Полный текст (3 539 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.
стр. 1751
فِيهِ عِنْدَ أَحْمَد وَغَيْرِهِ .. فَإِنَّ فِي "السُّنَنِ" عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ جُنُبٌ" (١) وَهَذَا مُنَاسِبٌ لِنَهْيِهِ عَن اللُّبْثِ فِي الْمَسْجِدِ؛ فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ بُيُوتُ الْمَلَائِكَةِ، كَمَا نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَن أَكْلِ الثُّومِ وَالْبَصَلِ عِنْدَ دُخُولِ الْمَسْجِدِ، وَقَالَ: "إنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنَوْا آدَمَ" (٢) .
وَلِهَذَا يُجَوِّزُ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَد لِلْجُنُبِ الْمُرُورَ فِي الْمَسْجِدِ بِخِلَافِ قِرَاءَةِ الْقرْآنِ، فَإِنَّ الْأَئِمَّةَ الْأَرْبَعَةَ مُتَّفِقُونَ عَلَى مَنْعِهِ مِن ذَلِكَ؛ فَعُلِمَ أَنَّ مَنْعَهُ مِن الْقُرْآنِ أَعْظَمُ مِن مَنْعِهِ مِن الْمَسْجِدِ.
وَقَد تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِي مَنْعِ الْكُفَّارِ مِن دُخُولِ الْمَسْجِدِ، وَالْمُسْلِمُونَ خَيْرٌ مِن الْكُفَّارِ وَلَو كَانُوا جُنُبًا .. وَقَد قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨].
فَلُبْثُ الْمُؤمِنِ الْجُنُبِ إذَا تَوَضَّأَ فِي الْمَسْجِدِ أَوْلَى مَن لُبْثِ الْكافِرِ فِيهِ عِنْدَ مَن يُجَوِّزُ ذَلِكَ، وَمَن مَنَعَ الْكَافِرَ لَمْ يَجِبْ أَنْ يُمْنَعَ الْمُؤْمِنُ الْمُتَوَضِّئُ كَمَا نُقِلَ عَن الصَّحَابَةِ (٣) .
وَإِذَا كَانَ الْجُنُبُ يَتَوَضَّأُ عِنْدَ النَّوْمِ وَالْمَلَائِكَةُ تَشْهَدُ جِنَازَتَهُ حِينَئِذٍ: عُلِمَ أَنَّ النَّوْمَ لَا يُبْطِلُ الطَّهَارَةَ الْحَاصِلَةَ بِذَلِكَ وَهُوَ تَخْفِيفُ الْجَنَابَةِ، وَحِينَئِذٍ، فَيَجُوزُ أَنْ الحواشي
(١) النسائي(٤٢٨١) ، وأحمد(٦٣٣) ، وضعَّفه الألباني في تخريج مشكاة المصابيح(٤٤١) .(٢) وهذا يدل على أن النهي عن أكل الثوم والبصل خاصٌّ بمن يصلي في المسجد، وأما من صلى وحده، أو مع جماعة وقد أكلوا جميعًا منه فلا بأس، وأما إن أكل وحده فلا يجوز؛ لأنه يؤذي المصلين.
قال العلامة ابن عثيمين ﵀: الصحيح أنه لا يكره أن يصلي الانسانُ جماعةً وقد أكل بصلًا
أو ثومًا، إلا إذا كان يؤذي المصلين، فإذا كان يؤذي المصلين فلا يدخل معهم، أما المساجد فإِنه لا يحل له أن يحضر وقد أكل بصلًا أو ثومًا وبقيت رائحتهما فيه، فإن زالت الرائحة فلا بأس.
قال السائل: لوكانوا جميعهم قد أكلوا بصلًا؟
فأجاب الشيخ: لا بأس يصلون جماعة ولا حرج. اهـ. [لقاءات الباب المفتوح].(٣) أنهم يلبثون في المسجد وهم على جنابةٍ إذا توضؤوا.стр. 1752
يَنَامَ فِي الْمَسْجِدِ حَيْثُ يَنَامُ غَيْرُهُ، وَإِذَا كَانَ النَّوْمُ الْكَثِيرُ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ فَذَاكَ هُوَ الْوُضُوءُ الَّذِي يَرْفَعُ الْحَدَثَ الْأَصْغَرَ، وَوُضُوءُ الْجُنُبِ هُوَ تَخْفِيفُ الْجَنَابَةِ (١) ، وَإِلَّا فَهَذَا الْوُضُوءُ لَا يُبِيحُ لَهُ مَا يَمْنَعُهُ الْحَدَثُ الْأَصْغَرُ مِن الصَّلَاةِ وَالطَّوَافِ وَمَسِّ الْمُصْحَفِ. [٢١/ ٣٤٤ - ٣٤٥]
٢٣٥١ - إِذَا أَمْكَنَ الْجُنُبُ الْوُضُوءَ دُونَ الْغُسْلِ فَتَوَضَّأَ وَتَيَمَّمَ عَن الْغُسْلِ جَازَ، وَإِن تَيَمَّمَ وَلَمْ يَتَوَضأْ فَفِيهِ قَوْلَانِ: قِيلَ: يَجْزِيهِ عَن الْغُسْلِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَقِيلَ: لَا يَجْزِيهِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد بْنِ حَنْبَلِ (٢) . [٢١/ ٤٥٩]
٢٣٥٢ - وَسُئِلَ ﵀: عَن التَيَمُّمِ إذَا كَانَ فِي يَدِهِ جِرَاحَةٌ وَتَوَضأَ وَغَسَلَ وَجْهَهُ فَهَلْ يَلْزَمُهُ أَنْ يَتَيَمَّمَ عِنْدَ غَسْلِ الْيَدَيْنِ؟ أَمْ يُكْمِلُ وُضُوءَهُ إلَى آخِرِهِ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَتَيَمَّمُ؟ وَإِنْ كَانَتْ الْجِرَاحَةُ مَشْدُودَةً: فَهَلْ يَلْزَمُهُ أَنْ يَحِلَّ الْجِرَاح وَيغْسِلَ جَمِيعَ الصَّحِيحِ، أَمْ يَغْسِلَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَيتْرُكَ الشَّدَّ عَلَى حَالِهِ؟
فَأَجَابَ: الصَّحِيحُ أَنَّ لَهُ أَنْ يُؤَخِّرَ التَّيَمُّمَ حَتَّى يَفْرَغَ مِن وُضُوئِهِ؛ بَل هَذَا الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَفْعَلَهُ إذَا قِيلَ: إنَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَ الْوُضُوءِ وَالتَّيَمُّمِ، فَإِنَّ مَذْهَبَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى تَيَمُّمٍ، وَلَكِنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد أنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا!. اهـ. [٢١/ ٤٦٦ - ٤٦٧]
٢٣٥٣ - لو نوى الطهارة الكبرى فقط لا يجزي عن الصغرى، وقال الشيخ تقي الدين يرتفع أيضًا الأصغر معه. [المستدرك ٣/ ٤٢] الحواشي
(١) وهذا يُزيل إشكال كثير من الناس وهو أنه ما دام أن النوم ينقض الوضوء فلا فائدة من الوضوء للجنب؛ لأنه من حين استغراقه في النوم ينتقض وضوؤه، فجواب الشيخ ﵀ يرفع هذا الإشكال.(٢) قال الشيخ ابن عثيمين في الشرح الممتع: إذا وجد ماء لا يكفي إلا بعض أعضائه: فالمذهب يستعمله ويتيمم، لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] وهذا وجد ما يغسل به بعض الأعضاء فيستعمله ويتيمم؛ لأن بقية الأعضاء لا يستطيع غسلها، وهذا أقوى الأقوال وأحوطها. الشرح الممتع (٦/ ١٧٨).стр. 1753
٢٣٥٤ - ذكر شيخنا في الجنب: (لا تدخل الملائكة عليه) إلا إذا توضَّأ. [المستدرك ٣/ ٤٣]
* * *
(بَابٌ: التَّيَمُّمُ) (١)
٢٣٥٥ - قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦].
وَالتَّيَمُّمُ فِي اللُّغَةِ: هُوَ الْقَصْدُ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧].
لَكِنْ لَمَّا قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ كَانَ التَّيَمُّمُ الْمَأمُورُ بِهِ: هُوَ تَيَمُّمَ الصَّعِيدِ الطَّيبِ لِلتَّمَسُّحِ بِهِ، فَصَارَ لَفْظُ التَّيَمُّمِ إذَا أُطْلِقَ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ انْصَرَفَ إلَى هَذَا التَّيَمُّمِ الْخَاصِّ.
وَقَد يُرَادُ بِلَفْظِ التَّيَمُّمِ: نَفْسُ مَسْحِ الْيَدَيْنِ وَالْوَجْهِ، فَسُمِّيَ الْمَقْصُودُ بِالتَّيَمُّمِ تيَمُّمًا.
وَهَذَا التَّيَمُّمُ الْمَأْمُورُ بِهِ فِي الْآيَةِ هُوَ مِن خَصَائِصِ الْمُسْلِمِينَ، وَمِمَّا فَضَّلَهُم اللهُ بِهِ عَلَى غَيْرِهِمْ مِن الْأُمَمِ. الحواشي
(١) قال العلَّامة محمد رشيد رضا ﵀: أَذْكُرُ أنَّنِي عِنْدَمَا كُنْتُ أَدْرُسُ شَرْحَ الْمِنْهَاجِ فِي فِقْهِ الشَّافِعِيَّةِ قَرَأتُ بَابَ التَّيَمُّمِ فِي شَهْرَيْنِ كَامِلَيْنِ لَمْ أَتْرُكِ الدَّرْسَ فِيهِمَا لَيْلَةً وَاحِدَةً، فَهَل وَرَدَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَو أحَدَ الصَّحَابَةِ تَكَلَّمَ فِي التَّيَمُّمِ يَوْمَيْنِ أَو سَاعَتَيْنِ؟
وَهَل كَانَ هَذَا التَّوَسُّعُ فِي اسْتِنْبَاطِ الْأحْكَامِ وَالشُّرُوطِ وَالْحُدُودِ سَعَةً وَرَحْمَةً عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أمْ عُسْرًا وَحَرَجًا عَلَيْهِم وَهُوَ مَا رَفَعَهُ اللهُ عَنْهُمْ؟ تفسير المنار (٥/ ٩٩).стр. 1754
وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦] نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ الْإِثْبَاتِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧] .. وَهَذِهِ تُسَمَّى مُطْلَقَةً، وَهِيَ تُفِيدُ الْعُمُومَ عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ لَا عَلَى سَبِيلِ الْجَمْعِ، فَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ يَتَيَمَّمُ أيَّ صَعِيدٍ طَيِّبٍ اتَّفَقَ.
وَالطَّيِّبُ هُوَ الطَّاهِرُ وَالتُّرَابُ الَّذِي يَنْبَعِثُ مُرَادٌ مِن النَّصِّ بِالْإِجْمَاعِ، وَفِيمَا سِوَاهُ نِزَاعٌ سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ قَد اتَّفَقَ الْقُرَّاءُ السَّبْعَةُ عَلَى قِرَاءَةِ ﴿أَيْدِيكُمْ﴾ بِالْإِسْكَانِ؛ بِخِلَافِ قَوْلِهِ فِي الْوُضُوءِ: ﴿وَأَرْجُلَكُمَ﴾ فَإِنَّ بَعْضَ السَّبْعَةِ قَرَءُوا: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بِالنَّصْبِ، قَالُوا: إنَّهَا مَعْطُوفَةٌ عَلَى الْمَغْسُولِ، تَقْدِيرُهُ: فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إلَى الْكَعْبَيْنِ، كَذَلِكَ قَالَ عَلِيٌّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَغَيْرُهُ مِن السَّلَفِ.
وَالْبَاءُ هُنَا لِلْإِلْصَاقِ لَيْسَتْ لِلتَّوْكِيدِ، وَلِهَذَا لَمْ يَقْرَأ الْقُرَّاءُ هُنَا ﴿وَأَيْدِيَكُمْ﴾ كَمَا قَرَءُوا هُنَاكَ ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾؛ لِأنَّهُ لَو قَالَ: (فَامْسُحُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ) أو "امْسَحُوا بِهَا) لَكَانَ يُكْتَفَى بِمُجَرَّدِ الْمَسْحِ مِن غَيْرِ إيصَالٍ لِلطَّهُورِ إلَى الرَّأْسِ (١) ، وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ، فَلَمَّا كَانَت الْبَاءُ لِلْإِلْصَاقِ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِن إلْصَاقِ الْمَمْسُوحِ بِهِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى اسْتِعْمَالِ الطَّهُورِ.
وَلِهَذَا كَانَت هَذِهِ الْبَاءُ لَا تَدُلُّ عَلَى التَّبْعِيضِ عِنْدَ أَحَدٍ مِن السَّلَفِ وَأَئِمَّةِ الْعَرَبِيَّةِ.
وقَوْله تَعَالَى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ دَلَّتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ التُّرَابَ طَهُورٌ، كَمَا صَرَّحَتْ بِذَلِكَ السُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ فِي قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا" (٢) . الحواشي
(١) أي: يمسح بيديه فقط، بلا ماءٍ للرأس في الوضوء، وبلا تراب للوجه واليدين في التيمم.(٢) البخاري(٣٢٨) .стр. 1755
وَقَد اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّهُ إذَا لَمْ يَجِد الْمَاءَ فِي السَّفَرِ تَيَمَّمَ وَصَلَّى إلَى أَنْ يَجِدَ الْمَاءَ، فَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ فَعَلَيْهِ اسْتِعْمَالُهُ.
وَكَذَلِكَ تيمُّمُ الْجُنُبِ: ذَهَبَ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ وَجَمَاهِيرُ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ إلَى أَنَّهُ يَتَيَمَّمُ إذَا عَدِمَ الْمَاءَ فِي السَّفَرِ إلَى أَنْ يَجِدَ الْمَاءَ، فَإِذَا وَجَدَة كَانَ عَلَيْهِ اسْتِعْمَالُهُ. [٢١/ ٣٤٦ - ٣٥١]
٢٣٥٦ - تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِي التَّيَمُّمِ: هَل يَقُومُ مَقَامَ الْمَاءِ فَيَتَيَمَّمُ قَبْلَ الْوَقْتِ، كَمَا يَتَوَضأُ قَبْلَ الْوَقْتِ وَيُصَلِّي بِهِ مَا شَاءَ مِن فُرُوضٍ وَنَوَافِلَ، كَمَا يُصَلِّي بِالْمَاءِ وَلَا يَبْطُلُ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ، كَمَا لَا يَبْطُلُ الْوُضُوءُ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ مَشْهُورينِ:
فَمَذْهَبُ أَبِى حَنِيفَةَ: أَنَّهُ يَتَيَمَّمُ قَبْلَ الْوَقْتِ وَيبْقَى بَعْدَ الْوَقْتِ وَيُصَلِّي بِهِ مَا شَاءَ كَالْمَاءِ.
وَالْقَوْلُ الثَّاني: أَنَّهُ لَا يَتَيَمَّمُ قَبْلَ الْوَقْتِ وَلَا يَبْقَى بَعْدَ خُرُوجِهِ.
وَلَنَا أَنَّهُ قَد ثَبَتَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ: أَنَّ التُّرَابَ طَهُورٌ كَمَا أَنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ.
وَقَد قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ طَهُورُ الْمُسْلِمِ وَلَو لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ عَشْرَ
سِنِينَ فَإِذَا وَجَدْت الْمَاءَ فأمسه بَشَرَتَك فَإِنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ" (١) ، فَجَعَلَهُ مُطَهِّرًا عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ مُطْلَقًا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ مُطَهِّرٌ لِلْمُتَيَمِّمِ، وَإِذَا كَانَ قَد جَعَلَ الْمُتَيَمِّمَ مُطَهَّرًا كَمَا أَنَّ الْمُتَوَضِّئَ مُطَهَّرٌ، وَلَمْ يُقَيِّدْ ذَلِكَ بِوَقْت، وَلَمْ يَقُلْ: إنَّ خُرُوجَ الْوَقْتِ يُبْطِلُهُ، كَمَا ذَكَرَ أَنَّهُ يُبْطِلُهُ الْقُدْرَةُ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ، دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَاءِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ، وَهُوَ مُوجَبُ الْأُصُولِ، فَإِنَّ التَّيَمُّمَ بَدَلٌ عَن الْمَاءِ، وَالْبَدَلُ يَقومُ مَقَامَ الْمُبْدَلِ فِي أَحْكَامِهِ، وَإِن لَمْ يَكُن مُمَاثِلًا لَهُ فِي صِفَتِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: الْوُضُوءُ يَرْفَعُ الْحَدَثَ وَالتَّيَمُّمُ لَا يَرْفَعُهُ؟
قِيلَ: عَن هَذَا جَوَابَانِ: الحواشي
(١) الترمذي(١٢٤) ، والنسائي(٣٢٢) ، وصحَّحه الألباني في صحيح الترمذي(١٢٤) .стр. 1756
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ سَوَاءٌ كَانَ يَرْفَعُ الْحَدَثَ أَو لَا يَرْفَعُهُ فَإِنَّ الشَّارعَ جَعَلَهُ طَهُورًا عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ يَقُومُ مَقَامَهُ؛ فَالْوَاجِبُ أَنْ يَثْبُتَ لَهُ مِن أَحْكَامِ الطَّهَارَةِ مَا يَثْبُتُ لِلْمَاءِ، مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يُقَالَ: قَوْلُ الْقَائِلِ: يَرْفَعُ الْحَدَثَ أَو لَا يَرْفَعُهُ لَيْسَ تَحْتَهُ نِزَاعٌ عَمَلِيٌّ، وَإِنَّمَا هُوَ نِزَاعٌ اعْتِبَارِيٌّ لَفْظِيٌّ.
