← Фатава

Фатава · id 879

تقريب فتاوى ابن تيمية

أحمد بن ناصر الطيار

Полный текст (3 539 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

٢١٥٢ - الْإِرَادَةُ: هِيَ الْفَارِقَةُ بَيْنَ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَهْلِ النَّارِ (١)، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا﴾ [القصص: ٨٣]. [١٠/ ٣٤٦] ٢١٥٣ - مَن يَسْمَعُ الْقُرْآنَ عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ فَهَاجَ لَهُ وَجْدٌ يُحِبُّهُ، أَو مَخَافَةٌ أَو رَجَاءٌ، فَضَعُفَ عَن حَمْلِهِ حَتَّى مَاتَ أَو صُعِقَ أَو صَاحَ صِيَاحًا عَظِيمًا، أَو اضْطَرَبَ اضْطِرَابًا كَثِيرًا، فَتَوَلَّدَ عَن ذَلِكَ تَرْكُ صَلَاةٍ وَاجِبَةٍ، أَو تَعَدَّى عَلَى بَعْضِ النَّاسِ، فَإِنَّ هَذَا مَعْذُورٌ فِي ذَلِكَ. [١٠/ ٣٤٩] ٢١٥٤ - أَفْضَلُ الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ: الصَّلَاةُ، ثُمَّ الْقِرَاءَة، ثُمَّ الذِّكْرُ، ثُمَّ الدُّعَاءُ، وَالْمَفْضُولُ فِي وَقْتِهِ الَّذِي شُرِعَ فِيهِ أَفْضَلُ مِن الْفَاضِلِ؛ كَالتَّسْبِيحِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، فَإِنَّهُ أَفْضَلُ مِن الْقِرَاءَةِ، وَكَذَلِكَ الدُّعَاءُ فِي آخِرِ الصَّلَاةِ أَفْضَلُ مِن الْقِرَاءَةِ، ثُمَّ قَد يُفْتَحُ عَلَى الْإِنْسَانِ فِي الْعَمَلِ الْمَفْضُولِ مَا لَا يُفْتَحُ عَلَيْهِ فِي الْعَمَلِ الْفَاضِلِ. وَقَد يُيَسَّرُ عَلَيْهِ هَذَا دُونَ هَذَا، فَيَكونُ هَذَا أَفْضَلَ فِي حَقِّهِ لِعَجْزِهِ عَن الْأَفْضَلِ. [١٠/ ٤٠١ - ٤٠٢] ٢١٥٥ - الْمَرْأَةُ الْمُتَزَوِّجَةُ طَاعَتُهَا لِزَوْجِهَا أَفْضَلُ مِن طَاعَتِهَا لِأَبَوَيْهَا، بِخِلَافِ الْأَيِّمَةِ فَإِنَّهَا مَأمُورَةٌ بِطَاعَةِ أَبَوَيْهَا. [١٠/ ٤٢٨] ٢١٥٦ - مِن النَّاسِ مَن يَرَى أَنَّ الْعَمَلَ إذَا كَانَ أَفْضَلَ فِي حَقِّهِ لِمُنَاسَبَتِه (٢) لَهُ، وَلكَوْنِهِ أَنْفَع لِقَلْبِهِ، وَأَطْوَع لِرَبِّهِ، يُرِيدُ أَنْ يَجْعَلَهُ أَفْضَلَ لِجَمِيعِ النَّاسِ ويأْمُرَهُم بِمِثْل ذَلِكَ (٣).

стр. 1647

وَاللهُ بَعَثَ مُحَمَّدًا بالْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ، وَجَعَلَهُ رَحْمَةً لِلْعِبَادِ وهِدايةً لَهُمْ (١)، يَأْمُرُ كُلَّ إنْسَانٍ بِمَا هُوَ أَصْلَحُ لَهُ، فَعَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَكونَ نَاصِحًا لِلْمُسْلِمِينَ، يَقْصِدُ لِكُلِّ إنْسَانٍ مَا هُوَ أَصْلَحُ لَهُ. وَبِهَذَا تَبَيَّنَ لَك أَنَّ مِن النَّاسِ مَن يَكُونُ تَطَوُّعُهُ بِالْعِلْمِ أَفْضَلَ لَهُ، وَمِنْهُم مَن يَكُونُ تَطَوُّعُهُ بِالْجِهَادِ أَفْضَلَ، وَمِنْهُم مَن يَكونُ تَطَوُّعُهُ بِالْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ -كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ- أَفْضَلَ لَهُ. وَالْأَفْضَلُ الْمُطْلَقُ: مَا كَانَ أَشْبَهَ بِحَالِ النَّبِيِّ ﷺ بَاطِنًا وَظَاهِرًا. [١٠/ ٤٢٨ - ٤٢٩] ٢١٥٧ - قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : "فِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ" (٢) فَإِنَّ الْمُبَاضَعَةَ مَأْمُورٌ

стр. 1648

بِهَا لِحَاجَتِهِ وَلحَاجَةِ الْمَرْأَةِ إلَى ذَلِكَ، فَإِنَّ قَضَاءَ حَاجَتِهَا الَّتِي لَا تَنْقَضِي إلَّا بِهِ بِالْوَجْهِ الْمُبَاحِ صَدَقَةٌ. [١٠/ ٤٦٣] ٢١٥٨ - الرُّشْدُ الْعَمَلُ الَّذِي يَنْفَعُ صَاحِبَهُ، وَالْغَيُّ الْعَمَلُ الَّذِي يَضُرُّ صَاحِبَهُ، فَعَمَلُ الْخَيْرِ رُشْدٌ، وَعَمَلُ الشَّرِّ غَيٌّ. [١٠/ ٥٦٩] ٢١٥٩ - الْحَسَنَاتُ وَالسَّيِّئَاتُ فِي كِتَابِ اللهِ يُرَادُ بِهَا أَعْمَالُ الْخَيْرِ وَأَعْمَالُ الشَّرِّ، كَمَا يُرَادُ بِهَا النِّعَمُ وَالْمَصَائِبُ. [١٠/ ٥٧٠] ٢١٦٠ - قَالَ الْجُنَيْد: لَا يَكُونُ الْعَبْدُ عَبْدًا حَتَّى يَكُونَ مِمَّا سِوَى اللهِ تَعَالَى حُرًّا. [١٠/ ٥٩٨] ٢١٦١ - لَا نُسَلِّمُ أَنَّ مَن لَمْ يُتِمّ الْعِبَادَةَ يَبْطُلُ جَمِيعُ ثَوَابِهِ؛ بَل يُقَالُ: إنَّهُ يُثَابُ عَلَى مَا فَعَلَ مِن ذَلِكَ (١). [١٠/ ٦٤٠] ٢١٦٢ - مِمَّا هُوَ كَالْإِجْمَاعِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ بِاللهِ وَأَمْرِهِ: أَنَّ مُلَازَمَةَ ذِكْرِ اللهِ دَائِمًا هُوَ أَفْضَلُ مَا شَغَلَ الْعَبْدُ بِهِ نَفْسَهُ فِي الْجُمْلَةِ. [١٠/ ٦٦٠] ٢١٦٣ - إِنَّ دُعَاءَ الْعَبْدِ لِرَبِّهِ وَمَسْأَلَتَهُ إيَّاهُ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: "نَوْعٌ" أُمِر الْعَبْدُ بِهِ إمَّا أَمْر إيجَابٍ وَإِمَّا أَمْر اسْتِحْبَابٍ مِثْل: قَوْلِهِ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ [الفاتحة: ٦] وَمِثْل دُعَائِهِ فِي آخِرِ الصَّلَاةِ. وَنَوْعٌ مِن الدُّعَاء يُنْهَى عَنْهُ: كَالِاعْتِدَاءِ، مِثْل: أَنْ يَسْأَلَ الرَّجُلُ مَا لَا يَصْلُحُ مِن خَصَائِصِ الْأَنْبِيَاءِ، وَلَيْسَ هُوَ بِنَبِيٍّ، وَرُبَّمَا هُوَ مِن خَصَائِصِ الرَّبِّ . وَمِن الدُّعَاءِ مَا هُوَ مُبَاحٌ كَطَلَبِ الْفُضُولِ الَّتِي لَا مَعْصِيَةَ فِيهَا. [١٠/ ٧١٢ - ٧١٤]

стр. 1649

٢١٦٤ - مِن النَّاسِ مَن يَسْأَلُ اللهَ جَلْبَ الْمَنْفَعَةِ لَهُ وَدَفْعَ الْمَضَرَّةِ عَنْهُ طَبْعًا وَعَادَةً، لَا شَرْعًا وَعِبَادَةً، فَلَيْسَ مِن الْمَشْرُوعِ أَنْ أَدَعَ الدُّعَاءَ مُطْلَقًا لِتَقْصِيرِ هَذَا وَتَفْرِيطِهِ؛ بَل أَفْعَلُهُ أَنَا شَرْعًا وَعِبَادَةً. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الَّذِي يَفْعَلُهُ شَرْعًا وَعِبَادَةً إنَّمَا يَسْعَى فِي مَصْلَحَةِ نَفْسِهِ وَطَلَبِ حُظُوظِهِ الْمَحْمُودَةِ، فَهُوَ يَطْلُبُ مَصْلَحَةَ دنْيَاهُ وَآخِرَتِهِ، بِخِلَافِ الَّذِي يَفْعَلُهُ طَبْعًا فَإِنَّهُ إنَّمَا يَطْلُبُ مَصْلَحَةَ دُنْيَاهُ فَقَطْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (٢٠٠) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١) أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٢٠٢)﴾ [البقرة: ٢٠٠ - ٢٠٢]. [١٠/ ٧١٦ - ٧١٧] ٢١٦٥ - الصَّلَاةُ تَضَمَّنَتْ شَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا: نَهْيُهَا عَن الذُّنُوبِ. الثَّانِي: تَضَمُّنُهَا ذِكْرِ اللهِ، وَهُوَ أَكْبَرُ الْأَمْرَيْنِ، فَمَا فِيهَا مِن ذِكْرِ اللهِ أَكْبَرُ مِن كَوْنِهَا نَاهِيَةً عَن الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكِرِ. [١٠/ ٧٥٣] ٢١٦٦ - دِينُ الْإِسْلَامِ هُوَ دِينُ الْأَوَّلينَ والآخرين مِن النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥] عَامٌّ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ. فَنُوحٌ وَإِبْرَاهِيمُ ويعْقُوبُ وَالْأَسْبَاطُ وَمُوسَى وَعِيسَى وَالْحَوَارِيُّونَ كُلُّهُم دِينُهُم الْإِسْلَامُ، الَّذِي هُوَ عِبَادَة اللهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ. [١١/ ٢١٩] ٢١٦٧ - وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ : "لَهُم أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكمْ؛ لِأَنَّكُمْ تَجِدُونَ عَلَى الْخَيْرِ أَعْوَانًا وَلَا يَجِدُونَ عَلَى الْخَيْرِ أَعْوَانًا" (١) فَهَذَا صَحِيحٌ إذَا عَمِلَ الْوَاحِدُ مِن الْمُتَأَخِّرِينَ مِثْل عَمَلٍ عَمِلَهُ بَعْضُ الْمُتَقَدِّمِينَ كَانَ لَهُ أَجْرُ خَمْسِينَ، لَكِنْ لَا يُتَصَوَّرُ

стр. 1650

أَنَّ بَعْضَ الْمُتَأَخّرِينَ يَعْمَلُ مِثْل عَمَلِ بَعْضِ أَكَابِرِ السَّابِقِينَ؛ كَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَإِنَّهُ مَا بَقِيَ يُبْعَثُ نَبِيٌّ مِثْلُ مُحَمَّدٍ يَعْمَلُ مَعَهُ مِثْلَمَا عَمِلُوا مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ . [١١/ ٣٧١] ٢١٦٨ - تَفْضِيل الْعَمَلِ عَلَى الْعَمَلِ قَد يَكُونُ مُطْلَقًا، مِثْلُ تَفْضِيلِ أَصْلِ الدِّينِ عَلَى فَرْعِهِ، وَقَد يَكُونُ مُقَيَّدًا. فَقَد يَكُونُ أَحَدُ الْعَمَلَيْنِ فِي حَقِّ زيدٍ أَفْضَلَ مِن الْآخَرِ، وَالْآخَرُ فِي حَقِّ عَمْرٍو أَفْضَلَ، وَقَد يَكُونَانِ مُتَمَاثِلَيْنِ فِي حَقِّ الشَّخْصِ، وَقَد يَكُونُ الْمَفْضُولُ فِي وَقْتٍ أَفْضَلَ مِن الْفَاضِلِ، وَقَد يَكُونُ الْمَفْضُولُ فِي حَقِّ مَن يَقْدِرُ عَلَيْهِ وَيَنْتَفِعُ بِهِ أَفْضَلَ مِن الْفَاضِلِ فِي حَقِّ مَن لَيْسَ كَذَلِكَ. [١١/ ٣٩٩] ٢١٦٩ - كَثِيرٌ مِن الْعُبَّادِ يُفَضِّلُ نَوَافِلَهُ عَلَى أَدَاءِ الْفَرَائِضِ وَهَذَا كَثِيرٌ (١). [١٢/ ٢٢٩] ٢١٧٠ - وَقَد عَلِم الْمُسْلِمُونَ أَنَّ اللهَ لَمْ يَخْلُقْ شَيْئًا مَا إلَّا لِحِكْمَةٍ، فَتِلْكَ الْحِكْمَةُ وَجْة حُسْنِهِ وَخَيْرِهِ، وَلَا يَكُونُ فِي الْمَخْلُوقَاتِ شَرٌّ مَحْضٌ لَا خَيْرَ فِيهِ وَلَا فَائِدة فِيهِ بِوَجْهٍ مِن الْوُجُوهِ؛ وَبِهَذَا يَظْهَرُ مَعْنَى قَوْلِهِ: "وَالشَّرُّ لَيْسَ إلَيْك" (٢) وَكَوْنُ الشَّرِّ لَمْ يُضَفْ إلَى اللهِ وَحْدَهُ؛ بَل إمَّا بِطْرِيقِ الْعُمُوم، أَو يُضَافُ إلَى السَّبَبِ، أَو يُحْذَفُ فَاعِلُهُ. [١٤/ ٢١] ٢١٧١ - اسْمُ الْعَبْدِ يَتَنَاوَلُ مَعْنَيَيْنِ: أَحَدَهُمَا: بِمَعْنَى الْعَابِدِ كَرْهًا، كَمَا قَالَ: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣)﴾ [مريم: ٩٣]. والثَّانِي: بِمَعْنَى الْعَابِدِ طَوْعًا، وَهُوَ الَّذِي يَعْبُدُهُ ويسْتَعِينُهُ، وَهَذَا هُوَ

