← Фатава

Фатава · id 879

تقريب فتاوى ابن تيمية

أحمد بن ناصر الطيار

Полный текст (3 539 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

صَادِقٌ فِي تَبْلِيغِ الْقُرْآنِ وَلَكِنَّهُ مُمْتَنِعٌ عَنِ الْتِزَامِ الْفِعْلِ اسْتِكْبَارًا أَو حَسَدًا لِلرَّسُولِ أَو عَصَبِيَّةً لِدِينِهِ أو بُغْضًا لِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ فَهَذَا أَيْضًا كَافِرٌ بِالِاِّتفَاقِ. [٢٠/ ٩٧ - ٩٨] وَالثَّالِثُ: أنْ يَكُونَ مُقِرًّا مُلْتَزِمًا، لَكِنْ تَرَكَهَا كَسَلًا وَتَهَاوُنًا، أَو اشْتِغَالًا بِأَغْرَاضٍ لَهُ عَنْهَا: فَهَذَا مَوْرِدُ النِّزَاعِ. ٢٤٦٣ - تَارِكُ الصَّلَاةِ: إنْ لَمْ يَكُن مُعْتَقِدًا لِوُجُوبِهَا فَهُوَ كَافِرٌ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ، لَكِنْ إذَا أَسْلَمَ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللهَ أَوْجَبَ عَلَيْهِ الصَّلَاةَ، أَو وُجُوبَ بَعْضِ أَرْكَانِهَا .. : فَهَذَا لَيْسَ بِكَافِرٍ. لَكِنْ إذَا عَلِمَ الْوُجُوبَ: هَل يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ؟ فِيهِ قَوْلَانِ: قِيلَ: يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ. وَقِيلَ: لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ. وَإِذَا أصَرُّوا عَلَى جَحْدِ الْوُجُوبِ حَتَّى قُتِلُوا: كَانُوا مِن الْمُرْتَدِّينَ، وَمَن تَابَ مِنْهُم وَصَلَّى لَمْ يَكُن عَلَيْهِ إعَادَةُ مَا تَرَكَ قَبْلَ ذَلِكَ فِي أَظْهَرِ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ، فَإنَّ هَؤُلَاءِ إمَّا أَنْ يَكُونُوا مُرْتَدّينَ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونُوا مُسْلِمِينَ جَاهِلِينَ لِلْوُجُوبِ. فَإِنْ قِيلَ: إنَّهُم مُرْتَدُّونَ عَن الْإِسْلَامِ؛ فَالْمُرْتَدُّ إذَا أسْلَمَ لَا يَقْضِي مَا تَرَكَهُ حَالَ الرِّدَّةِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، كَمَا لَا يَقْضِي الْكَافِرُ إذَا أَسْلَمَ مَا تَرَكَ حَالَ الْكُفْرِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ. وَقَد ارْتَدَّ فِي حَيَاتِهِ ﷺ خَلْقٌ كَثِيرٌ وَعَادَ أولَئِكَ إلَى الْإسْلَامِ، وَلَمْ يُؤمَرُوا بِالْإِعَادَةِ. وَإِن قِيلَ: إنَّ هَؤُلَاءِ لَمْ يَكُونُوا مُرْتَدِّينَ؛ بَل جُهَّالًا بِالْوُجُوبِ؟ وَقَد تَقَدَّمَ أَنَّ الْأَظْهَرَ فِي حَقِّ هَؤُلَاءِ أَنَّهُم يَسْتَأنِفُونَ الصَّلَاةَ عَلَى الْوَجْهِ الْمَأْمُورِ، وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِمْ. فَهَذَا حُكْمُ مَن تَرَكَهَا غَيْرَ مُعْتَقِدٍ لِوُجُوبِهَا.

стр. 1822

وَأَمَّا مَن اعْتَقَدَ وُجُوبَهَا مَعَ إصْرَارِهِ عَلَى التَّرْكِ: فَقَد ذَكَرَ عَلَيْهِ الْمُفَرِّعُونَ مِن الْفُقَهَاءِ فُرُوعًا: أحَدُهَا هَذَا، فَقِيلَ عِنْدَ جُمْهُورِهِمْ: مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد: إِذَا صَبَرَ حَتَّى يُقْتَلَ فَهَل يُقْتَلُ كَافِرًا مُرْتَدًّا، أو فَاسِقًا كَفُسَّاقِ الْمُسْلِمِينَ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ مَشْهُورِينَ. وَهَذ الْفُرُوعُ لَمْ تُنْقَلْ عَن الصَّحَابَةِ، وَهِيَ فُرُوعٌ فَاسِدَةٌ، فَإِنْ كَانَ مُقِرًّا بِالصَّلَاةِ فِي الْبَاطِنِ، مُعْتَقِدًا لِوُجُوبِهَا، يَمْتَنِعُ أَنْ يُصِرَّ عَلَى تَرْكِهَا حَتَّى يُقْتَلَ وَهُوَ لَا يُصَلِّي (١). هَذَا لَا يُعْرَفُ مِن بَنِي آدمَ وَعَادَتِهِمْ؛ وَلهَذَا لَمْ يَقَعْ هَذَا قَطُّ فِي الْإِسْلَامِ، وَلَا يُعْرَفُ أَنَّ أحَدًا يَعْتَقِدُ وُجُوبَهَا وَيُقَالُ لَه: إنْ لَمْ تُصَلِّ وَإِلَّا قَتَلْنَاك، وَهُوَ يُصِرُّ عَلَى تَرْكِهَا، مَعَ إقْرَارِهِ بِالْوُجُوبِ، فَهَذَا لَمْ يَقَعْ قَطُّ في الْإِسْلَامِ. وَمَتَى امْتَنَعَ الرَّجُلُ مِن الصَّلَاةِ حَتَّى يُقْتَلَ لَمْ يَكُن فِي الْبَاطِنِ مُقِرًّا بِوُجُوبِهَا، وَلَا مُلْتَزِمًا بِفِعْلِهَا، وَهَذَا كَافِرٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، كَمَا اسْتَفَاضَت الْآثَار عَن الصَّحَابَةِ بِكُفْرِ هَذَا، وَدَلَّتْ عَلَيْهِ النُّصُوصُ الصَّحِيحَةُ؛ كَقَوْلِهِ ﷺ : "لَيْسَ بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ الْكفْرِ إلَّا تَرْكُ الصَّلَاةِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. لكن أكثر الناس يصلون تارة، ويتركونها تارة، فهؤلاء ليسوا يحافظون عليها، وهؤلاء تحت الوعيد. فالمحافظ عليها: الذي يصليها في مواقيتها، كما أمر الله تعالى، والذي (٢) يؤخرها أحيانًا عن وقتها، أو يترك واجباتها: فهذا تحت مشيئة اللّه تعالى، وقد يكون لهذا نوافل يكمل بها فرائضه. [٢٢/ ٤٠ - ٤٩] ٢٤٦٤ - لَعْنُ تَارِكِ الصَّلَاةِ عَلَى وَجْهِ الْعُمُومِ جَائِزٌ، وَأَمَّا لَعْنَةُ الْمُعَيَّنِ فَالْأوْلَى تَرْكُهَا؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَتُوبَ. [٢٢/ ٦٣]