وَحِينَئِذٍ فَيَكونُ طَهُورًا قَبْلَ الْوَقْتِ وَبَعْدَ الْوَقْتِ وَفِي الْوَقْتِ، كَمَا كَانَ الْمَاءُ طَهُورًا فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ الثَّلَاثَةِ، وَلَيْسَ بَيْنَ هَذَا فَرْق مُؤَثِّرٌ إلَّا إذَا قَدَرَ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ فَمَن أَبْطَلَهُ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ فَقَد خَالَفَ مُوجِبَ الدَّلِيلِ.
وَأَمَّا ذَوُو الْأَحْدَاثِ الدَّائِمَةِ؛ كَالْمُسْتَحَاضَةِ؛ فَأُولَئِكَ وُجِدَ فِي حَقِّهِمْ السَّبَبُ الْمُوجِبُ لِلْحَدَثِ وَهُوَ خُرُوجُ الْخَارجِ النَّجِسِ مِن السَّبِيلَيْنِ، وَلَكِنْ لِأَجْلِ الضَّرُورَةِ رَخَّصَ لَهُم الشَّارعُ فِي الصَّلَاةِ مَعَهُ، فَجَازَ أَنْ تَكُونَ الرُّخْصَةُ مُؤَقَّتَةً؛ وَلِهَذَا لَو تَطَهَّرَتِ الْمُسْتَحَاضَةُ وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْهَا شَيْءٌ لَمْ تَنْتَقِضْ طَهَارَتُهَا بِخُرُوجِ الْوَقْتِ، وَإِنَّمَا تَنْتَقِضُ إذَا خَرَجَ الْخَارجُ فِي الْوَقْتِ، فَإِنَّهَا تُصَلِّي بِهِ إلَى أَنْ يَخْرُجَ الْوَقْت، ثُمَّ لَا تُصَلِّي لِوُجُودِ النَّاقِضِ لِلطَّهَارَةِ، بِخِلَافِ الْمُتَيَمِّمِ فَإِنَّهُ لَمْ يُوجَدْ بَعْدَ تيَمُّمِهِ مَا يَنْقُضُ طَهَارَتَهُ.
وَالتَّيَمُّمُ كَالْوُضُوءِ، فَلَا يُبْطِلُ تَيَمُّمَهُ إلَّا مَا يُبْطِلُ الْوُضُوءَ مَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ. [٢١/ ٣٥٢ - ٣٦٢]
٢٣٥٧ - وعنه: يجوز التيمم للفرض قبل وقته؛ فالنفل المعين أولى، واختاره الشيخ تقي الدين.
ويلزمه قبول الماء قرضًا، وكذا ثمنه، والمراد: وله ما يوفيه، وقاله شيخنا. [المستدرك ٣/ ٤٣]
٢٣٥٨ - أَصَحُّ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ: أَنَّهُ يَتَيَمَّمُ لِكُلِّ مَا يَخَافُ فَوْتَهُ؛ كَالْجِنَازَةِ، وَصَلَاةِ الْعِيدِ وَغَيْرِهِمَا مِمَّا يَخَافُ فَوْتَهُ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ بِالتَّيَمُّمِ خَيْرٌ مِن تَفْوِيتِ
стр. 1757
الصَّلَاةِ، كَمَا أَنَّ صَلَاةَ التَّطَوُّعِ بِالتَّيَمُّمِ خَيْرٌ مِن تَفْوِيتِهِ، وَلِهَذَا يَتَيَمَّمُ لِلتَّطَوُّعِ مَن كَانَ لَهُ وِرْدٌ فِي اللَّيْلِ يُصَلِّيهِ وَقَد أَصَابَتْهُ جَنَابَةٌ وَالْمَاءُ بَارِدٌ يَضُرُّهُ، فَإِذَا تَيَمَّمَ وَصَلَّى التَّطَوُّعَ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ بِالتَّيَمُّمِ كَانَ خَيْرًا مِن تَفْوِيتِ ذَلِكَ. [٢١/ ٤٣٩]
٢٣٥٩ - الصَّوَابُ: أَنَّهُ يَجُوز التَّيَمُّمُ ضَرْبَةً وَاحِدَةً لِلْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ، وَلَا يَجِبُ فِيهِ تَرْتِيبُ (١) ؛ بَل إذَا مَسَحَ وَجْهَهُ بِبَاطِنِ رَاحَتَيْهِ أَجْزَأَ ذَلِكَ عَن الْوَجْهِ وَالرَّاحَتَيْنِ، ثُمَّ يَمْسَحُ ظُهُورَ الْكَفَّيْنِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَلَا يَحْتَاجُ أَنْ يَمْسَحَ رَاحَتَيْهِ مَرَّتَيْنِ، وَعَلَى هَذَا دَلَّتِ السُّنَّةُ. [٢١/ ٤٣٩ - ٤٤٠]
٢٣٦٠ - إِذَا لَمْ يَكُن مَعَهُ (٢) مَا يُعْطِي الحمامِيِّ (٣) : جَازَ لَهُ التَّيَمُّمُ وَيُصَلِّي بِلَا رَيْبٍ.
وَإِذَا لَمْ يَكُن مِمَن يُنْظِرُهُ الْحَمَّامَيُّ، وَلَمْ يَجِدْ مَا يَرْهَنُهُ عِنْدَهُ، وَلَمْ يَقْبَل مِنْهُ، فَهَل عَلَيْهِ أَنْ يَدْخُلَ بِالْأُجْرَةِ الْمُؤَجَّلَةِ؟ فِيهِ قَوْلَانِ: هُمَا وَجْهَانِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد.
وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ إذَا كَانَ (عَادَةُ إظْهَارِ) (٤) الحمامي: لَهُ أنْ يَغْتَسِلَ فِي الْحَمَّامِ كَالْعَادَةِ.
وَإِن مَنْعَهُ الْحَمَّامَيُّ مِن الدُّخُولِ مِن غَيْرِ ضَرَرٍ (٥) ؛ لِبُغْضِ الحمامي وَنَحْوِ ذَلِكَ: دَخَلَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِ الحمامي، وَأَعْطَاهُ أُجْرَتَهُ. الحواشي
(١) قال ابن عثيمين ﵀: الذي يظهر أن يقال: إِن التَّرتيب واجب في الطَّهارتين جميعًا، أو غير واجب فيهما جميعًا؛ لأن الله تعالى جعل التَّيمُّم بدلًا عن الطَّهارتين جميعًا، والعضوان للطهارتين جميعًا.
وبالنَّسبة للموالاة الأوْلَى أن يُقال: إِنها واجبة في الطَّهارتين جميعًا، إِذ يبعد أن نقول لمن مَسَح وَجْهَه أوَّل الصُّبْح، ويدَيْه عند الظُّهر: إِن هذه صورة التَّيمُّم المشروعة!. اهـ. الشرح الممتع (١/ ٣٩٨).(٢) أي: مع الذي أصابته جنابةٌ.(٣) هو القائم على الحمام، ويأخذ من الناس أجرةً على اغتسالهم فيه.(٤) لعل صواب العبارة: عَادَته إنظار ..(٥) مع أنه يُوَفِّيه حَقَّهُ.стр. 1758
وَإِن لَمْ يَكُن مَعَهُ أُجْرَةٌ فَمَنَعَهُ لِكَوْنِهِ لَمْ يُوَفِّهِ حَقَّهُ فِي الْحَالِ وَلَا هُوَ مِمَن يَعْرِفُهُ الْحَمَّامَيُّ لِيُنْظِرَهُ: فَهَذَا لَيْسَ لَهُ أنْ يَدْخُلَ إلَّا بِرضى الحمامي.
وَإِن طَابَتْ نَفْسُ الحمامي بِأَخْذِ مَاءٍ فِي الْإِنَاءِ وَلَمْ تَطِبْ نَفْسُهُ بِأَنْ يَتَطَهَّرَ فِي دَهَالِيزِ أَبْوَابِ الْحَمَّامِ: جَازَ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ مَا تَطِيبُ بِهِ نَفْسُ الحمامي دُونَ مَا لَا تَطِيبُ إلَّا بِعِوَضِ الْمِثْلِ.
وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَشْتَرِيَ الْمَاءَ الْبَارِدَ وَالْحَارَّ وَيُعْطِيَ الحمامي أُجْرَةَ الدُّخُولِ إذَا كَانَ الْمَاءُ يُبْذَلُ بِثَمَنِ الْمِثْلِ، أَو بِزِيَادَةٍ لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهَا، مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى ذَلِكَ.
فَإِنْ كَانَ مُحْتَاجًا إلَى ذَلِكَ لِنَفَقَتِهِ أَو نَفَقَةِ عِيَالِهِ أَو وَفَاءِ دَيْنِهِ الَّذِي يُطَالَبُ بِهِ: كَانَ صَرْفُ ذَلِكَ إلَى مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِن نَفَقَةِ أَو قَضَاءِ دَيْنٍ مُقَدَّمًا عَلَى صَرْفِ ذَلِكَ فِي عِوَضِ الْمَاءِ؛ كَمَا لَو احْتَاجَ إلَى الْمَاءِ لِشُرْبِ نَفْسِهِ أَو دَوَابِّهِ فَإِنَّهُ يَصْرِفُهُ فِي ذَلِكَ وَيَتَيَمَّمُ.
وَإِن كَانَت الزِّيَادَةُ عَلَى ثَمَنِ الْمِثْل لَا تُجْحِفُ بِمَالِهِ: فَفِي وُجُوبِ بَذْلِ الْعِوَضِ فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ فِي مَذْهَبِ أحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ وَغَيْرِهِ، وَأكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أنَّهُ لَا يَجِبُ. [٢١/ ٤٤٤ - ٤٤٥]
٢٣٦١ - إن تيمم في الحضر خوفًا من البرد وصلى ففي وجوب الإعادة روايتان، واختار الشيخ تقي الدين: لا إعادة عليه. [المستدرك ٣/ ٤٤]
٢٣٦٢ - إذَا خَافَ فَوَاتَ الْجِنَازَةِ أَو الْعِيدِ أو الْجُمُعَةِ فَفِي التَّيَمُّمِ نِزَاعٌ، وَالْأَظْهَرُ أنَّهُ يُصَلِّيهَا بِالتَّيَمُّم وَلَا يُفَوِّتُهَا، وَكَذَلِكَ إذَا لَمْ يُمْكِنْهُ صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ الْوَاجِبَةِ إلَّا بِالتَّيَمُّمِ فَإِنَّهُ يُصَلِّيَهَا بِالتَّيَمُّمِ. [٢١/ ٤٥٦]
٢٣٦٣ - إِذَا تَيَمَّمَ بِالتُّرَابِ الَّذِي تَحْتَ حَصِيرِ بَيْتِهِ جَازَ، وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ هُنَاكَ غُبَارٌ لَاصِقٌ بِبَعْضِ الْأَشْيَاءِ وَتَيَمَّمَ بِذَلِكَ التُّرَابِ اللَّاصِقِ جَازَ. [٢١/ ٤٥٩]
стр. 1759
٢٣٦٤ - لَا يَنْقُضُ التَّيَمُّمَ إلَّا مَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ وَالْقُدْرَةُ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ. [٢١/ ٤٧٣]
٢٣٦٥ - إن نوى (١) فرض فله فعله والجمع بين الصلاتين وقضاء الفوائت والنوافل. [المستدرك ٣/ ٤٤]
٢٣٦٦ - وَسُئِلَ ﵀: عَن الْحَاقِنِ، أَيُّمَا أَفْضَلُ: يُصَلِّي بِوُضوءٍ مُحْتَقِنًا أَو أَنْ يُحْدِثَ ثُمَّ يَتَيَمَّمُ لِعَدَمِ الْمَاءِ؟
فَأَجَابَ: صَلَاتُهُ بِالتَّيَمُّمِ بِلَا احْتِقَانٍ أَفْضَلُ مِن صَلَاتِهِ بِالْوُضُوءِ مَعَ الِاحْتِقَانِ، فَإِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ مَعَ الِاحْتِقَانِ مَكْرُوهَةٌ مَنْهِيٌّ عَنْهَا، وَفِي صِحَّتِهَا رِوَايَتَانِ، وَأَمَّا صَلَاتُهُ بِالتَّيَمُّمِ فَصَحِيحَةٌ لَا كَرَاهَةَ فِيهَا بِالِاتِّفَاقِ. [٢١/ ٤٧٣]
٢٣٦٧ - التيمم لوقت كل صلاة إلى أن يدخل وقت الصلاة الأخرى أعدل الأقوال. [المستدرك ٣/ ٤٤]
٢٣٦٨ - يجوز التيمم لمن يصلي التطوع بالليل وإن كان في البلد، ولا يؤخر ورده إلى النهار، [ويجوز لخوف فوات صلاة الجنازة، وهو رواية عن أحمد وإسحاق، وهو قول ابن عباس، ومذهب أبي حنيفة] (٢) .
وثبت أنه ﵊ تيمم لردِّ السلام، وأَلْحق به من خاف فوات العيد. [المستدرك ٣/ ٤٤ - ٤٥]
٢٣٦٩ - من أبيح له التيمم: فله أن يصلي به أول الوقت ولو علم وجود الماء آخر الوقت، وفيه أفضلية (٣) . [الاختيارات ٢٠]
ويستحب تأخير التيمم إلى آخر الوقت لمن يرجو وجود الماء، وقيل: التأخير أفضل إن علم وجوده فقط واختاره الشيخ تقي الدين. [الإنصاف ١/ ٣٠٠، المستدرك ٣/ ٤٥] الحواشي
(١) المتيمم.(٢) ما بين المعقوفتين من الاختيارات(٢٠) .(٣) لعل المعنى: وفي الصلاة في آخر الوقت إذا علم وجود الماء أفضلية. وذلك ليُوافق ما نقله صاحب الإنصاف.стр. 1760
٢٣٧٠ - لا يستحب حمل التراب معه للتيمم قاله طائفة من العلماء، خلافًا لما نُقل عن أحمد. [المستدرك ٣/ ٤٥]
* * *
(بَابٌ: إزَالَةُ النَّجَاسَةِ)
٢٣٧١ - قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِن أَصْحَابِ الشَافِعِيِّ وَأَحْمَد: تُشْتَرَطُ [أي: النية] لِإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ، وَهَذَا الْقَوْلُ شاذٌّ؛ فَإِنَّ إزَالَةَ النَّجَاسَةِ لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا عَمَلُ الْعَبْدِ. [١٨/ ٢٥٨]
٢٣٧٢ - الرَّاجِحُ: أَنَّ النَّجَاسَةَ مَتَى زَالَتْ بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ زَالَ حُكْمُهَا، فَإِنَّ الْحُكْمَ إذَا ثَبَتَ بِعِلَّةٍ زَالَ بِزَوَالِهَا. [٢١/ ٤٧٥]
٢٣٧٣ - لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ الْأَطْعِمَةِ وَالْأَشْرِبَةِ فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِن فَسَادِ الْأَمْوَالِ، كَمَا لَا يَجُوزُ الِاسْتِنْجَاءُ بِهَا. [٢١/ ٤٧٥]
٢٣٧٤ - أَصَحُّ قَوْلَي الْعُلَمَاءِ: أَنَّهُ إذَا صَلَّى بِالنَّجَاسَةِ جَاهِلًا أَو نَاسِيًا فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَلَعَ نَعْلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ لِلْأَذَى الَّذِي كَانَ فِيهِمَا وَلَمْ يَسْتَأْنِف الصَّلَاةَ. [٢١/ ٤٧٧]
٢٣٧٥ - وَأَمَّا طِينُ الشَّوَارعِ فَمَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلٍ: وَهُوَ أَنَّ الْأرْضَ إذَا أَصَابَتْهَا نَجَاسَةٌ ثُمَّ ذَهَبَتْ بِالرِّيحِ أَو الشَّمْسِ أَو نَحْوِ ذَلِكَ: هَل تَطْهُرُ الْأرْضُ؟
وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ يُصَلَّى عَلَيْهَا ويُتَيَمَّمُ بِهَا، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ؛ لِأَنَّهُ قَد ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَن ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ الْكِلَابَ كَانَت تُقْبِلُ وَتُدْبِرُ وَتَبُولُ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَلَمْ يَكُونُوا يَرُشُّونَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ.
وَمِن الْمَعْلُومِ أَنَّ النَّجَاسَةَ لَو كَانَت بَاقِيَةً لَوَجَبَ غَسْلُ ذَلِكَ.
وَهَذَا لَا يُنَافِي مَا ثَبَتَ فِي "الصَّحِيحِ" مِن أَنَّهُ أَمَرَهُم أَنْ يَصُبُّوا عَلَى بَوْلِ الْأَعْرَابِيِّ الَّذِي بَالَ فِي الْمَسْجِدِ ذَنُوبًا مِن مَاءٍ؛ فَإِنَّ هَذَا يَحْصُلُ بِهِ تَعْجِيل تَطْهِيرِ
стр. 1761
الْأَرْضِ وَهَذَا مَقْصُودٌ، بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يُصَبَّ الْمَاءُ فَإِنَّ النَّجَاسَةَ تَبْقَى إلَى أَنْ تَسْتَحِيلَ. [٢١/ ٤٧٩ - ٤٨٠]
٢٣٧٦ - اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْخَمْرَ إذَا انْقَلَبَتْ بِفِعْلِ اللهِ بِدُونِ قَصْدِ صَاحِبِهَا وَصَارَتْ خَلًّا أَنَّهَا تَطْهُرُ.
