Полный текст (3 539 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.
стр. 1681
٢٢٢٨ - مِسَاحَةُ الْقُلَّتَيْنِ ذِرَاعٌ وَرُبْعٌ، فِي ذِرَاعٍ وَرُبْعٍ، طُولًا وَعَرضًا وَعُمْقًا. [٢١/ ٥٢]
* * *
(النجاسة)
٢٢٢٩ - الطَّهَارَةُ وَالنَّجَاسَة نَوْعَانِ مِنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامٍ فِي اللِّبَاسِ وَنَحْوِهِ، تَابِعَانِ لِلْحَلَالِ وَالْحَرَامِ فِي الْأَطْعِمَةِ وَالْأَشْرِبَةِ، وَمَذْهَبُ أَهْلِ الْحَدِيثِ فِي هَذَا الْأَصْلِ الْعَظِيمِ الْجَامِعِ: وَسَطٌ بَيْنَ مَذْهَب الْعِرَاقِيِّينَ وَالْحِجَازِيِّينَ؛ فَإِنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ -مَالِكًا وَغَيْرَهُ- يُحَرِّمُونَ مِنَ الْأًشْرِبَةِ كُلَّ مُسْكِرٍ كَمَا صَحَّتْ بِذَلِكَ النُّصُوصُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِن وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وَلَيْسُوا فِي الْأَطْعِمَةِ كَذَلِكَ؛ بَلِ الْغَالِبُ عَلَيْهِم فِيهَا عَدَمُ التَّحْرِيمِ، فَيُبِيحُونَ الطُّيُورَ مُطْلَقًا، وَإِن كَانَت مِن ذَاتِ الْمَخَالِبِ، وَيَكْرَهُونَ كُلَّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ وَفِي تَحْرِيمِهَا عَن مَالِكٍ رِوَايَتَانِ، وَكَذَلِكَ فِي الْحَشَرَاتِ عَنْهُ: هَل هِيَ مُحَرَّمَةٌ أَو مَكْرُوهَةٌ؟ رِوَايَتَان.
وَأَهْلُ الْكُوفَةِ فِي بَاب الْأَشْرِبَةِ مُخَالِفُونَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَلسَائِرِ النَّاسِ لَيْسَتِ الْخَمْرُ عِنْدَهُم إلَّا مِنَ الْعِنَبِ، وَلَا يُحَرِّمُونَ الْقَلِيلَ مِنَ الْمُسْكِرِ إلَّا أَنْ يَكُونَ خَمْرًا مِنَ الْعِنَبِ، أَو أَنْ يَكُونَ مِن نَبِيذِ التَّمْرِ أَو الزَّبِيبِ النِّيءِ، أَو يَكُونَ مِن مَطْبُوخِ عَصِيرِ الْعِنَبِ إذَا لَمْ يَذْهَبْ ثُلْثَاهُ.
وَهُم فِي الْأَطْعِمَةِ فِي غَايَةِ التَّحْرِيمِ حَتَّى حَرَّمُوا الْخَيْلَ وَالضِّبَابَ.
فَأَخَذَ أَهْلُ الْحَدِيثِ فِي الْأَشْرِبَةِ بِقَوْلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَسَائِرِ أَهْلِ الْأَمْصَارِ مُوَافَقَةً لِلسُّنَّةِ الْمُسْتَفِيضَةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ فِي التَّحْرِيمِ وَزَادُوا عَلَيْهِم فِي مُتَابَعَةِ السُّنَّةِ.
وَأَخَذُوا فِي الْأَطْعِمَةِ بِقَوْلِ أَهْلِ الْكُوفَةِ.
وَعَلِمُوا أَنَّ مَا حَرَّمَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ إنَّمَا هُوَ زِيَادَةُ تَحْرِيمٍ لَيْسَ نَسْخًا لِلْقُرْآنِ؛ لِأَنَّ الْقُرْآنَ إنَّمَا دَلَّ عَلَى أَنَّ اللهَ لَمْ يُحَرِّمْ إلَّا الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ
стр. 1682
الْخِنْزِيرِ، وَعَدَمُ التَّحْرِيمِ لَيْسَ تَحْلِيلًا، وَإِنَّمَا هُوَ بَقَاءٌ لِلْأَمْرِ عَلَى مَا كَانَ، وَهَذَا قَد ذَكَرَهُ اللهُ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ الَّتِي هِيَ مَكِّيَّةٌ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، لَيْسَ كَمَا ظَنَّهُ أَصْحَابُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ أَنَّهَا مِن آخِرِ الْقُرْآنِ نُزُولًا، وَإِنَّمَا سُورَةُ الْمَائِدَةِ هِيَ الْمُتَأَخِّرَةُ، وَقَد قَالَ اللهُ فِيهَا: ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: ٤] فَعُلِمَ أَنَّ عَدَمَ التَّحْرِيمِ الْمَذْكُورِ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ لَيْسَ تَحْلِيلًا، وَإِنَّمَا هُوَ عَفْوٌ.
فَتَحْرِيمُ رَسُولِ اللهِ ﷺ رَافِعٌ لِلْعَفْوِ لَيْسَ نَسْخًا لِلْقُرْآنِ.
لَكِنْ لَمْ يُوَافِقْ أَهْلُ الْحَدِيثِ الْكُوفِيِّينَ عَلَى جَمِيعِ مَا حَرَّمُوهُ؛ بَل أَحَلُّوا الْخَيْلَ لِصِحَّةِ السُّنَنِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بتَحْلِيلِهَا يَوْمَ خَيْبَرَ.
وَأَحَلُّوا الضَّبَّ لِصِحَّةِ السُّنَنِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِأَنَّهُ قَالَ: "لَا أُحَرِّمُهُ" (١) .
فَهَذَا أَصْلٌ فِي الْخَبَائِثِ الْجسْمَانِيَّةِ وَالرُّوحَانِيَّةِ.
وَأَصْلٌ آخَرُ وَهُوَ: أَنَّ الْكُوفِيِّينَ قَد عُرِفَ تَخْفِيفُهُم فِي الْعَفْوِ عَنِ النَّجَاسَةِ، فَيَعْفُونَ مِنَ الْمُغَلَّظَةِ عَن قَدْرِ الدِّرْهَمِ البغلي، وَمِنَ الْمُخَفَّفَةِ: عَن رُبُعِ الْمَحَلِّ الْمُتَنَجِّسِ.
وَالشَّافِعِيُّ بِإِزَائِهِمْ فِي ذَلِكَ، فَلَا يَعْفُو عَنِ النَّجَاسَاتِ إلَّا عَن أَثَرِ الِاسْتِنْجَاءِ، وَوَنِيمِ الذُّبَابِ وَنَحْوِهِ، وَلَا يَعْفُو عَن دَمٍ وَلَا عَن غَيْرِهِ إلَّا عَن دَمِ الْبَرَاغِيثِ وَنَحْوِهِ، مَعَ أَنَّهُ يُنَجِّسُ أَرْوَاثَ الْبَهَائِمِ وَأَبْوَالَهَا وَغَيْرَ ذَلِكَ، فَقَوْلُهُ فِي النَّجَاسَاتِ نَوْعًا وَقَدْرًا أَشَدُّ أَقْوَالِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ.
وَمَالِكٌ مُتَوَسِّطٌ فِي نَوْعِ النَّجَاسَةِ وَفِي قَدْرِهَا؛ فَإِنَّهُ لَا يَقُولُ بِنَجَاسَةِ الْأَرْوَاثِ وَالْأَبْوَالِ مِمَّا يُوكَلُ لَحْمُهُ، ويعْفُو عَن يَسِيرِ الدَّمِ وَغَيْرِهِ.
وَأَحْمَد كَذَلِكَ، فَإِنَّهُ مُتَوَسِّطٌ فِي النَّجَاسَاتِ، فَلَا يُنَجِّسُ الْأَرْوَاثَ وَالْأَبْوَالَ، ويعْفُو عَنِ الْيَسِيرِ مِنَ النَّجَاسَاتِ الَّتِي يَشُقُّ الِاحْتِرَازُ عَنْهَا. الحواشي
(١) البخاري(٥٥٣٦) ، ومسلم(١٩٤٣) .стр. 1683
وَأَصْلٌ آخَرُ فِي إزَالَتِهَا: فَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ: تُزَالُ بِكُلِّ مُزِيلٍ مِنَ الْمَائِعَاتِ وَالْجَامِدَاتِ.
وَالشَّافِعِيُّ لَا يَرَى إزَالَتَهَا إلَّا بِالْمَاءِ، حَتَّى مَا يُصِيبُ أَسْفَلَ الْخُفِّ وَالْحِذَاءِ وَالذَّيْلِ: لَا يُجْزِئُ فِيهِ إلَّا الْغَسْلُ بِالْمَاءِ، وَحَتَّى نَجَاسَةَ الْأَرْضِ.
وَمَذْهَبُ أَحْمَد فِيهِ مُتَوَسِّطٌ، فَكُلُّ مَا جَاءَت بِهِ السُّنَّةُ قَالَ بِهِ ذَلِكَ .. فَإِنَّ التَّشْدِيدَ فِي النَّجَاسَاتِ جِنْسًا وَقَدَرًا هُوَ دِينُ الْيَهُودِ، وَالتَّسَاهُلُ هُوَ دِينُ النَّصَارَى، وَدِينُ الْإِسْلَامِ هُوَ الْوَسَطُ.
فَكُلُّ قَوْلٍ يَكُونُ فِيهِ شَيْءٌ مِن هَذَا الْبَابِ يَكُونُ أَقْرَبَ إلَى دِينِ الْإِسْلَامِ.
وَأَصْلٌ آخَرُ: وَهُوَ اخْتِلَاطُ الْحَلَالِ بِالْحَرَامِ كَاخْتِلَاطِ الْمَائِعِ الطَّاهِرِ بِالنَّجِسِ، فَقَوْلُ الْكُوفِيِّينَ فِيهِ مِنَ الشِّدَّةِ مَا لَا خَفَاءَ بِهِ.
وَبِإِزَائِهِمْ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ مِن أَهْلِ الْمَدِينَةِ؛ فَإِنَّهُم -فِي الْمَشْهُورِ- لَا يُنَجِّسُونَ الْمَاءَ إلَّا بِالتَّغَيُّرِ، وَلَا يَمْنَعُونَ مِنَ الْمُسْتَعْمَلِ وَلَا غَيْرِهِ مُبَالَغَةً فِي طَهُورِيَّةِ الْمَاءِ، مَعَ فَرْقِهِمْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ مِنَ الْمَائِعَاتِ.
وَلأَحْمَدَ قَوْلٌ كَمَذْهَبِهِمْ، لَكِنَّ الْمَشْهُورَ عَنْهُ التَّوَسُّطُ بِالْفَرْقِ بَيْنَ قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ؛ كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ.
وَفِي هَذِهِ الْأَقْوَالِ مِنَ التَّوَسُّطِ -أَثَرًا وَنَظَرًا- مَا لَا خَفَاءَ بِهِ، مَعَ أَنَّ قَوْلَ أَحْمَد الْمُوَافِقَ لِقَوْلِ مَالِكٍ رَاجِحٌ فِي الدَّلِيلِ.
وَأَصْل آخَرُ: وَهُوَ طَهَارَةُ الْأَحْدَاثِ الَّتِي هِيَ الْوُضُوءُ وَالْغُسْلُ، فَإِنَّ مَذْهَبَ فُقَهَاءِ الْحَدِيثِ اسْتَعْمَلُوا فِيهَا مِنَ السُّنَنِ مَا لَا يُوجَدُ لِغَيْرِهِمْ، وَيَكْفِي الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِنَ اللِّبَاسِ وَالْحَوَائِلِ.
فَقَد صَنَّفَ الْإِمَامُ أَحْمَد "كِتَابَ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ" وَذَكَرَ فِيهِ مِنَ النُّصُوصِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ فِي الْمَسْح عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْجَوْرَبَيْنِ وَعَلَى الْعِمَامَةِ بَل عَلَى خُمُرِ النِّسَاءِ - كَمَا كَانَت أُمُّ سَلَمَةَ زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ وَغَيْرُهَا
стр. 1684
تَفْعَلُهُ، وَعَلَى الْقَلَانِسِ - كَمَا كَانَ أَبُو مُوسَى وَأَنَسٌ يَفْعَلَانِهِ - مَا إذَا تَأَمَّلَهُ الْعَالِمُ عَلِمَ فَضْلَ عِلْمِ أَهْلِ الْحَدِيثِ عَلَى غَيْرِهِمْ.
وَاعْلَمْ أَنَّ كُلَّ مَن تَأَوَّلَ فِي هَذِهِ الْأَخْبَارِ تَأْوِيلًا -مِثْلُ كَوْنِ الْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ مَعَ بَعْضِ الرَّأْسِ هُوَ الْمُجْزِئَ وَنَحْوِ ذَلِكَ- لَمْ يَقِفْ عَلَى مَجْمُوعِ الْأَخْبَارِ، وَإِلَّا فَمَن وَقَفَ عَلَى مَجْموعِهَا أَفَادَتْهُ عِلْمًا يَقِينًا بِخِلَافِ ذَلِكَ.
وَأَصْل آخَرُ: فِي الْحَيْضِ وَالِاسْتِحَاضَةِ، فَإِنَّ مَسَائِلَ الِاسْتِحَاضَةِ مِن أَشْكَلِ أَبْوَابِ الطَّهَارَةِ.
وَفِي الْبَابِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ثَلَاثُ سُنَنٍ:
أ - سُنَّةٌ فِي الْمُعْتَادَةِ: أَنَّهَا تَرْجِعُ إلَى عَادَتِهَا.
ب - وَسُنَّةٌ فِي الْمُمَيِّزَةِ: أَنَّهَا تَعْمَلُ بِالتَّمْيِيزِ.
ج - وَسُنَّةٌ فِي الْمُتَحَيِّرَةِ الَّتِي لَيْسَتْ لَهَا عَادَةٌ وَلَا تُمَيِّزُ: بِأَنَّهَا تَتَحَيَّضُ غَالِبَ عَادَاتِ النِّسَاءِ: سِتًّا أَو سَبْعًا، وَأَنْ تَجْمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ إنْ شَاءَتْ.
فَأَمَّا السُّنَّتَانِ الأولتان فَفِي "الصَّحِيحِ"، وَأَمَّا الثَّالِثَةُ: فَحَدِيثُ حمنة بِنْتِ جَحْشٍ، رَوَاهُ أَهْلُ السُّنَنِ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ.
وَقَد اسْتَعْمَلَ أَحْمَد هَذِهِ السُّنَنَ الثَّلَاثَ فِي الْمُعْتَادَةِ الْمُمَيِّزَةِ وَالْمُتَحَيِّرَةِ.
فَإِنِ اجْتَمَعَتِ الْعَادَةُ وَالتَّمْيِيزُ قُدِّمَ الْعَادَةُ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ كَمَا جَاءَ فِي أَكْثَرِ الْأَحَادِيثِ. [٢١/ ٦ - ٢٢]
٢٢٣٠ - الْمُسَخَّنُ بِالنَّجَاسَةِ لَيْسَ بِنَجِسٍ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ إذَا لَمْ يَحْصُلْ لَهُ مَا يُنَجِّسُهُ، وَأَمَّا كَرَاهَتُهُ فَفِيهَا نِزَاعٌ.
وَأَمَّا دُخَانُ النَّجَاسَةِ: فَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلِ: وَهُوَ أَنَّ الْعَيْنَ النَّجِسَةَ الْخَبِيثَةَ إذَا اسْتَحَالَتْ حَتَّى صَارَتْ طَيِّبَةً كَغَيْرِهَا مِنَ الْأَعْيَانِ الطَّيِّبَةِ؛ مِثْل أَنْ يَصِيرَ مَا يَقَعُ فِي الْمَلَّاحَةِ مِن دَمٍ وَمَيْتَةٍ وَخِنْزِيرٍ مِلْحًا طَيِّبًا كَغَيْرِهَا مِنَ الْمِلْحِ، أَو
стр. 1685
يَصِيرُ الْوَقُودُ رَمَادًا وَنَحْو ذَلِكَ، فَفِيهِ لِلْعُلَمَاءِ قَوْلَانِ: أَحَدُهمَا: لَا يَطْهُرُ.
وَمَذْهَبُ أَهْلِ الظَّاهِرِ وَغَيْرِهِمْ: أَنَّهَا تَطْهُرُ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ الْمَقْطُوعُ بِهِ.