стр. 1651

الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣] .. وَقَوْلِهِ: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٣٠)﴾ [ص: ٣٠] وَقَوْلِهِ: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء: ١]. وَهَذِهِ الْعُبُودِيَّةُ قَد يَخْلُو الْإِنْسَانُ مِنْهَا تَارَةً، وَأَمَّا الْأُولَى فَوَصْفٌ لَازِمٌ إذَا أُرِيدَ بِهَا جَرَيَانُ الْقَدَرِ عَلَيْهِ وَتَصْرِيفُ الْخَالِقِ لَهُ قَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ [آل عمران: ٨٣]. وَعَامَّةُ السَّلَفِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالِاسْتِسْلَامِ: اسْتِسْلَامُهُم لَهُ بِالْخُضُوعِ وَالذُّلِ، لَا مُجَرَّدَ تَصْرِيفِ الرَّبِّ لَهُمْ. [١٤/ ٢٩ - ٣٠] ٢١٧٢ - إِنَّ الْعَبْدَ إنَّمَا خُلِقَ لِعِبَادَةِ رَبِّهِ، فَصَلَاحُهُ وَكَمَالُهُ وَلَذَّتُهُ وَفَرَحُهُ وَسُرُورُهُ فِي أَنْ يَعْبُدَ رَبَّهُ ويُنِيبَ إلَيْهِ، وَذَلِكَ قَدْرٌ زَائِدٌ عَلَى مَسْألَتِهِ وَالِافْتِقَارِ إلَيْهِ. [١٤/ ٣٢] ٢١٧٣ - الْعَبْدُ مضْطَرٌّ دَائِمًا إلَى أَنْ يَهْدِيَهُ اللهُ الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، فَهُوَ مُضْطَرٌّ إلَى مَقْصُودِ هَذَا الدُّعَاءِ؛ فَإِنَّهُ لَا نَجَاةَ مِن الْعَذَابِ وَلَا وُصُولَ إلَى السَّعَادَةِ إلَّا بِهَذِهِ الْهِدَايَةِ، فَمَن فَاتَهُ فَهُوَ إمَّا مِن الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَإِمَّا مِن الضَّالِّينَ. وَأَمَّا سُؤَالُ مَن يَقُولُ: فَقَد هَدَاهُم فَلَا حَاجَةَ بِهِم إلَى السُّؤَالِ، وَجَوَابُ مَن أَجَابَهُ بِأَنَّ الْمَطْلُوبَ دَوَامُهَا: كَلَامُ مَن لَمْ يَعْرِفْ حَقِيقَةَ الْأَسْبَابِ وَمَا أَمَرَ اللهُ بِهِ؛ فَإِنَّ الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ أَنْ يَفْعَلَ الْعَبْدُ فِي كُلِّ وَقْتٍ مَا أُمِرَ بِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ مِن عِلْمٍ وَعَمَلٍ، وَلَا يَفْعَلُ مَا نُهِيَ عَنْهُ، وَهَذَا يَحْتَاجُ فِي كُلِّ وَقْتٍ إلَى أَنْ يَعْلَمَ وَيَعْمَلَ مَا أُمِرَ بِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَمَا نُهِيَ عَنْهُ، وَإِلَى أَنْ يَحْصُلَ لَهُ إرَادَةٌ جَازِمَةٌ لِفِعْلِ الْمَأْمُورِ وَكَرَاهَةٌ جَازِمَةٌ لِتَرْكِ الْمَحْظُورِ، فَهَذَا الْعِلْمُ الْمُفَصَّلُ وَالْإِرَادَةُ الْمُفَصَّلَةُ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ تَحْصُلَ لِلْعَبْدِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ؛ بَل كُلُّ وَقْتٍ يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يَجْعَلَ اللهُ فِي قَلْبِهِ مِن الْعُلُومِ وَالْإِرَادَاتِ مَا يَهْتَدِي بِهِ فِي ذَلِكَ

стр. 1652

الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ (١). نَعَمْ! حَصَلَ لَهُ هُدًى مُجْمَلٌ بِأَنَّ الْقُرْآنَ حَقٌّ، وَالرَّسُولَ حَقٌّ، وَدِينَ الْإِسْلَامِ حَقٌّ، وَذَلِكَ حَقٌّ؛ وَلَكِنَّ هَذَا الْمُجْمَلَ لَا يُغْنِيهِ إنْ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ هُدًى مُفَصَّلٌ فِي كُلِّ مَا يَأْتِيهِ وَيَذْرُهُ مِن الْجُزْئِيَّاتِ الَّتِي يَحَارُ فِيهَا أَكْثَرُ عُقُولِ الْخَلْقِ. وَالْإِنْسَانُ خُلِقَ ظَلُومًا جَهُولًا؛ فَالْأَصْلُ فِيهِ عَدَمُ الْعِلْمِ وَمَيْلُهُ إلَى مَا يَهْوَاهُ مِن الشَّرِّ، فَيَحْتَاجُ دَائِمًا إلَى عِلْمٍ مُفَصَّلٍ يَزُولُ بِهِ جَهْلُهُ، وَعَدْلٍ فِي مَحَبَّتِهِ وَبُغْضِهِ وَرِضَاهُ وَغَضَبِهِ وَفِعْلِهِ وَتَرْكِهِ وَإِعْطَائِهِ وَمَنْعِهِ وَأَكْلِهِ وَشُرْبِهِ وَنَوْمِهِ وَيَقَظَتِهِ (٢). فَكُلُّ مَا يَقُولُهُ وَيعْمَلُهُ يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى عِلْمٍ يُنَافِي جَهْلَهُ، وَعَدْلٍ يُنَافِي ظُلْمَهُ، فَإِنْ لَمْ يَمُنَّ اللهُ عَلَيْهِ بِالْعِلْمِ الْمُفَصَّلِ، وَالْعَدْلِ الْمُفَصَّلِ: كَانَ فِيهِ مِن الْجَهْلِ وَالظُّلْمِ مَا يَخْرُجُ بِهِ عَن الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ. فَحَاجَةُ الْعَبْدِ إلَى سُؤَالِ هَذِهِ الْهِدَايَةِ ضَرُورِيَّةٌ فِي سَعَادَتِهِ وَنَجَاتِهِ وَفَلَاحِهِ، بِخِلَافِ حَاجَتِهِ إلَى الرِّزْقِ وَالنَّصْرِ، فَإِنَّ اللهَ يَرْزُقُهُ، فَإِذَا انْقَطَعَ رِزْقُهُ مَاتَ، وَالْمَوْتُ لَا بُدَّ مِنْهُ، فَإِذَا كَانَ مِن أَهْلِ الْهُدَى بِهِ كَانَ سَعِيدًا قَبْلَ الْمَوْتِ وَبَعْدَهُ، وَكَانَ الْمَوْتُ مُوَصِّلًا إلَى السَّعَادَةِ الْأَبَدِيَّةِ. وَكَذَلِكَ النَّصْرُ، إذَا قُدِّرَ أَنَّهُ غُلِبَ حَتَّى قُتِلَ فَإِنَّهُ يَمُوتُ شَهِيدًا، وَكَانَ الْقَتْلُ مِن تَمَامِ النِّعْمَةِ.

стр. 1653

فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْحَاجَةَ إلَى الْهُدَى أَعْظَمُ مِن الْحَاجَةِ إلَى النَّصْرِ وَالرِّزْقِ؛ بَل لَا نِسْبَةَ بَيْنَهُمَا (١)؛ لِأَنَّهُ إذَا هُدِيَ كَانَ مِن الْمُتَّقِينَ ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢، ٣] وَكَانَ مِمَن يَنْصُرُ اللهَ وَرَسُولَهُ، وَمَن نَصَرَ اللهَ نَصَرَهُ اللهُ وَكَانَ مِن جُنْدِ اللهِ وَهُم الْغَالِبُونَ. فَتَبَيَّنَ أَنَّ حَاجَةَ الْعِبَادِ إلَى الْهُدَى أَعْظَمُ مِن حَاجَتِهِمْ إلَى الرِّزْقِ وَالنَّصْرِ بَل لَا نِسْبَةَ بَيْنَهُمَا؛ وَلهَذَا كَانَ هَذَا الدُّعَاءُ هُوَ الْمَفْرُوضَ عليهم. [١٤/ ٣٧ - ٣٩] ٢١٧٤ - إِنَّ نَفْسَ السُّجُودِ: خُضُوعٌ للهِ، وَلَو فَعَلَهُ الْإِنْسَانُ للهِ مَعَ عَدَمِ عِلْمِهِ أَنَّهُ أَمَرَ بِهِ: انْتَفَعَ؛ كَالسَّحَرَةِ الَّذِينَ سَجَدُوا قَبْلَ الْأَمْرِ بِالسُّجُودِ. [١٤/ ١٤٧] ٢١٧٥ - كَمْ مِمَن يَخْتِمُ الْقُرْآنَ فِي الْيَوْمِ مَرَّةً أَو مَرَّتَيْنِ، وَآخَرُ لَا يَنَامُ اللَّيْلَ، وَآخَرُ لَا يُفْطِرُ، وَغَيْرُهُم أَقَلُّ عِبَادَةً مِنْهُمْ، وَأَرْفَعُ قَدْرًا فِي قُلُوبِ الْأُمَّةِ؟ وَمَا ذَاكَ إلَّا لِقُوَّةِ الْمُعَامَلَةِ الْبَاطِنَةِ وَصَفَائِهَا، وَخُلُوصِهَا مِن شَهَوَاتِ النُّفُوسِ وَأَكْدَارِ الْبَشَرِيَّةِ، وَطَهَارَتِهَا مِن الْقُلُوبِ الَّتِي تُكَدِّرُ مُعَامَلَةَ أُولَئِكَ، وَإِنَّمَا نَالُوا ذَلِكَ بِقُوَّةِ يَقِينِهِمْ بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ، وَكَمَالِ تَصْدِيقِهِ فِي قُلُوبِهِمْ، وَوُدِّهِ وَمَحَبَّتِهِ وَأَنْ يَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ للهِ. [١٦/ ٤٨ - ٤٩] ٢١٧٦ - النَّاسُ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ مَا لَا يَكُونُ إلَّا عِبَادَةً لَا يَصِحُّ إلَّا بِنِيَّةٍ، بِخِلَافِ مَا يَقَعُ عِبَادَةً وَغَيْرَ عِبَادَةٍ؛ كَأَدَاءِ الْأَمَانَاتِ وَقَضَاءِ الدُّيُونِ. [١٨/ ٢٥٩] ٢١٧٧ - إذَا تَرَكَ الْإِنْسَانُ بَعْضَ وَاجِبَاتِ الْعِبَادَةِ هَل يُقَالُ: بَطَلَتْ كُلُّهَا فَلَا ثَوَابَ لَهُ عَلَيْهَا؟ أَمْ يُقَالُ: يُثَابُ عَلَى مَا فَعَلَهُ وَيُعَاقَبُ عَلَى مَا تَرَكَهُ؟ وَهَل عَلَيْهِ إعَادَهُ ذَلِكَ؟

стр. 1654

هَذَا يَكُونُ بِحَسَبِ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ: فَمِنَ الْوَاجِبَاتِ فِي الْعِبَادَةِ مَا لَا تَبْطُلُ الْعِبَادَةُ بِتَرْكِهِ، وَلَا إعَادَةَ عَلَى تَارِكِهِ؛ بَل يُجْبَرُ الْمَتْرُوكُ؛ كَالْوَاجِبَاتِ فِي الْحَجِّ الَّتِي لَيْسَتْ أَرْكَانًا، مِثْل رَمْيِ الْجِمَارِ، وَأَنْ يُحْرِمَ مِن غَيْرِ الْمِيقَاتِ وَنَحْو ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ الصَّلَاةُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ -كَمَالِكٍ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمْ- فِيهَا وَاجِبٌ لَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِتَرْكِهِ عِنْدَهُمْ: كَمَا يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْفَاتِحَةِ وَالطُّمَأْنِينَةِ، وَكَمَا يَقُولُ مَالِكٌ وَأَحْمَد فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ. لَكِنْ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ يَقُولَانِ: مَا تَرَكَهُ مِن هَذَا سَهْوًا فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْجُدَ لِلسَّهْوِ، وَأَمَّا إذَا تَرَكَهُ عَمْدًا فَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ، كَمَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بتَرْكِ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ عَمْدًا فِي الْمَشْهُورِ مِن مَذْهَبَيْهِمَا، لَكِنْ أَصْحَابُ مَالِكٍ يُسَمُّوْنَ هَذَا سُنَّةً مُؤَكَّدَةً، وَمَعْنَاهُ مَعْنَى الْوَاجِبِ عِنْدَهُمْ. وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَيَقُولُ: مَن تَرَكَ الْوَاجِبَ الَّذِي لَيْسَ بِفَرْض عَمْدًا أَسَاءَ وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ، وَالْجُمْهُورُ يَقُولُونَ: لَا نَعْهَدُ فِي الْعِبَادَةِ وَاجِبًا فِيمَا يَتْرُكُهُ الْإِنْسَانُ إلَى غَيْرِ بَدَلٍ وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ، فَلَا بُدَّ مِن وُجُوبِ الْبَدَلِ لِلْإِعَادَةِ، وَلَكِنْ مَعَ هَذَا اتَّفَقَتْ الْأَئِمَّةُ عَلَى أَنَّ مَن تَرَكَ وَاجِبًا فِي الْحَجِّ لَيْسَ بِرُكْنٍ وَلَمْ يَجْبُرْهُ بِالدَّمِ الَّذِي عَلَيْهِ لَمْ يَبْطُلْ حَجُّهُ، وَلَا تَجِبُ إعَادَتُهُ. فَهَكَذَا يَقُولُ جُمْهُورُ السَّلَفِ وَأَهْلُ الْحَدِيثِ: أَنَّ مَن تَرَكَ وَاجِبًا مِن وَاجِبَاتِ الْإِيمَانِ الَّذِي لَا يُنَاقِضُ أُصُولَ الْإِيمَانِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَجْبُرَ إيمَانَهُ إمَّا بِالتَّوْبَةِ، وَإِمَّا بِالْحَسَنَاتِ الْمُكَفِّرَةِ. فَالْكَبَائِرُ يَتُوبُ مِنْهَا، وَالصَّغَائِرُ تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ وَالصَّدَقَةُ وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ لَمْ يَحْبَطْ إيمَانُهُ جُمْلَةً. وَأَصْلُهُم أَنَّ الْإِيمَانَ يَتَبَعَّضُ، فَيَذْهَبُ بَعْضُهُ وَيَبْقَى بَعْضُهُ. [١٨/ ٢٦٩ - ١٧٠] ٢١٧٨ - أَفْضَلُ الْأَرْضِ فِي حَقِّ كُلِّ إنْسَانٍ أَرْضٌ يَكُونُ فِيهَا أَطْوَعَ للهِ وَرَسُولِهِ، وَهَذَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ؛ فَإِنَّ الْأَعْمَالَ لَا تَتَفَاضَلُ بِالْكَثْرَةِ، وَإِنَّمَا تَتَفَاضَلُ بِمَا يَحْصُلُ فِي الْقُلُوبِ حَالَ الْعَمَلِ. [١٨/ ٢٨٢ - ٢٨٣]

стр. 1655

٢١٧٩ - إنْ كَانَ الْعَابِدُ يَعْبُدُ بِغَيْرِ عِلْمٍ: فَقَد يَكُونُ شَرًّا مِن الْعَالِمِ الْفَاسِقِ، وَقَد يَكُونُ الْعَالِمُ الْفَاسِقُ شَرًّا مِنْهُ. وَإِن كَانَ يَعْبُدُ اللهَ بِعِلْم فَيُؤَدِّي الْوَاجِبَاتِ وَيَتْرُكُ الْمُحَرَّمَاتِ: فَهُوَ خَيْرٌ مِن الْفَاسِقِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ لِلْعَالِمِ الْفَاسِقِ حَسَنَاتٌ تَفْضُلُ عَلَى سَيِّئَاتِهِ، بِحَيْثُ يَفْضُلُ لَهُ مِنْهَا أَكْثَرُ مِن حَسَنَاتِ ذَلِكَ الْعَابِدِ (١). [٢٣/ ٦١] ٢١٨٠ - أَصْلُ الْعَمَلِ: عَمَلُ الْقَلْبِ، وَهُوَ الْحُبُّ وَالتَّعْظِيم الْمُنَافِي لِلْبُغْضِ وَالِاسْتِكْبَارِ. [٢٨/ ١٧٨] ٢١٨١ - كَانَ السَّلَفُ يَرَوْنَ أَنَّ مَن انْحَرَفَ مِن الْعُلَمَاءِ عَن الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ فَفِيهِ شَبَةٌ مِن الْيَهُودِ، وَمَن انْحَرَفَ مِن الْعُبَّادِ فَفِيهِ شَبَهٌ مِن النَّصَارَى. [١/ ٦٥] ٢١٨٢ - الْإِلَهَ: هُوَ الْمَأْلُوهُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ أَنْ يُؤَلَّهَ فَيُعْبَدَ (٢)، وَالْعِبَادَةُ تَجْمَعُ غَايَةَ الذُّلِّ وَغَايَةَ الْحُبِّ، وَهَذَا لَا يَسْتَحِقُّهُ إلَّا هُوَ. وَهُوَ سُبْحَانَهُ يَحْمَدُ نَفْسَهُ، ويُثْنِي عَلَى نَفْسِهِ، وَيُمَجِّدُ نَفْسَة، وَيَفْرَحُ بِتَوْبَةِ التَّائِبِينَ، وَيَرْضَا عَن عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ. وَالْحَمْدُ: هُوَ الْإِخْبَارُ بِمَحَاسِنِ الْمَحْمُودِ مَعَ الْمَحَبَّةِ لَهَا. فَلَو أَخْبَرَ فخْبِرٌ بِمَحَاسِنِ غَيْرِهِ مِن غَيْرِ مَحَبَّةٍ لَهَا: لَمْ يَكُن حَامِدًا. وَلَو أَحَبَّهَا وَلَمْ يُخْبِرْ بِهَا: لَمْ يَكُن حَامِدًا. وَالرَّبُّ إذَا حَمِدَ نَفْسَهُ فَذَكَرَ أَسْمَاءَهُ الْحُسْنَى وَصِفَاتِهِ الْعُلَى وَأَفْعَالَهُ الْجَمِيلَةَ، وَأَحَبَّ نَفْسَهُ الْمُقَدَّسَةَ، فَكَانَ هُوَ الْحَامِدَ وَالْمَحْمُودَ، وَالْمُثْنِي وَالْمُثْنَى