وَلَهُم فِيهَا إذَا قَصَدَ التَّخْلِيلَ نِزَاعٌ وَتَفْصِيلٌ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ إذَا قَصَدَ تَخْلِيلَهَا لَا تَطْهُرُ بِحَالِ (١) ، كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ عَن عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ (٢) ، لِمَا صَحَّ مِن نَهْي النَّبِيِّ ﷺ عَن تَخْلِيلِهَا، وَلِأَنَّ حَبْسَهَا مَعْصِيَةٌ، وَالطَّهَارَةُ نِعْمَةٌ، وَالْمَعْصِيَةُ لَا تَكُوَنُ سَبَبًا لِلنِّعْمَةِ (٣) .
وَتَنَازَعُوا فِيمَا إذَا صَارَتِ النَّجَاسَةُ مِلْحًا فِي الْمَلَّاحَةِ، أَو صَارَتْ رَمَادًا، أَو صَارَتِ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَالصَّدِيدُ تُرَابًا؛ كَتُرَابِ الْمَقْبَرَةِ، فَهَذَا فِيهِ قَوْلَانِ .. وَالصَّوَابُ: أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ طَاهِرٌ إذَا لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ مِن أَثَرِ النَّجَاسَةِ لَا طَعْمُهَا وَلَا لَوْنُهَا وَلَا رِيحُهَا (٤) . [٢١/ ٤٨١] الحواشي
(١) هذا خاصٌ بالخمر، وأما إذا قصد تطهير غيره فيجوز عند الشيخ كما سيأتي.(٢) حيث قَالَ: "لَا تَشْرَبْ خَلَّ خَمْرٍ أُفْسِدَتْ حَتَّى يُبْدِيَ اللهُ فَسَادَهَا، فَعِنْدَ ذَلِكَ يُطَيَّبُ الْخَلُّ".(٣) الاستحالة اصطلاحًا: تَحوُّل العين النَّجسة بنفسها أو بواسطة.
وإذا استحالت العين النَّجسة إلى عينٍ أخرى: طهُرت، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيميَّة، وابن القيِّم، وبه أفتت اللَّجنة الدَّائمة.
وأما حُكم الخَمر إذا انقلبت خلًّا بنفسها فتطهُر بالاتفاق.
وإذا خُلِّلت بعلاج (أي: بإضافة شيء إليها)، فإنَّها لا تطهُر، ولا يجوز استخدامها، وهذا مذهب الشَّافعيَّة، والحنابلة، وغيرهم، وهو اختيار شيخ الإسلام وابن القيِّم وابن عثيمين، وبه أفتت اللَّجنة الدَّائمة؛ لما ثبت عن أنسٍ ﵁: أنَّ النبيَّ ﷺ سُئل عن الخَمر تُتَّخذ خلًّا؟
فقال: "لا". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وإذا خُلِّلت بنقلها، كما لو نُقلت من الظِّل إلى الشَّمس أو العكس: فجمهور أهل العلم يرون طهارتها.
وذهب الحنابلة إلى عدم طهارتها، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيميَّة كما في الفتاوى (٢١/ ٤٨٣).(٤) وقال الشيخ: "فيما اسْتَحَالَ بِسَبَبِ كَسْبِ الْإِنْسَانِ؛ كَإِحْرَاقِ الرَّوْثِ حَتَّى يَصِيرَ رَمَادًا، وَوَضْعِ الخِنْزِيرِ فِي الْمَلَّاحَةِ حَتَّى يَصِيرَ مِلْحًا فَفِيهِ خِلَافٌ مَشْهُورٌ، وَللْقَوْلِ بِالتَّطْهِيرِ اتِّجَاهٌ وَظُهُورُ". (٢١/ ٦٠١)стр. 1762
٢٣٧٧ - ثَبَتَ عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ سُئِلَ عَن خَمْرٍ لِيَتَامَى فَأَمَرَ بِإرَاقَتِهَا، فَقِيلَ لَهُ: إنَّهُم فُقَرَاءُ؟ فَقَالَ: سَيُغْنِيهِمْ اللهُ مِن فَضْلِهِ.
فَلَمَّا أَمَرَ بِإِرَاقَتِهَا وَنَهَى عَن تَخْلِيلِهَا وَجَبَتْ طَاعَتُهُ فِيمَا أَمَرَ بِهِ وَنَهَى عَنْهُ، فَيَجِبُ أَنْ تُرَاقَ الْخَمْرَةُ وَلَا تُخَلَّلُ، هَذَا مَعَ كَوْنِهِمْ كَانُوا يَتَامَى، وَمَعَ كَوْنِ تِلْكَ الْخَمْرَةِ كَانَت مُتَّخَذَةً قَبْلَ التَّحْرِيمِ فَلَمْ يَكُونُوا عُصَاةً.
فَإِنْ قِيلَ: هَذَا مَنْسُوخٌ؛ لِأَنَّهُ كَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ فَأُمِرُوا بِذَلِكَ كَمَا أُمِرُوا بِكَسْرِ الْآنِيَةِ وَشَقِّ الظُّرُوفِ ليَمْتَنِعُوا عَنْهَا.
قِيلَ: هَذَا غَلَطٌ مِن وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ أَمْرَ اللهِ وَرَسُولِهِ لَا يُنْسَخُ إلَّا بِأَمْرِ اللهِ وَرَسُولِهِ (١) ، وَلَمْ يَرِدْ بَعْدَ هَذَا نَصٌّ يَنْسَخُهُ.
الثَّانِى: أنَّ الْخُلَفَاءَ الرَّاشِدِينَ بَعْدَ مَوْتِهِ عَمِلُوا بِهَذَا؛ كَمَا ثَبَتَ عَن عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ: "لَا تَأَكُلُوا خَلَّ خَمْرٍ إلَّا خَمْرًا بَدَأَ اللهُ بِفَسَادِهَا وَلَا جُنَاحَ عَلَى مُسْلِمٍ أَنْ يَشْتَرِيَ مِن خَلِّ أَهْلِ الذِّمَّةِ". فَهَذَا عُمَرُ يَنْهَى عَن خَلِّ الْخَمْرِ الَّتِي قَصَدَ إفْسَادَهَا، وَيَأْذَنُ فِيمَا بَدَأَ اللهُ بِإِفْسَادِهَا، ويُرَخِّصُ فِي اشْتِرَاءِ خَلِّ الْخَمْرِ مِن أهْلِ الْكِتَاب؛ لِأنَّهُم لَا يُفْسِدُونَ خَمْرَهُمْ، وَإِنَّمَا يَتَخَلَّلُ بِغَيْرِ اخْتيَارِهِمْ، وَفِي قَوْلِ عُمَرَ حُجَّةٌ عَلَى جَمِيعِ الْأَقْوَالِ.
وَلِهَذَا تَنَازَعُوا فِي خَمْرَةِ الْخِلَالِ: هَل يَجِبُ إرَاقَتُهَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ فِي مَذْهَب أَحْمَد وَغَيْرِهِ: أَظْهَرُهُمَا وُجُوبُ إرَاقَتِهَا كَغَيْرِهَا؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي الشَّرِيعَةِ خَمْرَةٌ مُحْتَرَمَةٌ، وَلَو كَانَ لِشَيْءٍ مِن الْخَمْرِ حُرْمَةٌ لَكَانَت لِخَمْرِ الْيَتَامَى الَّتِي اُشْتُرِيَتْ لَهُم قَبْلَ التَّحْرِيمِ.
وَإِنَّمَا وَقَعَتِ الشُّبْهَةُ فِي التَّخْلِيلِ؛ لِأَنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ اعْتَقَدَ أَنَّ التَّخْلِيلَ الحواشي
(١) هذه قاعدةٌ هامّة جدًّا، وَيجب العمل بها في كل ما قيل بأنه منسوخ.стр. 1763
إصْلَاحٌ لَهَا كَدِبَاغِ الْجِلْدِ النَّجِسِ، وَبَعْضُهُم قَالَ: اقْتِنَاؤُهَا لَا يَجُوزُ لَا لِتَخْلِيلٍ وَلَا غَيْرِهِ، لَكِنْ إذَا صَارَتْ خَلًّا فَكَيْفَ تَكُونُ نَجِسَةً؟
وَأَمَّا أَهْلُ الْقَوْلِ الرَّاجِحِ فَقَالُوا: قَصْدُ الْمُخَلِّلِ لِتَخْلِيلِهَا هُوَ الْمُوجِبُ لِتَنْجِيسِهَا، فَإِنَّهُ قَد نُهِيَ عَن اقْتِنَائِهَا وَأُمِرَ بِإِرَاقَتِهَا فَإِذَا قَصَدَ التَّخْلِيلَ كَانَ قَد فَعَلَ مُحَرَّمًا.
وَغَايَةُ مَا يَكُونُ تَخْلِيلُهَا كَتَذْكِيَةِ الْحَيَوَانِ .. وَلِهَذَا لَمَّا كَانَ الْحَيَوَانُ مُحَرَّمًا قَبْلَ التَّذْكِيَةِ وَلَا يُبَاحُ إلَّا بِالتَّذْكِيَةِ. فَلَو ذَكَّاهُ تَذْكِيَةً مُحَرَّمَةً مِثْلُ أَنْ يُذَكِّيَهُ فِي غَيْرِ الْحَلْقِ وَاللَّبَّة مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ، أَو لا يَقْصِدُ ذَكَاتَهُ، أو يَأْمُرُ وَثَنِيًّا أو مَجُوسِيًّا بِتَذْكِيَتِهِ وَنَحْو ذَلِكَ لَمْ يُبَحْ.
وَكَذَلِكَ الصَّيْدُ إذَا قَتَلَهُ الْمُحْرِمُ لَمْ يَصِرْ ذَكِيًّا؛ فَالْعَيْنُ الْوَاحِدَةُ تَكُونُ طَاهِرَةً حَلَالًا فِي حَالِ وتَكُونُ حَرَامًا نَجِسَةً فِي حَالٍ. [٢١/ ٤٨٣ - ٤٨٦]
٢٣٧٨ - إِن الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي النَّجَاسَةِ إذَا أصَابَتِ الْأَرْضَ وَذَهَبَتْ بِالشَّمْسِ أَو الرِّيحِ أَو الِاسْتِحَالَةِ هَل تَطْهُرُ الْأرْضُ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: تَطْهُرُ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبي حَنِيفَةَ، وَأَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ الشافِعِيِّ وَأَحْمَد، وَهُوَ الصَّحِيحُ فِي الدَّلِيلِ. [٢١/ ٥١٠]
٢٣٧٩ - يَطْهُرُ الْجِلْدُ بَعْدَ الدِّبَاغِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، سَوَاءٌ قِيلَ: إنَّ الدِّبَاغَ كَالْحَيَاةِ، أَو قِيلَ إنَّهُ كَالذَّكَاةِ؛ فَإِنَّ فِي ذَلِكَ قَوْلَيْنِ مَشْهُورينِ لِلْعُلَمَاءِ، وَالسُّنَّةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الدِّبَاغَ كَالذَّكَاةِ (١) . [٢١/ ٥١٨]
٢٣٨٠ - أَمَّا مَقَاوِدُ الْخَيْلِ وَرِبَاطُهَا فَطَاهِرٌ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ؛ لِأَنَّ الْخَيْلَ طَاهِرَةٌ بِالِاتِّفَاقِ.
وَلَكِنَّ الْحَمِيرَ فِيهَا خِلَافٌ: هَل هِيَ طَاهِرَةٌ أَو نَجِسَةٌ، أَو مَشْكُوكٌ فِيهَا؟ الحواشي
(١) الشيخ يرى أنه لا يَطهُر جِلدُ ميتةٍ بالدِّباغ إِلَّا ميتة مأكول اللَّحم، واختاره ابن العربيِّ المالكيُّ، وابن قدامة الحنبليُّ، وابن باز، وابن عثيمين، عليهم رحمة الله.стр. 1764
وَالصَّحِيحُ الَّذِي لَا رَيْبَ فِيهِ أَنَّ شَعْرَهَا طَاهِرٌ؛ إذ قَد بَيَّنَّا أَنَّ شَعْرَ الْكَلْبِ طَاهِرٌ فَشَعْرُ الْحِمَارِ أَوْلَى.
وَإِنَّمَا الشُّبْهَةُ فِي رِيقِ الْحِمَارِ: هَل يُلْحَقُ بِرِيقِ الْكَلْبِ أَو بِرِيقِ الْخَيْلِ؟
وَأَمَّا مَقَاوِدُهَا وَبَرَاذِعُهَا فَمَحْكُومٌ بِطَهَارَتهَا، وَغَايَةُ مَا فِيهَا أَنَّهُ قَد يُصِيبُهَا بَوْلُ الدَّوَابِّ وَرَوْثُهَا، وَبَوْلُ الْبَغْلِ وَالْحِمَارِ فِيهِ نِزَاعٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، مِنْهُم مَن يَقُولُ: هُوَ طَاهِرٌ، وَمِنْهُم مَن يُنَجِّسُهُ، وَهُم الْجُمْهُورُ وَهُوَ مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ.
لَكِنْ هَل يُعْفَى عَن يَسِيرِهِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ.
فَإِذَا عُفِيَ عَن يَسِيرِ بَوْلِهِ وَرَوْثِهِ كَانَ مَا يُصِيبُ الْمَقَاوِدَ وَغَيْرَهَا مَعْفُوًّا عَنْهُ، وَهَذَا مَعَ تيَقُّنِ النَّجَاسَةِ.
وَأَمَّا مَعَ الشَّكِّ فَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ الطَّهَارَةُ، وَالِاحْتِيَاطُ فِي ذَلِكَ وَسْوَاسٌ؛ فَإِنَّ الرَّجُلَ إذَا أَصَابَهُ مَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ طَاهِرًا وَيجُوزُ أَنْ يَكُونُ نَجِسًا: لَمْ يُسْتَحَبَّ لَهُ التَّجَنُّبُ عَلَى الصَّحِيحِ وَلَا الِاحْتِيَاطِ (١) ؛ فَإِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ مَرَّ هُوَ وَصَاحِبٌ لَهُ بِمِيزَاب فَقَطرَ عَلَى صَاحِبِهِ مِنْهُ مَاءٌ، فَقَالَ صَاحِبُهُ: يَا صَاحِبَ الْمِيزَابِ مَاؤُك طَاهِرٌ أَو نَجِسٌ؟
فَقَالَ عُمَرُ: يَا صَاحِبَ الْمِيزَابِ لَا تُخْبِرْهُ فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ عَلَيْهِ. [٢١/ ٥٢١]
٢٣٨١ - ثَوْبُ الْقَصَّابِ وَبَدَنُهُ مَحْكُومٌ بِطَهَارَتِهِ وَإِن كَانَ عَلَيْهِ دَسَمٌ، وَغَسْلُ الْيَدَيْنِ مِن ذَلِكَ وَسُوسَةٌ وَبِدْعَةٌ وَمَكَانُهُ مِنَ الْمَسْجِدِ وَغَيْرِهِ طَاهِرٌ. [٢١/ ٥٢١] الحواشي
(١) أغلق شيخ الإسلام ﵀ بابًا من أعظم وأوسع أبواب الوسواس، الذي منه تلج وساوس الشيطان والنفس إلى الناس، فمن أَصَابَهُ مَا يحتمل أنْ يَكُونَ طَاهِرًا وَيحتمل أَنْ يَكُونُ نَجِسًا: فلا يُسْتَحَبَّ لَهُ أنْ يجتنب ما أصابه بدعوى الِاحْتِيَاطِ، بل الِاحْتِيَاطُ فِي ذَلِكَ وَسْوَاسٌ، مثال ذلك: أصابه ماء من الشارع أو من دورات المياه، أو لوّث ثوبه روثٌ، وشك هل هو روث شاةٍ أو روث حمار أو بعير، فلا يلتفت إلى هذا، ولا يلزمه غسل ما أصابه إلا على سبيل التنظف.стр. 1765
٢٣٨٢ - سِكِّينُ الْقَصَّابِ يَذْبَحُ بِهَا وَيسْلَخُ، فَلَا تَحْتَاجُ إلَى غَسْلٍ؛ فَإِنَّ غَسْلَ السَّكَاكِينِ الَّتِي يُذْبَحُ بِهَا بِدْعَةٌ، وَكَذَلِكَ غَسْلُ السُّيُوفِ.
وَإِنَّمَا كَانَ السَّلَفُ يَمْسَحُونَ ذَلِكَ مَسْحًا؛ وَلِهَذَا جَازَ فِي أَحَدِ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ فِي الْأَجْسَامِ الصَّقِيلَهِ كَالسَّيْفِ وَالْمِرْآةِ إذَا أَصَابَهَا نَجَاسَةٌ أَنْ تُمْسَحَ وَلَا تُغْسَلَ، وَهَذَا فِيمَا لَا يُعْفَى عَنْهُ. [٢١/ ٥٢٣]
٢٣٨٣ - الْكَلْبُ تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ طَاهِرٌ حَتَّى رِيقُهُ، وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ مَالِكِ.