فَإِذَا عُرِفَ هَذَا: فَعَلَى أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ فَالدُّخَانُ وَالْبُخَارُ الْمُسْتَحِيلُ عَنِ النَّجَاسَةِ طَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ أَجْزَاءٌ هَوَائِيَّةٌ وَنَارِيَّةٌ وَمَائِيَّةٌ، وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِن وَصْفِ الْخَبَثِ. [٢١/ ٦٩ - ٧١]
٢٢٣١ - أَرْوَاثُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مِنَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَالْخَيْلِ: طَاهِرَةٌ فِي أَصَحِّ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ. [٢١/ ٧٢]
٢٢٣٢ - إذَا شَكَّ فِي الرَّوْثَةِ: هَل هِيَ مِن رَوْثِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ أَو مِن رَوْثِ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ؟ فَفِيهَا قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ هُمَا وَجْهَانِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد:
أَحَدُهُمَا: يُحْكَمُ بِنَجَاسَتِهَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَرْوَاثِ النَّجَاسَةُ.
وَالثَّانِي: وَهُوَ الْأَصَحُّ: يُحْكَمُ بِطَهَارَتِهَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَعْيَانِ الطَّهَارَةُ، وَدَعْوَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَرْوَاثِ النَّجَاسَةُ مَمْنُوعٌ. [٢١/ ٧٤ - ٧٥]
٢٢٣٣ - إذَا تيَقَّنَ الرَّجُلَانِ أَنَّ أَحَدَهُمَا أَحْدَثَ، أَو أَنَّ أَحَدَهُمَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ؟ فِيهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا طَهَارَةٌ وَلَا طَلَاقٌ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ .. فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَهُ أَنْ يَسْتَصْحِبَ حُكْمَ الْأَصْلِ فِي نَفْسِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الشَّخْصِ الْوَاحِدِ، وَهُوَ أَقْوَى؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْإِيجَابِ أَو التَّحْرِيمِ يَثْبُتُ قَطْعًا فِي حَقِّ أَحَدِهِمَا فَلَا وَجْهَ لِرَفْعِهِ عَنْهُمَا جَمِيعًا.
وَسِرُّ مَا ذَكَرْنَاهُ أَنَّهُ إذَا اشْتَبَهَ الطَّاهِرُ بِالنَّجِسِ:
أ - فَاجْتِنَابُهُمَا جَمِيعًا وَاجِبٌ؛ لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ لِفِعْلِ الْمُحَرَّمِ.
ب - وَاجْتِنَابُ أَحَدِهِمَا؛ لِأَنَّ تَحْلِيلَهُ دُونَ الْآخَرِ تَحَكُّمٌ؛ وَلهَذَا لَمَّا
стр. 1686
رَخَّصَ مَن رَخَّصَ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ عَضَّدَهُ بِالتَّحَرِّي. [٢١/ ٧٨ - ٧٩]
٢٢٣٤ - التَّوَضُّؤُ بِمَاءِ الْوُلُوغِ (١) لَا يَجُوزُ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ؛ بَل يَعْدِلُ عَنْهُ إلَى التَّيَمُّمِ.
وَيجِبُ عَلَى الْمُضْطَرِّ أَنْ يَأْكُلَ وَيشْرَبَ مَا يُقِيمُ بِهِ نَفْسَهُ، فَمَن اُضْطُرَّ إلَى الْمَيْتَةِ أَو الْمَاءِ النَّجِسِ فَلَمْ يَشْرَبْ وَلَمْ يَأْكُلْ حَتَّى مَاتَ: دَخَلَ النَّارَ.
وَلَو وَجَدَ غَيْرَهُ مُضْطَرًّا إلَى مَا مَعَهُ مِنَ الْمَاءِ الطَّيِّبِ أَو النَّجِسِ: فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْقِيَهُ إيَّاهُ، وَيَعْدِلَ إلَى التَّيَمُّمِ، سَوَاءٌ كَانَ عَلَيْهِ جَنَابَةٌ أَو حَدَثٌ صَغِيرٌ.
وَمَنِ اغْتَسَلَ وَتَوَضَّأَ وَهُنَاكَ مُضْطَرٌّ مِن أَهْلِ الْمِلَّةِ أَو الذِّمَّةِ أَو دَوَابِّهِم الْمَعْصُومَةِ فَلَمْ يَسْقِهِ: كَانَ آثِمًا عَاصِيًا. [٢١/ ٨٠]
٢٢٣٥ - عَظْمُ الْمَيْتَةِ وَقَرْنُهَا وَظُفْرُهَا، وَمَا هُوَ مِن جِنْسِ ذَلِكَ كَالْحَافِرِ وَنَحْوِهِ وَشَعْرِهَا وَرِيشِهَا وَوَبَرِهَا: فِي هَذَيْنَ النَّوْعَيْنِ لِلْعُلَمَاءِ أَقْوَالٌ:
أَحَدُهَا: نَجَاسَةُ الْجَمِيعِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْعِظَامَ وَنَحْوَهَا نَجِسَةٌ وَالشُّعُورَ وَنَحْوَهَا طَاهِرَةٌ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْجَمِيعَ طَاهِرٌ .. وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الصَّوَابُ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِيهَا الطَّهَارَةُ، وَلَا دَلِيلَ عَلَى النَّجَاسَةِ (٢) .
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ: عُلِمَ أَنَّ عِلَّةَ نَجَاسَةِ الْمَيْتَةِ إنَّمَا هُوَ احْتِبَاسُ الدَّمِ فِيهَا، فَمَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ لَيْسَ فِيهِ دَمٌ سَائِلٌ، فَإِذَا مَاتَ لَمْ يَحْتَبِسْ فِيهِ الدَّمُ فَلَا يَنْجُسُ؛ فَالْعَظْمُ وَنَحْوُهُ أَوْلَى بِعَدَمِ التَّنْجِيسِ مِن هَذَا. الحواشي
(١) للمضطر.(٢) قال الإمام البخاري في صحيحه: قَالَ حَمَّادٌ: "لَا بَأْسَ بِرِيشِ المَيْتَةِ".
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: "فِي عِظَامِ المَوْتَى، نَحْو الفِيلِ وَغَيْرِهِ: أَدْرَكْتُ نَاسًا مِن سَلَفِ العُلَمَاءِ، يَمْتَشِطُونَ بِهَا، وَيَدَّهِنُونَ فِيهَا، لَا يَرَوْنَ بِهِ بَأْسًا".
وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ وَإِبْرَاهِيمُ: "وَلَا بَأْسَ بِتِجَارَةِ العَاجِ".стр. 1687
وَمِمَّا يُبَيِّنُ صِحَّةَ قَوْلِ الْجُمْهُورِ: أَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ إنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْنَا الدَّمَ الْمَسْفُوحَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] فَإِذَا عُفِيَ عَنِ الدَّمِ غَيْرِ الْمَسْفُوحِ -مَعَ أَنَّهُ مِن جِنْسِ الدَّمِ-: عُلِمَ أَنَّهُ -سُبْحَانَهُ- فَرَّقَ بَيْنَ الدَّمِ الَّذِي يَسِيلُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ. [٢١/ ٩٦ - ١٠٠]
٢٢٣٦ - لَبَنُ الْمَيْتَةِ وَإِنْفَحَتُهَا (١) فَفِيهِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ لِلْعُلَمَاءِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ ذَلِكَ طَاهِرٌ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ نَجِسٌ.
وَعَلَى هَذَا النِّزَاعِ انْبَنَى نِزَاعُهُم فِي جُبْنِ الْمَجُوسِ، فَإِنَّ ذَبَائِحَ الْمَجُوسِ حَرَامٌ عِنْدَ جَمَاهِيرِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، فَإِذَا صَنَعُوا جُبْنًا -وَالْجُبْنُ يُصْنَعُ بِالْإِنْفَحَةِ- كَانَ فِيهِ هَذَانِ الْقَوْلَانِ.
وَالْأَظْهَرُ أَنَّ جُبْنَهُم حَلَالٌ، وَأَنَّ إنْفَحَةَ الْمَيْتَةِ وَلَبَنَهَا طَاهِرٌ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ لَمَّا فَتَحُوا بِلَادَ الْعِرَاقِ أَكَلُوا جُبْنَ الْمَجُوسِ، وَكَانَ هَذَا ظَاهِرًا شَائِعًا بَيْنَهُمْ.
وَأَيْضًا: فَاللَّبَنُ وَالْإِنْفَحَةُ لَمْ يَمُوتَا، وَإِنَّمَا نَجَّسَهُمَا مَن نَجَّسَهُمَا لِكَوْنِهِمَا فِي وِعَاءٍ نَجِسٍ، فَيَكُونُ مَائِعًا فِي وِعَاءٍ نَجِسٍ؛ فَالتَّنْجِيسُ مَبْنِيٌّ عَلَى مُقَدِّمَتَيْنِ:
أ - عَلَى أَنَّ الْمَائِعَ لَاقَى وِعَاءً نَجِسًا.
ب - وَعَلَى أَنَّهُ إذَا كَانَ كَذَلِكَ صَارَ نَجِسًا.
فَيُقَالُ أَوَّلًا: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمَائِعَ يَنْجُسُ بِمُلَاقَاةِ النَّجَاسَةِ، وَقَد تَقَدَّمَ أَنَّ السُّنَّةَ دَلَّتْ عَلَى طَهَارَتِهِ لَا عَلَى نَجَاسَتِهِ. الحواشي
(١) هي مادّة خاصّة تُستخرج من الجزء الباطنيّ من معِدَة الرَّضيع من العُجول أو الجِداء أو نحوهما من الحيوانات المجترّة، بها خميرة تجبِّن اللّبنَ.стр. 1688
وَيُقَالُ ثَانِيًا: إنَّ الْمُلَاقَاةَ فِي الْبَاطِنِ لَا حُكْمَ لَهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (٦٦) ﴾ [النحل: ٦٦]، وَلهَذَا يَجُوزُ حَمْلُ الصَّبِيِّ الصَّغِيرِ فِي الصَّلَاةِ مَعَ مَا فِي بَطْنِهِ. [٢١/ ١٠٢ - ١٠٤]
٢٢٣٧ - ثَبَتَ بِسُنَّتِهِ ﷺ أنَّ احْتِمَالَ نَجَاسَةِ الْأَرْضِ لَا يُوجِبُ كَرَاهَةَ الصَّلَاةِ فِيهَا؛ بَل ثَبَتَ بِسُنَّتِهِ أَنَّ الْأَرْضَ تَطْهُرُ بِمَا يُصِيبُهَا مِن الشَّمْسِ وَالرِّيحِ وَالِاسْتِحَالَةِ. [٢١/ ٣٢٢]
٢٢٣٨ - الْجُمْهُور عَلَى أَنَّ الْمُسْتَحِيلَ مِن النَّجَاسَاتِ طَاهِرٌ، كَمَا هُوَ الْمَعْرُوفُ عَن الْحَنَفِيَّةِ وَالظَّاهِرِيَّةِ، وَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَحْمَد، وَوَجْهٌ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ. [٢١/ ٥١٠]
٢٢٣٩ - السِّرْقِينُ (١) النَّجِسُ وَنَحْوُهُ فِي الْوَقُودِ لِيُسَخِّنَ الْمَاءَ أَو الطَّعَامَ وَنَحْو ذَلِكَ، وَمِمَّا يُشْبِهُ ذَلِكَ الِاسْتِصْبَاحُ بِالدُّهْنِ النَّجِسِ، فَإِنَّهُ اسْتِعْمَالٌ لَهُ بِالْإِتْلَافِ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ شَيءٌ مِن ذَلِكَ. [٢١/ ٦٠٨]
* * *
(المائعات)
٢٢٤٠ - لِلْعُلَمَاءِ فِي الْمَائِعَاتِ ثَلَاَثَةُ أَقْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهَا كَالْمَاءِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهَا أَوْلَى بِعَدَمِ التَّنَجُّسِ مِن الْمَاءِ؛ لِأَنَّهَا طَعَامٌ وَإِدَامٌ فَإِتْلَافُهَا فِيهِ فَسَادٌ، وَلِأَنَّهَا أَشَدُّ إحَالَةً لِلنَّجَاسَةِ مِن الْمَاءِ أَو مُبَايِنَة لَهَا مِن الْمَاءِ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْمَاءَ أَوْلَى بِعَدَمِ التَّنَجُّسِ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ طَهُورٌ.
وَقَد بَسَطْنَا الْكَلَامَ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، وَذَكَرْنَا حُجَّةَ مَن قَالَ: بِالتَّنْجِيسِ، وَأَنَّهُم احْتَجُّوا بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "إنْ كَانَ جَامِدًا فَأَلْقُوهَا وَمَا الحواشي
(١) هو فضلات البهائم، ويُسمى السَّمَاد.стр. 1689
حَوْلَهَا وَكُلُوا سَمْنَكُمْ وَإِن كَانَ مَائِعًا فَلَا تَقْرَبُوهُ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ، وَبَيَّنَّا ضَعْفَ هَذَا الْحَدِيثِ، وَطَعَنَ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِي وَأَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيَّ وَالدَّارَقُطْنِي وَغَيْرُهُم فِيهِ.
وَعُمْدَةُ مَن يُنَجِّسُهُ: يَظُنُّ أَنَّ النَّجَاسَةَ إذَا وَقَعَتْ فِي مَاءٍ أَو مَائِعٍ سَرَتْ فِيهِ كُلِّهِ فَنَجَّسَتْهُ، وَقَد عُرِفَ فَسَادُ هَذَا، وَأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِن الْمُسْلِمِينَ بِطَرْدِهِ، فَإِنَّ طَرْدَهُ يُوجِبُ نَجَاسَةَ الْبَحْرِ!.
وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلٍ: وَهُوَ أَنَّ الْمَاءَ الْكَثِيرَ إذَا وَقَعَتْ فِيهِ النَّجَاسَةُ، فَهَل مُقْتَضَى الْقِيَاسِ تَنَجُّسُهُ لِاخْتِلَاطِ الْحَلَالِ بِالْحَرَامِ إلَى حَيْثُ يَقُومُ الدَّلِيلُ عَلَى تَطْهِيرِهِ، أَو مُقْتَضَى الْقِيَاسِ طَهَارَتُهُ إلَى أَنْ تَظْهَرَ فِيهِ النَّجَاسَةُ الْخَبِيثَةُ الَّتِي يَحْرُمُ اسْتِعْمَالُهَا؟
لِلْفُقَهَاءِ مِن أَصْحَابِ أَحْمَد وَغَيْرِهِمْ فِي هَذَا الْأَصْلِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: قَوْلُ مَن يَقُولُ: الْأَصْل النَّجَاسَةُ.
وَأَمَّا الْقَوْلُ الثَّانِي: فَهُوَ قَوْلُ مَن يَقُولُ الْقِيَاسُ أَنْ لَا يُنَجَّسَ الْمَاءُ حَتَّى يتغيّر.
وهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الصَّوَابُ.
وَهَذِهِ الْأَدْهَانُ وَالْأَلْبَانُ وَالْأَشْرِبَةُ الْحُلْوَةُ وَالْحَامِضَةُ وَغَيْرُهَا مِن الطَّيِّبَاتِ وَالْخَبِيثَةِ: قَد اسْتُهْلِكَتْ وَاسْتَحَالَتْ فِيهَا، فَكَيْفَ يَحْرُمُ الطَّيِّبُ الَّذِي أَبَاحَهُ اللهُ تَعَالَى؟
وَمَن الَّذِي قَالَ: إنَّهُ إذَا خَالَطَهُ الْخَبِيثُ وَاسْتُهْلِكَ فِيهِ وَاسْتَحَالَ قَد حَرُمَ (١) ؟ وَلَيْسَ عَلَى ذَلِكَ دَلِيلٌ لَا مِن كِتَابٍ وَلَا مِن سُنَّةٍ وَلَا إجْمَاعٍ وَلَا قِيَاسٍ؛ الحواشي
(١) قد يدخل في هذا الأطعمة والأشربة التي أضيف إليها شيءٌ يسير من شحوم الخنازير ونحوها، فإنّ هذه الخبائث قد استحالت في هذه الطيبات ولم يبق لطعمها ولا لرائحتها ولا للونها أثر. =стр. 1690
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(٢١٩١٣٧) ، من موقع: الإسلام سؤال وجواب.
