← Фатава

Фатава · id 879

تقريب فتاوى ابن تيمية

أحمد بن ناصر الطيار

Полный текст (3 539 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

ب- وَإِذَا كَانَ فِيهَا حَدِيثَانِ صَحِيحَانِ نَظَرَ فِي الرَّاجِحِ فَأخَذَ بِهِ، وَلَا يَقُولُ لِمَن أخَذَ بِالْآخَرِ إنَّهُ مُخْطِئٌ. ج- وَإِذَا لَمْ يَكُن فِيهَا نَصٌّ اجْتَهَدَ فِيهَا بِرَأْيِهِ، قَالَ: وَلَا أَدْرِي أَصَبْت الْحَقَّ أمْ أَخْطَأْته. فَفَرَّقَ بَيْنَ أَنْ يَكونَ فِيهَا نَصٌّ يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ، وَبَيْنَ انْ لَا يَكُونَ كَذَلِكَ، وَإِذَا عَمِلَ الرَّجُلُ بِنَصٍّ وَفِيهَا نَصّ آخَرُ خَفِيَ عَلَيْهِ لَمْ يُسَمِّهِ مُخْطِئا، لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ. لَكِنَّ هَذَا التَّفْصِيلَ فِي تَعْيِينِ الْخَطَأِ، فَإِنَّ مِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ: لَا أَقْطَعُ بِخَطَأِ مُنَازِعِي فِي مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ، وَمِنْهُم مَن يَقُولُ: أَقْطَعُ بِخَطَئِهِ، وَأحْمَد فَصَّلَ وَهُوَ الصَّوَابُ، وَهُوَ إذَا قَطَعَ بِخَطَئِهِ بِمَعْنَى عَدَمِ الْعِلْمِ لَمْ يَقْطَعْ بِإِثْمِهِ، هَذَا لَا يَكُونُ إلا فِي مَن عَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَجْتَهِدْ. وَحَقِيقَةُ الْأمْرِ: أَنَّهُ إذَا كَانَ فِيهَا نَصٌّ خَفِيَ عَلَى بَعْضِ الْمُجْتَهِدِينَ وَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ عِلْمُهُ، وَلَو عَلِمَ بِهِ لَوَجَبَ عَلَيْهِ اتِّبَاعُهُ، لَكِنَهُ لَمَّا خَفِيَ عَلَيْهِ اتَّبَعَ النَّصَّ الْآخَرَ وَهُوَ مَنْسُوخٌ أَو مَخْصُوصٌ: فَقَد فَعَلَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ بِحَسَبِ قُدْرَتهِ؛ كَاَلَّذِينَ صَلَّوْا إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ بَعْدَ أَنْ نُسِخَتْ وَقَبْلَ أَنْ يَعْلَمُوا بِالنَّسْخِ، وَهَذَا لِأَنَّ حُكْمَ الْخِطَابِ لَا يَثْبُتُ فِي حَقِّ الْمُكلَّفِينَ إلَّا بَعْدَ تَمَكُنِهِمْ مِن مَعْرِفَتِهِ فِي أَصَحِّ الأقْوَالِ. وَالْمُجْتَهِدُ الْمُخْطِئُ لَهُ أَجْرٌ؛ لِأَنَّ قَصْدَهُ الْحَقُّ، وَطَلَبَهُ بِحَسَبِ وُسْعِهِ، وَهُوَ لَا يَحْكُمُ إلَّا بِدَلِيل (١). فَفِي الْجُمْلَةِ: الْأَجْرُ هُوَ عَلَى اتِّبُاعِهِ الْحَقَّ بِحَسَبِ اجْتِهَادِهِ. وَلَو كَانَ فِي الْبَاطِنِ حَقٌّ يُنَاقِضُهُ: هُوَ أَوْلَى بِالِاتِّبَاعِ لَو قَدَرَ عَلَى مَعْرِفَتِهِ،

стр. 1612

لَكِنْ لَمْ يَقْدِرْ، فَهَذَا كَالْمُجْتَهِدِينَ فِي جِهَاتِ الْكَعْبَةِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَن عَبَدَ عِبَادَةً نُهِيَ عَنْهَا وَلَمْ يَعْلَمْ بِالنَّهْي؛ مِثْل مَن صَلَّى فِي أَوْقَاتِ النَّهْيِ وَبَلَغَهُ الْأمْرُ الْعَامُّ بِالصَّلَاةِ وَلَمْ يَبْلُغْهُ النَّهْيُ، أَو تَمَسَّكَ بِدَلِيلِ خَاصٍّ مَرْجُوحٍ مِثْل صَلَاةِ جَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّاهُمَا، وَمِثْل صَلَاةٍ رُوِيتْ فِيهَا أَحَادِيثُ ضَعِيفَةٌ أَو مَوْضوعَة كَألْفِيَّةِ نِصْفِ شَعْبَانَ، وَأَوَّلِ رَجَبَ، وَصَلَاةِ التَّسْبِيحِ، كَمَا جَوَّزَهَا ابْنُ الْمُبَارَكِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. فَإِنَّهَا إذَا دَخَلَتْ فِي عُمُومِ اسْتِحْبَابِ الصَّلَاةِ وَلَمْ يَبْلُغْهُ مَا يُوجِبُ النَّهْيَ: أُثِيبَ عَلَى ذَلِكَ. بِخِلَافِ مَا لَمْ يُشْرَعْ جِنْسُهُ؛ مِثْل الشِّرْكِ؛ فَإِنَّ هَذَا لَا ثَوَابَ فِيهِ، وَإِن كَانَ اللهُ لَا يُعَاقِبُ صَاحِبَهُ إلَّا بَعْدَ بُلُوغِ الرِّسَالَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ [الإسراء: ١٥] لَكِنَّهُ وَإِن كَانَ لَا يُعَذِّبُ فَإِنَّ هَذَا لَا يُثَابُ (١). ثُمَّ إنْ عَلِمَ أَنَّهَا مَنْهِيٌّ عَنْهَا وَفَعَلَهَا اسْتَحَقَّ الْعِقَابَ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ لَمْ يَسْتَحِقَّ الْعِقَابَ. وَهَذَا لَا يَكُونُ مُجْتَهِدًا؛ لِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ لَا بُدَّ أَنْ يَتَّبعَ دَلِيلًا شَرْعِيًّا، وَهَذِهِ لَا يَكُونُ عَلَيْهَا دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ (٢).

стр. 1613

فَهَؤُلَاءِ إذَا لَمْ تَقُمْ عَلَيْهِم الْحُجَّة بِالنَّهْيِ لَا يُعَذَّبُونَ. وَأَمَّا الثَّوَابُ بِالتَّقَرُّبِ إلَى اللهِ فَلَا يَكُونُ بِمِثْل هَذِهِ الْأَعْمَالِ. [٢٠/ ٢٠ - ٣٣] ٢٠٩٣ - أَمَّا فِي الْمَسَائِلِ الْأُصُولِيَّةِ فَكَثِيرٌ مِنَ الْمُتَكَلِّمَةِ وَالْفُقَهَاءِ مِن أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ مَن يُوجِبُ النَّظَرَ وَالِاسْتِدْلَالَ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ حَتَّى عَلَى الْعَامَّةِ وَالنِّسَاءِ، حَتَّى يُوجِبُوهُ فِي الْمَسَائِلِ الَّتِي تَنَازَعَ فِيهَا فُضَلَاءُ الْأُمَّةِ، قَالُوا: لِأَنَّ الْعِلْمَ بِهَا وَاجِبٌ وَلَا يَحْصُلُ الْعِلْمُ إلَّا بِالنَّظَرِ الْخَاصِّ. وَأَمَّا جُمْهُورُ الْأُمَّةِ فَعَلَى خِلَافِ ذَلِكَ؛ فَإِنَّ مَا وَجَبَ عِلْمُهُ إنَّمَا يَجِبُ عَلَى مَن يَقْدِرُ عَلَى تَحْصِيلِ الْعِلْمِ، وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ عَاجِزٌ عَنِ الْعِلْمِ بِهَذِهِ الدَّقَائِقِ، فَكَيْفَ يُكلَّفُ الْعِلْمَ بِهَا؟ وَبِإِزَاءِ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مِنَ الْمُحَدِّثَةِ وَالْفُقَهَاءِ وَالْعَامَّةِ قَد يُحَرِّمُونَ النَّظَرَ فِي دَقِيقِ الْعِلْمِ، وَالِاسْتِدْلَالَ وَالْكَلَامَ فِيهِ حَتَّى ذَوِي الْمَعْرِفَةِ بِهِ، وَأَهْلِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ مِن أَهْلِهِ، وَيُوجِبُونَ التَّقْلِيدَ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ، أَو الْإِعْرَاضَ عَن تَفْصِيلِهَا. وَهَذَا لَيْسَ بِجَيِّد أَيْضًا. فَلَا إطْلَاقُ الْقَوْلِ بِالْوُجُوب صَحِيحًا، وَلَا إطْلَاقُ الْقَوْلِ بِالتَّحْرِيمِ صَحِيحًا. وَكَذَلِكَ الْمَسَائِلُ الفروعية: مِن غَالِيَةِ الْمُتَكَلِّمَةِ وَالْمُتَفَقِّهَةِ مَن يُوجِبُ النَّظَرَ وَالِاجْتِهَادَ فِيهَا عَلَى كُلِّ أَحَدٍ حَتَّى عَلَى الْعَامَّةِ، وَهَذَا ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّهُ لَو كَانَ طَلَبُ عِلْمِهَا وَاجِبًا عَلَى الْأَعْيَانِ فَإِنَّمَا يَجِبُ مَعَ الْقُدْرَةِ، وَالْقُدْرَةُ عَلَى مَعْرِفَتِهَا مِنَ الْأَدِلَّةِ الْمُفَصَّلَةِ تتعَذَّرُ أَو تتعَسَّرُ عَلَى أَكْثَرِ الْعَامَّةِ. وَبِإِزَائِهِمْ مِن أَتْبَاعِ الْمَذَاهِبِ مَن يُوجِبُ التَّقْلِيدَ فِيهَا عَلَى جَمِيعِ مَن بَعْدَ الْأَئِمَّةِ؛ عُلَمَائِهِمْ وَعَوَامِّهِمْ. وَاَلَّذِي عَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأُمَّةِ أَنَّ الِاجْتِهَادَ جَائِزٌ فِي الْجُمْلَةِ، وَالتَّقْلِيدَ جَائِزٌ فِي الْجُمْلَةِ، لَا يُوجِبُونَ الِاجْتِهَادَ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ وَيُحَرِّمُونَ التَّقْلِيدَ، وَلَا يُوجِبُونَ

стр. 1614

التَّقْلِيدَ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ وَيُحَرِّمُونَ الِاجْتِهَادَ، وَأَنَّ الِاجْتِهَادَ جَائِزٌ لِلْقَادِرِ عَلَى الِاجْتِهَادِ، وَالتَّقْلِيدَ جَائِز لِلْعَاجِزِ عَنِ الِاجْتِهَادِ. فَأَمَّا الْقَادِرُ عَلَى الِاجْتِهَادِ فَهَل يَجُوزُ لَهُ التَّقْلِيدُ؟ هَذَا فِيهِ خِلَافٌ، وَالصَّحِيح: أَنَّهُ يَجُوزُ حَيْثُ عَجَزَ عَنِ الِاجْتِهَادِ: أ- إمَا لِتَكَافُؤِ الْأَدِلَّةِ. ب- وَإِمَّا لِضِيقِ الْوَقْتِ عَنِ الِاجْتِهَادِ. ج- وَإِمَّا لِعَدَمِ ظُهُورِ دَلِيل لَهُ (١). فَإِنَّهُ حَيْثُ عَجَزَ: سَقَطَ عَنْهُ وُجُوبُ مَا عَجَزَ عَنْهُ وَانْتَقَلَ إلَى بَدَلِهِ وَهُوَ التَّقْلِيدُ، كَمَا لَو عَجَزَ عَنِ الطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ. وَكَذَلِكَ الْعَامِّيُّ إذَا أَمْكَنَهُ الِاجْتِهَادُ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ جَازَ لَهُ الِاجْتِهَادُ، فَإِنَّ الِاجْتِهَادَ مُنْصِبٌ يَقْبَلُ التجزي وَالِانْقِسَامَ (٢)، فَالْعِبْرَةُ بِالْقُدْرَةِ وَالْعَجْزِ، وَقَد يَكُونُ الرَّجُلُ قَادِرًا فِي بَعْضٍ عَاجِزًا فِي بَعْضٍ.