وَالثَّانِي: نَجِسٌ حَتَّى شَعْرُهُ، وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَالثَّالِثُ: شَعْرُهُ طَاهِرٌ وَرِيقُهُ نَجِسٌ، وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَهَذَا أَصَحُّ الْأَقْوَالِ.
فَإِذَا أَصَابَ الثَّوْبَ أَو الْبَدَنَ رُطُوبَةُ شَعْرِهِ لَمْ يَنْجُسْ بِذَلِكَ، وَإِذَا وَلَغَ فِي الْمَاءِ أُرِيقَ الْمَاءُ.
وَإِن وَلَغَ فِي اللَّبَنِ وَنَحْوِهِ فَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَن يَقُولُ: يُوكَلُ ذَلِكَ الطَّعَامُ؛ كَقَوْلِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ، وَمِنْهُم مَن يَقُولُ: يُرَاقُ، كَمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد.
فَأَمَّا إنْ كَانَ اللَّبَنُ كَثيرًا فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَنْجُسُ (١) . [٢١/ ٥٣١]
٢٣٨٤ - هَل يُعْفَى عَن يَسِيرِ بَعْرِ الْفَأْرِ؟ فِي أحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أحْمَد وَأَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِمَا أَنَّهُ يُعْفَى عَن يَسِيرِهِ، وَهَذَا أَظْهَرُ الْقَوْلَيْنِ. [٢١/ ٥٣٤]
٢٣٨٥ - اعْلَمْ أَنَّ الْأَصْلَ فِي جَمِيعِ الْأَعْيَانِ الْمَوْجُودَةِ عَلَى اخْتِلَافِ أَصْنَافِهَا، وَتَبَايُنِ أَوْصَافِهَا، أَنْ تَكُونَ حَلَالًا مُطْلَقًا لِلْآدَمِيِّينَ، وَأَنْ تَكُونَ طَاهِرَةً الحواشي
(١) وكذا الحكم في الماء والإناء وغيرها.
وهذه الفتوى كُررت في (٢١/ ٦١٦)، مع زيادات أخرى.стр. 1766
لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِم مُلَابَسَتُهَا وَمُبَاشَرَتُهَا وَمُمَاسَّتُهَا، وَهَذِهِ كَلِمَةٌ جَامِعَةٌ، وَمَقَالَةٌ عَامَّةٌ، وَقَضِيَّةٌ فَاضِلَةٌ، عَظِيمَةُ الْمَنْفَعَةِ، وَاسِعَةُ الْبَرَكَةِ، يَفْزَعُ إلَيْهَا حَمَلَةُ الشَّرِيعَةِ فِيمَا لَا يُحْصَى مِنَ الْأَعْمَالِ وَحَوَادِثِ النَّاسِ.
وَقَد دَلَّ عَلَيْهَا أدِلَّةٌ عَشَرَةٌ -مِمَّا حَضَرَنِي ذِكْرُهُ مِنَ الشَّرِيعَةِ- وَهِيَ: كِتَابُ اللهِ، وَسُنَّةُ رَسُولِهِ، وَاتِّبَاعُ سَبيلِ الْمُومِنِينَ الْمَنْظُومَةِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ﴾ [النساء: ٥٩]، وَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ﴾ [المائدة: ٥٥]، ثُمَّ مَسَالِكُ الْقِيَاسِ، وَالِاعْتِبَارِ، وَمَنَاهِجُ الرَّأيِ، وَالِاسْتِبْصَارِ.
الصَّنْفُ الْأوَّلُ: الْكِتَابُ .. قَوْله تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] وَالْخِطَابُ لِجَمِيعِ النَّاسِ لِافْتِتَاحِ الْكَلَامِ بِقَوْلِهِ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١].
وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ: أَنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّهُ خَلَقَ جَمِيعَ مَا فِي الْأرْضِ لِلنَّاسِ مُضَافًا إلَيْهِم بِاللَّامِ، وَاللَّامُ حَرْفُ الْإِضَافَةِ، وَهِيَ تُوجِبُ اخْتِصَاصَ الْمُضَافِ بِالْمُضَافِ إلَيْهِ وَاسْتِحْقَاقَهُ إيَّاهُ مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي يَصْلُحُ لَهُ، وَهَذَا الْمَعْنَى يَعُمُّ مَوَارِدَ اسْتِعْمَالِهَا.
الصِّنْفُ الثَّانِي: السُّنَّةُ .. فِي "الصَّحِيحَيْنِ" عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وَقَّاصٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إنَّ أَعْظَمَ الْمُسْلِمِينَ جُرْمًا مَن يَسْأَلُ عَن شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ فَحُرِّمَ مِن أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ) (١) . دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْأشْيَاءَ لَا تَحْرُمُ إلَّا بِتَحْرِيم خَاصٍّ؛ لِقَوْلِهِ: "لَمْ يُحَرَّمْ" وَدَلَّ أَنَّ التَّحْرِيمَ قَد يَكُونُ لِأجْلِ الْمَسْأَلَةِ، فَبَيَّنَ بِذَلِكَ أَنَّهَا بِدُونِ ذَلِكَ لَيْسَتْ مُحَرَّمَةً، وَهُوَ الْمَقْصُودُ.
الصِّنْفُ الثَّالِثُ: اتِّبَاعُ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ، وَشَهَادَةُ شُهَدَاءِ اللهِ فِي أَرْضِهِ، الَّذِينَ هُم عُدُولُ الْآمِرِينَ بِالْمَعْرُوفِ النَّاهِينَ عَنِ الْمُنْكَرِ، الْمَعْصُومِينَ مِن الحواشي
(١) البخاري(٧٢٨٩) ، ومسلم(٢٣٥٨) .стр. 1767
اجْتِمَاعِهِمْ عَلَى ضَلَالَةٍ، الْمَفْرُوضِ اتِّباعُهُمْ؛ وَذَلِكَ أَنِّي لَسْت أَعْلَمُ خِلَافَ أَحَدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ السَّالِفيْنِ فِي أَنَّ مَا لَمْ يَجِئْ دَليلٌ بِتَحْرِيمِهِ فَهُوَ مُطْلَقٌ غَيْرُ مَحْجُورٍ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا الْأَصْلُ فَنَقُولُ: الْأَصْلُ فِي الْأَعْيَانِ الطَّهَارَةُ.
الْقَوْلُ فِي طَهَارَةِ الْأَرْوَاثِ وَالْأبْوَالِ مِنَ الدَّوَابِّ وَالطَّيْرِ الَّتِي لَمْ تَحْرُمْ وَعَلَى ذَلِكَ عِدَّة أَدِلَّةٍ: أَنَّ الْأَصْلَ الْجَامِعَ طَهَارَةُ جَمِيعِ الْأَعْيَانِ حَتَّى تَتَبَيَّنَ نَجَاسَتُهَا.
فَكُلُّ مَا لَمْ يُبَينْ لَنَا أَنَّهُ نَجِسٌ فَهُوَ طَاهِرٌ، وَهَذ الْأَعْيَانُ لَمْ يُبَيَّنْ لَنَا نَجَاسَتُهَا فَهِيَ طَاهِرَةٌ.
الدَّلِيلُ [على ذلك] (١) : الْحَدِيثُ الْمُسْتَفِيضُ أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ الصَّحِيحِ وَغَيْرُهُم حَدِيثُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ نَاسًا من عُكْل أَو عُرَينة قَدِمُوا الْمَدِينَةَ فَاجْتَوَوْهَا، فَأَمَرَ لَهُم النَّبِيُّ ﷺ بِلَقَاحٍ وَأَمَرَهُم أنْ يَشْرَبُوا مِن أَبْوَالِهَا وَألْبَانِهَا.
وَجْهُ الْحُجَّةِ: أَنَّهُ أَذِنَ لَهُم فِي شُرْبِ الْأبْوَالِ، وَلَا بُدَّ أَنْ يُصِيبَ أَفْوَاهَهُم وَأَيْدِيَهُم وَثيَابَهُم وَآنِيَتَهُمْ، فَإِذَا كَانَت نَجِسَةً وَجَبَ تَطْهِيرُ أَفْوَاهِهِمْ وَأَيْدِيهِمْ وَثيَابِهِم لِلصَّلَاةِ، وَتَطْهِيرُ آنِيَتِهِمْ، فَيَجِبُ بَيَانُ ذَلِكَ لَهُمْ؛ لِأَنَّ تَأْخِيرَ الْبَيَانِ عَن وَقْتِ الِاحْتِيَاجِ إلَيْهِ لَا يَجُوزُ، وَلَمْ يُبَيِّنْ لَهُم النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِم إمَاطَةُ مَا أَصَابَهُم مِنْهُ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ نَجِسٍ.
وَلَسْت أَعْرِفُ عَن أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ الْقَوْلَ بِنَجَاسَتِهَا؛ بَلِ الْقَوْلُ بِطَهَارَتِهَا، إلَّا مَا ذُكِرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ إنْ كَانَ أَرَادَ النَّجَاسَةَ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ ابْنُ الْمُنْذِرِ -وَعَلَيْهِ اعْتِمَادُ أَكْثَرِ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي نَقْلِ الْإِجْمَاعِ وَالْخِلَافِ، وَقَد ذكرَ طَهَارَة الْأَبْوَالِ عَن عَامَّةِ السَّلَفِ- ثُمَّ قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: الْأبْوَالُ كُلُّهَا نَجَسٌ. الحواشي
(١) ما بين المعقوفتين من تصرفي.стр. 1768
قَالَ: وَلَا نَعْلَمُ أحَدًا قَالَ قَبْلَ الشَافِعِيِّ إنَّ أَبْوَالَ الْأنْعَامِ وأبعارها نَجَسٌ. اهـ.
وَفِي الْحَدِيثِ دِلَالَةٌ أُخْرَى فِيهَا تَنَازُعٌ: وَهُوَ أَنَّهُ أَبَاحَ لَهُم شُرْبَهَا، وَلَو كَانَت مُحَرَّمَةً نَجِسَةً لَمْ يُبحْ لَهُم شُرْبَهَا، وَلَسْت أَعْلَمُ مُخَالِفًا فِي جَوَازِ التَّدَاوِي بِأَبْوَالِ الْإِبِلِ، كَمَا جَاءَتِ السُّنَّةُ، لَكِنِ اخْتَلَفُوا فِي تَخْرِيجِ مَنَاطِهِ:
فَقِيلَ: هُوَ أَنَّهَا مُبَاحَةٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ لِلتَّدَاوِي وَغَيْرِ التَّدَاوِي.
وَقِيلَ: بَل هِيَ مُحَرَّمَةٌ وَإِنَّمَا أَبَاحَهَا لِلتَّدَاوِي.
وَقِيلَ: هِيَ مَعَ ذَلِكَ نَجِسَةٌ.
وَالِاسْتِدْلَالُ بِهَذَا الْوَجْهِ يَحْتَاجُ إلَى رُكْنٍ آخَرَ: وَهُوَ أَنَّ التَّدَاوِي بِالْمُحَرَّمَاتِ النَّجِسَةِ مُحَرَّمٌ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَد أَبَاحَهَا لِلضَّرُورَةِ وَالْمُتَدَاوِي مُضْطَرٌّ فَتبَاحُ لَهُ.
قلت: أَمَّا إبَاحَتُهَا لِلضَّرُورَةِ فَحَقٌّ، وَلَيْسَ التَّدَاوِي بِضَرُورَة لِوُجُوهِ:
أَحَدُهَا: أنَّ كَثِيرًا مِنَ الْمَرْضَى أَو أَكْثَرُ الْمَرْضَى يُشْفَونَ بِلَا تَدَاوٍ، لَا سِيَّمَا فِي أَهْلِ الْوَبَرِ وَالْقُرَى وَالسَّاكِنِينَ فِي نَوَاحِي الْأَرْضِ، يَشْفِيهِمُ اللهُ بِمَا خَلَقَ فِيهِمْ مِنَ الْقُوَى الْمَطْبُوعَةِ فِي أَبْدَانِهِمُ الرَّافِعَةِ لِلْمَرَضِ، وَفِيمَا يُيَسِّرُهُ لَهُم مِن نَوْعِ حَرَكَةٍ وَعَمَلٍ أَو دَعْوَةٍ مُسْتَجَابَةٍ أَو رُقْيَةٍ نَافِعَةٍ او قُوَّةٍ لِلْقَلْبِ وَحُسْنِ التَّوَكُّلِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَسْبَابِ الْكَثِيرَةِ غَيْرِ الدَّوَاءِ.
وَأَمَّا الْأَكْلُ فَهُوَ ضَرُورِيٌّ، وَلَمْ يَجْعَلِ اللهُ أَبْدَانَ الْحَيَوَانِ تَقُومُ إلَّا بِالْغِذَاءِ، فَلَو لَمْ يَكُن يَأْكُلُ لَمَاتَ، فَثبتَ بِهَذَا أَنَّ التَّدَاوِي لَيْسَ مِنَ الضَّرُورَةِ فِي شَيْءٍ.
وَثَانِيهَا: أَنَّ الْأَكْلَ عِنْدَ الضَّرُورَةِ وَاجِبٌ، قَالَ مَسْرُوقٌ: مَن اُضْطُرَّ إلَى الْمَيْتَةِ فَلَمْ يَأْكلْ فَمَاتَ دَخَلَ النَّارَ، وَالتَّدَاوِي غَيْرُ وَاجِبٍ، وَمَن نَازَعَ فِيهِ خَصَمَتْهُ السُّنَّةُ فِي الْمَرْأَةِ السَّوْدَاءِ الَّتِي خَيَّرَهَا النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ الصَّبْرِ عَلَى الْبَلَاءِ وَدُخولِ
стр. 1769
الْجَنَّةِ، وَبَيْنَ الدُّعَاءِ بِالْعَافِيَةِ، فَاخْتَارَتِ الْبَلَاءَ وَالْجَنَّةَ، وَلَو كَانَ رَفْعُ الْمَرَضِ وَاجِبًا لَمْ يَكُن لِلتَّخْيِيرِ مَوْضِعٌ.
وَلَسْت أَعْلَمُ سَالِفًا أَوْجَبَ التداوي.
وَثَالِثُهَا: أَنَّ الدَّوَاءَ لَا يُسْتَيْقَنُ؛ بَل وَفِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرَاضِ لَا يَظُنُّ دَفْعَهُ لِلْمَرَضِ؛ إذ لَوِ اطَّرَدَ ذَلِكَ لَمْ يَمُتْ أَحَدٌ، بِخِلَافِ دَفْعِ الطَّعَامِ لِلْمَسْغَبَةِ وَالْمُجَاعَةِ، فَإِنَّهُ مُسْتَيْقَنٌ بِحُكمِ سُنَّةِ اللهِ فِي عِبَادِهِ وَخَلْقِهِ.
وأَخْرَجَ مُسْلِمٌ فِي "صَحِيحِهِ" أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ عَنِ الْخَمْرِ: أَيُتَدَاوَى بِهَا؟ فَقَالَ: إنَّهَا دَاءٌ وَلَيْسَتْ بِدَوَاء.
فَهَذَا نَصٌّ فِي الْمَنْعِ مِنَ التَّدَاوِي بِالْخَمْرِ رَدًّا عَلَى مَن أَبَاحَهُ، وَسَائِرُ الْمُحَرَّمَاتِ مِثْلُهَا قِيَاسًا.
وَقَد ذَكَرْنَا عَنِ ابْنِ الْمُنْذِرِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ عَن أَحَدٍ مِنَ السَّلَفِ الْقَوْلَ بِنَجَاسَتِهَا.
وَمِنَ الْمَعْلُومِ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ أَنَّ هَذَا إجْمَاعٌ عَلَى عَدَمِ النَّجَاسَةِ؛ بَل مُقْتَضَاهُ أَنَّ التَّنْجِيسَ مِنَ الْأَقْوَالِ الْمُحْدَثَةِ، فَيَكُونُ مَرْدُودًا بِالْأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى إبْطَالِ الْحَوَادِثِ، لَا سِيَّمَا مَقَالَةٌ مُحْدَثَةٌ مُخَالِفَةٌ لِمَا عَلَيْهِ الصَّدْرُ الْأَوَّلُ.
وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْأَعْيَانَ الْمَوْجُودَةَ فِي زَمَانِهِمْ وَمَكَانِهِمْ إذَا أَمْسَكُوا عَن تَحْرِيمِهَا وَتَنْجِيسِهَا -مَعَ الْحَاجَةِ إلَى بَيَانِ ذَلِكَ-: كَانَ تَحْرِيمُهَا وَتَنْجِيسُهَا مِمَن بَعْدَهُم بِمَنْزِلَةِ أَنْ يَمْسِكُوا عَن بَيَانِ أَفْعَالٍ يُحْتَاجُ إلَى بَيَانِ وُجُوبِهَا لَو كَانَ ثَابِتًا، فَيَجِيءُ مَن بَعْدَهُم فَيُوجِبُهَا.