стр. 1656

عَلَيْهِ، وَالْمُمَجِّدَ وَالْمُمَجَّدَ، وَالْمُحِبَّ وَالْمَحْبُوبَ: كَانَ هَذَا غَايَةَ الْكَمَالِ الَّذِي لَا يَسْتَحِقُّهُ غَيْرُهُ، وَلَا يُوصَفُ بِهِ إلَّا هُوَ. [٨/ ٣٧٨ - ٣٧٩] ٢١٨٣ - إنَّ الْأَحْكَامَ الَّتِي تَحْتَاجُ الْأُمَّةُ إلَى مَعْرِفَتِهَا لَا بُدَّ أَنْ يُبَيِّنَهَا الرَّسُولُ ﷺ بَيَانًا عَامًّا، وَلَا بُدَّ أَنْ تَنْقُلَهَا الْأُمَّةُ، فَإِذَا انْتَفَى هَذَا: عُلِمَ أَنَّ هَذَا لَيْسَ مِن دِينِهِ، وَهَذَا كَمَا يُعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَفْرِضْ صِيَامَ شَهْرٍ غَيْرِ رَمَضَانَ، وَلَا حَجَّ بَيْتٍ غَيْرِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ، وَلَا صَلَاةً مَكْتُوبَةً غَيْرَ الْخَمْسِ، وَلَمْ يُوجِب الْغُسْل فِي مُبَاشَرَةِ الْمَرْأَةِ بِلَا إنْزَالٍ، وَلَا أَوْجَبَ الْوُضُوءَ مِن الْفَزَعِ الْعَظِيمِ وَإِن كَانَ فِي مَظِنَّةِ خُرُوجِ الْخَارجِ. [٢٥/ ٢٣٦ - ٢٣٧] ٢١٨٤ - الْأَحْكَامُ الَّتِي تَعُمُّ بِهَا الْبَلْوَى لَا بُدَّ أَنْ يُبَيِّنَهَا الرَّسُولُ ﷺ بَيَانًا عَامًّا وَلَا بُدَّ أَنْ تَنْقُلَ الْأُمَّةُ ذَلِكَ. [٢٥/ ٢٤١] ٢١٨٥ - إِنَّ الْمَشْرُوعَ الْمَأْمُورَ بِهِ الَّذِي يُحِبُّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ ﷺ هُوَ الِاقْتِصَادُ فِي الْعِبَادَةِ. قَالَ أُبي بْنُ كَعْبٍ: "اقْتِصَادٌ فِي سُنَّةٍ خَيْرٌ مِن اجْتِهَادٍ فِي بِدْعَةٍ". فَمَتَى كانت الْعِبَادَةُ تُوجِبُ لَهُ ضَرَرًا يَمْنَعُهُ عَن فِعْلِ وَاجِبٍ أَنْفَعَ لَهُ مِنْهَا كَانَت مُحَرَّمَةً، مِثْلُ أَنْ يَصُومَ صَوْمًا يُضْعِفُهُ عَن الْكَسْبِ الْوَاجِبِ، أَو يَمْنَعُهُ عَن الْعَقْلِ أَو الْفَهْمِ الْوَاجِبِ، أَو يَمْنَعُهُ عَن الْجِهَادِ الْوَاجِب، وَكَذَلِكَ إذَا كَانَت تُوقِعُهُ فِي مَحَلٍّ مُحَرَّمٍ لَا يُقَاوِمُ مَفْسَدَتَهُ مَصْلَحَتُهَا، مِثْلُ أَنْ يُخْرِجَ مَالَهُ كُلَّهُ ثُمَّ يَسْتَشْرِفُ إلَى أَمْوَالِ النَّاسِ وَيَسْأَلُهُمْ. وَأَمَّا إنْ أَضْعَفَتْهُ عَمَّا هُوَ أَصْلَحُ مِنْهَا وَأَوْقَعَتْهُ فِي مَكْرُوهَاتٍ فَإِنَّهَا مَكْرُوهَةٌ. وَقَد أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧)﴾ [المائدة: ٨٧] فَإِنَّهَا نَزَلَتْ فِي أَقْوَامٍ مِن الصَّحَابَةِ كَانُوا قَد اجْتَمَعُوا وَعَزَمُوا عَلَى التَّبَتُّلِ لِلْعِبَادَةِ: هَذَا يَسْرُدُ الصَّوْمَ، وَهَذَا يَقُومُ اللَّيْلَ كُلَّهُ، وَهَذَا يَجْتَنِبُ أَكْلَ اللَّحْمِ، وَهَذَا يَجْتَنِبُ النِّسَاءَ،

стр. 1657

فَنَهَاهُم اللهُ عَن تَحْرِيمِ الطَّيِّبَاتِ مَن أَكْلِ اللَّحْمِ وَالنِّسَاءِ، وَعَن الِاعْتِدَاءِ وَهُوَ الزِّيَادَةُ عَلَى الدِّينِ الْمَشْرُوعِ فِي الصِّيَامِ وَالْقِيَامِ وَالْقِرَاءَةِ وَالذِّكْرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَالزِّيَادَةُ فِي التَّحْرِيمِ عَلَى مَا حُرِّمَ، وَالزِّيَادَةُ فِي الْمُبَاحِ عَلَى مَا أُبِيحُ. ثمَّ إنَّهُ أَمَرَهُم بَعْدَ هَذَا بِكَفَّارَةِ مَا عَقَدُوهُ مِن الْيَمِينِ عَلَى هَذَا التَّحْرِيمِ وَالْعُدْوَانِ. [٢٥/ ٢٧٢ - ٢٧٣] ٢١٨٦ - مَن أَذَلَّ نَفْسَهُ للهِ فَقَد أَعَزَّهَا، وَمَن بَذَلَ الْحَقَّ مِن نَفْسِهِ فَقَد أَكْرَمَ نَفْسَهُ؛ فَإِنَّ أَكْرَمَ الْخَلْقِ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاهُمْ، وَمَن اعْتَزَّ بِالظُّلْمِ مِن مَنْعِ الْحَقِّ وَفِعْلِ الْإِثْم فَقَد أَذَلَّ نَفْسَهُ وَأَهَانَهَا، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر: ١٠]. [٢٨/ ٢٣٧] ٢١٨٧ - الْمُؤْمِنُ إذَا كَانَت لَهُ نِيَّةٌ أَتَتْ عَلَى عَامَّةِ أَفْعَالِهِ، وَكَانَت الْمُبَاحَاتُ مِن صَالِحِ أَعْمَالِهِ؛ لِصَلَاحِ قَلْبِهِ وَنِيَّتِهِ، وَالْمُنَافِقُ -لِفَسَادِ قَلْبِهِ وَنِيَّتِهِ- يُعَاقَبُ عَلَى مَا يُظْهِرُ مِن الْعِبَادَاتِ رَياءً. [٢٨/ ٣٦٩] * * * (النَّاسُ فِي آخِرِ اللَّيْلِ يَكُونُ فِي قُلُوبِهِم التَّوَجُّه وَالتَّقَرُّب وَالرِّقَّة) ٢١٨٨ - النَّاسُ فِي آخِرِ اللَّيْلِ يَكُونُ فِي قُلُوبِهِم مِن التَّوَجُّهِ وَالتَّقَرُّبِ وَالرِّقَّةِ مَا لَا يُوجَدُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَهَذَا مُنَاسِبٌ لِنُزُولِهِ إلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا وَقَوْلِهِ: "هَل مِن دَاعٍ؟ هَل مِن سَائِلٍ؟ هَل مِن تَائِبٍ"؟. [٥/ ٢٤١] * * * (فضائل الأعمال) ٢١٨٩ - خَيْرُ الْأَعْمَالِ مَا كَانَ للهِ أَطْوَعَ، وَلصاحِبِهِ أَنْفَعَ، وَقَد يَكُونُ ذَلِكَ أَيْسَرَ الْعَمَلَيْنِ، وَقَد يَكُونُ أَشَدَّهُمَا، فَلَيْسَ كُلُّ شَدِيدٍ فَاضِلًا وَلَا كُلُّ يَسِيرٍ مَفْضُولًا؛ بَل الشَّرْعُ إذَا أَمَرَنَا بِأَمْرٍ شَدِيدٍ فَإِنَّمَا يَأْمُرُ بِهِ لِمَا فِيهِ مِن الْمَنْفَعَةِ، لَا لِمُجَرَّدِ تَعْذِيبِ النَّفْسِ.

стр. 1658

وَأَمَّا مُجَرَّدُ تَعْذِيبِ النَّفْسِ وَالْبَدَنِ مِن غَيْرِ مَنْفَعَةٍ رَاجِحَةٍ فَلَيْسَ هَذَا مَشْرُوعًا لنا؛ بَل أَمَرَنَا اللهُ بِمَا يَنْفَعُنَا وَنَهَانَا عَمَّا يَضُّرنَا. [٢٢/ ٣١٣ - ٣١٤] ٢١٩٠ - مَعْلُومٌ أَنَّ الصَّلَاةَ "أَفْضَلُ الْعِبَادَاتِ" كَمَا فِي "الصَّحِيحَيْنِ" عَن ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: قُلْت لِلنَّبِيِّ ﷺ : أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إلَى اللهِ؟ قَالَ: "الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا". وَثَبَتَ أَيْضًا فِي "الصَّحِيحَيْنِ" عَنْهُ أَنَّهُ جَعَلَ أَفْضَلَ الْأَعْمَالِ إيمَانٌ بِاللهِ وَجِهَادٌ فِي سَبِيلِهِ ثُمَّ الْحَجُّ الْمَبْرُورُ. وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا؛ فَإِنَّ الصَّلَاةَ دَاخِلَةٌ فِي مُسَمَّى الْإِيمَانِ بِاللهِ، كَمَا دَخَلَتْ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] قَالَ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ وَغَيْرُهُ مِن السَّلَفِ: أَيْ: صَلَاتُكُمْ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ. وَلهَذَا كَانَت الصَّلَاةُ كَالْإِيمَانِ لَا تَدْخُلُهَا النِّيَابَةُ بِحَال، فَلَا يُصَلِّي أَحَدٌ عَن أَحَدٍ الْفَرْضَ لَا لِعُذْر وَلَا لِغَيْرِ عُذْرٍ، كَمَا لَا يُؤْمِنُ أَحَدٌ عَنْهُ وَلَا تَسْقُطُ بِحَال كَمَا لَا يَسْقُطُ الْإِيمَان؛ بَل عَلَيْهِ الصَّلَاةُ مَا دَامَ عَقْلُهُ حَاضِرًا وَهُوَ مُتَمَكِّنٌ مِن فِعْل بَعْضِ أَفْعَالِهَا، فَإِذَا عَجَزَ عَن جَمِيعِ الْأَفْعَالِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْأَقْوَالِ فَهَل يُصَلِّي بِتَحْرِيكِ طَرْفِهِ وَيَسْتَحْضِرُ الْأَفْعَالَ بِقَلْبِهِ؟ فِيهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ، وإِن كَانَ الْأَظْهَرُ أَنَّ هَذَا غَيْرُ مَشْرُوعٍ. [١٠/ ٤٣٩ - ٤٤٠] ٢١٩١ - الْأَفْضَلُ يَتَنَوَّعُ بِتَنَوُّعِ أَحْوَالِ النَّاسِ، فَمِن الْأَعْمَالِ مَا يَكُونُ جِنْسُهُ أَفْضلَ، ثُمَّ يَكُونُ تَارَةً مَرْجُوحًا أَو مَنْهِيًّا عَنْهُ؛ كَالصَّلَاةِ، فَإِنَّهَا أَفْضَلُ مِن قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ أَفْضَلُ مِن الذِّكْرِ، وَالذِّكْرُ أَفْضَلُ مِن الدُّعَاءِ، ثُمَّ الصَّلَاةُ فِي أَوْقَاتِ النَّهْيِ -كَمَا بَعْدَ الْفَجْرِ وَالْعَصْرِ وَوَقْتِ الْخُطْبَةِ- مَنْهِيٌّ عَنْهَا، وَالِاشْتِغَالُ حِينَئِذٍ إمَّا بِقِرَاءَةٍ أَو ذِكْرٍ أَو دُعَاءٍ أَو اسْتِمَاعٍ أَفْضَلُ مِن ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ أَفْضَلُ مِن الذِّكْرِ، ثُمَّ الذِّكْرُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ هُوَ الْمَشْرُوعُ دُونَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ. [٢٢/ ٣٠٨ - ٣٠٩]

стр. 1659

٢١٩٢ - تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ أَيُّمَا أَفْضَلُ: كَثْرَةُ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ أَو طُولُ الْقِيَامِ أَو هُمَا سَوَاءٌ؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ عَن أَحْمَد وَغَيْرِهِ: الصَّحِيحُ: أَنَّهُمَا سَوَاءٌ، الْقِيَامُ فِيهِ أَفْضَلُ الْأَذْكَارِ، وَالسُّجُودُ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ فَاعْتَدَلَا؛ وَلهَذَا كَانَت صَلَاةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ مُعْتَدِلَةً يَجْعَلُ الْأَرْكَانَ قَرِيبًا مِن السِّوَاءِ. [١٤/ ٦] ٢١٩٣ - الْأَفْضَلُ لَهُ [أي: للمسلم] مِنَ الْأَعْمَالِ مَا كَانَ أَنْفَعَ لَهُ، وَهَذَا يَتَنَوَّعُ تَنَوُّعًا عَظِيمًا، فَأَكْثَرُ الْخَلْقِ يَكُونُ الْمُسْتَحَبُّ لَهُم مَا لَيْسَ هُوَ الْأَفْضَلَ مُطْلَقًا؛ إذ أَكْثَرُهُم لَا يَقْدِرُونَ عَلَى الْأَفْضَلِ وَلَا يَصْبِرُونَ عَلَيْهِ إذَا قَدَرُوا عَلَيْهِ، وَقَد لَا يَنْتَفِعُونَ بِهِ؛ بَل قَد يَتَضَرَّرُونَ إذَا طَلَبُوهُ، مِثْلُ مَن لَا يُمْكِنُهُ فَهْمُ الْعِلْمِ الدَّقِيقِ إذَا طَلَبَ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ قَد يُفْسِدُ عَقْلَهُ وَدِينَهُ، أَو مَن لَا يُمْكنُهُ الصَّبْرُ عَلَى مَرَارَةِ الْفَقْرِ، وَلَا يُمْكِنُهُ الصَّبْرُ عَلَى حَلَاوَةِ الْغِنَى، أَو لَا يَقْدِرُ عَلَى دَفْعِ فِتْنَةِ الْوِلَايةِ عَن نَفْسِهِ وَالصَّبْرِ عَلَى حُقُوقِهَا (١). [١٩/ ١١٩] ٢١٩٤ - فَضَائِلُ الْأَعْمَالِ إنَّمَا هِيَ بِنَتَائِجِهَا وَعَوَاقِبِهَا لَا بِصُوَرِهَا (٢). [٤/ ٤٣٤] ٢١٩٥ - أَفْضَلُ الْجِهَادِ وَالْعَمَلِ الصَّالِح: مَا كَانَ أَطْوَعَ لِلرَّبِّ وَأَنْفَعَ لِلْعَبْدِ، فَإِذَا كَانَ يَضُرُّهُ ويمْنَعُهُ مِمَّا هُوَ أَنْفَع مِنْهُ لَمْ يَكُن ذَلِكَ صَالِحًا. [٢٢/ ٣٠٠] ٢١٩٦ - إِنَّ جِنْسَ الدُّعَاءِ الَّذِي هُوَ ثَنَاءٌ وَعِبَادَةٌ أَفْضَلُ مِن جِنْسِ الدُّعَاءِ الَّذِي هُوَ سُؤَالٌ وَطَلَبٌ، وَإِن كَانَ الْمَفْضُولُ قَد يُفَضَّلُ عَلَى الْفَاضِلِ فِي مَوْضِعِهِ الْخَاصِّ بِسَبَبِ وَبِأَشْيَاءَ أُخَرَ، كَمَا أَنَّ الصَّلَاةَ أَفْضَلُ مِن الْقِرَاءَةِ، وَالْقِرَاءَةَ أَفْضَلُ مِن الذِّكْرِ الَّذِي هُوَ ثَنَاءٌ، وَالذِّكْرَ أَفْضَلُ مِن الدُّعَاءِ الَّذِي هُوَ سُؤَالٌ، وَمَعَ هَذَا