стр. 1615

لَكِنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى الِاجْتِهَادِ لَا تَكُونُ إلَّا بِحُصُولِ عُلُومٍ تُفِيدُ مَعْرِفَةَ الْمَطْلُوبِ، فَأمَّا مَسْأَلَةٌ وَاحِدَةٌ مِن فَنٍّ: فَيَبْعُدُ الِاجْتِهَادُ فِيهَا. [٢٠/ ٢٠٢ - ٢٠٤] ٢٠٩٤ - إِذَا نَزَلَتْ بِالْمُسْلِمِ نَازِلَةٌ فَإِنَّهُ يَسْتَفْتِي مَنِ اعْتَقَدَ أَنَّهُ يُفْتِيهِ بِشَرْعِ اللهِ وَرَسُولِهِ مِن أَيِّ مَذْهَبٍ كَانَ، وَلَا يَجِبُ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ تَقْلِيدُ شَخْصٍ بِعَيْنِهِ مِنَ الْعُلَمَاءِ فِي كُلِّ مَا يَقُولُ، وَلَا يَجِبُ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ الْتِزَامُ مَذْهَبِ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ غَيْرِ الرَّسُولِ ﷺ فِي كُلِّ مَا يُوجِبُهُ وَيُخْبِرُ بِهِ؛ بَل كُلُّ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ يُؤخَذُ مِن قَوْلِهِ وَيُتْرَكُ إلَّا رَسُولُ اللهِ ﷺ . [٢٠/ ٢٠٨ - ٢٠٩] ٢٠٩٥ - الِاجْتِهَادُ لَيْسَ هُوَ أَمْرًا وَاحِدًا لَا يَقْبَلُ التجزي وَالِانْقِسَامَ؛ بَل قَد يَكُونُ الرَّجُلُ مُجْتَهِدًا فِي فَنٍّ أَو بَاب أَو مَسْأَلَةٍ دُونَ فَنٍّ وَبَابٍ وَمَسْأَلَةٍ، وَكُلُّ أَحَدٍ فَاجْتِهَادُهُ بِحَسَبِ وُسْعِهِ. فَمَن نَظَرَ فِي مَسْأَلَةٍ تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِيهَا وَرَأَى مَعَ أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ نُصُوصًا لَمْ يَعْلَمْ لَهَا مُعَارضًا بَعْدَ نَظَرِ مِثْلِهِ فَهُوَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ: أ- إمَّا أَنْ يَتَّبعَ قَوْلَ الْقَائِلِ الْآخَرِ لِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ الْإِمَامَ الَّذِي اشْتَغَلَ عَلَى مَذْهَبِهِ، وَمِثْل هَذَا لَيْسَ بِحُجَّةٍ شَرْعِيَّةٍ؛ بَل مُجَرَّدُ عَادَةٍ يُعَارِضُهَا عَادَة غَيْرِهِ، وَاشْتِغَالٌ عَلَى مَذْهَبِ إمَامٍ آخَرَ. ب- وَإِمَّا أَنْ يَتَّبعَ الْقَوْلَ الَّذِي تَرَجَّحَ فِي نَظَرِهِ بِالنُّصُوصِ الدَّالَّةِ عَلَيْهِ،

стр. 1616

وَحِينَئِذٍ فَتَكُونُ مُوَافَقَتُهُ لإِمَامٍ يُقَاوِمُ ذَلِكَ الْإِمَامَ، وَتَبْقَى النُّصُوصُ سَالِمَةً فِي حَقِّهِ عَنِ الْمُعَارِضِ بِالْعَمَلِ، فَهَذَا هُوَ الَّذِي يَصْلُحُ (١). وَإِنَّمَا تَنَزَّلْنَا هَذَا التَّنَزُّلَ (٢) لِأَنَهُ قَد يُقَالُ: إنَّ نَظَرَ هَذَا قَاصِرٌ (٣)، وَلَيْسَ اجْتِهَادُهُ قَائِمًا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ؛ لِضَعْفِ آلَةِ الِاجْتِهَادِ فِي حَقِّهِ. أَمَّا إذَا قَدَرَ عَلَى الِاجْتِهَادِ التَّامِّ الَّذِي يَعْتَقِدُ مَعَهُ أَنَّ الْقَوْلَ الْآخَرَ لَيْسَ مَعَهُ مَا يَدْفَعُ بِهِ النَّصَّ: فَهَذَا يَجِبُ عَلَيْهِ اتِّبَاعُ النُّصُوصِ، وَإِن لَمْ يَفْعَلْ كَانَ مُتَّبِعًا لِلظَّنِّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ، وَكَانَ مَن أَكْبَرِ الْعُصَاةِ للهِ وَلرَسُولِهِ. بِخِلَافِ مَن يَقُولُ (٤): قَد يَكُونُ لِلْقَوْلِ الْآخَرِ حُجَّة رَاجِحَة عَلَى هَذَا النَّصِّ وَأَنَا لَا أَعْلَمُهَا (٥)، فَهَذَا يُقَالُ لَهُ: قَد قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] وَاَلَّذِي تَسْتَطِيعُهُ مِنَ الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَد دَلَّكَ عَلَى أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ هُوَ الرَّاجِحُ، فَعَلَيْك أَنْ تَتَّبعَ ذَلِكَ، ثُمَّ إنْ تَبَيَّنَ لَك فِيمَا بَعْدُ أَنَّ لِلنَّصِّ مُعَارضًا رَاجِحًا كَانَ حُكْمُك فِي ذَلِكَ حُكْمَ الْمُجْتَهِدِ الْمُسْتَقِلِّ إذَا تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ. وَانْتِقَالُ الْإِنْسَانِ مِن قَوْلٍ إلَى قَوْلٍ لِأَجْلِ مَا تبَيَّنَ لَهُ مِنَ الْحَقِّ: هُوَ مَحْمُودٌ فِيهِ، بِخِلَافِ إصْرَارِهِ عَلَى قَوْلٍ لَا حُجَّةَ مَعَهُ عَلَيْهِ. وَتَرْكُ الْقَوْلِ الَّذِي وَضَحَتْ حُجَّتُهُ، أَو الِانْتِقَالُ عَن قَوْلٍ إلَى قَوْلٍ لِمُجَرَّدِ عَادَةٍ وَاتِّبَاعِ هَوًى: فَهَذَا مَذْمُومٌ. وَإِذَا كَانَ الْإِمَامُ الْمُقَلَّدُ قَد سَمِعَ الْحَدِيثَ وَتَرَكَهُ -لَا سيَّمَا إذَا كَانَ قَد رَوَاهُ أَيْضًا- فَمِثْلُ هَذَا وَحْدَهُ لَا يَكُونُ عُذْرًا فِي تَرْكِ النَّصِّ (٦).

стр. 1617

فَمَن تَرَكَ الْحَدِيثَ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ، أَو أَنَّ رَاوِيهُ مَجْهُولٌ وَنَحْو ذَلِكَ، وَيكُونُ غَيْرُهُ قَد عَلِمَ صِحَّتَهُ وَثِقَةَ رَاوِيهِ: فَقَد زَالَ عُذْرُ ذَلِكَ فِي حَقِّ هَذَا. وَمَن تَرَكَ الْحَدِيثَ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّ ظَاهِرَ الْقُرْآنِ يُخَالِفُهُ، أَو الْقِيَاسِ، أَو عَمَلٍ لِبَعْضِ الْأَمْصَارِ (١)؛ وَقَد تَبَيَّنَ لِلْآخَرِ أَنَّ ظَاهِرَ الْقُرْآنِ لَا يُخَالِفُهُ، وَأَنَّ نَصَّ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ مُقَدَّمٌ عَلَى الظَّوَاهِرِ، وَمُقَدَّمٌ عَلَى الْقِيَاسِ وَالْعَمَلِ: لَمْ يَكُن عُذْرُ ذَلِكَ الرَّجُلِ عُذْرًا فِي حَقِّهِ؛ فَإِنَّ ظهُورَ الْمَدَارِكِ الشَّرْعِيَّةِ لِلْأَذْهَانِ وَخَفَاءَهَا عَنْهَا أَمْرٌ لَا يَنْضَبِطُ طَرَفَاهُ. وَإِذَا قِيلَ لِهَذَا الْمُسْتَهْدِي الْمُسْتَرْشِدِ: أَنْتَ أَعْلَمُ أَم الْإِمَامُ الْفُلَانِيُّ؟: كَانَت هَذِهِ مُعَارَضَةً فَاسِدَةً؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ الْفُلَانِيَّ قَد خَالَفَهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَن هُوَ نَظِيرُهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ، وَلَسْتُ أَعْلَمُ مِن هَذَا وَلَا هَذَا. وَلَو فُتِحَ هَذَا الْبَابُ: لَوَجَبَ أَنْ يُعْرِضَ عَن أَمْرِ اللهِ وَرَسُولِهِ، وَيَبْقَى كُلُّ إمَامٍ فِي أَتْبَاعِهِ بِمَنْزِلَةِ النَّبِيِّ ﷺ فِي أُمَّتِهِ، وَهَذَا تَبْدِيلٌ لِلدِّينِ، يُشْبِهُ مَا عَابَ اللهُ بِهِ النَّصَارَى فِي قَوْلِهِ: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾ [التوبة: ٣١]. [٢٠/ ٢١٢ - ٢١٦] ٢٠٩٦ - بَابُ الِاجْتِهَاد وَالتَّأْوِيل بَابٌ وَاسِعٌ، يَؤولُ بِصَاحِبِهِ إلَى أَنْ يَعْتَقِدَ الْحَرَامَ حَلَالًا. . وَإِلَى أَنْ يَعْتَقِدَ الْحَلَالَ حَرَامًا. . بَل يَعْتَقِدُ وُجُوبَ قَتْلِ الْمَعْصُومِ (٢) أَو بِالْعَكْسِ (٣).

стр. 1618

فَأَصْحَابُ الِاجْتِهَادِ وَإِن عُذِرُوا وَعُرِفَتْ مَرَاتِبُهُم مِنَ الْعِلْمِ وَالدّينِ: فَلَا يَجُوزُ تَرْكُ مَا تبَيَّنَ مِنَ السُّنَّةِ وَالْهَدْيِ لِأَجْلِ تَأْوِيلِهِمْ. [٢١/ ٦٤] * * * (التمذهب والتقليد) ٢٠٩٧ - أَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ نَهَى عَن تَقْلِيدِهِ وَتَقْلِيدِ غَيْرِهِ مِن الْعُلَمَاءِ فِي الْفُرُوعِ وَقَالَ: لَا تُقَلِّدْ دِينَك الرِّجَالَ؛ فَإِنَّهُم لَنْ يَسْلَمُوا أَنْ يَغْلَطُوا، وَقَالَ: لَا تُقَلِّدْنِي وَلَا مَالِكًا وَلَا الثَّوْرِيَّ وَلَا الشَّافِعِيَّ. وَقَد جَرَى فِي ذَلِكَ عَلَى سَنَنِ غَيْرِهِ مِن الْأَئِمَّةِ، فَكلُّهُم نَهَوْا عَن تَقْلِيدِهِمْ، كَمَا نَهَى الشَّافِعِيُّ عَن تَقْلِيدِهِ وَتَقْلِيدِ غَيْرِهِ مِن الْعُلَمَاءِ، فَكَيْفَ يُقَلَّدُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ فِي أُصُولِ الدِّينِ؟ (١). [٦/ ٢١٥ - ٢١٦] ٢٠٩٨ - أما قول القائل: لا أتقيد بأحد هؤلاء الأئمة الأربعة: - إن أراد أنه لا يتقيد بواحد بعينه دون الباقين فقد أحسن؛ بل هو الصواب من القولين. - وإن أراد: أني لا أتقيد بها كلها؛ بل أخالفها فهو مخطئ في الغالب قطعًا؛ إذ الحق لا يخرج عن هذه الأربعة في عامة الشريعة. ولكن تنازع الناس: هل يخرج عنها في بعض المسائل؟ على قولين (٢). وكثيرًا ما يترجح قول من الأقوال يظن الظَّانّ أنه خارج عنها ويكون داخلًا فيها. لكن لا ريب أن الله لم يأمر الأمة باتباع أربعة أشخاص دون غيرهم. هذا لا يقوله عالم، وإنما هذا كما يقال: أحاديث البخاري ومسلم؛ فإن

стр. 1619

الأحاديث التي رواها الشيخان فصححاها قد صححها من الأئمة ما شاء الله؛ فالأخذ بها؛ لأنها قد صحت، لا لأنها قول شخص بعينه. وأما من عرض عليه حديث فقال: لو كان صحيحًا لما أهمله أهل مذهبنا: فينبغي أن يعزر هذا على فرط جهله وكلامه في الدين بلا علم. ولا يجب تقليد واحد بعينه غير النبي ﷺ ، لكن إن كان معتقدًا في مسألة باجتهاد أو تقليد فانفصاله عنه لا بد له من سبب شرعي يرجح عنده قول غير إمامه، فإذا ترجح عند الشافعي مثلًا قول مالك قلده، وكذلك غيره. [المستدرك ٢/ ٢٥٠ - ٢٥١] ٢٠٩٩ - لا يجب على المالكي ولا غيره تقليد أحد من الأئمة بعينه في جميع الدين باتفاق الأئمة الكبار. [المستدرك ٢/ ٢٥١] ٢١٠٠ - من ادعى العصمة لأحد في كل ما يقوله بعد الرسول ﷺ فهو ضال، وفي تكفيره نزاع وتفصيل. [المستدرك ٢/ ٢٥٢] ٢١٠١ - من قلد من يسوغ له تقليده فليس له أن يجعل قول متبوعه أصح من غيره بالهوى بغير هدى من الله، ولا يجعل متبوعه محنة للناس، فمن وافقه والاه ومن خالفه عاداه؛ فإن هذا حرمه الله ورسوله باتفاق المؤمنين؛ بل يجب على المؤمنين أن يكونوا كما قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ إلى قوله: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥) يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٢ - ١٠٦]، قال ابن عباس ﵄: تبيض وجوه أهل السُّنَّة والجماعة وتسود وجوه أهل البدعة والفرقة. [المستدرك ٢/ ٢٥٢]

стр. 1620

٢١٠٢ - في جواز تقليد الميت قولان في مذهب أحمد وغيره. [المستدرك ٢/ ٢٥٢] ٢١٠٣ - "التقليد" قبول القول بغير دليل، فليس المصير إلى الإجماع تقليد؛ لأن الإجماع دليل، وكذلك يقبل قول الرسول ﷺ ولا يقال له: تقليد، بخلاف فتوى الفقيه. وذكر في ضمن مسألة التقليد أن الرجوع إلى قول الصحابي ليس بتقليد؛ لأنه حجة، قال فيها: لما جاز له تقليد الصحابة لزمه ذلك ولم يجز له أن يخالفه، بخلاف الأعلم. [المستدرك ٢/ ٢٥٢] * * * (ما لا يجوز فيه التقليد) ٢١٠٤ - قال والد شيخنا: الذي ذكره القاضي أنه لا يجوز التقليد في معرفة الله ووحدانيته والرسالة، ولا في السمعيات المتواترة الظاهرة؛ كالصلوات ووجوب الزكاة وصيام شهر رمضان وحج البيت؛ لاستواء الناس في طرق علم ذلك. وهذا مطابق لما ذكره ابن عقيل. فأما الفروع التي ليست متواترة ظاهرة: فيسوغ التقليد فيها، وإن كان فيها ما لا يسوغ فيه الاجتهاد؛ لإجماعٍ غير مشهور، أو نصٍّ يعرفه الخاصة؛ -مثل وجوب الشفعة، وحملِ العاقلةَ ديةَ الخطأ، وكونِ الطواف والوقوف ركنين في الحج، وتفاصيلِ نُصُب الزكاة وفرائضها، وقطع اليمنى من يد السارق، وتنجس الدهن بموت الفأرة، إلى غير ذلك مِن أحكامٍ لا تُعَدُّ ولا تحصى مجمعٍ عليها، لا يسوغ فيها الاجتهاد والاختلاف، ومع هذا فهي غير ظاهرة ظهور أصول الشرائع- فيسوغ فيها التقليد؛ لأنَّ تكليف العامي معرفةَ الفرق بين مسائل الإجماع والاختلاف: يضاهي تكليفه دَرْك حكم حوادثه بالدليل، ولهذا يكفر

