Полный текст (3 539 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.
стр. 1786
وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ الْمُنْتَقِلَةُ إذَا تَغَيَّرَتْ عَادَتُهَا بِزِيَادَةٍ أَو نَقْصٍ أَو انْتِقَالٍ فَذَلِكَ حَيْضٌ حَتَّى يُعْلَمَ أَنَّهُ اسْتِحَاضَةٌ بِاسْتِمْرَارِ الدَّمِ؛ فَإِنَّهَا كَالْمُبْتَدَأَةِ.
وَالْمُسْتَحَاضَةُ تُرَدُّ إلَى عَادَتِهَا ثُمَّ إلَى تَمْيِيزِهَا ثُمَّ إلَى غَالِبِ عَادَاتِ النِّسَاءِ.
وَالْحَامِلُ إذَا رَأَتِ الدَّمَ عَلَى الْوَجْهِ الْمَعْرُوفِ لَهَا فَهُوَ دَمُ حَيْضٍ بِنَاءَ عَلَى الْأَصْلِ.
وَالنِّفَاسُ لَا حَدَّ لِأقَلِّهِ وَلَا لِأكْثَرِهِ، فَلَو قُدِّرَ أَنَّ امْرَأَةً رَأَتِ الدَّمَ أَكْثَرَ مِن أَرْبَعِينَ أَو سِتينَ أَو سَبْعِينَ وَانْقَطَعَ فَهُوَ نِفَاسٌ، لَكِنْ إن اتَّصَلَ فَهُوَ دَمُ فَسَادٍ، وَحِينَئِذٍ فَالْحَدُّ أَرْبَعُونَ؛ فَإِنَّهُ مُنْتَهَى الْغَالِبِ جَاءَت بِهِ الْآثَارُ.
وَلَا حَدَّ لِسِنٍّ تَحِيضُ فِيهِ الْمَرْأَةُ؛ بَل لَو قُدِّرَ أَنَّهَا بَعْدَ سِتِّينَ أَو سَبْعِينَ زَادَ الدَّمُ الْمَعْرُوفُ مِنَ الرَّحِمِ لَكانَ حَيْضًا.
وَالْيَأْسُ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾ [الطلاق: ٤] لَيْس هُوَ بُلُوغُ سِنٍّ، فلَو كَانَ بُلُوغُ سَنٍّ لَبَيَّنَهُ اللهُ وَرَسُولُهُ، وَإِنَّمَا هُوَ أَنْ تَيْأَسَ الْمَرْأَةُ نَفْسُهَا مِن أَنْ تَحِيضَ.
وَإِذَا لَمْ يَكُن لِلنِّفَاسِ قَدْرٌ فَسَوَاءٌ وَلَدَتِ الْمَرْأَةُ تَوْأَمَيْنِ أَو أَكْثَرَ مَا زَالَتْ تَرَى الدَّمَ فَهِيَ نُفَسَاءُ، وَمَا تَرَاهُ مِن حِينِ تَشْرَعُ فِي الطَّلْقِ فَهُوَ نِفَاسٌ، وَحُكْمُ دَمِ النِّفَاسِ حُكْمُ دَمِ الْحَيْضِ.
وَمَن لَمْ يَأْخُذْ بِهَذَا بَل قَدَّرَ أقَل الْحَيْضِ بِيَوْمٍ أَو يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ أَو ثَلَاثَةِ أيَّامٍ فَلَيْسَ مَعَهُ فِي ذَلِكَ مَا يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ.
وَلَو كَانَ هَذَا حَدًّا شَرْعِيًّا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لَكَانَ الرَّسُولُ ﷺ أَوْلَى بِمَعْرِفَتِهِ وَبَيَانِهِ مِنَّا، كَمَا حَدَّ لِلْأَمَةِ مَا حَدَّهُ اللهُ لَهُم مِن أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ وَالْحَجِّ وَالصِّيَامِ وَمِن أَمَاكِنِ الْحَجِّ، وَمِن نُصُبِ الزَّكَاةِ وَفَرَائِضِهَا، وَعَدَدِ الصَّلَوَاتِ وَرُكُوعِهَا وَسُجُودِهَا، فَلَو كَانَ لِلْحَيْضِ وَغَيْرِهِ مِمَّا لَمْ يُقَدِّرْهُ النَّبِيُّ ﷺ حَدٌّ عِنْدَ اللهِ وَرَسُولِهِ لَبَيَّنَهُ الرَّسُولُ ﷺ ، فَلَمَّا لَمْ يَحُدَّهُ دَلَّ عَلَى أنَّهُ رَدَّ ذَلِكَ إلَى مَا يَعْرِفُهُ النِّسَاءُ
стр. 1787
ويُسَمَّى فِي اللُّغَةِ حَيْضًا؛ وَلِهَذَا كَانَ كَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ إذَا سُئِلُوا عَنِ الْحَيْضِ قَالُوا: سَلُوا النِّسَاءَ فَإِنَّهُنَّ أَعْلَمُ بِذَلِكَ.
يَعْنِي: هُنَّ يَعْلَمْنَ مَا يَقَعُ مِنَ الْحَيْضِ وَمَا لَا يَقَعُ.
وَالْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ تَعَلَّقَ بِالِاسْمِ الدَّالِّ عَلَى الْوَاقِعِ، فَمَا وَقَعَ مِن دَمٍ فَهُوَ حَيْضٌ إذَا لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ دَمُ عِرْقٍ أَو جُرْحٍ؛ فَإِنَّ الدَّمَ الْخَارجَ:
أ - إمَّا أَنْ تُرْخِيَهُ الرَّحِمُ.
ب - أَو يَنْفَجِرَ مِن عِرْقٍ مِنَ الْعُرُوقِ، أَو مِن جِلْدِ الْمَرْأَةِ أَو لَحْمِهَا فَيَخْرُجُ مِنْهُ، وَذَلِكَ يَخْرُجُ مِن عُرُوقٍ صِغَارٍ، لَكنَّ دَمَ الْجُرْحِ الصَّغِيرِ لَا يَسِيلُ سَيْلًا مُسْتَمِرًّا كَدَمِ الْعِرْقِ الْكبِيرِ، وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلْمُسْتَحَاضَةِ: "إنَّ هَذَا دَمُ عِرْقٍ وَلَيْسَتْ بِالْحَيْضَةِ"، وَإِنَّمَا يَسِيلُ الْجُرْحُ إذَا انْفَجَرَ عِرْقٌ كَمَا ذَكَرْنَا فَصْدَ الْإِنْسَانِ؛ فَإِنَّ الدَّمَ فِي الْعُرُوقِ الصِّغَارِ وَالْكِبَارِ (١) . [١٩/ ٢٣٥ - ٢٤٢]
٢٤١٥ - المبتدئة بدم أسود والأصح وأحمر: تجلس برؤيته .. تترك الصلاة والصوم أقل الحيض في ظاهر المذهب ثم تغتسل، وإن انقطع لدون أقله فلا حيض، ولأقله حيض، وإن جاوز أقله اغتسلت عند انقطاعه في مدة الحيض، ولم تجلس ما جاوزه حتى يتكرر ثلاثًا فتجلس الرابع نص على ذلك، وقيل: في الثالث: وعنه: يتكرر مرتين فتجلس في الثالث، وقيل: في الثاني، واختاره شيخنا، وأنْ كلامَ أحْمدَ (٢) يقتضيه ويصير عادة.
وتعيد واجب صوم ونحوه نص عليه، وعنه: قبل تكراره احتياطًا، واختار شيخنا لا تجب الإعادة. [المستدرك ٣/ ٥٢]
٢٤١٦ - عَن عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: "رَأَيْت رِجَالًا مِن أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ الحواشي
(١) ذكر هذا البحث القيِّم في المجلد التاسع عشر في كِتَاب أُصُولِ الْفِقْهِ، وأعدت ذكره هنا لمناسبته لباب الحيض.(٢) في الأصل: (الكلام)، والتصويب من الفروع (١/ ٢٦٧).стр. 1788
يَجْلِسُونَ فِي الْمَسْجِدِ وَهُم مُجْنِبُونَ إذَا تَوَضَّئُوا وُضُوءَ الصَّلَاةِ"؛ وَذَلِكَ -وَاللهُ أَعْلَمُ- أَنَّ الْمَسْجِدَ بَيْتُ الْمَلَائِكَةِ، وَالْمَلَائِكَةُ لَا تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ جُنُبٌ كَمَا جَاءَ ذَلِكَ فِي "السُّنَنِ" عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
وَقَد أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ الْجُنُبَ بِالْوُضُوءِ عِنْدَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْمُعَاوَدَةِ، وَهَذَا دَلِيل أَنَّهُ إذَا تَوَضَّأَ ذَهَبَتِ الْجَنَابَةُ عَن أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ فَلَا تَبْقَى جَنَابَتُهُ تَامَّةً، وَإِن كَانَ قَد بَقِيَ عَلَيْهِ بَعْضُ الْحَدَثِ، كَمَا أَنَّ الْمُحْدِثَ الْحَدَثَ الْأَصْغَرِ عَلَيْهِ حَدَثٌ دُونَ الْجَنَابَةِ، وَإِن كَانَ حَدَثُهُ فَوْقَ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ فَهُوَ دُونُ الْجُنُبِ، فَلَا تَمْتَنِعُ الْمَلَائِكَةُ عَن شُهُودِهِ، فَلِهَذَا يَنَامُ وَيلْبَثُ فِي الْمَسْجِدِ.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْجَنَابَةَ تَتَبَعَّضُ فَتَزُولُ عَن بَعْضِ الْبَدَنِ دُونَ بَعْضٍ كَمَا عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ.
وَأَمَّا الْحَائِضُ فَحَدَثُهَا دَائِمٌ لَا يُمْكِنُهَا طَهَارَةٌ تَمْنَعُهَا عَنِ الدَّوَامِ فَهِيَ مَعْذُورَةٌ فِي مُكْثِهَا وَنَوْمِهَا وَأَكْلِهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَلَا تُمْنَعُ مِمَّا يُمْنَعُ مِنْهُ الْجُنُبُ مَعَ حَاجَتِهَا إلَيْهِ.
وَلِهَذَا كَانَ أَظْهَرُ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ أَنَّهَا لَا تُمْنَعُ مِن قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ إذَا احْتَاجَتْ إلَيْهِ .. ؛ فَإِنَّهَا مُحْتَاجَةٌ إلَيْهَا وَلَا يُمْكِنُهَا الطَّهَارَةُ كَمَا يُمْكِنُ الْجُنُبَ وَإِن كَانَ حَدَثُهَا أَغْلَظَ مِن حَدَثِ الْجُنُبِ مِن جِهَةِ أَنَّهَا لَا تَصُومُ مَا لَمْ يَنْقَطِعْ الدَّمُ وَالْجُنُبُ يَصُومُ، وَمِن جِهَةِ أَنَّهَا مَمْنُوعَةٌ مِنَ الصَّلَاةِ طَهُرَتْ أَو لَمْ تَطْهُرْ، ويُمْنَعُ الرَّجُلُ مِن وَطْئِهَا أَيْضًا، فَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْمُقْتَضِيَ لِلْحَظْرِ فِي حَقِّهَا أَقْوَى، لَكِنْ إذَا احْتَاجَتْ إلَى الْفِعْلِ اسْتَبَاحَتِ الْمَحْظُورَ مَعَ قِيَامِ سَبَبِ الْحَظْرِ لِأَجْلِ الضَّرُورَةِ كَمَا يُبَاحُ سَائِرُ الْمُحَرَّمَاتِ مَعَ الضَّرُورَةِ.
وَإِذَا قُدِّرَ جُنُبٌ اسْتَمَرَّتْ بِهِ الْجَنَابَةُ وَهُوَ لَا يَقْدِرُ عَلَى غُسْلٍ أَو تَيَمُّمٍ فَهَذَا كَالْحَائِضِ فِي الرُّخْصَةِ وَإِن كَانَ هَذَا نَادِرًا.
فَهَذَا أَصْلٌ عَظِيمٌ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ وَنَوْعِهَا، لَا يَنْبَغِي أَنْ يُنْظَرَ إلَى غِلَظِ
стр. 1789
الْمَفْسَدَةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلْحَظْرِ إلَّا وَيُنْظَرُ مَعَ ذَلِكَ إلَى الْحَاجَةِ الْمُوجِبَةِ لِلْإِذْنِ؛ بَلِ الْمُوجِبَةِ لِلِاسْتِحْبَابِ أَو الْإِيجَابِ.
وَكُلُّ مَا يَحْرُمُ مَعَهُ الصَّلَاةُ يَجِبُ مَعَهُ عِنْدَ الْحَاجَةِ إذَا لَمْ تُمْكِنِ الصَّلَاةُ إلَّا كَذَلِكَ، فَإِنَّ الصُّلَاةَ مَعَ تِلْكَ الْأُمُورِ أَخَفُّ مِن تَرْكِ الصَّلَاةِ.
وَكَذَلِكَ أَكْل الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ: يَحْرُمُ أَكْلُهَا عِنْدَ الْغِنَى عَنْهَا وَيجِبُ أَكْلُهَا عِنْدَ الضَّرُورَةِ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَجُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ.
وَإِنَّمَا تَنَازَعُوا فِي قِرَاءَةِ الْقرْآنِ، وَلَيْسَ فِي مَنْعِهَا مِنَ الْقُرْآنِ سُنَّةٌ أَصْلًا فَإِنَّ قَوْلَهُ: "لَا تَقْرَأُ الْحَائِضُ وَلَا الْجُنُبُ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ": حَدِيثٌ ضَعِيفٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِالْحَدِيثِ.
وَقَد كَانَ النِّسَاءُ يَحِضْنَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَلَو كَانَتِ الْقِرَاءَةُ مُحَرَّمَةً عَلَيْهِنَّ كَالصَّلَاةِ لَكَانَ هَذَا مِمَّا بَيَّنَهُ النَّبِيُّ ﷺ لِأُمَّتِهِ، وَتَعْلَمُهُ أُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنِينَ، وَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا يَنْقُلُونَهُ إلَى النَّاسِ، فَلَمَّا لَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي ذَلِكَ نَهْيًا لَمْ يَجُزْ أَنْ تُجْعَلَ حَرَامًا، مَعَ الْعِلْمِ أَنَّهُ لَمْ يَنْهَ عَن ذَلِكَ، وَإِذَا لَمْ يَنْهَ عَنْهُ مَعَ كَثْرَةِ الْحَيْضِ فِي زَمَنِهِ عُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُحَرَّمِ (١) . [٢٦/ ١٧٨ - ١٩١]
٢٤١٧ - الصحيح من المذهب: أنها (٢) لا تجلس ما جاوز اليوم والليلة إلا بعد تكراره ثلاثًا، وعليه جماهير الأصحاب وهو من المفردات فتجلس الرابعة على الصحيح، وقيل: تجلسه في الثالثة، وعنه: يصير عادة بمرتين، وقيل: في الثاني، واختاره الشيخ تقي الدين وقال: إن كلام أحمد يقتضيه. [المستدرك ٣/ ٥١]
٢٤١٨ - إن تغيرت العادة بزيادة أو تقدم أو تأخر أو انتقال فالمذهب أنها الحواشي
(١) رجح الشيخ -كما سيأتي بحول الله تعالى- صحة طواف الحائض عند الضرورة، ولا دم عليها.(٢) أي: المبتدأة، وهي التي ابتدأها الحيض لأول مرة.стр. 1790
لا تلتفت إلى ما خرج عن العادة حتى يتكرر ثلاثًا أو مرتين، قال المصنف هنا (١) : وعندي أنها تصير إليه من غير تكرار.
قلت (٢) : وهو الصواب، وعليه العمل، ولا يسع النساء العمل بغيره ..
قال في الفائق: وهو المختار، واختاره الشيخ تقي الدين. [المستدرك ٣/ ٥١ - ٥٢]
٢٤١٩ - هي طاهر إذا رأت البياض .. وعنه: أقله ساعة، وعنه: يوم، اختاره الشيخ، وقال: إلا أن ترى ما يدل عليه. [المستدرك ٣/ ٥٢]
٢٤٢٠ - يجوز التداوي لحصول الحيض ذكره شيخنا إلا قرب رمضان لتفطره. [المستدرك ٣/ ٥٢]
* * * الحواشي
(١) أي: صاحب الشرح الكبير، وقد نقله عن ابن قدامة صاحب المغني.(٢) أي: المرداوي.стр. 1791
المساجد وصونها
٢٤٢١ - إذَا اتَّخَذَ الْمَسْجِدَ بِمَنْزِلَةِ الْبُيُوتِ فِيهِ أَكْلُهُ وَشُرْبُهُ وَنَوْمُهُ وَسَائِرُ أَحْوَالِهِ الَّتِي تَشْتَمِلُ عَلَى مَا لَمْ تُبْنَ الْمَسَاجِدُ لَهُ دَائِمًا: فَإِنَّ هَذَا يُمْنَعُ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، فَاِنَّمَا وَقَعَتِ الرّخْصَة فِي بَعْضِ ذَلِكَ لِذَوِي الْحَاجَةِ؛ مِثْل مَا كَانَ أَهْلُ الصُّفَّةِ: كَانَ الرَّجُلُ يَأتِي مُهَاجِرًا إلَى الْمَدِينَةِ وَلَيْسَ لَهُ مَكانٌ يَأْوِي إلَيْهِ فَيُقِيمُ بِالصُّفَّةِ إلَى أَنْ يَتيسَّرَ لَهُ أَهْلٌ أَو مَكَانٌ يَأْوِي إلَيْهِ ثُمَّ يَنْتَقِلُ.