стр. 1660

فَالْمَفْضُولُ لَهُ أَمْكنَةٌ وَأَزْمِنَةٌ وَأَحْوَالٌ يَكُونُ فِيهَا أَفْضَلَ مِن الْفَاضِلِ. ٢١٩٧ - لَكِنَّ أَوَّلَ الدِّينِ وَآخِرَهُ وَظَاهِرَهُ وَبَاطِنَهُ هُوَ التَّوْحِيدُ، وَإِخْلَاصُ الدِّينِ كُلِّهِ للهِ هُوَ تَحْقِيقُ قَوْلِ: لَا إلَهَ إلَّا اللهُ. [١٠/ ٢٦٣ - ٢٦٤] ٢١٩٨ - السُّكُوتُ بِلَا قِرَاءَةٍ وَلَا ذِكْرٍ وَلَا دُعَاءٍ لَيْسَ عِبَادَةً وَلَا مَأْمُورًا بِهِ؛ بَل يَفْتَحُ بَابَ الْوَسْوَسَةِ؛ فَالِاشْتِغَالُ بِذِكْرِ اللهِ أَفْضَلُ مِن السُّكوتِ، وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ مِن أَفْضَلِ الْخَيْرِ. [٢٣/ ٢٨٥ - ٢٨٦] * * * (مسألة تفضيل بعض الأعمال على بعض) ٢١٩٩ - قَد يَكُونُ الْعَمَلُ الْمَفْضُولُ أَفْضَلَ بِحَسَبِ حَالِ الشَّخْصِ الْمُعَيَّنِ؛ لِكَوْنِهِ عَاجِزًا عَن الْأَفْضَلِ، أَو لِكَوْنِ مَحَبَّتِهِ وَرَغْبَتِهِ وَاهْتِمَامِهِ وَانْتِفَاعِهِ بِالْمَفْضُولِ أَكْثَرَ، فَيَكُونُ أَفْضَلَ فِي حَقِّهِ لِمَا يَقْتَرِنُ بِهِ مِن مَزِيدِ عَمَلِهِ وَحُبِّهِ وَإِرَادَتِهِ وَانْتِفَاعِهِ، كَمَا أَنَّ الْمَرِيضَ يَنْتَفِعُ بِالدَّوَاءِ الَّذِي يَشْتَهِيهِ مَا لَا يَنْتَفِعُ بِمَا لَا يَشْتَهِيهِ وَإِن كَانَ جِنْسُ ذَلِكَ أَفْضَلَ. وَمِن هَذَا الْبَابِ صَارَ الذِّكْرُ لِبَعْضِ النَّاسِ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ خَيْرًا مِن الْقِرَاءَةِ، وَالْقِرَاءَةُ لِبَعْضِهِمْ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ خَيْرًا مِن الصَّلَاةِ وَأَمْثَالُ ذَلِكَ؛ لِكَمَالِ انْتِفَاعِهِ بِهِ لَا لِأَنَّهُ فِي جِنْسِهِ أَفْضَلُ. وَهَذَا الْبَابُ: "بَابُ تَفْضِيلِ بَعْضِ الْأَعْمَالِ عَلَى بَعْضٍ" إنْ لَمْ يُعْرَفْ فِيهِ التَّفْضِيلُ (١)، وَأَنَّ ذَلِكَ قَد يَتَنَوَّعُ بِتَنَوُّعِ الْأَحْوَالِ فِي كَثِيرٍ مِن الْأَعْمَالِ وَإِلَّا وَقَعَ فِيهَا اضْطِرَابٌ كَثِيرٌ. فَإِنَّ فِي النَّاسِ مَن إذَا اعْتَقَدَ اسْتِحْبَابَ فِعْلٍ وَرُجْحَانَهُ يُحَافِظُ عَلَيْهِ مَا لَا يُحَافِظُ عَلَى الْوَاجِبَاتِ، حَتَّى يَخْرُجَ بِهِ الْأَمْرُ إلَى الْهَوَى وَالتَّعَصُّبِ وَالْحَمِيَّةِ

стр. 1661

الْجَاهِلِيَّةِ، كَمَا تَجِدُهُ فِيمَن يَخْتَارُ بَعْضَ هَذِهِ الْأُمُورِ فَيَرَاهَا شِعَارًا لِمَذْهَبِهِ. [٢٤/ ١٩٨ - ١٩٩] ٢٢٠٠ - هُنَا أَصْلٌ يَنْبَغِي أَنْ نَعْرِفَة: وَهُوَ أَنَّ الشَّيءَ إذَا كَانَ أَفْضَلَ مِن حَيْثُ الْجُمْلَة لَمْ يَجِبْ أَنْ يَكُونَ أَفْضَلَ فِي كُلِّ حَالٍ وَلَا لِكُلِّ أَحَدٍ؛ بَل الْمَفْضُولُ فِي مَوْضِعِهِ الَّذِي شُرعَ فِيهِ أَفْضَلُ مِن الْفَاضِلِ الْمُطْلَقِ، كَمَا أَنَّ التَّسْبِيحَ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ أَفْضَلُ مِن قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَمِن التَّهْلِيلِ وَالتَّكبِيرِ، وَالتَّشَهُّدِ فِي آخِرِ الصَّلَاةِ وَالدُّعَاءُ بَعْدَهُ أَفْضَلُ مِن قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ. [٢٤/ ٢٣٦] وَكَذَلِكَ أَيْضًا: أَكْثَز النَّاسِ يَعْجِزُونَ عَن أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ، فَلَو أُمِرُوا بِهَا لَفَعَلُوهَا عَلَى وَجْهٍ لَا يَنْتَفِعُونَ بِهِ، أَو يَنْتَفِعُونَ انْتِفَاعًا مَرْجُوحًا، فَيَكُونُ فِي حَقِّ أَحَدِ هَؤُلَاءِ الْعَمَلُ الَّذِي يُنَاسِبُهُ وينْتَفِعُ بِهِ أَفْضَلُ لَهُ مِمَّا لَيْسَ كَذَلِكَ. * * * (القاعدة في صفات العبادات وفوائد العمل بها) ٢٢٠١ - قَاعِدَتُنَا فِي هَذَا الْبَاب أَصَحُّ الْقَوَاعِدِ: أَنَّ جَمِيعَ صِفَاتِ الْعِبَادَاتِ مِن الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ إذَا كَانَت مَأْثُورَةً أَثَرًا يَصِحُّ التَّمَسُّكُ بِهِ لَمْ يُكرَهْ شَيءٌ مِن ذَلِكَ؛ بَل يُشْرَعُ ذَلِكَ كُلُّهُ، كَمَا قُلْنَا فِي أَنْوَاعِ صَلَاةِ الْخَوْفِ، وَفِي نَوْعَي الْأَذَانِ: التَّرْجِيعِ وَتَرْكِهِ، وَنَوْعَي الْإِقَامَةِ شَفْعِهَا وَإِفْرَادِهَا، وَكَمَا قُلْنَا فِي أَنْوَاعِ التَّشَهُّدَاتِ، وَأَنْوَاعِ الِاسْتِفْتَاحَاتِ، وَأَنْوَاعِ الِاسْتِعَاذَاتِ، وَأَنْوَاعِ الْقِرَاءَاتِ، وَأَنْوَاعِ تَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ الزَّوَائِدِ، وَأَنْوَاعِ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ، وَسُجُودِ السَّهْوِ، وَالْقُنُوتِ قَبْلَ الرُّكُوعِ وَبَعْدَهُ، وَالتَّحْمِيدِ بِإِثْبَاتِ الْوَاوِ وَحَذْفِهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ. لَكِنْ قَد يُسْتَحَبُّ بَعْضُ هَذ الْمَأْثُورَاتِ وَيُفَضَّلُ عَلَى بَعْضٍ إذَا قَامَ دَلِيلٌ يُوجِبُ التَّفْضِيلَ وَلَا يُكْرَهُ الْآخَرُ. وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْمُكَلَّفُ أَنْ يَجْمَعَ فِي الْعِبَادَةِ الْمُتَنَوِّعَةِ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ فِي الْوَقْتِ الْوَاحِدِ، لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَأْتِيَ بِتَشَهُّدَيْنِ مَعًا، وَلَا بِقِرَاءَتَيْنِ مَعًا، وَلَا

стр. 1662

بِصَلَاتَيْ خَوْفٍ مَعًا، وَإِن فَعَلَ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ كَانَ ذَلِكَ مَنْهِيًّا عَنْهُ؛ فَالْجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ مُحَرَّمٌ تَارَةً، وَمَكْرُوةٌ أُخْرَى، وَلَا تَنْظُرْ إلَى مَن قَد يَسْتَحِبُّ الْجَمْعَ فِي بَعْضِ ذَلِكَ، مِثْلُ مَا رَأَيْت بَعْضَهُم قَد لَفَّقَ أَلْفَاظَ الصَّلَوَاتِ عَلَى النَّبِيِّ الْمَأْثُورَةِ عَن النَّبِيِّ ﷺ وَاسْتَحَبَّ فِعْلَ ذَلِكَ الدُّعَاءِ الْمُلَفَّقِ. فَإِنَّ هَذَا أَوَّلًا: لَيْسَ سُنَّةً؛ بَل خِلَافُ الْمَسْنُونِ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ جَمِيعَهُ جَمِيعًا، وَإِنَّمَا كَانَ يَقُولُ هَذَا تَارَةً وَهَذَا تَارَةً، إنْ كَانَ الْأَمْرَانِ ثَابِتَيْنِ عَنْهُ؛ فَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا لَيْسَ سُنَّةً؛ بَل بِدْعَةٌ وَإِن كَانَ جَائِزًا (١). الثَّانِي: أَنَّ جَمْعَ أَلْفَاظِ الدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ الْوَاحِدِ عَلَى وَجْهِ التَّعَبُّدِ، مِثْلُ جَمْعِ حُرُوفِ الْقُرَّاءِ كُلِّهِمْ لَا عَلَى سَبِيلِ الدَّرْسِ وَالْحِفْظِ، لَكِنْ عَلَى سَبِيلِ التِّلَاوَةِ وَالتَّدَبُّرِ مَعَ تَنَوُّعِ الْمَعَانِي؛ مِثْل أَنْ يَقْرَأَ فِي الصَّلَاةِ: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة: ١٠]. ﴿بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾. ﴿رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ [سبأ: ١٩] ﴿بَعِّدْ بَيْنِ أَسْفَارِنَا﴾. ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧] ﴿آصَارَهُم﴾. وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا بِدْعَةٌ مَكْرُوهَةٌ قَبِيحَةٌ (٢). وَإِذَا كَانَت هَذِهِ الْعِبَادَاتُ الْقَوْلِيَّةُ أَو الْفِعْلِيَّةُ لَا بُدَّ مِن فِعْلِهَا عَلَى بَعْضِ الْوُجُوهِ كَمَا لَا بُدَّ مِن قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ عَلَى بَعْضِ الْقِرَاءَاتِ: لَمْ يَجِبْ أَنْ يَكونَ كُلُّ مَن فَعَلَ ذَلِكَ عَلَى بَعْضِ الْوُجُوهِ إنَّمَا يَفْعَلُهُ عَلَى الْوَجْهِ الْأَفْضَلِ عِنْدَهُ، أَو قَد لَا يَكُونُ فِيهَا أَفْضَلَ. وَإِنَّمَا ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الطُّرُقِ إلَى مَكَّةَ (٣)، فَكُلُّ أَهْلِ نَاحِيَةٍ يَحُجُّونَ مِن

стр. 1663

طَرِيقِهِمْ، وَلَيْسَ اخْتِيَارُهُم لِطَرِيقِهِمْ لِأَنَّهَا أَفْضَلُ، بِحَيْثُ يَكُونُ حَجُّهُم أَفْضَلَ مِن حَجِّ غَيْرِهِمْ؛ بَل لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِن طَرِيقٍ يَسْلُكُونَهَا فَسَلَكُوا هَذِهِ إمَّا لِيُسْرِهَا عَلَيْهِمْ، وَإِمَّا لِغَيْرِ ذَلِكَ، وَإِن كَانَ الْجَمِيعُ سَوَاءً. فَيَنْبَغِي أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ اخْتِيَارِ بَعْضِ الْوُجُوهِ الْمَشْرُوعَةِ لِفَضْلِهِ فِي نَفْسِهِ عِنْدَ مُخْتَارِهِ، وَبَيْنَ كَوْنِ اخْتِيَارِ وَاحِدٍ مِنْهَا ضَرُورِيًّا. وَالْمُرَجَّحُ لَهُ عِنْدَهُ: سُهُولَتُهُ عَلَيْهِ أَو غَيْرُ ذَلِكَ. وَالسَّلَفُ كَانَ كُلّ مِنْهُم يَقْرَأُ وَيُصَلِّي ويدْعُو ويذْكُرُ عَلَى وَجْهٍ مَشْرُوعٍ، وَأَخَذَ ذَلِكَ الْوَجْهَ عَنْهُ أَصْحَابُهُ وَأَهْلُ بُقْعَتِهِ، وَقَد تَكُونُ تِلْكَ الْوُجُوهُ سَوَاءً، وَقَد يَكُونُ بَعْضُهَا أَفْضَلَ، فَجَاءَ فِي الْخَلَفِ مَن يُرِيدُ أَنْ يَجْعَلَ اخْتِيَارَهُ لِمَا اخْتَارَهُ لِفَضْلِهِ، فَجَاءَ الْآخَرُ فَعَارَضَهُ فِي ذَلِكَ، وَنَشَأَ مِن ذَلِكَ أَهْوَاءٌ مُرْدِيَةٌ مُضِلَّةٌ، فَقَد يَكُونُ النَّوْعَانِ سَوَاءً عِنْدَ اللهِ وَرَسُولِهِ، فَتَرَى كُلُّ طَائِفَةٍ طَرِيقَهَا أَفْضَلَ، وَتُحِبُّ مَن يُوَافِقُهَا عَلَى ذَلِكَ، وَتُعْرِضُ عَمَّن يَفْعَلُ ذَلِكَ الْآخَرَ، فَيُفَضِّلُونَ مَا سَوَّى اللهُ بَيْنَهُ، ويسَوُّونَ مَا فَضَّلَ اللهُ بَيْنَهُ، وَهَذَا بَابٌ مِن أَبْوَابِ التَّفَرُّقِ وَالِاخْتِلَافِ الَّذِي دَخَلَ عَلَى الْأُمَّةِ، وَقَد نَهَى عَنْهُ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ. فَالْوَاجِبُ أَنَّ هَذِهِ الْأَنْوَاعَ لَا يُفَضَّلُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ إلا بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ، لَا يُجْعَلُ نَفْسُ تَعْيِينٍ وَاحِدٍ مِنْهَا لِضَرُورَةِ أَدَاءِ الْعِبَادَةِ مُوجِبًا لِرُجْحَانِهِ. لَكِنْ هُنَا مَسْأَلَةٌ تَابِعَةٌ: وَهُوَ أَنَّهُ مَعَ التَّسَاوِي أَو الْفَضْلِ أَيُّمَا أَفْضَلُ لِلْإِنْسَانِ: الْمُدَاوَمَةُ عَلَى نَوْعٍ وَاحِدٍ مِن ذَلِكَ، أَو أَنْ يَفْعَلَ هَذَا تَارَةً وَهَذَا تَارَةً، كَمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَفْعَلُ؟ فَمِن النَّاسِ مَن يُدَاوِمُ عَلَى نَوْعٍ مِن ذَلِكَ مُخْتَارًا لَهُ أَو مُعْتَقِدًا أَنَّهُ أَفْضَلُ، وَيَرَى أَنَّ مُدَاوَمَتَهُ عَلَى ذَلِكَ النَّوْعِ أَفْضَلُ. وَأَمَّا أَكْثَرُهُم فَمُدَاوَمَتُهُ عَادَةٌ وَمُرَاعَاةٌ لِعَادَةِ أَصْحَابِهِ وَأَهْلِ طَرِيقَتِهِ لَا