стр. 1823

٢٤٦٥ - ويعفى عن النائم والناسي إن كان محافظًا على الصلاة حال اليقظة والذكر، وأما من لم يكن محافظًا عوقب على الترك مطلقًا. وينبغي الإشاعة عنه بتركها حتى يصلي، قاله شيخنا، قال: ولا ينبغي السلام عليه، ولا إجابة دعوته. [المستدرك ٣/ ٥٥] ٢٤٦٦ - تارك الصلاة عمدًا لا يشرع له قضاؤها، ولا تصح منه؛ بل يكثر من التطوع، وكذلك الصوم، وهو قول طائفة من السلف كأبي عبد الرحمن صاحب الشافعي وداود بن علي وأتباعه، وليس في الأدلة ما يخالف هذا بل يوافقه. وأمرُه ﷺ المجامع في نهار رمضان بالقضاء: ضعيف لعدول البخاري ومسلم عنه. [المستدرك ٣/ ٥٥ - ٥٦] ٢٤٦٧ - مَن تَرَكَ الصَّلَاةَ أَو فَرض مِن فَرَائِضِهَا: أ- فَإِمَّا أنْ يَكُونَ قَد تَرَكَ ذَلِكَ نَاسِيًا لَهُ بَعْدَ عِلْمِهِ بِوُجُوبِهِ. ب- وَإمَّا أَنْ يَكُونَ جَاهِلًا بِوُجُوبِهِ. ج- وَإمَّا أنْ يَكُونَ لِعُذْر يَعْتَقِدُ مَعَهُ جَوَازَ التَّأْخِيرِ. د- وَإِمَّا أَنْ يَتْرُكَهُ عَالِمًا عَمْدًا. فَأَمَّا النَّاسِي لِلصَّلَاةِ: فَعَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَهَا إذَا ذَكَرَهَا. وَأَمَّا مَن تَرَكَ الصَّلَاةَ جَاهِلًا بِوُجُوبِهَا: مِثْلُ مَن أسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الصَّلَاةَ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ، فَهَذِهِ الْمَسْالَةُ لِلْفُقَهَاءِ فِيهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ. وَالصَّحِيحُ عَدَمُ وجُوبِ الْإِعَادَةِ؛ لِأنَّ اللّهَ عَفَا عَن الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ. فَمَن لَمْ يَبْلُغْهُ أَمْرُ الرَّسُولِ فِي شَيءٍ مُعَيَّنٍ لَمْ يَثْبُتْ حُكْمُ وُجُوبِهِ عَلَيْهِ. وَمِن هَذَا الْبَابِ: "الْمُسْتَحَاضَةُ" إذَا مَكَثَتْ مُدَّةً لَا تُصَلِّي لِاعْتِقَادِهَا عَدَمَ وُجُوبِ الصَلَاةِ عَلَيْهَا، فَفِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ عَلَيْهَا قَوْلَانِ:

стр. 1824

أَحَدُهُمَا لَا إعَادَةَ عَلَيْهَا، كَمَا نُقِلَ عَن مَالِكٍ وَغَيْرِهِ: لِأَنَّ الْمُسْتَحَاضَةِ الَّتِي قَالَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ : "إنِّي حِضْت حَيْضَةً شَدِيدَة كَبِيرَةً مُنْكرَةً مَنَعَتْنِي الصَّلَاةَ وَالصِّيَامَ": أَمَرَهَا بِمَا يَجِبُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَلَمْ يَأمُرْهَا بِقَضَاءِ صَلَاةِ الْمَاضِي. وَقَد ثَبَتَ عِنْدِي بِالنَّقْلِ الْمتَوَاتِرِ أَنَّ فِي النِّسَاءِ وَالرِّجَالِ بِالْبَوَادِي وَغَيْرِ الْبَوَادِي مَن يَبْلُغُ وَلَا يَعْلَمُ أَنَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ وَاجِبَةٌ؛ بَل إذَا قِيلَ لِلْمَرْأَةِ: صَلّي، تَقُولُ: حَتَّى أَكْبُرَ وَأَصِيرَ عَجُوزَةً، ظَانَّةً أَنَّهُ لَا يُخَاطَبُ بِالصَّلَاةِ إلَّا الْمَرْأَةُ الْكَبِيرَةُ؛ كَالْعَجُوزِ وَنَحْوِهَا. وَفِي أتْبَاعِ الشُّيُوخِ طَوَائِفُ كَثِيرُونَ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّ الصَّلَاةَ وَاجِبَة عَلَيْهِمْ، فَهَؤُلَاءِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِم فِي "الصَّحِيحِ" قَضَاءُ الصَّلَوَاتِ، سَوَاءٌ قِيلَ: كَانُوا كُفَّارًا، أَو كَانُوا مَعْذورِينَ بِالْجَهْلِ. وَكَذَلِكَ مَن كَانَ مُنَافِقًا زِنْدِيقًا يُظْهِرُ الْإِسْلَامَ وَيُبْطِنُ خِلَافَهُ وَهُوَ لَا يُصَلِّي أَو يُصَلِّي أَحْيَانًا بِلَا وُضُوءٍ أَو لَا يَعْتَقِدُ وُجُوبَ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ إذَا تَابَ مِن نِفَاقِهِ وَصَلَّى فَإِنَّهُ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ. وَالْمُرْتَدُّ الَّذِي كَانَ يَعْتَقِدُ وُجُوبَ الصَّلَاةِ ثُمَّ ارْتَدَّ عَن الْإِسْلَامِ ثُمَّ عَادَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاءُ مَا تَرَكَة حَالَ الرِّدَّةِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ. وَأَمَّا مَن كَانَ عَالِمًا بِوُجُوبِهَا وَتَرَكَهَا بِلَا تَأْوِيلٍ حَتَّى خَرَجَ وَقْتُهَا الْمُوَقَّتِ: فَهَذَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ. وَذَهَبَ طَائِفَةٌ مِنْهُم ابْنُ حَزْمٍ وَغَيْرُهُ إلَى أَنَّ فِعْلَهَا بَعْدَ الْوَقْتِ لَا يَصِحُّ مِن هَؤُلَاءِ، وَكَذَلِكَ قَالُوا فِيمَن تَرَكَ الصَّوْمَ مُتَعَمِّدًا؟ [٢٢/ ٩٨ - ١٠٣] ٢٤٦٨ - من كفر بترك الصلاة: الأصوب أنه يصير مسلمًا بفعلها من غير إعادة الشهادتين؛ لأن كفره بالامتناع؛ كإبليس وتارك الزكاة كذلك. [المستدرك ٣/ ٥٤] ٢٤٦٩ - تَارِكُ الصَّلَاةِ أَحْيَانًا وَأَمْثَالُهُ مِن الْمُتَظَاهِرِينَ بِالْفِسْقِ: فَأَهْلُ الْعِلْمِ