وقد سئل الشيخ الألباني ﵀: ما حكم الأجبان المصنوعة من مواد مستخرجة من حيوان لم يذبح ذبحًا شرعيًّا؟
فأجاب: فهذه المادة التي تُصنع منها الأجبان لها حالة من حالتين:
١ - إما أن يتغير عينُها بسبب التفاعل الكيماوي بينها وبين مادة الحليب الذي يتحول إلى جُبن. =стр. 1691
وَلهَذَا قَالَ ﷺ فِي حَدِيثِ بِئْرِ بضاعة لَمَّا ذُكِرَ لَه أَنَّهَا يُلْقَى فِيهَا الْحِيَضُ وَلُحُومُ الْكِلَابِ وَالنَّتْنُ فَقَالَ: "الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيءٌ" (١) .
وَقَالَ فِي حَدِيثِ الْقُلَّتَيْنِ: "إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِل الْخَبَثَ" (٢) ؛ فَقَوْلُهُ: "لَمْ يَحْمِلِ الْخَبَثَ" بَيَّنَ أَنَّ تَنْجِيسَهُ بِأَنْ يَحْمِلَ الْخَبَثَ؛ أَيْ: بِأَنْ يَكُونَ الْخَبَثُ فِيهِ مَحْمُولًا، وَذَلِكَ يُبَيِّنُ أَنَّهُ مَعَ اسْتِحَالَةِ الْخَبَثِ لَا يَنْجُسُ الْمَاءُ.
وَهَذَا الْقَوْلُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِن أَنَّ الْمَائِعَاتِ كَالْمَاءِ أَوْلَى بِعَدَمِ التَّنْجِيسِ مِن الْمَاءِ هُوَ الْأَظْهَرُ فِي الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ؛ بَل لَو نُجِّسَ الْقَلِيلُ مِن الْمَاءِ لَمْ يَلْزَمْ تَنْجِيسُ الْأَشْرِبَةِ وَالْأَطْعِمَةِ، وَلهَذَا أَمَرَ مَالِكٌ بِإِرَاقَةِ مَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ مِن الْمَاءِ الْقَلِيلِ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ، وَلَمْ يَأْمُرْ بِإِرَاقَةِ مَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ مِن الْأَطْعِمَةِ وَالْأَشْرِبَةِ، وَاسْتَعْظَمَ إرَاقَةَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ بِمِثْل ذَلِكَ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَاءَ لَا ثَمَنَ لَهُ فِي الْعَادَةِ، بِخِلَافِ أَشْرِبَةِ الْمُسْلِمِينَ وَأَطْعِمَتِهِمْ، فَإِنَّ فِي نَجَاسَتِهَا مِن الْمَشَقَّةِ وَالْحَرَجِ وَالضِّيقِ مَا لَا يَخْفَى عَلَى النَّاسِ.
وَقَد تَقَدَّمَ أَنَّ جَمِيعَ الْفُقَهَاءِ يَعْتَبِرُونَ رَفْعَ الْحَرَجِ فِي هَذَا الْبَابِ، فَإِذَا لَمْ الحواشي
(١) رواه الترمذي(٦٦) .(٢) رواه أهل السنن وصحَّحه الألباني في الإرواء(١٧٢) .стр. 1692
يُنَجِّسُوا الْمَاءَ الْكَثِيرَ رَفْعًا لِلْحَرَجِ فَكَيْفَ يُنَجِّسُونَ نَظِيرَهُ مِن الْأَطْعِمَةِ وَالْأَشْرِبَةِ؟
وَالْحَرَجُ فِي هَذَا أَشَقُّ، وَلَعَلَّ أَكْثَرَ الْمَائِعَاتِ الْكَثِيرَةِ لَا تَكَادُ تَخْلُو مِن نَجَاسَةٍ. [٢١/ ٤٩٠ - ٥٠٦]
٢٢٤١ - الْقَوْلُ بِأنَّ الْمَائِعَاتِ لَا تُنَجَّسُ كَمَا لَا يُنَجَّسُ الْمَاءُ هُوَ الْقَوْلُ الرَّاجِحُ؛ بَل هِيَ أَوْلَى بِعَدَمِ التَّنْجِيسِ مِن الْمَاءِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ اللهَ أَحَلَّ لَنَا الطَّيِّبَاتِ وَحَرَّمَ عَلَيْنَا الْخَبَائِثَ.
وَالْأَطْعِمَةُ وَالْأَشْرِبَةُ -مِن الْأَدْهَانِ وَالْأَلْبَانِ وَالزَّيْتِ وَالْخُلُولِ وَالْأَطْعِمَةِ الْمَائِعَةِ- هِيَ مِن الطَّيِّبَاتِ الَّتِي أَحَلَّهَا اللهُ لنَا، فَإِذَا لَمْ يَظْهَرْ فِيهَا صِفَةُ الْخَبَثِ لَا طَعْمُهُ وَلَا لَوْنُهُ وَلَا رِيحُهُ وَلَا شَيءٌ مِن أَجْزَائِهِ: كَانَت عَلَى حَالِهَا فِي الطَّيِّبِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ تُجْعَلَ مِن الْخَبِيثِ الْمُحَرَّمَةِ، مَعَ أَنَّ صِفَاتِهَا صِفَاتُ الطَّيِّبِ لَا صِفَاتُ الْخَبَائِثِ، فَإِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الطَّيِّبَاتِ وَالْخَبَائِثِ بِالصِّفَاتِ الْمُمَيِّزَةِ بَيْنَهُمَا.
وَلِأَجْلِ تِلْكَ الصِّفَاتِ حُرِّمَ هَذَا وَأُحِلَّ هَذَا، وَإِذَا كَانَ هَذَا الْحَبُّ وَقَعَ فِيهِ قَطْرَةُ دَمٍ، أَو قَطْرَةُ خَمْرٍ، وَقَد اسْتَحَالَتْ، وَاللَّبَنُ بَاقٍ عَلَى صِفَتِهِ، وَالزَّيْتُ بَاقٍ عَلَى صِفَتِهِ: لَمْ يَكُن لِتَحْرِيمِ ذَلِكَ وَجْهٌ؛ فَإِنَّ تِلْكَ قَد اُسْتُهْلِكَتْ وَاسْتَحَالَتْ، وَلَمْ يَبْقَ لَهَا حَقِيقَةٌ مِن الْأَحْكَامِ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا شَيْءٌ مِن أَحْكَامِ الدَّمِ وَالْخَمْرِ (١) .
وَإِنَّمَا كَانَت أَوْلَى بِالطَّهَارَةِ مِن الْمَاءِ؛ لِأَنَّ الشَّارعَ رَخَّصَ فِي إرَاقَةِ الْمَاءِ وَإِتْلَافِهِ، حَيْثُ لَمْ يُرَخِّصْ فِي إتْلَافِ الْمَائِعَاتِ كَالِاسْتِنْجَاءِ، فَإِنَّهُ يُسْتَنْجَى بِالْمَاءِ دُونَ هَذِهِ، وَكَذَلِكَ إزَالَةُ سَائِرِ النَّجَاسَاتِ بِالْمَاءِ.
وَأَيْضًا: فَقَد ثَبَتَ فِي "صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ" وَغَيْرِهِ عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ سُئِلَ عَن فَأْرَةٍ وَقَعَتْ فِي سَمْنٍ فَقَالَ: "أَلقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا وَكُلُوا سَمْنكُمْ" (٢) . الحواشي
(١) يُستثنى من ذلك إذا ولغ الكلب في الإناء الصغير، فإنه يجب إراقة الماء وغسل الإناء ولو لم يتغير طعمه أو لونه أو رائحته، وذلك للنص الصحيح، ولأن علّةَ تنجيسِه قد تكون خفيَّةً علينا.(٢) البخاري(٢٣٥) .стр. 1693
فَأَجَابَهُم النَّبِيُّ ﷺ جَوَابًا عَامًّا مُطْلَقًا بِأَنْ يُلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا وَأَنْ يَأْكُلُوا سَمْنَهُمْ، وَلَمْ يستفصلهم: هَل كَانَ مَائِعًا أَو جَامِدًا؟
وَتَرْكُ الاستفصال فِي حِكَايَةِ الْحَالِ مَعَ قِيَامِ الِاحْتِمَالِ يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْعُمُومِ فِي الْمَقَالِ (١) .
مَعَ أَنَّ الْغَالِبَ عَلَى سَمْنِ الْحِجَازِ أَنْ يَكُونَ ذَائِبًا، وَقَد قِيلَ: إنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا ذَائِبًا.
وَالْغَالِبُ عَلَى السَّمْنِ أَنَّهُ لَا يَبْلُغُ الْقُلَّتَيْنِ، مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَسْتَفْصِلْ: هَل كَانَ قَلِيلًا أَو كَثِيرًا.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَد رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ: "إنْ كَانَ جَامِدًا فَأَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا وَكُلُوا سَمْنكُمْ وَإِن كَانَ مَائِعًا فَلَا تَقْرَبُوهُ"؟
قيل: نَحْنُ جَازِمُونَ بِأَنَّ هَذ الزِّيَادَةَ لَيْسَتْ مِن كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَلِذَلِكَ رَجَعْنَا عَن الْإِفْتَاءِ بِهَا بَعْدَ أَنْ كُنَّا نُفْتِي بِهَا أَوَّلًا، فَإِنَّ الرُّجُوعَ إلَى الْحَقِّ خَيْرٌ مِن التَّمَادِي فِي الْبَاطِلِ (٢) . [٢١/ ٥١٤ - ٥١٥]
* * *
(الْوُضُوءُ مِن خَصَائِصِ أمَّةِ محَمَّدٍ)
٢٢٤٢ - أَخْبَرَ اللهُ عَن الْأَنْبِيَاءِ بِالسُّجُودِ الْمُجَرَّدِ فِي مِثْل قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا (٥٨) ﴾ [مريم: ٥٨] وَلَمْ يَكُونُوا مَأْمُورِينَ بِالْوُضُوءِ؛ فَإِنَّ الْوُضُوءَ مِن خَصَائِصِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ؛ كَمَا جَاءَت الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ أَنَّهُم يُبْعَثُونَ يَوْمَ الْقِيَامَة غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِن آثَارِ الْوُضُوءِ، الحواشي
(١) هذه قاعدةٌ أُصوليةٌّ كبيرة عظيمة النفع.(٢) هذا شأن أهل العلم الصادقين الطالبين للحق، الذين لا يترددون أبدًا في التراجع عن أقوالهم وآرائهم إذا تبين لهم أنّ الحق على خلافها.стр. 1694
وَأَنَّ الرَّسُولَ يَعْرِفُهُم بِهَذِهِ السِّيمَاءِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَشْرَكُهُم فِيهَا غَيْرُهُمْ.
وَالْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَغَيْرُهُ أَنَّه تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً وَمَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ وَثَلَاثًا ثَلَاثًا وَقَالَ: "هَذَا وُضُوئِي وَوُضُوءُ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي": حَدِيثٌ ضَعِيفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ، لَا يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِمِثْلِهِ، وَلَيْسَ عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ خَبَرٌ عَن أَحَدٍ مِن الْأَنْبِيَاءِ أَنَّهُ كَانَ يَتَوَضَّأُ وُضُوءَ الْمُسْلِمِينَ، بِخِلَافِ الِاغْتِسَالِ مِن الْجَنَابَةِ فَإِنَّهُ كَانَ مَشْرُوعًا. [٢٣/ ١٦٧ - ١٦٨]
* * *
(الأمر بالوضوء مما مست النار)
٢٢٤٣ - أَمَرَ- النبي ﷺ بِالْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ (١) ، وَقَد ثَبَتَ فِي أَحَادِيثَ صَحِيحَةٍ أَنَّهُ أَكَلَ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ (٢) .
فَقِيلَ: إنَّ الْأَوَّلَ مَنْسُوخٌ، لَكِنْ لَمْ يَثْبُتْ أَنَّ ذَلِكَ مُتَقَدِّمٌ عَلَى هَذَا؛ بَل رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ وَإِسْلَامُهُ مُتَأَخِّرٌ عَن تَارِيخِ بَعْضِ تِلْكَ الْأَحَادِيثِ، كَحَدِيثِ السَّوِيقِ الَّذِي كَانَ بِخَيْبَر، فَإِنَّهُ كَانَ قَبْلَ إسْلَامِ أَبِي هُرَيْرَةَ.
وَقيلَ: بَلِ الْأَمْرُ بِالتَّوَضُّؤِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ اسْتِحْبَابٌ؛ كَالْأَمْرِ بِالتَّوَضُّؤِ مِنَ الْغَضَبِ، وَهَذَا أَظْهَرُ الْقَوْلَيْنِ، وَهُمَا وَجْهَانِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد.
فَإِنَّ النَّسْخَ لَا يُصَارُ إلَيْهِ إلَّا عِنْدَ التَّنَافِي وَالتَّارِيخِ، وَكِلَاهُمَا مُنْتَفٍ، بِخِلَافِ حَمْلِ الْأَمْرِ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ فَإِنَّ لَهُ نَظَائِرَ كَثيرَةً.
وَكَذَلِكَ التَّوَضُّؤُ مِن مَسِّ الذَّكَرِ وَمَسّ النِّسَاءِ هُوَ مِن هَذَا الْبَابِ؛ لِمَا فِيهِ الحواشي
(١) رواه مسلم(٣٥١) .(٢) قال البخاري: بَابُ مَن لَمْ يَتَوَضَّأْ مِن لَحْمِ الشَّاةِ وَالسَّوِيقِ، وَأكَلَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ ﵃ فَلَمْ يَتَوَضَّئُوا.
ثم روى عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ "أَكَلَ كَتِفَ شَاةٍ، ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ".стр. 1695
مِن تَحْرِيكِ الشَّهْوَةِ؛ فَالتَّوَضُّؤُ مِمَّا يُحَرِّكُ الشَّهْوَةَ؛ كَالتَّوَضُّؤِ مِنَ الْغَضَبِ وَمَا مَسَّتْهُ النَّارُ: هُوَ مِن هَذَا الْبَابِ، فَإِنَّ الْغَضَبَ مِنَ الشَّيْطَانِ وَالشَّيْطَانُ مِنَ النَّارِ.
وَأَمَّا لَحْمُ الْإِبِلِ فَقَد قِيلَ: التَّوَضُّؤُ مِنْهُ مُسْتَحَبٌّ، لَكِنَّ تَفْرِيقَ النَّبِيِّ ﷺ بَيْنَهُ وَبَيْنَ لَحْمِ الْغَنَمِ - مَعَ أَنَّ ذَلِكَ مَسَّتْهُ النَّارُ وَالْوُضُوءُ مِنْهُ مُسْتَحَبٌّ - دَلِيلٌ عَلَى الِاخْتِصَاصِ، وَمَا فَوْقْ الِاسْتِحْبَابِ إلَّا الْإِيجَابُ، وَلِأَنَّ الشَّيْطَنَةَ فِي الْإِبِلِ لَازِمَةٌ وَفِيمَا مَسَّتْه النَّارُ عَارِضَةٌ، وَلهَذَا نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ فِي أَعْطَانِهَا لِلُزومِ الشَّيْطَانِ لَهَا، بِخِلَافِ الصَّلَاةِ فِي مَبَارِكِهَا فِي السَّفَرِ فَإِنَّهُ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ عَارِضٌ.
وَالْحُشُوشُ مُحْتَضَرَةٌ (١) ، فَهِيَ أَوْلَى بِالنَّهْيِ مِن أَعْطَانِ الْإِبِلِ.
وَكَذَلِكَ الْحَمَّامُ بَيْتُ الشَّيْطَانِ.
وَالْخَبَائِثُ الَّتِي أُبِيحَتْ لِلضَّرُورَةِ كَلُحُومِ السِّبَاعِ أَبْلَغُ فِي الشَّيْطَنَةِ مِن لُحُومِ الْإِبِلِ فَالْوُضُوءُ مِنْهَا أَوْلَى.
وَكَذَلِكَ مَسُّ النِّسَاءِ لِشَهْوَةِ إذَا قِيلَ بِاسْتِحْبَابِهِ فَهَذَا يَتَوَجَّهُ، وَأَمَّا وُجُوبُ ذَلِكَ فَلَا يَقُومُ الدَّلِيلُ إلَّا عَلَى خِلَافِهِ، وَلَا يَقْدِرُ أَحَدٌ قَطُّ أَنْ يَنْقُلَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَأمُرُ أَصْحَابَهُ بِالْوُضُوءِ مِن مَسِّ النِّسَاءِ، وَلَا مِنَ النَّجَاسَاتِ الْخَارِجَةِ (٢) ؛ لِعُمُومِ الْبَلْوَى بِذَلِكَ.
وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْوُضُوءُ مِن مَسِّ الذَّكَرِ، وَلَا النِّسَاءِ، وَلَا خُرُوجِ النَّجَاسَاتِ مِن غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ (٣) ، وَلَا الْقَهْقَهَةِ، وَلَا غُسْلِ الْمَيِّتِ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ مَعَ الحواشي
(١) أي: يحضرها الشياطين.
عَنْ زَيْدِ بْن أَرْقَمَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ هَذِهِ الْحُشُوشَ مُحْتَضَرَةٌ، فَإِذَا دَخَلَ أحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ". رواه ابن ماجه(٢٩٦) ، وأبو داود(٦) ، وصحَّحه الألباني.(٢) أي: لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ قَطُّ أَنْ يَنْقُلَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ أَصْحَابَهُ بِالْوُضُوءِ من النجاسات الخارجة من غير المخرج؛ كالدم والقيء وغيرهما.(٣) قال الشيخ في موضع آخر: فَإِنَّهُ لَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ عَنْهُ ﷺ بِإسْنَادٍ يَثْبُتُ مِثْلُهُ أَنَّهُ أَمَرَ بِذَلِكَ، مَعَ =стр. 1696
الْمُوجِبِينَ دَلِيلٌ صَحِيحٌ؛ بَلِ الْأَدِلَّةُ الرَّاجِحَةُ تَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ، لَكِنَّ الِاسْتِحْبَابَ مُتَوَجِّةٌ ظَاهِرٌ، فَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَوَضَّأَ، مِن مَسِّ النِّسَاءِ لِشَهْوَة، ويُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَوَضَّأَ مِنَ الْحِجَامَةِ وَالْقَيءِ وَنَحْوِهِمَا.
وَكَذَلِكَ الْقَهْقَهَةُ فِي الصَّلَاةِ ذَنْبٌ، ويُشْرَعُ لِكلِّ مَن أَذْنَبَ أَنْ يَتَوَضَّأَ.
وَأَمَّا الْوُضُوءُ مِنَ الْحَدَثِ الدَّائِمِ لِكُلِّ صَلَاةٍ: فَفِيهِ أَحَادِيثُ مُتَعَدِّدَةٌ عَنِ
النَّبِيِّ ﷺ ، قَدْ صَحَّحَ بَعْضَهَا غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ، فَقَوْلُ الْجُمْهُورِ الَّذِينَ يُوجِبُونَ الْوُضُوءَ لِكُلِّ صَلَاةٍ أَظْهَرُ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد (١) . [٢٠/ ٥٢٤ - ٥٢٧]
٢٢٤٤ - تَنَازَعَ الْمُسْلِمُونَ فِي الْوُضوءِ مِن خُرُوجِ الدَّمِ بِالْفِصَادِ وَالْحِجَامَةِ وَالْجَرْحِ وَالرُّعَافِ وَفِي الْقَيْءِ، وَفِيهِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ، وَقَد نُقِلَ عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ تَوَضَّأَ مِن ذَلِكَ، وَعَن كَثِيرٍ مِن الصَّحَابَةِ، لَكِنْ لَمْ يَثْبُتْ قَطُّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَوْجَبَ الْوُضُوءَ مِن ذَلِكَ؛ بَل كَانَ أَصْحَابُهُ يَخْرُجُونَ فِي الْمَغَازِي فَيُصَلُّونَ وَلَا يَتَوَضَّؤونَ؛ وَلهَذَا قَالَ طَائِفَةٌ مِن الْعُلَمَاءِ: إنَّ الْوُضُوءَ مِن ذَلِكَ مُسْتَحَبٌّ غَيْرُ الحواشي
(١) جاء في الاختيارات(٢٧) ، والفتاوى الكبرى (٢/ ٣٠٦): الأحداث اللازمة كدم الاستحاضة وسلس البول لا تنقض الوضوء ما لم يوجد المعتاد وهو مذهب مالك.
فهذا يُخالف ما جاء في المجموع، ولعل للشيخ قولين في المسألة.стр. 1697
وَاجِبٍ، وَكَذَلِكَ قَالَ فِي الْوُضُوءِ مِن مَسِّ الذَّكَرِ، ومَسِّ الْمَرْأَةِ لِشَهْوَةِ إنَّهُ يُسْتَحَبُّ الْوُضُوءُ مِن ذَلِكَ وَلَا يَجِبُ، وَكَذَلِكَ قَالُوا فِي الْوُضُوءِ مِن الْقَهْقَهَةِ، ومِمَّا مَسَّت النَّارُ إنَّ الْوضُوءَ مِن ذَلِكَ يُسْتَحَبُّ وَلَا يَجِبُ، فَمَن تَوَضَّأَ فَقَد أَحْسَنَ، وَمَن لَمْ يَتَوَضَّأْ فَلَا شَيءَ عَلَيْهِ، وَهَذَا أَظْهَرُ الْأَقْوَالِ. [٢٥/ ٣٥٨]
* * *
باب الآنية
٢٢٤٥ - الْمُضَبَّبُ بِالْفِضَّةِ مِنَ الْآنِيَةِ وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهَا مِنَ الْآلَاتِ -سَوَاءٌ سُمِّيَ الْوَاحِدُ مِن ذَلِكَ إنَاءً أَو لَمْ يُسَمَّ- وَمَا يَجْرِي مَجْرَى الْمُضَبَّبِ: إِنْ كَانَتِ الضَّبَّةُ يَسِيرَةً لِحَاجَةِ مِثْل تَشْعِيبِ الْقَدَحِ وَشُعَيْرَةِ السِّكِّينِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُبَاشَرُ بِالِاسْتِعْمَالِ: فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ.
وَمُرَادُ الْفُقَهَاءِ بِالْحَاجَةِ هنا: أَنْ يَحْتَاجَ إلَى تِلْكَ الصُّورَةِ كَمَا يَحْتَاجُ إلَى التَّشْعِيبِ وَالشُّعَيْرَةِ، سَوَاءٌ كَانَ مِن فِضَّةٍ أَو نُحَاسٍ أَو حَدِيدٍ أَو غَيْرِ ذَلِكَ، وَلَيْسَ مُرَادُهُم أَنْ يَحْتَاجَ إلَى كَوْنِهَا مِن فِضَّةٍ؛ بَل هَذَا يُسَمُّونَهُ فِي مِثْل هَذَا ضَرُورَةً، وَالضَّرُورَةُ تُبِيحُ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ مُفْرَدًا وَتبَعًا.
وَأَمَّا إنْ كَانَ الْيَسِيرُ لِلزِّينَةِ فَفِيهِ أَقْوَالٌ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ: التَّحْرِيمُ وَالْإِبَاحَةُ وَالْكَرَاهَةُ.
وَلهَذَا كَرِهَ [أي: الإمام أحمد] حَلْقَة الذَّهَبِ فِي الْإِنَاءِ اتِّبَاعًا لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ فِي ذَلِكَ فَإِنَّهُ كَرِهَ ذَلِكَ، وَهُوَ أَوْلَى مَا اُتُّبعَ فِي ذَلِكَ.
وَأَمَّا مَا يُرْوَى عَنْهُ مَرْفُوعًا: "مِن شُرْبٍ فِي إنَاءِ ذَهَبٍ أَو فِضَّةٍ أَو إنَاءٍ فِيهِ شَيءٌ مِن ذَلِكَ" (١) : فَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ، وَلهَذَا كَانَ الْمُبَاحُ مِنَ الضَّبَّةِ إنَّمَا يُبَاحُ لَنَا اسْتِعْمَالُهُ عِنْدَ الْحَاجَةِ. الحواشي
(١) قال الذهبي في ميزان الاعتدال (٤/ ٤٠٦): منكر. وقال الألباني في تخريج مشكاة المصابيح(٤٢١٥) : إسناده ضعيف وأصل الحديث صحيح.стр. 1698
فَأَمَّا بِدُونِ ذَلِكَ؟ قِيلَ: يُكْرَهُ، وَقِيلَ: يَحْرُمُ؛ وَلذَلِكَ كَرِهَ أَحْمَد الْحَلْقَةَ فِي الْإِنَاءِ اتبَاعًا لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، وَالْكَرَاهَةُ مِنْهُ: هَل تُحْمَلُ عَلَى التَّنْزِيهِ أَو التَّحْرِيمِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ لِأَصْحَابِهِ، وَهَذَا الْمَنْعُ هُوَ مُقْتَضَى النَّصِّ وَالْقِيَاسِ؛ فَإِنَّ تَحْرِيمَ الشَّيءِ مُطْلَقًا يَقْتَضِي تَحْرِيمَ كُلِّ جُزْءٍ مِنْهُ، كَمَا أَنَّ تَحْوِيمَ الْخِنْزِيرِ وَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ اقْتَضَى ذَلِكَ. [٢١/ ٨١ - ٨٥]
٢٢٤٦ - يحرم استعمال آنية الذهب والفضة واتخاذها.
ويحرم استعمال إناء مُفَضَّض (١) إذا كان كثيرًا، ولا يكره يسيره لحاجة ويكره لغيرها.
وكلام أحمد ﵀ لمن تدبره لم يتعرض للحاجة وعدمها، وإنما فرّق بين ما يستعمل وبين ما لا يستعمل؛ فإنه قال: رأس المكحلة والميل وحلقة المرآة إذا كانا من الفضة فهو من الآنية، وما لا يستعمل فهو أهون مثل الضبة في السكين والقدح.
فقد نصَّ على أنه إذا كان الفرق في الاستعمال كالحلقة يمسك بها الإناء وكذلك رأس المكحلة فليس كذلك، بخلاف قبضة السكين فإنها لا تستعمل، ثم أطلق: لا بأس بالضبة وأكره الحلقة، ولم يعتبر الحاجة.
وهذا بيِّن في أن الفضة تباح على سبيل التبع كالحرير، ومقتضى هذه الرواية أن يباح الكثير إذا كان أقل مما هو فيه ولم يستعمل، وهذا هو الصواب.
وحيث أبيحت الضبة فإنما يراد من إباحتها أن تحتاج إلى تلك الصورة، لا إلى كونها من ذهب أو فضة؛ فإن هذه ضرورة وهي تبيح المتعذر. [المستدرك ٣/ ١٨ - ٢٠] الحواشي
(١) أي: مَطْلِيّ بِالفِضّة.стр. 1699
٢٢٤٧ - خَاتَمُ الْفِضَّةِ: يُبَاحُ بِاتِّفَاقِ الْأئِمَّةِ، فَإِنَّهُ قَد صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ اتَّخَذَ خَاتَمًا مِن فِضَّةٍ وَأَنَّ أصْحَابَهُ اتَّخَذُوا خَوَاتِيمَ.
بِخِلَافِ خَاتَمِ الذَّهَبِ فَإِنَّهَا حَرَامٌ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ الْأرْبَعَةِ، فَإِنَّهُ قَد صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ نَهَى عَن ذَلِكَ.
وبَابُ اللِّبَاسِ أَوْسَعُ مِن بَابِ الْآنِيَةِ، فَإنَّ آنِيَةَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ تَحْرُمُ عَلَى الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَأَمَّا بَابُ اللِّبَاسِ: فَإِنَّ لِبَاسَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ يُبَاحُ لِلنِّسَاءِ بِالِاتِّفَاقِ، وَيُبَاحُ لِلزجُلِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِن ذَلِكَ، وَيُبَاحُ يَسِيرُ الْفِضَّةِ لِلزِّينَةِ، وَكَذَلِكَ يَسِيرُ الذَّهَب التَّابعُ لِغَيْرِهِ كَالطُّرُزِ وَنَحْوِهِ فِي أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ الذَّهَبِ إلَّا مُقَطَّعًا.
فَأمَّا لبْسُ الْفِضَّةِ: إذَا لَمْ يَكُن فِيهِ لَفْظٌ عَامٌّ بِالتَّحْرِيمِ لَمْ يَكُن لِأَحَدٍ أَنْ يُحَرِّمَ مِنْهُ إلَّا مَا قَامَ الدَّليلُ الشَّرْعِيُّ عَلَى تَحْرِيمِهِ، فَإِذَا جَاءَتِ السُّنَّةُ بِإِبَاحَةِ خَاتَمِ الْفِضَّةِ كَانَ هَذَا دَلِيلًا عَلَى إبَاحَةِ ذَلِكَ، وَمَا هُوَ فِي مَعْنَاهُ وَمَا هُوَ أَوْلَى مِنْهُ بِالْإِبَاحَةِ، وَمَا لَمْ يَكُن كَذَلِكَ فَيَحْتَاجُ إلَى نَظَرٍ فِي تَحْلِيلِهِ وَتَحْرِيمِهِ (١) . [٢٥/ ٦٣ - ٦٥]
٢٢٤٨ - حِيَاصَةُ (٢) الذَّهَبِ: مُحَرَّمَةٌ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "الذَّهَبُ وَالْحَرِيرُ هَذَانِ حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِى حِلٌّ لإِنَاثِهَا" (٣) .
وَأَمَّا حِيَاصَةُ الْفِضَّةِ، فَفِيهَا نِزَاعٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ: وَقَد أَبَاحَهَا الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ. الحواشي
(١) قال أبن عثيمين ﵀: أمَّا الأكل والشُّرب فيهما - أي: في الذهب والفضة - فهو حرام بالنَّص، وحكى بعضهم الإجماع عليه.
والصَّحيح: أن الاتِّخاذ والاستعمال في غير الأكل والشُّرب ليس بحرام؛ لأن النبيَّ ﷺ نهى عن شيء مخصوص وهو الأكل والشُّرب. الشرح الممتع (١/ ٧٥).(٢) الحِياصَةُ: هي السير من الجلد، تُجْعل في الوسط.(٣) رواه أبو داود(٤٠٥٧) ، والترمذي(١٧٢٠) ، وابن ماجه(٣٥٩٥) ، والنسائي،(١٧٢٠) ، وصحَّحه الألباني في صفة الفتوى(٩٠) .стр. 1700
وَأَمَّا كِتَابَة الْقُرْآنِ عَلَيْهَا (١) : فَيُشْبِهُ كِتَابَة الْقُرْآنِ عَلَى الدِّرْهَمِ وَالدِّينَارِ، وَلَكِنْ يَمْتَازُ هَذَا بِأَنَّهَا تعَاد إلَى النَارِ بَعْدَ الْكِتَابَةِ وَهَذَا كُلُّهُ مَكْرُوهٌ، فَإِنَّهُ يُفْضِي إلَى ابْتِذَالِ الْقُرْآنِ وَامْتِهَانِهِ وَوُقُوعِهِ فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي يُنَزَّهُ الْقُرْآنُ عَنْهَا، فَإِنَّ الْحِيَاصَةَ وَالدِّرْهَمَ وَالدِّينَارَ وَنَحْو ذَلِكَ هُوَ فِي مَعْرِضِ الِابْتِذَالِ وَالِامْتِهَانِ (٢) . [٢٥/ ٦٦ - ٦٧]
٢٢٤٩ - يُبَاحُ إطْفَاءُ الْحَرِيقِ بِالْخَمْرِ، وَإِطْعَامُ الْمَيْتَةِ لِلْبُزَاةِ وَالصُّقُورِ، وَإِلْبَاسُ الدَّابَّةِ الثَّوْبَ النَّجِسَ، وَكَذَلِكَ الِاسْتِصْبَاحُ بِالدُّهْنِ النَّجِسِ فِي أَشْهَرِ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ وَهُوَ أَشْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ عَن أَحْمَد؛ وَهَذَا لِأَنَّ اسْتِعْمَالَ الْخَبَائِثِ فِيهَا يَجْرِي مَجْرَى الْإِتْلَافِ لَيْسَ فِيهِ ضَرَرٌ، وَكَذَلِكَ فِي الْأُمُورِ الْمُنْفَصِلَةِ، بِخِلَافِ اسْتِعْمَالِ الْحَرِيرِ وَالذَّهَبِ، فَإِنَّ هَذَا غَايَةُ السَّرَفِ وَالْفَخْرِ وَالْخُيَلَاءِ.
