← Фатава

Фатава · id 879

تقريب فتاوى ابن تيمية

أحمد بن ناصر الطيار

Полный текст (3 539 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

قِيلَ: الْمَشْهُورُ عِنْدَ أَصْحَابِ أَحْمَد: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا. [٢١/ ١٣٦ - ١٦٧] ولَو قِيلَ بِسُقُوطِ التَّرْتِيبِ بِالْعُذْرِ لَتَوَجَّهَ. ٢٢٩٠ - وَإِن مَنَعَ يَسِيرُ وَسَخِ ظُفْرٍ وَنَحْوِهِ وُصُولَ الْمَاءِ فَفِي صِحَّةِ طَهَارَتِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا تَصِحُّ طَهَارَتُهُ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: تَصِحُّ، وهو الصَّحِيحُ، قال في مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. ومثله كل يسيرٍ منع وصول الماء حيث كان كدم وعجين (١). [المستدرك ٣/ ٣١] ٢٢٩١ - مَن سَبَقَهُ الْحَدَثُ: فَإِنَّهُ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ -كَأَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد فِي إحْدَى الرِّوَايَاتِ- يَتَوَضَّأُ وَيَبْنِي عَلَى مَا مَضَى إذَا لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ بِكَلَامٍ عَمْدٍ وَنَحْوِهِ، وَهَذَا مَأْثُورٌ عَن أَكْثَرِ الصَّحَابَةِ (٢). [٢١/ ١٤٣]

стр. 1717

٢٢٩٢ - قَوْل النَّبِيِّ ﷺ : "إنَّكُمْ تَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِن آثَارِ الْوُضُوءِ" (١): دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا يَعْرِفُ مَن كَانَ أَغَرَّ مُحَجَّلًا، وَهُم الَّذِينَ يَتَوَضَّؤُونَ لِلصَّلَاةِ. وَأَمَّا الْأَطْفَالُ فَهُم تبَعٌ لِلرَّجُلِ. وَأَمَّا مَن لَمْ يَتَوَضَّأْ قَطُّ وَلَمْ يُصَلِّ: فَإِنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى أنَّهُ لَا يُعْرَفُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. [٢١/ ١٧١] ٢٢٩٣ - لَفْظُ الْوُضُوءِ لَمْ يَجِئْ فِي كَلَامِ النَّبِيِّ إلَّا وَالْمُرَادُ بِهِ الْوُضُوءُ الشَّرْعِيُّ، وَلَمْ يَرِدْ لَفْظُ الْوُضُوءِ بِمَعْنَى غَسْلِ الْيَدِ وَالْفَمِ إلَّا فِي لُغَةِ الْيَهُودِ. [٢١/ ٢٢٧] ٢٢٩٤ - قال في الفائق: ولا يستحب الزيادة على محل الفرض في أنصِّ الروايتين اختاره شيخنا. [المستدرك ٣/ ٣٠] ٢٢٩٥ - يَجِبُ على الصَّبِيِّ الْوُضُوءُ بِمُوجِبَاتِهِ، وَجَعَلَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ مِثْلَ مَسْأَلَةِ الْغُسْلِ إلْزَامهُ بِاسْتِجْمَارٍ وَنَحْوِهِ. [المستدرك ٣/ ٣٢] ٢٢٩٦ - يستحب للذي يتشهد بعد الوضوء أن يرفع بصره إلى السماء. [المستدرك ٣/ ٣٢] ٢٢٩٧ - مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ أَنَّهُ لَا يَمَسُّ الْمُصْحَفَ إلَّا طَاهِرًا، كَمَا قَالَ فِي الْكِتَابِ الَّذِي كَتَبَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: "أَنْ لَا يَمَسَّ الْقُرْآنَ إلَّا طَاهِرًا". قَالَ الْإِمَامُ أحْمَد: لَا شَكَّ انَّ النَّبِيَّ ﷺ كَتبَهُ لَهُ. وَهُوَ أَيْضًا قَوْلُ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ وَعَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِمَا، وَلَا يُعْلَمُ لَهُمَا مَن الصَّحَابَةِ مُخَالِفٌ. [٢١/ ٢٦٦، ٢٦/ ٢٠٠]

стр. 1718

٢٢٩٨ - الصَّحِيحُ فِي هَذَا الْبَابِ: مَا ثَبَتَ عَن الصَّحَابَة - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِم - وَهُوَ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، وَهُوَ أنَّ مَسَّ الْمُصْحَفِ لَا يَجُوزُ لِلْمُحْدِثِ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ صَلَاةُ جِنَازَةٍ، وَيجُوزُ لَهُ سُجُودُ التِّلَاوَةِ، فَهَذِهِ الثَّلَاثَة ثَابِتَةٌ عَن الصَّحَابَةِ. وَأَمَّا الطَّوَافُ فَلَا أَعْرِفُ السَّاعَةَ فِيهِ نَقْلًا خَاصًّا عَن الصَّحَابَةِ، لَكِنْ إذَا جَازَ سُجُودُ التِّلَاوَةِ مَعَ الْحَدَثِ؛ فَالطَّوَافُ أَوْلَى كَمَا قَالَهُ مَن قَالَهُ مِن التَّابِعِينَ. وَالْمَأْثُورُ عَن الصَّحَابَةِ وَهُوَ الَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ النُّصُوصُ وَالْقِيَاسُ: الْفَرْقُ بَيْنَ الْجِنَازَةِ وَالسُّجُودِ الْمُجَرَّدِ: سُجُودِ التِّلَاوَةِ وَالشُّكْرِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ قَد ثَبَتَ بِالنَّصِّ لَا صَلَاةَ إلَّا بِطُهُورٍ. وَاَلَّذِينَ أَوْجَبُوا الْوُضُوءَ لِلطَّوَافِ لَيْسَ مَعَهُم حُجَّةٌ أَصْلًا، فَإِنَّهُ لَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ عَن النَّبِيِّ ﷺ لَا بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَلَا ضَعِيفٍ أَنَّهُ أَمَرَ بِالْوُضُوءِ لِلطَّوَافِ، مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ قَد حَجَّ مَعَهُ خَلَائِقُ عَظِيمَةٌ، وَقَد اعْتَمَرَ عُمَرًا مُتَعَدِّدَةً، وَالنَّاسُ يَعْتَمِرُونَ مَعَهُ، فَلَو كَانَ الْوُضُوءُ فَرض لِلطَّوَافِ لَبَيَّنَهُ النَّبِيُّ ﷺ بَيَانًا عَامًّا، وَلَو بَيَّنَهُ لنقَلَ ذَلِكَ الْمُسْلِمُونَ عَنْهُ وَلَمْ يُهْمِلُوهُ. وَقَد ثَبَتَ عَنْه فِي "الصَّحِيحِ" (١) أَنَّهُ لَمَّا خَرَجَ مِن الْخَلَاءِ وَأَكَلَ وَهُوَ مُحْدِثٌ قِيلَ لَهُ: أَلَا تَتَوَضَّأُ؟ قَالَ: "مَا أَرَدْت صَلَاةً فَأَتَوَضَّأَ" (٢). يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ إلَّا إذَا أَرَادَ صَلَاةً، وَأَنَّ وُضوءَهُ لِمَا سِوَى ذَلِكَ مُسْتَحَبٌّ لَيْسَ بِوَاجِب (٣). [٢١/ ٢٧٠ - ٢٧٤]

стр. 1719

٢٢٩٩ - عَن عَلِيٍّ عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطُّهُورُ، وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ" (١)، فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلَالَتَانِ: إحْدَاهُمَا: أَنَّ الصَّلَاةَ تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ، فَمَا لَمْ يَكن تَحْرِيمُهُ التَّكْبِيرَ وَتَحْلِيلُهُ التَّسْلِيمَ لَمْ يَكُن مِن الصَّلَاةِ. وَالثَّانِيَةُ: أَنَّ هَذِهِ هِيَ الصَّلَاةُ الَّتِي مِفْتَاحُهَا الطُّهُورُ، فَكُلُّ صَلَاةٍ مِفْتَاحُهَا الطُّهُورُ فَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ، فَمَا لَمْ يَكن تَحْرِيمُهُ التَّكْبِيرَ وَتَحْلِيلُهُ التَّسْلِيمَ فَلَيْسَ مِفْتَاحُهُ الطَّهُورَ، فَدَخَلَتْ صَلَاةُ الْجِنَازَةِ فِي هَذَا، فَإِنَّ مِفْتَاحَهَا الطُّهُورُ، وَتَحْرِيمَهَا التَّكْبِيرُ وَتَحْلِيلَهَا التَّسْلِيمُ. وَأَمَّا سُجُودُ التِّلَاوَةِ وَالشُّكْرِ: فَلَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ عَن النَّبِيِّ ﷺ وَلَا عَن أَصْحَابِهِ أَنَّ فِيهِ تَسْلِيمًا وَلَا أَنَّهُم كَانُوا يُسَلِّمُونَ مِنْهُ. [٢١/ ٢٧٦ - ٢٧٩] وَمَا ذُكِرَ أَيْضًا يَدُلُّ: عَلَى أَنَّ الطَّوَافَ لَيْسَ مِن الصَّلَاةِ. ٢٣٠٠ - وَأَمَّا مَسُّ الْمُصْحَفِ: فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجِبُ لَهُ الْوُضُوءُ كَقَوْلِ الْجُمْهُورِ، وَهَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ عَن الصَّحَابَةِ: سَعْدٍ وَسَلْمَانَ وَابْنِ عُمَرَ. وَأَمَّا كَلَامُهُ فَلَهُ حُرْمَةٌ عَظِيمَةٌ؛ وَلهَذَا يُنْهَى أَنْ يُقْرَأَ الْقُرْآنُ فِي حَال الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ. وَحُرْمَةُ الْمُصْحَفِ أَعْظَمُ مِن حُرْمَةِ الْمَسْجِدِ، وَالْمَسْجِدُ يَجُوزُ أَنْ يَدْخُلَهُ الْمُحْدِثُ ويدْخُلَهُ الْكَافِرُ لِلْحَاجَةِ، وَقَد كَانَ الْكُفَّارُ يَدْخُلُونَهُ. [٢١/ ٢٨٨] وَأَمَّا سُجُودُ السَّهْوِ: فَقَد جَوَّزَهُ ابْنُ حَزْمٍ أَيْضًا عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ وَإِلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ كَسُجُودِ التِّلَاوَةِ؛ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ الضَّعِيفِ. وَلهَذَا لَا يُعْرَفُ عَن أَحَدٍ مِن السَّلَفِ، وَلَيْسَ هُوَ مِثْل سُجُودِ التِّلَاوَةِ

стр. 1720

وَالشُّكرِ؛ لِأَنَّ هَذَا سَجْدَتَانِ يَقُومَانِ مَقَامَ رَكْعَةِ مِن الصَّلَاةِ؛ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ حَدِيثِ الشَّكِّ: "إذَا شَكَّ أَحَدُكمْ فَلَمْ يَدْرِ ثَلاثًا صَلَّى أَمْ أَرْبَعًا فَلْيَطْرَحِ الشَّكَ وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ، ثُمَّ لِيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، فَإِنْ صَلَّى خَمْسًا شَفَعَتَا لَهُ صَلَاَتَهُ، وَإِلَّا كَانَتَا تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ" (١). وَفِي لَفْظٍ: "وَاِن كَانَت صَلَاُتهُ تَمَامًا كَانَتَا تَرْغِيمًا". فَجَعَلَهُمَا كَالرَّكْعَةِ السَّادِسَةِ الَّتِي تَشْفَعُ الْخَامِسَةَ الْمَزِيدَةَ سَهْوًا. وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ يُؤْجَرُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ اعْتَقَدَ أَنَّهَا مِن تَمَامِ الْمَكْتُوبَةِ وَفَعَلَهَا تَقَرُّبًا إلَى اللهِ وَإِن كَانَ مُخْطِئًا فِي هَذَا الِاعْتِقَادِ. وَفِي هَذَا مَا يَدُلُّ عَلَى أنَّ مَن فَعَلَ مَا يَعْتَقِدُهُ قُرْبَةً بِحَسَبِ اجْتِهَادِهِ إنْ كَانَ مُخْطِئًا فِي ذَلِكَ: أَنَّهُ يُثَابُ عَلَى ذَلِكَ، وَإِن كَانَ لَهُ عِلْمٌ أَنَّهُ لَيْسَ بِقُرْبَةِ يَحْرُمُ عَلَيْهِ فِعْلُهُ (٢). [٢١/ ٢٩١ - ٢٩٢] ٢٣٠١ - ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾ [الواقعة: ٧٩] قال ابن القيم ﵀: وسمعت شيخ الإسلام يقرر الاستدلال بالآية على أن المصحف لا يمسه المحدث بوجهٍ آخر، فقال: هذا من باب التنبيه والإشارة، إذا كانت الصحف التي في السماء لا يمسها إلا المطهرون، فكذلك الصحف التي بأيدينا من القرآن لا ينبغي أن يمسها إلا طاهر. والدراهم المكتوب عليها: لا إله إلا الله محمد رسول الله يجوز للمحدث لمسها، وإذا كانت معه في منديل أو خرقة وشق إمساكها جاز أن يدخل بها الخلاء. [المستدرك ٣/ ٤٠] ٢٣٠٢ - قَوْلُ اللهِ : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ

стр. 1721

كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٦)﴾ [المائدة: ٦]: هَذَا الْخِطَابُ يَقْتَضِي: أَنَّ كُلَّ قَائِمٍ إلَى الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ مَأمُورٌ بِمَا ذُكِرَ مِن الْغُسْلِ وَالْمَسْحِ، وَهُوَ الْوُضُوءُ. وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ: إلَى أَنَّ هَذَا عَامٌّ مَخْصُوصٌ. وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ: إلَى أَنَّهُ يُوجِبُ الْوُضُوءَ عَلَى كُلِّ مَن كَانَ مُتَوَضِّئًا. وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ ضَعِيفٌ. وَهَل يُسْتَحَبُّ التَّجْدِيدُ لِكُلِّ صَلَاةٍ مِن الْخَمْسِ؟ فِيهِ نِزَاعٌ. ولَمَّا قَدِمَ ﷺ مُزْدَلِفَةَ: صَلَّى بِهِم الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمْعًا مِن غَيْرِ تَجْدِيدِ وُضُوءٍ لِلْعِشَاءِ، وَهُوَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ قَد قَامَ هُوَ وَهُم إلَى صَلَاةٍ بَعْدَ صَلَاةٍ، وَأَقَامَ لِكُلِّ صَلَاةٍ إقَامَةً. وَكَذَلِكَ سَائِرُ أَحَادِيثِ الْجَمْعِ الثَّابِتَةِ فِي "الصَّحِيحَيْنِ" مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَنَسٍ ﵃، كُلُّهَا تَقْتَضِي أَنَّهُ هُوَ ﷺ وَالْمُسْلِمُونَ خَلْفَهُ - صَلَّوْا الثَّانِيَةَ مِن الْمَجْمُوعَتَيْنِ بِطِهَارَةِ الْأُولَى لَمْ يُحْدِثُوا لَهَا وُضُوءًا. وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى عَهْدِهِ يَتَوَضَّؤُونَ ثُمَّ يُصَلُّونَ مَا لَمْ يُحْدِثُوا، كَمَا جَاءَت بِذَلِكَ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ - لَا بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَلَا ضَعِيفٍ -: أَنَّهُ أَمَرَهُم بِالْوُضُوءِ لِكلِّ صَلَاةٍ. فَالْقَوْلُ بِاسْتِحْبَابِ هَذَا يَحْتَاجُ إلَى دَليلٍ (١).

стр. 1722

وَأَمَّا الْقَوْلُ بِوُجُوبِهِ: فَمُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ عَن الرَّسُولِ ﷺ وَلِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ. وَالْقرْآنُ أَيْضًا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْمُتَوَضِّئِ أَنْ يَتَوَضَّأَ مَرَّةً ثَانِيَةً مِن وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ سُبْحَانَهُ قَالَ: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣] فَقَد أَمَرَ مَن جَاءَ مِن الْغَائِطِ وَلَمْ يَجِدِ الْمَاءَ أَنْ يَتَيَمَّمَ الصَّعِيدَ الطَّيِّبَ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمَجِيءَ مِن الْغَائِطِ يُوجِبُ التَّيَمُّمَ، فَلَو كَانَ الْوُضُوءُ وَاجِبًا عَلَى مَن جَاءَ مِن الْغَائِطِ وَمَن لَمْ يَجِئْ، فَإِنَّ التَّيَمِّمَ أَوْلَى بِالْوُجُوبِ. وَمَا أَعْرِفُ فِي هَذَا خِلَافًا ثَابِتًا عَن الصَّحَابَةِ: أَنَّ مَن تَوَضَّأَ قَبْلَ الْوَقْتِ عَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَ الْوُضُوءَ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ، وَلَا يُسْتَحَبُّ أَيْضًا لِمِثْل هَذَا تَجْدِيدُ وُضُوءٍ. وَإِنَّمَا تَكَلَّمَ الْفُقَهَاءُ فِيمَن صَلَّى بِالْوُضُوءِ الْأَوَّلِ: هَل يُسْتَحَبُّ لَهُ التَّجْدِيدُ؟ وَأَمَّا مَن لَمْ يُصَلِّ بهِ: فَلَا يُسْتَحَبُّ لَهُ إعَادَةُ الْوُضُوءِ؛ بَل تَجْدِيدُ الْوُضُوءِ فِي مِثْل هَذَا بِدْعَةٌ مُخَالِفًةٌ لِسُنَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَلمَا عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدَهُ إلَى هَذَا الْوَقْتِ (١). فَقَد تَبَيَّنَ أَنَّ الْآيَةَ لَيْسَ فِيهَا إضْمَارٌ وَلَا تَخْصِيصٌ، وَلَا تَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ

стр. 1723

الْوُضُوءِ مَرَّتَيْنِ؛ بَل دَلَّتْ عَلَى الْحُكْمِ الثَّابِتِ بِالسُّنَنِ الْمُتَوَاتِرَةِ، وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ جَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ وجُوبُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمُصَلِّي. وَمَن كَانَ عَلَى وُضُوءٍ فَهُوَ عَلَى طُهُورٍ، وَإِنَّمَا يَحْتَاجُ إلَى الْوُضُوءِ مَن كَانَ مُحْدِثًا. قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ الآيَةَ [المائدة: ٦]: هَذَا مِمَّا أَشْكَلَ عَلَى بَعْضِ النَّاسِ. فَقَالَ طَائِفَةٌ مِن النَّاسِ: "أَو" بِمَعْنَى الْوَاوِ وَجَعَلُوا التَّقْدِيرَ: وَجَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِن الْغَائِطِ. وَلَامَسْتُمْ النِّسَاءَ .. وَهَذَا مُخَالِفٌ لِمَعْنَى الْآيَةِ؛ فَإِنَّ "أَو" ضِدُّ الْوَاوِ، وَالْوَاوُ: لِلْجَمْعِ وَالتَّشْرِيكِ بَيْنَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ. فَالْمَعْنَى: يَا أَيُّهَا الْقَائِمُ إلَى الصَّلَاةِ تَوَضَّأْ، وَإِن كُنْت جُنُبًا فَاغْتَسِلْ، وَإِن كُنْت مَرِيضًا أَو مُسَافِرًا تَيَمَّمْ، أَو كُنْت مَعَ هَذَا وَهَذَا مَعَ قِيَامِك إلَى الصَّلَاةِ وَأَنْتَ مُحْدِثٌ أَو جُنُبٌ، وَمَعَ مَرَضِك وَسَفَرِك قَد جِئْت مِن الْغَائِطِ أَو لَامَسْت النِّسَاءَ: فَتَيَمَّمْ إنْ كُنْت مَعْذُورًا. وَإِيضَاحُ هَذَا: أَنَّهُ مِن بَابِ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ الَّذِي يُخَصُّ بِالذِّكْرِ لِامْتِيَازِهِ، وَتَخْصِيصُهُ يَقْتَضِي ذَلِكَ. قَالَ تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ وَهَذَا يَتَنَاوَلُ الْمُحْدِثِينَ. ثُمَّ قَالَ: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾. ثُمَّ قَالَ: ﴿وَإِن كُنتُم﴾ -مَعَ الْحَدَثِ وَالْجَنَابَةِ- ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ … ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ وَهَذَا يَتَنَاوَلُ كُلَّ مُحْدِثٍ، سَوَاءٌ كَانَ قَد جَاءَ مِن الْغَائِطِ أَو لَمْ يَجِئْ؛ كَالْمُسْتَيْقِظِ مَن نَوْمِهِ، وَالْمُسْتَيْقِظِ إذَا خَرَجَتْ مِنْهُ الرِّيحُ، وَيتَنَاوَلُ كُلَّ جُنُبٍ؛ سَوَاءٌ كَانَت جَنَابَتُهُ بِاحْتِلَامٍ أَو جِمَاعٍ. فَقَالَ: وَإِن كُنْتُمْ مُحْدِثُونَ -جُنُبٌ مَرْضَى أَو عَلَى سَفَرٍ- ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ

стр. 1724

مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ وَهَذَا نَوْعٌ خَاصٌّ مِن الْحَدَثِ. ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣] وَهَذَا نَوْعٌ خَاصٌّ مِن الْجَنَابَةِ. وَكَذَلِكَ "الْقَائِمُ إلَى الصَّلَاةِ" يَتَنَاوَلُ مَن جَاءَ مِن الْغَائِطِ وَمَن أَحْدَثَ بِدُونِ ذَلِكَ، لَكِنْ خُصَّ الْجَائِي بِالذِّكْرِ كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا﴾ [البقرة: ١٨٢] فَالْآثِمُ هُوَ الْمُتَعَمِّدُ، وَتَخْصِيصُهُ بِالذِّكْرِ -وَإِن كَانَ دَخَلَ- لِيُبَيِّنَ حُكْمَهُ بِخُصُوصِهِ، وَلئَلَّا يُظَنَّ خُرُوجُهُ عَن اللَّفْظِ الْعَامِّ، وَإِن كَانَ لَمْ يَدْخُلْ فَهُوَ نَوْعٌ آخَرُ. وَالتَّقْدِيرُ: إنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَو عَلَى سَفَرٍ فَتَيَمَّمُوا، وَهَذَا مَعْنَى الْآيَةِ. وَقَوْلُهُ: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ ذَكَرَ الْحَدَثَ الْأَصْغَرَ؛ فَالْمَجِيءُ مِن الْغَائِطِ هُوَ مَجِيءٌ مِن الْمَوْضِعِ الَّذِي يَقْضِي فِيهِ الْحَاجَةَ. وَكَانُوا يَنْتَابُونَ الْأَمَاكِنَ الْمُنْخَفِضَةَ وَهِيَ الْغَائِطُ، وَهُوَ كَقَوْلِك: جَاءَ مِن الْمِرْحَاضِ، وَجَاءَ مِن الْكَنِيفِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، هَذَا كُفُة عِبَارَةٌ عَمَّن جَاءَ وَقَد قَضَى حَاجَتَهُ بِالْبَوْلِ أَو الْغَائِطِ، وَالرِّيحُ يَخْرُجُ مَعَهُمَا. وَنَقْضُهَا متَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ. وَفِي "الصَّحِيحَيْنِ" عَن ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ شُغِلَ عَن الْعِشَاءِ لَيْلَةً، فَأَخَّرَهَا حَتَّى رَقَدْنَا فِي الْمَسْجِدِ ثمَّ اسْتَيْقَظْنَا، ثُمَّ رَقَدْنَا ثُمَّ اسْتَيْقَظْنَا، ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ . وَلمُسْلِم عَن عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: اعْتم رَسُولُ اللهِ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ حَتَّى ذَهَبَ عَامَّةُ اللَّيْلِ وَحَتَّى نَامَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى، فَقَالَ: إنَّهُ لَوَقْتُهَا، لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي. فَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ: أَنَّهُم نَامُوا، وَقَالَ فِي بَعْضِهَا: "إنَّهُم رَقَدُوا ثُمَّ اسْتَيْقَظُوا ثُمَّ رَقَدُوا ثُمَّ اسْتَيْقَظُوا"، وَكَانَ الَّذِينَ يُصَلُّونَ خَلْفَهُ جَمَاعَة كَثِيرَة، وَقَد طَالَ انْتِظَارُهُم وَنَامُوا.

стр. 1725

وَلَمْ يَسْتَفْصِلْ أَحَدًا لَا سُئِلَ وَلَا سأَلَ النَّاسُ: هَل رَأَيْتُمْ رُؤْوَيا؟ أَو هَل مَكَّنَ أَحَدُكُمْ مَقْعَدَتَهُ؟ أَو هَل كَانَ أَحَدُكُمْ مُسْتَنِدًا؟ وَهَل سَقَطَ شَيْءٌ مِن أَعْضَائِهِ عَلَى الْأَرْضِ؟ فَلَو كَانَ الْحُكْمُ يَخْتَلِفُ لَسَأَلَهُمْ. وَقَد عُلِمَ أَنَّهُ فِي مِثْل هَذَا الِانْتِظَارِ بِاللَّيْلِ -مَعَ كَثْرَةِ الْجَمْعِ- يَقَعُ هَذَا كُلُّهُ. وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ الْمُنْتَظِرِينَ لِلصَّلَاةِ كَاَلَّذِي يَنْتَظِرُ الْجُمُعَةَ إذَا نَامَ أَيَّ نَوْمٍ كَانَ: لَمْ يَنْتَقِضْ وُضُوءُهُ؛ فَإِنَّ النَّوْمَ لَيْسَ بِنَاقِضِ، وَإِنَّمَا النَّاقِضُ الْحَدَثُ، فَإِذَا نَامَ النَّوْمَ الْمُعْتَادَ الَّذِي يَخْتَارُهُ النَّاسُ فِي الْعَادَةِ -كَنَوْمِ اللَّيْلِ وَالْقَائِلَةِ- فَهَذَا يَخْرُجُ مِنْهُ الرِّيحُ فِي الْعَادَةِ وَهُوَ لَا يَدْرِي إذَا خَرَجَتْ، فَلَمَّا كَانَت الْحِكْمَةُ خَفِيَّةً لَا نَعْلَمُ بِهَا: قَامَ دَليلُهَا مَقَامَهَا. وَهَذَا هُوَ النَّوْمُ الَّذِي يَحْصُل هَذَا فِيهِ فِي الْعَادَةِ. وَأَمَّا النَّوْمُ الَّذِي يَشُكُّ فِيهِ: هَل حَصَلَ مَعَهُ رِيحٌ أَمْ لَا: فَلَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ ثَابِتَةٌ بِيَقِين فَلَا تَزُولُ بِالشَّكِّ. وَالْقُرْآنُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْجُنُبِ إلَّا الِاغْتِسَالُ، وَأَنَّهُ إذَا اغْتَسَلَ جَازَ لَهُ أَنْ يَقْرَبَ الصَّلَاةَ، وَالْمُغْتَسِلُ مِن الْجَنَابَةِ لَيْسَ عَلَيْهِ نِيَّةُ رَفْعِ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ كَمَا قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ. قَالَ اللهُ : ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [النساء: ٤٣] .. ذَكَرَ الْمُسَافِرَ الَّذِي لَا يَجِدُ الْمَاءَ وَلَمْ يَذْكُر الْحَاضِرَ، فَإِنَّ عَدَمَهُ فِي الْحَضَرِ نَادِرٌ. وَقَوْلُهُ: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ ذَكَرَ أَعْظَمَ مَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ وَهُوَ قَضَاءُ الْحَاجَةِ، وَأَغْلَظَ مَا يُوجِبُ الْغُسْلَ وَهُوَ مُلَامَسَةُ النِّسَاءِ، وَأَمَرَ كُلًّا مِنْهُمَا إذَا كَانَ مَرِيضًا أَو مُسَافِرًا لَا يَجِدُ الْمَاءَ أَنْ يَتيمَّمَ. قَوْله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣] الْمُرَادُ بِهِ: الْجِمَاعُ، كَمَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ وَغَيْرُهُ مِن الْعَرَبِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ فِي مَعْنَى الْآيَة.