стр. 1825

وَالدِّينِ إذَا كَانَ فِي هَجْرِ هَذَا وَتَرْكِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ مَنْفَعَة لِلْمُسْلِمِينَ بِحَيْثُ يَكُونُ ذَلِكَ بَاعِثًا لَهُم عَلَى الْمُحَافَظَةِ عَلَى الصَّلَاةِ عَلَيْهِ هَجَرُوهُ وَلَمْ يُصَلُّوا عَلَيْهِ، كَمَا تَرَكَ النَّبِيُّ ﷺ الصَّلَاةَ عَلَى قَاتِلِ نَفْسِهِ وَالْغَالِّ وَالْمَدِينِ الَّذِي لَا وَفَاءَ لَهُ، وَهَذَا شَرٌّ مِنْهُمْ. [٢٤/ ٢٨٨] * * * (تَارِكُ الصَّلَاةِ يَكْفُرُ، وِإِذَا صَلَّاهَا بَعْدَ الْوَقْتِ لَمْ يَكْفُرْ) ٢٤٧٠ - قَالَ ﷺ : "خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللّهُ عَلَى الْعَبْدِ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، مَن حَافَظَ عَلَيْهِنَّ كَانَ لَهُ عَهْدٌ عِنْدَ اللّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَمَن لَمْ يُحَافِظْ عَلَيْهِنَّ لَمْ يَكُن لَهُ عِنْدَ اللهِ عَهْدٌ، إنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِن شَاءَ غَفَرَ لَهُ" (١). وَبِهَذَا يَظْهَرُ أَنَّ الِاحْتِجَاجَ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ تَارِكَ الصَّلَاةِ لَا يَكْفُرُ حُجَّةٌ ضَعِيفَة، لَكِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَارِكَ الْمُحَافَظَةِ لَا يَكْفُرُ، فَإِذَا صَلَّاهَا بَعْدَ الْوَقْتِ لَمْ يَكْفُرْ؛ وَلهَذَا جَاءَت فِي "الْأمَرَاءِ الَّذِينَ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَن وَقْتِهَا قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَلَا نُقَاتِلُهُم؟ قَالَ: لَا مَا صَلَّوْا" (٢). وَكَذَلِكَ لَمَّا سُئِلَ ابْنُ مَسْعُودٍ عَن قَوْله تَعَالَى: ﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾ [مريم: ٥٩] قَالَ: هُوَ تَأْخِيرُهَا عَن وَقْتِهَا، فَقِيلَ لَهُ: كُنَّا نَظنُّ ذَلِكَ تَرْكَهَا، فَقَالَ: لَو تَرَكُوهَا كَانُوا كُفَّارًا. [٧/ ٥٧٨ - ٥٧٩] * * * (حكم ترك جنس العمل، وحكم ترك الصلاة عمدًا ؟) ٢٤٧١ - تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِي تَكْفِيرِ مَن يَتْرُكُ شَيْئًا مِن هَذِهِ الْفَرَائِضِ الْأَرْبَعِ (٣) بَعْدَ الْإِقْرَارِ بِوُجُوبِهَا:

стр. 1826

فَأمَّا الشَهَادَتَانِ إذَا لَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِمَا مَعَ الْقُدْرَةِ: فَهُوَ كَافِرٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ كَافِرٌ بَاطِنًا وَظَاهِرًا عِنْدَ سَلَفِ الْأمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا وَجَمَاهِيرِ عُلَمَائِهَا. وَأَمَّا الْفَرَائِضُ الْأَرْبَعُ: - فَإذَا جَحَدَ وُجُوبَ شَىْءٍ مِنْهَا بَعْدَ بُلُوغِ الْحُجَّةِ: فَهُوَ كَافِرٌ. - وَكَذَلِكَ مَن جَحَدَ تَحْرِيمَ شَيْءٍ مِن الْمُحَرَّمَاتِ الظَّاهِرَةِ الْمُتَوَاتِر تَحْرِيمُهَا؛ كَالْفَوَاحِشِ وَالظلْمِ وَالْكَذِبِ وَالْخَمْرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. - وَأَمَّا مَن لَمْ تَقُمْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ؛ مِثْل أَنْ يَكُونَ حَدِيثَ عَهْدٍ بِالْإسْلَامِ، أَو نَشَأَ بِبَادِيَة بَعِيدَةٍ لَمْ تَبْلُغْهُ فِيهَا شَرَائِعُ الْإِسْلَامِ وَنَحْو ذَلِكَ، أو غَلِطَ فَظَنَّ أَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يُسْتَثْنَوْنَ مِن تَحْرِيمِ الْخَمْرِ كَمَا غَلِطَ فِي ذَلِكَ الَّذِينَ استَابَهُم عُمَرُ، وَأَمْثَالُ ذَلِكَ: فَإنَّهُم يُسْتَتَابُونَ وَتقَامُ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ، فَإنْ أَصَرُّوا كَفَرُوا حِينَئِذٍ، وَلَا يُحْكَمُ بِكُفْرِهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ؛ كَمَا لَمْ يَحْكُم الصَّحَابَةُ بِكُفْرِ قدامة بْنِ مَظْعُونٍ وَأَصْحَابِهِ لَمَّا غَلِطُوا فِيمَا غَلِطُوا فِيهِ مِن التَّأوِيلِ. - وَأَمَّا مَعَ الْإِقْرَارِ بِالْوُجُوبِ إذَا تَرَكَ شَيْئًا مِن هَذِهِ الْأَرْكَانِ الْأرْبَعَةِ: فَفِي التَّكْفِيرِ أَقْوَالٌ لِلْعُلَمَاءِ هِيَ رِوَايَات عَن أَحْمَد. وَهَذِهِ الْمَسْألَةُ لَهَا طَرَفَانِ: أَحَدُهُمَا: فِي إثْبَاتِ الْكُفْرِ الظَّاهِرِ. وَالثَّانِي: فِي إثْبَاتِ الْكفْرِ الْبَاطِنِ. فَأَمَّا الطَّرَفُ الثَّانِي: فَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى مَسْأَلَةِ كَوْنِ الْإِيمَانِ قَوْلًا وَعَمَلًا كَمَا تَقَدَّمَ، وَمِن الْمُمْتَنِعِ أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا إيمَانًا ثَابتًا فِي قَلْبِهِ بأَنَّ اللهَ فَرَضَ عَلَيْهِ الصَّلَاةَ وَالزَّكَاةَ وَالصِّيَامَ وَالْحَجَّ، وَيَعِيشُ دَهْرَهُ لَا يَسْجُدُ للّهِ سَجْدَةً، وَلَا يَصُومُ مِن رَمَضَانَ، وَلَا يُؤَدِّي للهِ زَكَاةً، وَلَا يَحُجُّ إلَى بَيْتِهِ، فَهَذَا مُمْتَنِعٌ (١)، وَلَا