وَمَتَى قَامَ الْمُقْتَضِي لِلتَّحْرِيمِ أَو الْوُجُوبِ، وَلَمْ يَذْكُرُوا وُجُوبًا وَلَا تَحْرِيمًا: كَانَ إجْمَاعًا مِنْهُم عَلَى عَدَمِ اعْتِقَادِ الْوُجُوبِ وَالتَّحْرِيمِ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ مُعْتَمَدَةٌ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحْكَامِ، وَهِيَ أَصْلٌ عَظِيمٌ يَنْبَغِي
стр. 1770
لِلْفَقِيهِ أَنْ يَتَأمَّلَهَا وَلَا يَغْفَلُ عَن غَوْرِهَا، لَكِنْ لَا يُسَلَّمُ إلَّا بِعَدَمِ ظُهُورِ الْخِلَافِ فِي الصَّدْرِ الْأوَّلِ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ خِلَافٌ مُحَقَّقٌ بَطَلَتْ هَذِهِ الطَّرِيقَةُ، وَالْحَقُّ أحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ. [٢١/ ٥٣٥ - ٥٨١]
٢٣٨٦ - مَنِيّ الْآدَمِيِّ فِيهِ أَقْوَالٌ ثَلَاثَةٌ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ نَجِسٌ كَالْبَوْلِ، فَيَجِبُ غَسْلُهُ رَطْبًا وَيابِسًا مِنَ الْبَدَنِ وَالثَّوْبِ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ (١) .
وَثَانِيهَا: أَنَّهُ نَجِسٌ يُجْزِئُ فَرْكُ يَابِسِهِ وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَثَالِثُهَا: أنَّهُ مُسْتَقْذَرٌ كَالْمُخَاطِ وَالْبُصَاقِ، وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ، وَهُوَ الَّذِي نَصَرْنَاهُ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: أَحَدُهَا: مَا أخْرَجَ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ عَن عَائِشَةَ قَالَتْ: "كُنْت أَفْرُكُ الْمَنِيَّ مِن ثَوْبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ثُمَّ يَذْهَبُ فَيُصَلِّي فِيهِ" (٢) .
فَهَذَا نَصٌّ فِي أَنَّهُ لَيْسَ كَالْبَوْلِ يَكونُ نَجِسًا نَجَاسَةً غَلِيظَةً، فَبَقِيَ أَنْ يُقَالَ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَجِسًا كَالدَّمِ أَو طَاهِرًا كَالْبُصَاقِ، لَكِنَّ الثَّانِيَ أَرْجَحُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ وُجُوبُ تَطْهِيرِ الثِّيَابِ مِنَ الْأَنْجَاسِ قَلِيلِهَا وَكَثِيرِهَا، فَإِذَا ثَبَتَ جَوَازُ حَمْلِ قَلِيلِهِ فِي الصَّلَاةِ ثَبَتَ ذَلِكَ فِي كَثيرِهِ؛ فَإِنَّ الْقِيَاسَ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا.
ثُمَّ جَعَلَهُ اللهُ أَصْلًا لِجَمِيعِ أَنْبِيَائِهِ وَأَوْليَائِهِ وَعِبَادِهِ الصَّالِحِينَ وَالْإِنْسَانِ الْمُكَرَّمِ فَكَيْفَ يَكُونُ أَصْلُهُ نَجِسًا؟
ولَو جَرَى فِي مَجْرَاهُ (٣) : فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْبَوْلَ قَبْلَ ظُهُورِهِ نَجِسٌ، كَمَا مَرَّ الحواشي
(١) مع أن الإمام مالك ﵀ يتوسع في طهارة الطيور والحيوانات بجميع أنواعها، بل ويرى طهارة شعر وجلدِ الخنزير والكلب، وهو الذي رجحه شيخ الاسلام ابن تيمية.
بل وله قول بجواز أكل بعض السباع والطيور.(٢) مسلم(٢٨٨) .(٣) أي: لو سلّمنا أنّ المني يجري مجرى البول، فيكون قد خالط النجاسة.стр. 1771
تَقْرِيرُهُ فِي الدَّمِ (١) ، وَهُوَ فِي الدَّمِ أَبْيَنُ مِنْهُ فِي الْبَوْلِ؛ لِأَنَ ذَلِكَ رُكْنٌ وَبَعْضُ وَهَذَا فَضلٌ. [٢١/ ٥٨٧ - ٦٠٢]
٢٣٨٧ - آخِرُ الرِّوَايَتَيْنِ عَن أَحْمَد: أَن الدِّبَاغَ مُطَهِّرٌ لِجُلُودِ الْمَيْتَةِ، لَكِنْ هَل يَقُومُ مَقَامَ الذَّكَاةِ أَو مَقَامَ الْحَيَاةِ، فَيُطَهِّرُ جِلْدَ الْمَأْكُولِ أَو جِلْدَ مَا كَانَ طَاهِرًا فِي الْحَيَاةِ دُونَ مَا سِوَى ذَلِكَ؟
عَلَى وَجْهَيْنِ: أصَحُّهُمَا الْأوَّلُ، فَيَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ مَا تُطَهِّرُهُ الذَّكَاةُ؛ لِنَهْيِهِ ﷺ فِي حَدِيثٍ عَن جُلُودِ السِّبَاعِ. [٢١/ ٦٠٩]
٢٣٨٨ - مُلَابَسَةُ النَّجَاسَةِ لِلْحَاجَةِ جَائِزٌ إذَا طَهَّرَ بَدَنَهُ وَثيَابَهُ عِنْدَ الصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا، كَمَا يَجُوزُ الِاسْتِنْجَاءُ بِالْمَاءِ مَعَ مُبَاشَرَةِ النَّجَاسَةِ، وَلَا يُكْرَهُ ذَلِكَ عَلَى أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ عَن أَحْمَد، وَهُوَ قَوْلُ أكْثَرِ الْفُقَهَاءِ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: يُكْرَهُ ذَلِكَ؛ بَل يسْتَعْمَلُ الْحَجَر أَو يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا.
وَالْمَشْهُورُ أَنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى الْمَاءِ أَفْضَلُ وَإِن كَانَ فِيهِ مُبَاشَرَتُهَا (٢) . وَفِي اسْتِعْمَالِ جُلُودِ الْمَيْتَةِ -إذَا لَمْ يَقُلْ بِطَهَارَتِهَا- فِي الْيَابِسَاتِ رِوَايَتَانِ: أَصَحُّهُمَا جَوَازُ ذَلِكَ، وَإِن قِيلَ: إِنَّهُ يُكْرَهُ؛ فَالْكَرَاهَةُ تَزُولُ بِالْحَاجَةِ. [٢١/ ٦٠٩ - ٦١٠]
٢٣٨٩ - النَّجَاسَةُ فِي الْمَلَّاحَةِ إذَا صَارَتْ مِلْحًا وَنَحْو ذَلِكَ هَل هِيَ نَجِسَةٌ أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ مَشْهُورَينِ لِلْعُلَمَاءِ:
أَحَدُهُمَا: هِيَ نَجِسَةٌ وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي وَهُوَ مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ: أَنَّهَا لَا تَبْقَى نَجِسَةً، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ. الحواشي
(١) حيث قال: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الدَّمَ قَبْلَ ظُهُورِهِ وَبُرُوزِهِ يَكُونُ نَجِسًا فَلَا بُدَّ مِنَ الدَّلِيلِ عَلَى تَنْجِيسِهِ. (٢١/ ٥٩٨)
وقد قرر الشيخ قبل ذلك أَنَّ الْمَائِعَ لا يَنْجُسُ بِمُلَاقَاةِ النَّجَاسَةِ القليلة، والمني أكثر بكثير من البول المتبقي في مجراه.(٢) أي: مباشرة النجاسة.стр. 1772
فَإِنَّ جَمِيعَ النَّجَاسَاتِ إنَّمَا نَجُسَتْ بِالِاسْتِحَالَةِ؛ كَالدَّمِ فَإِنَّهُ مُسْتَحِيلٌ عَنِ الْغِذَاءِ الطَّاهِرِ، وَكَذَلِكَ الْبَوْلُ وَالْعَذِرَةُ حَتَّى الْحَيَوَانُ النَّجِسُ مُسْتَحِيلٌ عَنِ الْمَاءِ وَالتُّرَابِ وَنَحْوِهِمَا مِنَ الطَّاهِرَاتِ.
وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَبَّرَ عَن ذَلِكَ بِأَنَّ النَّجَاسَةَ طَهُرَتْ بِالِاسْتِحَالَةِ، فَإِنَّ نَفْسَ النَّجِسِ لَمْ يَطْهُرْ (١) ، لَكِنِ اسْتَحَالَ، وَهَذَا الطَّاهِرُ لَيْسَ هُوَ ذَلِكَ النَّجِسَ، وَإِنْ كَانَ مُسْتَحِيلًا مِنْهُ وَالْمَادَّةُ وَاحِدَةٌ، كَمَا أَنَّ الْمَاءَ لَيْسَ هُوَ الزَّرْعَ وَالْهَوَاءَ وَالْحَبَّ، وَتُرَابُ الْمَقْبَرَةِ لَيْسَ هُوَ الْمَيِّتَ، وَالْإِنْسَانُ لَيْسَ هُوَ الْمَنِيَّ.
وَعَلَى هَذَا فَدُخَانُ النَّارِ الْمُوقَدَةِ بِالنَّجَاسَةِ طَاهِرٌ، وَبُخَارُ الْمَاءِ النَّجِسِ الَّذِي يَجْتَمِعُ فِي السَّقْفِ طَاهِرٌ، وَأَمْثَالُ ذَلِكَ مِنَ الْمَسَائِلِ. [٢١/ ٦١٠ - ٦١١]
٢٣٩٠ - الْقَوْلُ الرَّاجِحُ: طَهَارَةُ الشُّعُورِ كُلِّهَا: شَعْرُ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ وَغَيْرِهمَا، بِخِلَافِ الرِّيقِ.
وَعَلَى هَذَا: فَإِذَا كَانَ شعْرُ الْكَلْب رَطْبًا وَأَصَابَ ثَوْبَ الْإِنْسَانِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ؛ كَأَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَأَحْمَد فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَعْيَانِ الطَّهَارَةُ، فَلَا يَجُوزُ تَنْجِيسُ شَيْءٍ وَلَا تَحْرِيمُهُ إلَّا بِدَلِيلٍ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ: فَالنَّبِيُّ ﷺ قَالَ: "طَهُورُ إنَاءِ أَحَدِكمْ إذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعًا أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ" (٢) .
فَأَحَادِيثُهُ كُلُّهَا لَيْسَ فِيهَا إلَّا ذِكْرُ الْوُلُوغِ، لَمْ يَذْكُرْ سَائِرَ الْأَجْزَاءِ، فَتَنْجِيسُهَا إنَّمَا هُوَ بِالْقِيَاسِ.
وَالشَّافِعِيُّ وَأَكْثَرُهُم يَقُولُونَ: إنَّ الزَّرْعَ النَّابِتَ فِي الْأَرْضِ النَّجِسَةِ طَاهِرٌ، فَغَايَةُ شَعْرِ الْكَلْبِ أَنْ يَكُونَ نَابِتًا فِي مَنْبَتٍ نَجِسٍ كَالزَّرْعِ النَّابِتِ فِي الْأَرْضِ النَّجِسَةِ، فَإِذَا كَانَ الزَّرْعُ طَاهِرًا فَالشَّعْرُ أَوْلَى بِالطَّهَارَةِ. الحواشي
(١) هذه معلومة دقيقة مهمة.(٢) البخاري(١٧٢) ، ومسلم(٢٧٩) .стр. 1773
وَأَيْضًا: فَإِنَّ لُعَابَ الْكَلْبِ إذَا أَصَابَ الصَّيْدَ لَمْ يَجِبْ غَسْلُهُ فِي أَظْهَرِ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَأْمُرْ أَحَدًا بِغَسْلِ ذَلِكَ، فَقَد عفى عَن لُعَابِ الْكَلْبِ فِي مَوْضِعِ الْحَاجَةِ، وَأَمَرَ بِغَسْلِهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الْحَاجَةِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الشَّارعَ رَاعَى مَصْلَحَةَ الْخَلْقِ وَحَاجَتَهُمْ.
وَأمَّا سُؤْرُ الْبَغْلِ وَالْحِمَارِ فَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ يُجَوِّزُونَ التَّوَضُّؤَ بِهِ؛ كَمَالِكِ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ. [٢١/ ٦١٧ - ٦٢٠]
٢٣٩١ - الأظهر أنَّ شعر الكلب طاهر؛ لأنه لم يثبت فيه (١) دليل شرعي. [المستدرك ٣/ ٤٦]
٢٣٩٢ - في سائر النجاسات (٢) ثلاث روايات إحداهن: يجب غسلها سبعًا، والثانية: يجب غسلها ثلاثًا، والثالثة: تكاثر بالماء من غير عدد اختارها، والشيخ تقي الدين.
وهل يقوم الإشنان ونحوه مقام التراب؟ فيه وجهان: أحدهما يجزئ ذلك ويقوم مقام التراب وهو الصحيح، قال الشيخ تقي الدين في "شرح العمدة": هذا أقوى الوجوه. [المستدرك ٣/ ٤٦]
٢٣٩٣ - وإذا تنجس أسفل خف وحذاء بالمشي .. وقيل كذا الرجل ذكره شيخنا واختاره، وذيل المرأة قيل كذلك، وقيل: يغسل، ونقل إسماعيل بن سعيد يطهر بمروره على طاهر يزيلها اختاره شيخنا ومال إليه.
ولا يجوز إزالة نجاسة إلا بماء طهور .. وعنه: بكل مائع طاهر مزيل كخل اختاره ابن عقيل وشيخنا، قال: ويحرم استعمال طعام أو شراب في إزالتها. [المستدرك ٣/ ٤٦]
٢٣٩٤ - إذا تنجس ما يضره الغسل كثياب حرير والورق وغير ذلك: أجزأ الحواشي
(١) أي: في نجاستِه.(٢) عدا نجاسة الكلب.стр. 1774
مسحه في أظهر قولي العلماء، وأصله: الخلاف في إزالة النجاسة بغير الماء.
ويجزيه استعمالُ الطعام والشراب في إزالة النجاسة، لا إفساد الماء المحتاج إليه. [المستدرك ٣/ ٤٧]
٢٣٩٥ - وَسُئِلَ: عَمَّا إذَا بَالَ الْفَأْرُ فِي الْفِرَاشِ هَل يُصَلَّى فِيهِ؟
فَأَجَابَ: غَسْلُهُ أَحْوَطُ، وَيُعْفَى عَن يَسِيرِهِ فِي أَحَدِ قَوْفَي الْعُلَمَاءِ. [٢١/ ٦٢٢]
٢٣٩٦ - رِيش الْقُنْفُذِ طَاهِرٌ وَإِن وُجِدَ بَعْدَ مَوْتِهِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ. [٢١/ ٦٢٢]
* * *
(حكم تراب الشارع ؟)
٢٣٩٧ - إن ظنَّت نجاسة طين شارع وقلنا بنجاسته فهل يعفى عن يسيره أم لا؟ يعفى عن يسيره واختاره شيخنا تقي الدين.
قال الشيخ تقي الدين: لو تحققت نجاسة طين الشوارع عفي عن يسيره لمشقة التحرز منه ذكره بعض أصحابنا واختاره.
وقطع ابن تميم وابن حمدان أن تراب الشارع طاهر، واختاره الشيخ تقي الدين، وقال: هو أصح القولين. [المستدرك ٣/ ٤٧ - ٤٨]
* * *
(حكم قيءِ (١) الصبي ولعابه)
٢٣٩٨ - قال ابن القيم ﵀: هذه المسألة مما تعم بها البلوى، وقد علم الشارع أن الطفل يقيء كثيرًا، ولا يمكن غسل فمه، ولا يزال ريقه ولعابه يسيل على من يربيه، ولم يأمر الشارع بغسل الثياب من ذلك، ولا منع من الصلاة الحواشي
(١) في الأصل: (ريق)، وعلى هذا يكون قوله: ولعابه مكررًا، ولعل الصواب المثبت، والتأسيس مقدم على التأكيد، والشيخ قد تحدث عن القيء.стр. 1775
فيها، ولا أمر بالتحرز من ريق الطفل، فقالت طائفة من الفقهاء: هذا من النجاسة التي يعفى عنها للمشقة والحاجة كطين الشوارع والنجاسة بعد الاستجمار ونجاسة أسفل الخف والحذاء بعد دلكهما بالأرض.
قال شيخنا وغيره من الأصحاب: بل ريق الطفل يطهر فمه (١) للحاجة كما كان ريق الهرة مطهرًا لفمها. [المستدرك ٣/ ٤٨]
* * *
فصل (حكم نجاسة المذي ؟)
٢٣٩٩ - قال ابن القيم ﵀: ومن ذلك أن النبي ﷺ عن المذي فأمر بالوضوء منه فقال: كيف ترى بما أصاب ثوبي منه؟ قال: "تأخذ كفًّا من ماء فتنضح به حيث ترى أنه أصابه" (٢) . رواه أحمد والترمذي والنسائي، فجوَّز نضح ما أصابه المذي، كما أمر بنضح بول الغلام.
قال شيخنا: وهذا هو الصواب؛ لأن هذه نجاسة يشق الاحتراز منها لكثرة ما يصيب ثوب الشاب العزب، فهي أولى بالتخفيف من بول الغلام ومن أسفل الخف والحذاء.
ولا يجب غسل الثوب والبدن من المذي والقيح والصديد ولم يقم دليل على نجاسته، وحكى أبو البركات عن بعض أهل العلم طهارته.