وَمِثْل الْمِسْكينَةِ الَّتي كَانَت تَأْوِي إلَى الْمَسْجِدِ وَكَانَت تَقُمُّهُ.
وَمِثْل مَا كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَبِيتُ فِي الْمَسْجِدِ وَهُوَ عَزَبٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُن لَهُ بَيْتٌ يَأْوِي إلَيْهِ حَتَّى تَزَوَّج.
وَمِن هَذَا الْبَابِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: لَمَّا تَقَاوَلَ هُوَ وَفَاطِمَةُ ذَهَبَ إلَى الْمَسْجِدِ فَنَامَ فِيهِ.
فَيَجِبُ الْفَرْقُ بَيْنَ الْأَمْرِ الْيَسِيرِ وَذَوِي الْحَاجَاتِ وَبَيْنَ مَا يَصِيرُ عَادَةً ويكْثُرُ وَمَا يَكُونُ لِغَيْرِ ذَوِي الْحَاجَاتِ؛ وَلهَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا تَتَّخِذُوا الْمَسْجِدَ مَبِيتًا وَمَقِيلًا، هَذَا وَلَمْ يَفْعَلْ فِيهِ إلَّا النَّوْمُ؟.
وَأبْلَغُ مَا يَكونُ مِن الْمُقَامِ فِي الْمَسْجِدِ مُقَامُ الْمُعْتَكِفِ، كَمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَعْتَكِفُ فِي الْمَسْجِدِ، وَكَانَ يَحْتَجِرُ لَهُ حَصِيرًا فَيَعْتَكفُ فِيهِ، وَكَانَ يَعْتَكِفُ فِي قُبَّةٍ، وَكَذَلِكَ كَانَ النَّاسُ يَعْتَكفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ويضْرِبُونَ لَهُم فِيهِ الْقِبَابَ، فَهَذَا مُدَّةُ الِاعْتِكافِ خَاصَّةً، وَالِاعْتِكَافُ عِبَادَةٌ شَرْعِيَّةٌ وَلَيْسَ لِلْمُعْتَكِفِ أَنْ يَخْرُجُ مِن الْمَسْجِدِ إلَّا لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ. [٢٢/ ١٩٦ - ١٩٧]
стр. 1792
٢٤٢٢ - إذَا سَرَّحَ شَعْرَهُ وَجَمَعَ الشَّعْرَ فَلَمْ يُتْرَكْ فِي الْمَسْجِدِ فَلَا بَأسَ بِذَلِكَ.
وَأَمَّا تَرْكُ شَعْرِهِ فِي الْمَسْجِدِ فَهَذَا يُكْرَهُ وإِن لَمْ يَكُن نَجِسًا؛ فَإِنَّ الْمَسْجِدَ يُصَانُ حَتَّى عَنِ الْقَذَاةِ الَّتِي تَقَعُ فِي الْعَيْنِ (١) . [٢٢/ ٢٠٢]
٢٤٢٣ - لَيْسَ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَتَّخِذَ الْمَسْجِدَ طَرِيقًا، فَكَيْفَ إذَا اتَّخَذَهُ الْكَافِرُ طَرِيقًا، فَإِنَّ هَذَا يُمْنَعُ بِلَا ريبٍ.
وَأَمَّا إذَا كَانَ دَخَلَهُ ذِمِّيٌّ لِمَصْلَحَةٍ فَهَذَا فِيهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ هُمَا رِوَايَتَانِ عَن أَحْمَد:
أَحَدُهُمَا: لَا يَجُوزُ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ عَمَلُ الصَّحَابَةِ.
وَالثَّانِي: يَجُوزُ وَهُوَ مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ. [٢٢/ ١٩٣ - ١٩٤]
٢٤٢٤ - لَا يَجُوزُ أَنْ يُذْبَحَ فِي الْمَسْجِدِ؛ لَا ضَحَايَا وَلَا غَيْرهَا.
وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُدْفَنَ فِي الْمَسْجِدِ مَيِّتٌ: لَا صَغِيرٌ وَلَا كَبِيرٌ وَلَا جَنِينٌ وَلَا غَيْرُهُ، فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ لَا يَجُوز تَشْبِيهُهَا بِالْمَقَابِرِ. وَلَا يَجُوزُ الِاسْتِنْجَاءُ فِيهَا.
وَأَمَّا الْوُضُوءُ فَفِي كَرَاهَتِهِ فِي الْمَسْجِدِ نِزَاعٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ وَالْأَرْجَحُ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ إلَّا أَنْ يَحْصُلَ مَعَهُ امْتِخَاطٌ أَو بُصَاقٌ فِي الْمَسْجِدِ.
وَلَا تُغَسَّلُ الْمَوْتَى فِي الْمَسْجِدِ. [٢٢/ ٢٠٣ - ٢٠٤]
٢٤٢٥ - يُصَانُ الْمَسْجِدُ عَمَّا يُؤْذِيهِ وَيُؤْذِي الْمُصَلِّينَ فِيهِ حَتَّى رَفْعُ الصِّبْيَانِ أَصْوَاتَهُم فِيهِ، وَكَذَلِكَ تَوْسِيخُهُم لِحُصْرِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، لَا سِيَّمَا إنْ كَانَ وَقْتَ الصَّلَاةِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ مِن عَظِيمِ الْمُنْكرَاتِ (٢) . [٢٢/ ٢٠٤] الحواشي
(١) وينبغي أن يصون المسلم المسجد كذلك عن إلقاء أجزاء السواك الباقي في الفم.(٢) وقد وقع في هذا المنكر بعض حلقات التحفيظ في المساجد، حيث يكثر لغط الصبيان فيه =стр. 1793
٢٤٢٦ - أَصْلُ السُّؤَالِ: مُحَرَّمٌ فِي الْمَسْجِدِ وَخَارجَ الْمَسْجِدِ إلَّا لِضَرُورَة، فَإِنْ كَانَ بِهِ ضَرُورَةٌ، وَسَأَلَ فِي الْمَسْجِدِ، وَلَمْ يُؤْذِ أَحَدًا بِتَخَطِّيهِ رِقَابَ النَّاسِ وَلَا غيْرِ تَخَطِّيهِ، وَلَمْ يَكْذِبْ فِيمَا يَرْوِيهِ ويذْكُرُ مِن حَالِهِ، وَلَمْ يَجْهَرْ جَهْرًا يَضُرُّ النَاسَ؛ مِثْل أَنْ يَسْأَلَ وَالْخَطِيبُ يَخْطُبُ، أَو وَهُم يَسْمَعُونَ عِلْمًا يَشْغَلُهُم بِهِ وَنَحْو ذَلِكَ جَازَ (١) . [٢٢/ ٢٠٦]
* * * الحواشي
(١) إذا خلا سؤال السائلين فى المسجد عن المحاذير التي ذكرها الشيخ: فقد نص العلماء على جوازه وإن كان خلاف الأُوْلى؛ لعموم قول النبي ﷺ : فإن المساجد لم تُبنَ لهذا. أخرجه مسلم.
وقد أجابت اللجنة الدائمة للإفتاء في المملكة رقم(١٦٦) بقريب من جواب الشيخ حينما سُئلوا عن السؤال في المسجد، ورأوا الجواز إذا خلت المسألة من المحاذير.
وسئل الإمام عبد العزيز بن باز ﵀: بعض المتسولين يسألون في المساجد وبعض الأئمة يمنعونهم من السؤال، فهل لديهم دليل على منعهم؟ وهل يجوز إعطاؤهم؟
فأجاب: لا أعلم بأسًا في ذلك ولا أعلم حجة لمن منعه، لكن إذا كان السائلون يتخطون رقاب الناس ويمشون بين الصفوف فينبغي منعهم، لما في عملهم هذا من إيذاء المصلين، وهكذا وقت الخطبة يجب أن يمنعوا لوجوب الإنصات عليهم وعلى غيرهم من المصلين، ولأن سؤالهم في هذه الحال يشغل غيرهم عن استماع الخطبة. اهـ. مجموع الفتاوى (١٤/ ٣٢٠).
وقال السيوطي ﵀: السؤال في المسجد مكروه كراهة تنزيه، وإعطاء السائل فيه قربة يثاب عليها وليس بمكروه فضلًا عن أن يكون حرامًا، هذا هو المنقول والذي دلت عليه الأحاديث، أما النقل فقال النووي في شرح المهذب في باب الغسل: فرع لا بأس بأن يعطي السائل في المسجد شيئًا لحديث عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "هل منكم أحد أطعم اليوم مسكينًا؟ " فقال أبو بكر دخلت المسجد فإذا أنا بسائل يسأل فوجدت كسرة خبز في يد عبد الرحمن فأخذتها فدفعتها. رواه أبو داود بإسناد جيد- هذا كلام شرح المهذب بحروفه، والحديث الذي أورده فيه دليل للأمرين معًا أن الصدقة عليه ليست مكروهة، وأن السؤال في المسجد ليس بمحرم؛ لأنه ﷺ اطّلع على ذلك بإخبار الصديق ولم ينكره، ولو كان حرامًا لم يقر عليه بل كان يمنع السائل من العود إلى السؤال في المسجد، وبذلك يعرف أن النهي عن السؤال في المسجد إن ثبت محمول على الكراهة والتنزيه. انتهى. يُنظر: الحاوي للفتاوي، للسيوطي (١/ ٨٧).стр. 1794
اللباس
٢٤٢٧ - في سِيرِ الذَّهَبِ فِي (بَابِ اللِّبَاسِ) عَن أَحْمَد أقْوَالٌ أَحَدُهَا: الرُّخْصَةُ مُطْلَقًا؛ لِحَدِيثِ مُعَاوِيةَ "نَهَى عَنِ الذَّهَبِ إلَّا مُقَطَّعًا" (١) ، وَلَعَلَّ هَذَا الْقَوْلَ أَقْوَى مِن غَيْرِهِ.
وَلهَذَا فَرَّقَ أَحْمَد وَغَيْرهُ بَيْنَ يَسِيرِ الْحَرِيرِ مُفْرَدًا كَالتِّكَّةِ فَنَهَى عَنْهُ، وبَيْنَ يَسِيرِه تبَعًا كَالْعَلَمِ؛ إذِ الِاسْتِثْنَاءُ وَقَعَ فِي هَذَا النَّوْعِ فَقَطْ.
فَكمَا يُفَرَّقُ فِي الرُّخْصَةِ بَيْنَ الْيَسِيرِ وَالْكَثِيرِ: فَيفَرَّقُ بَيْنَ التَّابعِ وَالْمُفْرَدِ، وَيُحْمَلُ حَدِيثُ مُعَاوِيَةَ "إلَّا مُقَطَّعًا" عَلَى التَّابعِ لِغَيْرِهِ. [٢٢/ ٨٧ - ٨٨]
٢٤٢٨ - مَن تَرَكَ لُبْسَ الرَّفِيعِ مِنَ الثِّيابِ تَوَاضُعًا للهِ -لَا بُخْلًا (٢) وَلَا الْتِزَامًا لِلتَّرْكِ مُطْلَقًا (٣) -: فَإِنَّ اللهَ يُثيبُهُ عَلَى ذَلِكَ، وَيَكسُوهُ مِن حُلَلِ الْكَرَامَةِ.
وَتُكْرَة الشُّهْرَةُ مِنَ الثِّيَاب، وَهوَ الْمُتَرَفِّعُ الْخَارجُ عَنِ الْعَادَةِ، وَالْمُتَخَفِّضُ الْخَارجُ عَنِ الْعَادَةِ؛ فَإِنًّ السَّلَفَ كَانُوا يَكْرَهُونَ الشهرتين: الْمُتَرَفِّعَ وَالْمُتَخَفِّضَ.
والْفِعْلُ الْوَاحِدُ فِي الظَّاهِرِ يُثَابُ الْإِنْسَانُ عَلَى فِعْلِهِ مَعَ النِّيَّةِ الصَّالِحَةِ وَيُعَاقَبُ عَلَى فِعْلِهِ مَعَ النّيَّةِ الْفَاسِدَةِ، فَمَن حَجَّ مَاشِيًا لِقُوَّتِهِ عَلَى الْمَشْيِ وَآثَرَ بِالنَّفَقَةِ كَانَ مَأجُورًا أَجْرَيْنِ: أَجْرَ الْمَشْيِ وَأَجْرَ الْإِيثَارِ. الحواشي
(١) رواه أبو داود(٤٢٣٩) ، والنسائي(٥١٤٩) ، وصحَّحه الألبانيّ.(٢) فمن ترك لبس الرفيع بخلًا فلا يُحمد ولا يُؤجر.(٣) فمن ترك لبس الرفيع على وجه الدوام، وامتنع من ذلك ولو جاءه على وجه الهدية: فهو أمر غير محمود، وهو دليل على التكلف المنهي عنه.стр. 1795
وَمَن حَجَّ مَاشِيًا بُخْلًا بِالْمَالِ، وإضْرَارًا (١) بِنَفْسِهِ: كَانَ آثِمًا إثْمَيْنِ: إثْمَ الْبُخْلِ وَإِثْمَ الْإِضْرَارِ.
وَمَن حَجَّ رَاكِبًا لِضَعْفِهِ عَنِ الْمَشْيِ، وَللِاسْتِعَانَةِ بِذَلِكَ عَلَى رَاحَتِهِ لِيَتَقَوَّى بِذَلِكَ عَلَى الْعِبَادَةِ: كَانَ مَأجُورًا أَجْرَيْنِ.
وَمَن حَجَّ رَاكِبًا يَظْلِم الْجَمَّالَ وَالْحَمَّالَ كَانَ آثِمًا إثْمَيْنِ.
وَكَذَلِكَ اللِّبَاسُ: فَمَن تَرَكَ جَمِيلَ الثِّيُابِ بُخْلًا بِالْمَالِ لَمْ يَكُن لَهُ أَجْرٌ.
وَمَن تَرَكَهُ مُتَعَبِّدًا بِتَحْرِيمِ الْمُبَاحَاتِ كَانَ آثِمًا.
وَمَن لَبِسَ جَمِيلَ الثِّيَابِ إظْهَارًا لِنِعْمَةِ اللهِ وَاسْتِعَانَةً عَلَى طَاعَةِ اللهِ: كَانَ مَأجُورًا.
وَمَن لَبِسَهُ فَخْرًا وَخُيَلَاءَ: كَانَ آثِمًا؛ فَإِن اللهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ. [٢٢/ ١٣٨ - ١٣٩]
٢٤٢٩ - إِنَّمَا كُسْوَةُ الْمَرْأَةِ: مَا يَسْتُرُهَا فَلَا يُبْدِي جِسْمَهَا وَلَا حَجْمَ أَعْضَائِهَا؛ لِكَوْنِهِ كَثِيفًا (٢) وَاسِعًا ..
وَمِن هُنَا يَظْهَرُ الضَّابِطُ فِي نَهْيِهِ ﷺ عَن تَشَبُّهِ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ وَعَن تَشَبُّهِ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ، وَأَنَّ الْأَصْلَ فِي ذَلِكَ لَيْسَ هُوَ رَاجِعًا إلَى مُجَرَّدِ مَا يَخْتَارُهُ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ ويشْتَهُونَهُ وَيَعْتَادُونَهُ، فَإِنَّهُ لَو كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ إذَا اصْطَلَحَ قَوْمٌ عَلَى أَنْ يَلْبَسَ الرِّجَالُ الْخُمُرَ الَّتِي تُغَطّي الرَّأسَ وَالْوَجْهَ وَالْعُنُقَ، وَالْجَلَابِيبَ الَّتِي تُسْدَلُ مِن فَوْقِ الرُّؤُوسِ حَتَّى لَا يَظْهَرَ مِن لَابِسِهَا إلَّا الْعَيْنَانِ، وَأَنْ تَلْبَسَ النّسَاءُ الْعَمَائِمَ وَالْأَقْبِيَةَ الْمُخْتَصَرَةَ وَنَحْو ذَلِكَ: أَنْ يَكُونَ هَذَا سَائِغًا!
وَهَذَا خِلَافُ النَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ. الحواشي
(١) في الأصل: بدون الواو، ولعل الصواب إثباتها.(٢) الكَثِيف من الثياب: هُوَ الثَخين الْغَلِيظُ، فلا يجوز أن يكون لباس المرأةِ شفَّافًا رقيقًا يصف البَشَرة.стр. 1796
فَلَو كَانَ اللِّبَاسُ الْفَارِقُ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ مُسْتَنَدُهُ مُجَرَّدَ مَا يَعْتَادُهُ النِّسَاءُ أَو الرِّجَالُ بِاخْتِيَارِهِمْ وَشَهْوَتِهِمْ: لَمْ يَجِبْ انْ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ الْجَلَابِيبَ وَلَا أَنْ يَضْرِبْنَ بِالْخُمُرِ عَلَى الْجُيُوبِ وَلَمْ يُحَرَّمْ عَلَيْهِنَّ التَّبَرُّجُ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأولَى؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ عَادَةً لِأولَئِكَ.