стр. 1827

يَصْدُرُ هَذَا إلَّا مَعَ نِفَاقٍ فِي الْقَلْبِ، وَزَنْدَقَةٍ، لَا مَعَ إيمَانٍ صَحِيحٍ؛ وَلهَذَا إنَّمَا يَصِفُ سبْحَانَهُ بِالِامْتِنَاعِ مِن السُّجُودِ الْكفَّارَ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ (٤٣)﴾ [القلم: ٤٣]. وَثَبَتَ أَيْضًا فِي "الصَّحِيحِ" أَنَّ النَّارَ تَأْكلُ مِن ابْنِ آدمَ كُلَّ شَيْءٍ إلَّا مَوْضِعَ السُّجُودِ، فَإنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ أنْ تَأْكُلَهُ، فَعُلِمَ أنَّ مَن لَمْ يَكُن يَسْجُدُ للهِ تَأكُلُهُ النَّارُ كُلّهُ. وَكَذَلِكَ ثَبَتَ فِي "الصَّحِيحِ" أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَعْرِفُ أمَّتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ "غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِن آثَارِ الْوُضُوءِ" (١)، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَن لَمْ يَكن غُرًّا مُحَجَّلًا لَمْ يَعْرِفْهُ النَّبِيُّ ﷺ ، فَلَا يَكُونُ مِن أمَّتِهِ. وَأَمَّا الَّذِينَ لَمْ يُكَفِّرُوا بِتَرْكِ الصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا: فَلَيْسَتْ لَهُم حُجَّة إلَّا وَهِيَ مُتَنَاوِلَة لِلْجَاحِدِ كَتَنَاوُلهَا لِلتَّارِكِ، فَمَا كَانَ جَوَابُهُم عَن الْجَاحِدِ كَانَ جَوَابًا لَهُم عَن التَّارِكِ، مَعَ أَن النُّصُوصَ عَلَّقَت الْكُفْرَ بِالتَّوَلِّي. وَأَجْوَدُ مَا اعْتَمَدُوا عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﷺ : "خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللهُ عَلَى الْعِبَادِ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، فَمَن حَافَظَ عَلَيْهِنُّ كَانَ لَهُ عِنْدَ اللّهِ عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَمَن لَمْ يُحَافِظْ عَلَيْهِنَّ لَمْ يَكن لَهُ عِنْدَ اللهِ عَهْدٌ إنْ شَاء عَذَّبَهُ وَإِن شَاءَ أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ" (٢). قَالُوا: فَقَد جَعَلَ غَيْرَ الْفحَافِظِ تَحْتَ الْمَشِيئَةِ، وَالْكَافِرُ لَا يَكونُ تَحْتَ الْمَشِيئَةِ. وَلَا دَلَالَةَ فِي هَذَا؛ فَإنَّ الْوَعْدَ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا، وَالْمُحَافَظَةُ: فِعْلُهَا فِي أَوْقَاتِهَا؛ كَمَا أَمَرَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]، وَعَدَمُ الْمُحَافَظَةِ يَكُونُ مَعَ فِعْلِهَا بَعْدَ الْوَقْتِ، كَمَا أَخَّرَ النَّبِيُّ ﷺ

стр. 1828

صَلَاةَ الْعَصْرِ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، فَأَنْزَلَ اللّهُ آيَةَ الْأَمْرِ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا وَعَلَى غَيْرِهَا مِن الصَّلَوَاتِ. وَقَد قَالَ تَعَالَى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)﴾ [مريم: ٥٩] فَقِيلَ لِابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِ: مَا إضَاعَتُهَا؟ فَقَالَ: تَأخِيرُهَا عَن وَقْتِهَا فَقَالُوا: مَا كُنَّا نَظُنُّ ذَلِكَ إلَّا تَرْكَهَا فَقَالَ: لَو تَرَكُوهَا لَكانُوا كُفَّارًا. وَبِهَذَا تَزُولُ الشُّبْهَةُ فِي هَذَا الْبَابِ؛ فَإِنَّ كَثِيرًا مِن النَّاسِ بَل أَكْثَرُهُم فِي كَثِيرٍ مِن الْأمْصَارِ لَا يَكُونُونَ مُحَافِظِينَ عَلَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَلَا هُم تَارِكُوهَا بِالْجُمْلَةِ؛ بَل يُصَلُّونَ أَحْيَانًا ويدَعُونَ أَحْيَانًا، فَهَؤُلَاءِ فِيهِمْ إيمَان وَنِفَاقٌ، وَتَجْرِي عَلَيْهِم أَحْكَامُ الْإِسْلَامِ الظَّاهِرَةُ فِي الْمَوَارِيثِ وَنَحْوِهَا مِن الْأَحْكَامِ؛ فَإِنَّ هَذِهِ الْأَحْكَامَ إذَا جَرَتْ عَلَى الْمُنَافِقِ الْمَحْضِ -كَابْنِ أبي وَأَمْثَالِهِ مِن الْمُنَافِقِينَ- فَلَأَنْ تَجْرِيَ عَلَى هَؤُلَاءِ أَوْلَى وَأَحْرَى. [٧/ ٦٠٩ - ٦١٦] * * * (قضاء الفوائت) ٢٤٧٢ - الْمُسَارَعَةُ إلَى قَضَاءِ الْفَوَائِتِ الْكَثِيرَةِ أَوْلَى مِنَ الِاشْتِغَالِ عَنْهَا بِالنَّوَافِلِ (١)، وَأَمَّا مَعَ قِلَّةِ الْفَوَائِتِ فَقَضَاءُ السُّنَنِ مَعَهَا حَسَن؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا نَامَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ عَنِ الصَّلَاةِ -صَلَاةِ الْفَجْرِ- عَامَ حُنين قَضَوْا السُّنَّةَ وَالْفَرِيضَةَ، وَلَمَّا فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ قَضَى الْفَرَائِضَ بِلَا سُنَنٍ، وَالْفَوَائِتُ الْمَفْرُوضَةُ تُقْضَى فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ. [٢٢/ ١٠٤] ٢٤٧٣ - وَسئِلَ ﵀: عَن رَجُلٍ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ: فَجَاءَ إلَى الْمَسْجِدِ فَوَجَدَ الْمَغْرِبَ قَد أُقِيمَتْ فَهَل يصَلِّي الْفَائِتَةَ قَبْلَ الْمَغْرِبِ أَمْ لَا؟

стр. 1829

فَأَجَابَ: بَل يُصَلِّي الْمَغْرِبَ مَعَ الْإمَامِ، ثُمَّ يُصَلِّي الْعَصْرَ بِاتِّفَاقِ الأئِمَّةِ (١). وَلَكِنْ هَل يُعِيدُ الْمَغْرِبَ؟ فِيهِ قَوْلَانِ:

стр. 1830

أَحَدُهُمَا: يُعِيدُ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَد فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ. وَالثَّانِي: لَا يُعِيدُ الْمَغْرِبَ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَوْلُ الشَّافِعيِّ، وَالْقَوْلُ الْآخَرُ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد. وَالثَّانِي أَصَحُّ؛ فَإِنَّ اللّهَ لَمْ يُوجِبْ عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يُصَلِّيَ الصَّلَاةَ مَرَّتَيْنِ إذَا اتَّقَى اللّهَ مَا اسْتَطَاعَ. [٢٢/ ١٠٦] ٢٤٧٤ - إذَا ذَكَرَ أَنَّ عَلَيْهِ فَائِتَةً وَهوَ فِي الْخُطْبَةِ يَسْمَعُ الْخَطِيبَ أَو لَا يَسْمَعُهُ: فَلَهُ أَنْ يَقْضِيَهَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ إذَا أَمْكَنَهُ الْقَضَاءُ وَإِدْرَاكُ الْجُمُعَةِ؛ بَل ذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ عَنِ الصَّلَاةِ وَقْتَ الْخُطْبَةِ لَا يَتَنَاوَلُ النَّهْيَ عَنِ الْفَرِيضَةِ، وَالْفَائِتَةُ مَفْرُوضَةٌ فِي أَصَحِّ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ؛ بَل لَا يَتَنَاوَلُ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إذَا دَخَلَ أَحَدُكمْ الْمَسْجِدَ وَالإمَامُ يَخْطُبُ فَلَا يَجْلِسُ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكعَتَينِ" (١). وَقَد تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِيمَا إذَا ذَكَرَ الْفَائِتَةَ عِنْدَ قِيَامِهِ إلَى الصَّلَاةِ: هَل يَبْدَأُ بِالْفَائِتَةِ وَإِن فَاتَتْهُ الْجُمُعَةُ؟ كَمَا يَقُولُهُ أَبُو حَنِيفَةَ، أَو يُصَلِّي الْجُمُعَةَ ثُمَّ يُصَلِّي الْفَائِتَةَ كَمَا يَقُولُ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَد وَغَيْرُهُمَا (٢). [٢٢/ ١٠٧ - ١٠٨] ٢٤٧٥ - مَن عَلَيْهِ فَائِتَة فَعَلَيْهِ أَنْ يُبَادِرَ إلَى قَضَائِهَا عَلَى الْفَوْرِ، سَوَاءٌ فَاتَتْهُ عَمْدًا أَو سَهْوًا (٣) عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ؛ كَمَالِك وَأَحْمَد وَأَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِمْ،