والأقوى في المذي أنه يجزي فيه النضح وهو إحدى الروايتين عن أحمد. [المستدرك ٣/ ٤٩]
* * * الحواشي
(١) الذي يحتوي على قيئِه. فريقه يُطهر قيئَه.(٢) رواه أبو داود(٢١٠) ، والترمذي(١١٥) ، وأحمد(١٥٩٧٣) ، وحسَّنه الألباني في صحيح أبي داود.стр. 1776
(حكم ريق الهرة والبهائم ؟)
٢٤٠٠ - إذا أكلت الهرة فأرة ونحوها فإذا طال الفصل طهر فمها بريقها لأجل الحاجة، وهذا أقوى الأقوال، واختاره طائفة من أصحاب أحمد وأبي حنيفة، وكذلك أفواه الأطفال والبهائم. [المستدرك ٣/ ٤٩ - ٥٠]
* * *
فصل
٢٤٠١ - قال الْقَاضِي: فَأَمَّا الدَّمُ الذي يَبْقَى في خَلَلِ اللَّحْمِ بَعْدَ الذَّبْحِ وما يَبْقَى في الْعُرُوقِ فَمُبَاحٌ، قال في الْفُرُوعِ: ولم يذكر جَمَاعَةٌ إلَّا دَمَ الْعُرُوقِ، وقال الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فيه: لَا أَعْلَمُ خِلَافًا في الْعَفْوِ عنه، وَأَنَّهُ لَا يُنَجِّسُ الْمَرَقَ بَل يُؤْكَلُ مَعَهَا. [الإنصاف ١/ ٣٢٧]
٢٤٠٢ - وعنه في الطير: لا يعجبني عرقه إن أكل الجيف، فدل أنه كرهه لأكله النجاسة فقط، ذكره شيخنا ومال إليه، ولا فرق في الكراهة بين جوارح الطير وغيرها، وسواء كان يأكل الجيف أو لا. [المستدرك ٣/ ٥٠]
٢٤٠٣ - لا ينجس الآدمي بالموت. [المستدرك ٣/ ٥٠]
٢٤٠٤ - روث دود القز طاهر عند أكثر العلماء، ودود الجروح. [المستدرك ٣/ ٥٠]
٢٤٠٥ - ويجوز الانتفاع بالنجاسات سواء في ذلك شحم الميتة وغيره، وهو قول الشافعي، وأومأ إليه أحمد في رواية ابن منصور. [المستدرك ٣/ ٥٠]
* * *
(بَابٌ: الْحَيْضُ)
٢٤٠٦ - الَّذِينَ يَقُولُونَ: أَكْثَرُ الْحَيْضِ خَمْسَةَ عَشَرَ كَمَا يَقُولُهُ: الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَد، وَيَقُولُونَ: أَقَلُّهُ يَوْمٌ كَمَا يَقُولُهُ: الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَد، أَوَ لَا حَدَّ لَهُ؛ كَمَا يَقُولُهُ مَالِكٌ: فَهُم يَقُولُونَ: لَمْ يَثْبُتْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا عَن أَصْحَابِهِ فِي هَذَا
стр. 1777
شَيْءٌ، وَالْمَرْجِعُ فِي ذَلِكَ إلَى الْعَادَةِ كَمَا قُلْنَا (١) . [٢١/ ٦٢٣]
٢٤٠٧ - وَطْءُ النُّفَسَاءِ كَوَطْءِ الْحَائِضِ حَرَامٌ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ.
لَكِنْ لَهُ أَنْ يَسْتَمْتِعَ مِنَ الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ بِمَا فَوْقَ الْإِزَارِ. [٢١/ ٦٢٤]
٢٤٠٨ - قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢] قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾؛ يَعْنِي: يَنْقَطِعُ الدَّمُ، ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾: اغْتَسَلْنَ بِالْمَاءِ.
وَهُوَ كَمَا قَالَ مُجَاهِدٌ.
وَإِنَّمَا ذَكَرَ اللهُ غَايَتَيْنِ عَلَى قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ غَايَةُ التَّحْرِيمِ الْحَاصلُ بِالْحَيْضِ (٢) ، وَهُوَ تَحْرِيمٌ لَا يَزُولُ بِالِاغْتِسَالِ وَلَا غَيْرِهِ (٣) ، فَهَذَا التَّحْرِيمُ يَزُولُ بِانْقِطَاعِ الدَّمِ، ثُمَّ يَبْقَى الْوَطْءُ بَعْدَ ذَلِكَ جَائِزًا بِشَرْطِ الِاغْتِسَالِ، لَا يَبْقَى مُحَرَّمًا عَلَى الْإِطْلَاقِ؛ فَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾. [٢١/ ٦٢٥]
٢٤٠٩ - يحرم وطء الحائض، فإن وطئ في الفرج فعليه دينار أو نصفه كفارة، واعتبر شيخنا كونه مضروبًا. [المستدرك ٣/ ٥١]
٢٤١٠ - وَطْؤُهَا [أي: النفساء] قَبْلَ أَنْ يَنْقَطِعَ الدَّمُ: حَرَامٌ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ.
وَإِذَا انْقَطَعَ الدَّمُ بِدُونِ الْأَرْبَعِينَ فَعَلَيْهَا أَنْ تَغْتَسِلَ وَتُصَلِّيَ، لَكِنْ يَنْبَغِي لِزَوْجِهَا أَنْ لَا يَقْرَبَهَا إلَى تَمَامِ الْأَرْبَعِينَ.
وَأَمَّا قِرَاءَتُهَا الْقُرْآنَ فَإِنْ لَمْ تَخَفِ النِّسْيَانَ فَلَا تَقْرَؤُهُ، وَأَمَّا إذَا خَافَتِ النِّسْيَانَ فَإِنَّهَا تَقْرَؤُهُ فِي أَحَدِ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ. الحواشي
(١) لأن تحديد أقله وأكثره تحكّم، فيُترك للعادة، والعادة تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والأشخاص.(٢) أي: أنّ جماعهن حرام عليكم حتى يطهرن من الحيض.(٣) فلو اغتسلت وهي حائض فلا تحل له.стр. 1778
وَإذَا انْقَطَعَ الدَّمُ وَاغْتَسَلَتْ قَرَأَتْ الْقُرْآنَ وَصَلَّتْ بِالِاتِّفَاقِ.
فَإِنْ تَعَذَرَ اغْتِسَالُهَا لِعَدَمِ الْمَاءِ أو لِخَوْفِ ضَرَرٍ لِمَرَضِ وَنَحْوِهِ فَإِنَّهَا تَتَيَمَّمُ وَتَفْعَلُ بِالتَّيَمُّمِ مَا تَفْعَلُ بِالِاغْتِسَالِ. [٢١/ ٦٣٦]
٢٤١١ - فِي "الصَّحِيحَيْن": عَن عَائِشَةَ ﵂ "أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حبيش سَأَلَتْ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: إنِّي أُسْتَحَاضُ فَلَا أطْهُرُ أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ: إنَّ ذَلِكَ عِرْقٌ، وَلَكِنْ دَعِي الصَّلَاةَ قَدْرَ الأَيَّامِ الَّتِي كُنْت تَحِيضِينَ فِيهَا ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي" (١) ، وَفِي رِوَايَةٍ: "وَلَيْسَتْ بِالْحَيْضَةِ، فَإِذَا أقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَاتْرُكِي الصَّلَاةَ، فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا فَاغْسِلى عَنْك الدَّمَ وَصلِّي" (٢) .
وعَن عَائِشَةَ أَيْضًا ﵂: "أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ اُسْتُحِيضَتْ سَبْعَ سِنِينَ فَسَأَلَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَن ذَلِكَ، فَأَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ، فَقَالَ: "هَذَا عِرْقٌ" فَكَانَت تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ" (٣) .
لَيْسَ أَحَدُ الْحَدِيثَيْنِ نَاسِخًا لِلْآخَرِ وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا؛ فَإِنَّ الْحَدِيثَ الْأَوَّلَ: فِيمَن كَانَت لَهَا عَادَةٌ تَعْلَمُ قَدْرَهَا، فَإِذَا اُسْتحِيضَتْ قَعَدَتْ قَدْرَ الْعَادَةِ، وَلِهَذَا قَالَ: "فَدَعِي الصَّلَاةَ قَدْرَهَا الْأَيَّامِ الَّتِي كُنْت تَحِيضِينَ فِيهَا"، وَقَالَ: "إذَا أَقبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا فَاغْسِلِي عَنْك الدَّمَ وَصَلِّي"، وَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَخَذَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ الْمُعْتَادَةِ: أَنَّهَا تَرْجِعُ إلَى عَادَتِهَا، وَهُوَ مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَالْإِمَامِ أحْمَد.
لَكِنَّهُم مُتَنَازِعُونَ: لَو كَانَت مُمَيِّزَةً: تُمَيِّزُ الدَّم الْأَسْوَدِ مِنَ الْأَحْمَرِ: فَهَل الحواشي
(١) البخاري(٣٢٥) واللفظ له، ومسلم(٣٣٣) .(٢) البخارى(٣٠٦) واللفظ له، ومسلم(٣٣٣) .(٣) البخاري(٣٢٧) واللفظ له، ومسلم(٣٣٤) .
قال الزركشي في النكت (ص ٥٦): غسلها لكل صلاة لم يقع بأمره ﷺ كما بيّن في رواية مسلم(٤٤٣) ، ولفظه: "فأمرها أن تغتسل، فكانت تغتسل لكل صلاة"، وكذا ذكره الحميدي في جمعه.стр. 1779
تُقَدِّمُ التَّمْيِيزَ عَلَى الْعَادَةِ، أَمْ الْعَادَةُ عَلَى التَّمْيِيزِ؟ فَمِنْهُم مَن يُقَدِّمُ التَّمْيِيزَ عَلَى الْعَادَةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأحْمَد فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
وَالثَّانِي: فِي أَنَّهَا تُقَدِّمُ الْعَادَةَ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ وهو مذهب أبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَد فِي أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ.
وَأمَّا الْحَدِيثُ الثَّانِي: فَلَيْسَ فِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَلَكِنْ أَمَرَهَا بِالْغُسْلِ مُطْلَقًا، فَكَانَت هِيَ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ.
وَالْغُسْلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ مُسْتَحَبٌّ لَيْسَ بِوَاجِبٍ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ إذَا قَعَدَتْ أَيَّامًا مَعْلُومَةً هِيَ ايَّامُ الْحَيْضِ ثُمَّ اغْتَسَلَتْ كَمَا تَغْتَسِلُ مَنِ انْقَطَعَ حَيْضُهَا ثُمَّ صَلَّتْ وَصَامَتْ فِي هَذِهِ الِاسْتِحَاضَةِ؛ بَلِ الْوَاجِبُ عَلَيْهَا أَنْ تَتَوَضَّأَ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ مِنَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ؛ كَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد، وَأَمَّا مَالِكٌ فَعِنْدَهُ لَيْسَ عَلَيْهَا وُضُوءٌ وَلَا غُسْلٌ؛ فَإِنَّ دَمَ الِاسْتِحَاضَةِ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ عِنْدَهُ لَا هُوَ وَلَا غَيْرُهُ مِنَ النَّادِرَاتِ (١) . الحواشي
(١) ومثله الإفرازات التي تخرج من غالب النساء، فلا تنقض الطهارة عنده، وهل هي طاهرة أم نجسة؟ الراجح عند العلماء أنها طاهرة، ولكنها تنقض الطهارة إلا عند الإمام مالك، ومذهبه فيه تيسير عظيم على النساء.
قالَ ابن عبد البر ﵀: والوضوء عليها عند مالك على الاستحباب دونَ الوجوب، قالَ: وقد احتج بعض أصحابنا على سقوط الوضوء بقول رسول الله ﷺ : "فإذا ذهب قدرها فاغتسلي وصلي"، ولم يذكر وضوءًا.
قالَ: وممن قالَ بأن الوضوء على المستحاضة غير واجب: ربيعة، وعكرمة، ومالك، وأيوب، وطائفة.
قالَ: وأما الأحاديث المرفوعة في الغسل لكل صلاة، فكلها مضطربة، لا تجب بمثلها حجة ..
وقال: إِذَا أحْدَثَتِ الْمُسْتَحَاضَةُ حَدَثًا مَعْرُوفًا مُعْتَادًا لَزِمَهَا لَهُ الْوُضُوءُ، وَأمَّا دَمُ اسْتِحَاضَتِهَا فَلَا يُوجِبُ وُضُوءًا؛ لِأَنَّهُ كَدَمِ الْجُرْحِ السَّائِلِ، وَكَيفَ يَجِبُ مِن أجْلِهِ وُضُوءٌ وَهُوَ لَا يَنْقَطِعُ؟ وَمَن كَانَت هَذِهِ حَالُهُ مِن سَلَسِ الْبَوْلِ وَالْمَذيِ وَالِاسْتِحَاضَةِ لَا يَرْفَعُ بِوُضُوئِهِ حَدَثًا؛ لِأنَّهُ لَا يُتِمُّهُ إِلَّا وَقَد حَصَلَ ذَلِكَ الْحَدَثُ فِي الْأَغْلَبِ، وَإِلَى هَذَا الْمَذهَبِ ذَهَبَ مَالِكٌ وَأصْحَابُهُ، وَهُوَ ظَاهِرُ حديث هشام بن عُرْوَةَ هَذَا فِي قِصَّةِ فَاطِمَةَ بِنْتِ أبِي حُبَيْش، إلَّا أَنَّ عُرْوَةَ كَانَ يُفْتِي =стр. 1780
وَقَد احْتَجَّ الْأَكْثَرُونَ بِمَا فِي التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ الْمُسْتَحَاضَةَ أَنْ تتَوَضَّأَ لِكُلِّ صَلَاةٍ" (١) .
وَهَذِهِ الْمُسْتَحَاضَةُ الثَّانِيَةُ لَمْ تَكُنْ مُبْتَدَأَةً، وَإِن كَانَ ذَلِكَ قَد ظَنَّهُ بَعْضُ النَّاسِ، فَإِنَّهَا كَانَت عَجُوزًا كَبِيرَةً، وَإِنَّمَا حَمَلُوا أَمْرَهَا عَلَى أَنَّهَا كَانَت نَاسِيَةً لِعَادَتِهَا، وَفِي "السُّنَنِ": أَنَّهَا أُمِرَتْ أَنْ تَحِيضَ سِتًّا أَو سَبْعًا.
وَبِهَذَا احْتَجَّ الْإِمَامُ أَحْمَد وَغَيْرُهُ عَلَى أَنَّ الْمُسْتَحَاضَةَ الْمُتَمَيِّزَةَ تَجْلِسُ سِتًّا أَو سَبْعًا وَهُوَ غَالِبُ الْحَيْضِ. [٢١/ ٦٢٧ - ٦٣٠]
٢٤١٢ - فِي الْمُسْتَحَاضَةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ثلَاثُ سُنَنٍ:
أ - سُنَّةٌ فِي الْعَادَةِ كَمَا تَقَدَّمَ (٢) ؛ فَإِنَّ الْعَادَةَ أَقْوَى الْعَلَامَاتِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ مُقَامُ الْحَيْضِ دُونَ غَيْرِهِ.
ب - وَسُنَّةٌ فِي الْمُمَيِّزَةِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: "دَمُ الْحَيْضِ أَسْوَدُ يُعْرَفُ"؛ لِأَنَّهُ الدَّمُ الْأَسْوَدُ، وَالثَّخِينُ الْمُنْتِنُ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ حَيْضًا مِنَ الأَحْمَرِ.
ج - وَسُنَّةٌ فِي غَالِبِ الْحَيْضِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: "تَحَيَّضِي سِتًّا أَو سَبْعًا، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي ثَلَاًثًا وَعِشْرِينَ أَو أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ كمَا تَحِيضُ النِّسَاءُ، وَيَطْهُرْنَ لِمِيقَاتِ حَيْضِهِنَّ وَطُهْرِهِنَّ".
لِأَنَّ الْأَصْلَ إلْحَاقُ الْفَرْدِ بِالْأَعَمِّ الْأَغْلَبِ. الحواشي
(١) صحَّحه الألباني في صحيح أبي داود(٢٩٩) .(٢) وهو قولُه لفَاطِمَةَ بِنْت أَبِي حبيش: "دَعِي الصَّلَاةَ قَدْرَ الْأَيَّامِ الَّتِي كُنْت تَحِيضِينَ فِيهَا ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي".стр. 1781
فَهَذِهِ الْعَلَامَاتُ الثَّلَاثُ تَدُل عَلَيْهَا السُّنَّةُ وَالِاعْتِبَارُ.
وَالْعُلَمَاءُ لَهُم فِي الِاسْتِحَاضَةِ نِزَاعٌ فَإِنَّ أَمْرَهَا مُشْكِلٌ لِاشْتِبَاهِ دَمِ الْحَيْضِ بِدَمِ الِاسْتِحَاضَةِ .. وَأَصْوَبُ الْأَقْوَالِ اعْتِبَارُ الْعَلَامَاتِ الَّتِي جَاءَت بِهَا السُّنَّةُ وَإِلْغَاءُ مَا سِوَى ذَلِكَ.