стр. 1726

وَلَيْسَ فِي نَقْضِ الْوُضوءِ مِن مَسِّ النسَاءِ لَا كِتَابٌ وَلَا سُنَّةٌ (١). وَقَوْلُهُ: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ دَليلٌ عَلَى أَنْ التَّيَمُّمَ مُطَهِّرٌ كَالْمَاءِ سَوَاءٌ. [٢١/ ٣٦٧ - ٤٠٣] ٢٣٠٣ - الصَّحِيحُ: أَنَّ النَّزْعَتَيْنِ (٢) مِن الرَّأْسِ، وَالتَّحْذِيفُ (٣) مِن الْوَجْهِ، فَلَو نسِيَ ذَلِكَ فَهُوَ كمَا لَو نَسِيَ الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ. [٢١/ ٤٠٨] ٢٣٠٤ - الْفَرْقُ بَيْنَ الْمُتَعَمِّدِ لِتَنْكِيسِ الْوُضُوءِ وَبَيْنَ الْمَعْذُورِ بِنِسْيَانٍ أَو جَهْلٍ: هُوَ أَرْجَحُ الْأَقْوَالِ، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ كَلَامُ الصَّحَابَةِ وَجُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ. وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَن أَحْمَد .. فَمِن ذَلِكَ .. : إذَا نَسِيَ بَعْضَ آيَاتِ السُّورَةِ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ فَإِنَّهُ لَا يُعِيدُهَا، وَلَا يُعِيدُ مَا بَعْدَهَا، مَعَ أَنَّهُ لَو تَعَمَّدَ تَنْكِيسَ آيَاتِ السُّورَةِ، وَقِرَاءَةَ الْمُؤَخَرِ قَبْلَ الْمُقَدَمِ لَمْ يَجُزْ بِالْاتِفَاقِ، وَإِنَّمَا الْنِزَاعُ فِي تَرْتِيبِ السُّوَرِ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ أَحْمَد، وَحَكَاهُ عَن أهْلِ مَكَّةَ. سُئِلَ عَن الْإِمَامِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ يَدَعُ الْآيَاتِ مِنَ الْسُورَةِ: تَرَى لِمَن خَلْفَهُ أَنْ يَقْرَأَهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَفْعَلَ، قَد كَانُوا بِمَكَّةَ يُوكِلُونَ رَجُلًا يَكْتُبُ مَا تَرَكَ الْإمَامُ مِنَ الْحُرُوفِ وَغَيْرِهَا فَإِذَا كَانَ لَيْلَةَ الْخَتْمَةِ أَعَادَهُ. قَالَ الْأَصْحَابُ -كَأَبِي مُحَمَدٍ (٤) -: "وَإِنَّمَا اسْتَحَبَ ذَلِكَ لِتَتِمَ الْخَتْمَةُ

стр. 1727

وَيَكْمُلَ الْثَّوَابُ" (١). فَقَد جَعَلَ أَهْلُ مَكَّةَ وَأَحْمَد وَأَصْحَابُة إِعَادَةَ الْمَنْسِي مِنَ الْآيَاتِ وَحْدَهُ يُكْمِل الْخَتْمَةَ وَالثَّوَابَ، وَإِن كَانَ قَد أَخَلَّ بِالْتَرْتِيبِ هُنَا، فَإِنَّهُ لَمْ يَقْرَأ تَمَامَ الْسُورَةِ. فَهَكَذَا مَن تَرَكَ غَسْلَ عُضْوٍ أَو بَعْضَهُ نِسْيَانًا: يَغْسِلُهُ وَحْدَهُ، وَلَا يُعِيدُ غَسْلَ مَا بَعْدَهُ، فَيَكُونُ قَد غَسَلَهُ مَرَّتَيْنِ، فَإِنَّ هَذَا لَا حَاجَةَ إِلَيْهِ. وَهَذَا الْتَفْصِيلُ يُوَافِقُ مَا نُقِلَ عَن الْصَحَابَةِ وَالْأَكْثَرِينَ، فَإِنَّ الْأَصْحَابَ وَغَيْرهمْ فَعَلُوا كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِر عَن عَليٍ وَمَكحُولٍ وَالْنَخَعِيِّ وَالزُّهْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِي فِيمَن نَسِيَ مَسْحَ رَأْسِهِ فَرَأَى فِي لِحْيَتِهِ بَلَلًا فَمَسَحَ بِهِ رَأْسَهُ فَلَمْ يَأْمُرُوهُ بِإِعَادَةِ غَسْلِ رِجْلَيْهِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ (٢). وَنَقَلُوا فِي الْوُجُوبِ عَن سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَعَطَاءٍ وَالْحَسَنِ، وَهَؤُلَاءِ أَئِمَّةُ التَّابِعِينَ. وَصُورَةُ النِّسْيَانِ مُرَادَةٌ قَطْعًا. فَتبَيَّنَ أَنَّهَا قَوْلُ جُمْهُورِ السَّلَفِ أَو جَمِيعِهِمْ. وَالْأَمْرُ الْمُنْكَرُ: أَنْ تتَعَمَّدَ تَنْكِيسَ الْوُضُوءِ. وَالْمَقْصُودُ هُنَا: سُقُوطُ التَّرْتِيبِ فِي الْوُضُوءِ بِالنِّسْيَانِ، وَكَذَلِكَ سُقُوطُ الْمُوَالَاةِ كمَا هُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَكَذَلِكَ بِغَيْرِ النِّسْيَانِ مِن الْأَعْذَارِ؛ مِثْلُ بُعْدِ الْمَاءِ، كَمَا نُقِلَ عَن ابْنِ عُمَرَ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ نَفْسَهَا إذَا جَازَ فِيهَا عَدَمُ الْمُوَالَاةِ لِلْعُذْرِ؛

стр. 1728

فَالْوُضُوءُ أَوْلَى، بِدَلِيلِ صَلَاةِ الْخَوْفِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَأَحَادِيثِ سُجُودِ السَّهْوِ. وَأَمَّا حَدِيثُ صَاحِبِ اللُّمْعَةِ الَّتِي كَانَت فِي ظَهْرِ قَدَمِهِ: فَمِثْلُ هَذَا لَا يُنْسَى، فَدَلَّ أَنَّهُ تَرَكَهَا تَفْرِيطًا. وَالْمُوَالَاةُ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ لَا تَجِبُ؛ لِلْحَدِيثِ ائَذِي فِيهِ أَنَّهُ رَأَى فِي بَدَنِهِ مَوْضِعًا لَمْ يُصِبْهُ الْمَاءُ فَعَصَرَ عَلَيْهِ شَعْرَهُ (١). وَقَد يَكُونُ التَّرْتِيبُ شَرْطًا لَا يَسْقُطُ بِجَهْلٍ وَلَا نِسْيَانٍ؛ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: "مَن ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَإِنَّمَا هُوَ شَاةُ لَحْمٍ" (٢). فَالذَّبْحُ لِلْأُضْحِيَّةِ مَشْرُوطٌ بِالصَّلَاةِ قَبْلَهُ، وَأَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ ﵁ كَانَ جَاهِلًا، فَلَمْ يَعْذُرْهُ بِالْجَهْلِ؛ بَل أَمَرَهُ بِإِعَادَةِ الذَّبْحِ. بِخِلَافِ الَّذِينَ قَدَّمُوا فِي الْحَجّ الذَّبْحَ عَلَى الرَّمْيِ، أَو الْحَلْقَ عَلَى مَا قَبْلَهُ، فَإِنَّهُ قَالَ: "افْعَلْ وَلَا حَرَجَ" فَهَاتَانِ سُنَّتَانِ:

стр. 1729

أ - سُنَّةٌ فِي ألْأُضْحِيَّةِ إذا ذُبِحَتْ قَبْلَ الصَّلَاةِ أَنَّهَا لَا تُجْزِئُ. ب - وَسُنَّةٌ فِي الْهَدْيِ إذَا ذَبَحَ قَبْلَ الرَّمْيِ جَهْلًا أَجْزَأَ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا -وَاللهُ أَعْلَمُ-: أَنَّ الْهَدْيَ صَارَ نُسُكًا بِسَوْقِهِ إلَى الْحَرَمِ وَتَقْلِيدِهِ وَإِشْعَارِهِ، فَقَد بَلَغَ مَحَلَّهُ فِي الْمَكَانِ وَالزَّمَانِ، فَإِذَا قُدِّمَ جَهْلًا: لَمْ يَخْرُجْ عَن كَوْنِهِ هَدْيًا. وَأَمَّا الْأُضْحِيَّةُ: فَإِنَّهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ لَا تَتَمَيَّزُ عَن شَاةِ اللَّحْمِ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَن ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَإِنَّمَا هِيَ شَاةُ لَحْمٍ قَدَّمَهَا لِأَهْلِهِ"، وَإِنَّمَا هِيَ نُسُكٌ بَعْدَ الصَّلَاةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢)﴾ [الكوثر: ٢] وَقَالَ: ﴿إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾ [الأنعام: ١٦٢] فَصَارَ فِعْلُهُ قَبْلَ هَذَا الْوَقْتِ كَالصَّلَاةِ قَبْلَ وَقْتِهَا. ولَو لَمْ يَغْسِلْ كَفَّيْهِ بَعْدَ غَسْلِ الْوَجْهِ (١) فَهُوَ مَحَلُّ نَظَرٍ، فَإِنَّهُ يَغْرِفُ بِهِمَا الْمَاءَ .. وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ لَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا وَإِن نَوَى غَسْلَهُمَا فِيهِ؛ لِمَجِيءِ السُّنَّةِ بِذَلِكَ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ غَسْلَهُمَا بِنِيَّةِ الِاغْتِرَافِ لَا تَحْصُلُ بِهِ طَهَارَتُهُمَا؛ بَل لَا بُدَّ مِن غَسْلٍ آخَرَ. وَالْأَقْوَى: أَنَّ هَذَا لَا يَجِبُ؛ بَل غَسْلُهُمَا بِنِيَّةِ الِاغْتِرَافِ يُجْزِئُ عَن تَكْرَارِ غَسْلِهِمَا كَمَا فِي التَّيَمُّمِ. وَأَيْضًا فَإِنَّهُ يَغْسِلُ ذِرَاعَيْهِ بِيَدَيْهِ؛ فَيَكُونُ هَذَا غَسْلًا لِبَاطِنِ الْيَدِ. [٢١/ ٤٠٩ - ٤٢٥] * * *

стр. 1730

(بَابٌ: الْمَسْحُ عَلَى الْخفَّيْنِ) (١) ٢٣٠٥ - قالت طائفة: المسح على الخفين ناسخ للآية (٢) قاله الخطابي. قال: وفيه دلالة على أنهم كانوا يرون نسخ القرآن بالسُّنَة، قال الطبري: مخصص. وقالت طائفة: هو أمر زائد على ما في الكتاب. ومال إليه أبو العباس، وجميع ما يدعى من السُّنَّة أنه ناسخ للقرآن غلط. وطائفة قالت كالشافعي وابن القصار ومال إليه أبو العباس أيضًا: أنَّ الآية قُرئت (٣) بالخفض والنصب، فيحمل النصب على غسل الرجلين والخفض على مسح الخفين فيكون القرآن كآيتين. ٢٣٠٦ - مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَابْنِ الْمُبَارَكِ وَغَيْرِهِمْ: أَنَّهُ يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى مَا فِيهِ خَرْقٌ يَسِيرٌ. وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمَا: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ إلَّا عَلَى مَا يَسْتُرُ جَمِيعَ مَحَلِّ الْغَسْلِ. وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَهُوَ قِيَاسُ أَصْلِ أَحْمَد وَنُصُوصِهِ فِي الْعَفْوِ عَن يَسِيرِ الْعَوْرَةِ وَعَن يَسِيرِ النَّجَاسَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.