стр. 1831

وَكَذَلِكَ الرَّاجِحُ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهَا إذَا فَاتَتْ عَمْدًا كَانَ قَضَاؤُهَا وَاجِبًا عَلَى الْفَوْرِ. [٢٣/ ٢٥٩] * * * (القنوت في الفروض والنوافل) ٢٤٧٦ - مَن تَأَمَّلَ الْأَحَادَيثَ عَلِمَ عِلْمًا يَقِينًا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُدَاوِمْ عَلَى الْقُنُوتِ فِي شَيْءٍ مِنَ الصَّلَوَاتِ لَا الْفَجْرِ وَلَا غَيْرِهَا؛ وَلهَذَا لَمْ يَنْقُلْ هَذَا أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ بَل أَنْكَرُوهُ. وَلَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حَرْفًا وَاحِدًا مِمَّا يُظَنُّ أَنَّهُ كَانَ يَدْعُو بِهِ فِي الْقُنُوتِ الرَّاتِبِ، وَإِنَّمَا الْمَنْقُولُ عَنْهُ مَا يَدْعُو بِهِ فِي الْعَارِضِ (١). [٢١/ ١٥٣] ٢٤٧٧ - الدُّعَاءُ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ -كَمَا يَتَّخِذُهُ مَن يَتَّخِذُهُ سُنَّةً رَاتِبَةً فِي دُعَاءِ الْقُنُوتِ فِي النِّصْفِ الْأَخِيرِ مِن شَهْرِ رَمَضَانَ أَو غَيْرِهِ- فَهَذَا إنَّمَا هُوَ مَنْقولٌ عَن عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ كَانَ يَدْعُو بِهِ لَمَّا كَانَ يُجَاهِدُ اهْلَ الْكِتَابِ بِالشَّامِ، وَكَانَ يَدْعُو بِهِ فِي الْمَكْتُوبَةِ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْنُتُ أَحْيَانًا يَدْعُو لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَلْعَنُ الْكَافِرِينَ،

стр. 1832

ويذْكُرُ قَبَائِلَ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ يُحَارِبُونَهُ كمضر ورعل وذكوان وَعُصَيَّةَ، وَعُمَرُ لَمَّا قَاتَلَ أَهْلَ الْكِتَابِ قَنَتَ عَلَيْهِم فِي الْمَكْتُوبَةِ. فَالسُّنَّةُ أَنْ يَقْنتَ عِنْدَ النَّازِلَةِ ويدْعُوَ فِيهَا بِمَا يُنَاسِبُ أُولَئِكَ الْقَوْمَ الْمُحَارِبِينَ. [٢١/ ١٥٤ - ١٥٥] ٢٤٧٨ - يُشرَعُ أَنْ يَقْنتَ عِنْدَ النَّوَازِلِ، يَدْعُو لِلْمُؤمِنِينَ وَيَدْعُو عَلَى الْكُفَّارِ فِي الْفَجْرِ وَفِي غَيْرِهَا مِنَ الصَّلَوَاتِ. وَهَكَذَا كَانَ عُمَرُ ﵁ يَقْنُتُ لَمَّا حَارَبَ النَّصَارَى بِدُعَائِهِ الَّذِي فِيهِ: "اللَّهُمَّ الْعَن كَفَرَةَ اُّهْلِ الْكِتَابِ" إلَى آخِرِهِ. وَكَذَلِكَ عَلِيٌّ ﵁ لَما حَارَبَ قَوْمًا قَنَتَ يَدْعُو عَلَيْهِمْ. وينْبَغِي لِلْقَانِتِ أَنْ يَدْعُوَ عِنْدَ كُلِّ نَازِلَةِ بِالدُّعَاءِ الْمُنَاسِبِ لِتِلْكَ النَّازِلَةِ، وَإِذَا سَمَّى مَن يَدْعُو لَهُم مِن الْمُومِنِينَ وَمَن يَدْعُو عَلَيْهِم مِنَ الْكَافِرِينَ الْمُحَارِبِينَ كَانَ ذَلِكَ حَسَنًا. [٢٢/ ٢٧٠ - ٢٧١] ٢٤٧٩ - قُنُوتُ الْوَتَرِ لِلْعُلَمَاءِ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: قِيلَ: لَا يُسْتَحَبُّ بِحَالٍ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَنَتَ فِي الْوِتْرِ. وَقيلَ: بَل يُسْتَحَبُّ فِي جَمِيع السَّنَةِ؛ كَمَا يُنْقَلُ عَن ابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِ، وَلأنَّ فِي "السُّنَنِ" أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلَّمَ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ ﵄ دُعَاءً يَدْعُو بِهِ فِي قُنُوتِ الْوِتْرِ. وَقيلَ: بَل يَقْنُتُ فِي النِّصْفِ الْأَخِيرِ مِن رَمَضَانَ، كَمَا كَانَ أُبي بْنُ كَعْبٍ يَفْعَلُ. وَحَقِيقَةُ الْأَمْرِ: أَنَّ قُنُوتَ الْوِتْرِ مِن جِنْسِ الدُّعَاءِ السَّائِغِ فِي الصَّلَاةِ، مَن شَاءَ فَعَلَهُ وَمَن شَاءَ تَرَكَهُ، كَمَا يُخَيَّرُ الرَّجُلُ أَنْ يُوتِرَ بِثَلَاثِ أَو خَمْسٍ أَو سَبْعٍ، وَكَمَا يُخَيَّرُ إذَا أَوْتَرَ بِثَلَاثِ إنْ شَاءَ فَصَلَ وَإِن شَاءَ وَصَلَ.