وَأَمَّا الْمُتَحَيِّرَة (١) : فَتَجْلِسُ غَالِبَ الْحَيْضِ كَمَا جَاءَت بِهِ السُّنَّةُ، وَمَن لَمْ يَجْعَلْ لَهَا دَمًا مَحْكُومًا بِأَنَّهُ حَيْضٌ بَل أَمَرَهَا بِالِاحْتِيَاطِ مُطْلَقًا فَقَد كَلَّفَهَا أَمْرًا عَظِيمًا لَا تَأْتِي الشَّرِيعَةُ بِمِثْلِهِ، وَفِيهِ تَبْغِيضُ عِبَادَةِ اللهِ إلَى أَهْلِ دِينِ اللهِ، وَقَد رَفَعَ اللهُ الْحَرَجَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ مِن أَضْعَفِ الْأَقْوَالِ جِدًّا.
وَأَصْلُ هَذَا أَنَّ الدَّمَ بِاعْتِبَارِ حُكمِهِ لَا يَخْرُجُ عَن خَمْسَةِ أَقْسَامٍ:
أ - دَمٌ مَقْطُوعٌ بِأَنَّهُ حَيْضٌ؛ كَالدَّمِ الْمُعْتَادِ الَّذِي لَا اسْتِحَاضَةَ مَعَهُ.
ب - وَدَمٌ مَقْظوعٌ بِأَنَّهُ اسْتِحَاضَةٌ؛ كَدَمِ الصَّغِيرَةِ.
ج - وَدَمٌ يَحْتَمِلُ الْأَمْرَيْنِ لَكِنَّ الْأَظْهَرَ أنَّهُ حَيْضٌ، وَهُوَ دَمُ الْمُعْتَادَةِ وَالْمُمَيِّزَةِ وَنَحْوِهِمَا مِنَ المستحاضات الَّذِي يُحْكَمُ بِأَنَّهُ حَيْضٌ.
د - وَدَمٌ يَحْتَمِلُ الْأَمْرَيْنِ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ دَمُ فَسَادٍ، وَهُوَ الدَّمُ الَّذِي يُحْكمُ بِأَنَّهُ اسْتِحَاضَةٌ مِن دِمَاءِ هَؤُلَاءِ.
هـ - وَدَمٌ مَشْكُوكٌ فِيهِ لَا يَتَرَجَّحُ فِيهِ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ، فَهَذَا يَقُولُ بِهِ طَائِفَةٌ مِن أَصْحَابِ الشَافِعِيِّ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمَا فَيُوجِبُونَ عَلَى مَن أَصَابَهَا أَنْ تَصُومَ وَتُصَلِّيَ ثُمَّ تَقْضِي الصَّوْمَ، وَالصَّوَابُ: أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ بَاطِلٌ؛ لِوُجُوهٍ: الحواشي
(١) في الأصل: (الْمُتَمَيِّزَةُ)، وهكذا في النسخ التي وقفت عليها، وهو خطأ بلا شك، والمثبت هو الصواب، ولذلك صححت في طبعة مجمع الملك فهد.
والمتحيرة: هي التي تكون ناسية لوقت حيضها، وعدد أيام حيضها، فالحكم في هذه الحالة أنها تجلس عادة نسائها كأمها وأختها وعمتها وخالتها، فإن كانت تعرف شهرها جلست ذلك منه؛ لأنه عادتها فترد إليه كما ترد المعتادة إلى عادتها. وإن لم تعرف شهرها جلست من الشهر المعتاد.стр. 1782
أَحَدُهَا: أَنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥]؛ فَاللهُ تَعَالَى قَد بَيَّنَ لِلْمُسْلِمِينَ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ وَغَيْرِهَا مَا تَتَّقِيهِ مِن الصَّلَاةِ وَالصّيَامِ فِي زَمَنِ الْحَيْضِ، فَكَيْفَ "يُقَالُ: إنَّ الشَّرِيعَةَ فِيهَا شَكٌّ مُسْتَمِرٌ يَحْكُمُ بِهِ الرَّسُولُ وَأُمَّتُهُ.
نَعَمْ: قَد يَكُونُ شَكٌّ خَاصٌّ بِبَعْضِ النَّاسِ، كَاَلَّذِي يَشُكُّ هَل أَحْدَثَ أَمْ لَا؟ كَالشُّبُهَاتِ الَّتِي لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِن النَّاسِ، فَأَمَّا شَكُّ وَشُبْهَةٌ تَكُونُ فِي نَفْسِ الشَّرِيعَةِ فَهَذَا بَاطِلٌ.
وَاَلَّذِينَ يَجْعَلُونَ هَذَا دَمَ شَكٍّ يَجْعَلُونَ ذَلِكَ حُكمَ الشَّرْعِ، لَا يَقُولُونَ: نَحْنُ شَكَكْنَا؛ فَإِنَّ الشَّاكَّ لَا عِلْمَ عِنْدِهِ فَلَا يَجْزِمُ، وَهَؤُلَاءِ يَجْزِمُونَ بِوُجُوبِ الصِّيَامِ وَإِعَادَتِهِ لِشَكِّهِمْ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الشَّرِيعَةَ لَيْسَ فِيهَا إيجَابُ الصَّلَاةِ مَرَّتَيْنِ، وَلَا الصِّيَام مَرَّتَيْنِ إلا بِتَفْرِيطٍ مِنَ الْعَبْدِ.
فَأَمَّا مَعَ عَدَمِ تَفْرِيطِهِ: فَلَمْ يُوجِبِ اللهُ صَوْمَ شَهْرَيْنِ فِي السُّنَّةِ، وَلَا صَلَاةَ ظُهْرَيْنِ فِي يَوْمٍ، وَهَذَا مِمَّا يُعْرَفُ بِهِ ضَعْفُ قَوْلِ مَن يُوجِبُ الصَّلَاةَ وُيوجِبُ إعَادَتَهَا؛ فَإِنَّ هَذَا أَصْلٌ ضَعِيفٌ.
وَيَدْخُلُ فِي هَذَا مَن يَأْمُرُ بِالصَّلَاةِ خَلْفَ الْفَاسِقِ وَإِعَادَتِهَا، وَبِالصَّلَاةِ مَعَ الْأَعْذَارِ النَّادِرَةِ الَّتِي لَا تتَصِلُ وَإِعَادَتِهَا.
فَإِنَّ الصَّوَابَ مَا عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْمُسْلِمِينَ: أَنَّ مَن فَعَلَ الْعِبَادَةَ كَمَا أُمِرَ بِحَسَبِ وُسْعِهِ فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وَلَمْ يُعْرَفْ قَطُّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَ الْعَبْدَ أَنْ يُصَلِّيَ الصَّلَاةَ مَرَّتَيْنِ، لَكِنْ يَأْمُرُ بِالْإِعَادَةِ مَن لَمْ يَفْعَلْ مَا أُمِرَ بِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى ذَلِكَ؛ كَمَا قَالَ لِلْمُسِيءِ فِي صَلَاتِهِ: "ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّك لَمْ تُصَلِّ]، وَكَمَا أَمَرَ مَن صَلَّى خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ أَنْ يُعِيدَ الصَّلَاةَ.
стр. 1783
فَأَمَّا الْمَعْذُورُ؛ كَاَلَّذِي يَتَيَمَّمُ لِعَدَمِ الْمَاءِ، أَو خَوْفَ الضَّرَرِ بِاسْتِعْمَالِهِ لِمَرَضٍ أو لِبَرْدٍ، وكالاستحاضة وَأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ: فَإِنَّ سُنَّةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي هَؤُلَاءِ أَنْ يَفْعَلُوا مَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ بِحَسَبِ اسْتِطَاعَتِهِمْ، وَيسْقُطُ عَنْهُم مَا يَعْجِزُونَ عَنْه؛ بَل سُنَّتُهُ فِيمَن كَانَ لَمْ يَعْلَمِ الْوُجُوبَ أَنَّهُ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ التَّكْلِيفَ مَشْرُوطٌ بِالتَّمَكُّنِ مِنَ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ عَلَى الْفِعْلِ.
وَلِهَذَا لَمْ يَأْمُرْ عُمَرَ وَعَمَّارًا بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ لَمَّا كَانَا جُنُبَيْنِ، فَعُمَرُ لَمْ يُصَلِّ، وَعَمَّارٌ تَمَرَّغَ كَمَا تَتَمَرَّغُ الدَّابَّةُ؛ ظَنًّا أنَّ التُّرَابَ يَصِلُ إلَى حَيْثُ يَصِلُ الْمَاءُ، وَكَذَلِكَ الَّذِينَ أَكَلُوا مِن الصَّحَابَةِ حَتَّى تبَيَّنَ لَهُم الْحِبَالُ السُّودُ مِن الْبِيضِ لَمْ يَأْمُرْهُم بِالْإِعَادَةِ .. وَنَظَائِرُهَا مُتَعَدِّدَةٌ (١) .
فَمَن اسْتَقْرَأَ مَا جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ تبَيَّنَ لَهُ أَنَّ التَّكْلِيفَ مَشْرُوطٌ بِالْقُدْرَةِ عَلَى الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، فَمَن كَانَ عَاجِزًا عَن أَحَدِهِمَا سَقَطَ عَنْهُ مَا يُعْجِزُهُ، وَلَا يُكلِّفُ اللهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا.
وَهَذَا بِخِلَافِ الْمُفَرِّطِ الْمُتَمَكنِ مِن فِعْلِ مَا أُمِرَ بِهِ: فَهَذَا هُوَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ الْعِقَابَ؛ وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: "صَلِّ قَائِمًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْب" (٢) . [٢١/ ٦٣٠ - ٦٣٤]
٢٤١٣ - من كانت ترى يومًا دمًا ويومًا طهرًا؛ فالنقاء طهر والدم حيض، وعنه أيام النقاء والدم حيض اختاره الشيخ تقي الدين (٣) . [المستدرك ٣/ ٥١] الحواشي
(١) ومن ذلك: من صلى الفرض باجتهادٍ فبان أنه صلى قبل الوقت؛ مثاله: رجل صلى الفجر - مثلًا - عن اجتهاد، فثبت له بعد خروج الوقت أنه قد صلاها قبل وقتها، فالراجح - على ما أصله شيخ الإسلام - أن صلاته صحيحة ولا يُعيدها؛ لأنه قد صلى على الوجه المأمور به.(٢) رواه البخاري(١١١٧) .(٣) الدم المتقطِّع، وهو الدم الذي يأتي المرأة على شكلٍ متقطِّع، بحيث تَرَى المرأة يومًا دمًا، ويومًا نقاءً ونحو ذلك، فهذا التقطع لا يخلو من حالتين:
الحالة الأول: أن يكون هذا التقطع مستمرًا في كل وقتها، ويستمر معها أكثر شهرها: فهذا دم استحاضة لا دم حيض، ويترتب عليه أحكام الاستحاضة. =стр. 1784
٢٤١٤ - الْأَسْمَاءُ الَّتِي عَلَّقَ اللهُ بِهَا الْأَحْكَامَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ:
أ - مِنْهَا مَا يُعْرَفُ حَدُّهُ وَمُسَمَّاهُ بِالشَّرْعِ، فَقَد بَيَّنَهُ اللهُ وَرَسُولُهُ؛ كَاسْمِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ وَالْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ وَالْكُفْرِ وَالنِّفَاقِ.
ب - وَمِنْهُ مَا يُعْرَفُ حَدُّهُ بِاللُّغَةِ؛ كَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالسَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَالْبَرِّ.
ج - وَمِنْهُ مَا يَرْجِعُ حَدُّهُ إلَى عَادَةِ النَّاسِ وَعُرْفِهِمْ، فَيَتَنَوَّعُ بِحَسَبِ عَادَتِهِمْ؛ كاسْمِ الْبَيْعِ وَالنِّكَاح وَالْقَبْضِ وَالدِّرْهَمِ وَالدِّينَارِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْأَسْمَاءِ الَّتِي لَمْ يَحُدَّهَا الشَّارعُ بِحدٍّ وَلَا لَهَا حَدٌّ وَاحِدٌ يَشْتَرِكُ فِيهِ جَمِيعُ أَهْلِ اللُّغَةِ؛ بَل يَخْتَلِفُ قَدْرُهُ وَصِفَتُهُ بِاخْتِلَافِ عَادَاتِ النَّاسِ.
فَمَا كَانَ مِنَ النَّوْعِ الْأوَّلِ فَقَد بَيَّنَهُ اللهُ وَرَسُولُهُ.
وَمَا كَانَ مِنَ الثَّانِي وَالثَّالِثِ فَالصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ الْمُخَاطَبُونَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ قَد عَرَفُوا الْمُرَادَ بِهِ؛ لِمَعْرِفَتِهِمْ بِمُسَمَّاهُ الْمَحْدُودِ فِي اللُّغَةِ، أَو الْمُطْلَقِ فِي عُرْفِ النَّاسِ وَعَادَتِهِم مِن غَيْرِ حَدٍّ شَرْعِيٍّ وَلَا لُغَوِيٍّ، وَبِهَذَا يَحْصُلُ التَّفَقُّهُ فِي الْكتَابِ وَالسُّنَّةِ.
وَالِاسْمُ إذَا بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ حَدَّ مسَمَّاهُ لَمْ يَلْزَمْ أَنْ يَكُونَ قَد نَقَلَهُ عَنِ اللُّغَةِ أَو زَادَ فِيهِ.
وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَمَا أَطْلَقَهُ اللهُ مِنَ الْأَسْمَاءِ وَعَلَّقَ بِهِ الْأَحْكَامَ مِنَ
الحواشي
(١) = الحالة الثانية: ألا يكون هذا التقطع مستمرًّا معها، فهو يأتيها بعض الوقت، لكنه لا يستمر معها أكثر الشهر، فمثلًا: تمكث عشرة أيام أو خمسة عشر يومًا ترى خلالها دم الحيض متقطعًا، فأْيَّامًا يأتيها الدم على شكل قطرات، وأيَّامًا يأتيها الدم يومًا كاملًا، وينقطع يومًا، وتطهر في هذا اليوم تمامًا، لكن هذا الطهر لا يزيد عن يوم وليلة: فإن هذا الطهرَ ينسحبُ عليه أحكام الحيض، فيكونُ حيضًا، فتُعتبر عشرةُ الأيام، أو الخمسة عشر يومًا كلُّها حيضٌ.
أما إذا كان هذا الطهر يزيد عن اليوم والليلة: فإِنها تضم الدم إلى الدم، فيكون حيضًا، والباقي طهرًا صحيحًا تصوم وتصلي فيه، إلا أن يجاوز أكثر الشهر فتكون مستحاضة. يُنظر: الْإِفَاضَةُ في أَحْكَامِ الْحَيْضِ والنِّفَاِس والْاسْتِحَاضَةِ، للمؤلف (١٠٧ - ١١١).стр. 1785
الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالتَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ لَمْ يَكُن لِأَحَدٍ أَنْ يُقَيِّدَهُ إلَّا بِدَلَالَةِ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ.
فَمِن ذَلِكَ اسْمُ الْحَيْضِ، عَلَّقَ اللهُ بِهِ أَحْكَامًا مُتَعَدِّدَةً فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَلَمْ يُقَدَّرْ لَا أَقَلُّهُ وَلَا أَكْثَرُهُ وَلَا الطُّهْرُ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ مَعَ عُمُومِ بَلْوَى الْأُمَّةِ بِذَلِكَ، وَاحْتِيَاجِهِمْ إلَيْهِ، وَاللُّغَةُ لَا تُفَرِّقُ بَيْنَ قَدْرٍ وَقَدْرٍ، فَمَن قَدَّرَ فِي ذَلِكَ حَدًّا فَقَد خَالَفَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ.
وَأَمَّا إذَا اسْتَمَرَّ الدَّمُ بِهَا دَائِمًا فَهَذَا قَد عُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ بِحَيْضِ؛ لِأَنَّهُ قَد عُلِمَ مِنَ الشَّرْعِ وَاللُّغَةِ أَنَّ الْمَرْأَةَ تَارَةً تَكُونُ طَاهِرًا وَتَارَةً تَكُونُ حَائِضًا، وَلطُهْرِهَا أَحْكَامٌ وَلحَيْضِهَا أَحْكَامٌ.
وَالْعَادَةُ الْغَالِبَةُ أَنَّهَا تَحِيضُ رُبُعَ الزَّمَانِ: سِتَّةً أَو سَبْعَةً، وَإِلَى ذَلِكَ رَدَّ النَّبِيُّ ﷺ الْمُسْتَحَاضَةَ الَّتِي لَيْسَ لَهَا عَادَةٌ وَلَا تَمْيِيزٌ، وَالطُّهْرُ بَيْنَ الحَيْضَتَيْنِ لَا حَدَّ لِأَكْثَرِهِ بِاتِّفَاقِهِمْ.
وَكَذَلِكَ أَقَلُّهُ عَلَى الصَّحِيحِ لَا حَدَّ لَهُ؛ بَل قَد تَحِيضُ الْمَرْأَةُ فِي الشَّهْرِ ثَلَاثَ حِيَضٍ، وَإِن قُدِّرَ أَنَّهَا حَاضَتْ ثَلَاثَ حِيَضٍ فِي أَقَلَّ مِن ذَلِكَ أَمْكَنَ، لَكِنْ إذَا ادَّعَتِ انْقِضَاءَ عِدَّتِهَا فِيمَا يُخَالِفُ الْعَادَةَ الْمَعْرُوفَةَ فَلَا بُدَّ أَنْ يَشْهَدَ لَهَا بِطَانَةٌ مِن أَهْلِهَا كَمَا رُوِيَ عَن عَلِيٍّ ﵁ فِيمَنِ ادَّعَتْ ثَلَاثَ حِيَضٍ فِي شَهْرٍ.