стр. 1664

لِاعْتِقَادِ الْفَضْلِ (١). وَالصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ: التَّنَوُّعُ فِي ذَلِكَ مُتَابَعَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَإِنَّ فِي هَذَا اتِّباعًا لِلسُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَإِحْيَاءً لِسُنَّتِهِ، وَجَمْعًا بَيْنَ قُلُوبِ الْأُمَّةِ، وَأَخْذًا بِمَا فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِن الْخَاصَّةِ -: أَفْضَلُ مِن الْمُدَاوَمَةِ عَلَى نَوْعٍ مُعَيَّنٍ لَمْ يُدَاوِمْ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ لِوُجُوهِ: أَحَدُهَا: أنَّ هَذَا هُوَ اتِّبُاعُ السُّنَّةِ. الثَّانِي: أَنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ اجْتِمَاعَ قُلُوبِ الْأُمَّةِ وَائتِلَافَهَا وَزَوَالَ كَثْرَةِ التَّفَرُّقِ وَالِاخْتِلَافِ وَالْأَهْوَاءِ بَيْنَهَا. الثَّالِثُ: أَنَّ ذَلِكَ يُخْرِجُ الْجَائِزَ الْمَسْنُونَ عَن أَنْ يُشَبَّهَ بِالْوَاجِبِ، فَإِنَّ الْمُدَاوَمَةَ عَلَى الْمُسْتَحَبِّ أَو الْجَائِزِ مُشَبَّهَةٌ بِالْوَاجِبِ. وَلهَذَا أَكْثَرُ هَؤُلَاءِ الْمُدَاوِمِينَ عَلَى بَعْضِ الْأَنْوَاعِ الْجَائِزَةِ أَو الْمُسْتَحَبَّةِ لَو انْتَقَلَ عَنْهُ لنُفَرَ عَنْهُ قَلْبُهُ وَقَلْبُ غَيْرِهِ: أَكْثَرُ مِمَّا يَنْفِرُ عَن تَرْكِ كَثِيرٍ مِن الْوَاجِبَاتِ؛ لِأَجْلِ الْعَادَةِ الَّتِي جَعَلَتْ الْجَائِزَ كَالْوَاجِبِ. الرَّابعُ: أَنَّ فِي ذَلِكَ تَحْصِيلَ مَصْلَحَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِن تِلْكَ الْأَنْوَاعِ، فَإِنَّ كُلَّ نَوْعٍ لَا بُدَّ لَهُ مِن خَاصَّةٍ وَإِن كَانَ مَرْجُوحًا. الْخَامِسُ: أَنَّ فِي ذَلِكَ وَضْعًا لِكَثِيرٍ مِن الْآصَارِ وَالْأَغْلَالِ الَّتِي وَضَعَهَا الشَّيْطَانُ عَلَى الْأُمَّةِ بِلَا كِتَاب مِن اللهِ وَلَا أَثَارَةٍ مِن عِلْمٍ؛ فَإِنَّ مُدَاوَمَةَ الْإِنْسَانِ عَلَى أَمْرٍ جَائِزٍ مُرَجِّحًا لَهُ عَلَى غَيْرِهِ تَرْجِيحًا يُحِبُّ مَن يُوَافِقُهُ عَلَيْهِ وَلَا يُحِبُّ مَن لَمْ يُوَافِقْهُ عَلَيْهِ؛ بَل رُبَّمَا أَبْغَضَهُ بِحَيْثُ يُنْكِرُ عَلَيْهِ تَرْكَهُ لَهُ، وَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِتَرْكِ حُقُوقٍ لَهُ وَعَلَيْهِ: يُوجِبُ أَنَّ ذَلِكَ يَصِيرُ إصْرًا عَلَيْهِ لَا يُمْكِنُهُ تَرْكُهُ، وَغلًّا فِي عُنُقِهِ يَمْنَعُهُ أَنْ يَفْعَلَ بَعْضَ مَا أُمِرَ بِهِ، وَقَد يُوقِعُهُ فِي بَعْضِ مَا نهِيَ عَنْهُ.

стр. 1665

وَهَذَا الْقَدْرُ الَّذِي قَد ذَكَرْتُه وَاقِعٌ كَثِيرًا، فَإِنَّ مَبْدَأَ الْمُدَاوَمَةِ عَلَى ذَلِكَ يُورِثُ اعْتِقَادًا وَمَحَبًةً غَيْرَ مَشْرُوعَيْنِ، ثُمَّ يَخْرُجُ إلَى الْمَدْحِ وَالذَّمِّ وَالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ بِغَيْرِ حَقٍّ، ثُمَّ يَخْرُجُ ذَلِكَ إلَى نَوْعٍ مِن الْمُوَالَاةِ وَالْمُعَادَاةِ غَيْرِ الْمَشْرُوعَيْنِ مِن جِنْسِ أَخْلَاقِ الْجَاهِلِيَّةِ. السَّادِسُ: أَنَّ فِي الْمُدَاوَمَةِ عَلَى نَوْعٍ دُونَ غَيْرِهِ: هِجْرَانًا لِبَعْضِ الْمَشْرُوعِ، وَذَلِكَ سَبَبٌ لِنِسْيَانِهِ وَالْإِعْرَاضِ عَنْهُ، حَتَّى ئعْتَقَدَ أَنَّهُ لَيْسَ مِن الدِّينِ، بِحَيْثُ يَصِيرُ فِي نُفُوسِ كَثِيرٍ مِن الْعَامَّةِ أَنَّهُ لَيْسَ مِن الدِّينِ. وَهجْرَانُ بَعْضِ الْمَشْرُوعِ سَبَبٌ لِوُقُوعِ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ بَيْنَ الْأُمَّةِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [المائدة: ١٤]. فَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّ نِسْيَانَهُم حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ سَبَبٌ لِإِغْرَاءِ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ بَيْنَهُمْ. فَإِذَا اتَّبَعَ الرَّجُلُ جَمِيعَ الْمَشْرُوعِ الْمَسْنُونِ، وَاسْتَعْمَلَ الْأَنْوَاعَ الْمَشْرُوعَةَ هَذَا تَارَةً وَهَذَا تَارَةً: كَانَ قَد حُفِظَت السُّنَّةُ عِلْمًا وَعَمَلًا، وَزَالَتْ الْمَفْسَدَةُ الْمَخُوفَةُ مِن تَرْكِ ذَلِكَ. السَّابِعُ: أَنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ، وَالْعَدْلُ: التَّسْوِيةُ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ، وَحَرَّمَ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِهِ وَجَعَلَهُ محَرَّمًا بَيْنَ عِبَادِهِ، وَمِن أَعْظَمِ الْعَدْلِ: الْعَدْلُ فِي الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ، فَإِنَّ الْعَدْلَ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا مِن الدِّمَاءِ وَالْأَمْوَالِ كَالْقِصَاصِ وَالْمَوَارِيثِ وَإِن كَانَ وَاجِبًا وَتَرْكُهُ ظُلْمٌ فَالْعَدْلُ فِي أَمْرِ الدِّينِ أَعْظَمُ مِنْهُ، وَهُوَ الْعَدْلُ بَيْنَ شَرَائِعِ الدِّينِ وَبَيْنَ أَهْلِهِ. فَإِذَا كَانَ الشَّارعُ قَد سَوَّى بَيْنَ عَمَلَيْنِ أَو عَامِلَيْنِ: كَانَ تَفْضِيلُ أَحَدِهِمَا مِن الظُّلْمِ الْعَظِيمِ، وَإِذَا فَضَّلَ بَيْنَهُمَا كَانَت التَّسْوِيَةُ كَذَلِكَ.

стр. 1666

وَالتَّفْضِيلُ أَو التَّسْوِيَةُ بِالظَّنِّ وَهَوَى النُّفُوسِ مِن جِنْسِ دِينِ الْكُفَّارِ، فَإِنَّ جَمِيعَ أَهْلِ الْمِلَلِ وَالنِّحَلِ يُفَضِّلُ أَحَدُهُم دِينَهُ إمًا ظَنًّا وَإِمَّا هَوًى، إمَّا اعْتِقَادًا وَإِمَّا اقْتِصَادًا، وَهُوَ سَبَبُ التَّمَسُّكِ بِهِ وَذَمُّ غَيْرِهِ. فَإِذَا كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَد شَرَعَ تِلْكَ الْأَنْوَاعَ إمَّا بِقَوْلِهِ وَإِمَّا بِعَمَلِهِ، وَكَثِيرٌ مِنْهَا لَمْ يُفَضِّلْ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ: كَانَت التَّسْوِيَةُ بَيْنَهَا مِن الْعَدْلِ وَالتَّفْضِيلُ مِن الظُّلْمِ. وَكَثِيرٌ مِمَّا تتنَازَعُ الطَّوَائِفُ مِن الْأُمَّةِ فِي تَفَاضُلِ أَنْوَاعِهِ: لَا يَكُونُ بَيْنَهَا تَفَاضُلٌ بَل هِيَ مُتَسَاوَيةٌ .. ثُمَّ تَجِدُ أَحَدَهُم يَسْأَلُ: أَيُّمَا أَفْضَلُ هَذَا أَو هَذَا؟! وَهِيَ مَسْأَلَةٌ فَاسِدَةٌ، فَإِنَّ السُّؤَالَ عَن التَّعْيِينِ فَرْعُ ثُبُوتِ الْأَصْلِ، فَمَن قَالَ: إنَّ بَيْنَهُمَا تَفَاضُلًا حَتَّى نَطْلُبَ عَيْنَ الْفَاضِلِ؟ وَالْوَاجِبُ أَنْ يُقَالَ: هَذَانِ مُتَمَاثِلَانِ أَو مُتَفَاضِلَانِ، وَإِن كَانَا مُتَفَاضِلَيْنِ: فَهَل التَّفَاضُلُ مُطْلَقًا أَو فِيهِ تَفْصِيلٌ، بِحَيْثُ يَكُونُ هَذَا أَفْضَلَ فِي وَقْتٍ وَهَذَا أَفْضَلَ فِي وَقْتٍ؟ ثُمَّ إذَا كَانَت الْمَسْأَلَةُ كَمَا تَرَى فَغَالِبُ الْأَجْوِبَةِ صَادِرَةٌ عَن هَوًى وَظُنُونٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ. وَمِن أَكْبَرِ أَسْبَابِ ذَلِكَ: الْمُدَاوَمَةُ عَلَى مَا لَمْ تُشْرَع الْمُدَاوَمَةُ عَلَيْهِ (١). [٢٤/ ٢٤٢ - ٢٥٢] * * *

стр. 1667

قواعد في العبادات ٢٢٠٢ - الْأَصْلُ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ: أَنَّ مَن فَعَلَ مَحْظُورًا نَاسِيًا لَمْ يَكُن قَد فَعَلَ مَنْهِيًّا عَنْهُ، فَلَا يَبْطُلُ بِذَلِكَ شَيْءٌ مِنَ الْعِبَادَاتِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْوَطْءِ وَغَيْرِهِ، سَوَاءٌ كَانَ فِي إحْرَامٍ أَو صِيَامٍ. [٢٠/ ٥٧٣] ٢٢٠٣ - الصَّحِيح: أَنَّ كلَّ مَن فَعَلَ مَا أُمِرَ بِهِ بِحَسَبِ قُدْرَتهِ مِن غَيْرِ تَفْرِيطٍ مِنْهُ وَلَا عُدْوَانٍ فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ، لَا فِي الصَّلَاةِ وَلَا فِي الصِّيَامِ وَلَا الْحَجِّ، وَلَمْ يُوجِبِ اللهُ عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يُصَلِّيَ الصَّلَاةَ الْوَاحِدَةَ مَرَّتَيْنِ، وَلَا يَصُومَ شَهْرَيْنِ فِي عَامٍ، وَلَا يَحُجَّ حجين، إلَّا أَنْ يَكونَ مِنْهُ تَفْرِيطٌ أَو عُدْوَان (١). [٢١/ ٤٤٠ - ٤٤١] * * * طاعة الله ٢٢٠٤ - الْإِنْسَانُ إذَا كَانَ مُقِيمًا عَلَى طَاعَةِ اللهِ بَاطِنًا وَظَاهِرًا كَانَ فِي نَعِيمِ الْإِيمَانِ، وَالْعِلْمُ وَارِدٌ عَلَيْهِ مِن جِهَاتِهِ، وَهُوَ فِي جَنَّةِ الدُّنْيَا. وَكُلَّمَا كَانَ قَلْبُهُ فِي مَحَبَّةِ اللهِ وَذِكْرِهِ وَطَاعَتِهِ كَانَ مُعَلَّقًا بِالْمَحَلِّ الْأَعْلَى، فَلَا يَزَالُ فِي عُلُوٍّ مَا دَامَ كَذَلِكَ، فَإِذَا أَذْنَبَ هَبَطَ قَلْبُهُ إلَى أَسْفَلَ، فَلَا يَزَالُ فِي هُبُوطٍ مَا دَامَ كَذَلِكَ، وَوَقَعَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَمْثَالِهِ عَدَاوَةٌ؛ فَإنْ أَرَادَ اللهُ بِهِ خَيْرًا ثَابَ وَعَمِلَ فِي حَالِ هُبُوطِ قَلْبِهِ إلَى أَنْ يَسْتَقِيمَ فَيَصْعَدُ قَلْبُهُ. [١٤/ ١٦٠ - ١٦١] ٢٢٠٥ - إِنَّ جَمْعَ الْأَمْوَالِ مِنْ غَيْرِ إنْفَاقِهَا فِي مَوَاضِعِهَا الْمَأْمُورِ بِهَا، وَأَخْذَهَا مِنْ غَيْرِ وَجْهِهَا: هُوَ مِنْ نَوْعِ الْفَسَادِ. وَكَذَلِكَ الْإِنْسَانُ إذَا اخْتَارَ السُّلْطَانَ لِنَفْسِهِ بِغَيْرِ الْعَدْلِ وَالْحَقِّ: لَا يَحْصُلُ إلَّا بِفَسَادٍ وَظُلْمٍ.

стр. 1668

وَأَمَّا نَفْسُ وُجُودِ السُّلْطَانِ وَالْمَالِ الَّذِي يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللهِ، وَالْقِيَامُ بِالْحَقِّ وَالدَّارِ الْآخِرَةِ، وَيُسْتَعَانُ بِهِ عَلَى طَاعَةِ اللهِ، وَلَا يَفْتُرُ الْقَلْبُ عَن مَحَبَّةِ اللهِ وَرَسُولِهِ وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِهِ، كَمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَلَا يَصُدُّهُ عَن ذِكْرِ اللهِ: فَهَذَا مِن أَكْبَرِ نِعَمِ اللهِ تَعَالَى عَلَى عَبْدِهِ إذَا كَانَ كَذَلِكَ. وَلَكِنْ قَلَّ أَنْ تَجِدَ ذَا سُلْطَانٍ أَو مَالٍ إلَّا وَهُوَ مُبْطِئٌ مُثْبِطٌ عَن طَاعَةِ اللهِ وَمَحَبَّتِهِ، مُتَّبعٌ هَوَاهُ فِيمَا آتاهُ اللهُ. [٢٠/ ١٤٣ - ١٤٤] * * * (إذا بادرت النفس إلى الطاعة طواعية … ) ٢٢٠٦ - إذا ارتاضت نفس العبد على الطاعة وانشرحت بها وتنعمت بها وبادرت إليها طواعية ومحبة كان أفضل ممن يجاهد نفسه على الطاعات ويكرهها عليها، وهو قول الجنيد وجماعة من أهل البصرة. [المستدرك ١/ ١٥٣] * * * بَاب النِّيَّة ٢٢٠٧ - مَحل النِّيَّة الْقلب بانفاق الْأَئِمَّة الْأرْبَعَة وَغَيرهم، إِلَّا بعض الْمُتَأَخِّرين أوجب التَّلَفُّظ بهَا وَهُوَ مَسْبُوق بِالْإِجْمَاع، وَلَكِن تنازعوا هَل يسْتَحبّ التَّلَفُّظ بهَا، مَعَ انفاقهم على أَنه لَا يشرع الْجَهْر بهَا وَلَا تكرارها: فاستحب التَّلَفُّظ بهَا طَائِفَة من أَصْحَاب أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأحمد، وَلم يستحبه آخَرُونَ وَغَيرهمَا، وَهَذَا أقوى؛ فَإِن ذَلِك بِدعَة لم يَفْعَلهَا رَسُول الله ﷺ وَلَا أحد من الصَّحَابَة. وَأما مُقَارنَة النِّيَّة للتكبير فَفِيهَا قَولَانِ مشهوران أَحدهمَا: لَا يجب كَمَا هُوَ مَذْهَب أَحْمد وَغَيره. وَالثَّانِي: يجب كَمَا هُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي وَغَيره.