стр. 1833

وَكَذَلِكَ يُخَيَّرُ فِي دُعَاءِ الْقُنُوتِ إنْ شَاءَ فَعَلَهُ وَإِن شَاءَ تَرَكَهُ. وَإِذَا صَلَّى بِهِم قِيَامَ رَمَضَانَ: فَإِنْ قَنَتَ فِي جَمِيعِ الشَّهْرِ فَقَد أَحْسَنَ، وَإِن قَنَتَ فِي النِّصْفِ الْأَخِيرِ فَقَد أَحْسَنَ، وَإِن لَمْ يَقْنُتْ بِحَالٍ فَقَد أَحْسَنَ. كَمَا أَنَّ نَفْسَ قِيَامِ رَمَضَانَ لَمْ يُوَقِّتِ النَّبِيُّ ﷺ فِيهِ عَدَدًا مُعَيَّنًا؛ بَل كَانَ هُوَ ﷺ لَا يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا غَيْرِهِ عَلَى ثَلَاثَ عَشْرَة رَكْعَة. لَكِنْ كَانَ يُطِيلُ الرَّكَعَاتِ، فَلَمَّا جَمَعَهُم عُمَرُ عَلَى أبي بْنِ كَعْبٍ كَانَ يُصَلِّي بِهِم عِشْرِينَ رَكْعَةً، ثُمَّ يُوتِرُ بِثَلَاث، وَكَانَ (١) يُخِفُّ الْقِرَاءَةَ بِقَدْرِ مَا زَادَ مِنَ الرَّكَعَاتِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَخَفُّ عَلَى الْمَأمُومِينَ مِن تَطْوِيلِ الرَّكْعَةِ الْوَاحِدَةِ. ثُمَّ كَانَ طَائِفَةٌ مِنَ السَّلَفِ يَقُومُونَ بِأَرْبَعِينَ رَكْعَةً ويُوتِرُونَ بِثَلَاثِ. وَآخَرُونَ قَامُوا بِسِتِّ وَثَلَاثِينَ وَأَوْتَرُوا بِثَلَاثِ. وَهَذَا كُلُّهُ سَائِغٌ، فَكَيْفَمَا قَامَ فِي رَمَضَانَ مِن هَذِهِ الْوُجُوهِ فَقَد أَحْسَنَ. وَالْأَفْضَلُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ الْمُصَلِّينَ: - فَإِنْ كَانَ فِيهِم احْتِمَالٌ لِطُولِ الْقِيَامِ: فَالْقِيَامُ بِعَشْرِ رَكَعَاتٍ وَثَلَاثٍ بَعْدَهَا -كَمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي لِنَفْسِهِ فِي رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ-: هُوَ الأفْضَلُ (٢).

стр. 1834

- وَإِن كَانُوا لَا يَحْتَمِلُونَهُ: فَالْقِيَام بِعِشْرِينَ هُوَ الْأَفْضَلُ، وَهُوَ الَّذِي يَعْمَلُ بِهِ أَكْثَرُ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّهُ وَسَطٌ بَيْنَ الْعَشْرِ وَبَيْنَ الْأرْبَعِينَ. وَإِن قَامَ بِأَرْبَعِينَ وَغَيْرِهَا جَازَ ذَلِكَ وَلَا يُكْرَهُ شَيءٌ مِن ذَلِكَ، وَقَد نَصَّ عَلَى ذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ كَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِ. وَمَن ظَنَّ أَنَ قِيَامَ رَمَضَانَ فِيهِ عَدَد مُوَقَّت عَن النَّبِيِّ ﷺ لَا يُزَادُ فِيهِ وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُ فَقَد أَخْطَأ (١). [٢٢/ ٢٧١ - ٢٧٢] * * * (بَابُ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ) ٢٤٨٠ - الصَّحِيحُ: أَنْ الْأَذَانَ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ فَلَيْسَ لِأهْلِ مَدِينَةٍ وَلَا قَرْيَةٍ أَنْ يَدَعُوا الْأَذَانَ وَالْإِقَامَةَ. وَأَمَّا مَن زَعَمَ أَنَّهُ سُنَّةٌ لَا إثْمَ عَلَى تَارِكِيهِ وَلَا عُقُوبَةَ فَهَذَا الْقَوْلُ خَطَأٌ؛ فَإنَّ الْأذَانَ هُوَ شِعَارُ دَارِ الْإِسْلَامِ الَّذِي ثَبَتَ فِي "الصَّحِيحِ" أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُعَلِّقُ اسْتِحْلَالَ أَهْلِ الدَّارِ بِتَرْكِهِ، فَكَانَ يُصَلِّي الصُّبْحَ ثُمَّ يَنْظُرُ: فَإِنْ سَمِعَ مُؤَذِّنًا لَمْ يُغِرْ وَإِلَّا أَغَارَ. [٢٢/ ٦٤ - ٦٥] ٢٤٨١ - لا يجوز أخذُ الأجرةِ عليهما، وقيل: يجوز إن كان فقيرًا ولا يجوز مع غناه، واختاره الشيخ تقي الدين، قال: وكذا كل قربة. [المستدرك ٣/ ٥٧] ٢٤٨٢ - وأما التَّرْجِيعُ وَتَرْكُة، وَتَثْنِيَةُ التَّكْبِيرِ وَتَرْبِيعه، وَتَثْنِيَةُ الْإِقَامَةِ

стр. 1835

وَإِفْرَادُهَا: فَقَد ثَبَتَ فِي "صَحِيحِ مُسْلِمٍ" وَ"السُّنَنِ": حَدِيثُ أَبِي مَحْذُورَةَ الَّذِي عَلَّمَهُ النَّبِيُّ ﷺ الْأذَانَ عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَكَانَ الْأَذَانُ فِيهِ وَفِي وَلَدِهِ بِمَكَّةَ، ثَبَتَ أَنَّهُ عَلَّمَهُ الْأَذَانَ وَالْإِقَامَةَ وَفيهِ التَّرْجِيعُ. وَروي فِي حَدِيثِهِ "التَّكْبِيرُ مَرَّتَيْنِ" كَمَا فِي "صَحِيحِ مُسْلِمٍ". وَروي "أرْبَعًا" كَمَا فِي "سُنَنِ أَبِي دَاوُد" وَغَيْرِهِ. وَفِي حَدِيثِهِ أَنَّهُ عَلَّمَهُ الْإِقَامَةَ شَفْعًا. وَثَبَتَ فِي "الصَّحِيحِ" عَن أنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: "أُمرَ بِلَال أَنْ يَشْفَعَ الْأذَانَ ويُوتِرَ الْإِقَامَةَ" (١)، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: "إلَّا الْإِقَامَةَ". وَفِي "سُنَنِ أَبِي دَاوُد" وَغَيْرِهِ انَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ زيدٍ لَمَّا أُريَ الْأَذَانَ أَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُلْقِيَهُ عَلَى بِلَالِ فَأَلْقَاهُ عَلَيْهِ، وَفِيهِ: "التَّكبِيرُ أَرْبَعًا بِلَا تَرْجِيعٍ". وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ: فَالصَّوَابُ مَذْهَبُ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَمَن وَافَقَهُمْ، وَهُوَ تَسْوِيغُ كلِّ مَا ثَبَتَ فِي ذَلِكَ عَن النَّبِيِّ ﷺ ، لَا يَكْرَهُونَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ، إذ تَنَوُّعُ صِفَةِ الْأذَانِ وَالْإِقَامَةِ كَتَنَوُّعِ صِفَةِ الْقِرَاءَاتِ وَالتَّشَهُّدَاتِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَكْرَهَ مَا سَنَّهُ رَسُولُ اللّهِ ﷺ لِأمَّتِهِ. وَأَمَّا مَن بَلَغَ بِهِ الْحَالُ إلَى الِاخْتِلَافِ وَالتَّفَرُّقِ حَتَّى يُوَالِيَ وَيُعَادِيَ وَيُقَاتِلَ عَلَى مِثْل هَذَا وَنَحْوِهِ مِمَّا سَوَّغَهُ اللهُ تَعَالَى: فَهَؤُلَاءِ مِن الَّذِينَ فَرَّقُوا دِيْنَهُم وَكَانُوا شِيَعًا. وَكَذَلِكَ مَا يَقُولُهُ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ -وَلَا أحِبُّ تَسْمِيَتَهُ- (٢) مِن كَرَاهَةِ بَعْضِهِمْ لِلتَّرْجِيعِ وَظَنِّهِمْ أَنَّ ابَا مَحْذُورَةَ غَلِطَ فِي نَقْلِهِ وَأنَّهُ كَرَّرَهُ ليَحْفَظَهُ. وَإِن كَانَ أَحْمَد وَغَيْرُهُ مِن أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ يَخْتَارُونَ أذَانَ بِلَالٍ وَإِقَامَتَهُ؛