стр. 1731

وَالْعَادَةُ فِي الْفَتْقِ الْيَسِيرِ فِي الثَّوْبِ وَالْخُفِّ أَنَّهُ لَا يُرَقَّعُ وَإِنَّمَا يُرَقَّعُ الْكَثِير .. فَلَمَّا أطْلَقَ الرَّسُولُ ﷺ الْأمْرَ بِالْمَسْحِ عَلَى الْخِفَافِ مَعَ عِلْمِهِ بِمَا هِيَ عَلَيْهِ فِي الْعَادَةِ، وَلَمْ يَشْتَرطْ أَنْ تَكُونَ سَلِيمَةً مِنَ الْعُيُوبِ: وَجَبَ حَمْلُ أَمْرِهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يقَيَّدَ كَلَامُهُ إلَّا بِدَليلٍ شَرْعِيِّ. وَكَانَ مُقْتَضَى لَفْظِهِ أَنَّ كُلَّ خُفٍّ يَلْبَسُهُ النَّاسُ ويمْشُونَ فِيهِ: فَلَهُم أَنْ يَمْسَحُوا عَلَيْهِ وَإِن كانَ مَفْتُوقًا أو مَخْرُوقًا مِن غَيْرِ تَحْدِيدٍ لِمِقْدَارِ ذَلِكَ، فَإِنَّ التَّحْدِيدَ لَا بُدَّ لَهُ مِن دَليلٍ. [٢١/ ١٧٢ - ١٧٤] ٢٣٠٧ - يجوز المسح على الخف المخرق ما دام اسمه باقيًا والمشي فيه ممكن. وقال: يجوز المسح على الخف المخرق إلا المخرق أكثره فكالنعل، فإن كان فيه خرق يبدو منه بعض القدم لم يجز المسح عليه، وقيل: يجوز المسح عليه، اختاره الشيخ تقي الدين. [المستدرك ٣/ ٣٤] ٢٣٠٨ - فَارَقَ مَسْحُ الْجَبِيرَةِ الْخُفَّ مِن خَمْسَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ هَذَا وَاجِبٌ وَذَلِكَ جَائِزٌ. الثَّانِي: أَنَّ هَذَا يَجُوزُ فِي الطَّهَارَتَيْنِ: الصُّغْرَى وَالْكُبْرَى؛ فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ إلَّا ذَلِكَ، وَمَسْحُ الْخُفَّيْنِ لَا يَكُونُ فِي الْكُبْرَى. الثَّالِثُ: أَنَّ الْجَبِيرَةَ يُمْسَحَ عَلَيْهَا إلَى أَنْ يَحِلَّهَا، لَيْسَ فِيهَا تَوْقِيتٌ؛ فَإِنَّ مَسْحَهَا لِلضَّرُورَةِ، بِخِلَافِ الْخُفِّ فَإِنَّ مَسْحَهُ مُوَقَّتٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ. لَكِنْ لَو كَانَ فِي خَلْعِهِ بَعْدَ مُضِيِّ الْوَقْتِ ضَرَرٌ -مِثْلُ: أَنْ يَكونَ هُنَاكَ بَرْدٌ شَدِيدٌ مَتَى خَلَعَ خُفَّيْهِ تَضَرَّرَ .. وَنَحْوُ ذَلِكَ- فَهُنَا قِيلَ: إنَّهُ يَتَيَمَّمُ، وَقِيلَ: إنَّهُ يَمْسَحُ عَلَيْهِمَا لِلضَّرُورَةِ، وَهَذَا أَقْوَى؛ لِأَنَّ لُبْسَهُمَا هُنَا صَارَ كَلُبْسِ الْجَبِيرَةِ مِن بَعْضِ الْوُجُوهِ. وَعَلَى هَذَا يُحْمَل حَدِيثُ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ لَمَّا خَرَجَ مِن دِمَشْقَ إلَى الْمَدِينَةِ

стр. 1732

يُبَشِّرُ النَّاس بِفَتْحِ دِمَشْقَ وَمَسَحَ أُسْبُوعًا بِلَا خَلْعٍ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَصَبْت السُّنَةَ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وَلهَذَا لَو كَانَ جَرِيحًا وَأَمْكَنَهُ مَسْحُ جِرَاحِهِ بِالْمَاءِ دُونَ الْغَسْلِ: فَهَل يَمْسَحُ بِالْمَاءِ أَو يَتَيَمَّمُ؟ فِيهِ قَوْلَانِ، وَمَسْحُهُمَا بِالْمَاءِ أَصَحُّ. الرَّابعُ: أَنَّ الْجَبِيرَةَ يَسْتَوْعِبُهَا بِالْمَسْحِ كَمَا يَسْتَوْعِبُ الْجِلْد. الْخَامِسُ: أَنَّ الْجَبِيرَةَ يَمْسَحُ عَلَيْهَا وَإِن شَدَّهَا عَلَى حَدَثٍ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَهُوَ الصَّوَابُ. وَمَن قَالَ: لَا يَمْسَحُ عَلَيْهَا إلَّا إذَا لَبِسَهَا عَلَى طَهَارَةٍ: لَيْسَ مَعَهُ إلَّا قِيَاسُهَا عَلَى الْخُفَّيْنِ وَهُوَ قِيَاسٌ فَاسِدٌ؛ فَإِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا ثَابِتٌ مِن هَذ الْوُجُوهِ وَمَسْحُهَا كمَسْحِ الْجِلْدَةِ وَمَسْح الشَّعْرِ، لَيْسَ كَمَسْحِ الْخُفَّيْنِ، وَفِي كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَد مَا يُبَيِّنُ ذَلِكَ، وَأَنَّهَا مُلْحَقَةٌ عِنْدَهُ بِجِلْدَةِ الْإِنْسَانِ لَا بِالْخُفَّيْنِ وَفِي ذَلِكَ نِزَاعٌ؛ لِأَنَّ مِن أَصْحَابِهِ مَن يَجْعَلُهَا كَالْخُفَّيْنِ وَيَجْعَلُ الْبُرْءَ كَانْقِضاءِ مُدَّةِ الْمَسْحِ، فَيَقُولُ بِبُطْلَانِ طَهَارَةِ الْمَحَلِّ كَمَا قَالُوا فِي الْخُفِّ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ وَهُوَ: أَنَّهَا إذَا سَقَطَتْ سُقُوطَ بُرْءٍ كَانَ بِمَنْزِلَةِ حَلْقِ شَعْرِ الرَّأْسِ وَتَقْلِيمِ الْأَظْفَارِ وَبِمَنْزِلَةِ كَشْطِ الْجِلْدِ لَا يُوجِبُ إعَادَةَ غُسْلِ الْجَنَابَةِ عَلَيْهَا إذَا كَانَ قَد مَسَحَ عَلَيْهَا مِنَ الْجَنَابَةِ، وَكَذَلِكَ فِي الْوُضُوءِ لَا يَجِبُ غَسْلُ الْمَحَلِّ وَلَا إعَادَةُ الْوُضُوءِ. وَإِن قِيلَ: إنَّهُ لَا يَمْسَحُ عَلَيْهَا مِنَ الْجَنَابَةِ حَتَّى يَشُدَّهَا عَلَى الطَّهَارَةِ: كَانَ هَذَا قَوْلًا بِلَا أَصْلٍ يُقَاسُ عَلَيْهِ وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا. [٢١/ ١٧٦ - ١٨٢] ٢٣٠٩ - [قَوْلُهُ: وَمِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَلْبَسَ الْجَمِيعَ (١) بَعْدَ كَمَالِ الطَّهَارَةِ إلَّا الْجَبِيرَةَ على إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ] إن كان الممسوح عليه غير جبيرة فالصحيح من المذهب: أنه يشترط لجواز المسح عليه كمال الطهارة قبل لبسه، وعليه

стр. 1733

الأصحاب، وعنه: لا يشترط كمالها اختاره الشيخ تقي الدين وصاحب الفائق، وقال: وعنه لا يشترط الطهارة لمسح العمامة ذكره ابن هبيرة، وحكى أبو الفرج رواية بعدم اشتراط تقدم الطهارة رأسًا، فإنْ لبس محدثًا ثم توضأ وغسل رجليه في الخف جاز له المسح، قال الزركشي: وهو غريب بعيد، قلت: اختاره الشيخ تقي الدين (١). وقال أيضًا: ويتوجه أن العمامة لا يشترط لها ابتداء اللبس على طهارة، ويكفيه فيهما الطهارة المتقدمة. لو غسل الرجلين في الخفين بعد أن لبسهما محدثًا جاز المسح (٢)، وهو مذهب أبي حنيفة وقول مخرج في مذهب أحمد. [المستدرك ٣/ ٣٦] ٢٣١٠ - لا يجوز المسح على غير المحنكة، إلا أن تكون ذات ذؤابة في أحد الوجهين: أحدهما يجوز المسح عليها، وهو مقتضى اختيار الشيخ تقي الدين بطريق الأولى، فإنه اختار جواز المسح على العمامة الصماء فذات الدؤابة أولى بالجواز، وقال عن العمامة الصماء: هي القلانس. ويمسح على اللفائف في أحد الوجهين حكاه ابن تميم وغيره. وعلى القدم ونعلها الذي يشق نزعها إلا بيد أو رِجْل كما جاءت به الآثار، والاكتفاء بأكثر القدم هنا، والظاهر منها غسلًا أو مسحًا أولى من مسح بعض الخف ولهذا لا يتوقت.

стр. 1734

وذكر في موضع آخر: أن الرجل لها ثلاث أحوال: أ - الكشف: له الغسل وهو أعلى المراتب. ب - والستر: له المسح. ج - وحالة متوسطة، وهي إذا كانت في النعل، فلا هي مما يجوز المسح ولا هي بارزة فيجب الغسل، فأُعطيت حالة متوسطة وهي الرش، وحيث أُطلق عليها المسحُ في هذه الحال فالمراد به الرش، وقد ورد الرش على النعلين، والمسح عليهما في المسند من حديث أوس بن أوس ورواه ابن حبان والبيهقي من حديث ابن عباس (١). [المستدرك ٣/ ٣٤ - ٣٥] ٢٣١١ - تقدم أنَّ الشيخ تقي الدين اختار أن العمامة لا يشترط لها ابتداء اللبس على طهارة ويكفي فيها الطهارة المستدامة، وقال أيضًا: يتوجه أنه لا يخلعهما بعد وضوئه ثم يلبسها بخلاف الخف. [المستدرك ٣/ ٣٦]

стр. 1735

٢٣١٢ - لا ينتقض وضوء الماسح على الخف والعمامة بنزعهما، ولا بانقضاء المدة، ولا يجب عليه مسح رأسه ولا غسل قدميه، وهو مذهب الحسن البصري؛ كإزالة الشعر الممسوح على الصحيح من مذهب أحمد، وقول الجمهور. [المستدرك ٣/ ٣٧] ٢٣١٣ - اختار الشيخ تقي الدين أيضًا جواز المسح على الملبوس ولو كان دون الكعب (١). [المستدرك ٣/ ٣٤]

стр. 1736

٢٣١٤ - الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ قَد اشْتَرَطَ فِيهِ طَائِفَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ شَرْطيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ سَاتِرًا لِمَحَلِّ الْفَرْضِ، وَقَد تَبَيَّنَ ضَعْفُ هَذَا الشَّرْطِ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْخُفُّ يَثْبُتُ بِنَفْسِهِ. وَهَذَا الشَّرْطُ لَا أَصْلَ لَهُ فِي كَلَامِ أَحْمَد؛ بَلِ الْمَنْصُوصُ عَنْهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ أَنَّهُ يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ وَإِن لَمْ يَثْبُتَا بِأَنْفُسِهِمَا؛ بَل بِنَعْلَيْنِ تَحْتَهُمَا، وَأَنَّهُ يَمْسَحُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ مَا لَمْ يَخْلَعِ النَّعْلَيْنِ. [٢١/ ١٨٣ - ١٨٤] ٢٣١٥ - الصَّوَابُ: أَنَّهُ يَمْسَحُ عَلَى اللَّفَائِفِ (١)، وَهِيَ بِالْمَسْحِ أَوْلَى مِنَ الْخُفِّ وَالْجَوْرَبِ، فَإِنَّ تِلْكَ اللَّفَائِفَ إنَّمَا تُسْتَعْمَلُ لِلْحَاجَةِ فِي الْعَادَةِ. ومَن تَدَبَّرَ أَلْفَاظَ الرَّسُولِ ﷺ وَأَعْطَى الْقِيَاسَ حَقَّهُ: عَلِمَ أَنَّ الرُّخْصَةَ مِنْهُ فِي هَذَا الْبَابِ وَاسِعَةٌ، وَأَنَّ ذَلِكَ مِن مَحَاسِنِ الشَّرِيعَةِ وَمِنَ الْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ الَّتِي بُعِثَ بِهَا. فَعُلِمَ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي اللِّبَاسِ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْوَجْهِ الْمُعْتَادِ، سَوَاءٌ سَتَرَ جَمِيعَ مَحَلِّ الْفَرْضِ أَو لَمْ يَسْتُرْهُ. وَالْخِفَافُ قَد اُعْتِيدَ فِيهَا أَنْ تُلْبَسَ مَعَ الْفَتْقِ وَالْخَرْقِ وَظُهُورِ بَعْضِ الرِّجْلِ. وَأَمَّا مَا تَحْتَ الْكَعْبَيْنِ فَذَاكَ لَيْسَ بِخُفٍّ أَصْلًا، وَلهَذَا يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ لُبْسُهُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى النَّعْلَيْنِ فِي أَظْهَرِ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ. فَإِنَّمَا أَمَرَ بِالْقَطْعِ أَوَّلًا لِأَنَّ رُخْصَةَ الْبَدَلِ لَمْ تَكُنْ شُرِعَتْ، فَأَمَرَهُم بِالْقَطْعِ حِينَئِذٍ لِأَنَّ الْمَقْطُوعَ يَصِيرُ كَالنَّعْلَيْنِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِخُفِّ، وَلهَذَا لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، فَلَمْ يَدْخُلْ فِي إذْنِهِ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ. [٢١/ ١٨٥ - ١٩٢]