وَبِهَذَا يَظْهَرُ غَلَطُ مَن رَخَّصَ مِنَ الْفُقَهَاءِ مِن أَصْحَابِ أَحْمَد وَغَيْرِهِمْ فِي إلْبَاسِ دَابَّتِهِ الثَّوْبَ الْحَرِيرَ؛ قِيَاسًا عَلَى إلْبَاسِ الثَّوْبِ النَّجِسِ؛ فَإِنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ مَن يُجَوِّزُ افْتِرَاشَ الْحَرِيرِ وَوَطْأَهُ قِيَاسًا عَلَى الْمُصَوَّرَاتِ. [٢١/ ٨٣ - ٨٤]
٢٢٥٠ - التَّوَضُّؤُ وَالِاغْتِسَالُ مِن آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فِيهِ نِزَاعٌ مَعْرُوفٌ فِي مَذْهَب أَحْمَد لَكِنَّهُ مُرَكَّبٌ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ؛ بَل أَشْهُرُهُمَا عَنْهُ فِي الصَّلَاةِ فِي الَدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ وَاللِّبَاسِ الْمُحَرَّمِ كَالْحَرِيرِ وَالْمَغْصُوبِ وَالْحَجِّ بِالْمَالِ الْحَرَامِ وَذَبْحِ الشَّاةِ بِالسّكِّينِ الْمُحَرَّمَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا فِيهِ أَدَاءُ وَاجِبٍ وَاسْتِحْلَالُ مَحْظُورٍ.
فَأَمَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى الَّتِي يُصَحِّحُ فِيهَا الصَّلَاةَ وَالْحَجَّ ويُبِيحَ الذَّبْحَ: فَإِنَّهُ يُصَحِّحُ الطَّهَارَةَ مِن آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ. الحواشي
(١) أي: على الحزام الذي عُمل من فضة.(٢) لم يُحرم شيخ الإسلام ﵀ كِتَابَة الْقُرْآنِ على الحزام، ولم يقل بأن ذلك امتهان له، بل قال: يُفْضِي إلَى ابْتِذَالِ الْقُرْآنِ وَامْتِهَانِهِ، وهذا من ورعه، وعدم تحريم شيء إلا بدليل ظاهر، فكيف بمن حرَّم أقلّ من ذلك بزعم أنه امثهان للقرآن!стр. 1701
أمَّا عَلَى الْمَنْعِ فَلِأَصْحَابِهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: الصِّحَّةُ، كَمَا هُوَ قَوْلُ الخرقي وَغَيْرِهِ.
وَالثاني: الْبُطْلَانُ.
وَاَلَّذِينَ نَصَرُوا قَوْلَ الخرقي أَكْثَرُ أَصْحَابِ أَحْمَد: فَرَّقُوا بِفَرْقَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُحَرَّمَ هُنَا مُنْفَصِلٌ عَن الْعِبَادَةِ.
وَالْفَرْقُ الثَّانِي - وَهُوَ أَفْقَهُ - قَالُوا: التَّحْرِيمُ إذَا كَانَ فِي رُكْنِ الْعِبَادَةِ وَشَرْطِهَا أَثَّرَ فِيهَا، كَمَا إذَا كَانَ فِي الصَّلَاةِ فِي اللِّبَاسِ أَو الْبُقْعَةِ.
وَأَمَّا إذَا كَانَ فِي أَجْنَبِيِّ عَنْهَا لَمْ يُؤَثِّرْ، وَالْإِنَاءُ فِي الطَّهَارَةِ أَجْنَبِيٌّ عَنْهَا فَلِهَذَا لَمْ يُؤَثِّرْ فِيهَا (١) . [٢١/ ٨٩ - ٩٠]
٢٢٥١ - لِلنَّاسِ فِيمَا يُطَهِّرُهُ الدِّبَاغُ أَقْوَالٌ .. وَمَأْخَذُ التَّرَدُّدِ: أَنَّ الدِّبَاغَ هَل هُوَ كَالْحَيَاةِ فَيُطَهِّرُ مَا كَانَ طَاهِرًا فِى الْحَيَاةِ (٢) ، أَو هُوَ كَالذَّكَاةِ فَيُطَهِّرُ مَا طَهُرَ بِالذَّكَاةِ؟ (٣) ، وَالثَّانِي أَرْجَحُ.
وَدَلِيلُ ذَلِكَ: نَهْيُ النَّبِيِّ ﷺ عَن جُلُودِ السِّبَاعِ. [٢١/ ٩٥ - ٩٦]
* * * الحواشي
(١) هذا على القول بحرمة اتِّخاذ واستعمال آنِيَةِ الذَّهَب وَالْفِضَّةِ، والشيخ رجح في موضع آخر جواز لبس الفضة دون الذهب للرجال -إلا ماَ استُثني- ومن باب أولى الاستعمال والاتخاذ. ينظر كلامه في (٢٥/ ٦٣ - ٦٥).
وقد اختار العلَّامة ابن عثيمين ﵀ جواز ذلك فقال: أمَّا الأكل والشُّرب فيهما - أي: في الذهب والفضة - فهو حرام بالنَّص، وحكى بعضهم الإجماع عليه.
والصَّحيح: أن الاتِّخاذ والاستعمال في غير الأكل والشُّرب ليس بحرام؛ لأن النبيَّ ﷺ نهى عن شيء مخصوص وهو الأكل والشُّرب. الشرح الممتع (١/ ٧٥).(٢) فعلى هذا يطهر جلد الهر ونحوه.(٣) وعلى هذا لا يطهر إلا ما كان مأكول اللحم.стр. 1702
جلد الميتة
٢٢٥٢ - قال الشيخ تقي الدين في "شرح العمدة": ويباح استعماله (١) في اليابسات مع القول بالنجاسة في إحدى الروايتين (٢) ، وفي الأخرى: لا تباح وهو الأظهر، للنهي عن ذلك.
فأما قبل الدبغ فلا ينتفع به (٣) قولًا واحدًا.
والوجه الثاني: أنَّ الحكمَ قبل الدبغ وبعده سواء، قال في الفائق: ويباح الانتفاع بها في اليابسات اختاره الشيخ تقي الدين. اهـ (٤) .
الثاني: مفهوم كلامه أنه لا يجوز استعمالها في غير اليابسات كالمائعات ونحوها.
وقال الشيخ تقي الدين في فتاويه: يجوز الانتفاع بها في ذلك إن لم ينجس العين.
ولا يطهر جلد غير المأكول في الذكاة؛ بل لا يجوز ذبحه، وقال الشيخ تقي الدين: ولو كان في النزع.
ويجوز الانتفاع بالنجاسات في رواية .. وعنه: وشحم ميتة، أومأ إليه، ومال إليه شيخنا. [المستدرك ٣/ ٢١]
* * * الحواشي
(١) أى: جلد الميتة.(٢) عن الإمام أحمد.(٣) أي: بجلد الميتة، لا باليابسات ولا بالمائعات.(٤) لشيخ الإسلام قولان في استعمال الْجِلْد النَّجِس على القول بأنه لَا يَطْهُرُ بِالدَّبْغ:
الأول: أنه لا يجوز، وهو الذي رجحه في شرح العمدة.
الثاني: أنه يجوز.
ولذلك قال في الفروع (١/ ٧٣) بعد أن ساق كلام صاحب الفائق: فخَالَفَ هُنَا ظاهر ما قَالَهُ في شَرْحِ الْعُمدَةِ. اهـ.стр. 1703
(فأرة المسك)
٢٢٥٣ - فأرة المسك طاهرة عند جماهير العلماء، وليس ذلك فيما يبان من البهيمة وهي حية؛ بل هو بمنزلة البيض والولد واللَّبن والصوف. [المستدرك ٣/ ٢٢]
* * *
باب الاستنجاء
٢٢٥٤ - التَّنَحْنُحُ بَعْدَ الْبَوْلِ وَالْمَشْيُ وَالطَّفْرُ (١) إلَى فَوْقٍ وَالصُّعُودُ فِي السُّلَّمِ وَالتَّعَلُّقُ فِي الْحَبْلِ وَتَفْتِيشُ الذَّكَرِ بِإِسَالَتِهِ وَغَيْرُ ذَلِكَ: كُلُّ ذَلِكَ بِدْعَةٌ لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَلَا مُسْتَحَبِّ عِنْدَ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ؛ بَل وَكَذَلِكَ نَتْرُ الذَّكَرِ بِدْعَةٌ عَلَى الصَّحِيحِ، لَمْ يُشَرِّعْ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ .
وَكَذَلِكَ سَلْتُ الْبَوْلِ بِدْعَةٌ لَمْ يُشَرِّعْ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ .
وَالْحَدِيثُ الْمَرْوِيُّ فِي ذَلِكَ ضَعِيفٌ لَا أَصْلَ لَهُ وَالْبَوْلُ يَخْرُجُ بِطَبْعِهِ، وَإِذَا فَرَغَ انْقَطَعَ بِطَبْعِهِ، وَهُوَ كَمَا قِيلَ: كَالضَّرْعِ إنْ تَرَكْته قَرَّ وَإِن حَلَبْته دَرَّ.
وَكُلَّمَا فَتَحَ الْإِنْسَانُ ذَكَرَهُ فَقَد يَخْرُجُ مِنْهُ، وَلَو تَرَكَهُ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ.
وَقَد يُخَيَّلُ إلَيْهِ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْهُ وَهُوَ وَسْوَاسٌ، وَقَد يُحِسُّ مَن يَجِدُهُ بَرْدًا لِمُلَاقَاةِ رَأْسِ الذَّكَرِ فَيَظُنُّ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَمْ يَخْرُجْ.
وَالْبَوْلُ يَكُونُ وَاقِفًا مَحْبُوسًا فِي رَأسِ الْإِحْلِيلِ لَا يَقْطُرُ، فَإِذَا عَصَرَ الذَّكَرَ أَو الْفَرْجَ أَو الثُّقْبَ بِحَجَرٍ أو أُصْبُعٍ أَو غَيْرِ ذَلِكَ خَرَجَت الرُّطُوبَةُ فَهَذَا أَيْضًا بدْعَةٌ، وَذَلِكَ الْبَوْلُ الْوَاقِفُ لَا يَحْتَاجُ إلَى إخْرَاجٍ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ لَا بِحَجَرٍ وَلَا أُصْبُعٍ وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ، بَل كُلَّمَا أَخْرَجَهُ جَاءَ غَيْرُهُ فَإِنَّهُ يَرْشَحُ دَائِمًا.
وَالِاسْتِجْمَارُ بِالْحَجَرِ كَافٍ لَا يَحْتَاجُ إلَى غَسْلِ الذَّكَرِ بِالْمَاءِ. стр. 1704
ويُسْتَحَبُّ لِمَنِ اسْتَنْجَى أَنْ يَنْضَحَ عَلَى فَرْجِهِ مَاءً، فَإِذَا أَحَسَّ بِرُطُوبَتِهِ قَالَ: هَذَا مِن ذَلِكَ الْمَاءِ.
وَأَمَّا مَن بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ -وَهُوَ أَنْ يَجْرِيَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ لَا يَنْقَطِعُ- فَهَذَا يَتَّخِذُ حِفَاظًا يَمْنَعُهُ.
فَإِنْ كَانَ الْبَوْلُ يَنْقَطِعُ مِقْدَارَ مَا يَتَطَهَّرُ وَيُصَلِّي (١) ، وَإِلَّا صَلَّى، وَإِن جَرَى الْبَوْلُ - كَالْمُسْتَحَاضَةِ - تتوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ. [٢١/ ١٠٦ - ١٠٧]
٢٢٥٥ - تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِيمَا إذَا اسْتَجْمَرَ بِأَقَلَّ مِن ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، أَو اسْتَجْمَرَ بِمَنْهِيٍّ عَنْهُ؛ كَالرَّوْثِ وَالرُّمَّةِ وَبِالْيَمِينِ: هَل يُجْزِئُهُ ذَلِكَ؟ الحواشي
(١) فلْيصبر حتى ينقطع، وهذا يُسمى سلس البول المؤقت، وهو يستمر من ربع ساعة إلى ساعة أحيانًا بحسب قوة المرض.
فإن كان يسيرًا كقطرة أو قطرتين فهو مما يُعفَى عنه.
ومن تأمل يُسر الشريعة الإسلامية، وأنها ما جاءت إلا لرفع الحرج والأذى عن الناس، وتأمل سيرة النبي ﷺ وسيرة أصحابه، أيقن أنّ يسير النَّجاسات معفوٌّ عنها، كقطرات البول اليسيرة التي قد تخرج بعد الانتهاء من البول، بعد التحفظ والاحتياط.
ولا يلزم غسل الملابس منه للمشقة الناشئة منه، ولأنه يُؤدي إلى الوسواس والقلق وكثرة النظر إلى السروال، والتحسس منه.
قال العلَّامة خالد المشيقح حفظه الله - في جوابه لمن سأله عن خروج قطرات من البول بعد كل وضوء -: هذه القطرات التي تخرج منك بعد الوضوء معفو عنها، فإذا توضأت أو استجمرت ثم بعد ذلك خرج منك شيء من ذلك فامض إلى صلاتك ولا تلتفت إلى مثل هذه الأمور، ومن قواعد الشريعة المقررة المشقة تجلب التيسير والله يقول: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] ويقول ﷺ : "إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غبه". اهـ. موقع الشيخ، فتوى رقم(٤٠٩٣٠) .
وإذا كان يُعفى عن أثر الاستجمار بعد الإنقاء واستيفاء العدد -ومعلومٌ أنَّ الاستجمار لا يزيل النجاسة وأثرها تمامًا، بل يبقى أثرٌ لا يزيله إلا الماء-: فكيف لا يقال مع هذا إنه لا يعفى عن يسير نجاسة البول.
وأفضل طريقة في ذلك: أنْ يرش ماءً على السروال، في المكان القريب من مخرج البول، بحيث لو نزلت بعض القطرات زال أثر النجاسة بملاقاتها للماء الكثير، وحتى لا يُشغل باله: هل نزلت القطرات أم لا، فلو شك في خروج شيء من البول باحساس بلل فإنه سيقول هذا من الماء ولا يلتفت إليه.стр. 1705
وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ إذَا اسْتَجْمَرَ بِأَقَلَّ مِن ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ فَعَلَيْهِ تَكْمِيلُ الْمَأْمُورِ بِهِ.
وَأَمَّا إذَا اسْتَجْمَرَ بِالْعَظْمِ وَالْيَمِينِ فَإِنَّهُ يُجْزِئُهُ؛ فَإِنَّهُ قَد حَصَلَ الْمَقْصُودُ بِذَلِكَ وَإِن كَانَ عَاصِيًا، وَالْإِعَادَةُ لَا فَائِدَةَ فِيهَا، وَلَكِنْ قَد يُؤْمَرُ بِتَنْظِيفِ الْعَظْمِ مِمَّا لَوَّثَهُ بِهِ. [٢١/ ٢١١ - ٢١٢]
٢٢٥٦ - أما حمد العاطس وإجابة المؤذن (١) فيحمد ويجيب بقلبه، ويكره بلفظه، وعنه لا يكره.
قال الشيخ تقي الدين: يجيب المؤذن في الخلاء.
قال أبو العباس: أما مسألة الصلاة فتقارب مسألة الخلاء، فإن الحمد لله ذكر لله، ونص أحمد على أنه يقوله في الصلاة بمنزلة أذكار المخافتة، لكن لا يجهر به كما يجهر به خارج الصلاة، ليس أنه لا يُسمع نفسه. [المستدرك ٣/ ٢٢]
٢٢٥٧ - ينبغي أنْ نقول بوجوب الاستنجاء باليسرى ومسِّ (٢) الفرج بها؛ لأن النهي (٣) في كليهما (٤) . [المستدرك ٣/ ٢٣]
٢٢٥٨ - يحرم استقبال القبلة واستدبارها عند التخلي مطلقًا، سواء الفضاء والبنيان، ولا يكفي انحرافه عن الجهة. [المستدرك ٣/ ٢٣]
٢٢٥٩ - يستحب أن يمكث بعد البول قليلًا. [المستدرك ٣/ ٢٣]
٢٢٦٠ - نص أحمد: لا يستجمر في غير المخرج، وقيل: يستجمر في الحواشي
(١) في الخلاء.(٢) في الأصل: (ومسح)، والتصحيح من الإنصاف (٨/ ٣٢٦).