стр. 1836

لِمُدَاوَمَتِهِ عَلَى ذَلِكَ بِحَضْرَتِهِ ﷺ . فَهَذَا كَمَا يَخْتَارُ بَعْضَ الْقِرَاءَاتِ وَالتَّشَهّدَاتِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَمِن تَمَامِ السُّنَّةِ فِي مِثْل هَذَا: أَنْ يُفْعَلَ هَذَا تَارَةً وَهَذَا تَارَةً، وَهَذَا فِي مَكَانٍ وَهَذَا فِي مَكَانٍ؛ لِأَنَّ هَجْرَ مَا وَرَدَتْ بِهِ السُّنَّةُ وَمُلَازِمَةَ غَيْرِهِ قَد يُفْضِي إلَى أَنْ يَجْعَلَ السُّنَّةَ بِدْعَة، وَالْمُسْتَحَبَّ وَاجِبًا، ويُفْضِيَ ذَلِكَ إلَى التَّفَرُّقِ وَالِاخْتِلَافِ إذَا فَعَلَ آخَرُونَ الْوَجْهَ الْآخَرَ. فَيَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يُرَاعِيَ الْقَوَاعِدَ الْكُلِّيَّةَ الَّتِي فِيهَا الِاعْتِصَامُ بِالسُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، لَا سِيَّمَا فِي مِثْل صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ. وَالتَّرْجِيعُ فِي الْأذَانِ: اخْتِيَارُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ، لَكِنَّ مَالِكًا يَرَى التَّكْبِيرَ مَرَّتَيْنِ وَالشَّافِعِيَّ يَرَاهُ أَرْبَعًا. وَتَرْكُهُ (١) اخْتِيَارُ أَبِي حَنِيفَةَ. وَأَمَّا أَحْمَد فَعِنْدَهُ كِلَاهُمَا سُنَّةٌ وَتَرْكُهُ أَحَبُّ إلَيْهِ؛ لِأَّنَّهُ أَذَانُ بِلَالٍ. وَالْإِقَامَةُ يَخْتَارُ إفْرَادَهَا مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَد، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يَقُولُ: إنَّ تَثْنِيَتَهَا سُنَّةٌ. وَالثَّلَاثَةُ: أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَد يَخْتَارُونَ تَكْرِيرَ لَفْظِ الْإِقَامَةِ دُونَ مَالِكٍ (٢). [٢٢/ ٦٥ - ٦٦]

стр. 1837

٢٤٨٣ - يستحب للمؤذن أنْ يرفع فَمَه ووجهه إلى السماء إذا أَذَّن أو أقام ونصَّ عليه أحمد، كما يستحب للذي يتشهد عقيب الوضوء أن يرفع بصره إلى السماء، وكما يستحب للمحرم بالصلاة أن يرفع رأسه قليلًا؛ لأن التهليل والتكبير إعلان بذكر الله لا يصلح إلا له، فاستحب الإشارة إليه كما تستحب الإشارة بالأصبع الواحدة في التشهد والدعاء، وهذا بخلاف الصلاة والدعاء إذ المستحب فيه خفض الطرف. [المستدرك ٣/ ٥٧] ٢٤٨٤ - الْأَذَانُ لِلْوَقْتِ الَّذِي تفْعَلُ فِيهِ، لَا الْوَقْتُ الَّذِي تَجِبُ فِيهِ [٢٢/ ٧٢] ٢٤٨٥ - إذَا سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ يُؤَذِّنُ وَهُوَ فِي صَلَاةٍ فَإنَّهُ يُتِمُّهَا وَلَا يَقُولُ مِثْل مَا يَقُولُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ (١). وَأَمَّا إذَا كَانَ خَارجَ الصَّلَاةِ فِي قِرَاءَةٍ أو ذِكْرٍ أَو دُعَاءٍ: فَإنَّهُ يَقْطَعُ ذَلِكَ

стр. 1838

ويقُولُ مِثْل مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ؛ لِأَنَّ مُوَافَقَةَ الْمُؤَذِّنِ عِبَادَةٌ مُؤَقَّتَة يَفُوتُ وَقْتُهَا، وَهَذ الْأَذْكَارُ لَا تَفُوتُ. وَإِذَا قَطَعَ الْمُوَالَاةَ فِيهَا (١) لِسَبَبٍ شَرْعِيٍّ كَانَ جَائِزًا؛ مِثْل مَا يَقْطَعُ الْمُوَالَاةَ فِيهَا بِكَلَامٍ لِمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِن خِطَابِ آدَمِيٍّ وَأَمْرٍ بِمَعْرُوفٍ وَنَهْي عَن مُنْكَرٍ، وَكَذَلِكَ لَو قَطَعَ الْمُوَالَاةَ بِسُجُودِ تِلَاوَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، بِخِلَافِ الصَّلَاةً فَإِنَّهُ لَا يَقْطَعُ مُوَالَاتَهَا بِسَبَبِ آخَرَ. [٢٢/ ٧٢ - ٧٣] ٢٤٨٦ - في إجزاء الأذان في الفاسق روايتان: أقواهما عدمه لمخالفته أمر النبي ﷺ وأما ترتيب الفاسق مؤذنًا فلا ينبغي قولًا واحدًا. [المستدرك ٣/ ٥٨] ٢٤٨٧ - الأشبه أنَّ الأذان الذي يُسقط الفرض عن أهل القرية ويعتمد في وقت الصلاة والصيام: لا يجوز أن يباشره صبي قولًا واحدًا، ولا يُسقط الفرض، ولا يُعتد به في مواقيت العبادات، وأما الأذان الذي يكون سُنَّة مؤكدة في مثل المساجد التي في المصر ونحو ذلك فهذا فيه الروايتان، والصحيح جوازه. [المستدرك ٣/ ٥٨] ٢٤٨٨ - وأما المؤذنون الذين يؤذنون مع المؤذن الراتب يوم الجمعة في مثل صحن المسجد فليس أذانهم مشروعًا باتفاق الأئمة؛ بل ذلك بدعة منكرة. [المستدرك ٣/ ٥٨] ٢٤٨٩ - يستحب إذا أخذ المؤذن في الأذان أن لا يقوم؛ إذ في ذلك تشبهٌ بالشيطان. قال أحمد: لا يقومُ أولَ ما يبدأ ويصبر قليلًا. [المستدرك ٣/ ٥٩] ٢٤٩٠ - يجيب مُؤذِنًا ثانيًا وأكثر حيث يستحب ذلك، كما كان المؤذنان يؤذنان على عهد النبي ﷺ . [المستدرك ٣/ ٥٩]