стр. 1737

٢٣١٦ - يشترط للمسح اللبس على طهارة، ويعتبر كمالها (١)، وعنه: لا، اختاره شيخنا. [المستدرك ٣/ ٣٥] ٢٣١٧ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مَن تَوَضَّأَ وُضُوءًا كَامِلًا ثُمَّ لَبِسَ الْخُفَّيْن جَازَ لَهُ الْمَسْحُ بِلَا نِزَاعٍ، وَلَو غَسَلَ إحْدَى رِجْلَيْهِ وَأَدْخَلَهَا الْخُفَّ ثُمَّ فَعَلَ بِالْأُخْرَى مِثْل ذَلِكَ فَفِيهِ قَوْلَانِ هُمَا رِوَايَتَانِ عَن أَحْمَد: إحْدَاهُمَا: يَجُوزُ الْمَسْحُ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ. وَالثَّانِيَةُ: لَا يَجُوزُ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ. وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ هُوَ الصَّوَابُ بِلَا شَكٍّ. [٢١/ ٢٠٩ - ٢١٠] ٢٣١٨ - يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ (٢) إذَا كَانَ يَمْشِي فِيهِمَا، سَوَاءٌ كَانَت مُجَلَّدَةَ أَو لَمْ تَكُنْ فِي أَصَحِّ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ. [٢١/ ٢١٤] ٢٣١٩ - هل المسح أفضل، أم غسل الرجلين، أم هما سواء؟ ثلاث روايات عن أحمد. وفصل الخطاب أنَّ الأفضل في حق كل واحد ما هو الموافق لحال قدمه؛ فالأفضل لمن قدماه مكشوفتان غسلهما ولا يتحرى لبس الخف ليمسح عليه، كما كان النبي ﷺ يغسل قدميه إذا كانتا مكشوفتين، ويمسح قدميه إذا كان لابسًا للخف. [المستدرك ٣/ ٣٣] ٢٣٢٠ - والمسافر ثلاثة أيام بلياليهن، وقيل: يمسح كالجبيرة واختاره الشيخ تقي الدين، قاله (٣) في الفروع. وقال في الاختيارات: ولا تتوقف مدة المسح في حق المسافر الذي

стр. 1738

يشق اشتغاله بالخلع واللبس كالبريد المجهز في مصلحة المسلمين. [المستدرك ٣/ ٣٣] ٢٣٢١ - لَمَّا ذَهَبْت عَلَى الْبَرِيدِ وَجَدَّ بِنَا السَّيْرُ وَقَدِ انْقَضَتْ مُدَّةُ الْمَسْحِ فَلَمْ يُمْكِن النَّزْعُ وَالْوُضُوءُ إلَّا بِانْقِطَاعٍ عَنِ الرُّفْقَةِ، أَو حَبْسِهِمْ عَلَى وَجْهٍ يَتَضَرَّرُونَ بِالْوُقُوفِ، فَغَلَبَ عَلَى ظَنِّي عَدَم التَّوْقِيتِ عِنْدَ الْحَاجَةِ -كَمَا قُلْنَا فِي الْجَبِيرَةِ- وَنَزَّلْت حَدِيثَ عُمَرَ وَقَوْلَهُ لعقبة بْنِ عَامِرٍ: "أَصَبْت السُّنَّةَ" عَلَيَّ؛ تَوْفِيقًا بَيْنَ الآَثَارِ، ثُمَّ رَأَيْتُهُ مُصَرَّحًا بِهِ فِي مَغَازِي ابْنِ عَائِدٍ أَنَّهُ كَانَ قَد ذَهَبَ عَلَى الْبَرِيدِ كَمَا ذَهَبْتُ لَمَّا فُتِحَتْ دِمَشْقُ ذَهَبَ بَشِيرًا بِالْفَتْحِ مِن يَوْمِ الْجُمْعَةِ إلى يَوْمِ الْجُمْعَةِ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: مُنْذ كَمْ لَمْ تَنْزعْ خُفَّيْك؟ فَقَالَ: مُنْذُ يَوْمِ الْجُمْعَةِ قَالَ: أَصَبْت. فَحَمِدْت اللهَ عَلَى الْمُوَافَقَةِ. وَهَذَا أَظُنُّهُ أَحَدَ الْقَوْلَيْنِ لِأَصْحَابِنَا وَهُوَ: أَنَّهُ إذَا كَانَ يَتَضَرَّرُ بِنَزْعِ الْخُفِّ صَارَ بِمَنْزِلَةِ الْجَبِيرَةِ. وَفِي الْقَوْلِ الْآخَرِ: أَنَّهُ إِذَا خَافَ الضَّرَرَ بِالنَّزْعِ تيَمَّمَ وَلَمْ يَمْسَحْ. وَهَذَا كَالرِّوَايَتَيْنِ لَنَا إذَا كَانَ جُرْحُه بَارِزًا يُمْكِنُهُ مَسْحُهُ بِالْمَاءِ دُونَ غَسْلِهِ، فَهَل يَمْسَحُهُ أَو يَتَيَمَّمُ لَهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَالصَّحِيحُ: الْمَسْحُ؛ لِأَنَّ طَهَارَةَ الْمَسْحِ بِالْمَاءِ أَوْلَى مِن طَهَارَةِ الْمَسْحِ بِالتُّرَابِ. وَيُلْحَقُ بِذَلِكَ إذَا كَانَ عَادِمًا لِلْمَاءِ وَمَعَهُ قَلِيلٌ يَكْفِي لِطَهَارَةِ الْمَسْحِ لَا لِطِهَارَةِ الْغَسْلِ، فَإِنْ نَزَعَهُمَا تيَمَّمَ؛ فَالْمَسْحُ عَلَيْهِمَا خَيْرٌ مِنَ التَّيَمُّمِ. وَأَصْلُ ذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ: "يَمْسَحُ الْمُقِيمُ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَالْمُسَافِرُ ثَلَاَثةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ" (١).

стр. 1739

مَنْطُوقُهُ: إبَاحَةُ الْمَسْحِ هَذِهِ الْمُدَّةَ، وَالْمَفْهُومُ لَا عُمُومَ لَهُ؛ بَل يَكْفِي أَنْ لَا يَكُونَ الْمَسْكُوتُ كَالْمَنْطُوقِ، فَإِذَا خَالَفَهُ فِي صُورَةٍ حَصَلَتِ الْمُخَالَفَةُ، فَإِذَا كَانَ فِيمَا سِوَى هَذ الْمُدَّةِ لَا يُبَاحُ مُطْلَقًا بَل يُحْظَرُ تَارَةً وَيُبَاحُ أُخْرَى حَصَلَ الْعَمَلُ بِالْحَدِيثِ، وَهَذَا وَاضِحٌ، وَهِيَ مَسْأَلَة نَافِعَةٌ جِدًّا. فَإِنَّهُ مَن بَاشَرَ الْأَسْفَارَ فِي الْحَجِّ وَالْجِهَادِ وَالتِّجَارَةِ وَغَيْرِهَا: رَأَى أَنَّهُ فِي أَوْقَاتٍ كَثِيرَةٍ لَا يُمْكِنُ نَزْعُ الْخُفَّيْنِ وَالْوُضُوءُ إلَّا بِضَرَرٍ يُبَاحُ التَّيَمُّمُ بِدُونهِ (١). [٢١/ ٢١٥ - ٢١٧] ٢٣٢٢ - قال ابن القيم رحمه الله تعالى: [وسألوه (٢) عن الجرح يكون بالإنسان يخاف عليه كيف يمسح عليه؟ قال: -ينزع الخرقة ثم يمسح على الجرح نفسه. قلت (٣): هذا النص خلاف المشهور عند الأصحاب، فإنهم يقولون: إذا كان مكشوفًا لم يمسح عليه حتى يستره، فمان لم يكن مستورًا تيمم له] (٤)، ونص أحمد صريح في أنه يكشف الخرقة ثم يباشر الجرح بالمسح، وهذا يدل على أنَّ مسح الجرح البارز أولى من مسح الجبيرة، وأنه خيرٌ من التيمم. وهذا هو الصواب الذي لا ينبغي العدول عنه، وهو المحفوظ عن السلف من الصحابة والتابعين، ولا ريب أنه بمقتضى القياس؛ فإن مباشرة العضو بالمسح الذي هو بعض الغسل المأمور به أولى من مباشرة غير ذلك العضو بالتراب.

стр. 1740

وكان شيخنا أبو العباس ابن تيمية رحمه اللّه تعالى يذهب إلى هذا، ويضعف القول بالتيمم بدل المسح. [المستدرك ٣/ ٣٧] ٢٣٢٣ - إنْ خَافَتِ الْمَرْأَةُ مِنَ الْبَرْدِ وَنَحْوِهِ مَسَحَتْ عَلَى خِمَارِهَا؛ فَإِنَّ أُمَّ سَلَمَةَ كَانَت تَمْسَحُ خِمَارَهَا، وَيَنْبَغِي أَنْ تَمْسَحَ مَعَ هَذَا بَعْضَ شَعْرِهَا، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُن بِهَا حَاجَةٌ إلَى ذَلِكَ فَفِيهِ نِزَاعٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ. [٢١/ ٢١٨] ٢٣٢٤ - لَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذَا لَبِسَ الْخُفَّيْنِ عَلَى طَهَارَةٍ ثُمَّ أَحْدَثَ أَنَّهُ يَنْزِعُهُمَا وَيَغْسِلُ رِجْلَيْهِ؛ بَل كَانَ يَمْسَحُ عَلَيْهِمَا، وَهَذَا مَوْرِدُ النِّزَاعِ، فَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُن عَلَيْهِ خُفَّانِ فَفَرْضُهُ الْغَسْلُ وَلَا يُشْرَعُ لَهُ أَنْ يَلْبَسَ الْخُفَّيْنِ لِأَجْلِ الْمَسْحِ؛ بَل صُورَةُ الْمَسْأَلَةِ: إذَا لَبِسَهُمَا لِحَاجَتِهِ فَهَل الْأَفْضَلُ أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِمَا أَو يَخْلَعَهُمَا أَو كِلَاهُمَا عَلَى السَّوَاءِ؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ، وَالصَّوَابُ: أَنَّ الْمَسْحَ أَفْضَلُ اتِّبَاعًا لِلسُّنَّةِ. [٢٦/ ٩٤] * * * (بَابٌ: نَوَاقِضُ الْوُضُوءِ) ٢٣٢٥ - تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِي خُرُوجِ النَّجَاسَةِ مِن غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ - كَالْجُرْحِ وَالْفِصَادِ وَالْحِجَامَةِ وَالرُّعَافِ (١) وَالْقَيْءِ. وَتَنَازَعُوا فِي مَسِّ النِّسَاءِ وَمَسِّ الذَّكَرِ. وَاخْتَلَفَ السَّلَف فِي الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ. وَاخْتَلَفُوا فِي الْقَهْقَهَةِ فِي الصَّلَاةِ.

