِزًا فِي بَعْضٍ.

стр. 1615

لَكِنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى الِاجْتِهَادِ لَا تَكُونُ إلَّا بِحُصُولِ عُلُومٍ تُفِيدُ مَعْرِفَةَ الْمَطْلُوبِ، فَأمَّا مَسْأَلَةٌ وَاحِدَةٌ مِن فَنٍّ: فَيَبْعُدُ الِاجْتِهَادُ فِيهَا. [٢٠/ ٢٠٢ - ٢٠٤] ٢٠٩٤ - إِذَا نَزَلَتْ بِالْمُسْلِمِ نَازِلَةٌ فَإِنَّهُ يَسْتَفْتِي مَنِ اعْتَقَدَ أَنَّهُ يُفْتِيهِ بِشَرْعِ اللهِ وَرَسُولِهِ مِن أَيِّ مَذْهَبٍ كَانَ، وَلَا يَجِبُ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ تَقْلِيدُ شَخْصٍ بِعَيْنِهِ مِنَ الْعُلَمَاءِ فِي كُلِّ مَا يَقُولُ، وَلَا يَجِبُ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ الْتِزَامُ مَذْهَبِ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ غَيْرِ الرَّسُولِ ﷺ فِي كُلِّ مَا يُوجِبُهُ وَيُخْبِرُ بِهِ؛ بَل كُلُّ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ يُؤخَذُ مِن قَوْلِهِ وَيُتْرَكُ إلَّا رَسُولُ اللهِ ﷺ . [٢٠/ ٢٠٨ - ٢٠٩] ٢٠٩٥ - الِاجْتِهَادُ لَيْسَ هُوَ أَمْرًا وَاحِدًا لَا يَقْبَلُ التجزي وَالِانْقِسَامَ؛ بَل قَد يَكُونُ الرَّجُلُ مُجْتَهِدًا فِي فَنٍّ أَو بَاب أَو مَسْأَلَةٍ دُونَ فَنٍّ وَبَابٍ وَمَسْأَلَةٍ، وَكُلُّ أَحَدٍ فَاجْتِهَادُهُ بِحَسَبِ وُسْعِهِ. فَمَن نَظَرَ فِي مَسْأَلَةٍ تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِيهَا وَرَأَى مَعَ أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ نُصُوصًا لَمْ يَعْلَمْ لَهَا مُعَارضًا بَعْدَ نَظَرِ مِثْلِهِ فَهُوَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ: أ- إمَّا أَنْ يَتَّبعَ قَوْلَ الْقَائِلِ الْآخَرِ لِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ الْإِمَامَ الَّذِي اشْتَغَلَ عَلَى مَذْهَبِهِ، وَمِثْل هَذَا لَيْسَ بِحُجَّةٍ شَرْعِيَّةٍ؛ بَل مُجَرَّدُ عَادَةٍ يُعَارِضُهَا عَادَة غَيْرِهِ، وَاشْتِغَالٌ عَلَى مَذْهَبِ إمَامٍ آخَرَ. ب- وَإِمَّا أَنْ يَتَّبعَ الْقَوْلَ الَّذِي تَرَجَّحَ فِي نَظَرِهِ بِالنُّصُوصِ الدَّالَّةِ عَلَيْهِ،
следующие страницы →