فَالْفَارِق بَيْنَ لِبَاسِ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ: يَعُودُ إلَى مَا يَصْلُحُ لِلرِّجَالِ وَمَا يَصْلُحُ لِلنِّسَاءِ، وَهُوَ مَا يُنَاسِبُ مَا يُؤْمَرُ بِهِ الرِّجَالُ وَمَا تُؤْمَرُ بِهِ النِّسَاءُ.
فَالنِّسَاءُ مَأْمُورَاتٌ بِالِاسْتِتَارِ وَالِاحْتِجَابِ دُونَ التَّبَرجِ وَالظُّهُورِ؛ وَلهَذَا لَمْ يُشْرَعْ لَهَا رَفْعُ الصَّوْتِ فِي الْأذَانِ وَلَا التَّلْبِيَةِ وَلَا الصُّعُودُ إلَى الصَّفَا والمروة وَلَا التَّجَرُّدُ فِي الْإِحْرَامِ كما يَتَجَرَّدُ الرَّجُلُ.
فَإِنَّ الرَّجُلَ مَأمُورٌ أَنْ يَكْشِفَ رَأسَهُ، وَأَنْ لَا يَلْبَسَ الثِّيَابَ الْمُعْتَادَةَ وَهِيَ الَّتِي تُصْنَعُ عَلَى قَدْرِ أَعْضَائِهِ.
وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَإِنَّهَا لَمْ تُنْهَ عَن شَيء مِنَ اللِّبَاسِ؛ لِأنَّهَا مَأْمُورَةٌ بِالِاسْتِتَارِ وَالِاحْتِجَاب، فَلَا يَشْرَعُ لَهَا ضِدُّ ذَلِكَ، لَكِنْ مُنِعَتْ أَنْ تَنْتَقِبَ وَأَنْ تَلْبَسَ الْقُفَّازينِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لِبَاسٌ مَصْنُوعٌ عَلَى قَدْرِ الْعُضْوِ وَلَا حَاجَةَ بِهَا إلَيْهِ.
وَقَد تَنَازَعَ الْفُقَهَاءُ: هَل وَجْهُهَا كَرَأسِ الرَّجُلِ أو كَيَدَيْهِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ، فَمَن جَعَلَ وَجْهَهَا كَرَأسِهِ أَمَرَهَا إذَا سَدَلَتْ الثَّوْبَ مِن فَوْقِ رَأسِهَا أَنْ تُجَافِيَهُ عَنِ الْوَجْهِ، كَمَا يُجَافَى عَنِ الرَّأسِ مَا يُظَلَّلُ بِهِ.
وَمَن جَعَلَهُ كَالْيَدَيْنِ -وَهُوَ الصَّحِيحُ- قَالَ: هِيَ لَمْ تُنْهَ عَن سَتْرِ الْوَجْهِ، وَإِنَّمَا نُهِيَتْ عَن الِانْتِقَابِ، كَمَا نُهِيَتْ عَن الْقُفَّازَيْنِ؛ وَذَلِكَ كَمَا نُهي الرَّجُل عَن الْقَمِيصِ وَالسَّرَاوِيلِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَفِي مَعْنَاهُ الْبُرْقُعُ وَمَا صُنِعَ لِسَتْرِ الْوَجْهِ.
فَأَمَّا تَغْطِيَةُ الْوَجْهِ بِمَا يُسْدَلُ مِن فَوْقِ الرَّأسِ: فَهُوَ مِثْلُ تَغْطيَتِهِ عِنْدَ النَّوْمِ بِالْمِلْحَفَةِ وَنَحْوِهَا، وَمِثْلُ تَغْطِيَةِ الْيَدَيْنِ بِالْكُمَّيْنِ، وَهِيَ لَمْ تُنْهَ عَن ذَلِكَ.
стр. 1797
فَلَو أَرَادَ الرِّجَالُ أَنْ يَنْتَقِبُوا ويتبرْقَعُوا ويدَعُوا النِّسَاءَ بَادِيَاتِ الْوُجُوهِ لَمُنِعُوا مِن ذَلِكَ.
وَأَصلُ هَذَا: أَنْ تَعْلَمَ أَنَ الشَّارعَ لَهُ مَقْصُودَانِ:
أَحَدُهُمَا: الْفَرْقُ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ.
والثَّاني: احْتِجَابُ النِّسَاءِ.
فَلَو كَانَ مَقْصُودُهُ مُجَرَّدَ الْفَرْقِ لَحَصَلَ ذَلِكَ بِأَيِّ وَجْهٍ حَصَلَ بِهِ الِاخْتِلَافُ، وَقَد تَقَدَّمَ فَسَادُ ذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ أَيْضًا: لَيْسَ الْمَقْصُودُ مُجَرَّدَ حَجْبِ النِّسَاءِ وَسَتْرِهِنَّ دُونَ الْفَرْقِ بَيْنَهُنَّ وَبَيْنَ الرِّجَالِ؛ بَلِ الْفَرْقُ أَيْضًا مَقْصُود، حَتَّى لَو قُدِّرَ أَنَّ الصِّنْفَيْنِ اشْتَرَكُوا فِيمَا يَسْتُرُ ويحْجُبُ بِحَيْثُ يُشْتبهُ لِبَاسُ الصِّنْفَيْنِ لنهُوا عَن ذَلِكَ.
وَقَد بَسَطْنَا هَذِهِ الْقَاعِدَةَ فِي "اقْتِضَاءِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ لِمُخَالَفَةِ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ" وَبَيَّنَّا أَنَّ الْمُشَابَهَةَ فِي الْأُمُورِ الظاهِرَةِ تُورِثُ تَنَاسُبَا وَتَشَابُهَا فِي الْأخْلَاقِ وَالْأَعْمَالِ.
وَإِذَا تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِن أَنْ يَكُونَ بَيْنَ لِبَاسِ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فَرْق يَتَمَيَّزُ بِهِ الرِّجَالُ عَن النِّسَاءِ، وَأَنْ يَكُونَ لِبَاسُ النِّسَاءِ فِيهِ مِن الِاسْتِتَارِ وَالِاحْتِجَابِ مَا يُحَصِّلُ مَقْصُودَ ذَلِكَ: ظَهَرَ أَصْلُ هَذَا الْبَابِ، وَتَبَيَّنَ أَنَّ اللِّبَاسَ إذَا كَانَ غَالِبُهُ لُبْسَ الرِّجَالِ: نُهِيَتْ عَنْهُ الْمَرْأَةُ وإن كَانَ سَاتِرًا؛ كالفراجي الَّتِي جَرَتْ عَادَةُ بَعْضِ الْبِلَادِ أَنْ يَلْبَسَهَا الرِّجَالُ دُونَ النِّسَاء.
وَالنَّهْيُ عَن مَثَلِ هَذَا بِتَغَيُّرِ الْعَادَاتِ.
وَأَمَّا مَا كَانَ الْفَرْقُ عَائِدًا إلَى نَفْسِ السِّتْرِ: فَهَذَا يُؤْمَرُ بِهِ النِّسَاءُ بمَا كَانَ أَسْتَرُ، وَلَو قُدِّرَ أَنَّ الْفَرْقَ يَحْصُلُ بِدُونِ ذَلِكَ، فَإِذَا اجْتَمَعَ فِي اللِّبَاسِ قِلًّةُ السَّتْرِ وَالْمُشَابَهَةُ نُهِيَ عَنْهُ مِن الْوَجْهَيْنِ. [٢٢/ ١٤٦ - ١٥٥]
стр. 1798
٢٤٣٠ - وَأَمَّا الْأَكْلُ وَاللّبَاسُ: فَخَيْرُ الْهَدْي هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَكانَ خُلُقُهُ فِي الْأكْلِ أنَّهُ يَأْكُلُ مَا تَيَسَّرَ إذَا اشْتَهَاهُ، وَلَا يَرُدُّ مَوْجُودًا وَلَا يَتَكَلَّفُ مَفْقُودًا .. فَلَمْ يَكُن إذَا حَضَرَ لَوْنَانِ مِن الطَّعَامِ يَقُولُ: لَا آكُلُ لَوْنَيْنِ، وَلَا يَمْتَنِعُ مِن طَعَامٍ لِمَا فِيهِ مِن اللَّذَةِ وَالْحَلَاوةِ.
وَكَذَلِكَ اللِّبَاسُ: كَانَ يَلْبَسُ الْقَمِيصَ وَالْعِمَامَةَ ويلْبَسُ الْإِزَارَ وَالرّدَاءَ، ويلْبَسُ الْجُبَّةَ وَالْفَرُّوجَ، وَكَانَ يَلْبَسُ مِن الْقُطْنِ وَالصُّوفِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
فَسُنَّتُهُ فِي ذَلِكَ تَقْتَضِي أنْ يَلْبَسَ الرَّجُلُ ويطْعَمَ مِمَّا يَسَّرَهُ اللهُ بِبَلَدِهِ مِن الطَّعَامِ وَاللِّبَاسِ، وَهَذَا يَتَنَوَّع بِتَنَوُّعِ الْأَمْصَارِ. [٢٢/ ٣١٠ - ٣١١]
* * *
(مَا حَرُمَ عَلَى الرّجَلِ فِعْلُه حَرُمَ عَلَيْهِ أَنْ يُمَكِّنَ مِنْهُ الصَّغِير)
٢٤٣١ - لِبَاسُ الْحَرِيرِ لِلصِّبْيَانِ الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا: فِيهِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ لِلْعُلَمَاءِ، لَكِنْ أَظْهَرُهُمَا: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ؛ فَإِنَّ مَا حَرُمَ عَلَى الرّجلِ (١) فِعْلُهُ حَرُمَ عَلَيْهِ أَنْ يُمَكِّنَ مِنْهُ الصَّغِيرَ؛ بَل عَلَيْهِ أَنْ يَأمُرَهُ بِالصَّلَاةِ إذَا بَلَغَ سَبْعَ سِنِينَ، وَيَضْرِبهُ عَلَيْهَا إذَا بَلَغَ عَشَرًا، فَكيْفَ يَحِلُّ لَه أَنْ يُلْبِسَهُ الْمُحَرَّمَاتِ؟
وَقَد رَأَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَلَى صَبِيٍّ لِلزُّبَيْرِ ثَوْبًا مِن حَرِيرٍ فَمَزَّقَهُ وَقَالَ: لَا تُلْبِسُوهم الْحَرِيرَ.
وَكَذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ (٢) مَزَّقَ ثَوْبَ حَرِيرٍ كَانَ عَلَى ابْنِهِ (٣) . الحواشي
(١) في الأصل: (الرِّجَالِ)، ولعل الصواب المثبت، وقد جاءت هذه الفتوى في موضع آخر، وذكر فيها لفظ الإفراد، كما في (٢٢/ ١٤٣).(٢) في (٢٢/ ١٤٣): ابْنُ مَسْعُودٍ.(٣) وقال في موضع آخر: مَا حَرُمَ عَلَى الرِّجَالِ الْبَالِغِينَ فَعَلَى الْوَلِيِّ أَنْ يُجَنِّبُهُ الصِّبْيَانَ. اهـ. (٣٠/ ٥١) فلا يجوز إلباس البنات الصغيرات المميزات لباسًا قصيرًا أو ضيّقًا أو شفّافًا.стр. 1799
٢٤٣٢ - مَا حَرُمَ لُبْسُهُ لَمْ تَحِلَّ صِنَاعَتُهُ وَلَا بَيْعُهُ لِمَن يَلْبَسُهُ مِن أَهْلِ التَّحْرِيمِ.
وَأَمَّا إذَا بِيعَ الْحَرِيرُ لِلنِّسَاءِ فَيَجُوزُ، وَكَذَلِكَ إذَا بِيعَ لِكَافِرٍ؛ فَإِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أرْسَلَ بِحَرِيرٍ أَعْطَاهُ إيَّاهُ النَّبِيُّ ﷺ إلَى رَجُلٍ مُشْرِكٍ (١) . [٢٩/ ٢٩٨ - ٢٩٩]
* * *
(اللباس والزي الذي يتخذه بعض النُّساك والفُقهاء شعارًا)
٢٤٣٣ - اللباس والزي الذي يتخذه بعض النساك من الفقراء والصوفية والفقهاء وغيرهم بحيث يصير شعارًا فارقًا، كما أُمر أهل الذمة بالتميز عن المسلمين في شعورهم وملابسهم، فيه مسألتان:
المسألة الأولى: هل يشرع ذلك استحبابًا لتمييز الفقير والفقيه من غيره؟ فإن طائفة من المتأخرين استحبوا ذلك، وأكثر الأئمة لا يستحبون ذلك؛ بل قد كانوا يكرهونه لما فيه من التميز عن الأمة وبثوب الشهرة.
المسألة الثانية: أن لبس المرقعات والمصبغات والصوف من العباءة وغير ذلك فالناس فيه على ثلاثة طرق.
والصواب: أنه جائز كلبس غير ذلك، وأنه يستحب أن يرقع الرجل ثوبه للحاجة، كما رقع عمر ثوبه وعائشة وغيرهما من السلف، وكما لبس قوم الصوف للحاجة، ويلبس أيضًا للتواضع والمسكنة مع القدرة على غيره، كما جاء في الحديث: " من ترك جيد اللباس وهو يقدر عليه تواضعًا لله كساه الله من حلل الكرامة يوم القيامة " (٢) . الحواشي
(١) رواه البخاري(٨٨٦) ، ومسلم(٢٠٦٨) .(٢) رواه الترمذي(٢٤٨١) ، وحسَّنه، بلفظ: "من ترك اللباس تواضعًا لله وهو يقدر عليه، دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتى يُخَيِّره من أي حلل الإيمان شاء يلبسها".стр. 1800
فأما تقطيع الثوب الصحيح وترقيعه فهذا فساد وشهرة، وكذلك تعمد صبغ الثوب لغير فائدة، أو حك الثوب ليظهر التحتاني، أو المغالاة في الصوف الرفيع ونحو ذلك مما فيه إفساد المال ونقص قيمته، أو فيه إظهار التشبه بلباس أهل التواضع والمسكنة مع ارتفاع قيمته وسعره، فإن هذا من النفاق والتلبيس.
فهذان النوعان فيهما إرادة العلو في الأرض بالفساد. والدار الآخرة للذين لا يريدون علوًّا في الأرض ولا فسادًا، مع ما في ذلك من النفاق.
وأيضًا: فالتقيد بهذه اللبسة بحيث يَكرَهُ اللابس غيرها أو يُكْرِة أصحابه ألا يلبسوا غيرها هو أيضًا منهي عنه. [المستدرك ١/ ١٥٦ - ١٥٧]
* * *
стр. 1801
كتاب الصلاة
٢٤٣٤ - تنازع الناس في اسم الصلاة: هل هو من الأسماء المنقولة عن مسماها في اللغة، أو أنها باقية على ما كانت عليه في اللغة، أو أنها تصرف فيها الشارع تصرف أهل العرف، فهي بالنسبة إلى عرف أهل اللغة مجاز، وبالنسبة إلى عرف الشرع حقيقة؟ على ثلاثة أقوال.
والتحقيق: أن الشارع لم يغيرها، ولكن استعملها مقيدة لا مطلقة كما يستعمل نظائرها؛ كقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] فذكر بيتًا خاصًّا، فلم يكن لفظ الحج متناولًا لكل قصد؛ بل لقصد مخصوص دلَّ عليه اللفظ نفسه (١) . [المستدرك ٣/ ٥٣]
٢٤٣٥ - صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي "صَحِيحِ مُسْلِمٍ" وَغَيْرِهِ مِن حَدِيثِ أَبِي ذَرِّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ وَجَاءَ مِن حَدِيثِ غَيْرِهِمَا: أَنَّهُ "يَقْطَعُ الصَّلَاةَ الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ وَالْمَرْأَةُ وَالْحِمَارُ" وَفَرَّقَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ الْكَلْبِ الْأَسْوَدِ وَالْأَحْمَرِ وَالْأَبْيَضِ: بِأَنَّ "الْأَسْوَدَ شَيْطَانٌ".
وَصَحَّ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إنَّ الشَّيْطَانَ تَفَلَّتَ عَلَيَّ الْبَارِحَةَ لِيَقْطَعَ صلَاِتِي فَأَخَذْته فَأَرَدْت أَنْ أَرْبُطَهُ إلَى سَارِيَةٍ مِن سَوَارِي الْمَسْجِدِ" (٢) الْحَدِيثَ، فَأَخْبَرَ أَنَّ الشَّيْطَانَ أَرَادَ أَنْ يَقْطَعَ عَلَيْهِ صَلَاتَهُ، فَهَذَا أَيْضًا يَقْتَضي أَنَّ مُرُورَ الشَّيْطَانِ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ؛ فَلِذَلِكَ أَخَذَ أَحْمَد بِذَلِكَ فِي الْكَلْبِ الْأَسْوَدِ، وَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي الْمَرْأَةِ وَالْحِمَارِ؛ لِأَنَّهُ عَارَضَ هَذَا الْحَدِيثَ حَدِيثُ عَائِشَةَ لَمَّا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الحواشي
(١) الاختيارات(٣٠) ، وهذا النقل أتم ممَّا في المجموع. (الجامع).(٢) البخاري(٣٤٢٣) .стр. 1802
وَهِيَ فِي قِبْلَتِهِ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ لَمَّا اجْتَازَ عَلَى أَتَانِهِ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ وَالنَّبِي ﷺ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ بِمِنًى.