стр. 1741

وَالْأَظْهَرُ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْأنْوَاعِ: أَنَهَا لَا تَنْقضُ الْوُضُوءَ، وَلَكِنْ يُسْتَحَبُّ الْوُضُوءُ مِنْهَا. [٢١/ ٢٢٢] ٢٣٢٦ - إن كانت (النجاسات) من غير السبيلين لم ينقض إلا كثيرها، واختار الشيخ تقي الدين وصاحب الفائق لا ينقض الكثير مطلقًا (١). [المستدرك ٣/ ٣٨] ٢٣٢٧ - إذَا تَوَضَّأَ مِنْهُ [أي: الرُّعَاف] فَهُوَ أَفْضَلُ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِي أَظْهَرِ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ (٢). [٢١/ ٢٢٨] ٢٣٢٨ - النَّوْمُ الْيَسِيرُ مِن الْمُتَمَكِّنِ بِمَقْعَدَتِهِ: لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ مِن الأئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ؛ فَإِنَّ النَّوْمَ عِنْدَهُم لَيْسَ بِحَدَث فِي نَفْسِهِ لَكنَّهُ مَظِنَّةُ الْحَدَثِ. ثُمَّ بَعْدَ هَذَا لِلْعُلَمَاءِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أ - قِيلَ: يَنْقُضُ مَا سِوَى نَوْمِ الْقَاعِدِ مُطْلَقًا؛ كَقَوْلِ مَالِكٍ وَأحْمَد فِي رِوَايَةٍ. ب - وَقِيلَ: لَا يَنْقُضُ نَوْمُ الْقَائِمِ وَالْقَاعِدِ، وَينْقُضُ نَوْمُ الرَّاكِعِ وَالسَّاجِدِ؛ لِأَنَّ الْقَائِمَ وَالْقَاعِدَ لَا يَنْفَرِجُ فِيهِمَا مَخْرَجُ الْحَدَثِ كمَا يَنْفَرِجُ مِن الرَّاكِعِ وَالسَّاجِدِ. ج - وَقِيلَ: لَا يَنْقُضُ نَوْمُ الْقَائِمِ وَالْقَاعِدِ وَالرَّاكِعِ وَالسَّاجِدِ بِخِلَافِ الْمُضْطَجِعِ وَغَيْرِهِ، كقَوْلِ أبِي حَنِيفَةَ. وَالْأظْهَرُ فِي هَذَا الْبَابِ: أَنَّهُ إذَا شَكَّ الْمُتَوَضِّئُ: هَل نَوْمُهُ مِمَّا يَنْقُضُ أو لَيْسَ مِمَّا يَنْقُضُ؟ فَإِنَّهُ لَا يَحْكُمُ بِنَقْضِ الْوُضُوءِ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ ثَابِتَةٌ بِيَقِين فَلَا تَزُولُ بِالشَّكِّ. [٢١/ ٢٢٨ - ٢٣٠]

стр. 1742

٢٣٢٩ - نقل الميموني: لا ينقض النوم بحال، واختار الشيخ تقي الدين إن ظن بقاء طهره. [المستدرك ٣/ ٣٨] ٢٣٣٠ - لمْسُ فَرْجِ الْحَيَوَانِ غَيْرُ الْإِنْسَانِ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ حَيًّا وَلَا مَيِّتًا بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ (١). وَبَطْنُ الْكَفِّ يَتَنَاوَلُ الْبَاطِنَ كلَّهُ بَطْنَ الرَّاحَةِ وَالْأَصَابعِ. [٢١/ ٢٣١] ٢٣٣١ - نَقْضُ الْوُضُوءِ بِلَمْسِ النِّسَاءِ فَلِلْفُقَهَاءِ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: طَرَفَانِ وَوَسَطٌ، أضْعفُهَا: أَنَّهُ يَنْقُضُ اللَّمْسُ وَإِن لَمْ يَكُن لِشَهْوَةِ إذَا كَانَ الْمَلْمُوسُ مَظِنَّةً لِلشَّهْوَةِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ. الْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ اللَّمْسَ لَا يَنْقُضُ بِحَالٍ وَإِن كَانَ لِشَهْوَةٍ؛ كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِ، وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ يَذْكُرُ رِوَايَةً عَن أَحْمَد، لَكِنَّ ظَاهِرَ مَذْهَبِهِ كَمَذْهَبِ مَالِكٍ وَالْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ: أَنَّ اللَّمْسَ إنْ كَانَ لِشَهْوَةٍ نَقَضَ وَإِلَّا فَلَا. وَلَيْسَ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلٌ مُتَوَجِّهٌ إلَّا هَذَا الْقَوْلُ أو الَّذِي قَبْلَهُ. فَأَمَّا تَعْلِيقُ النَّقْضِ بِمُجَرَّدِ اللَّمْسِ فَهَذَا خِلَافُ الْأُصُولِ وَخِلَافُ إجْمَاعِ الصَّحَابَةِ وَخِلَافُ الْآثَارِ. ومَن زَعَمَ أَنَّ قَوْلَه: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ يَتَنَاوَلُ اللَّمْسِ وَإِن لَمْ يَكُن لِشَهْوَةٍ: فَقَد خَرَجَ عَن اللُّغَةِ الَّتِي جَاءَ بِهَا الْقُرْآنُ؛ بَل وَعَن لُغَةِ النَّاسِ فِي

стр. 1743

عُرْفِهِمْ، فَإِنَّهُ إذَا ذُكِرَ الْمَسُّ الَّذِي يُقْرَنُ فِيهِ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ عُلِمَ أَنَّهُ مَسُّ الشَّهْوَةِ، كَمَا أَنَّهُ إذَا ذُكِرَ الْوَطْءُ الْمَقْرُونُ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ عُلِمَ أَنَّهُ الْوَطْءُ بِالْفَرْجِ لَا بِالْقَدَمِ. فَإِنَّ خِطَابَ اللّهِ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ بِذِكْرِ اللَّمْسِ وَالْمَسِّ وَالْمُبَاشَرَةِ لِلنِّسَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ: لَا يَتَنَاوَلُ مَا تَجَرَّدَ عَن شَهْوَةٍ أَصْلًا، وَلَمْ يَتَنَازَعْ الْمُسْلِمُونَ فِي شَيْءٍ مِن ذَلِكَ إلَّا فِي آيَةِ الْوُضُوءِ، وَالنِّزَاعُ فِيهَا مُتَأَخِّرٌ، فَيَكُونُ مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ قَاضِيًا عَلَى مَا تَنَازَعَ فِيهِ مُتَأَخِّرُوهُمْ. [٢١/ ٢٣٢ - ٢٣٩] ٢٣٣٢ - من النواقض: أن تمس بشرته بشرة أنثى لشهوة، وقال الشيخ تقي الدين: يستحب إن لمسها لشهوة وإلا فلا. [المستدرك ٣/ ٣٨] ٢٣٣٣ - الْأَظْهَرُ: أَنَّ الْوُضُوءَ مِن مَسِّ الذَّكَرِ مُسْتَحَبٌّ لَا وَاجِبٌ. [٢١/ ٢٤١] ٢٣٣٤ - مس اليهودي أو النصراني لا ينقض الوضوء باتفاق المسلمين. [المستدرك ٣/ ٣٨] ٢٣٣٥ - إذَا مَسَّ الْأمْرَدَ لِشَهْوَةٍ فَفِيهِ قَوْلَانِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ كَمَسِّ النِّسَاءِ لِشَهْوَةٍ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَنْقُضُ. وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَظْهَرُ؛ فَإِنَّ الْوَطْءَ فِي الدُّبُرِ يُفْسِدُ الْعِبَادَاتِ الَّتِي تَفْسُدُ بِالْوَطْءِ فِي الْقُبُلِ كَالصِّيَامِ وَالْإِحْرَامِ وَالِاعْتِكَافِ وُيوجِبُ الْغُسْلَ كَمَا يُوجِبُهُ هَذَا. وَنَقْضُ الْوُضُوءِ بِاللَّمْسِ يُرَاعَى فِيهِ حَقِيقَةُ الْحِكْمَةِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمَسُّ لِشَهْوَةٍ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ -كَمَالِكِ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمَا-. وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ: فَحَيْثُ وُجِدَ اللَّمْسُ لِشَهْوَة تَعَلَّقَ بِهِ الْحُكْمُ، حَتَّى لَو مَسَّ بِنْتِهِ وَأُخْتَه وَأُمَّهُ لِشَهْوَة انْتَقَضَ وَضَوْءُهُ؛ فَكَذَلِكَ مِن الْأَمْرَدِ. وَأَمَّا الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد فِي رِوَايَةٍ فَيَعْتَبرُ الْمَظِنَّة، وَهُوَ أَنَّ النِّسَاءَ مَظِنَّةُ

стр. 1744

الشَّهْوَةِ فَيَنْقُضُ الْوُضُوءَ، سَوَاءٌ كَانَ بِشَهْوَة أَو بِغَيْرِ شَهْوَةٍ؛ وَلِهَذَا لَا يَنْقُضُ مَسُّ الْمَحَارِمِ، لَكِن لَو مَسَّ ذَوَاتَ مَحَارِمِهِ لِشَهْوَةِ فَقَد وُجِدَتْ حَقِيقَةُ الْحِكْمَةِ، وَكَذَلِكَ إذَا مَسَّ الْأَمْرَدَ لِشَهْوَةِ. [١٥/ ٤١١ - ٤١٢، ٢١/ ٢٤٣ - ٢٥١] * * * (لحم الإبل ناقض للوضوء) ٢٣٣٦ - مَن نَقَلَ عَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ أَو جُمْهُورِ الصَّحَابَةِ أَنَّهُم لَمْ يَكُونُوا يَتَوَضَّؤُونَ مِن لُحُومِ الْأِبِلِ: فَقَد غَلِطَ عَلَيْهِمْ. [٢١/ ١٣] ٢٣٣٧ - ثَبَتَ فِي "صَحِيحِ مُسْلِمٍ" (١) عَن جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵁؛ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ : أَأَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الْغَنَمِ؟ قَالَ: "إِنْ شِئْتَ فَتَوَضأْ، وَإِنْ شِئْتَ فَلَا تَوَضَّأْ"، قَالَ: أتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ؟ قَالَ: "نَعَمْ فَتَوَضَّأْ مِنْ لُحُومِ الإِبِلِ"، قَالَ: أُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ؟ قَالَ: "نَعَمْ"، قَالَ: أُصَلِّي فِي مَبَارِكِ الْإِبِلِ؟ قَالَ: "لَا". وَقَدْ قَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إنَّهُ مَنْسُوخٌ بِقَوْلِ جَابِرٍ: كَانَ آخِرُ الْأَمْرَيْنِ مِن النَّبِيِّ ﷺ تَرْكُ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتْ النَّارُ. وَأمَّا جَابِرٌ فَإِنَّمَا نَقَلَ عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ آخِرَ الْأَمْرَيْنِ تَرْكُ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّت النَّارُ، وَهَذَا نَقْلٌ لِفِعْلِهِ لَا لِقَوْلِهِ. فَإِذَا شَاهَدُوهُ قَد أَكَلَ لَحْمَ غَنَمِ ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأُ بَعْدَ أَنْ كَانَ يَتَوَضَّأُ مِنْهُ صَحَّ أَنْ يُقَالَ: التَّرْكُ آخِرُ الْأَمْرَيْنِ، وَالتَّرْكُ الْعَامُّ لَا يُحَاطُ بِهِ إلا بِدَوَامِ مُعَاشَرَتِهِ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، بَل الْمَنْقولُ عَنْهُ التَّرْكُ فِي قَضِيَّهِ مُعَيَّنَةٍ. ثُمَّ تَرْكُ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّت النَّارُ لَا يُوجِبُ تَرْكَهُ مِن جِهَةٍ أُخْرَى، وَلَحْمُ

стр. 1745

الْإِبِلِ لَمْ يُتَوَضَّأَ مِنْهُ لِأَجْلِ مَسِّ النَّارِ؛ بَل الْمَعْنَى يَخْتَصُّ بِهِ وَيتَنَاوَلُهُ نِيئًا وَمَطْبُوخًا. [٢١/ ٢٦٠ - ٢٦٣] ٢٣٣٨ - مَن تَوَضَّأَ مِن لُحُومِهَا [أي: الإبل] انْدَفَعَ عَنْهُ مَا يُصِيبُ الْمُدْمِنِينَ لِأَكْلِهَا مِن غَيْرِ وُضُوءٍ؛ كَالْأَعْرَاب مِنَ الْحِقْدِ وَقَسْوَةِ الْقَلْبِ، الَّتِي أَشَارَ إلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ الْمُخَرَّجِ عَنْهُ فِي "الصَّحِيحَيْنِ": "إنَّ الْغِلْظَةَ وَقَسْوَةَ الْقُلُوبِ فِي الْفَدَّادِينَ أَصْحَابِ الإِبِلِ وَإِنَّ السَّكِينَةَ فِي أَهْلِ الْغَنَمِ" (١). [٢١/ ١١] ٢٣٣٩ - السابع: أكل لحم الجزور، وعنه: لا ينقض مطلقًا، اختاره الشيخ تقي الدين. وفي المسائل: يجب الوضوء من لحم الإبل؛ لحديثين صحيحين. لعله آخر ما أفتى به (٢). [المستدرك ٣/ ٣٩] * * * (بَابٌ الْغسْلُ) ٢٣٤٠ - الطَّهَارَةُ مِن الْجَنَابَةِ فَرْضٌ، لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُصَلِّيَ جُنُبًا وَلَا مُحْدِثًا حَتَّى يَتَطَهَّرَ، وَمَن صَلَّى بِغَيْرِ طَهَارَةٍ شَرْعِيَّةٍ مُسْتَحِلًّا لِذَلِكَ فَهُوَ كَافِرٌ، وَلَو لَمْ يَسْتَحِلَّ ذَلِكَ فَقَد اُخْتُلِفَ فِي كُفْرِهِ وَهُوَ مُسْتَحِقٌّ لِلْعُقُوبَةِ الْغَلِيظَةِ، لَكِنْ إنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى الِاغْتِسَالِ بِالْمَاءِ اغْتَسَلَ، وَإِن كَانَ عَادِمًا لِلْمَاءِ وَيخَافُ الضَّرَرَ بِاسْتِعْمَالِهِ بِمَرَض أَو خَوْفِ بَرْدٍ تيَمَّمَ وَصَلَّى. وَإِن تَعَذَّرَ الْغُسْلُ وَالتَّيمُّمُ صَلَّى بِلَا غسْلٍ وَلَا تَيَمُّمٍ فِي أَظْهَرِ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ. [٢١/ ٢٩٥] ٢٣٤١ - الْمَنِيُّ الَّذِي يُوجِبُ الْغُسْلَ هُوَ الَّذِي يَخْرُجُ بِشَهْوَة، وَهُوَ أَبْيَضُ غَلِيظٌ تُشْبِهُ رَائِحَتُهُ رَائِحَةَ الطَّلْعِ.