стр. 1621

جاحد الأحكام الظاهرة المجمع عليها وإن كان عاميًّا، دون الخفية، فما فرق بينهما في التكفير فرق في التقليد. وكذلك أيضًا منع التقليد في جميع مسائل الأصول فيه نظر؛ بل الحق ما ذكره القاضي وابن عقيل أن المنع في التوحيد والرسالة فإنهما ركنا الإسلام، وفاتحة الدعوة وعاصمة الدم، ومناط النجاة والفوز. فأما تكليف عموم الناس دَرْك دقائق المسائل الأصولية بالدليل: فهو قريب من تكليفهم ذلك في الفروع. قال شيخنا: وكذلك قال أبو الخطاب: الذي لا يسوغ التقليد فيها هو معرفة الله ووحدانيته، ومعرفة صحة الرسالة، وذكر أن الأدلة على هذه الأصول الثلاثة يعرفه كل أحد بعقله وعلمه، وإن لم يقدر العامي على أن يعبر عنه (١). [المستدرك ٢/ ٢٥٤ - ٢٥٥] * * * (هل يخير المقلد في المجتهدين ؟) ٢١٠٥ - مسألة: للعامي أن يقدد في الفروع أي المجتهدين شاء، ولا يلزمه أن يجتهد في أعيان المجتهدين في قول القاضي وأبي الخطاب وجماعة من الفقهاء. وقال ابن عقيل: لا يتخير؛ بل يلزمه الاجتهاد في أعيان المفتين الأدين والأورع، ومن يُشار إليه أنه أعلم، وقال: ذكره أحمد، ولم يحك في المذهب فيه خلافًا (٢). [المستدرك ٢/ ٢٥٥] * * *

стр. 1622

(هل يجتهد في أعيان المسائل التي يقلد فيها ؟) ٢١٠٦ - الذي ليس بمجتهد: له أن يجتهد في أعيان المفتين بلا ريب (١)، وهل يجتهد في أعيان المسائل التي يقلِّد فيها، بحيث إذا غلب على ظنه أن بعض المسائل على مذهبِ فقيهٍ أقوى فعليه أن يقلِّده فيها ويُفتي؛ إخبارًا عن قوله: قال ذلك أبو الحسن القدوري. وقال أبو الطيب الطبري: ليمس للعامي استحسان الأحكام فيما اختلف فيه الفقهاء، ولا أن يقول قول فلان أقوى من قول فلان، ولا حكم لما يغلب على ظنه، ولا اعتبار به، ولا طريق له إلى الاستحسان، كما لا طريق له إلى الصحة. [المستدرك ٢/ ٢٥٧ - ٢٥٨] * * * (تتبع الرخص لا يجوز) ٢١٠٧ - إذا جُوِّز للعامي أن يقلد من يشاء: فالذي يدل عليه كلام أصحابنا وغيرهم أنه لا يجوز له يتتبع الرخص مطلقًا؛ فإن أحمد أثَر مثل ذلك عن السلف وأخبر به. وقال سليمان التيمي: لو أخذت برخصة كل عالم -أو قال بزلة كل عالم- اجتمع فيك الشر كله. وفي المعنى آثار عن علي وابن مسعود ومعاذ وسلمان، وفيه مرفوعًا عن النبي ﷺ وعن عمر. [المستدرك ٢/ ٢٥٨] * * *

стр. 1623

(إذا أفتى أحد المجتهدين بالحظر والآخر بالإباحة) ٢١٠٨ - إذا أفتى أحد المجتهدين بالحظر والآخر بالإباحة وتساوت فتواهما عند العامي: فإنه يكون مخيرًا في الأخذ بأيهما شاء. فإذا اختار أحدهما (١): تعين القول الذي اختاره حظرًا أو إباحة، ذكره القاضي في أسئلة المخالف بما يقتضي أنه محل وفاق، ولم يمنعه. [المستدرك ٢/ ٢٥٩] * * * (ما يجب على العامي (٢)) ٢١٠٩ - يجب على العامي قطعًا: البحثُ الذي به يعرف صلاح المفتي للاستفتاء إذا لم تكن تقدمت معرفته بذلك، ولا يجوز له استفتاء من اعتزى إلى العلم، وإن انتصب في منصب التدريس أو غيره. ويجوز استفتاء من تواتر بين الناس أو استفاض فيهم كونه أهلًا للفتوى. قال أبو عمرو: ولا ينبغي أن يكفي في هذه الأزمان مجرد تصدّيه (٣) للفتوى واشتهاره بمباشرتها، لا بأهليته لها. فإذا اجتمع اثنان أو أكثر ممن يجوز له استفتاؤهم: فهل يجب عليه الاجتهاد في أعيانهم، والبحث عن الأعلم الأورع الأوثق ليقلده دون غيره؟ فهذا فيه وجهان: "أحدهما": أنه لا يجب ذلك، وله استفتاء من شاء منهم؛ لأن الجميع أهل، وقد أسقطنا الاجتهاد عن العامي.

стр. 1624

"والثاني": يجب عليه ذلك، وهو قول ابن سريج، واختيار القفال المروزي؛ لأنه يمكنه هذا القدر من الاجتهاد بالبحث والسؤال وشواهد الأحوال، فلم يسقط عنه. والأول أصح. ولكن متى ما اطلع على الأوثق منهما: فالأظهر أنه يلزمه تقليده دون الآخر، كما وجب تقديم أرجح الدليلين، فعلى هذا: يلزمه تقليد الأورع من العالِمَين، والأعلم من الورعين، فإن كان أحدهما أعلم والآخر أورع: قلد الأعلم على الأصح (١). ٢١١٠ - قال أبو عمرو ابن الصلاح: ليس له (٢) أن يتبع في ذلك مجرد التشهي، والميل إلى ما وجد عليه أباه، وليس له التمذهب بمذهب أحد أئمة الصحابة وإن كانوا أعلم؛ لأنهم لم يتفرغوا لتدوين العلم وضبط أصوله وفروعه، فليس لأحد منهم مذهب، وإنما قال بذلك من جاء بعدهم. [المستدرك ٢/ ٢٦٠] ٢١١١ - إن اختلف عليه (٣) فتوى مفتيين ففيه أوجه: أحدها: الأغلظ. والثاني: الأخف. الثالث: يجتهد في الأوفق فيأخذ بفتوى الأعلم الأورع، واختاره السمعاني الكبير، ونص الشافعي على مثله في القبلة. والرابع: يسأل مفتيًا آخر فيعمل بفتوى من وافقه. والخامس: يتخير فيأخذ بقول أيهما شاء. قال أبو عمرو: والمختار أن عليه الاجتهاد في الأرجح فيعمل به.

стр. 1625

فإن لم يترجح عنده أحدهما: استفتى آخر فيعمل بفتوى مَن وافقه الآخر. فإن تعذر ذلك وكان اختلافهما في الحظر والإباحة وقبل العمل بذلك اختار الحظر، وإن تساويا من كل وجه خيرناه بينهما، وإن بينا التخيير في غيره، لأنه ضرورة، وإنما يخاطب هذا المفتون، وأما العامي الذي وقع له ذلك فحكمه أن يسأل عن ذلك ذينك المفتيين أو غيرهما. [المستدرك ٢/ ٢٦٠ - ٢٦١] ٢١١٢ - يجوز تقليد المجتهدين الموتى، ولا يبطل قولهم بموتهم كإجماعهم، وكالشاهد إذا أدى شهادته ومات قبل الحكم بها فإنها لا تبطل؛ بل يحكم بها الحاكم الذي سمعها منه. [المستدرك ٢/ ٢٦١] * * * (متى يلزم السائل العمل بالفتوى ؟) ٢١١٣ - لا يلزم السائل العمل بالفتوى إلا أن يلتزم بها ويظنها حقًّا، وقيل: وَيشْرَعَ في العمل بها. فإن لم يجد مفتيًا آخر يخالفه: لزمه العمل بها مطلقًا، كما لو حكم عليه بها حاكم. وذكر ابن الصلاح عن أبي المظفر السمعاني: إذا سمع المستفتي الجواب من المفتي لم يلزمه العمل به إلا بالتزامه. وقيل: إنه يلزمه إذا وقع في نفسه صحته، وهو أولى الأوجه. قال: ولم أجده لغيره (١). والذي تقتضيه القواعد: أنه إنما يلزمه الأخذ بفتياه إذا لم يجد غيره، سواء التزم أو لم يلتزم، أو برجحان أحدهما، أو بحكم حاكم. [المستدرك ٢/ ٢٦٣]

стр. 1626

الحث على الاجتماع وذم التفرق (التحذير من الفرقة والنزاعات الْمُخالفة للاجتماع) ٢١١٤ - قَاعِدَةٌ فِي صِفَاتِ الْعِبَادَاتِ الظَّاهِرَةِ الَّتِي حَصَلَ فِيهَا تَنَازُعٌ بَيْنَ الْأُمَّةِ فِي الرِّوَايَةِ وَالرَّأْيِ؛ مِثْلُ الْأَذَانِ، وَالْجَهْرِ بِالْبَسْمَلَةِ، وَالْقُنُوتِ فِي الْفَجْرِ، وَالتَّسْلِيمِ فِي الصَّلَاةِ، وَرَفْعِ الْأَيْدِي فِيهَا، وَوَضْعِ الْأَكُفِّ فَوْقَ الْأَكُفِّ، وَمِثْلُ التَّمَتُّعِ وَالْإِفْرَادِ وَالْقِرَانِ فِي الْحَجِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ. فَإِنَّ التَّنَازُعَ فِي هَذ الْعِبَادَاتِ الظَّاهِرَةِ وَالشَّعَائِرِ أَوْجَبَ أَنْوَاعًا مِنَ الْفَسَادِ الَّذِي يَكْرَهُهُ الله وَرَسُولُهُ وَعِبَادُهُ الْمُؤْمِنُونَ: أَحَدُهَا: جَهْلُ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ أَو أَكْثَرِهم بِالْأَمْرِ الْمَشْرُوعِ الْمَسْنُونِ الَّذِي يُحِبُّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَاَلَّذِي سَنَّهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ لأمَّتِهِ وَاَلَّذِي أَمَرَهُم بِاتِّبَاعِهِ. الثَّانِي: ظُلْمُ كثِيرٍ مِنَ الْأُمَّةِ أَو أَكْثَرِهِمْ بَعْضَهُم لِبَعْضٍ وَبَغْيُهُم عَلَيْهِمْ. الثَّالِثُ: اتِّبَاعُ الظَّنِّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ، حَتَّى يَصِيرَ كَثِيرٌ مِنْهُم مَدِينًا بِاتِّبَاعِ الْأَهْوَاءِ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ الْمَشْرُوعَةِ، وَحَتَّى يَصِيرَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْمُتَفَقِّهَةِ وَالْمُتَعَبِّدَةِ مِنَ الْأَهْوَاءِ مِن جِنْسِ مَا فِي أَهْلِ الْأَهْوَاءِ الْخَارِجِينَ عَنِ السّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ (١)؛ كَالْخَوَارجِ وَالرَّوَافِضِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَنَحْوِهِمْ، وَقَد قَالَ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦].

стр. 1627

الرَّابعُ: التَّفَرُّقُ وَالِاخْتِلَافُ الْمُخَالِفُ لِلِاجْتِمَاعِ والائتلاف، حَتَّى يَصِيرَ بَعْضُهُم يُبْغِضُ بَعْضًا وَيُعَادِيهِ، وَيُحِبُّ بَعْضًا وَيُوَالِيهِ عَلَى غَيْرِ ذَاتِ اللهِ، وَحَتَّى يُفْضِيَ الْأَمْرُ بِبَعْضِهِمْ إلَى الطَّعْنِ وَاللَّعْنِ وَالْهَمْزِ وَاللَّمْزِ (١)، وَبِبَعْضِهِمْ إلَى الِاقْتِتَالِ بِالْأَيْدِي وَالسِّلَاحِ (٢)، وَبِبَعْضِهِمْ إلَى الْمُهَاجَرَةِ وَالْمُقَاطَعَةِ حَتَّى لَا يُصَلِّيَ بَعْضُهُم خَلْفَ بَعْضٍ. وَهَذَا كُلُّهُ مِن أَعْظَمِ الْأمُورِ الَّتِي حَرَّمَهَا اللهُ وَرَسُولُهُ (٣). وَالِاجْتِمَاعُ والائتلاف مِن أَعْظَمِ الْأُمُورِ الَّتِي أَوْجَبَهَا اللهُ وَرَسُولُهُ. وَكَثِيرٌ مِن هَؤُلَاءِ (٤) يَصِيرُ مِن أَهْلِ الْبِدْعَةِ بِخُرُوجِهِ مِنَ السُّنَّةِ الَّتِي شَرَعَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ لِأمَّتِهِ، وَمِن أَهْلِ الْفُرْقَةِ بِالْفُرْقَةِ الْمُخَالِفَةِ لِلْجَمَاعَةِ الَّتِي أَمَرَ اللهُ بِهَا وَرَسُولُهُ (٥)، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٥٩].