مَعَ أَنَّ الْمُتَوَجَّهَ أَنَّ الْجَمِيعَ يَقْطَعُ وَأَنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَ الْمَارِّ وَاللَّابِثِ. [٢١/ ١٤]
٢٤٣٦ - إذَا ثَبَتَ أَنَّ حَدِيثَ ذِي الْيَدَيْنِ مُحْكَمٌ: ثَبَتَ بِهِ أَنَّ مِثْل ذَلِكَ الْكَلَامِ وَالْفِعَالِ لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ، وَهُنَا أَقْوَالٌ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ: فَعَنْة أَنَّ كَلَامَ النَّاسي وَالْمُخْطِئ لَا يُبْطِلُ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَهُوَ أقْوَى الْأَقْوَالِ، وَمِمَّا يُؤَيّدُهُ حَدِيثُ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِي لَمَّا شَمَّتَ الْعَاطِسَ فِي الصَّلَاةِ فَلَمَّا سَمِعَهُ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ لَهُ: " إنَّ صَلَاَتنَا هَذِهِ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيءٌ مِن كَلَامِ الْآدَمِيِّينَ " (١) .
وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالْإِعَادَةِ، وَهَذَا كَانَ جَاهِلًا بِتَحْرِيمِ الْكَلَامِ.
وَعَلَى هَذَا يُقَالُ: الْجَاهِل لَمْ يَبْلُغْهُ حُكْمُ الْخِطَابِ.
وَقَد يُفَرَّقُ بَيْنَ النَّاسِي وَالْجَاهِلِ: ألَا تَرَى مَن نَامَ عَن صَلَاةٍ أَو نَسِيَهَا فَإِنَّهُ يُعِيدُهَا بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ؟.
وَأَمَّا الْجَاهِلُ فَلَو صَلَّى غَيْرَ عَالِم بِوُجُوبِ الْوُضُوءِ مِن لَحْمِ الْإِبِلِ أَو صَلَّى فِي مَبَارِكِهَا غَيْرَ عَالِمٍ بِالنَّهْيِ ثُمَّ بَلَغَهُ: فَفِي الْإِعَادَةِ رِوَايَتَانِ، لَكِنَّ الْأَظْهَرَ فِي الْحُجَّةِ أَنَّهُ لَا يُعِيدُ. [٢١/ ١٦٠ - ١٦١]
٢٤٣٧ - قَوْلُهُ: "أَقرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِن رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ" (٢) ؛ أَيْ: مِن الْأَفْعَالِ، فَلَمْ تَدْخُلْ الْأقْوَالُ فِي ذَلِكَ.
وَيُفَرَّقُ بَيْنَ الْأقْرَبِ وَالْأَفْضَلِ، فَقَد يَكون بَعْضُ الْأعْمَالِ أَفْضَلَ مِن السُّجُودِ وَإِن كَانَ فِي السُّجُودِ أَقْرَبَ؛ كَالْجِهَادِ فَإِنَّهُ سَنَامُ الْعَمَلِ. [٢١/ ٢٩٣ - ٢٩٤]
٢٤٣٨ - قَالَ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ: إنَّ الصَّبِيَّ إذَا صَلَّى ثُمَّ بَلَغَ لَمْ يُعِد الصَّلَاةَ؛ الحواشي
(١) رواه مسلم(٥٣٧) .(٢) رواه مسلم(٤٨٢) .стр. 1803
لِأَنَّهَا تِلْكَ الصَّلَاةُ بِعَيْنِهَا سَابَقَ إلَيْهَا قَبْلَ وَقْتِهَا، وَهُوَ قَوْلٌ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد، وَهَذَا الْقَوْلُ أقْوَى مِن إيجَابِ الْإِعَادَةِ، وَمَن أوْجَبَهَا قَاسَهُ عَلَى الْحَجِّ وَبَيْنَهُمَا فَرْقٌ. [٢١/ ٣٧٧]
٢٤٣٩ - هَذَا الْحَدِيثُ: "كُلُّ صَلَاةٍ لَمْ تَنْهَ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ لَمْ يَزْدَدْ صَاحِبُهَا مِنَ اللهِ إلا بُعْدًا" (١) : لَيْسَ بِثَابِتٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، لَكِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ كَمَا ذَكَرَ اللهُ فِي كِتَابِهِ، وَبِكُلِّ حَالٍ فَالصَّلَاةُ لَا تَزِيدُ صَاحِبَهَا بُعْدًا؛ بَلِ الَّذِي يُصَلِّي خَيْرٌ مِنَ الَّذِي لَا يُصَلِّي، وَأَقْرَبُ إلَى اللّهِ مِنْهُ وَإِن كَانَ فَاسِقًا. [٢٢/ ٥ - ٦]
٢٤٤٠ - صَلَاةُ السَّكرَانِ الَّذِي لَا يَعْلَمُ مَا يَقُولُ لَا تَجُوزُ بِاتِّفَاقِ؛ بَل وَلَا يَجُوزُ أنْ يُمَكَّنَ مِن دُخُولِ الْمَسْجِدِ. [٢٢/ ٦]
٢٤٤١ - يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُطَاعٍ أَنْ يَأْمُرَ مَن يُطِيعُهُ بِالصَّلَاةِ، حَتَّى الصِّغَارَ الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مُرُوهُم بِالصَّلَاةِ لِسَبْعِ، وَاضْرِبُوهُم عَلَيْهَا لِعَشْر، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُم: في الْمَضَاجعِ" (٢) . [٢٢/ ٥٠]
٢٤٤٢ - لَيْسَتْ [أي: الْبِيَع وَالْكَنَائِس] بُيُوتَ اللّهِ، وإنَّمَا بيُوتُ اللهِ الْمَسَاجِدُ؛ بَل هِيَ بُيُوتٌ يُكْفَرُ فِيهَا بِاللّهِ.
وَأمَّا الصَّلَاةُ فِيهَا فَفِيهَا ثَلَاثَةُ اقْوَالٍ لِلْعُلَمَاءِ فِي مَذْهَبِ أحْمَد وَغَيْرِهِ:
أ- الْمَنْعُ مُطْلَقًا، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ.
ب- وَالْإِذْنُ مُطْلَقًا، وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أصْحَابِ أَحْمَد.
ج- وَالثالِثُ: وَهُوَ الصَّحِيحُ الْمَأثُورُ عَن عُمَرَ بْنِ الْخَطَّاب وَغَيْرِهِ وَهُوَ مَنْصُوصٌ عَن أحْمَد وَغَيْرِهِ: أَنَّهُ إنْ كَانَ فِيهَا صُوَرٌ لَمْ يُصَلَّ فِيهَا؛ لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ الحواشي
(١) قال ابن كثير ﵀ بعد أن ساق الحديث-: وَالْأصحُّ فِي هَذَا كُلَّهِ الْمَوْقُوفَاتُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عَبَّاسِ، وَالْحَسَنِ وقَتَادَةَ، وَالأعْمَشِ وَغَيْرِهِمْ. تفسير ابن كثير (٦/ ٢٨١).(٢) صحَّحه الألباني في حجاب المرأة(٢٢) .стр. 1804
لَا تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ، وَلأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَدْخُلْ الْكَعْبَةَ حَتَّى مُحِيَ مَا فِيهَا مِن الصُّوَرِ، وَكَذَلِكَ قَالَ عُمَرُ: إنَّا كُنَّا لَا نَدْخُلُ كَنَائِسَهُم وَالصُّوَرُ فِيهَا.
وَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الْمَسْجِدِ الْمَبْنِيِّ عَلَى الْقَبْرِ (١) .
وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُن فِيهَا صُوَرٌ فَقَد صَلَّى الصَّحَابَةُ فِي الْكَنِيسَةِ. [٢٢/ ١٦٢ - ١٦٣]
٢٤٤٣ - الصَّلَاةُ عَلَى السَّجَّادَةِ بِحَيْثُ يَتَحَرَّى الْمُصَلِّي ذَلِكَ: لَمْ تَكُنْ هَذِهِ سُنَّةَ السَّلَفِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَمَن بَعْدَهُم مِن التَّابِعِينَ لَهُم بِإِحْسَانٍ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللّهِ ﷺ ؛ بَل كَانُوا يُصَلُّونَ فِي مَسْجِدِهِ عَلَى الْأَرْضِ لَا يَتَّخِذُ أَحَدُهُم سَجَّادَةً يَخْتَصُّ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهَا (٢) . الحواشي
(١) فالصلاة فيه لا تجوز حتى يزال القبر.(٢) قال ابن القيِّم ﵀: كذلك ترى أحدهم لا يصلِّي إلا على سجادة، ولم يصلِّ ﵇ على سجادة قط، ولا كانت السجادة تفرش بين يديه، بل كان يصلِّي على الأرض، وربما سجد في الطين، وكان يصلِّي على الحصير فيصلي على ما اتفق بسطه، فإن لم يكن ثمة شيء صلَّى على الأرض. إغاثة اللهفان(١٢٦) .
ولا يعني هذا أن الصلاة على السجاد مكروهة أو بدعة، وإنما المحذور تقصد ذلك كما يفعله الكثير من النساء في هذا الزمان، فلا تكاد تجد امرأة تصلي إلا على سجاد.
وقد صحت أحاديث كثيرة في الصلاة على السجاد والحصير، منها:
ما رواه البخاري(٣٢٦) ، ومسلم(٥١٣) ، عن ميمونة زوج النبي ﷺ أنها كانت تكون حائضًا لا تصلي وهي مفترشة بحذاء مسجد رسول الله ﷺ وهو يصلي على خمرته، إذا سجد أصابني بعض ثوبه.
وما رواه البخاري(٣٧٣) ، ومسلم(٦٥٨) ، عن أنس بن مالك أن جدته مليكة دعت رسول الله ﷺ لطعام صنعته له فأكل منه ثم قال: قوموا فلأصلِّ لكم، قال أنس: فقمت إلى حصير لنا قد اسودَّ من طول ما لبس فنضحته بماء، فقام رسول الله ﷺ وصففتُ واليتيم وراءه، والعجوز من ورائنا، فصلَّى لنا رسول الله ﷺ ركعتين ثم انصرف.
وقد بوَّب عليه البخاري بقوله: باب الصلاة على الحصير.
وما رواه البخاري(٥٥٢٤) ، عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يحتجر حصيرًا بالليل فيصلي عليه ويبسطه بالنهار فيجلس عليه.
وما رواه مسلم(٥١٩) ، عن أبي سعيد الخدري أنه دخل على النبي ﷺ قال: فرأيته يصلي على حصير يسجد عليه.стр. 1805
وَعَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: "كُنَّا نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللّهِ ﷺ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ فَإذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدُنَا أنْ يُمَكِّنَ جَبْهَتَهُ مِنَ الْأَرْضِ بَسَطَ ثَوْبَهُ فَسَجَدَ عَلَيْهِ" (١) . أَخْرَجَهُ صَاحِبُ الصِّحَاحِ؛ كَالْبُخَاريِّ وَمُسْلِمٍ وَأَهْلُ السُّنَنِ وَغَيْرُهُم.
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ: بَيَانُ أَنَّ أَحَدَهُم إنَّمَا كَانَ يَتَّقِي شِدَّةَ الْحَرِّ بِأَنْ يَبْسُطَ ثَوْبَهُ الْمُتَّصِلَ؛ كَإزَاره وَرِدَائِهِ وَقَمِيصِهِ فَيَسْجُدُ عَلَيْهِ.
وَهَذَا بَيِّنٌ أَنَّهُم لَمْ يَكُونُوا يُصَلُّونَ عَلَى سَجَّادَاتٍ؛ بَل وَلَا على حَائِلٍ. [٢٢/ ١٦٣ - ١٦٥]
٢٤٤٤ - فِي "صَحِيحِ مُسْلِمٍ" عَن خباب بْنِ الْأَرَتِّ قَالَ: "شَكوْنَا إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ شِدَّةَ حَرِّ الرَّمْضَاءِ فِي جِبَاهِنَا وَأَكُفِّنَا فَلَمْ يُشْكِنَا" (٢) . الحواشي
(١) رواه البخاري(١٢٠٨) ، ومسلم(٦٢٠) .(٢) وجاء عند البخاري عنه أنه قال: أتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بِبُرْدَةٍ وَهُوَ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ، وَقَد لَقِينَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ شِدَّةً، فَقَلْتُ ألَا تَدْعُو اللهَ؟ فَقَعَدَ وَهُوَ مُحْمَرُّ الْوَجْهِ، فَقَالَ: قَد كَانَ مَن كَانَ قَبلَكُمْ لَيُمَشَّطُ بِأمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ عِظَامِهِ مِن لَحْمٍ أو عَصَبِ، مَا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَن دِينِهِ، ويُوضَعُ الْمِنْشَارُ عَلَى مِفْرَقِ رَأسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَتَيْنِ، مَا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَن دِينِهِ، وَلَيُتِمَّنَّ اللهُ هَذَا الأمْرَ، حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِن صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ، مَا يَخَافُ إِلَّا اللهَ .
قال الحافظ ابن كثير ﵀ -بعد أن ساق الحديثين-: وَالَّذِى يَقَعُ لِي -وَاللهُ أعْلَمُ- أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ- أي: قوله: شَكَوْنَا إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ شِدَّةَ حَرِّ الرَّمْضَاءِ فِي جِبَاهِنَا وَأَكُفَّنَا فَلَمْ يُشْكِنَا- مُخْتَصَرٌ مِنَ الْأوَّلِ، وَهُوَ أنَّهُم شَكَوْا إِلَيْهِ ﷺ مَا يَلْقَوْنَ مِنَ الْمُشرِكِينَ مِنَ التَّعْذِيبِ بِحَرِّ الرَّمْضَاءِ، وَأَنَّهُم يَسحَبُونَهُم عَلَى وُجُوهِهِمْ فَيَتَّقُونَ بِأَكُفِّهِمْ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِن أَنْوَاعِ الْعَذَابِ، وَسَأَلُوا مِنْهُ ﷺ أنْ يَدْعُوَ اللهَ لَهُم عَلَى الْمُشْرِكِينَ، أو يَسْتَنْصِرَ عَلَيْهِمْ، فَوَعَدَهُم ذَلِكَ وَلَمْ يُنْجِزْهُ لَهُم فِي الْحَالَةِ الرَّاهِنَةِ، وَأَخْبَرَهُم عَمَّن كَانَ قَبْلَهُم أَنَّهُم كَانُوا يَلْقَوْنَ مِنَ الْعَذَابِ مَا هُوَ أَشَدُّ مِمَّا أَصَابَهُمْ، وَلَا يَصْرِفُهُم ذَلِكَ عَن دِينِهِمْ، وَيُبَشِّرُهُم أَنَّ اللهَ سَيُتِمُّ هَذَا الْأَمْرَ، وَيُظْهِرُهُ، وَيُعْلِيهِ، وينْشُرُهُ، وينْصُرُهُ فِي الْأقَالِيمِ وَالْآفَاقِ، حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِن صَنْعَاءَ إلَى حَضرَمَوْتَ، لَا يَخَافُ إِلَّا اللهَ وَالذِّئبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ؛ وَلهَذَا قَالَ: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ حَرَّ الرَّمْضَاءِ فِي وُجُوهِنَا وَأكُفِّنَا، فَلَمْ يُشْكنَا؛ أيْ: لَمْ يَدْعُ لَنَا فِي السَّاعَةِ الرَاهِنَةِ.
فَمَنِ اسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى عَدَمِ الْإِبْرَادِ، أو عَلَى وُجُوب مُبَاشَرَةِ الْمُصَلِّىِ بِالْكَفِّ، كَمَا هُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ: فَفِيهِ نَظَرٌ. البداية والنهاية (٤/ ١٥١).стр. 1806
وَقَد ظَنَّ طَائِفَةٌ أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ (١) فِي "مُسْلِمٍ" وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
وَسَبَبُ هَذِهِ الشَّكْوَى: أَنَّهُم كَانُوا يَسْجُدُونَ عَلَى الْأَرْضِ فَتَسْخَنُ جِبَاهُهُم وَأَكُفُّهُمْ، وَطَلَبُوا مِنْهُ أَنْ يُؤَخِّرَ الصَّلَاةَ زِيادَةً عَلَى مَا كَانَ يُؤَخِّرُهَا وَيُبْرِدُ بِهَا فَلَمْ يَفْعَلْ.
وَقَد ظَنَّ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُم طَلَبُوا مِنْهُ أَنْ يَسْجُدُوا عَلَى مَا يَقِيهِمْ مِن الْحَرِّ مِن عِمَامَةٍ وَنَحْوِهَا فَلَمْ يَفْعَلْ، وَجعَلُوا ذَلِكَ حُجَّةً فِي وُجُوبِ مُبَاشَرَةِ الْمُصَلِّي بِالْجَبْهَةِ، وَهَذِهِ حُجَّةٌ ضَعِيفَة لِوَجْهَيْنِ:
أَحَدِهِمَا: أَنَّهُ تَقَدَّمَ حَدِيثُ أَنَسٍ الْمُتَّفَقُ عَلَى صِحَّتِهِ: "وَأَنَّهُم كَانُوا إذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدُهُم أَنْ يُمَكنَ جَبْهَتَهُ مِن الْأَرْضِ بَسَطَ ثَوْبَهُ وَسَجَدَ عَلَيْهِ".