стр. 1746

فَأَمَّا الْمَنِيُّ الَّذِي يَخْرُجُ بِلَا شَهْوَةٍ إمَّا لِمَرَض أو غَيْرِهِ فَهَذَا فَاسِدٌ لَا يُوجِبُ الْغُسْلَ عِنْدَ أكْثَرِ الْعُلَمَاءِ .. كَمَا أَنَّ دَمَ الِاسْتِحَاضَةِ لَا يُوجِبُ الْغُسْلَ. وَالْخَارجُ عَقِيبَ الْبَوْلِ تَارَةً مَعَ أَلَمٍ أَو بِلَا ألَمٍ هُوَ مِن هَذَا الْبَابِ: لَا غُسْلَ فِيهِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ. [٢١/ ٢٩٦] ٢٣٤٢ - لَا يَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ إذَا اغْتَسَلَتْ مِن جَنَابَةٍ أو حَيْضٍ غَسْلُ دَاخِلِ الْفَرْجِ فِي أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ. [٢١/ ٢٩٧] ٢٣٤٣ - لو انتبه بالغ أو من يحتمل بلوغه فوجد بللًا جهل أنه مني وجب الغسل مطلقًا على الصحيح من المذهب، وعنه: يجب مع الحلم، وعنه: لا يجب مطلقًا، ذكرها الشيخ تقي الدين (١). [المستدرك ٣/ ٤٠]

стр. 1747

٢٣٤٤ - مِنْ فِقْهِ الرَّجُلِ قِلَّةُ وُلُوعِهِ بِالْمَاءِ، وَمَا ذُكِرَ مِنْ تَكثِيرِ الِاغْتِرَافِ مَكْرُوة، بَلْ إذَا غَرَفَ الْمَاءَ يُرْسِلُهُ عَلَى وَجْهِهِ إرْسَالًا مِن أَعَالِي الْوَجْهِ إلَى أَسْفَلِهِ بِرِفْقٍ (١). [٢١/ ٢٩٨] ٢٣٤٥ - لَمْ يَدْخُل النَّبِيُّ ﷺ حَمَّامًا وَلَا أَبُو بَكْرٍ وَلَا عُمَرُ وَلَا عُثْمَانُ، وَالْحَدِيثُ الَّذِي يُرْوَى: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ الْحَمَامَ مَوْضُوعٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِالْحَدِيثِ. وَلَكِنْ عَلِيٌّ ﵁ لَمَّا قَدِمَ الْعِرَاقَ كَانَ بِهَا حَمَّامَاتٌ، وَقَد دَخَلَ الْحَمَّامَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِن الصَّحَابَةِ، وَبُنِيَ بِالْجُحْفَةِ حَمَّامٌ دَخَلَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ وَهُوَ مُحْرِمٌ. وَكَانَ أبُو عَبْدِ اللهِ (٢) لَا يَدْخُلُ الْحَمَّامَ اقْتِدَاءً بِابْنِ عُمَرَ، فَإِنَّهُ كَانَ لَا يَدْخُلُهَا وَيقُولُ: هِيَ مِن رَقِيقِ الْعَيْشِ. وَهَذَا مُمْكِنٌ فِي أرْضٍ يَسْتَغْنِي أهْلُهَا عَن الْحَمَّامِ، كَمَا يُمْكِنُ الِاسْتِغْنَاءُ عَن الْفِرَاءِ وَالْحَشَايَا فِي مِثْل تِلْكَ الْبِلَادِ. وَالْكَلَامُ فِي فَصْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: فِي تَفْصِيلِ حُكْمِ مَا ذُكِرَ مِن بِنَائِهَا وَبَيْعِهَا وَإِجَارَتهَا.

стр. 1748

وَالْأَقْسَامُ أَرْبَعَةٌ: فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو: أ - إمَّا أَنْ يُحْتَاجُ إلَيْهَا مِن غَيْرِ مَحْظُورٍ. ب - أَو لَا يُحْتَاجُ إلَيْهَا وَلَا مَحْظُورَ. ج - أَو يُحْتَاجُ إلَيْهَا مَعَ الْمَحْظورِ. د - أَو يَكُونُ هُنَاكَ مَحْظُورٌ مِن غَيْرِ حَاجَةٍ. فَأَمَّا الْأوَّلُ: فَلَا ريبَ فِي الْجَوَازِ. فَإِنَّ نَظَافَةَ الْبَدَنِ مِن الْأَوْسَاخِ مُسْتَحَبَّةٌ؛ كَمَا رَوَى التِّرْمِذِيُّ (١) عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إنَّ اللهَ نَظِيفٌ يُحِبُّ النَّظَافَةَ". وَفِي "صَحِيحِ مُسْلِمٍ" (٢) عَن أَبِي هُرَيْرَةَ عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "حَقّ للهِ عَلَى كُلِّ مُسْلِم أَنْ يَغْتَسِلَ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ: يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَجَسَدَهُ"، وَهَذَا فِي أَحَدِ قَوْلَيْ الْعُلَّمَاءِ هُوَ غُسْلٌ رَاتِبٌ مَسْنُونٌ لِلنَّظَافَةِ فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ وَإِن لَمْ يَشْهَد الْجُمْعَةَ. وَأَيْضًا: فَالْحَمَّامُ قَد يُحَلِّلُ عَنْهُ مِن الْأَبْخِرَةِ وَالْأَوْسَاخِ، ويُوجِبُ لَهُ مِن الرَّاحَةِ مَا يَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى مَا أُمِرَ بِهِ مِن الْوَاجِبَاتِ والمُسْتَحَبَّاتِ، وَدُخُولُهَا حِينَئِذٍ بِهَذِهِ النِّيَّةِ يَكُونُ مِن جِنْسِ الِاسْتِعَانَةِ بِسَائِرِ مَا يَسْتَرِيحُ بِهِ كَالْمَنَامِ وَالطَّعَامِ، كَمَا قَالَ مُعَاذٌ لِأَبِي مُوسَى: إنِّي أَنَامُ وَأَقُومُ وَأَحْتَسِبُ نُوَمَتِي كَمَا أَحْتَسِبُ قَوْمَتِي. الْقِسْمُ الثَّانِي: إذَا خَلَتْ عَن مَحْظُورٍ (٣) فِي الْبِلَادِ الْبَارِدَةِ أَو الْحَارَّةِ، فَهُنَا لَا رَيْبَ أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ بِنَاؤُهَا، وَقَد بُنِيَت الْحَمَّامَاتُ عَلَى عَهْدِ الصَّحَابَةِ فِي الْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ عَلَى عَهْدِ عَلِيٍّ وَغَيْرِهِ وَأَقَرُّوهَا. الْقِسْمُ الثَّالِثُ: إذَا اشْتَمَلَتْ عَلَى الْحَاجَةِ وَالْمَحْظُورِ غَالِبًا؛ كَغَالِبِ

стр. 1749

الْحَمَّامَاتِ الَّتِي فِي الْبِلَادِ الْبَارِدَةِ، فَإِنَّهُ لَا بُدَّ لِأَهْلِ تِلْكَ الْأمْصَارِ مِن الْحَمَّامِ، وَلَا بُدَّ فِي الْعَادَةِ أَنْ يَشْتَمِلَ عَلَى مَحْظُورٍ، فَهُنَا أَيْضًا لَا تُطْلَق كَرَاهَةُ بِنَائِهَا وَبَيْعِهَا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ : "الْحَلَالُ بَيِّن وَالْحَرَامُ بَيِّن وَبَيْنَ ذَلِكَ أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِن النَّاسِ، فَمَن اتَقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِعِرْضِهِ وَدِينِهِ، وَمَن وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ؛ كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُخَالِطَهُ" (١): إنَّمَا يَقْتَضِي اتِّقَاءَ الشُّبُهَاتِ الَّتِي يَشْتَبِهُ فِيهَا الْحَلَالُ بِالْحَرَامِ، بِخِلَافِ مَا إذَا اشْتَبَهَ الْوَاجِبُ أَو الْمُسْتَحَبُّ بِالْمَحْظُورِ. وَلِهَذَا سُئِلَ الْإِمَامُ أَحْمَد عَن رَجُلٍ مَاتَ أَبُوة وَعَلَيْهِ دَيْن، وَلَهُ دُيُونٌ فِيهَا شُبْهَةٌ أَيَقْضِيهَا وَلَدُهُ؟ فَقَالَ: أَيَدَعُ ذِمَّةَ أَبِيهِ مَرْهُونَةً؟ وَهَذَا جَوَابٌ سَدِيدٌ؛ فَإِنَّ قَضَاءَ الدَّيْنِ وَاجِبٌ، وَتَرْكُ الْوَاجِبِ سَبَبٌ لِلْعِقَابِ، فَلَا يُتْرَكُ لِمَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ عِقَابٌ وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَكُونَ. وَمِن الْمَعْلُومِ أَنَّ مِن الْأَغْسَالِ مَا هُوَ وَاجِبٌ؛ كَغُسْلِ الْجَنَابَةِ وَالْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَمِنْهَا مَا هُوَ مُؤَكَّدٌ .. وَمِنْهَا مَا هُوَ مُسْتَحَبٌّ، وَهَذِهِ الْأَغْسَالُ لَا تُمْكِنُ فِي الْبِلَادِ الْبَارِدَةِ إلَّا فِي حَمَّامٍ. وَإِن اغْتَسَلَ فِي غَيْرِ حَمَّامٍ خِيفَ عَلَيْهِ الْمَوْتُ أَو الْمَرَضُ. فَلَا يَجُوزُ الِاغْتِسَالُ فِي غَيْرِ حَمَّامٍ حِينَئِذٍ. وَلَا يَجُوزُ الِانْتِقَالُ إلَى التَّيَمُّمِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الِاغْتِسَالِ بِالْمَاءِ فِي الْحَمَّامِ. الْقِسْم الرَّابعُ: أنْ تَشْتَمِلَ عَلَى الْمَحْظُورِ مَعَ إمْكَانِ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْهَا: كَمَا فِي حَمَّامَاتِ الْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ وَالْيَمَنِ فِي الْأَزْمَانِ الْمُتَأَخِّرَةِ، فَهَذَا مَحَلُّ نَصِّ أَحْمَد وَتَجَنُّبُ ابْنِ عُمَرَ.

стр. 1750

الْفَصْلُ الثَّانِي: فِي دُخُولِهَا فَنَقُولُ: لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَحْتَجَّ عَلَى كَرَاهَةِ دُخُولِهَا أَو عَدَمِ اسْتِحْبَابِهِ بِكَوْنِ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يَدْخُلْهَا وَلَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، فَإِنَّ هَذَا إنَّمَا يَكونُ حُجَّةً لَو امْتَنَعُوا مِن دُخُولِ الْحَمَّامِ، وَقَصَدُوا اجْتِنَابَهَا، أَو أَمْكَنَهُم دُخُولُهَا فَلَمْ يَدْخُلُوهَا، وَقَد عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَكُن فِي بِلَادِهِمْ حِينَئِذٍ حَمَّامٌ. [٢١/ ٣٠٠ - ٣١٤] ٢٣٤٦ - مَن تَرَكَ دُخُولَ الْحَمَّامِ لِعَدَمِ حَاجَتِهِ إلَيْهِ فَقَد أَحْسَنَ. وَمَن دَخَلَهَا مَعَ كَشْفِ عَوْرَتِهِ وَالنَّظَرِ إلَى عَوْرَاتِ النَّاسِ أَو ظَلَمَ الحمامي فَهُوَ عَاصٍ مَذْمُومٌ. وَمَن تَنَعَّمَ بِهَا لِغَيْرِ حَاجَةٍ فَهُوَ مَنْقُوصٌ مَرْجُوحٌ. وَمَن تَرَكَهَا مَعَ الْحَاجَةِ إلَيْهَا حَتَّى يَكْثُرَ وَسَخُهُ وَقَمْلُهُ فَهُوَ جَاهِلٌ مَذْمُومٌ (١). [٢١/ ٣٤١] ٢٣٤٧ - يجب غسل الجمعة على من له عرق أو ريح يتأذى به غيره. [المستدرك ٣/ ٤١] ٢٣٤٨ - لا يستحب تكرار الغسل على بدنه. ويفيض الماء على جسده ثلاثًا، وقيل: مرة واختاره الشيخ تقي الدين. [المستدرك ٣/ ٤٢] ٢٣٤٩ - اختار الشيخ تقي الدين: عدم استحباب الغسل للوقوف بعرفة وطواف الوداع، والمبيت بمزدلفة ورمي الجمار. قال في المستوعب: يستحب الغسل لدخول مكة ولو كانت حائضًا أو نفساء، وقال الشيخ تقي الدين: لا يستحب لها ذلك. [المستدرك ٣/ ٤١] ٢٣٥٠ - لَيْسَ لِلْجُنُبِ أَنْ يَلْبَثَ فِي الْمَسْجِدِ، لَكِنْ إذَا تَوَضَّأَ جَازَ لَهُ اللُّبْثُ