стр. 1628

وَهَذَا الْأَصْلُ الْعَظِيمُ: وَهُوَ الِاعْتِصَامُ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا، وَأَنْ لَا نَتَفَرَّقَ (١): هُوَ مِن أَعْظَمِ أصُولِ الْإِسْلَامِ، وَمِمَّا عَظُمَتْ وَصِيَّةُ اللهِ تَعَالَى بِهِ فِي كِتَابِهِ، وَمِمَّا عَظُمَ ذَمُّهُ لِمَن تَرَكَهُ مِن أَهْلِ الْكِتَابِ وَغَيْرِهِمْ، وَمِمَّا عَظُمَتْ بِهِ وَصِيَّةُ النَّبِيِّ ﷺ فِي مَوَاطِن عَامَّةٍ وَخَاصَّةٍ؛ مِثْل قَوْلِهِ: "عَلَيْكمْ بِالْجَمَاعَةِ فَإِنَّ يَدَ اللهِ عَلَى الْجَمَاعَةِ". وَبَابُ الْفَسَادِ الَّذِي وَقَعَ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ بَل وَفِي غَيْرِهَا: هُوَ التَّفَرُّقُ وَالِاختِلَافُ. [٢٢/ ٣٥٦ - ٣٦٠] وعَامَّةُ هَذه التَّنَازُعَاتِ إنَّمَا هِيَ فِي أُمُورٍ مُسْتَحَبَّاتٍ وَمَكْرُوهَاتٍ لَا فِي وَاجِبَاتٍ وَمُحَرَّمَاتٍ. [٢٢/ ٣٦٨] ٢١١٥ - إِنَّ الِاعْتِصَامَ بِالْجَمَاعَةِ والائتلاف مِن أُصُولِ الدِّينِ، وَالْفَرْعُ الْمُتَنَازَعُ فِيهِ مِن الْفُرُوعِ الْخَفِيَّةِ، فَكَيْفَ يُقْدَحُ فِي الْأَصْلِ بِحِفْظِ الْفَرْعِ؟! وَجمْهُورُ الْمُتَعَصِّبِينَ لَا يَعْرِفُونَ مِن الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ إلَّا مَا شَاءَ اللهُ؛ بَل يَتَمَسَّكُونَ بِأَحَادِيثَ ضَعِيفَةٍ، أَو آرَاءٍ فَاسِدَةٍ، أَو حِكَايَاتٍ عَن بَعْضِ الْعُلَمَاءِ وَالشُيُوخِ قَد تَكُونُ صِدْقًا وَقَد تَكُونُ كَذِبًا، وَإِن كَانَت صِدْقًا فَلَيْسَ صَاحِبُهَا مَعْصُومًا. [٢٢/ ٢٥٤ - ٢٥٥] ٢١١٦ - إِنَّ التَّفَرُّقَ وَالِاخْتِلَافَ يَقُومُ فِيهِ مِن أَسْبَابِ الشَّرِّ وَالْفَسَادِ وَتَعْطِيلِ الْأَحْكَامِ مَا يَعْلَمُهُ مَن يَكُونُ مِن أَهْلِ الْعِلْمِ الْعَارِفِينَ بِمَا جَاءَ مِن النُّصُوصِ فِي فَضْلِ الْجَمَاعَةِ وَالْإِسْلَامِ. [٢٧/ ٤٧٧]

стр. 1629

الشريعة ٢١١٧ - إِنَّ الشَّرِيعَةَ جَاءَت بِتَحْصِيلِ الْمَصَالِحِ وَتَكْمِيلِهَا، وَتَعْطِيلِ الْمَفَاسِدِ وَتَقْلِيلِهَا؛ فَالْقَلِيلُ مِن الْخَيْرِ خَيْرٌ مِن تَرْكِهِ، وَدَفْعُ بَعْضِ الشَّرِّ خَيْرٌ مِن تَرْكِهِ كلِّهِ. [١٥/ ٣١٢ - ٣١٣] ٢١١٨ - الشَّرِيعَةُ إنَّمَا هِيَ كِتَابُ اللهِ وَسُنَّةُ رَسُولِهِ، وَمَا كَانَ عَلَيْهِ سَلَفُ الْأمَّةِ فِي الْعَقَائِدِ وَالْأَحْوَالِ، وَالْعِبَادَاتِ وَالْأعْمَالِ، وَالسِّيَاسَاتِ وَالْأحْكَامِ، وَالْوِلَايَاتِ وَالْعَطِيَّاتِ. ثُمَّ هِيَ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي كَلَامِ الناسِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَنْحَاءٍ: أ- شَرْعٌ مُنَزَّلٌ وَهُوَ: مَا شَرَعَهُ اللهُ وَرَسُولُهُ. ب- وَشَرْعٌ مُتَأوَّلٌ وَهُوَ: مَا سَاغَ فِيهِ الِاجْتِهَادُ. ج- وَشَرْعٌ مُبَدَّلٌ وَهُوَ: مَا كَانَ مِنَ الْكَذِبِ وَالْفُجُورِ الَّذِي يَفْعَلُهُ الْمُبْطِلُونَ بِظَاهِرٍ مِنَ الشَّرْعِ، أَو الْبِدَعِ، أَو الضَّلَالِ الَّذِي يُضِيفُهُ الضَّالُّونَ إلَى الشَّرْعِ. [١٩/ ٣٠٨ - ٣٠٩] ٢١١٩ - ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إنَّا مَعَاشِرَ الأنبِيَاءِ دِينُنَا وَاحِدٌ، وَالشَّرَائِعُ مُخْتَلِفَةٌ" فَجَمِيعُ الرُّسُلِ مُتَّفِقُونَ فِي الدِّينِ الْجَامِعِ فِي الْأُصُولِ الِاعْتِقَادِيَّةِ وَالْعِلْمِيَّةِ؛ كَالْإِيمَانِ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَالْعَمَلِيَّةِ كَالْأَعْمَالِ الْعَامَّةِ الْمَذْكُورَةِ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ وَالْأَعْرَافِ وَبَنِي إسْرَائِيلَ، وَهُوَ: قَوْله تَعَالَى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [الأنعام: ١٥١] الْآيَاتِ الثَّلَاثَ، وَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ الْآيَةَ [الأعراف: ٢٩]، وَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا

стр. 1630

بَطَنَ﴾ الْآيَةَ [الأعراف: ٣٣]، وَقَوْلُهُ: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] إلَى آخِرِ الْوَصَايَا. [٢٠/ ٦] ٢١٢٠ - لَيْسَ مُجَرَّدُ كَوْنِ الدُّعَاءِ حَصَلَ بِهِ الْمَقْصُودُ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ سَائِغٌ فِي الشَّرِيعَةِ؛ فَإِنَّ كَثِيرًا مِن النَّاسِ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ مِن الْكَوَاكِبِ وَالْمَخْلُوقِينَ وَيحْصُلُ مَا يَحْصُلُ مِن غَرَضِهِمْ، وَبَعْضُ النَّاسِ يَقْصِدُونَ الدُّعَاءَ عِنْدَ الْأَوْثَانِ وَالْكَنَائِسِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَيدْعُو التَّمَاثِيلَ الَّتِي فِي الْكَنَائِسِ، وَيحْصُلُ مَا يَحْصُلُ مِن غَرَضِهِ، وَبَعْضُ النَّاسِ يَدْعُو بِأَدْعِيَة مُحَرَّمَةٍ بِاتّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَيحْصُلُ مَا يَحْصُلُ مِن غَرَضِهِمْ. فَحُصُولُ الْغَرَضِ بِبَعْضِ الْأُمُورِ لَا يَسْتَلْزِمُ إبَاحَتَهُ وَإِن كَانَ الْغَرَضُ مُبَاحًا؛ فَإِنَّ ذَلِكَ الْفِعْلَ قَد يَكونُ فِيهِ مَفْسَدَةٌ رَاجِحَة عَلَى مَصْلَحَتِهِ، وَالشَّرِيعَةُ جَاءَت بِتَحْصِيلِ الْمَصَالِحِ وَتَكْمِيلِهَا وَتَعْطِيلِ الْمَفَاسِدِ وَتَقْلِيلِهَا، وَإِلَّا فَجَمِيعُ الْمُحَرَّمَاتِ مِن الشِّرْكِ وَالْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَالْفَوَاحِشِ وَالظُّلْمِ قَد يَحْصُلُ لِصَاحِبِهِ بِهِ مَنَافِعُ وَمَقَاصِدُ، لَكِنْ لَمَّا كَانَت مَفَاسِدُهَا رَاجِحَةً عَلَى مَصَالِحِهَا نَهَى اللهُ وَرَسُولُهُ عَنْهَا، كَمَا أَنَّ كَثِيرًا مِن الْأُمُورِ كَالْعِبَادَاتِ وَالْجِهَادِ وَإِنْفَاقِ الْأمْوَالِ قَد تَكُونُ مُضِرَّةً، لَكِنْ لَمَّا كَانَت مَصْلَحَتُهُ رَاجِحَة عَلَى مَفْسَدَتِهِ أَمَرَ بِهِ الشَّارعُ. [١/ ٢٦٤ - ٢٦٥] ٢١٢١ - الشَّارعُ لَا يَحْظُرُ عَلَى الْإِنْسَانِ إلَّا مَا فِيهِ فَسَاد رَاجِحٌ أَو مَحْضٌ، فَإِذَا لَمْ يَكُن فِيهِ فَسَادٌ، أَو كَانَ فَسَادُهُ مَغْمُورًا بِالْمَصْلَحَةِ لَمْ يَحْظُرْهُ أَبَدًا. [٢٩/ ١٨٠] ٢١٢٢ - لَيْسَ الْفَقِيهُ مَن عَمَدَ إلَى مَا نَهَى عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ دَفْعًا لِفَسَادٍ يَحْصُلُ لَهُمْ، فَعَدَلَ عَنْهُ إلَى فَسَادٍ أَشَدَّ مِنْهُ؛ فَإِنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْمُسْتَجِيرِ مِن الرَّمْضَاءِ بِالنَّارِ. [٣٠/ ٢٢٣] ٢١٢٣ - مَا بَعَثَ اللهُ بِهِ نَبِيَّه مُحَمَّدًا ﷺ مِن الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَجْمَعُ مَصَالِحَ

стр. 1631

الْعِبَادِ فِي الْمَعَاشِ وَالْمَعَادِ عَلَى أَكْمَلِ وَجْهٍ؛ فَإِنَّهُ ﷺ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ وَلَا نَبِيَّ بَعْدَهُ، وَقَد جَمَعَ اللهُ فِي شَرِيعَتِهِ مَا فَرَّقَهُ في شَرَائِع مَن قَبْلَهُ مِن الْكَمَالِ؛ إذ لَيْسَ بَعْدَهُ نَبِيٌّ، فَكَمُلَ بِهِ الْأمْرُ كَمَا كَمُلَ بِهِ الدِّينُ. فَكِتَابُهُ أَفْضَل الْكُتبِ، وَشَرْعُهُ أَفْضَلُ الشَّرَائِعِ، وَمِنْهَاجُهُ أَفْضَلُ الْمَنَاهِجِ، وَأُمَّتُهُ خَيْرُ الْأُمَمِ، وَقَد عَصَمَهَا الله عَلَى لِسَانِهِ فَلَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالَةٍ، وَلَكِنْ يَكُونُ عِنْدَ بَعْضِهَا مِن الْعِلْمِ وَالْفَهْمِ مَا لَيْسَ عِنْدَ بَعْضٍ، وَالْعُلَمَاءُ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ وَقَد قَالَ تَعَالَى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٨، ٧٩]. فَهَذَانِ نَبِيَّانِ كَرِيمَانِ حَكَمَا فِي قِصَّهٍ فَخَصَّ اللهُ أَحَدَهُمَا بِالْفَهْمِ، وَلَمْ يَعِب الْآخَرَ؛ بَل أَثْنَى عَلَيْهِمَا جَمِيعًا بِالْحُكْمِ وَالْعِلْمِ. وَهَذَا حُكْمُ الْعُلَمَاءِ الْمُجْتَهِدِينَ وَرَثَة الْأَنْبِيَاءِ، وَخُلَفَاء الرُّسُلِ الْعَامِلِينَ بِالْكِتَابِ. وَهَذِهِ الْقَضِيَّةُ الَّتِي قَضَى فِيهَا دَاودُ وَسُلَيْمَانُ لِعُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ فِيهَا وَمَا يُشْبِهُهَا أَيْضًا قَوْلَانِ: أ- مِنْهُم مَن يَقْضِي بِقَضَاءِ دَاوُد. ب- وَمِنْهُم مَن يَقْضِي بِقَضَاءِ سُلَيْمَانَ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ، وَكَثِيرٌ مِن الْعُلَمَاءِ أَو أَكْثَرُهُم لَا يَقُولُ بِهِ؛ بَل قَد لَا يَعْرِفُهُ! [٣٣/ ١٥٩] * * * (لَفْظُ الشَّرْعِ له ثَلَاثَة مَعَانٍ) ٢١٢٤ - لَفْظُ الشَّرْعِ يُقَالُ فِي عُرْفِ النَّاسِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَعَانٍ: الشَّرْعُ الْمُنَزَّلُ، وَهُوَ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ، وَهَذَا يَجِبُ اتِّبَاعُهُ، وَمَن خَالَفَهُ وَجَبَتْ عُقوبَتُهُ.

стр. 1632

وَالثَّانِي: الشَّرْعُ الْمُؤَوَّلُ، وَهُوَ آرَاءُ الْعُلَمَاءِ الْمُجْتَهِدِينَ فِيهَا؛ كَمَذْهَبِ مَالِكٍ وَنَحْوِهِ، فَهَذَا يَسُوغُ اتِّبَاعُهُ وَلَا يَجِبُ وَلَا يَحْرُمُ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُلْزِمَ عُمُومَ النَّاسِ بِهِ، وَلَا يَمْنَعَ عُمُومَ النَّاسِ مِنْهُ. وَالثَّالِثُ: الشَّرْعُ الْمُبَدَّلُ، وَهُوَ الْكَذِبُ عَلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ﷺ أَو عَلَى النَّاسِ بِشَهَادَاتِ الزُّورِ وَنَحْوهَا، وَالظُّلْمِ الْبَيِّنِ. فَمَن قَالَ: إنَّ هَذَا مِن شَرْعِ اللهِ فَقَد كَفَرَ بِلَا نِزَاعٍ، كَمَن قَالَ: إنَّ الدَّمَ وَالْمَيْتَةَ حَلَالٌ، وَلَو قَالَ هَذَا مَذْهَبِي وَنَحْوُ ذَلِكَ. [٣/ ٢٦٨] * * * (الشَّرِيعَة تَأْمُرُ بالْمَصَالِحِ الْخَالِصَةِ وَالرَّاجِحَةِ، وَتنهَي عَن الْمفَاسِدِ الْخَالِصَةِ وَالرَّاجِحَةِ) ٢١٢٥ - الشَّرِيعَةُ تَأْمُرُ بِالْمَصَالِحِ الْخَالِصَةِ وَالرَّاجِحَةِ كَالْإِيمَانِ وَالْجِهَادِ؛ فَإِنَّ الْإِيمَانَ مَصْلَحَةٌ مَحْضَةٌ، وَالْجِهَادُ وَإِن كَانَ فِيهِ قَتْلُ النُّفُوسِ فَمَصلَحَتُهُ رَاجِحَةٌ، وَفِتْنَةُ الْكُفْرِ أَعْظَمُ فَسَادًا مِن الْقَتْلِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: ٢١٧]. وَنَهَى عَن الْمَفَاسِدِ الْخَالِصَةِ وَالرَّاجِحَةِ، كَمَا نَهَى عَن الْفَوَاحِشِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَعَن الْإِثْم وَالْبَغْي بِغَيْرِ الْحَقّ، وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ، وَهَذِهِ الْأُمُورُ لَا يُبِيحُهَا قَطُّ فِي حَالٍ مِن الْأَحْوَالِ، وَلَا فِي شِرْعَةٍ مِن الشَّرَائِعِ، وَتَحْرِيمُ الدَّمِ وَالْمَيْتَةِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ وَالْخَمْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا مَفْسَدَتُهُ رَاجِحَةٌ، وَهَذَا الضرْبُ تُبِيحُهُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ؛ لِأَنَّ مَفْسَدَةَ فَوَاتِ النَّفْسِ أَعْظَمُ مِن مَفْسَدَةِ الِاغْتِذَاءِ بِهِ. [٢٧/ ٢٣٠] * * *