ونقل عنه قوله: لو زَادَ الرَّحْمَنَ الرَّحِيمَ عِنْدَ الْأكْلِ لَكَانَ حَسَنًا فإنه أكمل، بِخِلَافِ الذَّبْحِ فإنه قد قِيلَ: لَا يُنَاسِبُ ذلك.(٣) أي: النهي عن مس الفرج باليمين والاستنجاء بها.(٤) ثبت في الصحيحين عن أَبِي قَتَادَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنه قَالَ: "إِذَا بَالَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَأْخُذَنَّ ذَكرَهُ بِيَمِينهِ، وَلَا يَسْتَنْجِي بِيَمِينهِ، وَلَا يَتَنَفَّسْ فِي الإِنَاءِ".стр. 1706
الصفحتين والحشفة، واختار شيخنا وغيره ذلك؛ لعموم الأدلة بجواز الاستجمار ولم ينقل عنه ﷺ في ذلك تقدير.
وحدد الشيخ تقي الدين في "شرح العمدة" ما يتجاوز موضع العادة بأن ينتشر الغائط إلى نصف باطن الألية فأكثر، والبول إلى نصف الحشفة فأكثر فحينئذ يتعين الماء. [المستدرك ٣/ ٢٣]
٢٢٦١ - قوله: وفي وجوب غسل ما أمكن من داخل فرج ثيب في نجاسة وجنابة وجهان: أحدهما: لا يجب وهو الصحيح نص عليه، واختاره المجد وحفيدُه وغيرهما. [المستدرك ٣/ ٢٣ - ٢٤]
٢٢٦٢ - إذا كان في المسجد بركة يغلق عليها بابه ويمشي حولها دون أن يصلي حولها فهل يبال فيها؟
هذا يشبه البول في المسجد في القارورة، ومن الفقهاء من نهى عنه لأن هواء المسجد كقرارهِ في الحرمة، ومنهم من يرخص للحاجة، والأشبه أن هذا إذا فعل للحاجة فقريب، وأما إذا اتخذ مبالًا أو متنجى فلا. [المستدرك ٣/ ٢٤]
٢٢٦٣ - لا يغسل في المسجد ميت. [المستدرك ٣/ ٢٤]
٢٢٦٤ - يجوز عمل مكان فيه للوضوء للمصلين وفي نسخة للمصلحة بلا محذور (١) . [المستدرك ٣/ ٢٤] الحواشي
(١) ويجوز إدخال دورات المياه داخل المسجد إذا أحيطت بجدار كما هو الواقع في كثير من المساجد، فيما عدا قبلة المسجد، إذا لم يحصل على المساجد وأهلها أذى منها؛ لعدم وجود دليل شرعي يمنع من ذلك.
فأما إذا كانت دورات المياه في جهة القبلة فلا تخلو من ثلاث حالات:
الحالة الأولى: إذا لم يَكُن حَائِلٌ بين الْمُصَلِّي وَبَيْنَها، فلا تَصِحُّ الصَّلَاةُ.
قال في الإنصاف: لا تَصِحُّ الصَّلَاةُ إلَى الْمَقْبَرَةِ فَقَطْ، وَعَنْهُ: لَا تَصِحُّ إلَى الْمَقْبَرَةِ وَالْحُشِّ اخْتَارَهُ بن حَامِدِ وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
الحالة الثانية: إذَا كان بين الْمُصَلِّي وَبَيْنَها حَائِلٌ منفصلٌ عن جدار المسجد - قال في الإنصاف: وَلَو كَمُؤَخِّرَةِ الرَّحْلِ -: صَحَّت الصَّلَاةُ. =стр. 1707
٢٢٦٥ - "إلا الروث والعظام" واختار الشيخ تقي الدين الإجزاء بهما، قال في الفروع: وظاهر كلام الشيخ تقي الدين وبما نُهي عنه، قال: لأنه لم ينه عنه لكونه لا يُنَقِّي بل لإفساده.
فإن قيل: يزول بطعامنا مع التحريم فهذا أولى، واختار الشيخ تقي الدين في قواعده الاجزاء بالمطعوم ونحوه، ذكره الزركشي أيضًا.
وإن توضأ قبله (١) فهل يصح وضوءه؟ على روايتين: إحداهما: يصح، قال الشيخ تقي الدين في "شرح العمدة": هذا أشهر. [المستدرك ٣/ ٢٤ - ٢٥]
* * *
باب السواك وسنن الوضوء
٢٢٦٦ - السواك يطلق على الفعل، وعلى ما يتسوك به.
وهو في جميع الأوقات مستحب، والأصح ولو لصائم بعد الزوال وهو رواية عن أحمد.
وعنه: يستحب للصائم كل وقت اختاره شيخنا. [المستدرك ٣/ ٢٥]
٢٢٦٧ - أَمَّا السِّوَاكُ فِي الْمَسْجِدِ فَمَا عَلِمْتُ أَحَدًا مِن الْعُلَمَاءِ كَرِهَهُ؛ بَل الْآثَارُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ السَّلَفَ كَانُوا يَسْتَاكُونَ فِي الْمَسْجِدِ، ويجُوزُ أَنْ يَبْصُقَ الرَّجُلُ فِي ثيَابِهِ فِي الْمَسْجِدِ وَيَمْتَخِطَ فِي ثِيَابِهِ بِاتِّفَاقِ الْأئِمَّةِ وَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ الثَّابِتَةِ عَنْهُ؛ بَل يَجُوزُ التَّوَضُّؤُ فِي الْمَسْجِدِ بِلَا كَرَاهَةٍ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، فَإِذَا الحواشي
(١) يعني: إن توضأ تبل الاستنجاء.стр. 1708
جَازَ الْوُضوءُ فِيهِ مَعَ أَنَّ الْوُضُوءَ يَكُونُ فِيهِ السِّوَاكُ وَتَجُوزُ الصَّلَاةُ فِيهِ وَالصَّلَاةُ يُسْتَاكُ عِنْدَهَا فَكَيْفَ يُكْرَهُ السِّوَاكُ؟ وَإِذَا جَازَ الْبُصَاقُ وَالِامْتِخَاطُ فِيهِ فَكَيْفَ يُكْرَهُ السِّوَاكُ؟ (١) . [٢٢/ ٢٠١]
٢٢٦٨ - الْأَفْضَلُ أَنْ يَسْتَاكَ بِالْيُسْرَى .. وَمَا عَلِمْنَا أَحَدًا مِنَ الْأَئِمَّةِ خَالَفَ فِي ذَلِكَ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الِاسْتِيَاكَ مِن بَاب إمَاطَةِ الْأَذَى، فَهُوَ كَالِاسْتِنْثَارِ وَالِامْتِخَاطِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا فِيهِ إزَالَةُ الْأَذَى، وَذَلِكَ بِالْيُسْرَى، كَمَا أَنَّ إزَالَةَ النَّجَاسَاتِ كَالِاسْتِجْمَارِ وَنَحْوِهِ بِالْيُسْرَى، وَإِزَالَةُ الْأَذَى وَاجِبُهَا وَمسْتَحَبُّهَا بِالْيُسْرَى. [٢١/ ١٠٨]
٢٢٦٩ - أَمَّا الْخِتَانُ فَمَتَى شَاءَ اخْتَتَنَ، لَكنْ إذَا رَاهَقَ الْبُلُوغَ فَيَنْبَغِي أَنْ يَخْتَتِنَ، كَمَا كَانَتِ الْعَرَبُ تَفْعَلُ لِئَلَّا يَبْلُغَ إلَّا وَهُوَ مَخْتُونٌ. [٢١/ ١١٣] الحواشي
(١) قولُه ﷺ : "أَمَّا السِّوَاكُ فِي الْمَسْجِدِ فَمَا عَلِمْتُ أَحَدًا مِن الْعُلَمَاءِ كَرِهَهُ": فيه نظر، فالخلاف في هذه المسألة ثابت.
قال في منح الجليل (٨/ ٨٩): "يكره السواك في المسجد". اهـ.
وقال ابن رجب ﵀ في فتح الباري (٨/ ١٢٣ - ١٢٤): وقد أنكر طائفة من العلماء السواك عند إرادة الصلاة المفروضة في المسجد، وقالوا: ليس فيه نص عن النبي ﷺ ، وإنما كان النبي ﷺ إذا قام من الليل للتهجد في بيته.
وحكي عن مالكٍ أنه يكره السواك في المساجد. اهـ.
وجزم ابن الملقن بنسبته للإمام مالك فقال: مذهب مالك كراهية الاستياك في المسجد. الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (١/ ٥٦٤).
وقال القرطبي في قول النبي ﷺ : "إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر": حجة لمالك في منع إدخال الميت المسجد، وتنزيهِها عن الأقذار جملة، فلا يقص فيها شعر، ولا ظفر، ولا يُتَسوَّك فيها؛ لأنه من باب إزالة القذر، ولا يتوضأ فيها، ولا يوكل فيها طعامٌ منتن الرائحة، إلى غير ذلك مما في هذا المعنى. اهـ. المفهم (١/ ٥٤٤).
وقوله ﵀: وَإِذَا جَازَ الْبُصَاقُ وَالِامْتِخَاطُ فِيهِ فَكَيْفَ يُكْرَهُ السِّوَاكُ؟
قيل: يجوز ذلك عند الحاجة، أما مع عدم الحاجة فلا ينبغي؛ لأنه يُؤذي مَن حوله، وفيه انشغال عن الصلاة والذكر، وكذلك لا ينبغي التّسوك في المسجد إذا لم يكن هناك حاجة، وكان قد استاك قبل دخوله للمسجد، ورائحة فمه طيبة.
والذي يظهر أنّ التسوك في المسجد لا يُكره، ولكنْ ينبغي للمسلم أنّ يستاك قبل دخول المسجد، وإذا دخل المسجد فينشغل بالصلاة والدعاء وقراءة القرآن.
وقد بسطت القول في هذه المسألة في كتابي: بَوَّابَةُ الْخُشُوعِ فِي الصَّلَاةِ (ص ٩٥).стр. 1709
٢٢٧٠ - وَسُئِلَ عَن الْمَرْأَةِ: هَل تَخْتَتِنُ أَمْ لَا؟
فَأَجَابَ: نَعَمْ تَخْتَتِنُ، وَخِتَانُهَا أَنْ تَقْطَعَ أَعْلَى الْجِلْدَةِ الَّتِي كَعُرْفِ الدِّيكِ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِلْخَافِضَةِ -وَهِيَ الْخَاتِنَةُ-: "أَشِمِّي وَلَا تُنْهِكِي فَإِنَّهُ أَبْهَى لِلْوَجْهِ وَأَحْظَى لَهَا عِنْدَ الزَّوْجِ" (١) ؛ يَعْنِي: لَا تُبَالِغِي فِي الْقَطْعِ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الْمَقْصُودَ بِخِتَانِ الرَّجُلِ تَطْهِيرُهُ مِنَ النَّجَاسَةِ الْمُحْتَقِنَةِ فِي الْقُلْفَةِ، وَالْمَقْصُودُ مِن خِتَانِ الْمَرْأَةِ تَعْدِيلُ شَهْوَتِهَا، فَإِنَّهَا إذَا كَانَت قلفاء كَانَت مُغْتَلِمَةً شَدِيدَةَ الشَّهْوَةِ؛ فَإِنَ القلفاء تَتَطَلَّعُ إلَى الرِّجَالِ أَكْثَرَ .. وَإِذَا حَصَلَت الْمُبَالَغَةُ فِي الْخِتَانِ ضَعُفَت الشَّهْوَةُ فَلَا يَكمُلُ مَقْصُودُ الرَّجُلِ، فَإِذَا قُطِعَ مِن غَيْرِ مُبَالِغَةٍ حَصَلَ الْمَقْصُودُ بِاعْتِدَالِ. [٢١/ ١١٤]
٢٢٧١ - لَا يُخْتَنُ أَحَدٌ بَعْدَ الْمَوْتِ. [٢١/ ١١٥]
٢٢٧٢ - يجب الختان إذا وجبت الطهارة والصلاة.
وينبغي إذا راهق البلوغ أن يختتن، كما كانت العرب تفعل لئلا يبلغ إلا وهو مختون.
زمن صغر أفضل إلى التمييز، وقال الشيخ تقي الدين: هذا المشهور. [المستدرك ٣/ ٢٧]
٢٢٧٣ - الترجل تسريح الشعر ودهنه.
واختار شيخنا فعل الأصلح بالبلد؛ كالغسل بماء حار ببلد رطب؛ لأن المقصود ترجيل الشعر، ولأنه فعل الصحابة ﵃، وأنَّ مثله نوع اللبس والمأكل، وأنهم لمَّا فتحوا الأمصار كان كلٌّ منهم يأكل من قوت بلده ويلبس من لباس بلده مِن غير أن يقصدوا قوت المدينة ولباسها (٢) . الحواشي
(١) رواه أبو داود وضعَّفه(٥٢٧١) ، ولكن صحَّحه الألباني.(٢) فالسُّنَة للمسلم موافقة الناس الذين يعيش فيهم في لباسهم، ويُستثنى من ذلك ثلاث حالات:
الحالة الأولى: إذا كان لباسًا ممنوعًا شرعًا، فإنه يجب اجتنابه عليه وعليهم. =стр. 1710
قال: ومن هذا أن الغالب على النبي ﷺ وأصحابه الإزار والرداء فهل هما أفضل لكل أحد ولو مع القميص؟ أو الأفضل مع القميص السراويل فقط؟ هذا مما تنازع فيه العلماء. والثاني أظهر.
فالاقتداء به تارة يكون في نوع الفعل، وتارة في جنسه، فإنه قد يفعل الفعل لمعنى يعم ذلك النوع وغيره لا لمعنى يخصه فيكون المشروع هو المعنى العام.
وهذا ليس مخصوصًا بفعله وفعل أصحابه؛ بل وبكثير مما أمرهم به ونهاهم عنه. [المستدرك ٣/ ٢٦]
٢٢٧٤ - يحرم حلق اللحية. [المستدرك ٣/ ٢٦]
٢٢٧٥ - حَلْقُ الرَّأْسِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَنْوَاعٍ:
أَحَدُهُمَا: حَلْقُهُ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَهَذَا مِمَّا أمَرَ اللهُ بِهِ وَرَسُولُهُ، وَهُوَ مَشْرُوعٌ ثَابِتٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ.
الحواشي
(١) = الحالة الثانية: إذا لم يكن يعيش معهم، بل جاء لزيارة عابرة قصيرة؛ كعلاج ونحوه، حيث بكون غريبًا بينهم، فلا حرج عليه أن يبقى على لباسِ أهل بلده؛ لأنه لا يعد ذلك شهرة.
الحالة الثالثة: إذا كان من أهل العلم، فينبغي أنْ يلبس لباسَ أهل العلم؛ ليُعرف ويُسأل ويُقبلَ قوله، قال العز بن عبد السلام رحمه الله تعالى: لَا بَأْسَ بِلُبْسِ شِعَارِ الْعُلَمَاءِ من أَهْلِ الدِّينِ لِيُعْرَفُوا بذَلِكَ فَيُسْأَلُوا، فَإِنِّي كُنْت مُحْرِمًا فَأَنْكَرْتُ على جَمَاعَةٍ من الْمُحْرِمِينَ لَا يَعْرِفُونَنِي ما أَخَلُّوا بِهِ من آدَابِ الْمَطَافِ فلم يَقْبَلُوا، فلما لَبِسْتُ ثِيَابَ الْفُقَهَاءِ وَأَنْكَرْتُ على الطَّائِفِينَ ما أَخلُّوا بهِ من آدَابِ الطَّوَافِ سَمِعُوا وَأَطَاعُوا، فإذا لَبِسَ شِعَارَ الْفُقَهَاءِ لِهَذَا الْغَرَضِ كان له فيه أَجْرٌ؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ إلَى امْتِثَالِ أَمْرِ اللهِ وَالِانْتِهَاءِ عَمَّا نهى اللهُ عنه. اهـ.
وقد ورد النهي عن لباس الشهرة، والمعتبر في الشهرة هو القصد والنية والرغبة في الاشتهار والكبر والفخر والتميز على الأقران، أما من لبس ثوبًا فاشتُهر به من غير قصد فلا يشمله النهي -إن شاء الله تعالى- ما لم يَعلم أن ذلك من لباس الشهرة، فيُصر عليه ولا يغيره؛ لقوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى".
وهذا اختيار العلَّامة الألباني ﵀.