стр. 1669

والمقارنة الْمَشْرُوطَة قد تفسر بِوُقُوع التَّكْبِير عقيب النِّيَّة، وَهَذَا مُمكن لَا صعوبة فِيهِ؛ بَل عَامَّة النَّاس هَكَذَا يصلونَ بل هَذَا أَمر ضَرُورِيّ، وَلَو كلفوا تَركه لعجزوا عَنهُ. وَقد تفسر بانبساط أَجزَاء النِّيَّة على أَجزَاء التَّكْبِير بِحَيْثُ يكون أَولهَا مَعَ أوله وَآخِرهَا مَعَ آخِره، وَهَذَا لَا يَصح؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي عزوب النِّيَّة فِي أول الصَّلَاة وخلو أَولهَا عَن النِّيَّة الْوَاجِبَة. وَقد تفسر بِحُضُور جَمِيع النِّيَّة مَعَ جَمِيع أجزَاء التَّكْبِير، وَهَذَا قد نوزع فِي إِمْكَانه، فَمنهمْ من قَالَ: إِنَّه غير مُمكن وَلَا مَقْدُور للبشر فضلًا عَن وُجُوبه، وَلَو قيل بإمكانه فَهُوَ متعسر جدًّا فَيسْقط بالحرج. وَمِمَّا يبطل هَذَا وَالَّذِي قبله: أن المكبر يَنْبَغِي لَهُ أَن يتدبر التَّكْبِير ويتصوره فَيكون قلبه مَشْغُولًا بِمَعْنى التَّكْبِير لَا يشْغلهُ بِغَيْر ذَلِك من استحضار الْمَنوِي. والجهر بهَا وتكريرها منهيٌّ عَنهُ، وفاعله مسيء، وَإِن اعتقده دينًا فقد خرج عَن إِجْمَاع الْمُسلمين، يُعَرَّف ذَلِك، فَإِن أصر قتل، وَيجب تَعْرِيفه ذَلِك. وَلَو قَالَ: كل يعْمل فِي دينه مَا يَشْتَهِي فَهِيَ كلمة عَظِيمَة يجب أَن يُسْتَتَاب مِنْهَا أَيْضًا. فَإِن أصر على الْجَهْر بِالنِّيَّةِ عزّر، وَإِن عزل عَن الْإِمَامَة إِذا لم ينْتَه كَانَ لعزله وَجه، فقد عزل النَّبِي ﷺ إِمَامًا لأجل بزاقه فِي الْقبْلَة، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. فَإِن الإِمَام عَلَيْهِ أَن يُصَلِّي كَمَا كَانَ النَّبِي ﷺ ، لَيْسَ لَهُ أن يقْتَصر على مَا يقْتَصر عَلَيْهِ الْمُنْفَرد؛ بَل ينْهَى عَن التَّطْوِيل وَالتَّقْصِير، فَكيف إِذا أصر على مَا ينْهَى عَنهُ الإِمَام وَالْمَأْمُوم وَالْمُنْفَرد. [مختصر الفتاوى المصريّة ٩ - ١٠]

стр. 1670

٢٢٠٨ - نِيَّة الْمُؤمن خير من عمله: هَذَا قَالَه غير وَاحِد بَعضهم يرفعهُ، وَبَيَانه من وُجُوه: أَحدهَا: أَن النِّيَّة الْمُجَرَّدَة عَن الْعَمَل يُثَاب عَلَيْهَا، وَالْعَمَل بِلَا نِيَّة لَا يُثَاب عَلَيْهِ. الثانِي: أَن من رأى الْخَيْر وَعمل مقدوره مِنْهُ وَعجز عَن إكماله كَانَ لَهُ أجر عَامله؛ لقَوْله ﵊: "إِن بِالْمَدِينَةِ رجَالًا مَا سِرْثُمْ مسيرًا وَلَا قطعْتُمْ وَاديًا إِلَّا كَانُوا مَعكُمْ". الثَّالِث: أَن الْقلب ملك الْبدن، والأعضاء جُنُوده، فَإِذا طَاب الْملك طابت جُنوده، وَإِذا خبث خبثت، وَالنِّيَّة عمل الْملك. الرَّابِع: أَن تَوْبَة الْعَاجِز عَن الْمعْصِيَة تصح عِنْد أهل السُّنَّة؛ كتوبة الْمَجْبُوب من الزِّنَا وكتوبة الْأَخْرَس عَن الْقَذْف، وأصل التَّوْبَة عزم الْقلب. الْخَامِس: أَن النِّيَّة لَا يدخلهَا فَسَاد؛ فَإِن أَصْلهَا حب الله وَرَسُوله وَاِرَادَة وَجه الله، وَهَذَا بِنَفسِهِ مَحْبُوب لله وَرَسُوله، مرضيٌّ لله وَرَسُوله، والأعمال الظَّاهِرِيَّة يدخلهَا آفات كَثِيرَة، وَلهَذَا كَانَت أَعمال الْقُلُوب الْمُجَرَّدَة أفضل من أَعمال الْبدن الْمُجَرَّدَة، كَمَا قيل: قُوَّة الْمُؤمن فِي قلبه، وَضَعفه فِي جِسْمه، وَالْمُنَافِق عَكسه. [مختصر الفتاوى المصريّة ١١] * * *

стр. 1671

كتاب الطهارة ٢٢٠٩ - التحقيق أن الطهارة لها معنيان: أحدهما: الطهارة من الذنوب؛ كقوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣)﴾ [الأحزاب: ٣٣]، وقوله: ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٨٢)﴾ [الأعراف: ٨٢]. والمعنى الثاني: الطهارة الحسية بالماء والتراب، وإنما أُمر بهذه لتتحقق تلك؛ فالفاعل للمنهي عنه خرج عن مقصود الطهارة، فيستحب له إعادة الوضوء، وأما أنه ينقض كالنقض بقضاء الحاجة فلا. [المستدرك ٣/ ٣٩] باب المياه ٢٢١٠ - أَظْهَرُ الْأقْوَالِ فِي الْمِيَاهِ مَذْهَبُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ: أَنَّهُ لَا يَنْجُسُ إلَّا بِالتَّغَيُّرِ، وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَاتِ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَد، صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "الْمَاءُ لَا يَنْجُسُ"، وَنَهْيُهُ ﷺ عَنِ الْبَوْلِ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ أَو عَنِ الِاغْتِسَالِ فِيهِ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَصِيرُ نَجِسًا بِذَلِكَ؛ بَل قَد نَهَى عَنْهُ لِمَا يُفْضِي إلَيْهِ الْبَوْلُ بَعْدَ الْبَوْلِ مِن إفْسَادِهِ. [٢٠/ ٥١٨ - ٥١٩] ٢٢١١ - إنَّ الِاحْتِيَاطَ بِمُجَرَّدِ الشَّكِّ فِي أُمُورِ الْمِيَاهِ لَيْسَ مُسْتَحَبًّا وَلَا مَشْرُوعًا؛ بَل وَلَا يُسْتَحَبُّ السُّؤَالُ عَن ذَلِكَ، بَلِ الْمَشْرُوعُ أَنْ يُبْنَى الْأَمْرُ عَلَى الِاسْتِصْحَابِ، فَإِنْ قَامَ دَلِيلٌ عَلَى النَّجَاسَةِ نَجَّسْنَاهُ، وَإِلَّا فَلَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يُجْتَنَبَ اسْتِعْمَالُهُ بِمُجَرَّدِ احْتِمَالِ النَّجَاسَةِ، وَأَمَّا إذَا قَامَتْ أَمَارَةٌ ظَاهِرَةٌ فَذَاكَ مَقَامٌ آخَرُ. [٢١/ ٥٦]

стр. 1672

٢٢١٢ - اختلف العلماء في "الطهور" هل هو بمعنى "الطاهر" أم لا؟ وهذا النزاع معروف بين المتأخرين من أتباع الأئمة الأربعة. قال كثير من أصحاب مالك وأحمد والشافعي: "الطهور" متعدٍّ، و "الطاهر" لازم. وقال كثير من أصحاب أبي حنيفة: بل "الطاهر" هو "الطهور" وهو قول الخرقي. وفصل الخطاب في المسألة: أن صيغة اللزوم والتعدي لفظ مجمل، يراد به اللزوم [الظاهر] والتعدي النحوي اللفظي، ويراد به التَّعدّي الفقهي. فالأولُ أنْ يُرَادَ باللازم ما لم ينصب المفعول به، ويراد بالمتعدي ما نصب المفعول به (١)، فهذا لا تفرق العرب فيه [بين] "فاعل" و "فعول" في اللزوم [والتعدّي]. وأما التعدي [الحكمي] الفقهي: فيراد به أنَّ الماء [هو] الذي يُتطهر به في رفع الحدث، بخلاف ما كان [طاهرًا ولم يُتطهّر به] كالأدهان والألبان (٢). وعلى هذا: فلفظ "طاهر" في الشرع أعمّ من لفظ "طهور"، فكلّ طهور طاهر، وليس كل طاهر طهورًا. وقد غلط الفريقان في ظنهم أن "طهورًا" معدولٌ عن "طاهر"، وإنما هو اسم لما يُتطهر به؛ فإن العرب تقول: طَهور، ووَجور لما يُتطهر به، ويُوجَر به. وبالضم (٣): للفعل الذي هو مسمى المصدر، فطُهور صيغة مبينة لما يُفعل

стр. 1673

به، وليس معدولًا عن طاهر، ولهذا قال تعالى في إحدى الآيتين: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (٤٨)﴾ [الفرقان: ٤٨]، وقال في الآية الأخرى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال: ١١]. إذا عرفت هذا: فالطاهر يتناول الماء وغيره، وكذلك الطهور؛ فإن النبي ﷺ "جعل التراب طهورًا". ولكن لفظ "طاهر" يقع على جامدات كثيرة؛ كالثياب والأطعمة، وعلى مائعات كثيرة كالأدهان والألبان، وتلك لا يمكن أن يتطهر بها فهي طاهرة ليست بطهور. قال بعض الناس: لا فائدة في النزاع في المسألة. قال القاضي أبو يعلى: فائدته: أنه عندنا لا تجوز إزالة النجاسة بغير الماء؛ لاختصاصه بالتطهير، وعندهم يجوز ذلك لمشاركةِ غير الماء له في الطهارة (١). قال أبو العباس: وله فائدة أخرى: وهي أنَّ الماء يدفع النجاسة عن نفسه بكونه مطهِّرًا، كما دل عليه قوله ﷺ : "الماء طهور لا ينجسه شيء" (٢) وغيره ليس بطهور فلا يدفع، وعندهم الجميع سواء. وتجوز طهارة الحدث بكل ما يسمى ماء، وبمعتصر الشجر (٣)، قاله ابن أبي ليلى والأوزاعي والأصم وابن شعبان، وبالمتغير بطاهر، وهو رواية عن أحمد ﵀، وهو مذهب أبي حنيفة، وبما خلت به امرأة لطهارة، وهو رواية عن أحمد رحمه الله تعالى وهو مذهب الأئمة الثلاثة.

стр. 1674

وإن انفصل غير متغير بعد زوالها (١): فهو طاهر، وإن كان على غير الأرض فهو طاهر، وهل يكون طهورًا؟ على وجهين والوجه الثاني: أنه طهور، قال المجد: وهو الصحيح، قال الشيخ تقي الدين: هذا أقوى. [المستدرك ٣/ ٥ - ١٠] ٢٢١٣ - لو سبَّل ماءً للشرب: هل يجوز الوضوء منه مع الكراهة، أم يحرم؟ على وجهين: وقيل: يكره الغسل لا الوضوء، واختاره شيخنا. [المستدرك ٣/ ١٠] ٢٢١٤ - تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمَاءِ الْجَارِي عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَنْجُسُ إلَّا بِالتَّغَيُّرِ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ومَالِكٍ. وَالْقَوْلُ الْآخَرُ: أَنَّهُ كَالدَّائِمِ فَتُعْتَبَرُ الْجَرْيَةُ. وَالصَّوَابُ الْأَوَلُ. وَقَوْلُهُ: "إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلِ الْخَبَثَ" (٢) إنَّمَا دَلَّ عَلَى مَا دُونَهُمَا بِالْمَفْهُومِ، وَالْمَفْهُومُ لَا عُمُومَ لَهُ، فَلَا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَا دُونَ الْقُلَّتَيْنِ يَحْمِلُ الْخَبَثَ. وَإِذَا كَانَ حَوْضُ الْحَمَّامِ الْفَائِضِ: قَلِيلًا وَوَقَعَ فِيهِ بَوْلٌ أَو دَمٌ أَو عَذِرَةٌ وَلَمْ تُغَيِّرْهُ: لِمَ يُنَجِّسْهُ عَلَى الصَّحِيحِ، فَكَيْفَ بِالْمَاءِ الَّذِي جَمِيعُهُ يَجْرِي عَلَى أَرْضِ الْحَمَّامِ؟ فَإِنَّهُ إذَا وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ وَلَمْ تغَيِّرْهُ لَمْ يَنْجُسْ. [٢١/ ٧٢ - ٧٣] ٢٢١٥ - إذَا شَكَّ فِي نَجَاسَةِ الْمَاءِ، هَل يُسْتَحَبُّ الْبَحْثُ عَن نَجَاسَتِهِ؟ وَجْهَانِ: أَظْهَرُهُمَا لَا يُسْتَحَبُّ الْبَحْثُ؛ لِحَدِيثِ عُمَرَ. [٢١/ ٣٢٥] ٢٢١٦ - الْمَاءُ الْجَارِي إذَا خَالَطَتْهُ نَجَاسَةٌ فِيهِ لِلْعُلَمَاءِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا يَنْجُسُ إلَّا بِالتَّغَيُّرِ بِالنَّجَاسَةِ، وَهَذَا أَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ.

стр. 1675

وَلَيْسَ فِي الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ مَا يُوجِبُ تَنْجِيسَهُ، فَإِنَ الَّذِينَ يَقُوُلونَ: إنَّ الْمَاءَ الْجَارِيَ كَالدَّائِمِ تُعْتَبَرُ فِيهِ الْقُلَّتَانِ، فَإِذَا كَانَت الْجَرْيَةُ أَقَلَّ مِن قُلَّتَيْنِ نَجَّسَتْهُ .. فَإِنَّهُ لَا حُجَّةَ لَهُم فِي هَذَا، وَلَا أَثَرَ عَن أَحَدٍ مِن السَّلَفِ، إلَّا التَّمَسُّكُ بِقَوْلِهِ ﷺ : "إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ الْخَبَثَ" (١)، وَقِيَاسُ الْجَارِي عَلَى الدَّائِمِ، وَكِلَاهُمَا لَا حُجَّةَ فِيهِ. أَمَّا الْحَدِيثُ فَمَنْطُوُقهُ لَا حُجَّةَ فِيهِ (٢). وَالْفَرْقُ أَنَّ الْجَارِيَ لَهُ قُوَّةُ دَفْعِ النَّجَاسَةِ عَن غَيْرِهِ، فَإِنَّهُ إذَا صُبَّ عَلَى الْأَرْضِ النَّجِسَةِ طَهَّرَهَا وَلَمْ يَتَنَجَّسْ، فَكَيْفَ لَا يَدْفَعُهَا عَن نَفْسِهِ؟ وَلِأَنَّ الْمَاءَ الْجَارِيَ يُحِيلُ النَّجَاسَةَ بِجَرَيَانِهِ. [٢١/ ٣٢٦ - ٣٢٧] ٢٢١٧ - الْمَاءُ إذَا تَغَيَّرَ بِالنَّجَاسَاتِ فَإِنَّهُ يَنْجُسُ بِالِاتِّفَاقِ. وَأَمَّا مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ فَفِيهِ أَقْوَالٌ مَعْرُوفَةٌ: أَحَدُهَا: لَا يَنْجُسُ، وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ. وَهو الصَّوَابُ، وَأَنَّهُ متى عُلِمَ أَنَّ النَّجَاسَةَ قَدِ اسْتَحَالَتْ فَالْمَاءُ طَاهِرٌ، سَوَاءٌ كَانَ قَلِيلًا أَو كَثِيرًا، وَكَذَلِكَ فِي الْمَائِعَاتِ كُلِّهَا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى أَبَاحَ الطَّيِّبَاتِ وَحَرَّمَ الْخَبَائِثِ، وَالْخَبِيثُ مُتَمَيِّزٌ عَنِ الطَّيِّبِ بِصِفَاتِهِ، فَإِذَا كَانَت صِفَاتُ الْمَاءِ وَغَيْرِهِ صِفَاتِ الطَّيِّبِ دُونَ الْخَبِيثِ: وَجَبَ دُخُولُهُ فِي الْحَلَالِ دُونَ الْحَرَامِ. وَأَمَّا إذَا تَغَيَّرَ بِالنَّجَاسَةِ فَإِنَّمَا حُرِّمَ اسْتِعْمَالُهُ؛ لِأَنَّ جِرْمَ النَّجَاسَةِ بَاقٍ، فَفِي اسْتِعْمَالِهِ اسْتِعْمَالُهَا بِخِلَافِ مَا إذَا اسْتَحَالَتِ النَّجَاسَةُ فَإِنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ، وَلَيْسَ هُنَاكَ نَجَاسَةٌ قَائِمَةٌ.