وَالسُّجُودُ عَلَى مَا يَتَّصِلُ بِالْإِنْسَانِ مِن كُمِّهِ وَذَيْلِهِ وَطَرَفِ إزَارِهِ وَرِدَائِهِ فِيهِ النِّزَاعُ الْمَشْهُورُ.
وَقَالَ هِشَامٌ عَن الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللّهِ ﷺ يَسْجُدُونَ وَأَيْدِيهِمْ فِي ثِيَابِهِمْ، وَيَسْجُدُ الرَّجُلُ عَلَى عِمَامَتِهِ. رَوَاهُ البيهقي.
وَقَد اسْتَشْهَدَ بِذَلِكَ الْبُخَارِيُّ فِي بَابِ السُّجودِ عَلَى الثَّوْبِ مِن شِدَّةِ الْحَرِّ فَقَالَ: "وَقَالَ الْحَسَنُ: كَانَ الْقَوْمُ يَسْجُدُونَ عَلَى الْعِمَامَةِ وَالْقَلَنْسُوَةِ ويدَاهُ فِي كُمِّهِ".
وَرَوَى حَدِيثَ أَنَسٍ الْمُتَقَدِّمَ قَالَ: "كُنَّا نُصَلّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَيَضَعُ أَحَدُنَا الثَّوْبَ مِن شِدَّةِ الْحَرِّ فِي مَكَانِ السُّجُودِ".
فَالْأحَادِيثُ وَالْاَثَارُ تَدُل عَلَى أَنَّهُم فِي حَالِ الِاخْتِيَارِ كَانُوا يُبَاشِرُونَ الْأَرْضَ بِالْجِبَاهِ، وَعِنْدَ الْحَاجَةِ كَالْحَرِّ وَنَحْوِهِ يَتَّقُونَ بِمَا يَتَّصِلُ بهِم مِن طَرَفِ ثَوْبٍ وَعِمَامَةٍ وَقَلَنْسُوَةٍ؛ وَلهَذَا كَانَ أَعْدَلُ الْأَقْوَالِ فِي هَذِهِ الْمَسْألةِ أَنَّهُ يُرَخَّصُ الحواشي
(١) أي: قوله: فِي جِبَاهِنَا وَأَكُفنَا. وهي عند البيهقي.стр. 1807
فِي ذَلِكَ عِنْدَ الْحَاجَةِ، ويُكْرَهُ السُّجُودُ عَلَى الْعِمَامَةِ وَنَحْوِهَا عِنْدَ عَدَمِ الْحَاجَةِ (١) .
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَو كَانَ مَطْلُوبُهُم مِنْهُ السُّجودَ عَلَى الْحَائِلِ لَأَذِنَ لَهُم فِي اتِّخَاذِ مَا يَسْجُدُونَ عَلَيْهِ مُنْفَصِلًا عَنْهُمْ، فَقَد ثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي عَلَى الْخُمْرَةِ (٢) فَقَالَتْ مَيْمُونَةُ: "كَانَ رَسُولُ اللّهِ ﷺ يُصَلِّي عَلَى الْخُمْرَةِ". أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ "الصَّحِيحِ"؛ كَالْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ (٣) .
فَهَذَا صَلَاتُهُ عَلَى الْخُمْرَةِ، وَهِيَ نَسْجٌ يُنْسَجُ مِن خُوصٍ كَانَ يُسْجَدُ عَلَيْهِ.
وَإِذَا ثَبَتَ جَوَازُ الصَّلَاةِ عَلَى مَا يُفْرَشُ -بِالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ- عُلِمَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَمْنَعْهُم أنْ يَتَّخِذُوا شَيْئًا يَسْجُدُونَ عَلَيْهِ يَتَّقُونَ بِهِ الْحَرَّ، وَلَكِنْ طَلَبُوا مِنْهُ تَأْخِيرَ الصَّلَاةِ زِيادَةً عَلَى مَا كَانَ يُؤَخِّرُهَا فَلَمْ يُجِبْهُمْ، وَكَانَ مِنْهُم مَن يَتَّقِي الْحَرَّ إمَّا بِشَيءٍ مُنْفَصِلٍ عَنْهُ، وَإِمَّا بِمَا يَتَّصِلُ بِهِ مِن طَرَفِ ثَوْبِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَفِي حَدِيثِ الْخُمْرَةِ حُجَّةٌ لِمَن يَتَّخِذُ السَّجَّادَةَ كَمَا قَد احْتَجَّ بِذَلِكَ بَعْضهُم. الحواشي
(١) وهذا رأي العلَّامة محمد بن عثيمين ﵀.
وبعض أهل العِلْم كَرِه السجود على كور العمامة إذا كان كبيرًا.
قال القرطبي: يُكْرَه السجود على كَور العمامة، وإن كان طاقة أو طاقتين مثل الثياب التي تَسْتر الرُّكَب والقَدَمين فلا بأس، والأفضل مُباشرة الأرض أوْ مَا يَسْجد عليه. اهـ.
ومثله في عصرنا هذا: الغترة والطاقية، فلا تكره على اختيار القرطبي.
والذي يظهر أنه لا يُكرَه السجود على شيء متّصل بالمصلي ولا منفصل عنه، إلا إذا كان ذلك يُؤدي إلى كثرة الحركة، فتكره من هذا الباب.(٢) قال في النهاية: هي مقدار ما يضع الرجل عليه وجهه في سجوده من حصير أو نسيجة خوص ونحوه من النبات، ولا تكون خمرة إلا في هذا المقدار. اهـ.
قال الشيخ: وَأمَّا اتِّخَاذُهَا كَبِيرَةً يُصَلِّي عَلَيْهَا يَتَقِي بِهَا النَّجَاسَةَ وَنَحْوَهَا: فَلَمْ يَكُن النَّبِيُّ ﷺ يَتَّخِذُ سَجَّادَةً يُصَلِّي عَلَيْهَا وَلَا الصَّحَابَةُ، بَل كَانُوا يُصَلُّونَ حُفَاةً وَمُنْتَعِلِينَ، وَيُصَلُّونَ عَلَى التُّرَابِ وَالْحَصِيرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِن غَيرِ حَائِلٍ. اهـ. (٢٢/ ١٩٢)(٣) رواه البخاري(٣٧٩) ، ومسلم(٥١٣) .стр. 1808
قِيلَ: الْجَوَابُ عَن ذَلِكَ مِن وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُن يُصَلِّي عَلَى الْخُمْرَةِ دَائِمَا؛ بَل أَحْيَانًا، كَأَنَّهُ كَانَ إذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ يَتَّقِي بِهَا الْحَرَّ وَنَحْو ذَلِكَ .. فَلَمْ يَكُن فِي هَذَا حُجَّة لِمَن يَتَّخِذ السَّجَّادَةَ يُصَلِّي عَلَيْهَا دَائِمًا.
وَالثَّانِي: قَد ذَكَرُوا أَنَّهَا كَانَت لِمَوْضِعِ سُجُودِهِ لَمْ تَكُنْ بِمَنْزِلَةِ السَّجَّادَةِ الَّتِي تَسَعُ جَمِيعَ بَدَنِهِ، كَأَنَّهُ كَانَ يَتَّقِي بِهَا الْحَرَّ، هَكَذَا قَالَ أَهْلُ الْغَرِيبِ.
قَالُوا: "الْخُمْرَةُ" كَالْحَصِيرِ الصَّغِيرِ تُعْمَلُ مِن سَعَفِ النَّخْلِ، وَتُنْسَجُ بِالسُّيُورِ وَالْخُيُوطِ، وَهِيَ قَدْرُ مَا يُوضَعُ عَلَيْهِ الْوَجْهِ وَالْأَنْفِ، فَإذَا كَبِرَتْ عَن ذَلِكَ فَهِيَ حَصِيرٌ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِسَتْرِهَا الْوَجْهَ وَالْكَعْبَيْنِ مِن حَرِّ الْأَرْضِ وَبَرْدِهَا.
الثَّالِثُ: أَنَّ الْخُمْرَةَ لَمْ تَكُنْ لِأَجْلِ اتِّقَاءِ النَّجَاسَةِ أَو الِاحْتِرَازِ مِنْهَا كَمَا يُعَلِّلُ بِذَلِكَ مَن يُصَلِّي عَلَى السَّجَّادَةِ (١) .
أَمَّا الْغُلَاةُ مِن الْمُوَسْوِسِينَ: فَإِنَّهُم لَا يُصَلُّونَ عَلَى الْأَرْضِ، وَلَا عَلَى مَا يُفْرَشُ لِلْعَامَّةِ عَلَى الْأَرْضِ، لَكِنْ عَلَى سَجَّادَةِ وَنَحْوِهَا.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ: فَإذَا لَمْ يَكُن عَالِمًا بالنَّجَاسَةِ صَحَّتْ صَلَاتُهُ بَاطِنًا (٢) وَظَاهِرًا، فَلَا حَاجَةَ بِهِ حِينَئِذٍ عَن السُّؤَالِ عَن أَشْيَاءَ إنْ أبْدِيَتْ سَاءَتْهُ قَد عَفَا اللهُ عَنْهَا. [٢٢/ ١٦٣ - ١٨٦] الحواشي
(١) وقد ذكر الشيخ أنّه لَا يُسْتَحَبُّ الْبَحْثُ عَمَّا لَمْ يَظْهَرْ مِن النَّجَاسَةَ، وَلَا الِاحْتِرَازُ عَمَّا لَيْسَ عَلَيهِ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ لِاحْتِمَالِ وَجُودِهِ. (٢٢/ ١٨٤)
ومرّ مثل هذا في باب إزالة النجاسة.(٢) أي: بينه وبين الله، فعبادته صحيحةٌ ولو كانت عليه نجاسة لم يعلم بها، وعلى هذا: فالذي يشك في خروج قطرات من بوله لا ينبغي أن يلتفت إلى ذلك، فما دام أنه لم يتأكد تأكدًّا تامًّا بأنها خرجت فلا حرج عليه ولو خرجت في الواقع، ووضوؤه وعبادته لم تبطل عند الله تعالى. فلا حجة في ذلك للموسوسين.стр. 1809
٢٤٤٥ - وأما مَا يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ مِن تَقْدِيمِ مَفَارِشَ إلَى الْمَسْجِدِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَو غَيْرِهَا قَبْلَ ذَهَابِهِم إلَى الْمَسْجِدِ فَهَذَا مَنْهِيٌّ عَنْهُ بِاتّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ؛ بَل مُحَرَّمٌ (١) .
وَهَل تَصِحُّ صَلَاتُهُ عَلَى ذَلِكَ الْمَفْرُوشِ؟ فِيهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ؛ لِأَّنَّهُ غَصَبَ بُقْعَةً فِي الْمَسْجِدِ بِفَرْشِ ذَلِكَ الْمَفْرُوشِ فِيهَا وَمَنَعَ غَيْرَهُ مِنَ الْمُصَلِّينَ الَّذِينَ يَسْبِقُونَهُ إلَى الْمَسْجِدِ أَنْ يُصَلِّيَ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ.
وَالْمَأمُورُ بِهِ أَنْ يَسْبِقَ الرَّجُلُ بِنَفْسِهِ إلَى الْمَسْجِدِ، فَإِذَا قَدَّمَ الْمَفْرُوشَ وَتَأَخرَ هُوَ فَقَد خَالَفَ الشَّرِيعَةَ مِن وَجْهَيْنِ:
أ- مِن جِهَةِ تَأَخُّرِهِ، وَهُوَ مَأْمُورٌ بِالتَّقَدُّمِ.
ب- وَمِن جِهَةِ غَصْبِهِ لِطَائِفَةٍ مِنَ الْمَسْجِدِ وَمَنْعِهِ السَّابِقِينَ إلَى الْمَسْجِدِ أَنْ يُصَلُّوا فِيهِ، وَأنْ يُتمُّوا الصَّفَّ الْأَوَّلَ فَالْأوَّلَ، ثُمَّ إنَّهُ يَتَخَطَّى النَّاسَ إذَا حَضَرُوا.
ثُمَّ إذَا فَرَشَ هَذَا: فَهَل لِمَن سَبَقَ إلَى الْمَسْجِدِ أَنْ يَرْفَعَ ذَلِكَ وَيُصَلِّىِ مَوْضِعَهُ؟
فِيهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ.
وَالثَّانِي -وَهوَ الصَّحِيحُ-: أَنَّ لِغَيْرِهِ رَفْعَهُ وَالصَّلَاةَ مَكَانَهُ؛ لِأَنَّ هَذَا السَّابِقَ يَسْتَحِقُّ الصَّلَاةَ فِي ذَلِكَ الصَّفِّ الْمُقَدَّمِ، وَهُوَ مَأمُورٌ بِذَلِكَ أَيْضًا، وَهُوَ لَا يَتَمَكَّنُ مِن فِعْلِ هَذَا الْمَأْمُورِ وَاسْتِيفَاءِ هَذَا الْحَقِّ إلَّا بِرَفْعِ ذَلِكَ الْمَفْرُوشِ، وَمَا لَا يَتمُّ الْمَأمُورُ إلَّا بِهِ فَهُوَ مَأمُورٌ بِهِ. الحواشي
(١) وقال ﵀: لَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَفْرِشُ شَيْئًا ويخْتَصَّ بِهِ مَعَ غَيْبَتِهِ ويمْنَعَ بِهِ غَيْرَهُ، هَذَا غَصْبٌ لِتِلْكَ الْبُقْعَةِ، وَمَنْعٌ لِلْمُسْلِمِينَ مِمَّا أمَرَ اللهُ تَعَالَى بِهِ مِن الصَّلَاةِ.
وَالسُّنةُ أنْ يَتَقَدَّمَ الرَّجُلُ بِنَفْسِهِ، وَأمَّا مَن يَتَقَدَّمُ بِسَجَّادَة فَهُوَ ظَالِمٌ يُنْهَى عَنْهُ، ويَجِبُ رَفْعُ تِلْكَ السَّجَاجِيدِ ويُمَكنُ النَّاسُ مِن مَكَانِهَا.
هَذَا مَعَ أَنَّ أَصْلَ الْفَرْشِ بِدْعَةٌ، لَا سِيَّمَا فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ . (٢٤/ ٢١٦)стр. 1810
وَأيْضًا: فَذَلِكَ الْمَفْرُوشُ وَضَعَهُ هُنَاكَ عَلَى وَجْهِ الْغَصْبِ وَذَلِكَ مُنْكَرٌ، وَقَد قَالَ النَبِيُّ ﷺ : " مَن رَأى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ" (١) .
لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُرَاعَى فِي ذَلِكَ أنْ لَا يَؤُولَ إلَى مُنْكَرٍ أَعْظَمَ مِنْهُ. [٢٢/ ١٨٩ - ١٩١]
٢٤٤٦ - لَيْسَ لِأحَد أنْ يَتَحَجَّرَ مِن الْمَسْجِدِ شَيْئًا: لَا سَجَّادَة يَفْرِشُهَا قَبْلَ حُضورِهِ، وَلَا بِسَاطًا وَلَا غَيْرَ ذَلِكَ.
وَلَيْسَ لِغَيْرِهِ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهَا بِغَيْرِ إذْنِهِ، لَكنْ يَرْفَعُهَا وَيُصَلِّي مَكَانَهَا فِي أصَحِّ قَوْلَي الْعُلَمَاءِ. [٢٢/ ١٩٣]
٢٤٤٧ - لو غصب مسجدًا وغيَّرَه، بأن حوله عن كونه مسجدًا بدعوى ملكه أو وقفه على جهةٍ أخرى: لم تصح صلاته فيه، وإن أبقاه مسجدًا ومنع الناس من الصلاة فيه ففي صحة صلاته فيه وجهان، اختار طائفة من المتأخرين الصحة، والأقوى البطلان. [المستدرك ٣/ ٦٩]
٢٤٤٨ - لو كان المصلي جاهلًا بالمكان والثوب أنه حرام فلا إعادة عليه .. وكذا إذا لم يعلم بالتحريم لم يكن فعله معصية؛ بل يكون طاعة. [المستدرك ٣/ ٧٠]
٢٤٤٩ - أما المحبوس في مكان مغصوب فينبغي أن لا تجب عليه الإعادة إذا صلى فيه قولًا واحدًا؛ لأن لبثه فيه ليس بمحرم. [المستدرك ٣/ ٧٠]
٢٤٥٠ - إِنَّ الْإِمَامَ عَلَيْهِ أنْ يُصَلِّيَ كَمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي، لَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى مَا يَقْتَصِرُ عَلَيْهِ الْمُنْفَرِدُ (٢) ؛ بَل يُنْهَى عَن التَّطْوِيلِ وَالتَّقْصِيرِ، فَكيْفَ الحواشي
(١) رواه مسلم(٤٩) .(٢) كأن يقتصر على تسبيحة واحدة في الركوع والسجود.стр. 1811
إذَا أصَرَّ عَلَى مَا يُنْهَى عَنْهُ الْإِمَامُ وَالْمَأْمُومُ وَالْمُنْفَرِد؟ (١) . [٢٢/ ٢٥٦]
٢٤٥١ - مِن شَعَائِرِهَا [أي: الصَّلَاةِ]: مَسْأَلَةُ الْبَسْمَلَةِ؛ فَإِنَّ النَّاسَ اضْطَرَبُوا فِيهَا نَفْيًا وَإِثْبَاتًا فِي كَوْنِهَا آيَةً مِنَ الْقُرْآنِ وَفِي قِرَاءَتِهَا، وَصُنفْت مِنَ الطَّرَفَيْنِ مُصَنَّفَات يَظْهَرُ فِي بَعْضِ كَلَامِهَا نَوْعُ جَهْلٍ وَظُلْمٍ.