стр. 1633

القواعد الشرعية ٢١٢٦ - قَاعِدَة شَرْعِيَّةٌ: شَرْعُ اللهِ وَرَسُولِهِ لِلْعَمَلِ بِوَصْفِ الْعُمُومِ وَالْإِطْلَاقِ لَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ مَشْرُوعًا بِوَصْفِ الْخُصُوصِ وَالتَّقْيِيدِ؛ فَإِنَّ الْعَامَّ وَالْمُطْلَقَ لَا يَدُلُّ عَلَى مَا يَخْتَصُّ بَعْضُ أَفْرَادِهِ وَيُقَيِّدُ بَعْضَهَا، فَلَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْخُصُوصُ وَالتَّقْيِيدُ مَشْرُوعًا وَلَا مَأْمُورًا بِهِ. - فَإِنْ كَانَ فِي الْأَدِلَّةِ مَا يَكْرَهُ ذَلِكَ الْخُصُوصَ وَالتَّقْيِيدَ كُرِهَ. - وَإِن كَانَ فِيهَا مَا يَقْتَضِي اسْتِحْبَابَهُ اُسْتحِبَّ. - وَإِلَّا بَقِيَ غَيْرَ مُسْتَحَبٍّ وَلَا مَكْرُوهٍ. مِثَالُ ذَلِكَ: أَنَّ اللهَ شَرَعَ دُعَاءَة وَذِكْرَهُ شَرْعًا مُطْلَقًا عَامًّا فَقَالَ: ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١)﴾ [الأحزاب: ٤١] وَقَالَ: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥] وَنَحْو ذَلِكَ مِنَ النُّصُوصِ؛ فَالِاجْتِمَاعُ لِلدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ فِي مَكَانٍ مُعَيَّنٍ أَو زَمَانٍ مُعَيَّنٍ، أَو الِاجْتِمَاعِ لِذَلِكَ: تَقْيِيدٌ لِلذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ لَا تَدُلُّ عَلَيْهِ الدَّلَالَةُ الْعَامَّةُ الْمُطْلَقَةُ بِخُصُوصِهِ وَتَقْيِيدِهِ، لَكنْ تَتَنَاوَلُهُ؛ لِمَا فِيهِ مِنَ الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ: أ- فَإِنْ دَلَّتْ أَدِلَّةُ الشَّرْعِ عَلَى اسْتِحْبَابِ ذَلِكَ؛ كَالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ يَوْمَ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ، أَو الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ الْمَشْرُوعَيْنِ فِي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ. . وَنَحْوِ ذَلِكَ: صَارَ ذَلِكَ الْوَصْفُ الْخَاصُّ مُسْتَحَبًّا مَشْرُوعًا اسْتِحْبَابًا زَائِدًا عَلَى الِاسْتِحْبَابِ الْعَامِّ الْمُطْلَقِ. ب- وَإِن دَلَّتْ أَدِلَّةُ الشَّرْعِ عَلَى كَرَاهَةِ ذَلِكَ كَانَ مَكْرُوهًا؛ مِثْل اتِّخَاذِ مَا لَيْسَ بِمَسْنُونٍ سُنَّةً دَائِمَةً؛ فَإِنَّ الْمُدَاوَمَةَ فِي الْجَمَاعَاتِ عَلَى غَيْرِ السُّنَنِ الْمَشْرُوعَةِ بِدْعَةٌ؛ كَالْأَذَانِ فِي الْعِيدَيْنِ، وَالْقُنُوتِ فِي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَالدُّعَاءِ الْمُجْتَمَعِ عَلَيْهِ أَدْبَارَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، أَو الْبَرْدَيْنِ مِنْهَا، وَالتَّعْرِيفِ الْمُدَاوَمِ عَلَيْهِ فِي

стр. 1634

الْأَمْصَارِ (١)، وَالْمُدَاوَمَةِ عَلَى الِاجْتِمَاعِ لِصَلَاةِ تَطَوُّعٍ، أَو قِرَاءَةٍ أَو ذِكْرٍ كُلَّ لَيْلَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ فَإِنَّ مُضَاهَاةَ غَيْرِ الْمَسْنُونِ بِالْمَسْنُونِ بِدْعَةٌ مَكْرُوهَةٌ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسّنَّة وَالْآثَارُ وَالْقِيَاسُ. ج- وَإِن لَمْ يَكُن فِي الْخُصُوصِ أَمْرٌ وَلَا نَهْيٌ: بَقِيَ عَلَى وَصْفِ الْإِطْلَاقِ؛ كَفِعْلِهَا أَحْيَانًا عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الْمُدَاوَمَةِ مِثْل التَّعْرِيفِ أَحْيَانًا كَمَا فَعَلَتِ الصَّحَابَةُ، وَالِاجْتِمَاعِ أَحْيَانًا لِمَن يَقْرَأُ لَهُمْ، أَو عَلَى ذِكْرٍ أَو دُعَاءٍ، وَالْجَهْرِ بِبَعْضِ الْأَذْكَارِ فِي الصَّلَاةِ كَمَا جَهَرَ عُمَرُ بِالِاسْتِفْتَاحِ وَابْنُ عَبَّاسٍ بِقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ، وَكَذَلِكَ الْجَهْرُ بِالْبَسْمَلَةِ أَحْيَانًا. [٢٠/ ١٩٦ - ١٩٨] * * * (النُّصُوص وَافِيَةٌ بِجُمْهُورِ أَحْكَامِ أفعَالِ الْعِبَادِ .. ) ٢١٢٧ - الصَّوَابُ الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ: أَنَّ النُّصُوصَ وَافِيَةٌ بِجُمْهُورِ أَحْكَامِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ. وَذَلِكَ أَنَّ اللهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا ﷺ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ، فَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ الْجَامِعَةِ الْعَامَّةِ الَّتِي هِيَ قَضِيَّة كُلِّيَّة وَقَاعِدَةٌ عَامَّةٌ تَتَنَاوَلُ أَنْوَاعًا كَثِيرَةً، وَتلْكَ الْأَنْوَاعُ تَتَنَاوَلُ أَعْيَانا لَا تُحْصَى، فَبِهَذَا الْوَجْهِ تَكُونُ النُّصُوصُ مُحِيطَةً بِأَحْكَامِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ.

стр. 1635

مِثَالُ ذَلِكَ: أَنَّ اللهَ حَرَّمَ الْخَمْرَ فَظَنَّ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ لَفْظَ الْخَمْرِ لَا يَتَنَاوَلُ إلَّا عَصِيرَ الْعِنَبِ خَاصَّةً. وَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَن حَرَّمَ كُلَّ مُسْكِرٍ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ. وَالصَّوَابُ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ الْكِبَارُ: أَنَّ الْخَمْرَ الْمَذْكُورَةَ فِي الْقُرْآنِ تَنَاوَلَتْ كُلَّ مُسْكِرٍ، فَصَارَ تَحْرِيمُ كُلِّ مُسْكِرٍ بِالنَّصِّ الْعَامِّ وَالْكَلِمَةِ الْجَامِعَةِ لَا بِالْقِيَاسِ وَحْدَهُ. وَكَذَلِكَ لَفْظُ الْمَيْسِرِ هُوَ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ يَتَنَاوَلُ اللَّعِبَ بِالنَّرْدِ وَالشِّطْرَنْجِ، وَيتَنَاوَلُ بُيُوعَ الْغَرَرِ الَّتِي نَهَى عَنْهَا النَّبِيُّ ﷺ ، فَإِنَّ فِيهَا مَعْنَى الْقِمَارِ الَّذِي هُوَ مَيْسِرٌ، إذ الْقِمَارُ مَعْنَاهُ: أَنْ يُؤْخَذَ مَالُ الْإِنْسَانِ وَهُوَ عَلَى مُخَاطَرَةٍ: هَل يَحْصُلُ لَهُ عِوَضُهُ أَو لَا يَحْصُلُ؟ كَاَلَّذِي يَشْتَرِي الْعَبْدَ الْآبِقَ وَالْبَعِيرَ الشَّارِدَ وَحَبَلَ الْحَبَلَةِ وَنَحْو ذَلِكَ مِمَّا قَد يَحْصُلُ لَهُ وَقَد لَا يَحْصُلُ لَهُ، وَعَلَى هَذَا فَلَفْظُ الْمَيْسِرِ فِي كِتَابِ اللهِ تَعَالَى يَتَنَاوَلُ هَذَا كُلَّهُ، وَمَا ثَبَتَ فِي "صَحِيحِ مُسْلِم" عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ نَهَى عَن بَيْعِ الْغَرَرِ يَتَنَاوَلُ كُل مَا فِيهِ مُخَاطَرَةٌ؛ كَبَيْعِ الثِّمَارِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا، وَبَيْعِ الْأَجِنَّةِ فِي الْبُطُونِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢]، و ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] هُوَ مُتَنَاوِلٌ لِكُلِّ يَمِينٍ مِن أَيْمَانِ الْمُسْلِمِينَ، فَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَن قَالَ: كُلُّ يَمِينٍ مِن أَيْمَانِ الْمُسْلِمِينَ فَفِيهَا كَفَّارَةٌ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ. وَمِنْهُم مَن قَالَ: لَا يَتَنَاوَلُ النَّصُّ إلَّا الْحَلِفَ بِاسْمِ اللهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ لَا تَنْعَقِدُ وَلَا شَيْءَ فِيهَا. وَلَا ريبَ أَنَّ النَّصَّ يَدُلُّ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ. [١٩/ ٢٨٠ - ٢٨٥] * * *

стр. 1636

يُسر الشريعة ورحمة الله بالعباد ٢١٢٨ - قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح فيما يروي عن ربه: "وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته، ولا بد له منه" فبيَّن سبحانه أنه يتردد؛ لأن التردد تعارض إرادتين، وهو سبحانه يحب ما يحب عبده ويكره ما يكرهه، وهو يكره الموت فهو يكرهه، كما قال: "وأنا أكره مساءته"، وهو سبحانه قد قضى بالموت فهو يريد أن يموت، فسمَّى ذلك ترددًا، ثم بيَّن أنه لا بد من وقوع ذلك (١). [١٠/ ٥٨ - ٥٩] ٢١٢٩ - عُدُولُ الْمُؤْمِنِ عَنِ الرَّهْبَانِيَّةِ وَالتَّشْدِيدِ وَتَعْذِيبِ النَّفْسِ الَّذِي لَا يُحِبُّهُ اللهُ إلَى مَا يُحِبُّهُ اللهُ مِنَ الرُّخْصَةِ: هُوَ مِنَ الْحَسَنَاتِ الَّتِي يُثِيبُهُ اللهُ عَلَيْهَا. [١٠/ ٤٦٢] ٢١٣٠ - مَذْهَبُ جُمْهُورِ الْمُسْلِمِينَ مِن السَّلَفِ وَالْخَلَفِ أَنَّ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ مَصْلَحَتُهُ رَاجِحَةً وَمَنْفَعَتُهُ رَاجِحَةٌ، وَأَمَّا مَا كَانَت مُضَرَّتُهُ رَاجِحَةً فَإِنَّ اللهَ لَا يَأْمُرُ بِهِ. [١٦/ ١٦٥] ٢١٣١ - مَن أَسْرَفَ فِي بَعْضِ الْعِبَادَاتِ؛ كَسَرْدِ الصَّوْمِ، وَمُدَاوَمَةِ قِيَامِ اللَّيْلِ، حَتَّى يُضْعِفَهُ ذَلِكَ عَن بَعْضِ الْوَاجِبَاتِ: كَانَ مُسْتَحِقًّا لِلْعِقَابِ؛ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو: "إن لِنَفْسِك عَلَيْك حَقًّا، وَلِأَهْلِك عَلَيْك حَقًّا، وَلِزَوْجِك عَلَيْك حَقًّا، فَآتِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ". [٢٢/ ١٣٦]

стр. 1637

٢١٣٢ - مَنِ امْتَنَعَ عَن نَوْعِ مِنِ الأنْوَاعِ الَّتِي أَبَاحَهَا اللهُ عَلَى وَجْهِ التَّقَرُّبِ بِتَرْكِهَا: فَهُوَ مُخْطِئٌ ضَالٌّ. وَمَن تَنَاوَلَ مَا أَبَاحَهُ اللهُ مِنَ الطَّعَامِ وَاللِّبَاسِ مُظْهِرًا لِنِعْمَةِ اللهِ مُسْتَعِينًا عَلَى طَاعَةِ اللهِ: كَانَ مُثَابًا عَلَى ذَلِكَ. [٢٢/ ١٣٧] ٢١٣٣ - يَكْفِي الْمُؤْمِنَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ فَهُوَ لِمَصْلَحَة مَحْضَةٍ أَو غَالِبَةٍ، وَمَا نَهَى اللهُ عَنْهُ فَهُوَ مَفْسَدَةٌ مَحْضَةٌ أَو غَالِبَةٌ، وَأَنَّ اللهَ لَا يَأْمُرُ الْعِبَادَ بِمَا أَمَرَهُم بِهِ لِحَاجَتِهِ إلَيْهِمْ، وَلَا نَهَاهُم عَمَّا نَهَاهُم بخلًا بهِ عَلَيْهِمْ؛ بَل أَمَرَهُم بِمَا فِيهِ صَلَاحُهُمْ، وَنَهَاهُم عَمَّا فِيهِ فَسَادُهُمْ، وَلهَذَا وَصَفَ نَبِيَّهُ ﷺ بِأَنَّهُ ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. [٢٧/ ٩١] ٢١٣٤ - مِن الْمُحَالِ أَنْ يُحَرِّمُ الشَّارعُ عَلَيْنَا أَمْرًا نَحْنُ مُحْتَاجُونَ إلَيْهِ ثُمَّ لَا يُبِيحُهُ إلَّا بِحِيلَةٍ لَا فَائِدة فِيهَا، وَإِنَّمَا هِيَ مِن جِنْسِ اللَّعِبِ. [٢٩/ ٤٥] ٢١٣٥ - الْمَغْفِرَةُ إزَالَةُ السَّيِّئَاتِ، وَالرَّحْمَةُ إنْزَالُ الْخَيْرَاتِ. [٢٩/ ٢٧٧ - ٢٧٨] ٢١٣٦ - للهِ وَلرَسُولِهِ فِي الشَّرِيعَةِ مِن الْحِكْمَةِ الْبَالِغَةِ، وَالنِّعْمَةِ التَّامَّةِ، وَالرَّحْمَةِ الْعَامَّةِ، مَا قَد يَخْفَى عَلَى كَثِيرٍ مِن الْعُلَمَاءِ. [٢٩/ ٤٧٠] * * *