وَالْأَصْلُ فِي كُلِّ مَا يَخْرُجُ مِنَ الرَّحِمِ أَنَّهُ حَيْضٌ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ اسْتِحَاضَةٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الدَّمُ الْأَصْلِيُّ الْجَبَلِيُّ، وَهُوَ دَمٌ تُرْخِيه الرَّحِمُ، وَدَمُ الْفَسَادِ دَمُ عِرْقٍ يَنْفَجِرُ؛ وَذَلِكَ كَالْمَرَضِ؛ وَالْأصْلُ الصِّحَّةُ لَا الْمَرَضُ.
فَمَتَى رَأَتِ الْمَرْأَةُ الدَّمَ جَارٍ مِن رَحِمِهَا فَهُوَ حَيْضٌ تُتْرَكُ لِأَجْلِهِ الصَّلَاةُ.
وَمَن قَالَ: إنَّهَا تَغْتَسِلُ عَقِيبَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَهُوَ قَوْلٌ مُخَالِفٌ لِلْمَعْلُومِ مِنَ السُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ السَّلَفِ.
стр. 1786
وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ الْمُنْتَقِلَةُ إذَا تَغَيَّرَتْ عَادَتُهَا بِزِيَادَةٍ أَو نَقْصٍ أَو انْتِقَالٍ فَذَلِكَ حَيْضٌ حَتَّى يُعْلَمَ أَنَّهُ اسْتِحَاضَةٌ بِاسْتِمْرَارِ الدَّمِ؛ فَإِنَّهَا كَالْمُبْتَدَأَةِ.
وَالْمُسْتَحَاضَةُ تُرَدُّ إلَى عَادَتِهَا ثُمَّ إلَى تَمْيِيزِهَا ثُمَّ إلَى غَالِبِ عَادَاتِ النِّسَاءِ.
وَالْحَامِلُ إذَا رَأَتِ الدَّمَ عَلَى الْوَجْهِ الْمَعْرُوفِ لَهَا فَهُوَ دَمُ حَيْضٍ بِنَاءَ عَلَى الْأَصْلِ.
وَالنِّفَاسُ لَا حَدَّ لِأقَلِّهِ وَلَا لِأكْثَرِهِ، فَلَو قُدِّرَ أَنَّ امْرَأَةً رَأَتِ الدَّمَ أَكْثَرَ مِن أَرْبَعِينَ أَو سِتينَ أَو سَبْعِينَ وَانْقَطَعَ فَهُوَ نِفَاسٌ، لَكِنْ إن اتَّصَلَ فَهُوَ دَمُ فَسَادٍ، وَحِينَئِذٍ فَالْحَدُّ أَرْبَعُونَ؛ فَإِنَّهُ مُنْتَهَى الْغَالِبِ جَاءَت بِهِ الْآثَارُ.
وَلَا حَدَّ لِسِنٍّ تَحِيضُ فِيهِ الْمَرْأَةُ؛ بَل لَو قُدِّرَ أَنَّهَا بَعْدَ سِتِّينَ أَو سَبْعِينَ زَادَ الدَّمُ الْمَعْرُوفُ مِنَ الرَّحِمِ لَكانَ حَيْضًا.
وَالْيَأْسُ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾ [الطلاق: ٤] لَيْس هُوَ بُلُوغُ سِنٍّ، فلَو كَانَ بُلُوغُ سَنٍّ لَبَيَّنَهُ اللهُ وَرَسُولُهُ، وَإِنَّمَا هُوَ أَنْ تَيْأَسَ الْمَرْأَةُ نَفْسُهَا مِن أَنْ تَحِيضَ.
وَإِذَا لَمْ يَكُن لِلنِّفَاسِ قَدْرٌ فَسَوَاءٌ وَلَدَتِ الْمَرْأَةُ تَوْأَمَيْنِ أَو أَكْثَرَ مَا زَالَتْ تَرَى الدَّمَ فَهِيَ نُفَسَاءُ، وَمَا تَرَاهُ مِن حِينِ تَشْرَعُ فِي الطَّلْقِ فَهُوَ نِفَاسٌ، وَحُكْمُ دَمِ النِّفَاسِ حُكْمُ دَمِ الْحَيْضِ.
وَمَن لَمْ يَأْخُذْ بِهَذَا بَل قَدَّرَ أقَل الْحَيْضِ بِيَوْمٍ أَو يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ أَو ثَلَاثَةِ أيَّامٍ فَلَيْسَ مَعَهُ فِي ذَلِكَ مَا يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ.
وَلَو كَانَ هَذَا حَدًّا شَرْعِيًّا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لَكَانَ الرَّسُولُ ﷺ أَوْلَى بِمَعْرِفَتِهِ وَبَيَانِهِ مِنَّا، كَمَا حَدَّ لِلْأَمَةِ مَا حَدَّهُ اللهُ لَهُم مِن أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ وَالْحَجِّ وَالصِّيَامِ وَمِن أَمَاكِنِ الْحَجِّ، وَمِن نُصُبِ الزَّكَاةِ وَفَرَائِضِهَا، وَعَدَدِ الصَّلَوَاتِ وَرُكُوعِهَا وَسُجُودِهَا، فَلَو كَانَ لِلْحَيْضِ وَغَيْرِهِ مِمَّا لَمْ يُقَدِّرْهُ النَّبِيُّ ﷺ حَدٌّ عِنْدَ اللهِ وَرَسُولِهِ لَبَيَّنَهُ الرَّسُولُ ﷺ ، فَلَمَّا لَمْ يَحُدَّهُ دَلَّ عَلَى أنَّهُ رَدَّ ذَلِكَ إلَى مَا يَعْرِفُهُ النِّسَاءُ
стр. 1787
ويُسَمَّى فِي اللُّغَةِ حَيْضًا؛ وَلِهَذَا كَانَ كَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ إذَا سُئِلُوا عَنِ الْحَيْضِ قَالُوا: سَلُوا النِّسَاءَ فَإِنَّهُنَّ أَعْلَمُ بِذَلِكَ.
يَعْنِي: هُنَّ يَعْلَمْنَ مَا يَقَعُ مِنَ الْحَيْضِ وَمَا لَا يَقَعُ.
وَالْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ تَعَلَّقَ بِالِاسْمِ الدَّالِّ عَلَى الْوَاقِعِ، فَمَا وَقَعَ مِن دَمٍ فَهُوَ حَيْضٌ إذَا لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ دَمُ عِرْقٍ أَو جُرْحٍ؛ فَإِنَّ الدَّمَ الْخَارجَ:
أ - إمَّا أَنْ تُرْخِيَهُ الرَّحِمُ.
ب - أَو يَنْفَجِرَ مِن عِرْقٍ مِنَ الْعُرُوقِ، أَو مِن جِلْدِ الْمَرْأَةِ أَو لَحْمِهَا فَيَخْرُجُ مِنْهُ، وَذَلِكَ يَخْرُجُ مِن عُرُوقٍ صِغَارٍ، لَكنَّ دَمَ الْجُرْحِ الصَّغِيرِ لَا يَسِيلُ سَيْلًا مُسْتَمِرًّا كَدَمِ الْعِرْقِ الْكبِيرِ، وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلْمُسْتَحَاضَةِ: "إنَّ هَذَا دَمُ عِرْقٍ وَلَيْسَتْ بِالْحَيْضَةِ"، وَإِنَّمَا يَسِيلُ الْجُرْحُ إذَا انْفَجَرَ عِرْقٌ كَمَا ذَكَرْنَا فَصْدَ الْإِنْسَانِ؛ فَإِنَّ الدَّمَ فِي الْعُرُوقِ الصِّغَارِ وَالْكِبَارِ (١) . [١٩/ ٢٣٥ - ٢٤٢]
٢٤١٥ - المبتدئة بدم أسود والأصح وأحمر: تجلس برؤيته .. تترك الصلاة والصوم أقل الحيض في ظاهر المذهب ثم تغتسل، وإن انقطع لدون أقله فلا حيض، ولأقله حيض، وإن جاوز أقله اغتسلت عند انقطاعه في مدة الحيض، ولم تجلس ما جاوزه حتى يتكرر ثلاثًا فتجلس الرابع نص على ذلك، وقيل: في الثالث: وعنه: يتكرر مرتين فتجلس في الثالث، وقيل: في الثاني، واختاره شيخنا، وأنْ كلامَ أحْمدَ (٢) يقتضيه ويصير عادة.
وتعيد واجب صوم ونحوه نص عليه، وعنه: قبل تكراره احتياطًا، واختار شيخنا لا تجب الإعادة. [المستدرك ٣/ ٥٢]
٢٤١٦ - عَن عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: "رَأَيْت رِجَالًا مِن أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ الحواشي
(١) ذكر هذا البحث القيِّم في المجلد التاسع عشر في كِتَاب أُصُولِ الْفِقْهِ، وأعدت ذكره هنا لمناسبته لباب الحيض.(٢) في الأصل: (الكلام)، والتصويب من الفروع (١/ ٢٦٧).стр. 1788
يَجْلِسُونَ فِي الْمَسْجِدِ وَهُم مُجْنِبُونَ إذَا تَوَضَّئُوا وُضُوءَ الصَّلَاةِ"؛ وَذَلِكَ -وَاللهُ أَعْلَمُ- أَنَّ الْمَسْجِدَ بَيْتُ الْمَلَائِكَةِ، وَالْمَلَائِكَةُ لَا تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ جُنُبٌ كَمَا جَاءَ ذَلِكَ فِي "السُّنَنِ" عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
وَقَد أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ الْجُنُبَ بِالْوُضُوءِ عِنْدَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْمُعَاوَدَةِ، وَهَذَا دَلِيل أَنَّهُ إذَا تَوَضَّأَ ذَهَبَتِ الْجَنَابَةُ عَن أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ فَلَا تَبْقَى جَنَابَتُهُ تَامَّةً، وَإِن كَانَ قَد بَقِيَ عَلَيْهِ بَعْضُ الْحَدَثِ، كَمَا أَنَّ الْمُحْدِثَ الْحَدَثَ الْأَصْغَرِ عَلَيْهِ حَدَثٌ دُونَ الْجَنَابَةِ، وَإِن كَانَ حَدَثُهُ فَوْقَ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ فَهُوَ دُونُ الْجُنُبِ، فَلَا تَمْتَنِعُ الْمَلَائِكَةُ عَن شُهُودِهِ، فَلِهَذَا يَنَامُ وَيلْبَثُ فِي الْمَسْجِدِ.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْجَنَابَةَ تَتَبَعَّضُ فَتَزُولُ عَن بَعْضِ الْبَدَنِ دُونَ بَعْضٍ كَمَا عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ.
وَأَمَّا الْحَائِضُ فَحَدَثُهَا دَائِمٌ لَا يُمْكِنُهَا طَهَارَةٌ تَمْنَعُهَا عَنِ الدَّوَامِ فَهِيَ مَعْذُورَةٌ فِي مُكْثِهَا وَنَوْمِهَا وَأَكْلِهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَلَا تُمْنَعُ مِمَّا يُمْنَعُ مِنْهُ الْجُنُبُ مَعَ حَاجَتِهَا إلَيْهِ.
وَلِهَذَا كَانَ أَظْهَرُ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ أَنَّهَا لَا تُمْنَعُ مِن قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ إذَا احْتَاجَتْ إلَيْهِ .. ؛ فَإِنَّهَا مُحْتَاجَةٌ إلَيْهَا وَلَا يُمْكِنُهَا الطَّهَارَةُ كَمَا يُمْكِنُ الْجُنُبَ وَإِن كَانَ حَدَثُهَا أَغْلَظَ مِن حَدَثِ الْجُنُبِ مِن جِهَةِ أَنَّهَا لَا تَصُومُ مَا لَمْ يَنْقَطِعْ الدَّمُ وَالْجُنُبُ يَصُومُ، وَمِن جِهَةِ أَنَّهَا مَمْنُوعَةٌ مِنَ الصَّلَاةِ طَهُرَتْ أَو لَمْ تَطْهُرْ، ويُمْنَعُ الرَّجُلُ مِن وَطْئِهَا أَيْضًا، فَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْمُقْتَضِيَ لِلْحَظْرِ فِي حَقِّهَا أَقْوَى، لَكِنْ إذَا احْتَاجَتْ إلَى الْفِعْلِ اسْتَبَاحَتِ الْمَحْظُورَ مَعَ قِيَامِ سَبَبِ الْحَظْرِ لِأَجْلِ الضَّرُورَةِ كَمَا يُبَاحُ سَائِرُ الْمُحَرَّمَاتِ مَعَ الضَّرُورَةِ.
وَإِذَا قُدِّرَ جُنُبٌ اسْتَمَرَّتْ بِهِ الْجَنَابَةُ وَهُوَ لَا يَقْدِرُ عَلَى غُسْلٍ أَو تَيَمُّمٍ فَهَذَا كَالْحَائِضِ فِي الرُّخْصَةِ وَإِن كَانَ هَذَا نَادِرًا.
فَهَذَا أَصْلٌ عَظِيمٌ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ وَنَوْعِهَا، لَا يَنْبَغِي أَنْ يُنْظَرَ إلَى غِلَظِ
стр. 1789
الْمَفْسَدَةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلْحَظْرِ إلَّا وَيُنْظَرُ مَعَ ذَلِكَ إلَى الْحَاجَةِ الْمُوجِبَةِ لِلْإِذْنِ؛ بَلِ الْمُوجِبَةِ لِلِاسْتِحْبَابِ أَو الْإِيجَابِ.
وَكُلُّ مَا يَحْرُمُ مَعَهُ الصَّلَاةُ يَجِبُ مَعَهُ عِنْدَ الْحَاجَةِ إذَا لَمْ تُمْكِنِ الصَّلَاةُ إلَّا كَذَلِكَ، فَإِنَّ الصُّلَاةَ مَعَ تِلْكَ الْأُمُورِ أَخَفُّ مِن تَرْكِ الصَّلَاةِ.
وَكَذَلِكَ أَكْل الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ: يَحْرُمُ أَكْلُهَا عِنْدَ الْغِنَى عَنْهَا وَيجِبُ أَكْلُهَا عِنْدَ الضَّرُورَةِ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَجُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ.
وَإِنَّمَا تَنَازَعُوا فِي قِرَاءَةِ الْقرْآنِ، وَلَيْسَ فِي مَنْعِهَا مِنَ الْقُرْآنِ سُنَّةٌ أَصْلًا فَإِنَّ قَوْلَهُ: "لَا تَقْرَأُ الْحَائِضُ وَلَا الْجُنُبُ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ": حَدِيثٌ ضَعِيفٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِالْحَدِيثِ.
وَقَد كَانَ النِّسَاءُ يَحِضْنَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَلَو كَانَتِ الْقِرَاءَةُ مُحَرَّمَةً عَلَيْهِنَّ كَالصَّلَاةِ لَكَانَ هَذَا مِمَّا بَيَّنَهُ النَّبِيُّ ﷺ لِأُمَّتِهِ، وَتَعْلَمُهُ أُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنِينَ، وَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا يَنْقُلُونَهُ إلَى النَّاسِ، فَلَمَّا لَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي ذَلِكَ نَهْيًا لَمْ يَجُزْ أَنْ تُجْعَلَ حَرَامًا، مَعَ الْعِلْمِ أَنَّهُ لَمْ يَنْهَ عَن ذَلِكَ، وَإِذَا لَمْ يَنْهَ عَنْهُ مَعَ كَثْرَةِ الْحَيْضِ فِي زَمَنِهِ عُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُحَرَّمِ (١) . [٢٦/ ١٧٨ - ١٩١]
٢٤١٧ - الصحيح من المذهب: أنها (٢) لا تجلس ما جاوز اليوم والليلة إلا بعد تكراره ثلاثًا، وعليه جماهير الأصحاب وهو من المفردات فتجلس الرابعة على الصحيح، وقيل: تجلسه في الثالثة، وعنه: يصير عادة بمرتين، وقيل: في الثاني، واختاره الشيخ تقي الدين وقال: إن كلام أحمد يقتضيه. [المستدرك ٣/ ٥١]
٢٤١٨ - إن تغيرت العادة بزيادة أو تقدم أو تأخر أو انتقال فالمذهب أنها الحواشي
(١) رجح الشيخ -كما سيأتي بحول الله تعالى- صحة طواف الحائض عند الضرورة، ولا دم عليها.(٢) أي: المبتدأة، وهي التي ابتدأها الحيض لأول مرة.стр. 1790
لا تلتفت إلى ما خرج عن العادة حتى يتكرر ثلاثًا أو مرتين، قال المصنف هنا (١) : وعندي أنها تصير إليه من غير تكرار.
قلت (٢) : وهو الصواب، وعليه العمل، ولا يسع النساء العمل بغيره ..
قال في الفائق: وهو المختار، واختاره الشيخ تقي الدين. [المستدرك ٣/ ٥١ - ٥٢]
٢٤١٩ - هي طاهر إذا رأت البياض .. وعنه: أقله ساعة، وعنه: يوم، اختاره الشيخ، وقال: إلا أن ترى ما يدل عليه. [المستدرك ٣/ ٥٢]
٢٤٢٠ - يجوز التداوي لحصول الحيض ذكره شيخنا إلا قرب رمضان لتفطره. [المستدرك ٣/ ٥٢]
* * * الحواشي
(١) أي: صاحب الشرح الكبير، وقد نقله عن ابن قدامة صاحب المغني.(٢) أي: المرداوي.следующие страницы →