مَعَ أنَّ الْخَطْبَ فِيهَا يَسِيرٌ.
وَأَمَّا التَّعَصُّبُ لِهَذِهِ الْمَسَائِلِ وَنَحْوِهَا فَمِن شَعَائِرِ الْفُرْقَةِ وَالِاخْتِلَافِ الَّذِي نُهِينَا عَنْهَا؛ إذِ الدَّاعِي لِذَلِكَ هُوَ تَرْجِيحُ الشَّعَائِرِ الْمُفْتَرِقَةِ بَيْنَ الْأمَّةِ، وَإِلَّا فَهَذِهِ الْمَسَائِلُ مِن أخَفِّ مَسَائِلِ الْخِلَافِ جَدًّا، لَوْلَا مَا يَدْعُو إلَيْهِ الشَّيْطَانُ مِن إظْهَارِ شِعَارِ الْفُرْقَةِ. [٢٢/ ٤٠٥ - ٤٠٦]
٢٤٥٢ - مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ ذِكْرَ الْقِيَامِ -الَّذِي هُوَ الْقِرَاءَةُ- أفْضَلُ مِن ذِكْرِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَلَكِنْ نَفْسُ عَمَلِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ افْضَلُ مِن عَمَلِ الْقِيَامِ؛ وَلهَذَا كَانَ عِبَادَةً بِنَفْسِهِ، وَلَمْ يَصِحَّ فِي شَرْعِنَا إلَّا للّهِ بِوَجْهِ مِنَ الْوُجُوهِ. [٢٢/ ٥٤٤]
٢٤٥٣ - فَصْلٌ (٢) فِي سُجُودِ الْقُرْآنِ وَهُوَ نَوْعَانِ:
أ- خَبَرٌ عَن أَهْلِ السُّجُودِ وَمَدْحْ لَهُمْ.
ب- أو أمْرٌ بِهِ وَذَمٌّ عَلَى تَرْكِهِ.
فَالسِّتَّةُ الْأوَلُ إلَى الْأولَى مِن الْحَج خَبَرٌ وَمَدْحٌ.
وَالتِّسْعُ الْبَوَاقِي مِن الثَّانِيَةِ مِن الْحَجِّ أَمْرٌ وَذَمٌّ لِمَن لَمْ يَسْجُدْ، إلَّا "صَ".
فَنَقُولُ: قَد تَنَازَعَ النَّاسُ فِي وُجُوبِ سُجُودِ التِّلَاوَةِ .. وَاَلَّذِي يَتبَيَّنُ لِي أنَّهُ وَاجِب؛ فَإِنَّ الْآيَاتِ الَّتِي فِيهَا مَدْحٌ لَا تَدُلُّ بِمُجَرَّدِهَا عَلَى الْوُجُوبِ، لَكِنَّ آياتِ الحواشي
(١) كأن ينقر الصلاة نقر الغراب، أو يبتدع في صلاته.(٢) هذا مما كتبه في سجن القلعة.стр. 1812
الْأَمْرِ وَالذَّمّ وَالْمُطْلَق مِنْهَا قَد يُقَالُ: إنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الصَّلَاةِ، كَالثَّانِيَةِ مِن الْحَجِّ وَالْفُرْقَانِ وَاقْرَأ، وَهَذَا ضَعِيفٌ، فَكَيْفَ وَفِيهَا مَقْرُونٌ بِالتِّلَاوَةِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) ﴾ [السجدة: ١٥] فَهَذَا نَفْيٌ لِلْإِيمَانِ بِالْآيَاتِ عَمَّن لَا يَخِرُّ سَاجِدًا إذَا ذُكّرَ بِهَا، وَإِذَا كَانَ سَامِعًا لَهَا فَقَد ذُكِّرَ بِهَا.
وَكَذَلِكَ "سُورَةُ الِانْشِقَاقِ" ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ (٢١) ﴾ [الانشقاق: ٢٠، ٢١] وَهَذَا ذَمٌّ لِمَن لَا يَسْجُدُ إذَا قُرِئَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩) ﴾ [المدثر: ٤٩] ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ﴾ [الحديد: ٨].
لَكِنَّ السُّجُودَ الْمَأْمُورَ بِهِ عِنْدَ سَمَاعِ الْقُرْآنِ كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ مُخْتَصًّا بِسُجُودِ الصَّلَاةِ: فَلَيْسَ هُوَ مُخْتَصًّا بِسُجُودِ التِّلَاوَةِ، فَمَن ظَنَّ هَذَا أَو هَذَا فَقَدَ غَلِطَ؛ بَل هُوَ مُتَنَاوِلٌ لَهُمَا جَمِيعًا كَمَا بَيّنهُ الرَّسُولُ ﷺ .
فَالسُّنَّةُ تُفَسِّرُ الْقُرْآنَ وَتُبَيِّنهُ وَتَدُلُّ عَلَيْهِ؛ فَالسُّجُودُ عِنْدَ سَمَاعِ آيَةِ السَّجْدَةِ هُوَ سُجُودٌ مُجَرَّدٌ عِنْدَ سَمَاعِ آيَةِ السَّجْدَةِ، سَوَاءٌ تُلِيَتْ مَعَ سَائِرِ الْقُرْآنِ أَو وَحْدَهَا، لَيْسَ هُوَ سُجُودًا عِنْدَ تِلَاوَةِ مُطْلَقِ الْقُرْآنِ (١) .
وَأَمَّا قَوْلُهُ عَن دَاوُد ﵇: ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (٢٤) ﴾ [ص: ٢٤] لَا ريْبَ أَنَّهُ سَجَدَ، كَمَا ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ سَجَدَ للّهِ، وَاللّهُ سُبْحَانَهُ مَدَحَهُ بِكَوْنِهِ خَرَّ رَاكِعًا، وَهَذَا أَوَّلُ السُّجُودِ وَهُوَ خُرُورُهُ، فَذَكَرَ سُبْحَانَهُ أَوَّلَ فِعْلِهِ وَهُوَ خُرُورُهُ رَاكِعًا، لِيُبَيّنَ أَنَّ هَذَا عِبَادَةٌ مَقْصُودَةٌ.
وَذَلِكَ لِأَنَّ الْخُرُورَ هُوَ أَوَّلُ الْخُضوعِ الْمُنَافِي لِلْكِبْرِ، فَإِنَّ الْمُتَكَبّرَ يَكْرَهُ أَنْ يَخِرَّ ويُحِبَّ أَنْ لَا يَزَالَ مُنْتَصِبًا مُرْتَفِعًا. الحواشي
(١) أي: أنّ سجدة التلاوةِ إنما تُشرع عند ورود آية فيها السجدة، لا عند تلاوة القرآن مطلقًا، ولو لم ترد آية فيها سجدة.стр. 1813
ولهَذا يَأْنَفُ مِنْهُ أَهْلُ الْكِبْرِ مِن الْعَرَبِ وَغَيْرِ الْعَرَبِ، فَكَانَ أَحَدُهُم إذَا سَقَطَ مِنْهُ الشَّيءُ لَا يَتَنَاوَلُهُ لِئَلَّا يَخِرّ وَيَنْحَنِي، فَإِنَّ الْخُرُورَ انْخِفَاضُ الْوَجْهِ وَالرَّأسِ وَهوَ أَعْلَى مَا فِي الْإِنْسَانِ وَأَفْضَلُهُ وَهُوَ قَد خُلِقَ رَفِيعًا مُنْتَصِبًا فَإِذَا خَفَضَهُ لَا سِيَّمَا بِالسُّجُودِ كَانَ ذَلِكَ غَايَةَ ذُلِّهِ؛ وَلهَذَا لَمْ يَصْلُح السُّجُودُ إلَّا للّهِ، فَمَن سَجَدَ لِغَيْرِهِ فَهُوَ مُشْرِكٌ، وَمَن لَمْ يَسْجُدْ لَهُ فَهُوَ مُسْتَكْبِرٌ عَن عِبَادَتِهِ، وَكِلَاهُمَا كَافِرٌ مِن أَهْلِ النَّارِ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا: أَنَّ الْأَمْرَ بِالسُّجُودِ تَابعٌ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ كُلِّهِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ (٢١) ﴾ [الانشقاق: ٢٠، ٢١] فَهَذَا يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ الْقرْآنِ، وَأَنَّهُ مَن قُرِئَ عَلَيْهِ الْقُرْاَنُ فَهُوَ مَأمُورٌ بِالسُّجُودِ، وَالْمُصَلِّي قَد قُرِئَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ، وَذَلِكَ سَبَبٌ لِلْأَمْرِ بِالسُّجُودِ، فَلِهَذَا يَسْمَعُ الْقُرْآنَ وَيَسْجُدُ الْإِمَامُ، وَالْمُنْفَرِدُ يَسْمَعُ قِرَاءَةَ نَفْسِهِ وَهُوَ يَقْرَأُ عَلَى نَفْسِهِ الْقُرْآنَ.
وَقَد يُقَالُ: لَا يُصَلُّونَ؛ لَكِنْ قَوْلَهُ: ﴿خَرُّوا سُجَّدًا (٥٨) ﴾ [مريم: ٥٨] صَرِيحٌ فِي السُّجُودِ الْمَعْرُوفِ لِاقْتِرَانِهِ بِلَفْظِ الْخُرُورِ.
وَأمَّا هَذِهِ الْآيَةُ فَفِيهَا نِزَاعٌ قَالَ أَبُو الْفَرَجِ: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ (٢١) ﴾ فِيهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يُصَلُّونَ.
وَالثَّانِي: لَا يَخْضَعُونَ لَهُ وَلَا يَسْتَكِينُونَ لَهُ، قَالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
قُلْت: الْقَوْلُ الْأَوَّلُ هُوَ الَّذِي يَذْكُرُهُ كَثِيرٌ مِن الْمُفَسِّرِينَ لَا يَذْكُرُونَ غَيْرَهُ .. وَهُوَ الْمَنْقُولُ عَن مُفَسِّرِي السَّلَفِ وَعَلَيْهِ عَامَّةُ الْعُلَمَاءِ.
وَأمَّا الْقَوْلُ الثَّانِي: فَمَا عَلِمْت أَحَدًا نَقَلَهُ عَن أَحَدٍ مِن السَّلَفِ.
وَأمَّا أَنْ يَكُونَ سُجُودُ الْإِنْسَانِ لَا يُرَادُ بِهِ إلَّا خُضوعٌ لَيْسَ فِيهِ سُجُودُ الْوَجْهِ: فَهَذَا لَا يُعْرَفُ.
стр. 1814
بَل يُقَالُ: هُم مَأْمُورُونَ إذَا قُرِئَ عَلَيْهِم الْقرْآن بِالسُّجُودِ، وَإِن لَمْ يَكُن السُّجُودُ التَّامُّ عَقِبَ اسْتِمَاعِ الْقُرْآنِ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ صَلَاتَيْنِ، فَإِذَا قَامُوا إلَى الصَّلَاةِ فَقَد أَتَوْا بِالسُّجودِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِمْ، وَهُم لَمَّا قُرِئَ عَلَيْهِم حَصَلَ لَهُم نَوْعٌ مِن الْخُضُوعِ وَالْخُشُوعِ بِاعْتِقَادِ الْوُجُوبِ وَالْعَزْمِ عَلَى الِامْتِثَالِ، فَإِذَا اعْتَقَدُوا وُجُوبَ الصَّلَاةِ وَعَزَمُوا عَلَى الِامْتِثَالِ فَهَذَا مَبْدَأُ السُّجُودِ الْمَأْمُورِ بِهِ، ثُمَّ إذَا صَلَّوْا فَهَذَا تَمَامُهُ.
فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا فسِّرَ السُّجودُ بِالصَّلَاةِ كَمَا قَالَهُ الْأَكْثَرُونَ لَمْ يَجِبْ سُجُودُ التِّلَاوَةِ.
قِيلَ: الصَّلَاةُ مُرَادَةٌ مِن جِنْسِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَهَذِهِ الْآيَةُ تُوجِبُ عَلَى مَن قُرِئَ عَلَيْهِ الْقُرْاَنُ أَنْ يَسْجُدَ، فَإِنْ قُرِئَ عَلَيْهِ خَارجَ الصَّلَاةِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْجُدَ قَرِيبًا إذَا حَضَرَ وَقْتُ الصَّلَاةِ، فَإِنَّهُ مَا مِن سَاعَةٍ يُقْرأُ عَلَيْهِ فِيهَا الْقُرْآنُ إلَّا هُوَ وَقْتُ صَلَاةٍ مَفْرُوضَةٍ فَعَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَهَا؛ إذ بَيْنَه وَبَيْنَ وَقْتِ الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ أَقَلُّ مِن نِصْفِ يَوْمِ، فَإِذَا لَمْ يُصَلِّ فَهُوَ مِمَن إذَا قُرِئَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُ، فَإِنْ قُرِئَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ فِي الصَّلَاةِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْجُدَ سَجْدَةً يَخِرُّ فِيهَا مِن قِيَامٍ، وَسَجْدَةٍ يَخِرُّ فِيهَا مِن قُعُودٍ، وَكُل مِنْهُمَا بَعْدَ رُكُوعٍ كَمَا بَيَّنهُ الرَّسُولُ ﷺ .
وَأَمَّا السُّجُودُ عِنْدَ تِلَاوَةِ هَذِهِ الْآيَةِ: فَهُوَ السُّجُودُ الْخَاصُّ، وَهُوَ سُجُودُ التِّلَاوَةِ، وَهَذَا سُجُودٌ مُبَادَرٌ إلَيْهِ عِنْدَ سَمَاعِ هَذِهِ الْآيَةِ، فَإِنَّهَا أَمَرَتْهُ أَنْ يَسْجُدَ إذَا قُرِئَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ، فَمِن تَمَامِ الْمُبَادَرَةِ أَنْ يَسْجُدَ عِنْدَ سَمَاعِهَا سُجُودَ التّلَاوَةِ، ثُمَّ يَسْجُدَ عِنْدَ تِلَاوَةِ غَيْرِهَا كَمَا تَقَدَّم.
فَتخَصُّ بِالسُّجُودِ لَهَا، ويَسْجُدُ فِي الصَّلَاةِ إذَا قُرِئَتْ كَمَا يَسْجُدُ إذَا قُرِئَ غَيْرُهَا.
وَبِهَذَا فَسَّرَهَا النَّبِيُّ ﷺ ، فَإنَّهُ سَجَدَ بِهَا فِي الصَّلَاةِ.
وَعَن أَحْمَد فِي وُجُوبِ هَذَا السُّجُودِ فِي الصَّلَاةِ رِوَايَتَانِ: وَالْأَظْهَرُ الْوُجُوبُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ؛ لِوُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ:
стр. 1815
مِنْهَا: أَنَّ نَفْسَ الْأئِمَّةِ يُؤْمَرُونَ أَنْ يُصَلُّوا كَمَا صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ هَكَذَا صَلَّى.
وَقَوْلُهُ: ﴿لَا يَسْجُدُونَ (٢١) ﴾ وَلَمْ يَقُلْ: "لَا يُصَلُّونَ " يَدُلُّ عَلَى أَنَّ السُّجُودَ مَقْصُودٌ لِنَفْسِهِ، وَأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ السُّجُودَ فِي الصَّلَاةِ وَخَارجَ الصَّلَاةِ، فَيَتَنَاوَلُ أَيْضًا الْخُضُوعَ وَالْخُشُوعَ كَمَا مُثِّلَ.
جَاءَ فِي "الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ": "إذَا قَرَأَ ابْن آدَمَ السَّجْدَةَ اعْتَزَلَ الشَّيْطَانُ يَبْكِي يَقُولُ: يَا ويْلَهُ أمِرَ ابْنُ آدَمَ بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ فَلَهُ الْجَنَّةُ، وَأُمِرْت بِالسُّجُودِ فَأبَيْت فَلي النَّارُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١) .
وَهَذَا الْحَدِيثُ كَافٍ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الْوُجُوبِ، وَكَذَلِكَ الْآيَاتُ الَّتِي فِيهَا الْأَمْرُ الْمُقَيَّد وَالْأَمْرُ الْمُطْلَقُ أَيْضًا.
وَأَمَّا احْتِجَاجُ مَن لَمْ يُوجِبْهُ بِكَوْنِ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يَسْجُدْ لَمَّا قَرأَ عَلَيْهِ زيدٌ النَّجْمَ (٢) .
وَبقُول عُمَر "لَمَّا قَرَأَ يَوْمَ الجُمُعَةِ عَلَى المِنْبَرِ بِسُورَةِ النَّحْلِ حَتَّى إِذَا جَاءَ السَّجْدَةَ نَزَلَ، فَسَجَدَ وَسَجَدَ النَّاسُ حَتَّى إِذَا كَانَتِ الجُمُعَةُ القَابِلَةُ قَرَأَ بِهَا، حَتَّى إِذَا جَاءَ السَّجْدَةَ، قَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا نَمُرُّ بِالسُّجُودِ، فَمَن سَجَدَ فَقَد أَصَابَ، وَمَن لَمْ يَسْجُدْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ"، وَلَمْ يَسْجُدْ عُمَرُ ﵁.