стр. 1638

العبادة والعبودية ٢١٣٧ - " الْعِبَادَةُ": هِيَ اسْمٌ جَامِعٌ لِكُلِّ مَا يُحِبُّهُ اللهُ وَيرْضَاهُ: مِن الْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ الْبَاطِنَةِ وَالظَّاهِرَةِ. [١٠/ ١٤٩] ٢١٣٨ - "الْعِبَادَةُ" أَصْلُ مَعْنَاهَا: الذُّلُّ، يُقَالُ: طَرِيق مُعَبدٌ إذَا كَانَ مُذَلَّلًا قَد وَطِئَتْهُ الأقْدَامُ. لَكِنَّ الْعِبَادَةَ الْمَأْمُورَ بِهَا تَتَضَمَّنُ مَعْنَى الذُّلِّ وَمَعْنَى الْحُبِّ، فَهِيَ تَتَضَمَّنُ غَايَةَ الذُّلِّ للهِ بغَايَةِ الْمَحَبَّةِ لَهُ، فَإِنَّ آخِرَ مَرَاتِبِ الْحُبِّ هُوَ التَّتْمِيمُ، وَأَوَّلُهُ "الْعَلَاقَةُ"، لِتَعَلُّقِ الْقَلْب بِالْمَحْبُوبِ، ثُمَّ "الصَّبَابَةُ" لِانْصِبَابِ الْقَلْبِ إلَيْهِ، ثُمَّ "الْغَرَامُ" وَهُوَ الْحُبُّ اللَّازِمُ لِلْقَلْبِ، ثُمَّ "الْعِشْقُ"، وَآخِرُهَا "التَّتْمِيمُ"، يُقَالُ: تَيْمُ اللهِ؛ أَيْ: عَبْدُ اللهِ؛ فَالْمُتَيَّمُ الْمُعَبَّدُ لِمَحْبُوبِهِ (١). وَمَن خَضَعَ لإِنْسَان مَعَ بُغْضِهِ لَهُ لَا يَكُونُ عَابِدًا لَهُ، وَلَو أَحَبَّ شَيْئًا وَلَمْ يَخْضَعْ لَهُ لَمْ يَكُن عَابِدًا لَهُ، كَمَا قَد يُحِبُّ وَلَدَهُ وَصَدِيقَهُ، وَلهَذَا لَا يَكْفِي أَحَدُهُمَا فِي عِبَادَةِ اللهِ تَعَالَى؛ بَل يَجِبُ أَنْ يَكُونَ اللهُ أَحَبَّ إلَى الْعَبْدِ مِن كُلِّ شَيْءٍ، وَأَنْ يَكُونَ اللهُ أَعْظَمَ عِنْدَهُ مَن كُلِّ شَيْءٍ؛ بَل لَا يَسْتَحِقُّ الْمَحَبَّةَ وَالذُّلَّ التَّامَّ إلَّا اللهُ. وَكُلُّ مَا أُحِبَّ لِغَيْرِ اللهِ فَمَحَبَّتُهُ فَاسِدَةٌ، وَمَا عُظِّمَ بِغَيْرِ أَمْرِ اللهِ كَانَ تَعْظِيمُهُ بَاطِلًا. وَتَحْرِيرُ ذَلِكَ: أَنَّ الْعَبْدَ يُرَادُ بِهِ "الْمُعَبَّدُ" الَّذِي عَبَّدَهُ اللهُ فَذَلَّلَهُ وَدَبَّرَهُ

стр. 1639

وَصَرَّفَهُ، وَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ الْمَخْلُوقُونَ كُلُّهُم عِبَادُ اللهِ مِن الْأَبْرَارِ وَالْفُجَّارِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْكفَّارِ وَأَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَهْلِ النَّارِ؛ إذ هُوَ رَبُّهُم كُلُّهُم وَمَلِيكُهُم لَا يَخْرُجُونَ عَن مَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَكَلِمَاتِهِ التَّامَّاتِ الَّتِي لَا يُجَاوِزُهُنَّ بَرٌّ وَلَا فَاجِرٌ، فَمَا شَاءَ كَانَ وَإِن لَمْ يَشَاؤُوا. [١٠/ ١٥٣ - ١٥٥] ٢١٣٩ - الْعِبَادَةُ وَالطَّاعَةُ وَالِاسْتِقَامَةُ وَلُزُومُ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِن الْأسْمَاءِ مَقْصُودُهَا وَاحِدٌ وَلَهَا أَصْلَانِ: أَحَدُهُمَا: ألَّا يُعْبَدَ إلَّا اللهُ. وَالثَّانِيْ: أَنْ يُعْبَدَ بِمَا أَمَرَ وَشَرَعَ لَا بِغَيْرِ ذَلِكَ مِن الْبِدَع. قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠]. فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا كَانَ جَمِيعُ مَا يُحِبُّهُ اللهُ دَاخِلًا فِي اسْم الْعِبَادَةِ، فَلِمَاذَا عَطَفَ عَلَيْهَا غَيْرَهَا؛ كَقَوْلِهِ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٥] وَقَوْلِهِ: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣]. قِيلَ: هَذَا لَهُ نَظَائِرُ كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] وَالْفَحْشَاءُ مِن الْمُنْكَر. وَكَذَلِكَ قَوْلُه: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ [الأعراف: ١٧٠] وَإِقَامَةُ الصَّلَاةِ مِن أَعْظَمِ التَّمَسُّكِ بِالْكِتَابِ. وَهَذَا الْبَابُ يَكُونُ تَارَةً مَعَ كَوْنِ أَحَدِهِمَا بَعْضَ الْآخَرِ، فَيُعْطَفُ عَلَيْهِ تَخْصِيصًا لَهُ بِالذِّكْرِ؛ لِكَوْنِهِ مَطْلُوبًا بِالْمَعْنَى الْعَامِّ وَالْمَعْنَى الْخَاصِّ. وَتَارَة تَكُونُ دِلَالَةُ الِاسْمِ تَتَنَوَّعُ بِحَالِ الِانْفِرَادِ وَالِاقْتِرَانِ، فَإِذَا أُفْرِدَ عَمَّ، وَإِذَا قُرِنَ بِغَيْرِهِ خَصَّ؛ كَاسْمِ "الْفَقِيرِ" و"الْمِسْكينِ" لَمَّا أُفْرِدَ أَحَدُهُمَا فِي مِثْل قَوْلِهِ: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٣] وَقَوْلِهِ: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: ٨٩] دَخَلَ فِيهِ الْآخَرُ.

стр. 1640

وَلَمَّا قُرِنَ بَيْنَهُمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠] صَارَا نَوْعَيْنِ. وَذِكْرُ الْخَاصِّ مَعَ الْعَامِّ يَكُونُ لِأَسْبَاب مُتَنَوِّعَةٍ: تَارَةً: لِكَوْنِهِ لَهُ خَاصِّيَّةٌ لَيْسَتْ لِسَائِرِ أَفْرَادِ الْعَامِّ؛ كَمَا فِي نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى. وَتَارَةً: لِكَوْنِ الْعَامِّ فِيهِ إطْلَاقٌ قَد لَا يُفْهَمُ مِنْهُ الْعُمُومُ كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [البقرة: ٢ - ٤]، فَقَوْلُهُ: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾؛ يَتَنَاوَلُ الْغَيْبَ الَّذِي يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ؛ لَكِنْ فِيهِ إجْمَالٌ فَلَيْسَ فِيهِ دِلَالَةٌ عَلَى أَنَّ مِن الْغَيْبِ مَا أُنْزِلَ إلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ. وَمِن هَذَا الْبَابِ: قَوْله تَعَالَى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ [العنكبوت: ٤٥] .. فَاتِّبَاعُ الْكِتَابِ يَتَنَاوَلُ الصَّلَاةَ وَغَيْرَهَا، لَكِنْ خَصَّهَا بِالذِّكْرِ لِمَزِيَّتِهَا. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣] فَإِنَّ التَّوَكُّلَ وَالِاسْتِعَانَةَ هِيَ مِن عِبَادَةِ اللهِ؛ لَكِنْ خُصَّتْ بِالذِّكْرِ لِيَقْصِدَهَا الْمُتَعَبِّدُ بِخُصُوصِهَا؛ فَإِنَّهَا هِيَ الْعَوْنُ عَلَى سَائِرِ أَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ، إذ هُوَ سُبْحَانَهُ لَا يُعْبَدُ إلَّا بِمَعُونَتِهِ. [١٠/ ١٧٢ - ١٧٦] ٢١٤٠ - الْعَبْدُ لَا بُدَّ لَهُ مِن رِزْقٍ، وَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَى ذَلِكَ، فَإِذَا طَلَبَ رِزْقَهُ مِن اللهِ صَارَ عَبْدًا للهِ فَقِيرًا إلَيْهِ، وَإِن طَلَبَهُ مِن مَخْلُوقٍ صَارَ عَبْدًا لِذَلِكَ الْمَخْلُوقِ فَقِيرًا إلَيْهِ. وَلهَذَا كَانَت "مَسْأَلَةُ الْمَخْلُوقِ" مُحَرَّمَةً فِي الْأَصْلِ وَإِنَّمَا أُبِيحَتْ لِلضَّرُورَةِ، وَفِي النَّهْيِ عَنْهَا أَحَادِيثُ كَثيرَةٌ فِي "الصِّحَاحِ" وَ"السُّنَنِ" وَ"الْمَسَانِيدِ". وَقَد دَلَّت النُّصُوصُ عَلَى الْأَمْرِ بِمَسْأَلَةِ الْخَالِقِ وَالنَّهْيِ عَن مَسْأَلَةِ الْمَخْلُوقِ

стр. 1641

فِي غَيْرِ مَوْضِع .. وَمِنْهُ قَوْلُ الْخَلِيلِ: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾ [العنكبوت: ١٧] وَلَمْ يَقُلْ فَابْتَغوا الرِّزْقَ عِنْدَ اللهِ؛ لِأَنَّ تَقْدِيمَ الظَّرْفِ يُشْعِرُ بِالِاخْتِصَاصِ وَالْحَصْرِ؛ كَأَنَّهُ قَالَ لَا تَبْتَغُوا الرِّزْقَ إلَّا عِنْدَ اللهِ. [١٠/ ١٨٢ - ١٨٣] ٢١٤١ - كُلَّمَا قَوِيَ طَمَعُ الْعَبْدِ فِي فَضْلِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ وَرَجَائِهِ لِقَضَاءِ حَاجَتِهِ وَدَفْعِ ضَرُورَتهِ: قَوِيَتْ عُبُودِيَّتُهُ لَهُ وَحُرِّيَّتُهُ مِمَّا سِوَاهُ، فَكَمَا أَنَّ طَمَعَهُ فِي الْمَخْلُوقِ يُوجِبُ عُبُودِيَّتَهُ لَهُ: فَيَأْسُهُ مِنْهُ يُوجِبُ غِنَى قَلْبِهِ عَنْهُ. [١٠/ ١٨٤ - ١٨٥] ٢١٤٢ - إِنَّ الْقَلْبَ إذَا ذَاقَ طَعْمَ عِبَادَةِ اللهِ وَالْإِخْلَاصِ لَهُ: لَمْ يَكُن عِنْدَهُ شَيْءٌ قَطُّ أَحْلَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَلَذَّ وَلَا أَطْيَبَ. [١٠/ ١٨٨] ٢١٤٣ - الْجِهَادُ: هُوَ بَذْلُ الْوُسْعِ وَهُوَ الْقُدْرَةُ فِي حُصُولِ مَحْبُوبِ الْحَقِّ وَدَفْعُ مَا يَكْرَهُهُ الْحَقُّ، فَإِذَا تَرَكَ الْعَبْدُ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِن الْجِهَادِ كَانَ دَلِيلًا عَلَى ضَعْفِ مَحَبَّةِ اللهِ وَرَسُولِهِ فِي قَلْبِهِ. [١٠/ ١٩٢ - ١٩٣] ٢١٤٤ - الْقَلْبُ لَا يَصْلُحُ وَلَا يُفْلِحُ وَلَا يَلْتَذُّ وَلَا يُسَرُّ وَلَا يَطِيبُ وَلَا يَسْكُنُ وَلَا يَطْمَئِنُّ إلَّا بِعِبَادَةِ رَبِّهِ، وَحُبِّهِ وَالْإِنَابَةِ إلَيْهِ. وَلَو حَصَلَ لَهُ كُلُّ مَا يَلْتَذُّ بِهِ مِن الْمَخْلُوقَاتِ لَمْ يَطْمَئِنَّ وَلَمْ يَسْكُنْ، إذ فِيهِ فَقْرٌ ذَاتِيٌّ إلَى رَبِّهِ، وَمِن حَيْثُ هُوَ مَعْبُودُهُ وَمَحْبُوبُهُ وَمَطْلُوبُهُ، وَبِذَلِكَ يَحْصُلُ لَهُ الْفَرَحُ وَالسُّرُورُ وَاللَّذَّةُ وَالنِّعْمَةُ وَالسُّكُونُ وَالطُّمَأْنِينَةُ. وَهَذَا لَا يَحْصُلُ لَهُ إلَّا بِإِعَانَةِ اللهِ لَهُ، لَا يَقْدِرُ عَلَى تَحْصِيلِ ذَلِكَ لَهُ إلَّا اللهُ، فَهُوَ دَائِمًا مُفْتَقِرٌ إلَى حَقِيقَةِ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٥]. [١٠/ ١٩٤] ٢١٤٥ - كُلُّ مَن اسْتَكْبَرَ عَن عِبَادَةِ اللهِ لَا بُدَّ أَنْ يَعْبُدَ غَيْرَهُ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ حَسَّاسٌ يَتَحَرَّكُ بِالْإِرَادَةِ. فالْإِنْسَانُ لَهُ إرَادَةٌ دَائِمًا، وَكُلُّ إرَادَةٍ فَلَا بُدَّ لَهَا مِن مُرَادٍ تَنْتَهِي إلَيْهِ، فَلَا بُدَّ لِكُلِّ عَبْدٍ مِن مُرَادٍ مَحْبُوبٍ هُوَ مُنْتَهَى حُبِّهِ وَإِرَادَتِهِ، فَمَن لَمْ يَكُن اللهُ مَعْبُودَهُ