стр. 1676

وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ: أَنَّهُ لَو وَقَعَ خَمْرٌ فِي مَاءٍ وَاسْتَحَالَتْ ثُمَّ شَرِبَهَا شَارِبٌ لَمْ يَكُن شَارِبًا لِلْخَمْرِ، وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ حَدُّ الْخَمْرِ؛ إذ لَمْ يَبْقَ شَيءٌ مِن طَعْمِهَا وَلَوْنِهَا وَرِيحِهَا، وَلَو صُبَّ لَبَنُ امْرَأَةٍ فِي مَاءٍ وَاسْتَحَالَ حَتَّى لَمْ يَبْقَ لَهُ أَثَرٌ وَشَرِبَ طِفْلٌ ذَلِكَ الْمَاءَ: لَمْ يَصِر ابْنَهَا مِنَ الرِّضَاعَةِ بِذَلِكَ. [٢١/ ٣٠ - ٣٣] ٢٢١٨ - النَّهْرُ الْجَارِي: إِنْ عُلِمَ أَنَّهُ مُتَغَيِّرٌ بِنَجَاسَةٍ فَإِنَّهُ يَكُونُ نَجِسًا، فَإِنْ خَالَطَهُ مَا يُغَيِّرُهُ مِن طَاهِرٍ وَنَجِسٍ وَشَكَّ فِي التَّغَيُّرِ: هَل هُوَ بِطَاهِرٍ أَو نَجِسٍ؟ لَمْ يُحْكَمْ بِنَجَاسَتِهِ بِمُجَرَّدِ الشَّكِّ. [٢١/ ٣٦] ٢٢١٩ - ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: إنَّك تَتَوَضَّأُ مِن بِئْرِ بُضاعة، وَهِيَ بِئْرٌ تُلْقَى فِيهَا الْحِيَضُ، وَلُحُومُ الْكِلَاب، وَعُذَرُ النَّاسِ؟ فَقَالَ: "الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ" وَبِئْرُ بضاعة وَاقِعَةٌ مَعْرُوفَةٌ فِي شَرْقِيِّ الْمَدِينَةِ، بَاقِيَةٌ إلَى الْيَوْمِ. وَمَن قَالَ: إنَّهَا كَانَت جَارَيةً فَقَد أَخْطَأَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُن عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ عَيْنٌ جَارِيَةٌ. [٢١/ ٣٧ - ٣٨] ٢٢٢٠ - أَيُّ بِئْرٍ وَقَعَ فِيهِ شَيْءٌ مِمَّا ذُكِرَ -كَلْبٌ أَو خِنْزِيرٌ أَو جَمَلٌ- أَو غَيْرُهُ: إنْ كَانَ الْمَاءُ لَمْ يَتَغَيَّرْ بِالنَّجَاسَةِ فَهُوَ طَاهِرٌ. فَإِنْ كانت عَيْنُ النَّجَاسَةِ بَاقِيَةً نُزِحَتْ مِنْهُ وَأُلْقِيَتْ، وَسَائِرُ الْمَاءِ طَاهِرٌ. وَشَعْرُ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ إذَا بَقِيَ فِي الْمَاءِ لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ فِي أَصَحِّ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ، فَإِنَّهُ طَاهِرٌ فِي أَحَدِ أَقْوَالِهِمْ، وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عِنْدَ أَحْمَد، وَهَذَا الْقَوْلُ أَظْهَرُ فِي الدَّلِيلِ؛ فَإِنَّ جَمِيعَ الشَّعْرِ وَالرِّيشِ وَالْوَبَرِ وَالصُّوفِ طَاهِرٌ، سَوَاءٌ كَانَ عَلَى جِلْدِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ أَو جِلْدِ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ، وَسَوَاءٌ كَانَ عَلَى حَيٍّ أَو مَيِّتٍ. [٢١/ ٣٨] وَإِذَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَوَضَّأُ مِن تِلْكَ الْبِئْرِ الَّتِي يُلْقَى فِيهَا الْحِيَضُ وَلُحُومُ الْكِلَابِ وَالنَّتْنُ: فَكَيْفَ يُشْرَعُ لَنَا أَنْ نتَنَزَّهَ عَن أَمْرٍ فَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ ؟ وَقَد ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَى مَن يَتَنَزَّهُ عَمَّا يَفْعَلُهُ وَقَالَ: "مَا بَالُ أَقْوَامٍ

стр. 1677

يَتَنَزَّهُونَ عَن أَشْيَاءَ أَترَخَّصُ فِيهَا؟ وَاللهِ إنِّي لِأَخْشَاكُمْ للهِ وَأَعْلَمُكُمْ بِحُدُودِهِ". [٢١/ ٦١] ٢٢٢١ - تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِيمَا إذَا أَكَلَتْ [أي: الهرةُ] فَأْرَةً وَنَحْوَهَا ثُمَّ وَلَغَتْ فِي مَاءٍ قَلِيلٍ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ .. قِيلَ: إنْ طَالَ الْفَصْلُ كَانَ طَاهِرًا؛ جَعْلًا لِرِيقِهَا مُطَهِّرًا لِفَمِهَا لِأَجْلِ الْحَاجَةِ، وَهَذَا قَولُ طَائِفَةٍ مِن أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَد، وَهُوَ أَقْوَى الْأَقْوَالِ. [٢١/ ٤٣] ٢٢٢٢ - مَا يَطِيرُ مِن بَدَنِ الْمُغْتَسِلِ أَو الْمُتَوَضِّئِ مِنَ الرَّشَاشِ فِي إنَاءِ الطَّهَارَةِ لَا يَجْعَلُهُ مُسْتَعْمَلًا. وَكَذَلِكَ غَمْسُ الْجُنُبِ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ النَّاقِصِ لَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا. [٢١/ ٤٧] ٢٢٢٣ - نَصَّ الْأَئِمَّةُ كَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِ عَلَى أَنَّهُ إذَا سَقَطَ عَلَيْهِ مَاءٌ مِن مِيزَابٍ وَنَحْوِهِ وَلَا أَمَارَةَ تَدُلُّ عَلَى النَّجَاسَةِ لَمْ يَلْزَمِ السُّؤَالُ عَنْهُ بَل يُكْرَهُ .. وَقَد اسْتَحَبَّ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ مِن أَصْحَابِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ السُّؤَالَ، وَهُوَ ضَعِيفٌ. [٢١/ ٥٧] ٢٢٢٤ - مَسْأَلَةُ تَغَيُّرِ الْمَاءِ الْيَسِيرِ أَو الْكَثِيرِ بِالطَّاهِرَاتِ؛ كَالْأُشْنَانِ وَالصَّابُونِ وَالسِّدْرِ والخطمي وَالتُّرَابِ وَالْعَجِينِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا قَد يُغَيِّرُ الْمَاءَ، مِثْل الْإِنَاءِ إذَا كَانَ فِيهِ أَثَرُ سِدْرٍ أَو خطمي وَوُضِعَ فِيهِ مَاءٌ فَتَغَيَّرَ بِهِ مَعَ بَقَاءِ اسْمِ الْمَاءِ: فَهَذَا فِيهِ قَوْلَانِ مَعْرُوفَانِ لِلْعُلَمَاءِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّطْهِيرُ بِهِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُتَغَيِّرِ بِأَصْلِ الْخِلْقَةِ وَغَيْرِهِ، وَلَا بِمَا يَشُقُّ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ وَلَا بِمَا لَا يَشُقُّ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ، فَمَا دَامَ يُسَمَّى مَاءً وَلَمْ يَغْلِبْ عَلَيْهِ أَجْزَاءُ غَيْرِهِ كَانَ طَهُورًا كَمَا هُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَد فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى عَنْهُ، وَهِيَ الَّتِي نَصَّ عَلَيْهَا فِي أَكْثَرِ أَجْوِبَتِهِ، وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الصَّوَابُ؛ لِأَنَّ اللهَ قَالَ: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ

стр. 1678

لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦] وَقَوْلُهُ: ﴿سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [المائدة: ٦] نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ فَيَعُمُّ كُلَّ مَا هُوَ مَاءٌ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ نَوْعٍ وَنَوْعٍ. فَإِنْ قِيلَ: إنَّ الْمُتَغَيِّرَ لَا يَدْخُلُ فِي اسْمِ الْمَاءِ؟ قِيلَ: تَنَاوُلُ الِاسْمِ لِمُسَمَّاهُ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ التَّغَيُّرِ الْأَصْلِيِّ وَالطَّارِئِ، وَلَا بَيْنَ التَّغَيُّرِ الَّذِي يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ وَاَلَّذِي لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ. [٢١/ ٢٤ - ٢٦] * * * (التخصيصُ إذا كان له سببٌ غيرُ اختصاص الحكم: لم يبق حجة) ٢٢٢٥ - التخصيص إذا كان له سبب غير اختصاص الحكم لم يبق حجة بالاتفاق؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ [الأنعام: ١٥١]، فإنه خص هذه الصورة بالنهي؛ لأنها هي الواقعة، لا لأن التحريم يختص بها. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] فذكر الرهن في هذه الصورة للحاجة لا للكثرة، مع أنه قد ثبت أن النبي ﷺ مات ودرعه مرهونة (١)، فهذا رهن في الحضر، فكذلك قوله: "إذا بلغ الماء قلتين" (٢) في جواب سؤال معين، هو بيان لما احتاج السائل إلى بيانه، فلما كان ذلك المسؤول عنه كثيرًا قد بلغ قلتين، ومن شأن الكثير أن لا يحمل الخبث فلا يبقى الخبث فيه محمولًا؛ بل يستحيل فيه الخبث لكثرته بيَّن لهم أن ما سألتم عنه لا خبث فيه فلا ينجس. * * *

стр. 1679

(معنى حديث القلتين) ٢٢٢٦ - في حديث القلتين: أنه ﷺ سئل عن الماء يكون بأرض الفلاة وما ينوبه من السباع والدواب؟ فقال: "إذا بلغ قلتين لم يحمل الخبث" (١) وفي لفظ: "لم ينجسه شيء" (٢). إذا صح: فمنطوقه موافق لغيره، وهو أن الماء إذا بلغ قلتين لم ينجسه شيء. وأما مفهومه: إذا قلنا بدلالة مفهوم العدد فإنما يدل على أن الحكم في المسكوت عنه مخالف للحكم في المنطوق بوجه من الوجوه؛ لتظهر فائدة التخصيص بالقدر المعين، ولا يشترط أن يكون الحكم في كل صورة من صور المسكوت عنه مناقضة للحكم في كل صورة من صور المنطوق، وهذا مفهوم قولهم: المفهوم لا عموم له، فلا يلزم أن يكون كل ما لم يبلغ القلتين ينجس؛ بل إذا قيل بالمخالفة في بعض الصور حصل المقصود، والمقدار الكثير لا يغيره ورود ما ورد عليه في العادة، بخلاف القليل فإنه قد يغيره. ونكتة الجواب: أن كونه يحمل الخبث أو لا يحمله أمر حسي يعرف بالحس، فإذا كان الخبث موجودًا فيه كان محمولًا، وإن كان مستهلكًا لم يكن محمولًا، فإذا علم كثرة الماء وضعف الملاقي علم أنه لا يحمل الخبث. والدليل على هذا اتفاقهم على أن الكثير إذا تغير ريحه حمل الخبث، فصار قوله: "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث" و "لم ينجسه شيء" (٣)؛ كقوله: "الماء طهور لا ينجسه شيء" (٤) وهو إنما أراد إذا لم يتغير في الموضعين، وأما إذا كان قليلًا فقد يحمل الخبث لضعفه.

стр. 1680

وعلى هذا يُخَرَّج أمرُه بتطهير الإناء إذا ولغ فيه الكلب سبعًا إحداهن بالتراب والأمر بإراقته، فإن قوله: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه" (١)، أو "فليغسله سبعًا أولاهن بالتراب" (٢)؛ كقوله: "إذا قام أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاًثا فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده" (٣). فإذا كان النهي عن غمس اليد في الإناء هو في الإناء المعتاد للغمس وهو الواحد من آنية المياه فكذلك تلك الآنية هي الآنية المعتادة للولوغ وهي آنية الماء، وذلك أنَّ الكلب يَلَغُ بلسانه شيئًا بعد شيء، فلا بد أن يبقى في الماء من ريقه ولعابه ما يبقى وهو لزج فلا يحيله الماء القليل بل يبقى، فيكون ذلك الخبث محمولًا في ماء يسير في ذلك الإناء، فيراق ذلك الماء لأجل كون الخبث محمولًا فيه لما يروى: "ويغسل الإناء الذي لاقاه ذلك الخبث". وهذا بخلاف الخبث المستهلك المستحيل كاستحالة الخمر، فإن الخمر إذا انقلبت في الدَّنِّ بإذن الله تعالى كانت طاهرة باتفاق العلماء، وكذلك جوانب الدَّنِّ، فهناك يغسل الإناء وهنا لا يغسل؛ لأن الاستحالة حصلت في أحد الموضعين دون الآخر. [المستدرك ٣/ ١٤ - ١٦] ٢٢٢٧ - "حديث القلتين": وأما علته فمن ثلاثة أوجه: أحدها: وقف مجاهد له على ابن عمر، واختلف فيه عليه واختلف فيه على عبيد الله أيضًا رفعًا ووقفًا، ورجح شيخا الإسلام أبو الحجاج المزي وأبو العباس ابن تيمية وقفه، ورجع البيهقي في سننه وقفه وجعله هو الصواب. قال شيخنا أبو العباس: وهذا كله يدل على أن ابن عمر لم يكن يحدث به عن النبي ﷺ ، ولكن سئل عن ذلك فأجاب بحضرة ابنه فنقل ذلك ابنه عنه (٤). [المستدرك ٣/ ١٧]

стр. 1681

٢٢٢٨ - مِسَاحَةُ الْقُلَّتَيْنِ ذِرَاعٌ وَرُبْعٌ، فِي ذِرَاعٍ وَرُبْعٍ، طُولًا وَعَرضًا وَعُمْقًا. [٢١/ ٥٢] * * * (النجاسة) ٢٢٢٩ - الطَّهَارَةُ وَالنَّجَاسَة نَوْعَانِ مِنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامٍ فِي اللِّبَاسِ وَنَحْوِهِ، تَابِعَانِ لِلْحَلَالِ وَالْحَرَامِ فِي الْأَطْعِمَةِ وَالْأَشْرِبَةِ، وَمَذْهَبُ أَهْلِ الْحَدِيثِ فِي هَذَا الْأَصْلِ الْعَظِيمِ الْجَامِعِ: وَسَطٌ بَيْنَ مَذْهَب الْعِرَاقِيِّينَ وَالْحِجَازِيِّينَ؛ فَإِنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ -مَالِكًا وَغَيْرَهُ- يُحَرِّمُونَ مِنَ الْأًشْرِبَةِ كُلَّ مُسْكِرٍ كَمَا صَحَّتْ بِذَلِكَ النُّصُوصُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِن وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وَلَيْسُوا فِي الْأَطْعِمَةِ كَذَلِكَ؛ بَلِ الْغَالِبُ عَلَيْهِم فِيهَا عَدَمُ التَّحْرِيمِ، فَيُبِيحُونَ الطُّيُورَ مُطْلَقًا، وَإِن كَانَت مِن ذَاتِ الْمَخَالِبِ، وَيَكْرَهُونَ كُلَّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ وَفِي تَحْرِيمِهَا عَن مَالِكٍ رِوَايَتَانِ، وَكَذَلِكَ فِي الْحَشَرَاتِ عَنْهُ: هَل هِيَ مُحَرَّمَةٌ أَو مَكْرُوهَةٌ؟ رِوَايَتَان. وَأَهْلُ الْكُوفَةِ فِي بَاب الْأَشْرِبَةِ مُخَالِفُونَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَلسَائِرِ النَّاسِ لَيْسَتِ الْخَمْرُ عِنْدَهُم إلَّا مِنَ الْعِنَبِ، وَلَا يُحَرِّمُونَ الْقَلِيلَ مِنَ الْمُسْكِرِ إلَّا أَنْ يَكُونَ خَمْرًا مِنَ الْعِنَبِ، أَو أَنْ يَكُونَ مِن نَبِيذِ التَّمْرِ أَو الزَّبِيبِ النِّيءِ، أَو يَكُونَ مِن مَطْبُوخِ عَصِيرِ الْعِنَبِ إذَا لَمْ يَذْهَبْ ثُلْثَاهُ. وَهُم فِي الْأَطْعِمَةِ فِي غَايَةِ التَّحْرِيمِ حَتَّى حَرَّمُوا الْخَيْلَ وَالضِّبَابَ. فَأَخَذَ أَهْلُ الْحَدِيثِ فِي الْأَشْرِبَةِ بِقَوْلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَسَائِرِ أَهْلِ الْأَمْصَارِ مُوَافَقَةً لِلسُّنَّةِ الْمُسْتَفِيضَةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ فِي التَّحْرِيمِ وَزَادُوا عَلَيْهِم فِي مُتَابَعَةِ السُّنَّةِ. وَأَخَذُوا فِي الْأَطْعِمَةِ بِقَوْلِ أَهْلِ الْكُوفَةِ. وَعَلِمُوا أَنَّ مَا حَرَّمَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ إنَّمَا هُوَ زِيَادَةُ تَحْرِيمٍ لَيْسَ نَسْخًا لِلْقُرْآنِ؛ لِأَنَّ الْقُرْآنَ إنَّمَا دَلَّ عَلَى أَنَّ اللهَ لَمْ يُحَرِّمْ إلَّا الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ

стр. 1682

الْخِنْزِيرِ، وَعَدَمُ التَّحْرِيمِ لَيْسَ تَحْلِيلًا، وَإِنَّمَا هُوَ بَقَاءٌ لِلْأَمْرِ عَلَى مَا كَانَ، وَهَذَا قَد ذَكَرَهُ اللهُ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ الَّتِي هِيَ مَكِّيَّةٌ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، لَيْسَ كَمَا ظَنَّهُ أَصْحَابُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ أَنَّهَا مِن آخِرِ الْقُرْآنِ نُزُولًا، وَإِنَّمَا سُورَةُ الْمَائِدَةِ هِيَ الْمُتَأَخِّرَةُ، وَقَد قَالَ اللهُ فِيهَا: ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: ٤] فَعُلِمَ أَنَّ عَدَمَ التَّحْرِيمِ الْمَذْكُورِ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ لَيْسَ تَحْلِيلًا، وَإِنَّمَا هُوَ عَفْوٌ. فَتَحْرِيمُ رَسُولِ اللهِ ﷺ رَافِعٌ لِلْعَفْوِ لَيْسَ نَسْخًا لِلْقُرْآنِ. لَكِنْ لَمْ يُوَافِقْ أَهْلُ الْحَدِيثِ الْكُوفِيِّينَ عَلَى جَمِيعِ مَا حَرَّمُوهُ؛ بَل أَحَلُّوا الْخَيْلَ لِصِحَّةِ السُّنَنِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بتَحْلِيلِهَا يَوْمَ خَيْبَرَ. وَأَحَلُّوا الضَّبَّ لِصِحَّةِ السُّنَنِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِأَنَّهُ قَالَ: "لَا أُحَرِّمُهُ" (١). فَهَذَا أَصْلٌ فِي الْخَبَائِثِ الْجسْمَانِيَّةِ وَالرُّوحَانِيَّةِ. وَأَصْلٌ آخَرُ وَهُوَ: أَنَّ الْكُوفِيِّينَ قَد عُرِفَ تَخْفِيفُهُم فِي الْعَفْوِ عَنِ النَّجَاسَةِ، فَيَعْفُونَ مِنَ الْمُغَلَّظَةِ عَن قَدْرِ الدِّرْهَمِ البغلي، وَمِنَ الْمُخَفَّفَةِ: عَن رُبُعِ الْمَحَلِّ الْمُتَنَجِّسِ. وَالشَّافِعِيُّ بِإِزَائِهِمْ فِي ذَلِكَ، فَلَا يَعْفُو عَنِ النَّجَاسَاتِ إلَّا عَن أَثَرِ الِاسْتِنْجَاءِ، وَوَنِيمِ الذُّبَابِ وَنَحْوِهِ، وَلَا يَعْفُو عَن دَمٍ وَلَا عَن غَيْرِهِ إلَّا عَن دَمِ الْبَرَاغِيثِ وَنَحْوِهِ، مَعَ أَنَّهُ يُنَجِّسُ أَرْوَاثَ الْبَهَائِمِ وَأَبْوَالَهَا وَغَيْرَ ذَلِكَ، فَقَوْلُهُ فِي النَّجَاسَاتِ نَوْعًا وَقَدْرًا أَشَدُّ أَقْوَالِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ. وَمَالِكٌ مُتَوَسِّطٌ فِي نَوْعِ النَّجَاسَةِ وَفِي قَدْرِهَا؛ فَإِنَّهُ لَا يَقُولُ بِنَجَاسَةِ الْأَرْوَاثِ وَالْأَبْوَالِ مِمَّا يُوكَلُ لَحْمُهُ، ويعْفُو عَن يَسِيرِ الدَّمِ وَغَيْرِهِ. وَأَحْمَد كَذَلِكَ، فَإِنَّهُ مُتَوَسِّطٌ فِي النَّجَاسَاتِ، فَلَا يُنَجِّسُ الْأَرْوَاثَ وَالْأَبْوَالَ، ويعْفُو عَنِ الْيَسِيرِ مِنَ النَّجَاسَاتِ الَّتِي يَشُقُّ الِاحْتِرَازُ عَنْهَا.

стр. 1683

وَأَصْلٌ آخَرُ فِي إزَالَتِهَا: فَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ: تُزَالُ بِكُلِّ مُزِيلٍ مِنَ الْمَائِعَاتِ وَالْجَامِدَاتِ. وَالشَّافِعِيُّ لَا يَرَى إزَالَتَهَا إلَّا بِالْمَاءِ، حَتَّى مَا يُصِيبُ أَسْفَلَ الْخُفِّ وَالْحِذَاءِ وَالذَّيْلِ: لَا يُجْزِئُ فِيهِ إلَّا الْغَسْلُ بِالْمَاءِ، وَحَتَّى نَجَاسَةَ الْأَرْضِ. وَمَذْهَبُ أَحْمَد فِيهِ مُتَوَسِّطٌ، فَكُلُّ مَا جَاءَت بِهِ السُّنَّةُ قَالَ بِهِ ذَلِكَ .. فَإِنَّ التَّشْدِيدَ فِي النَّجَاسَاتِ جِنْسًا وَقَدَرًا هُوَ دِينُ الْيَهُودِ، وَالتَّسَاهُلُ هُوَ دِينُ النَّصَارَى، وَدِينُ الْإِسْلَامِ هُوَ الْوَسَطُ. فَكُلُّ قَوْلٍ يَكُونُ فِيهِ شَيْءٌ مِن هَذَا الْبَابِ يَكُونُ أَقْرَبَ إلَى دِينِ الْإِسْلَامِ. وَأَصْلٌ آخَرُ: وَهُوَ اخْتِلَاطُ الْحَلَالِ بِالْحَرَامِ كَاخْتِلَاطِ الْمَائِعِ الطَّاهِرِ بِالنَّجِسِ، فَقَوْلُ الْكُوفِيِّينَ فِيهِ مِنَ الشِّدَّةِ مَا لَا خَفَاءَ بِهِ. وَبِإِزَائِهِمْ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ مِن أَهْلِ الْمَدِينَةِ؛ فَإِنَّهُم -فِي الْمَشْهُورِ- لَا يُنَجِّسُونَ الْمَاءَ إلَّا بِالتَّغَيُّرِ، وَلَا يَمْنَعُونَ مِنَ الْمُسْتَعْمَلِ وَلَا غَيْرِهِ مُبَالَغَةً فِي طَهُورِيَّةِ الْمَاءِ، مَعَ فَرْقِهِمْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ مِنَ الْمَائِعَاتِ. وَلأَحْمَدَ قَوْلٌ كَمَذْهَبِهِمْ، لَكِنَّ الْمَشْهُورَ عَنْهُ التَّوَسُّطُ بِالْفَرْقِ بَيْنَ قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ؛ كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ. وَفِي هَذِهِ الْأَقْوَالِ مِنَ التَّوَسُّطِ -أَثَرًا وَنَظَرًا- مَا لَا خَفَاءَ بِهِ، مَعَ أَنَّ قَوْلَ أَحْمَد الْمُوَافِقَ لِقَوْلِ مَالِكٍ رَاجِحٌ فِي الدَّلِيلِ. وَأَصْل آخَرُ: وَهُوَ طَهَارَةُ الْأَحْدَاثِ الَّتِي هِيَ الْوُضُوءُ وَالْغُسْلُ، فَإِنَّ مَذْهَبَ فُقَهَاءِ الْحَدِيثِ اسْتَعْمَلُوا فِيهَا مِنَ السُّنَنِ مَا لَا يُوجَدُ لِغَيْرِهِمْ، وَيَكْفِي الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِنَ اللِّبَاسِ وَالْحَوَائِلِ. فَقَد صَنَّفَ الْإِمَامُ أَحْمَد "كِتَابَ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ" وَذَكَرَ فِيهِ مِنَ النُّصُوصِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ فِي الْمَسْح عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْجَوْرَبَيْنِ وَعَلَى الْعِمَامَةِ بَل عَلَى خُمُرِ النِّسَاءِ - كَمَا كَانَت أُمُّ سَلَمَةَ زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ وَغَيْرُهَا

стр. 1684

تَفْعَلُهُ، وَعَلَى الْقَلَانِسِ - كَمَا كَانَ أَبُو مُوسَى وَأَنَسٌ يَفْعَلَانِهِ - مَا إذَا تَأَمَّلَهُ الْعَالِمُ عَلِمَ فَضْلَ عِلْمِ أَهْلِ الْحَدِيثِ عَلَى غَيْرِهِمْ. وَاعْلَمْ أَنَّ كُلَّ مَن تَأَوَّلَ فِي هَذِهِ الْأَخْبَارِ تَأْوِيلًا -مِثْلُ كَوْنِ الْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ مَعَ بَعْضِ الرَّأْسِ هُوَ الْمُجْزِئَ وَنَحْوِ ذَلِكَ- لَمْ يَقِفْ عَلَى مَجْمُوعِ الْأَخْبَارِ، وَإِلَّا فَمَن وَقَفَ عَلَى مَجْموعِهَا أَفَادَتْهُ عِلْمًا يَقِينًا بِخِلَافِ ذَلِكَ. وَأَصْل آخَرُ: فِي الْحَيْضِ وَالِاسْتِحَاضَةِ، فَإِنَّ مَسَائِلَ الِاسْتِحَاضَةِ مِن أَشْكَلِ أَبْوَابِ الطَّهَارَةِ. وَفِي الْبَابِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ثَلَاثُ سُنَنٍ: أ - سُنَّةٌ فِي الْمُعْتَادَةِ: أَنَّهَا تَرْجِعُ إلَى عَادَتِهَا. ب - وَسُنَّةٌ فِي الْمُمَيِّزَةِ: أَنَّهَا تَعْمَلُ بِالتَّمْيِيزِ. ج - وَسُنَّةٌ فِي الْمُتَحَيِّرَةِ الَّتِي لَيْسَتْ لَهَا عَادَةٌ وَلَا تُمَيِّزُ: بِأَنَّهَا تَتَحَيَّضُ غَالِبَ عَادَاتِ النِّسَاءِ: سِتًّا أَو سَبْعًا، وَأَنْ تَجْمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ إنْ شَاءَتْ. فَأَمَّا السُّنَّتَانِ الأولتان فَفِي "الصَّحِيحِ"، وَأَمَّا الثَّالِثَةُ: فَحَدِيثُ حمنة بِنْتِ جَحْشٍ، رَوَاهُ أَهْلُ السُّنَنِ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ. وَقَد اسْتَعْمَلَ أَحْمَد هَذِهِ السُّنَنَ الثَّلَاثَ فِي الْمُعْتَادَةِ الْمُمَيِّزَةِ وَالْمُتَحَيِّرَةِ. فَإِنِ اجْتَمَعَتِ الْعَادَةُ وَالتَّمْيِيزُ قُدِّمَ الْعَادَةُ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ كَمَا جَاءَ فِي أَكْثَرِ الْأَحَادِيثِ. [٢١/ ٦ - ٢٢] ٢٢٣٠ - الْمُسَخَّنُ بِالنَّجَاسَةِ لَيْسَ بِنَجِسٍ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ إذَا لَمْ يَحْصُلْ لَهُ مَا يُنَجِّسُهُ، وَأَمَّا كَرَاهَتُهُ فَفِيهَا نِزَاعٌ. وَأَمَّا دُخَانُ النَّجَاسَةِ: فَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلِ: وَهُوَ أَنَّ الْعَيْنَ النَّجِسَةَ الْخَبِيثَةَ إذَا اسْتَحَالَتْ حَتَّى صَارَتْ طَيِّبَةً كَغَيْرِهَا مِنَ الْأَعْيَانِ الطَّيِّبَةِ؛ مِثْل أَنْ يَصِيرَ مَا يَقَعُ فِي الْمَلَّاحَةِ مِن دَمٍ وَمَيْتَةٍ وَخِنْزِيرٍ مِلْحًا طَيِّبًا كَغَيْرِهَا مِنَ الْمِلْحِ، أَو

стр. 1685

يَصِيرُ الْوَقُودُ رَمَادًا وَنَحْو ذَلِكَ، فَفِيهِ لِلْعُلَمَاءِ قَوْلَانِ: أَحَدُهمَا: لَا يَطْهُرُ. وَمَذْهَبُ أَهْلِ الظَّاهِرِ وَغَيْرِهِمْ: أَنَّهَا تَطْهُرُ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ الْمَقْطُوعُ بِهِ. فَإِذَا عُرِفَ هَذَا: فَعَلَى أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ فَالدُّخَانُ وَالْبُخَارُ الْمُسْتَحِيلُ عَنِ النَّجَاسَةِ طَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ أَجْزَاءٌ هَوَائِيَّةٌ وَنَارِيَّةٌ وَمَائِيَّةٌ، وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِن وَصْفِ الْخَبَثِ. [٢١/ ٦٩ - ٧١] ٢٢٣١ - أَرْوَاثُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مِنَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَالْخَيْلِ: طَاهِرَةٌ فِي أَصَحِّ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ. [٢١/ ٧٢] ٢٢٣٢ - إذَا شَكَّ فِي الرَّوْثَةِ: هَل هِيَ مِن رَوْثِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ أَو مِن رَوْثِ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ؟ فَفِيهَا قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ هُمَا وَجْهَانِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد: أَحَدُهُمَا: يُحْكَمُ بِنَجَاسَتِهَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَرْوَاثِ النَّجَاسَةُ. وَالثَّانِي: وَهُوَ الْأَصَحُّ: يُحْكَمُ بِطَهَارَتِهَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَعْيَانِ الطَّهَارَةُ، وَدَعْوَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَرْوَاثِ النَّجَاسَةُ مَمْنُوعٌ. [٢١/ ٧٤ - ٧٥] ٢٢٣٣ - إذَا تيَقَّنَ الرَّجُلَانِ أَنَّ أَحَدَهُمَا أَحْدَثَ، أَو أَنَّ أَحَدَهُمَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ؟ فِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا طَهَارَةٌ وَلَا طَلَاقٌ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ .. فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَهُ أَنْ يَسْتَصْحِبَ حُكْمَ الْأَصْلِ فِي نَفْسِهِ. وَالثَّانِي: أَنَّ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الشَّخْصِ الْوَاحِدِ، وَهُوَ أَقْوَى؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْإِيجَابِ أَو التَّحْرِيمِ يَثْبُتُ قَطْعًا فِي حَقِّ أَحَدِهِمَا فَلَا وَجْهَ لِرَفْعِهِ عَنْهُمَا جَمِيعًا. وَسِرُّ مَا ذَكَرْنَاهُ أَنَّهُ إذَا اشْتَبَهَ الطَّاهِرُ بِالنَّجِسِ: أ - فَاجْتِنَابُهُمَا جَمِيعًا وَاجِبٌ؛ لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ لِفِعْلِ الْمُحَرَّمِ. ب - وَاجْتِنَابُ أَحَدِهِمَا؛ لِأَنَّ تَحْلِيلَهُ دُونَ الْآخَرِ تَحَكُّمٌ؛ وَلهَذَا لَمَّا
следующие страницы →