وَزَادَ نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: "إِنَّ اللّهَ لَمْ يَفْرِضِ السُّجُودَ إِلَّا أَنْ نَشَاءَ" (٣) .
فَيُقَالُ: تِلْكَ قَضِيَّة مُعَيَّنَةٌ، وَلَعَلَّهُ لَمَّا لَمْ يَسْجُدْ زَيْدٌ لَمْ يَسْجُدْ هُوَ كَمَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: أَنْتَ إمَامُنَا فَإِنْ سَجَدْت سَجَدْنَا. الحواشي
(٨١) .(٢) رواه البخاري(١٠٧٣) ، ومسلم(٥٧٧) .(٣) رواه البخاري(١٠٧٧) ، وقد أثبت الحديث من صحيحه، وتركت اللفظ الذي ذكره الشيخ، ففيه بعض التصرف.стр. 1816
وَقَالَ عُثْمَانُ: إنَّمَا السَّجْدَةُ عَلَى مَن جَلَسَ إلَيْهَا وَاسْتَمَعَ.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا تَجِبُ عَلَى الْمُسْتَمِعِ وَلَا تَجِبُ عَلَى السَّامِعِ.
وَأَمَّا حَدِيثُ عُمَرَ: فَلَو كَانَ صَرِيحًا لَكَانَ قَوْلُهُ وَإِقْرَارُ مَن حَضَرَ وَلَيْسُوا كُلَّ الْمُسْلِمِينَ، وَقَوْلُ عُثْمَانَ وَغَيْرِهِ يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ.
ثُمَّ يُقَالُ: قَد يَكون مُرَادُ عُمَرَ أَنَّهُ لَمْ يُكْتَبْ عَلَيْنَا السُّجُودُ فِي هَذِهِ الْحَالِ وَهُوَ إذَا قَرَأَهَا الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ (١) .
وَأَيْضًا فَسُجُودُ الْقُرْآنِ هُوَ مِن شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ الظَّاهِرَةِ، إذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فِي الْجَامِعِ سَجَدَ النَّاسُ كُلُّهُم للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَفِي تَرْكِ ذَلِكَ إخْلَالٌ بِذَلِكَ؛ وَلهَذَا رَجَّحْنَا أَنَّ صَلَاةَ الْعِيدِ وَاجِبَةٌ عَلَى الْأعْيَانِ كَقَوْلِ أبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِ.
وَقَوْلُ مَن قَالَ: لَا تَجِبُ، فِي غَايَةِ الْبُعْدِ، فَإنَّهَا مِن أَعْظَمِ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ، وَالنَّاسُ يَجْتَمِعُونَ لَهَا أَعْظَمَ مِن الْجُمُعَةِ.
وَأَمَّا الْأضْحِيَّةُ فَالْأظْهَرُ وُجُوبُهَا أَيْضًا؛ فَإِنَّهَا مِن أَعْظَمِ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ. ونفاة الْوُجُوبِ لَيْسَ مَعَهُم نَصٌّ.
وَإنَّمَا تَجِبُ عَلَى الْقَادِرِ. [٢٣/ ١٣٦ - ١٦٠]
٢٤٥٤ - سُجُودُ الْقُرْآنِ لَا يُشْرَعُ فِيهِ تَحْرِيم وَلَا تَحْلِيل، هَذَا هُوَ السُّنَّةُ الْمَعْرُوفَة عَن النَّبِيِّ ﷺ ، وَعَلَيْهِ عَامَّةُ السَّلَفِ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَن الْأَئِمَّةِ الْمَشْهُورِينَ، وَعَلَى هَذَا فَلَيْسَتْ صَلَاةً، فَلَا تشْتَرَطُ لَهَا شُرُوطُ الصَّلَاةِ؛ بَل تَجُوزُ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ. [٢٣/ ١٦٥]
٢٤٥٥ - وَسُئِلَ ﵀: عَن الرَّجُلِ إذَا كَانَ يَتْلُو الْكِتَابَ الْعَزِيزَ بَيْنَ جَمَاعَةٍ فَقَرَأَ سَجْدَةً فَقَامَ عَلَى قَدَمَيْهِ وَسَجَدَ، فَهَل قِيَامُهُ أفْضَلُ مِن سُجُوده وَهُوَ قَاعِدٌ أَمْ لَا؟ الحواشي
(١) الأدلة الدالة على عدم الوجوب صريحةٌ صحيحة، والشيخ ﵀ ورفع منزلته في الجنة- صرفها عن ظاهرها، والراجح عند كثير من أهل العلم أنها ليست واجبة.стр. 1817
فَأَجَابَ: بَل سُجُودُ التِّلَاوَةِ قَائِمًا أَفْضَلُ مِنْهُ قَاعِدًا كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ مَن ذَكَرَهُ مِن الْعُلَمَاءِ مِن أَصْحَاب الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمَا، وَكَمَا نُقِلَ عَن عَائِشَةَ بَل وَكَذَلِكَ سُجُودُ الشُّكْرِ (١) . [٢٣/ ١٧٣]
٢٤٥٦ - الْمُصَافَحَةُ عَقِيبَ الصَّلَاةِ لَيْسَتْ مَسْنُونَةً؛ بَل هِيَ بِدْعَةٌ. [٢٣/ ٣٣٩]
* * *
الوسوسة والشك في النية
٢٤٥٧ - إنَّ الْأَفْعَالَ الِاخْتِيَارِيَّةَ لَا تُتَصَوَّرُ إلَّا بِإِرَادَةٍ تَقُومُ بِنَفْسِ الْإِنْسَانِ، وَكُلُّ مَن فَعَلَ فِعْلًا اخْتِيَارِيًّا وَهُوَ يَعْرِفُهُ فَلَا بُدَّ أَنْ يُرِيدَهُ؛ كَاَلَّذِي يَأكُلُ ويشْرَبُ ويلْبَسُ وَهُوَ يَعْرِفُ أَنَّهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ فَلَا بُدَّ أَنْ يُرِيدَهُ.
فَالْإِنْسَانُ إذَا قَامَ إلَى صَلَاةٍ يَعْلَمُ أَنَّهَا الظُّهْرَ فَمِنَ الْمُمْتَنِعِ أَنْ يُصَلِّيَ الظُّهْرَ وَهُوَ يَعْلَمُ هَذَا لَمْ يَنْسَهُ، وَلَا يُرِيدُ صَلَاةَ الظُّهْرِ. الحواشي
(١) لا يعني كون سُجُود التِّلَاوَةِ والشكر قَائِمًا أفْضَلُ مِنْهُ قَاعِدًا أنْ يقوم ليخر ساجدًا، وكما يُقال: بأن غسل القدمين أفضل من المسح عند جمهور العلماء، لا يعني ذلك أن يخلع الإنسان خفه عند الوضوء لغسل رجليه.
ومن المعلوم أنْ هذا السجود تكرر كثيرًا في زمن الصحابة والتابعين، فهل ثبت ذلك عنهم وهم أحرص منا على الخير والفضل؟
قال النووي في المجموع (٤/ ٦٥): هل يستحب لمن أراد السجود أن يقوم فيستوي قائمًا، ثم يكبر للإحرام، ثم يهوي للسجود بالتكبيرة الثانية؟ فيه وجهان:
(أحدهما): يستحب.
(والثاني): وهو الأصح: لا يستحب، وهذا اختيار إمام الحرمين والمحققين.
قال الإمام: ولم أر لهذا القيام ذكرًا ولا أصلًا.
قلت: ولم يذكر الشافعي وجمهور الأصحاب هذا القيام ولا ثبت فيه شيء يعتمد مما يحتج به، فالاختيار تركه؛ لأنه من جملة المحدثات، وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة على النهي عن المحدثات، وأما ما رواه البيهقي بإسناده عن أم سلمة الأزدية قالت: رأيت عائشة تقرأ في المصحف فإذا مرت بسجدة قامت فسجدت. فهو ضعيف، أم سلمة هذه مجهولة. اهـ.
وجاء في فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (٧/ ٢٦٥)، رقم الفتوى(٩٣٢٨) : لا نعلم دليلًا على شرعية القيام مِن أجل سجود التلاوة.стр. 1818
وَكَذَلِكَ الصِّيَامُ إذَا تَصَوَّرَ أَنَّ غَدًا مِن رَمَضَانَ وَهُوَ مُرِيدٌ لِصَوْمِ رَمَضَانَ امْتَنَعَ أنْ لَا يَنْوِيَ صَوْمَهُ (١) . [١٦/ ٣٤٢]
* * *
(العناية بالصلاة والأمر بها)
٢٤٥٨ - رُوِيَ عَن ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ: "إنَّ فِي الصَّلَاةِ مُنْتَهًى وَمُزْدَجَرًا عَن مَعَاصِي اللّهِ، فَمَن لَمْ تَنْهَهُ صَلَاتُهُ عَن الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ لَمْ يَزْدَدْ بِصَلَاتِهِ مِن اللّهِ إلَّا بُعْدًا".
وَقَوْلُهُ: "لَمْ يَزْدَدْ إلَّا بُعْدًا": إذَا كَانَ مَا تَرَكَ مِن الْوَاجِبِ مِنْهَا أَعْظَمَ مِمَّا فَعَلَهُ: أَبْعَدَهُ تَرْكُ الْوَاجِبِ الْأَكْثَرِ مِن اللهِ أَكْثَرَ مِمَّا قَرَّبَهُ فِعْلُ الْوَاجِبِ الْأقَلِّ. [٧/ ٣٠]
٢٤٥٩ - عِمَادُ الدِّينِ الَّذِي لَا يَقُومُ إلَّا بِهِ: هُوَ. الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ الْمَكْتُوبَاتُ، ويجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِن الِاعْتِنَاءِ بِهَا مَا لَا يَجِبُ مِن الِاعْتِنَاءِ بِغَيْرِهَا.
كَانَ عمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ يَكْتُبُ إلَى عُمَّالِهِ: إنَّ أهَمَّ أَمْرِكُمْ عِنْدِي الصَّلَاةُ، فَمَن حَفِظَهَا وَحَافَظَ عَلَيْهَا حَفِظَ دِينَهُ، وَمَن ضَيَّعَهَا كَانَ لِمَا سِوَاهَا مِن عَمَلِهِ أشَدَّ إضَاعَةً.
وَهِيَ أوَّلُ مَا أَوْجَبَهُ اللهُ مِن الْعِبَادَاتِ.
وَالصَّلَوَات الْخَمْس تَوَلَّى اللّهُ إيجَابَهَا بِمُخَاطَبَةِ رَسُولِهِ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ.
وَهِيَ آخِرُ مَا وَصَّى بِهِ النَّبِيُّ ﷺ أُمَّتَهُ وَقْتَ فِرَاقِ الدُّنْيَا، جَعَلَ يَقُولُ: "الصَّلَاةُ الصَّلَاةُ وَمَا مَلَكتْ أَيْمَانُكُمْ" (٢) . الحواشي
(١) وهذا أكبر علاج للوسوسة، والشك في النية.(٢) رواه ابن ماجه(١٦٢٥) ، وأحمد(١٢١٦٩) .стр. 1819
وَهِيَ أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ عَلَيْهِ الْعَبْدُ مِن عَمَلِهِ، وَآخِرُ مَا يُفْقَدُ مِن الدِّينِ، فَإِذَا ذَهَبَتْ ذَهَبَ الدِّينُ كُلُّهُ. وَهِيَ عَمُودُ الدِّينِ، فَمَتَى ذَهَبَتْ سَقَطَ الدِّينُ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "رَأسُ الْأَمْرِ الإسْلَامُ وَعَمُودُهُ الصَّلَاة" (١) .
وَقَد قَالَ اللّهُ فِي كِتَابِهِ: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩) ﴾ [مريم: ٥٩]، قَالَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ﵁ وَغَيْره: إضَاعَتُهَا تَأخِيرُهَا عَن وَقْتِهَا، وَلَو تَرَكُوهَا كَانُوا كُفَّارًا.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) ﴾ [الماعون: ٤، ٥]، وَهُم الَّذِينَ يُؤَخِّرُونَهَا حَتَّى يَخْرُجَ الْوَقْتُ.
وَقَد اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَّنَّهُ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ صَلَاةِ النَّهَارِ إلَى اللَّيْلِ.
ويجِبُ عَلَى أهْلِ الْقُدْرَةِ مِن الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَأْمُرُوا بِالصَّلَاةِ كُلَّ أَحَدٍ مِن الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ حَتَّى الصِّبْيَانَ (٢) .
قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مُرُوهم بِالصَّلَاةِ لِسَبْع، وَاضْرِبُوهُم عَلَى تَرْكِهَا لِعَشْرٍ، وَفَرِّفوا بَيْنَهُم في الْمَضَاجعِ" (٣) .
وَالرَّجُلُ الْبَالِغُ إذَا امْتَنَعَ مِن صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ مِن الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، أَو تَرَكَ بَعْضَ فرَائِضِهَا الْمُتَّفَق عَلَيْهَا: فَإِنَّهُ يُسْتَتَابُ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ.
فَمِن الْعُلَمَاءِ مَن يَقُولُ: يَكُونُ مُرْتَدًّا كَافِرًا لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَلَا يُدْفَنُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَمِنْهُم مَن يَقُولُ: يَكُونُ كَقَاطِعِ الطَّرِيقِ وَقَاتِلِ النَّفْسِ وَالزَّانِي الْمُحْصَنِ. [٣/ ٤٢٧ - ٤٣٠] الحواشي
(١) رواه الترمذي(٢٦١٦) ، وأحمد(٢٢٠١٦) ، وقال الترمذي: حسن صحيح.(٢) فيجب على ولي أمر الصبي المميز الذي بلغ سبع سنين أنْ يأمره بالصلوات في أوقاتها، وقد فرط كثير من الآباء والأمهات في هذا الأمر، والله المستعان.(٣) رواه أبو داود(٤٩٥) ، وأحمد(٦٧٥٦) .стр. 1820
٢٤٦٠ - لا تلزم الصلاة صبيًّا ولو بلغ عشرًا، قاله جمهور العلماء، وثواب صلاة الصبي له. [المستدرك ٣/ ٥٤]
٢٤٦١ - مَن حَافَظَ عَلَى الصَّلَوَاتِ بِخُشُوعِهَا الْبَاطِنِ، وَأَعْمَالِهَا الظَّاهِرَةِ، وَكَانَ يَخْشَى اللهَ الْخَشْيَةَ الَّتِي أَمَرَهُ بِهَا: فَإِنَّهُ يَأتِي بِالْوَاجِبَاتِ، وَلَا يَأتِي كَبِيرَة.
وَمَن أَتَى الْكَبَائِرَ؛ مِثْل الزِّنَا، أَو السَّرِقَةِ، أَو شُرْبِ الْخَمْرِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ (١) : فَلَا بُدَّ أَنْ يَذْهَبَ مَا فِي قَلْبِهِ مِن تِلْكَ الْخَشْيَةِ وَالْخُشُوعِ وَالنُّورِ، وَإِن بَقِيَ أَصْلُ التَّصْدِيقِ فِي قَلْبِهِ، وَهَذَا مِن الْإِيمَانِ الَّذِي يُنْزَغ مِنْهُ عِنْدَ فِعْلِ الْكَبِيرَةِ؛ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ" (٢) . [٧/ ٣١]
* * *
حكم تارك الصلاة
٢٤٦٢ - تَكْفِيرُ تَارِكِ الصَّلَاةِ هُوَ الْمَشْهُورُ الْمَأثُورُ عَن جُمْهُورِ السَّلَفِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ.
وَمَوْرِدُ النّزَاعِ هُوَ فِيمَن أَقَرَّ بِوُجُوبِهَا وَالْتَزَمَ فِعْلَهَا وَلَمْ يَفْعَلْهَا.
وَأَمَّا مَن لَمْ يُقِرَّ بِوُجُوبِهَا فَهُوَ كَافِرٌ بِاتِّفَاقِهِمْ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا يُفْهَمُ مِن إطْلَاقِ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ مِن أَصْحَابِ أَحْمَد وَغَيْرِهِمْ: أَنَّهُ إنْ جَحَدَ وُجُوبَهَا كَفَرَ، وَإِن لَمْ يَجْحَدْ وُجُوبَهَا فَهُوَ مَوْرِدُ النّزَاعِ.
بَل هُنَا ثَلَاثَةُ أَقْسَام:
أَحدُهَا: إنْ جَحَدَ وُجُوبَهَا فَهُوَ كَافِرٌ بِالِاتِّفَاقِ.