стр. 1751

فِيهِ عِنْدَ أَحْمَد وَغَيْرِهِ .. فَإِنَّ فِي "السُّنَنِ" عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ جُنُبٌ" (١) وَهَذَا مُنَاسِبٌ لِنَهْيِهِ عَن اللُّبْثِ فِي الْمَسْجِدِ؛ فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ بُيُوتُ الْمَلَائِكَةِ، كَمَا نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَن أَكْلِ الثُّومِ وَالْبَصَلِ عِنْدَ دُخُولِ الْمَسْجِدِ، وَقَالَ: "إنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنَوْا آدَمَ" (٢). وَلِهَذَا يُجَوِّزُ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَد لِلْجُنُبِ الْمُرُورَ فِي الْمَسْجِدِ بِخِلَافِ قِرَاءَةِ الْقرْآنِ، فَإِنَّ الْأَئِمَّةَ الْأَرْبَعَةَ مُتَّفِقُونَ عَلَى مَنْعِهِ مِن ذَلِكَ؛ فَعُلِمَ أَنَّ مَنْعَهُ مِن الْقُرْآنِ أَعْظَمُ مِن مَنْعِهِ مِن الْمَسْجِدِ. وَقَد تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِي مَنْعِ الْكُفَّارِ مِن دُخُولِ الْمَسْجِدِ، وَالْمُسْلِمُونَ خَيْرٌ مِن الْكُفَّارِ وَلَو كَانُوا جُنُبًا .. وَقَد قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨]. فَلُبْثُ الْمُؤمِنِ الْجُنُبِ إذَا تَوَضَّأَ فِي الْمَسْجِدِ أَوْلَى مَن لُبْثِ الْكافِرِ فِيهِ عِنْدَ مَن يُجَوِّزُ ذَلِكَ، وَمَن مَنَعَ الْكَافِرَ لَمْ يَجِبْ أَنْ يُمْنَعَ الْمُؤْمِنُ الْمُتَوَضِّئُ كَمَا نُقِلَ عَن الصَّحَابَةِ (٣). وَإِذَا كَانَ الْجُنُبُ يَتَوَضَّأُ عِنْدَ النَّوْمِ وَالْمَلَائِكَةُ تَشْهَدُ جِنَازَتَهُ حِينَئِذٍ: عُلِمَ أَنَّ النَّوْمَ لَا يُبْطِلُ الطَّهَارَةَ الْحَاصِلَةَ بِذَلِكَ وَهُوَ تَخْفِيفُ الْجَنَابَةِ، وَحِينَئِذٍ، فَيَجُوزُ أَنْ

стр. 1752

يَنَامَ فِي الْمَسْجِدِ حَيْثُ يَنَامُ غَيْرُهُ، وَإِذَا كَانَ النَّوْمُ الْكَثِيرُ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ فَذَاكَ هُوَ الْوُضُوءُ الَّذِي يَرْفَعُ الْحَدَثَ الْأَصْغَرَ، وَوُضُوءُ الْجُنُبِ هُوَ تَخْفِيفُ الْجَنَابَةِ (١)، وَإِلَّا فَهَذَا الْوُضُوءُ لَا يُبِيحُ لَهُ مَا يَمْنَعُهُ الْحَدَثُ الْأَصْغَرُ مِن الصَّلَاةِ وَالطَّوَافِ وَمَسِّ الْمُصْحَفِ. [٢١/ ٣٤٤ - ٣٤٥] ٢٣٥١ - إِذَا أَمْكَنَ الْجُنُبُ الْوُضُوءَ دُونَ الْغُسْلِ فَتَوَضَّأَ وَتَيَمَّمَ عَن الْغُسْلِ جَازَ، وَإِن تَيَمَّمَ وَلَمْ يَتَوَضأْ فَفِيهِ قَوْلَانِ: قِيلَ: يَجْزِيهِ عَن الْغُسْلِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَقِيلَ: لَا يَجْزِيهِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد بْنِ حَنْبَلِ (٢). [٢١/ ٤٥٩] ٢٣٥٢ - وَسُئِلَ ﵀: عَن التَيَمُّمِ إذَا كَانَ فِي يَدِهِ جِرَاحَةٌ وَتَوَضأَ وَغَسَلَ وَجْهَهُ فَهَلْ يَلْزَمُهُ أَنْ يَتَيَمَّمَ عِنْدَ غَسْلِ الْيَدَيْنِ؟ أَمْ يُكْمِلُ وُضُوءَهُ إلَى آخِرِهِ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَتَيَمَّمُ؟ وَإِنْ كَانَتْ الْجِرَاحَةُ مَشْدُودَةً: فَهَلْ يَلْزَمُهُ أَنْ يَحِلَّ الْجِرَاح وَيغْسِلَ جَمِيعَ الصَّحِيحِ، أَمْ يَغْسِلَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَيتْرُكَ الشَّدَّ عَلَى حَالِهِ؟ فَأَجَابَ: الصَّحِيحُ أَنَّ لَهُ أَنْ يُؤَخِّرَ التَّيَمُّمَ حَتَّى يَفْرَغَ مِن وُضُوئِهِ؛ بَل هَذَا الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَفْعَلَهُ إذَا قِيلَ: إنَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَ الْوُضُوءِ وَالتَّيَمُّمِ، فَإِنَّ مَذْهَبَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى تَيَمُّمٍ، وَلَكِنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد أنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا!. اهـ. [٢١/ ٤٦٦ - ٤٦٧] ٢٣٥٣ - لو نوى الطهارة الكبرى فقط لا يجزي عن الصغرى، وقال الشيخ تقي الدين يرتفع أيضًا الأصغر معه. [المستدرك ٣/ ٤٢]

стр. 1753

٢٣٥٤ - ذكر شيخنا في الجنب: (لا تدخل الملائكة عليه) إلا إذا توضَّأ. [المستدرك ٣/ ٤٣] * * * (بَابٌ: التَّيَمُّمُ) (١) ٢٣٥٥ - قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦]. وَالتَّيَمُّمُ فِي اللُّغَةِ: هُوَ الْقَصْدُ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧]. لَكِنْ لَمَّا قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ كَانَ التَّيَمُّمُ الْمَأمُورُ بِهِ: هُوَ تَيَمُّمَ الصَّعِيدِ الطَّيبِ لِلتَّمَسُّحِ بِهِ، فَصَارَ لَفْظُ التَّيَمُّمِ إذَا أُطْلِقَ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ انْصَرَفَ إلَى هَذَا التَّيَمُّمِ الْخَاصِّ. وَقَد يُرَادُ بِلَفْظِ التَّيَمُّمِ: نَفْسُ مَسْحِ الْيَدَيْنِ وَالْوَجْهِ، فَسُمِّيَ الْمَقْصُودُ بِالتَّيَمُّمِ تيَمُّمًا. وَهَذَا التَّيَمُّمُ الْمَأْمُورُ بِهِ فِي الْآيَةِ هُوَ مِن خَصَائِصِ الْمُسْلِمِينَ، وَمِمَّا فَضَّلَهُم اللهُ بِهِ عَلَى غَيْرِهِمْ مِن الْأُمَمِ.

стр. 1754

وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦] نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ الْإِثْبَاتِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧] .. وَهَذِهِ تُسَمَّى مُطْلَقَةً، وَهِيَ تُفِيدُ الْعُمُومَ عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ لَا عَلَى سَبِيلِ الْجَمْعِ، فَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ يَتَيَمَّمُ أيَّ صَعِيدٍ طَيِّبٍ اتَّفَقَ. وَالطَّيِّبُ هُوَ الطَّاهِرُ وَالتُّرَابُ الَّذِي يَنْبَعِثُ مُرَادٌ مِن النَّصِّ بِالْإِجْمَاعِ، وَفِيمَا سِوَاهُ نِزَاعٌ سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى. وَقَوْلُهُ: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ قَد اتَّفَقَ الْقُرَّاءُ السَّبْعَةُ عَلَى قِرَاءَةِ ﴿أَيْدِيكُمْ﴾ بِالْإِسْكَانِ؛ بِخِلَافِ قَوْلِهِ فِي الْوُضُوءِ: ﴿وَأَرْجُلَكُمَ﴾ فَإِنَّ بَعْضَ السَّبْعَةِ قَرَءُوا: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بِالنَّصْبِ، قَالُوا: إنَّهَا مَعْطُوفَةٌ عَلَى الْمَغْسُولِ، تَقْدِيرُهُ: فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إلَى الْكَعْبَيْنِ، كَذَلِكَ قَالَ عَلِيٌّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَغَيْرُهُ مِن السَّلَفِ. وَالْبَاءُ هُنَا لِلْإِلْصَاقِ لَيْسَتْ لِلتَّوْكِيدِ، وَلِهَذَا لَمْ يَقْرَأ الْقُرَّاءُ هُنَا ﴿وَأَيْدِيَكُمْ﴾ كَمَا قَرَءُوا هُنَاكَ ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾؛ لِأنَّهُ لَو قَالَ: (فَامْسُحُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ) أو "امْسَحُوا بِهَا) لَكَانَ يُكْتَفَى بِمُجَرَّدِ الْمَسْحِ مِن غَيْرِ إيصَالٍ لِلطَّهُورِ إلَى الرَّأْسِ (١)، وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ، فَلَمَّا كَانَت الْبَاءُ لِلْإِلْصَاقِ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِن إلْصَاقِ الْمَمْسُوحِ بِهِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى اسْتِعْمَالِ الطَّهُورِ. وَلِهَذَا كَانَت هَذِهِ الْبَاءُ لَا تَدُلُّ عَلَى التَّبْعِيضِ عِنْدَ أَحَدٍ مِن السَّلَفِ وَأَئِمَّةِ الْعَرَبِيَّةِ. وقَوْله تَعَالَى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ دَلَّتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ التُّرَابَ طَهُورٌ، كَمَا صَرَّحَتْ بِذَلِكَ السُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ فِي قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا" (٢).

стр. 1755

وَقَد اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّهُ إذَا لَمْ يَجِد الْمَاءَ فِي السَّفَرِ تَيَمَّمَ وَصَلَّى إلَى أَنْ يَجِدَ الْمَاءَ، فَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ فَعَلَيْهِ اسْتِعْمَالُهُ. وَكَذَلِكَ تيمُّمُ الْجُنُبِ: ذَهَبَ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ وَجَمَاهِيرُ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ إلَى أَنَّهُ يَتَيَمَّمُ إذَا عَدِمَ الْمَاءَ فِي السَّفَرِ إلَى أَنْ يَجِدَ الْمَاءَ، فَإِذَا وَجَدَة كَانَ عَلَيْهِ اسْتِعْمَالُهُ. [٢١/ ٣٤٦ - ٣٥١] ٢٣٥٦ - تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِي التَّيَمُّمِ: هَل يَقُومُ مَقَامَ الْمَاءِ فَيَتَيَمَّمُ قَبْلَ الْوَقْتِ، كَمَا يَتَوَضأُ قَبْلَ الْوَقْتِ وَيُصَلِّي بِهِ مَا شَاءَ مِن فُرُوضٍ وَنَوَافِلَ، كَمَا يُصَلِّي بِالْمَاءِ وَلَا يَبْطُلُ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ، كَمَا لَا يَبْطُلُ الْوُضُوءُ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ مَشْهُورينِ: فَمَذْهَبُ أَبِى حَنِيفَةَ: أَنَّهُ يَتَيَمَّمُ قَبْلَ الْوَقْتِ وَيبْقَى بَعْدَ الْوَقْتِ وَيُصَلِّي بِهِ مَا شَاءَ كَالْمَاءِ. وَالْقَوْلُ الثَّاني: أَنَّهُ لَا يَتَيَمَّمُ قَبْلَ الْوَقْتِ وَلَا يَبْقَى بَعْدَ خُرُوجِهِ. وَلَنَا أَنَّهُ قَد ثَبَتَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ: أَنَّ التُّرَابَ طَهُورٌ كَمَا أَنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ. وَقَد قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ طَهُورُ الْمُسْلِمِ وَلَو لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ فَإِذَا وَجَدْت الْمَاءَ فأمسه بَشَرَتَك فَإِنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ" (١)، فَجَعَلَهُ مُطَهِّرًا عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ مُطْلَقًا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ مُطَهِّرٌ لِلْمُتَيَمِّمِ، وَإِذَا كَانَ قَد جَعَلَ الْمُتَيَمِّمَ مُطَهَّرًا كَمَا أَنَّ الْمُتَوَضِّئَ مُطَهَّرٌ، وَلَمْ يُقَيِّدْ ذَلِكَ بِوَقْت، وَلَمْ يَقُلْ: إنَّ خُرُوجَ الْوَقْتِ يُبْطِلُهُ، كَمَا ذَكَرَ أَنَّهُ يُبْطِلُهُ الْقُدْرَةُ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ، دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَاءِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ، وَهُوَ مُوجَبُ الْأُصُولِ، فَإِنَّ التَّيَمُّمَ بَدَلٌ عَن الْمَاءِ، وَالْبَدَلُ يَقومُ مَقَامَ الْمُبْدَلِ فِي أَحْكَامِهِ، وَإِن لَمْ يَكُن مُمَاثِلًا لَهُ فِي صِفَتِهِ. فَإِنْ قِيلَ: الْوُضُوءُ يَرْفَعُ الْحَدَثَ وَالتَّيَمُّمُ لَا يَرْفَعُهُ؟ قِيلَ: عَن هَذَا جَوَابَانِ:
следующие страницы →