يُنظر: فتاوى نور على الدرب (٢/ ٢٨٧)، سلسلة الهدى والنور، الفتاوى الكبرى الفقهية ابن حجر الهيتمي (١/ ٢٦٩)، لباس الرجل أحكامه وضوابطه للدكتور ناصر بن محمد الغامدي.стр. 1711
وَالنَّوْعُ الثَّانِي: حَلْقُ الرَّأْسِ لِلْحَاجَةِ مِثْلُ أَنْ يَحْلِقَهُ لِلتَّدَاوِي، فَهَذَا أَيْضًا جَائِزٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ.
النَّوْعُ الثَّالِثُ: حَلْقُهُ عَلَى وَجْهِ التَّعَبُّدِ وَالتَّدَيُّنِ وَالزُّهْدِ مِن غَيْرِ حَجِّ وَلَا عُمْرَةٍ؛ مِثْل مَا يَأْمُرُ بَعْضُ النَّاسِ التَّائِبَ إذَا تَابَ بِحَلْقِ رَأْسِهِ، وَمِثْل أَنْ يُجْعَلَ حَلْقُ الرَّأسِ شِعَارَ أَهْلِ النُّسُكِ وَالدِّينِ.
فَهَذَا بِدْعَة لَمْ يَامُرِ اللّهُ بِهَا وَلَا رَسُولُهُ، وَلَيْسَتْ وَاجِبَةً وَلَا مُسْتَحَبَّةً عِنْدَ أَحَدٍ مِن أئِمَّةِ الدِّينِ.
وَالنَّوْعُ الرَّابعُ: أَنْ يَحْلِقَ رَأْسَهُ فِي غَيْرِ النُّسُكِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ وَلَا عَلَى وَجْهِ التَّقَرُّبِ وَالتَّدَيُّنِ، فَهَذَا فِيهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ هُمَا رِوَايَتَانِ عَن أَحْمَد: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مَكرُوهٌ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ مُبَاحٌ. [٢١/ ١١٦ - ١١٩]
٢٢٧٦ - ليس حلق الرأس في غير نسك بسُنَّة ولا قربة باتفاق المسلمين.
وتنازعوا في كراهته، وكان ابن عمر ﵄ يعزر بحلق الرأس فإنه كان عند السلف مُثْلهٌ. [المستدرك ٣/ ٢٧]
٢٢٧٧ - قال ابن القيم ﵀: ويتعلق بالحلق مسألة القزع، وهي حلق بعض رأس الصبي وترك بعضه، وقال: أخرجاه في "الصحيحين" (١) من حديث عبد الله بن عمر عن عمر بن نافع عن أبيه، عن ابن عمر قال: "نهى رسول الله ﷺ عن القَزَعِ، والقَزَعُ أن يحلق بعض رأس الصبي ويدع بعضه".
قال شيخنا: وهذا من كمال محبة الله ورسوله للعدل فإنه أمر به حتى في شأن الإنسان مع نفسه، فنهاه أن يحلق بعض رأسه ويترك بعضه؛ لأنه ظلم للرأس حيث ترك بعضه كاسيًا وبعضه عاريًا، ونظير هذا أنه نهى عن الجلوس بين الشمس والظل فإنه ظلم لبعض بدنه، ونظيره: نَهَى أن يمشي الرجل في نعل واحدة؛ بل إما أن ينعلهما أو يحفيهما. [المستدرك ٣/ ٢٧ - ٢٨] الحواشي
(١) البخاري(٥٩٢٠) ، ومسلم(٢١٢٠) .стр. 1712
٢٢٧٨ - نَتْفُ الشَّيْبِ مَكْرُوهٌ. [٢١/ ١٢٠]
٢٢٧٩ - هل أحاديث الأمر بغسل اليدين من القيام من الليل واجب؟ فيه روايتان: إحداهما واجب، والرواية الثانية: لا تنهض لذلك، اختارها الخرقي والشيخان.
هل يستحب أخذ ماء جديد لهما (١) ؟ فيه روايتان: إحداهما: يستحب مسحهما بماء جديد، والثائية: لا يستحب؛ بل يمسحان بماء الرأس اختاره القاضي .. والشيخ تقي الدين. [المستدرك ٣/ ٢٨]
* * *
باب فروض الوضوء وصفته
٢٢٨٠ - لم يرد الوضوء بمعنى غسل اليد والفم إلا في لغة اليهود.
وهو من خصائص هذه الأمة كما جاءت الأحاديث الصحيحة: "أنهم يبعثون يوم القيامة غرًّا" (٢) الحديث.
وحديث ابن ماجه: "وضوء الأنبياء قبلي" (٣) ضعيف عند أهل العلم بالحديث لا يجوز الاحتجاج بمثله، وليس عند أهل الكتاب خبرٌ عن أحد من الأنبياء أنه كان يتوضأ وضوء المسلمين (٤) ، بخلاف الاغتسال من الجنابة فإنه كان مشروعًا، ولم يكن لهم تيمم إذا عدموا الماء. [المستدرك ٣/ ٢٩] الحواشي
(١) أي: للأذنين.(٢) رواه البخاري(١٣٦) ، ومسلم(٢٤٦) .(٣) رواه الإمام أحمد(٥٧٣٥) بلفظ: "مَن تَوَضَّأَ وَاحِدةً فَتِلْكَ وَظِيفَةُ الْوُضُوءِ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا، وَمَن تَوَضَّأَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُ كِفْلَيْنِ، وَمَن تَوَضَّأَ ثَلَاَثًا فَذَلِكَ وُضُوئِي وَوُضُوءُ الْأَنبِيَاءِ قَبْلِي".(٤) وقد ثبت أصلُ الوضوء فيمن قبلنا، ففي صحيح البخاري أنّ إِبْرَاهِيم ﵇ حينما هاجر بِسَارَةَ، ودَخَلَ بِهَا قَرْيَةً فِيهَا مَلِكٌ مِنَ المُلُوكِ، فطلبها منه، فأَرْسَلَ بِهَا إِلَيْهِ فَقَامَ إِلَيْهَا، فَقَامَتْ تَوَضَّأُ وَتُصَلِّي.
قال الحافظ ابن حجر ﵀: فِيهِ أَنَّ الْوُضُوءَ كَانَ مَشْرُوعًا لِلْأُمَمِ قَبْلَنَا وَلَيْسَ مُخْتَصًّا بِهَذِهِ الْأُمَّةِ وَلَا بِالْأَنْبِيَاءِ لِثُبُوتِ ذَلِكَ عَنْ سَارَةَ. اهـ. فتح الباري (٦/ ٣٩٤).стр. 1713
٢٢٨١ - يجب الوضوء بالحدث، وقيل: يجب بإرادة الصلاة بعده. قال الشيخ تقي الدين: والخلاف لفظي. [المستدرك ٣/ ٢٩]
٢٢٨٢ - الوضوء عبادة لأنه لا يعلم إلا من الشارع، وكل فعل لا يعلم إلا من الشارع فهو عبادة كالصلاة والصوم، ولأنه مستلزم للثواب كما وعد عليه النبي ﷺ المتوضئ بتكفير خطاياه، فلا بد فيه من النية، ومن لم يوجب النية رأى ذلك من شرائط الصلاة فهو كالسترة. [المستدرك ٣/ ٢٩]
٢٢٨٣ - وإن نوى الحدثين - وقال شيخنا: أو الأكبر -: ارتفعا (١) . [المستدرك ٣/ ٣٠]
٢٢٨٤ - اتَّفَقَ الْأَئِمَّةُ كُلُّهُم عَلَى أَنَّ السُّنَّةَ مَسْحُ جَمِيعِ الرَّأْسِ كَمَا ثَبَتَ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَالْحَسَنَةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
وَمَا يَذْكُرُهُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى نَاصِيَتِهِ: إنَّمَا هُوَ بَعْضُ الْحَدِيثِ الَّذِي فِي "الصَّحِيحِ" مِن حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شعْبَةَ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ عَامَ تبُوكَ وَمَسَحَ عَلَى نَاصِيَتِهِ".
وَلهَذَا ذَهَبَ طَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ إلَى جَوَازِ مَسْحِ بَعْضِ الرَّأْسِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَقَوْلٌ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَحْمَد، وَذَهَبَ آخَرُونَ إلَى وُجُوبِ مَسْحِ جَمِيعِهِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِن مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَحْمَد، وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الصَّحِيحُ؛ فَإِنَّ الْقُرْآنَ لَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ مَسْحِ بَعْضِ الرَّأْسِ؛ فَإِنَّ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ [النساء: ٤٣].
وَمَن ظَنَّ أَنَّ مَن قَالَ بِإِجْزَاءِ الْبَعْضِ؛ لِأَنَّ الْبَاءَ لِلتَّبْعِيضِ أَو دَالَّةٌ عَلَى الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ: فَهُوَ خَطَأٌ أَخْطَأَهُ عَلَى الْأَئِمَّةِ وَعَلَى اللُّغَةِ وَعَلَى دَلَالَةِ الْقُرْآنِ. الحواشي
(١) أي: لو نوى الجنبُ بالغسل رفع الحدث الأصغر والأكبر، أو نوى رفع الحدَث الأكبر فقط: ارتفعا جميعًا.стр. 1714
وَالْبَاءُ لِلْإِلْصَاقِ، وَهِيَ لَا تَدْخُلُ إلَّا لِفَائِدَةٍ: فَإِذَا دَخَلَتْ عَلَى فِعْلٍ يَتَعَدَّى بِنَفْسِهِ أَفَادَتْ قَدْرًا زَائِدًا كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦] فَإِنَّهُ لَو قِيلَ: يَشْرَبُ مِنْهَا لَمْ تَدُلَّ عَلَى الرِّيِّ، فَضُمِّنَ (١) يَشْرَبُ مَعْنَى يُرْوَى فَقِيلَ: ﴿يَشْرَبُ بِهَا﴾ [الانسان: ٦] فَأَفَادَ ذَلِكَ أَنَّهُ شُرْبٌ يَحْصُلُ مَعَهُ الرِّيُّ.
وَهُوَ يُغْنِي عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ مِنَ النُّحَاةِ عَمَّا يَتَكَلَّفُهُ الْكُوفيُّونَ مِن دَعْوَى الِاشْتِرَاكِ فِي الْحُرُوفِ. [٢١/ ١٢٢ - ١٢٤]
٢٢٨٥ - مَن فَعَلَ مَا جَاءَت بِهِ السُّنَّةُ مِنَ الْمَسْحِ بِنَاصِيَتِهِ وَعِمَامَتِهِ أَجْزَأَهُ مَعَ الْعُذْرِ بِلَا نِزَاعٍ، وَأَجْزَأَهُ بِدُونِ الْعُذْرِ عِنْدَ الثَّلَاثَةِ.
وَتَنَازَعُوا فِي مَسْحِهِ ثَلَاثًا: هَل يُسْتَحَبُّ؟ فَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ: أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَد فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: يُسْتَحَبُّ .. وَالْأَوَّلُ أصَحُّ .. فَإِنَّ هَذَا مَسْحٌ، وَالْمَسْحُ لَا يُسَنُّ فِيهِ التَّكرَارُ كَمَسْحِ الْخُفِّ وَالْمَسْحِ فِي التَّيَمُّمِ وَمَسْحِ الْجَبِيرَةِ، وَإِلْحَاقُ الْمَسْحِ بِالْمَسْحِ أَوْلَى مِن إلْحَاقِهِ بِالْغَسْلِ. [٢١/ ١٢٥ - ١٢٦]
٢٢٨٦ - اختار الشيخ تقي الدين أنه يمسح معه (٢) العمامة للعذر كالنزلة ونحوها، ويكون كالجبيرة فلا توقيت. [المستدرك ٣/ ٣٠]
٢٢٨٧ - لَمْ يَصِحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ مَسَحَ عَلَى عُنُقِهِ فِي الْوُضُوءِ. [٢١/ ١٢٧]
٢٢٨٨ - تَوَاتَرَ عَن النَّبِيِّ ﷺ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ، وَنُقِلَ عَنْهُ الْمَسْحُ عَلَى الحواشي
(١) يطلق التضمين على معنى إعطاء الشيء معنى الشيء، وهو يكون في الأسماء بأن يضمن اسم معنى اسم آخر، ليفيد معنى الاسمين جميعًا، بهما ضمن لفظّ حقيق معنى: حريص في قوله تعالى: ﴿حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [الأعراف: ١٠٥] ويكون في الأفعال أيضًا، كما ضمن لفظ يشرب معنى: يروى ..
وأما التضمين في الحروف ففيه خلاف ذكره الثح، ورجح أنه لا تضمين فيها.(٢) أي: مع الرأس.стр. 1715
الْقَدَمَيْنِ فِي مَوْضِعِ الْحَاجَةِ، مِثْلَ أَنْ يَكُونَ فِي قَدَمَيْهِ نَعْلَانِ يَشُقُّ نَزْعُهُمَا، وَأَمَّا مَسْحُ الْقَدَمَيْنِ مَعَ ظُهُورِهِمَا جَمِيعًا فَلَمْ يَنْقُلْهُ أَحَدٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. [٢١/ ١٢٨]
٢٢٨٩ - الْمُوَالَاةُ فِي الْوُضُوءِ فِيهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ:
أَحَدُهَا: الْوُجُوبُ مُطْلَقًا.
وَالثَّانِي: عَدَمُ الْوُجُوبِ مُطْلَقًا.
وَالثَّالِثُ: الْوُجُوبُ إلَّا إذَا تَرَكهَا لِعُذْرٍ مِثْلُ عَدَم تَمَامِ الْمَاءِ.
قُلْت: هَذَا الْقَوْلُ الثَّالِث هُوَ الْأَظْهَرُ وَالْأَشْبَهُ بَأُصُولِ الشَّرِيعَةِ؛ وَذَلِكَ أَنَّ أَدِلَّةَ الْوُجُوبِ لَا تتَنَاوَلُ إلَّا الْمُفَرِّطَ لَا تتنَاوَلُ الْعَاجِزَ عَنِ الْمُوَالَاةِ.
وَمَذْهَبُ أَحْمَد فِي هَذَا أَوْسَعُ مِن مَذْهَبِ غَيْرِهِ، فَعِنْدَهُ إذَا قَطَعَ التَّتَابُعَ لِغذْرٍ شَرْعِيِّ لَا يُمْكِنُ مَعَ إمْكَانِ الِاحْتِرَازِ مِنْهُ -مِثْلُ أَنْ يَتَخَلَّلَ الشَّهْرَيْنِ صَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ، أَو يَوْمِ الْفِطْرِ، أَو يَوْمِ النَّحْرِ، أَو أَيَّامِ مِنًى، أو مَرَضٌ أَو نِفَاسٌ وَنَحْوُ ذَلِكَ- فَإِنَّهُ لَا يَمْنَعُ التَّتَابُعَ الْوَاجِبَ، وَلَو أَفْطَرَ لِعُذْرٍ مُبِيحٍ كَالسَّفَرِ فَعَلَى وِجْهَيْنِ؛ فَالْوُضُوءُ أَوْلَى إذَا تَرَكَ التَّتَابُعَ فِيهِ لِعُذْرٍ شَرْعِيِّ وَإِن أمْكنَ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ.
وَعَلَى هَذَا فَلَو تَوَضَّأَ ثُمَّ عَرَضَ أَمْرٌ وَاجِبٌ يَمْنَعُهُ عَنِ الْإِتْمَامِ -كَإِنْقَاذِ غَرِيقٍ، أَو أَمْرٍ بِمَعْرُوفِ وَنَهْيٍ عَن مُنْكَرٍ-: فَعَلَهُ، ثُمَّ أَتَمَّ وُضُوءَهُ؛ كَالطَّوَافِ وَأَوْلَى، وَكلذَلِكَ لَو قُدِّرَ أَنَّهُ عَرَضَ لَهُ مَرَضٌ مَنَعَهُ مِن إتْمَامِ الْوُضُوءِ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ أُصُولَ الشَّرِيعَةِ تُفَرِّقُ فِي جَمِيعِ مَوَارِدِهَا بَيْنَ الْقَادِرِ وَالْعَاجِزِ، وَالْمُفَرِّطِ وَالْمُعْتَدِي، وَمَن لَيْسَ بِمُفَرِّطٍ وَلَا مُعْتَدٍ.
وَالتَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا أصْلٌ عَظِيمٌ مُعْتَمَدٌ، وَهُوَ الْوَسَطُ الَّذِي عَلَيْهِ الْأُمَّةُ الْوَسَطُ، وَبِهِ يَظْهَرُ الْعَدْلُ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ الْمُتَبَايِنَيْنِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَمَا تَقُولُونَ فِي الْغُسْلِ؟
стр. 1716
قِيلَ: الْمَشْهُورُ عِنْدَ أَصْحَابِ أَحْمَد: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا. [٢١/ ١٣٦ - ١٦٧]
ولَو قِيلَ بِسُقُوطِ التَّرْتِيبِ بِالْعُذْرِ لَتَوَجَّهَ.
٢٢٩٠ - وَإِن مَنَعَ يَسِيرُ وَسَخِ ظُفْرٍ وَنَحْوِهِ وُصُولَ الْمَاءِ فَفِي صِحَّةِ طَهَارَتِهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا تَصِحُّ طَهَارَتُهُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: تَصِحُّ، وهو الصَّحِيحُ، قال في مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
ومثله كل يسيرٍ منع وصول الماء حيث كان كدم وعجين (١) . [المستدرك ٣/ ٣١]
٢٢٩١ - مَن سَبَقَهُ الْحَدَثُ: فَإِنَّهُ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ -كَأَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد فِي إحْدَى الرِّوَايَاتِ- يَتَوَضَّأُ وَيَبْنِي عَلَى مَا مَضَى إذَا لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ بِكَلَامٍ عَمْدٍ وَنَحْوِهِ، وَهَذَا مَأْثُورٌ عَن أَكْثَرِ الصَّحَابَةِ (٢) . [٢١/ ١٤٣] الحواشي
(١) هذا مُطّرد على أصل الشيخ ﵀، وهو العفو عن اليسير؛ كالنجاسات.
وإذا كان الشيء اليسير إذا منع وصول الماء كدم وعجين لا يمنع صحة الوضوء، فلا يبعد أن يكون خروج القطرة أو القطرتان من البول لمن ابتْلي بذلك لا تنقض الطهارة، ولا يُحكم بنجاستها.
ولا يُلحق بهذه القاعدة: الطلاء الذي تضعه النساء على أظافرهن، وهو ما يُسمى بالمناكير، وعلى هذا فلو اغتسلت المرأة ونسيت المناكير على أظافرها فالواجب أن تُزيلها ليصل الماء إلى أظافرها.
وهل يجب أن تُعيد الغسل، أم يكفيها غسل الأظافر؟
هذا ينبني على حكم الموالاة في الغسل، وقد رجح شيخ الإسلام رحمه الله تعالى أنَّ الموالاة لا تجب في الغسل، وهذا قول جمهور الفقهاء.
أما الموالاة في الوضوء فلا شك بأنها واجبة؛ لما روى مسلم في صحيحه عن عمر ﵁ أن رجلًا توضأ فترك موضع ظفر على قدمه، فأبصره النبي ﷺ فقال: "ارجع فأحسِن وضوءك"، فرجع ثم صلى.(٢) وقد يكون هذا هو مأخذ من أفتى في هذا الزمان من أحدث أثناء الوضوء بإكمال وضوئه وعدم وجوب إعادته، ومع أنه نُوقش في ذلك ولم يستدل على فتواه بهذه المسألة. =стр. 1717
٢٢٩٢ - قَوْل النَّبِيِّ ﷺ : "إنَّكُمْ تَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِن آثَارِ الْوُضُوءِ" (١) : دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا يَعْرِفُ مَن كَانَ أَغَرَّ مُحَجَّلًا، وَهُم الَّذِينَ يَتَوَضَّؤُونَ لِلصَّلَاةِ.
وَأَمَّا الْأَطْفَالُ فَهُم تبَعٌ لِلرَّجُلِ.
وَأَمَّا مَن لَمْ يَتَوَضَّأْ قَطُّ وَلَمْ يُصَلِّ: فَإِنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى أنَّهُ لَا يُعْرَفُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. [٢١/ ١٧١]
٢٢٩٣ - لَفْظُ الْوُضُوءِ لَمْ يَجِئْ فِي كَلَامِ النَّبِيِّ إلَّا وَالْمُرَادُ بِهِ الْوُضُوءُ الشَّرْعِيُّ، وَلَمْ يَرِدْ لَفْظُ الْوُضُوءِ بِمَعْنَى غَسْلِ الْيَدِ وَالْفَمِ إلَّا فِي لُغَةِ الْيَهُودِ. [٢١/ ٢٢٧]
٢٢٩٤ - قال في الفائق: ولا يستحب الزيادة على محل الفرض في أنصِّ الروايتين اختاره شيخنا. [المستدرك ٣/ ٣٠]
٢٢٩٥ - يَجِبُ على الصَّبِيِّ الْوُضُوءُ بِمُوجِبَاتِهِ، وَجَعَلَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ مِثْلَ مَسْأَلَةِ الْغُسْلِ إلْزَامهُ بِاسْتِجْمَارٍ وَنَحْوِهِ. [المستدرك ٣/ ٣٢]
٢٢٩٦ - يستحب للذي يتشهد بعد الوضوء أن يرفع بصره إلى السماء. [المستدرك ٣/ ٣٢]
٢٢٩٧ - مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ أَنَّهُ لَا يَمَسُّ الْمُصْحَفَ إلَّا طَاهِرًا، كَمَا قَالَ فِي الْكِتَابِ الَّذِي كَتَبَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: "أَنْ لَا يَمَسَّ الْقُرْآنَ إلَّا طَاهِرًا". قَالَ الْإِمَامُ أحْمَد: لَا شَكَّ انَّ النَّبِيَّ ﷺ كَتبَهُ لَهُ.
وَهُوَ أَيْضًا قَوْلُ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ وَعَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِمَا، وَلَا يُعْلَمُ لَهُمَا مَن الصَّحَابَةِ مُخَالِفٌ. [٢١/ ٢٦٦، ٢٦/ ٢٠٠] الحواشي
(١) البخاري(١٣٦) ، ومسلم(٢٤٦) .стр. 1718
٢٢٩٨ - الصَّحِيحُ فِي هَذَا الْبَابِ: مَا ثَبَتَ عَن الصَّحَابَة - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِم - وَهُوَ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، وَهُوَ أنَّ مَسَّ الْمُصْحَفِ لَا يَجُوزُ لِلْمُحْدِثِ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ صَلَاةُ جِنَازَةٍ، وَيجُوزُ لَهُ سُجُودُ التِّلَاوَةِ، فَهَذِهِ الثَّلَاثَة ثَابِتَةٌ عَن الصَّحَابَةِ.
وَأَمَّا الطَّوَافُ فَلَا أَعْرِفُ السَّاعَةَ فِيهِ نَقْلًا خَاصًّا عَن الصَّحَابَةِ، لَكِنْ إذَا جَازَ سُجُودُ التِّلَاوَةِ مَعَ الْحَدَثِ؛ فَالطَّوَافُ أَوْلَى كَمَا قَالَهُ مَن قَالَهُ مِن التَّابِعِينَ.
وَالْمَأْثُورُ عَن الصَّحَابَةِ وَهُوَ الَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ النُّصُوصُ وَالْقِيَاسُ: الْفَرْقُ بَيْنَ الْجِنَازَةِ وَالسُّجُودِ الْمُجَرَّدِ: سُجُودِ التِّلَاوَةِ وَالشُّكْرِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ قَد ثَبَتَ بِالنَّصِّ لَا صَلَاةَ إلَّا بِطُهُورٍ.
وَاَلَّذِينَ أَوْجَبُوا الْوُضُوءَ لِلطَّوَافِ لَيْسَ مَعَهُم حُجَّةٌ أَصْلًا، فَإِنَّهُ لَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ عَن النَّبِيِّ ﷺ لَا بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَلَا ضَعِيفٍ أَنَّهُ أَمَرَ بِالْوُضُوءِ لِلطَّوَافِ، مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ قَد حَجَّ مَعَهُ خَلَائِقُ عَظِيمَةٌ، وَقَد اعْتَمَرَ عُمَرًا مُتَعَدِّدَةً، وَالنَّاسُ يَعْتَمِرُونَ مَعَهُ، فَلَو كَانَ الْوُضُوءُ فَرض لِلطَّوَافِ لَبَيَّنَهُ النَّبِيُّ ﷺ بَيَانًا عَامًّا، وَلَو بَيَّنَهُ لنقَلَ ذَلِكَ الْمُسْلِمُونَ عَنْهُ وَلَمْ يُهْمِلُوهُ.
وَقَد ثَبَتَ عَنْه فِي "الصَّحِيحِ" (١) أَنَّهُ لَمَّا خَرَجَ مِن الْخَلَاءِ وَأَكَلَ وَهُوَ مُحْدِثٌ قِيلَ لَهُ: أَلَا تَتَوَضَّأُ؟ قَالَ: "مَا أَرَدْت صَلَاةً فَأَتَوَضَّأَ" (٢) . يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ إلَّا إذَا أَرَادَ صَلَاةً، وَأَنَّ وُضوءَهُ لِمَا سِوَى ذَلِكَ مُسْتَحَبٌّ لَيْسَ بِوَاجِب (٣) . [٢١/ ٢٧٠ - ٢٧٤] الحواشي
(١) رواه مسلم(٣٧٤) .(٢) وفي رواية: "لِمَ؟ أَلِلصَّلاةِ؟ ".(٣) وقد يُقال: بأن ذلك يشمل حتى مسّ المصحف؛ لأنه ﷺ لم يذكر إلا الصلاة، وقد أُعطي جوامع الكلم، فلو كان غيرها يُوجب الوضوء لذكره.
ولا يُقال: إنه لا يحتاج إلى مسّ المصحف لاستغنائه بحفظه عن مسّه، وهو أيضًا لا يَقرأ ولا يكتب.
فيُقال: إنّ مسّ المصحف لا يعني أنه سيقرأ منه، ولكن قد يحتاج إلى مناولته ونحو ذلك.
ويُقال أيضًا: إنّه يعلم أنّ السائل والسامع والمنقول إليه سيعتقد أنّ تحتم الوضوءِ خاصٌّ =стр. 1719
٢٢٩٩ - عَن عَلِيٍّ عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطُّهُورُ، وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ" (١) ، فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلَالَتَانِ:
إحْدَاهُمَا: أَنَّ الصَّلَاةَ تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ، فَمَا لَمْ يَكن تَحْرِيمُهُ التَّكْبِيرَ وَتَحْلِيلُهُ التَّسْلِيمَ لَمْ يَكُن مِن الصَّلَاةِ.
وَالثَّانِيَةُ: أَنَّ هَذِهِ هِيَ الصَّلَاةُ الَّتِي مِفْتَاحُهَا الطُّهُورُ، فَكُلُّ صَلَاةٍ مِفْتَاحُهَا الطُّهُورُ فَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ، فَمَا لَمْ يَكن تَحْرِيمُهُ التَّكْبِيرَ وَتَحْلِيلُهُ التَّسْلِيمَ فَلَيْسَ مِفْتَاحُهُ الطَّهُورَ، فَدَخَلَتْ صَلَاةُ الْجِنَازَةِ فِي هَذَا، فَإِنَّ مِفْتَاحَهَا الطُّهُورُ، وَتَحْرِيمَهَا التَّكْبِيرُ وَتَحْلِيلَهَا التَّسْلِيمُ.
وَأَمَّا سُجُودُ التِّلَاوَةِ وَالشُّكْرِ: فَلَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ عَن النَّبِيِّ ﷺ وَلَا عَن أَصْحَابِهِ أَنَّ فِيهِ تَسْلِيمًا وَلَا أَنَّهُم كَانُوا يُسَلِّمُونَ مِنْهُ. [٢١/ ٢٧٦ - ٢٧٩]
وَمَا ذُكِرَ أَيْضًا يَدُلُّ: عَلَى أَنَّ الطَّوَافَ لَيْسَ مِن الصَّلَاةِ.
٢٣٠٠ - وَأَمَّا مَسُّ الْمُصْحَفِ: فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجِبُ لَهُ الْوُضُوءُ كَقَوْلِ الْجُمْهُورِ، وَهَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ عَن الصَّحَابَةِ: سَعْدٍ وَسَلْمَانَ وَابْنِ عُمَرَ.
وَأَمَّا كَلَامُهُ فَلَهُ حُرْمَةٌ عَظِيمَةٌ؛ وَلهَذَا يُنْهَى أَنْ يُقْرَأَ الْقُرْآنُ فِي حَال الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ.
وَحُرْمَةُ الْمُصْحَفِ أَعْظَمُ مِن حُرْمَةِ الْمَسْجِدِ، وَالْمَسْجِدُ يَجُوزُ أَنْ يَدْخُلَهُ الْمُحْدِثُ ويدْخُلَهُ الْكَافِرُ لِلْحَاجَةِ، وَقَد كَانَ الْكُفَّارُ يَدْخُلُونَهُ. [٢١/ ٢٨٨]
وَأَمَّا سُجُودُ السَّهْوِ: فَقَد جَوَّزَهُ ابْنُ حَزْمٍ أَيْضًا عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ وَإِلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ كَسُجُودِ التِّلَاوَةِ؛ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ الضَّعِيفِ.
وَلهَذَا لَا يُعْرَفُ عَن أَحَدٍ مِن السَّلَفِ، وَلَيْسَ هُوَ مِثْل سُجُودِ التِّلَاوَةِ الحواشي
(١) رواه الإمام أحمد(١٠٠٦) ، وأبو داود(٦١) ، والترمذي(٦١) ، وصحَّحه الألباني.стр. 1720
وَالشُّكرِ؛ لِأَنَّ هَذَا سَجْدَتَانِ يَقُومَانِ مَقَامَ رَكْعَةِ مِن الصَّلَاةِ؛ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ حَدِيثِ الشَّكِّ: "إذَا شَكَّ أَحَدُكمْ فَلَمْ يَدْرِ ثَلاثًا صَلَّى أَمْ أَرْبَعًا فَلْيَطْرَحِ الشَّكَ وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ، ثُمَّ لِيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، فَإِنْ صَلَّى خَمْسًا شَفَعَتَا لَهُ صَلَاَتَهُ، وَإِلَّا كَانَتَا تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ" (١) . وَفِي لَفْظٍ: "وَاِن كَانَت صَلَاُتهُ تَمَامًا كَانَتَا تَرْغِيمًا".
فَجَعَلَهُمَا كَالرَّكْعَةِ السَّادِسَةِ الَّتِي تَشْفَعُ الْخَامِسَةَ الْمَزِيدَةَ سَهْوًا.
وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ يُؤْجَرُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ اعْتَقَدَ أَنَّهَا مِن تَمَامِ الْمَكْتُوبَةِ وَفَعَلَهَا تَقَرُّبًا إلَى اللهِ وَإِن كَانَ مُخْطِئًا فِي هَذَا الِاعْتِقَادِ.
وَفِي هَذَا مَا يَدُلُّ عَلَى أنَّ مَن فَعَلَ مَا يَعْتَقِدُهُ قُرْبَةً بِحَسَبِ اجْتِهَادِهِ إنْ كَانَ مُخْطِئًا فِي ذَلِكَ: أَنَّهُ يُثَابُ عَلَى ذَلِكَ، وَإِن كَانَ لَهُ عِلْمٌ أَنَّهُ لَيْسَ بِقُرْبَةِ يَحْرُمُ عَلَيْهِ فِعْلُهُ (٢) . [٢١/ ٢٩١ - ٢٩٢]
٢٣٠١ - ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) ﴾ [الواقعة: ٧٩] قال ابن القيم ﵀: وسمعت شيخ الإسلام يقرر الاستدلال بالآية على أن المصحف لا يمسه المحدث بوجهٍ آخر، فقال: هذا من باب التنبيه والإشارة، إذا كانت الصحف التي في السماء لا يمسها إلا المطهرون، فكذلك الصحف التي بأيدينا من القرآن لا ينبغي أن يمسها إلا طاهر.
والدراهم المكتوب عليها: لا إله إلا الله محمد رسول الله يجوز للمحدث لمسها، وإذا كانت معه في منديل أو خرقة وشق إمساكها جاز أن يدخل بها الخلاء. [المستدرك ٣/ ٤٠]
٢٣٠٢ - قَوْلُ اللهِ : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ الحواشي
(١) مسلم(٥٧١) .(٢) استنباط لطيفٌ جدًّا.следующие страницы →