وَالثَّانِي: أَنْ لَا يَجْحَدَ وُجُوبَهَا لَكِنَّهُ مُمْتَنِعٌ فِيِ الْتِزَامِ فِعْلِهَا كِبْرًا أَو حَسَدًا أَو بُغْضًا للّهِ وَرَسُولِهِ فَيَقُولُ: أعْلَمْ أَنَّ اللهَ أَوْجَبَهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَالرَّسُولَ الحواشي
(١) كالغيبة أو النميمة ونحوها.(٢) رواه البخاري(٢٤٧٥) ، ومسلم(٥٧) .стр. 1821
صَادِقٌ فِي تَبْلِيغِ الْقُرْآنِ وَلَكِنَّهُ مُمْتَنِعٌ عَنِ الْتِزَامِ الْفِعْلِ اسْتِكْبَارًا أَو حَسَدًا لِلرَّسُولِ أَو عَصَبِيَّةً لِدِينِهِ أو بُغْضًا لِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ فَهَذَا أَيْضًا كَافِرٌ بِالِاِّتفَاقِ. [٢٠/ ٩٧ - ٩٨]
وَالثَّالِثُ: أنْ يَكُونَ مُقِرًّا مُلْتَزِمًا، لَكِنْ تَرَكَهَا كَسَلًا وَتَهَاوُنًا، أَو اشْتِغَالًا بِأَغْرَاضٍ لَهُ عَنْهَا: فَهَذَا مَوْرِدُ النِّزَاعِ.
٢٤٦٣ - تَارِكُ الصَّلَاةِ: إنْ لَمْ يَكُن مُعْتَقِدًا لِوُجُوبِهَا فَهُوَ كَافِرٌ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ، لَكِنْ إذَا أَسْلَمَ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللهَ أَوْجَبَ عَلَيْهِ الصَّلَاةَ، أَو وُجُوبَ بَعْضِ أَرْكَانِهَا .. : فَهَذَا لَيْسَ بِكَافِرٍ.
لَكِنْ إذَا عَلِمَ الْوُجُوبَ: هَل يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ؟ فِيهِ قَوْلَانِ: قِيلَ: يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ.
وَقِيلَ: لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ.
وَإِذَا أصَرُّوا عَلَى جَحْدِ الْوُجُوبِ حَتَّى قُتِلُوا: كَانُوا مِن الْمُرْتَدِّينَ، وَمَن تَابَ مِنْهُم وَصَلَّى لَمْ يَكُن عَلَيْهِ إعَادَةُ مَا تَرَكَ قَبْلَ ذَلِكَ فِي أَظْهَرِ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ، فَإنَّ هَؤُلَاءِ إمَّا أَنْ يَكُونُوا مُرْتَدّينَ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونُوا مُسْلِمِينَ جَاهِلِينَ لِلْوُجُوبِ.
فَإِنْ قِيلَ: إنَّهُم مُرْتَدُّونَ عَن الْإِسْلَامِ؛ فَالْمُرْتَدُّ إذَا أسْلَمَ لَا يَقْضِي مَا تَرَكَهُ حَالَ الرِّدَّةِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، كَمَا لَا يَقْضِي الْكَافِرُ إذَا أَسْلَمَ مَا تَرَكَ حَالَ الْكُفْرِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ.
وَقَد ارْتَدَّ فِي حَيَاتِهِ ﷺ خَلْقٌ كَثِيرٌ وَعَادَ أولَئِكَ إلَى الْإسْلَامِ، وَلَمْ يُؤمَرُوا بِالْإِعَادَةِ.
وَإِن قِيلَ: إنَّ هَؤُلَاءِ لَمْ يَكُونُوا مُرْتَدِّينَ؛ بَل جُهَّالًا بِالْوُجُوبِ؟
وَقَد تَقَدَّمَ أَنَّ الْأَظْهَرَ فِي حَقِّ هَؤُلَاءِ أَنَّهُم يَسْتَأنِفُونَ الصَّلَاةَ عَلَى الْوَجْهِ الْمَأْمُورِ، وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِمْ.
فَهَذَا حُكْمُ مَن تَرَكَهَا غَيْرَ مُعْتَقِدٍ لِوُجُوبِهَا.
стр. 1822
وَأَمَّا مَن اعْتَقَدَ وُجُوبَهَا مَعَ إصْرَارِهِ عَلَى التَّرْكِ: فَقَد ذَكَرَ عَلَيْهِ الْمُفَرِّعُونَ مِن الْفُقَهَاءِ فُرُوعًا: أحَدُهَا هَذَا، فَقِيلَ عِنْدَ جُمْهُورِهِمْ: مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد: إِذَا صَبَرَ حَتَّى يُقْتَلَ فَهَل يُقْتَلُ كَافِرًا مُرْتَدًّا، أو فَاسِقًا كَفُسَّاقِ الْمُسْلِمِينَ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ مَشْهُورِينَ.
وَهَذ الْفُرُوعُ لَمْ تُنْقَلْ عَن الصَّحَابَةِ، وَهِيَ فُرُوعٌ فَاسِدَةٌ، فَإِنْ كَانَ مُقِرًّا بِالصَّلَاةِ فِي الْبَاطِنِ، مُعْتَقِدًا لِوُجُوبِهَا، يَمْتَنِعُ أَنْ يُصِرَّ عَلَى تَرْكِهَا حَتَّى يُقْتَلَ وَهُوَ لَا يُصَلِّي (١) .
هَذَا لَا يُعْرَفُ مِن بَنِي آدمَ وَعَادَتِهِمْ؛ وَلهَذَا لَمْ يَقَعْ هَذَا قَطُّ فِي الْإِسْلَامِ، وَلَا يُعْرَفُ أَنَّ أحَدًا يَعْتَقِدُ وُجُوبَهَا وَيُقَالُ لَه: إنْ لَمْ تُصَلِّ وَإِلَّا قَتَلْنَاك، وَهُوَ يُصِرُّ عَلَى تَرْكِهَا، مَعَ إقْرَارِهِ بِالْوُجُوبِ، فَهَذَا لَمْ يَقَعْ قَطُّ في الْإِسْلَامِ.
وَمَتَى امْتَنَعَ الرَّجُلُ مِن الصَّلَاةِ حَتَّى يُقْتَلَ لَمْ يَكُن فِي الْبَاطِنِ مُقِرًّا بِوُجُوبِهَا، وَلَا مُلْتَزِمًا بِفِعْلِهَا، وَهَذَا كَافِرٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، كَمَا اسْتَفَاضَت الْآثَار عَن الصَّحَابَةِ بِكُفْرِ هَذَا، وَدَلَّتْ عَلَيْهِ النُّصُوصُ الصَّحِيحَةُ؛ كَقَوْلِهِ ﷺ : "لَيْسَ بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ الْكفْرِ إلَّا تَرْكُ الصَّلَاةِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
لكن أكثر الناس يصلون تارة، ويتركونها تارة، فهؤلاء ليسوا يحافظون عليها، وهؤلاء تحت الوعيد.
فالمحافظ عليها: الذي يصليها في مواقيتها، كما أمر الله تعالى، والذي (٢) يؤخرها أحيانًا عن وقتها، أو يترك واجباتها: فهذا تحت مشيئة اللّه تعالى، وقد يكون لهذا نوافل يكمل بها فرائضه. [٢٢/ ٤٠ - ٤٩]
٢٤٦٤ - لَعْنُ تَارِكِ الصَّلَاةِ عَلَى وَجْهِ الْعُمُومِ جَائِزٌ، وَأَمَّا لَعْنَةُ الْمُعَيَّنِ فَالْأوْلَى تَرْكُهَا؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَتُوبَ. [٢٢/ ٦٣] الحواشي
(١) قال المرداوي في الإنصاف (١/ ٤٠٥): والعقل يشهد بما قال ويقطع به، وهو عين الصواب الذي لا شك فيه، وأنه لا يقتل إلا كافر.(٢) في الأصل: (والذي ليس)، وهو خطأ.стр. 1823
٢٤٦٥ - ويعفى عن النائم والناسي إن كان محافظًا على الصلاة حال اليقظة والذكر، وأما من لم يكن محافظًا عوقب على الترك مطلقًا.
وينبغي الإشاعة عنه بتركها حتى يصلي، قاله شيخنا، قال: ولا ينبغي السلام عليه، ولا إجابة دعوته. [المستدرك ٣/ ٥٥]
٢٤٦٦ - تارك الصلاة عمدًا لا يشرع له قضاؤها، ولا تصح منه؛ بل يكثر من التطوع، وكذلك الصوم، وهو قول طائفة من السلف كأبي عبد الرحمن صاحب الشافعي وداود بن علي وأتباعه، وليس في الأدلة ما يخالف هذا بل يوافقه.
وأمرُه ﷺ المجامع في نهار رمضان بالقضاء: ضعيف لعدول البخاري ومسلم عنه. [المستدرك ٣/ ٥٥ - ٥٦]
٢٤٦٧ - مَن تَرَكَ الصَّلَاةَ أَو فَرض مِن فَرَائِضِهَا:
أ- فَإِمَّا أنْ يَكُونَ قَد تَرَكَ ذَلِكَ نَاسِيًا لَهُ بَعْدَ عِلْمِهِ بِوُجُوبِهِ.
ب- وَإمَّا أَنْ يَكُونَ جَاهِلًا بِوُجُوبِهِ.
ج- وَإمَّا أنْ يَكُونَ لِعُذْر يَعْتَقِدُ مَعَهُ جَوَازَ التَّأْخِيرِ.
د- وَإِمَّا أَنْ يَتْرُكَهُ عَالِمًا عَمْدًا.
فَأَمَّا النَّاسِي لِلصَّلَاةِ: فَعَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَهَا إذَا ذَكَرَهَا.
وَأَمَّا مَن تَرَكَ الصَّلَاةَ جَاهِلًا بِوُجُوبِهَا: مِثْلُ مَن أسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الصَّلَاةَ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ، فَهَذِهِ الْمَسْالَةُ لِلْفُقَهَاءِ فِيهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ.
وَالصَّحِيحُ عَدَمُ وجُوبِ الْإِعَادَةِ؛ لِأنَّ اللّهَ عَفَا عَن الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ.
فَمَن لَمْ يَبْلُغْهُ أَمْرُ الرَّسُولِ فِي شَيءٍ مُعَيَّنٍ لَمْ يَثْبُتْ حُكْمُ وُجُوبِهِ عَلَيْهِ.
وَمِن هَذَا الْبَابِ: "الْمُسْتَحَاضَةُ" إذَا مَكَثَتْ مُدَّةً لَا تُصَلِّي لِاعْتِقَادِهَا عَدَمَ وُجُوبِ الصَلَاةِ عَلَيْهَا، فَفِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ عَلَيْهَا قَوْلَانِ:
стр. 1824
أَحَدُهُمَا لَا إعَادَةَ عَلَيْهَا، كَمَا نُقِلَ عَن مَالِكٍ وَغَيْرِهِ: لِأَنَّ الْمُسْتَحَاضَةِ الَّتِي قَالَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ : "إنِّي حِضْت حَيْضَةً شَدِيدَة كَبِيرَةً مُنْكرَةً مَنَعَتْنِي الصَّلَاةَ وَالصِّيَامَ": أَمَرَهَا بِمَا يَجِبُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَلَمْ يَأمُرْهَا بِقَضَاءِ صَلَاةِ الْمَاضِي.
وَقَد ثَبَتَ عِنْدِي بِالنَّقْلِ الْمتَوَاتِرِ أَنَّ فِي النِّسَاءِ وَالرِّجَالِ بِالْبَوَادِي وَغَيْرِ الْبَوَادِي مَن يَبْلُغُ وَلَا يَعْلَمُ أَنَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ وَاجِبَةٌ؛ بَل إذَا قِيلَ لِلْمَرْأَةِ: صَلّي، تَقُولُ: حَتَّى أَكْبُرَ وَأَصِيرَ عَجُوزَةً، ظَانَّةً أَنَّهُ لَا يُخَاطَبُ بِالصَّلَاةِ إلَّا الْمَرْأَةُ الْكَبِيرَةُ؛ كَالْعَجُوزِ وَنَحْوِهَا.
وَفِي أتْبَاعِ الشُّيُوخِ طَوَائِفُ كَثِيرُونَ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّ الصَّلَاةَ وَاجِبَة عَلَيْهِمْ، فَهَؤُلَاءِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِم فِي "الصَّحِيحِ" قَضَاءُ الصَّلَوَاتِ، سَوَاءٌ قِيلَ: كَانُوا كُفَّارًا، أَو كَانُوا مَعْذورِينَ بِالْجَهْلِ.
وَكَذَلِكَ مَن كَانَ مُنَافِقًا زِنْدِيقًا يُظْهِرُ الْإِسْلَامَ وَيُبْطِنُ خِلَافَهُ وَهُوَ لَا يُصَلِّي أَو يُصَلِّي أَحْيَانًا بِلَا وُضُوءٍ أَو لَا يَعْتَقِدُ وُجُوبَ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ إذَا تَابَ مِن نِفَاقِهِ وَصَلَّى فَإِنَّهُ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ.
وَالْمُرْتَدُّ الَّذِي كَانَ يَعْتَقِدُ وُجُوبَ الصَّلَاةِ ثُمَّ ارْتَدَّ عَن الْإِسْلَامِ ثُمَّ عَادَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاءُ مَا تَرَكَة حَالَ الرِّدَّةِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ.
وَأَمَّا مَن كَانَ عَالِمًا بِوُجُوبِهَا وَتَرَكَهَا بِلَا تَأْوِيلٍ حَتَّى خَرَجَ وَقْتُهَا الْمُوَقَّتِ: فَهَذَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ.
وَذَهَبَ طَائِفَةٌ مِنْهُم ابْنُ حَزْمٍ وَغَيْرُهُ إلَى أَنَّ فِعْلَهَا بَعْدَ الْوَقْتِ لَا يَصِحُّ مِن هَؤُلَاءِ، وَكَذَلِكَ قَالُوا فِيمَن تَرَكَ الصَّوْمَ مُتَعَمِّدًا؟ [٢٢/ ٩٨ - ١٠٣]
٢٤٦٨ - من كفر بترك الصلاة: الأصوب أنه يصير مسلمًا بفعلها من غير إعادة الشهادتين؛ لأن كفره بالامتناع؛ كإبليس وتارك الزكاة كذلك. [المستدرك ٣/ ٥٤]
٢٤٦٩ - تَارِكُ الصَّلَاةِ أَحْيَانًا وَأَمْثَالُهُ مِن الْمُتَظَاهِرِينَ بِالْفِسْقِ: فَأَهْلُ الْعِلْمِ
стр. 1825
وَالدِّينِ إذَا كَانَ فِي هَجْرِ هَذَا وَتَرْكِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ مَنْفَعَة لِلْمُسْلِمِينَ بِحَيْثُ يَكُونُ ذَلِكَ بَاعِثًا لَهُم عَلَى الْمُحَافَظَةِ عَلَى الصَّلَاةِ عَلَيْهِ هَجَرُوهُ وَلَمْ يُصَلُّوا عَلَيْهِ، كَمَا تَرَكَ النَّبِيُّ ﷺ الصَّلَاةَ عَلَى قَاتِلِ نَفْسِهِ وَالْغَالِّ وَالْمَدِينِ الَّذِي لَا وَفَاءَ لَهُ، وَهَذَا شَرٌّ مِنْهُمْ. [٢٤/ ٢٨٨]
* * *
(تَارِكُ الصَّلَاةِ يَكْفُرُ، وِإِذَا صَلَّاهَا بَعْدَ الْوَقْتِ لَمْ يَكْفُرْ)
٢٤٧٠ - قَالَ ﷺ : "خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللّهُ عَلَى الْعَبْدِ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، مَن حَافَظَ عَلَيْهِنَّ كَانَ لَهُ عَهْدٌ عِنْدَ اللّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَمَن لَمْ يُحَافِظْ عَلَيْهِنَّ لَمْ يَكُن لَهُ عِنْدَ اللهِ عَهْدٌ، إنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِن شَاءَ غَفَرَ لَهُ" (١) .
وَبِهَذَا يَظْهَرُ أَنَّ الِاحْتِجَاجَ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ تَارِكَ الصَّلَاةِ لَا يَكْفُرُ حُجَّةٌ ضَعِيفَة، لَكِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَارِكَ الْمُحَافَظَةِ لَا يَكْفُرُ، فَإِذَا صَلَّاهَا بَعْدَ الْوَقْتِ لَمْ يَكْفُرْ؛ وَلهَذَا جَاءَت فِي "الْأمَرَاءِ الَّذِينَ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَن وَقْتِهَا قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَلَا نُقَاتِلُهُم؟ قَالَ: لَا مَا صَلَّوْا" (٢) .
وَكَذَلِكَ لَمَّا سُئِلَ ابْنُ مَسْعُودٍ عَن قَوْله تَعَالَى: ﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾ [مريم: ٥٩] قَالَ: هُوَ تَأْخِيرُهَا عَن وَقْتِهَا، فَقِيلَ لَهُ: كُنَّا نَظنُّ ذَلِكَ تَرْكَهَا، فَقَالَ: لَو تَرَكُوهَا كَانُوا كُفَّارًا. [٧/ ٥٧٨ - ٥٧٩]
* * *
(حكم ترك جنس العمل، وحكم ترك الصلاة عمدًا ؟)
٢٤٧١ - تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِي تَكْفِيرِ مَن يَتْرُكُ شَيْئًا مِن هَذِهِ الْفَرَائِضِ الْأَرْبَعِ (٣) بَعْدَ الْإِقْرَارِ بِوُجُوبِهَا: الحواشي
(١) رواه أبو داود(١٤٢٠) ، والنسائي(٤٦١) ، ومالك(٣٢٠) ، والدارمي(١٦١٨) ، وأحمد(٢٢٦٩٣) ، وصحَّحه الألباني في صحيح أبي داود.(٢) رواه مسلم(١٨٥٤) .(٣) وهي الصلاة والزكاة والصوم والحج.следующие страницы →