стр. 1642

وَمُنْتَهَى حُبّهِ وَإِرَادَتِهِ بَل اسْتَكْبَرَ عَن ذَلِكَ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ مُرَاد مَحْبُوبٌ يَسْتَعْبِدُهُ غَيْرُ اللهِ، فَيَكُونُ عَبْدًا لِذَلِكَ الْمُرَادِ الْمَحْبُوبِ: إمَّا الْمَالُ، وَإِمَّا الْجَاهُ، وَإِمَّا الصُّوَرُ، وَإِمَّا مَا يَتَّخِذُهُ إلهًا مِن دُونِ اللهِ. [١٠/ ١٩٦ - ١٩٧] ٢١٤٦ - الْمَشْرُوع فِي ذِكْرِ اللهِ سُبْحَانَهُ هُوَ ذِكْرُهُ "بِجُمْلَةٍ تَامَّةٍ" وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالْكَلَامِ، وَالْوَاحِدُ مِنْهُ بِالْكَلِمَةِ، وَهُوَ الَّذِي يَنْفَعُ الْقُلُوبَ، وَيحْصُلُ بِهِ الثَّوَابُ وَالْأَجْرُ، وَالْقُرْبُ إلَى اللهِ وَمَعْرِفَتُهُ وَمَحَبَّتُهُ وَخَشْيَتُهُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِن الْمَطَالِبِ الْعَالِيَةِ وَالْمَقَاصِدِ السَّامِيَةِ. وَأَمَّا الِاقْتِصَارُ عَلَى "الِاسْمِ الْمُفْرَدِ" مُظْهَرًا أَو مُضْمَرًا فَلَا أَصْلَ لَهُ، فَضْلًا عَن أَنْ يَكُونَ مِن ذِكْرِ الْخَاصَّةِ وَالْعَارِفِينَ؛ بَل هُوَ وَسِيلَةٌ إلَى أَنْوَاع مِن الْبِدَعِ وَالضَّلَالَاتِ، وَذَرِيعَةٌ إلَى تَصَوُّرَاتِ أَحْوَالٍ فَاسِدَةٍ مِن أَحْوَالِ أَهْلِ الْإِلحَادِ وَأَهْلِ الِاتِّحَادِ. [١٠/ ٢٣٣] ٢١٤٧ - لَفْظُ "الصَّلَاةِ فِي اللُّغَةِ" أَصْلُهُ: الدُّعَاءُ وَسُمِّيَتْ الصَّلَاةُ دُعَاءً لِتَضَمُّنِهَا مَعْنَى الدُّعَاءِ وَهُوَ الْعِبَادَةُ وَالْمَسْأَلَةُ. [١٠/ ٢٣٨] ٢١٤٨ - كُلُّ عَابِدٍ سَائِلٌ وَكُلُّ سَائِلٍ عَابِدٌ. فَأَحَدُ الِاسْمَيْنِ يَتَنَاوَلُ الْآخَرَ عِنْدَ تَجَرُّدِهِ عَنْهُ، وَلَكِنْ إذَا جُمِعَ بَيْنَهُمَا: فَإِنَّهُ يُرَادُ بِالسَّائِلِ الَّذِي يَطْلُبُ جَلْبَ الْمَنْفَعَةِ وَدَفْعَ الْمَضَرَّةِ بِصِيَغِ السُّؤَالِ وَالطَّلَبِ. وَيُرَادُ بِالْعَابِدِ مَن يَطْلُبُ ذَلِكَ بِامْتِثَالِ الْأَمْرِ وَإِن لَمْ يَكُن فِي ذَلِكَ صِيَغُ سُؤَالٍ. [١٠/ ٢٤٠] ٢١٤٩ - إِنَّ الطَّالِبَ السَّائِلَ تَارَةً يَسْأَلُ بِصِيغَةِ الطَّلَبِ، وَتَارَةً يَسْأَلُ بِصِيغَةِ الْخَبَرِ، إمَّا بِوَصْفِ حَالِهِ، وَإِمَّا بِوَصْفِ حَالِ الْمَسْؤُولِ، وَإِمَّا بِوَصْفِ الْحَالَيْنِ، كَقَوْلِ نُوحٍ ﵇: ﴿رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٤٧)﴾ [هود: ٤٧] فَهَذَا لَيْسَ صِيغَةَ طَلَبٍ، وَإِنَّمَا هُوَ إخْبَارٌ عَن اللهِ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَغْفِرْ لَهُ وَيرْحَمْهُ خَسِرَ. وَمِن هَذَا الْبَابِ قَوْلُ أَيُّوبَ ﵇: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣)﴾

стр. 1643

[الأنبياء: ٨٣] فَوَصَفَ نَفْسَهُ وَوَصَفَ رَبَّهُ بِوَصْف يَتَضَمَّنُ سُؤَالَ رَحْمَتِهِ بِكَشْفِ ضُرِّهِ، وَهِيَ صِيغَةُ خَبَرٍ تَضَمَّنَت السُّؤَالَ. وَهَذَا مِن بَابِ حُسْنِ الْأَدَبِ فِي السُّؤَالِ وَالدُّعَاءِ، فَقَوْلُ الْقَائِلِ لِمَن يُعَظِّمُهُ وَيرْغَبُ إلَيْهِ: أَنَا جَائِعٌ أَنَا مَرِيضٌ، حُسْنُ أَدَبٍ فِي السُّؤَالِ. وَإِن كَانَ فِي قَوْلِهِ: أَطْعِمْنِي وَدَاوِنِي وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ بِصيغَةِ الطَّلَبِ: طَلَبٌ جَازِمٌ مِن الْمَسْؤُولِ، فَذَاكَ: فِيهِ إظْهَارُ حَالِهِ وَإِخْبَارُهُ عَلَى وَجْهِ الذُّلِّ وَالِافْتِقَارِ الْمُتَضَمِّنِ لِسُؤَالِ الْحَالِ، وَهَذَا: فِيهِ الرَّغْبَةُ التَّامَّةُ وَالسُّؤَالُ الْمَحْضُ بِصِيغَةِ الطَّلَبِ. وَهَذ الصِّيغَةُ "صِيغَةُ الطَّلَبِ وَالِاسْتِدْعَاءِ" إذَا كَانَت لِمَن يَحْتَاجُ إلَيْهِ الطَّالِبُ، أَو مِمَن يَقْدِرُ عَلَى قَهْرِ الْمَطْلُوبِ مِنْهُ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَإِنَّهَا تُقَالُ عَلَى وَجْهِ الْأمْرِ: إمَّا لِمَا فِي ذَلِكَ مِن حَاجَةِ الطَّالِبِ، وَإِمَّا لِمَا فِيهِ مَن نَفْعِ الْمَطْلُوبِ. فَأَمَّا إذَا كَانَت مِن الْفَقِيرِ مِن كُلِّ وَجْهٍ لِلْغَنِيِّ مِن كُلِّ وَجْهٍ فَإِنَّهَا سُؤَالٌ مَحْضٌ بِتَذَلُّلٍ وَافْتِقَارٍ وَإِظْهَارِ الْحَالِ. وَوَصْفُ الْحَاجَةِ وَالِافْتِقَارِ هُوَ سُؤَالٌ بِالْحَالِ، وَهُوَ أَبْلَغُ مِن جِهَةِ الْعِلْمِ وَالْبَيَانِ، وَذَلِكَ أَظْهَرُ مِن جِهَةِ الْقَصْدِ وَالْإِرَادَةِ، فَلِهَذَا كَانَ غَالِبُ الدُّعَاءِ مِن الْقِسْمِ الثَّانِي. [١٠/ ٢٤٥ - ٢٤٦] ٢١٥٠ - لفظ الدعاء والدعوة في القرآن يتناول معنيين: دعاء العبادة، ودعاء المسألة. قال الله تعالى: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠)﴾ [يونس: ١٠]، وفي الحديث: "أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد لله" رواه ابن ماجه وابن أبي الدنيا. وقال النبي ﷺ في الحديث الذي رواه الترمذي وغيره: "دعوة أخي ذي النون ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧)﴾ [الأنبياء: ٨٧]،

стр. 1644

ما دعا بها مكروب إلا فرج الله كربته"، سماها دعوة؛ لأنها تتضمن نوعي الدعاء. فقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ﴾: اعتراف بتوحيد الإلهية. وتوحيد الإلهية يتضمن أحد نوعي الدعاء، فإن الإله هو المستحق لأن يدعى دعاء عبادة، ودعاء مسألة، وهو الله لا إله إلا هو. وقوله: ﴿إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧)﴾: اعتراف بالذنب، وهو يتضمن طلب المغفرة، فإن الطالب السائل تارة يسأل بصيغة الطلب، وتارة يسأل بصيغة الخبر، إما بوصف حاله، وإما بوصف حال المسؤول، وإما بوصف الحالين. كقول نوح ﵇: ﴿رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٤٧)﴾ [هود: ٤٧]: فهذا ليس صيغة طلب، وإنما هو إخبار عن الله أنه إن لم يغفر له ويرحمه خسر. ومن هذا الباب قول أيوب ﵇: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣)﴾ [الأنبياء: ٨٣]: فوصف نفسه، ووصف ربه بوصف يتضمن سؤال رحمته بكشف ضره، وهي صيغة خبر تضمنت السؤال. وهذا من باب حسن الأدب في السؤال والدعاء، فقول القائل لمن يعظمه، ويرغب إليه: أنا جائع، أنا مريض، حسن أدب في السؤال. وإن كان في قوله: أطعمني، وداوني، ونحو ذلك، مما هو بصيغة الطلب، طلب جازم من المسؤول، فذاك فيه إظهار حاله وإخباره على وجه الذل والافتقار المتضمن لسؤال الحال، وهذا فيه الرغبة التامة والسؤال المحض بصيغة الطلب. [١٠/ ٢٣٧ - ٢٤٦] ٢١٥١ - إِنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا ﷺ خُيِّرَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ نَبِيًّا مَلِكًا أَو عَبْدًا رَسُولًا، فَاخْتَارَ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا رَسُولًا؛ فَإِنَّ الْعَبْدَ الرَّسُولَ هُوَ الَّذِي لَا يَفْعَلُ إلَّا مَا أُمِرَ بِهِ، فَفِعْلُهُ كُلُّهُ عِبَادَةٌ للهِ، فَهُوَ عَبْدٌ مَحْضٌ مُنَفِّذٌ أَمْرَ مُرْسِلِهِ، كَمَا ثَبَتَ عَنْهُ فِي

стр. 1645

"صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ" أَنَّهُ قَالَ: "إنِّي وَاللهِ لَا أُعْطِي أَحَدًا وَلَا أَمْنَعُ أَحَدًا وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ أَضَعُ حَيْثُ أُمِرْتُ" (١)، وَهُوَ لَمْ يُرِدْ بِقَوْلِهِ: "لَا أُعْطِي أَحَدًا وَلَا أَمْنَعُ" إفْرَادَ اللهِ بِذلِكَ قَدَرًا وَكَوْنًا، فَإِنَّ جَمِيعَ الْمَخْلُوقِينَ يُشَارِكُونَهُ فِي هَذَا، فَلَا يُعْطِي أَحَدًا وَلَا يَمْنَعُ إلَّا بِقَضَاءِ اللهِ وَقَدَرِهِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ إفْرَادَ اللهِ بِذَلِكَ شَرْعًا وَدِينًا؛ أَيْ: لَا أُعْطِي إلَّا مَن أُمِرْتُ بِإِعْطَائِهِ، وَلَا أَمْنَعُ إلَّا مَن أُمِرْتُ بِمَنْعِهِ، فَأَنَا مُطِيعٌ للهِ فِي إعْطَائِي وَمَنْعِي، فَهُوَ يُقَسِّمُ الصَّدَقَةَ وَالْفَيءَ وَالْغَنَائِمَ كَمَا يُقَسِّمُ الْمَوَارِيثَ بَيْنَ أَهْلِهَا؛ لِأَنَّ اللهَ أَمَرَهُ بِهَذِهِ الْقِسْمَةِ. وَلهَذَا كَانَ الْمَالُ حَيْثُ أُضِيفَ إلَى اللهِ وَرَسُولِهِ فَالْمُرَادُ بِهِ مَا يَجِبُ أَنْ يُصْرَفَ فِي طَاعَةِ اللهِ وَرَسُولِهِ، لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ أَنَّهُ مِلْكٌ لِلرَّسُولِ، كَمَا ظَنَّهُ طَائِفَةٌ مِن الْفُقَهَاءِ، وَلَا الْمُرَادُ بِهِ كَوْنَهُ مَمْلُوكًا للهِ خَلْقًا وَقَدَرًا؛ فَإِنَّ جَمِيعَ الْأمْوَالِ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ. وَهَذَا كَقَوْلِهِ: ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١]. وَقَوْلِهِ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ الْآيَةَ [الأنفال: ٤١]. وَقَوْلِهِ: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ [الحشر: ٦] إلَى قَوْلِهِ: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ الْآيَةَ [الحشر: ٧]. فَذَكَرَ فِي الْفَيءِ مَا ذَكَرَ فِي الْخُمُسِ، فَظَنَّ طَائِفَةٌ مِن الْفُقَهَاءِ أَنَّ الْإِضَافَةَ إلَى الرَّسُولِ تَقْتَضِي أَنَّهُ يَمْلِكُهُ كَمَا يَمْلِكُ النَّاسُ أَمْلَاكَهُمْ. ثُمَّ قَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ غَنَائِمَ بَدْرٍ كَانَت مِلْكًا لِلرَّسُولِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ الْفَيءَ وَأَرْبَعَةَ أَخْمَاسِهِ كَانَ مِلْكًا لِلرَّسُولِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ الرَّسُولَ إنَّمَا كَانَ يَسْتَحِقُّ مِن الْخُمُسِ خُمُسَهُ. وَقَالَ بَعْضُ هَؤلَاءِ: وَكَذَلِكَ كَانَ يَسْتَحِقُّ مِن خُمُسِ الْفَيءِ خُمُسَهُ. وَهَذَا غَلَطٌ. [١٠/ ٢٧٩ - ٢٨٨]

стр. 1646

٢١٥٢ - الْإِرَادَةُ: هِيَ الْفَارِقَةُ بَيْنَ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَهْلِ النَّارِ (١)، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا﴾ [القصص: ٨٣]. [١٠/ ٣٤٦] ٢١٥٣ - مَن يَسْمَعُ الْقُرْآنَ عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ فَهَاجَ لَهُ وَجْدٌ يُحِبُّهُ، أَو مَخَافَةٌ أَو رَجَاءٌ، فَضَعُفَ عَن حَمْلِهِ حَتَّى مَاتَ أَو صُعِقَ أَو صَاحَ صِيَاحًا عَظِيمًا، أَو اضْطَرَبَ اضْطِرَابًا كَثِيرًا، فَتَوَلَّدَ عَن ذَلِكَ تَرْكُ صَلَاةٍ وَاجِبَةٍ، أَو تَعَدَّى عَلَى بَعْضِ النَّاسِ، فَإِنَّ هَذَا مَعْذُورٌ فِي ذَلِكَ. [١٠/ ٣٤٩] ٢١٥٤ - أَفْضَلُ الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ: الصَّلَاةُ، ثُمَّ الْقِرَاءَة، ثُمَّ الذِّكْرُ، ثُمَّ الدُّعَاءُ، وَالْمَفْضُولُ فِي وَقْتِهِ الَّذِي شُرِعَ فِيهِ أَفْضَلُ مِن الْفَاضِلِ؛ كَالتَّسْبِيحِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، فَإِنَّهُ أَفْضَلُ مِن الْقِرَاءَةِ، وَكَذَلِكَ الدُّعَاءُ فِي آخِرِ الصَّلَاةِ أَفْضَلُ مِن الْقِرَاءَةِ، ثُمَّ قَد يُفْتَحُ عَلَى الْإِنْسَانِ فِي الْعَمَلِ الْمَفْضُولِ مَا لَا يُفْتَحُ عَلَيْهِ فِي الْعَمَلِ الْفَاضِلِ. وَقَد يُيَسَّرُ عَلَيْهِ هَذَا دُونَ هَذَا، فَيَكونُ هَذَا أَفْضَلَ فِي حَقِّهِ لِعَجْزِهِ عَن الْأَفْضَلِ. [١٠/ ٤٠١ - ٤٠٢] ٢١٥٥ - الْمَرْأَةُ الْمُتَزَوِّجَةُ طَاعَتُهَا لِزَوْجِهَا أَفْضَلُ مِن طَاعَتِهَا لِأَبَوَيْهَا، بِخِلَافِ الْأَيِّمَةِ فَإِنَّهَا مَأمُورَةٌ بِطَاعَةِ أَبَوَيْهَا. [١٠/ ٤٢٨] ٢١٥٦ - مِن النَّاسِ مَن يَرَى أَنَّ الْعَمَلَ إذَا كَانَ أَفْضَلَ فِي حَقِّهِ لِمُنَاسَبَتِه (٢) لَهُ، وَلكَوْنِهِ أَنْفَع لِقَلْبِهِ، وَأَطْوَع لِرَبِّهِ، يُرِيدُ أَنْ يَجْعَلَهُ أَفْضَلَ لِجَمِيعِ النَّاسِ ويأْمُرَهُم بِمِثْل ذَلِكَ (٣).

стр. 1647

وَاللهُ بَعَثَ مُحَمَّدًا بالْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ، وَجَعَلَهُ رَحْمَةً لِلْعِبَادِ وهِدايةً لَهُمْ (١)، يَأْمُرُ كُلَّ إنْسَانٍ بِمَا هُوَ أَصْلَحُ لَهُ، فَعَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَكونَ نَاصِحًا لِلْمُسْلِمِينَ، يَقْصِدُ لِكُلِّ إنْسَانٍ مَا هُوَ أَصْلَحُ لَهُ. وَبِهَذَا تَبَيَّنَ لَك أَنَّ مِن النَّاسِ مَن يَكُونُ تَطَوُّعُهُ بِالْعِلْمِ أَفْضَلَ لَهُ، وَمِنْهُم مَن يَكُونُ تَطَوُّعُهُ بِالْجِهَادِ أَفْضَلَ، وَمِنْهُم مَن يَكونُ تَطَوُّعُهُ بِالْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ -كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ- أَفْضَلَ لَهُ. وَالْأَفْضَلُ الْمُطْلَقُ: مَا كَانَ أَشْبَهَ بِحَالِ النَّبِيِّ ﷺ بَاطِنًا وَظَاهِرًا. [١٠/ ٤٢٨ - ٤٢٩] ٢١٥٧ - قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : "فِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ" (٢) فَإِنَّ الْمُبَاضَعَةَ مَأْمُورٌ

стр. 1648

بِهَا لِحَاجَتِهِ وَلحَاجَةِ الْمَرْأَةِ إلَى ذَلِكَ، فَإِنَّ قَضَاءَ حَاجَتِهَا الَّتِي لَا تَنْقَضِي إلَّا بِهِ بِالْوَجْهِ الْمُبَاحِ صَدَقَةٌ. [١٠/ ٤٦٣] ٢١٥٨ - الرُّشْدُ الْعَمَلُ الَّذِي يَنْفَعُ صَاحِبَهُ، وَالْغَيُّ الْعَمَلُ الَّذِي يَضُرُّ صَاحِبَهُ، فَعَمَلُ الْخَيْرِ رُشْدٌ، وَعَمَلُ الشَّرِّ غَيٌّ. [١٠/ ٥٦٩] ٢١٥٩ - الْحَسَنَاتُ وَالسَّيِّئَاتُ فِي كِتَابِ اللهِ يُرَادُ بِهَا أَعْمَالُ الْخَيْرِ وَأَعْمَالُ الشَّرِّ، كَمَا يُرَادُ بِهَا النِّعَمُ وَالْمَصَائِبُ. [١٠/ ٥٧٠] ٢١٦٠ - قَالَ الْجُنَيْد: لَا يَكُونُ الْعَبْدُ عَبْدًا حَتَّى يَكُونَ مِمَّا سِوَى اللهِ تَعَالَى حُرًّا. [١٠/ ٥٩٨] ٢١٦١ - لَا نُسَلِّمُ أَنَّ مَن لَمْ يُتِمّ الْعِبَادَةَ يَبْطُلُ جَمِيعُ ثَوَابِهِ؛ بَل يُقَالُ: إنَّهُ يُثَابُ عَلَى مَا فَعَلَ مِن ذَلِكَ (١). [١٠/ ٦٤٠] ٢١٦٢ - مِمَّا هُوَ كَالْإِجْمَاعِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ بِاللهِ وَأَمْرِهِ: أَنَّ مُلَازَمَةَ ذِكْرِ اللهِ دَائِمًا هُوَ أَفْضَلُ مَا شَغَلَ الْعَبْدُ بِهِ نَفْسَهُ فِي الْجُمْلَةِ. [١٠/ ٦٦٠] ٢١٦٣ - إِنَّ دُعَاءَ الْعَبْدِ لِرَبِّهِ وَمَسْأَلَتَهُ إيَّاهُ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: "نَوْعٌ" أُمِر الْعَبْدُ بِهِ إمَّا أَمْر إيجَابٍ وَإِمَّا أَمْر اسْتِحْبَابٍ مِثْل: قَوْلِهِ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ [الفاتحة: ٦] وَمِثْل دُعَائِهِ فِي آخِرِ الصَّلَاةِ. وَنَوْعٌ مِن الدُّعَاء يُنْهَى عَنْهُ: كَالِاعْتِدَاءِ، مِثْل: أَنْ يَسْأَلَ الرَّجُلُ مَا لَا يَصْلُحُ مِن خَصَائِصِ الْأَنْبِيَاءِ، وَلَيْسَ هُوَ بِنَبِيٍّ، وَرُبَّمَا هُوَ مِن خَصَائِصِ الرَّبِّ . وَمِن الدُّعَاءِ مَا هُوَ مُبَاحٌ كَطَلَبِ الْفُضُولِ الَّتِي لَا مَعْصِيَةَ فِيهَا. [١٠/ ٧١٢ - ٧١٤]

стр. 1649

٢١٦٤ - مِن النَّاسِ مَن يَسْأَلُ اللهَ جَلْبَ الْمَنْفَعَةِ لَهُ وَدَفْعَ الْمَضَرَّةِ عَنْهُ طَبْعًا وَعَادَةً، لَا شَرْعًا وَعِبَادَةً، فَلَيْسَ مِن الْمَشْرُوعِ أَنْ أَدَعَ الدُّعَاءَ مُطْلَقًا لِتَقْصِيرِ هَذَا وَتَفْرِيطِهِ؛ بَل أَفْعَلُهُ أَنَا شَرْعًا وَعِبَادَةً. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الَّذِي يَفْعَلُهُ شَرْعًا وَعِبَادَةً إنَّمَا يَسْعَى فِي مَصْلَحَةِ نَفْسِهِ وَطَلَبِ حُظُوظِهِ الْمَحْمُودَةِ، فَهُوَ يَطْلُبُ مَصْلَحَةَ دنْيَاهُ وَآخِرَتِهِ، بِخِلَافِ الَّذِي يَفْعَلُهُ طَبْعًا فَإِنَّهُ إنَّمَا يَطْلُبُ مَصْلَحَةَ دُنْيَاهُ فَقَطْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (٢٠٠) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١) أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٢٠٢)﴾ [البقرة: ٢٠٠ - ٢٠٢]. [١٠/ ٧١٦ - ٧١٧] ٢١٦٥ - الصَّلَاةُ تَضَمَّنَتْ شَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا: نَهْيُهَا عَن الذُّنُوبِ. الثَّانِي: تَضَمُّنُهَا ذِكْرِ اللهِ، وَهُوَ أَكْبَرُ الْأَمْرَيْنِ، فَمَا فِيهَا مِن ذِكْرِ اللهِ أَكْبَرُ مِن كَوْنِهَا نَاهِيَةً عَن الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكِرِ. [١٠/ ٧٥٣] ٢١٦٦ - دِينُ الْإِسْلَامِ هُوَ دِينُ الْأَوَّلينَ والآخرين مِن النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥] عَامٌّ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ. فَنُوحٌ وَإِبْرَاهِيمُ ويعْقُوبُ وَالْأَسْبَاطُ وَمُوسَى وَعِيسَى وَالْحَوَارِيُّونَ كُلُّهُم دِينُهُم الْإِسْلَامُ، الَّذِي هُوَ عِبَادَة اللهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ. [١١/ ٢١٩] ٢١٦٧ - وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ : "لَهُم أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكمْ؛ لِأَنَّكُمْ تَجِدُونَ عَلَى الْخَيْرِ أَعْوَانًا وَلَا يَجِدُونَ عَلَى الْخَيْرِ أَعْوَانًا" (١) فَهَذَا صَحِيحٌ إذَا عَمِلَ الْوَاحِدُ مِن الْمُتَأَخِّرِينَ مِثْل عَمَلٍ عَمِلَهُ بَعْضُ الْمُتَقَدِّمِينَ كَانَ لَهُ أَجْرُ خَمْسِينَ، لَكِنْ لَا يُتَصَوَّرُ

стр. 1650

أَنَّ بَعْضَ الْمُتَأَخّرِينَ يَعْمَلُ مِثْل عَمَلِ بَعْضِ أَكَابِرِ السَّابِقِينَ؛ كَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَإِنَّهُ مَا بَقِيَ يُبْعَثُ نَبِيٌّ مِثْلُ مُحَمَّدٍ يَعْمَلُ مَعَهُ مِثْلَمَا عَمِلُوا مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ . [١١/ ٣٧١] ٢١٦٨ - تَفْضِيل الْعَمَلِ عَلَى الْعَمَلِ قَد يَكُونُ مُطْلَقًا، مِثْلُ تَفْضِيلِ أَصْلِ الدِّينِ عَلَى فَرْعِهِ، وَقَد يَكُونُ مُقَيَّدًا. فَقَد يَكُونُ أَحَدُ الْعَمَلَيْنِ فِي حَقِّ زيدٍ أَفْضَلَ مِن الْآخَرِ، وَالْآخَرُ فِي حَقِّ عَمْرٍو أَفْضَلَ، وَقَد يَكُونَانِ مُتَمَاثِلَيْنِ فِي حَقِّ الشَّخْصِ، وَقَد يَكُونُ الْمَفْضُولُ فِي وَقْتٍ أَفْضَلَ مِن الْفَاضِلِ، وَقَد يَكُونُ الْمَفْضُولُ فِي حَقِّ مَن يَقْدِرُ عَلَيْهِ وَيَنْتَفِعُ بِهِ أَفْضَلَ مِن الْفَاضِلِ فِي حَقِّ مَن لَيْسَ كَذَلِكَ. [١١/ ٣٩٩] ٢١٦٩ - كَثِيرٌ مِن الْعُبَّادِ يُفَضِّلُ نَوَافِلَهُ عَلَى أَدَاءِ الْفَرَائِضِ وَهَذَا كَثِيرٌ (١). [١٢/ ٢٢٩] ٢١٧٠ - وَقَد عَلِم الْمُسْلِمُونَ أَنَّ اللهَ لَمْ يَخْلُقْ شَيْئًا مَا إلَّا لِحِكْمَةٍ، فَتِلْكَ الْحِكْمَةُ وَجْة حُسْنِهِ وَخَيْرِهِ، وَلَا يَكُونُ فِي الْمَخْلُوقَاتِ شَرٌّ مَحْضٌ لَا خَيْرَ فِيهِ وَلَا فَائِدة فِيهِ بِوَجْهٍ مِن الْوُجُوهِ؛ وَبِهَذَا يَظْهَرُ مَعْنَى قَوْلِهِ: "وَالشَّرُّ لَيْسَ إلَيْك" (٢) وَكَوْنُ الشَّرِّ لَمْ يُضَفْ إلَى اللهِ وَحْدَهُ؛ بَل إمَّا بِطْرِيقِ الْعُمُوم، أَو يُضَافُ إلَى السَّبَبِ، أَو يُحْذَفُ فَاعِلُهُ. [١٤/ ٢١] ٢١٧١ - اسْمُ الْعَبْدِ يَتَنَاوَلُ مَعْنَيَيْنِ: أَحَدَهُمَا: بِمَعْنَى الْعَابِدِ كَرْهًا، كَمَا قَالَ: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣)﴾ [مريم: ٩٣]. والثَّانِي: بِمَعْنَى الْعَابِدِ طَوْعًا، وَهُوَ الَّذِي يَعْبُدُهُ ويسْتَعِينُهُ، وَهَذَا هُوَ
следующие страницы →