стр. 1839

٢٤٩١ - الخروج من المسجد بعد الأذان منهي عنه، وهل هو حرام أو مكروه؟ في المسألة وجهان إلا أن يكون التأذين للفجر قبل الوقت فلا يكره الخروج نص عليه أحمد. [المستدرك ٣/ ٥٩] ٢٤٩٢ - الإقامة كالنداء بالأذان. [المستدرك ٣/ ٦٠] ٢٤٩٣ - إذا أقيمت الصلاة وهو قائم استحب له أن يجلس، وإن لم يكن صلى تحية المسجد، قال ابن منصور: رأيت أبا عبد اللّه أحمد خرج عند المغرب فحين انتهى إلى موضع الصف أخذ المؤذن في الإقامة فجلس (١). ٢٤٩٤ - السُّنَّة أن ينادي للكسوف: "الصلاة جامعة" (٢) ولا ينادي للعيد والاستسقاء؛ ولهذا لا يشرع للجنازة ولا للتراويح على نص أحمد؛ لأنه لم ينقل عن النبي ﷺ ، والقياس على الكسوف فاسد الاعتبار. [المستدرك ٣/ ٦٠] ٢٤٩٥ - اتفق العلماء على أنه لا يُستحب التبليغ (٣) بل يكره إلا لحاجة؛ مثل ضعف صوت الإمام، وبُعْدِ المأموم ونحوه، وقد اختلفوا فيه في هذه الحال، والمعروف عن أحمد أنه جائز وأصح قولي مالك، وأما عند عدم الحاجة فبدعة؛ بل صرح كثير منهم أنه مكروه؛ بل قد ذهب طائفة من أصحاب مالك وأحمد إلى أنه يبطل صلاة المبلغ لغير حاجة ولم يستحبه أحد من العلماء حينئذ، ومن أصر على اعتقاد كونه قربة فإنه يعزر وهذا أقل أحواله. [المستدرك ٣/ ٦٠] ٢٤٩٦ - ليس الأذان بواجب للصلاة الفائتة، وإذا صلى وحده أداءً أو قضاءً وأَذَّن وأَقام فقد أحسن، وإن اكتفى بالإقامة أجزأه، وإن كان يقضي

стр. 1840

صلوات فأَذَّن أول مرة وأقام لبقية الصلوات كان حسنًا أيضًا. [المستدرك ٣/ ٦١] ٢٤٩٧ - هو (١) أفضل من الإمامة، وهو أصح الروايتين عن أحمد، واختيار أكثر أصحابه. وأما إمامته ﷺ وإمامة الخلفاء الراشدين فكانت متعينة عليهم؛ فإنها وظيفة الإمام الأعظم، ولم يكن يُمْكن الجمع بينها وبين الأذان، فصارت الإمامة في حقهم أفضل من الأذان لخصوص أحوالهم، وإن كان لأكثر الناس الأذان أفضل. [المستدرك ٣/ ٦١] * * * (بَابُ شرُوطِ الصَّلَاةِ) الوقت ٢٤٩٨ - يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أنْ يُصَلِّيَ الصَلَوَاتِ الْخَمْسَ فِي مَوَاقِيتِهَا، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ قَطُّ أَنْ يُؤَخِّرَ الصَّلَاةَ عَن وَقْتِهَا لَا لِعُذْرٍ وَلَا لِغَيْرِ عُذْرٍ. وَمَا تَرَكَ لِجَهْلِهِ بِالْوَاجِبِ؛ مِثْلُ مَن كَانَ يُصَلِّي بِلَا طُمَأنِينَةٍ وَلَا يَعْلَمُ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ فَهَذَا قَد اخْتَلَفُوا فِيهِ: هَل عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ أَو لَا؟ وَالصَّحِيحُ: أَنَّ مِثْل هَذَا لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ؛ فَإنَّ النَبِيَّ ﷺ قَد ثَبَتَ عَنْهُ فِي "الصَّحِيحِ" أَنَّهُ قَالَ لِلْأَعْرَابِيِّ الْمُسِيءِ فِي صَلَاتِهِ: "اذْهَبْ فَصَلِّ فَإنَّك لَمْ تُصَلِّ- مَرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا- فَقَالَ: وَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَق لَا أُحْسِنُ غَيْرَ هَذَا فَعَلِّمْنِي مَا يَجْزِينِي فِي صَلَاتي" (٢) فَعَلَّمَهُ النَّبِيُّ ﷺ الصَّلَاةَ بِالطُّمَانِينَةِ. وَلَمْ يَأمُرْة بِاِعَادَةِ مَا مَضَى قَبْلَ ذَلِكَ الْوَقْتِ، مَعَ قَوْلِهِ: وَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ لَا أُحْسِنُ غَيْرَ هَذَا، وَلَكِنْ أَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ تِلْكَ الصَّلَاةَ؛ لِأَنَّ وَقْتَهَا بَاقٍ، فَهُوَ مَأْمُورٌ بِهَا أَنْ يُصَلِّيَهَا فِي وَقْتِهَا، وَأَمَّا مَا خَرَجَ وَقْتُهُ مِن الصَّلَاةِ فَلَمْ يَأْمُرْهُ

стр. 1841

بِإِعَادَتِهِ مَعَ كَوْنِهِ قَد تَرَكَ بَعْضَ وَاجِبَاتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُن يَعْرِفُ وُجُوبَ ذَلِكَ عَلَيْهِ. وَكَذَلِكَ الَّذِينَ أَكَلُوا فِي رَمَضَانَ حَتَّى تَبَيَّنَ لِأحَدِهِمْ الْحِبَالُ الْبِيضُ مِن الْحِبَالِ السُّودِ أَكَلُوا بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَلَمْ يَأمُرْهُم بِالْإِعَادَةِ، فَهَؤُلَاءِ كَانُوا جُهَّالًا بِالْوُجُوبِ، فَلَمْ يَأمُرْهُم بِقَضَاءِ مَا تَرَكُوهُ فِي حَالِ الْجَهْلِ، كَمَا لَا يُؤْمَرُ الْكَافِرُ بِقَضَاءِ مَا تَرَكَهُ فِي حَالِ كُفْرِهِ وَجَاهِلِيَّتِهِ، بِخِلَافِ مَن كَانَ قَد عَلِمَ الْوُجُوبَ وَتَرَكَ الْوَاجِبَ نِسْيَانًا، فَهَذَا أَمَرَهُ بِهِ إذَا ذَكَرَهُ. وَأَمر النَّائِمَ مِن حِينِ يَسْتَيْقِظ، فَإِنَّهُ حِينَ النَّوْمِ لَمْ يَكُن مَأمُورًا بِالصَّلَاةِ، فَلِهَذَا كَانَ النَّائِمُ إذَا اسْتَيْقَظَ قُرْبَ طُلُوعِ الشَّمْسِ يَتَوَضَّأُ ويغْتَسِل وَإِن طَلَعَتْ الشَّمْسُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاء؛ كَالشَّافِعيِّ وَأَحْمَد وَأَبِي حَنِيفَةَ وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن مَالِكٍ، بِخِلَافِ مَن كَانَ مُسْتَيْقِظًا وَالْوَقْتُ وَاسِعٌ، مِثْلُ الَّذِي يَكُونُ نَائِمًا فِي بُسْتَانٍ أَو قَرْيَةٍ وَالْمَاءُ بَارِد يَضُرُّهُ، وَالْحَمَّامُ بَعِيدٌ مِنْهُ إنْ خَرَجَ إلَيْهِ ذَهَبَ الْوَقْتُ، فَإِنَّهُ يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي فِي الْوَقْتِ وَلَا يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ. وَكَذَلِكَ لَو كَانَ فِي الْمِصْرِ وَقَد تَعَذَّرَ عَلَيْهِ دُخُولُ الْحَمَّامِ: إمَّا لِكَوْنِهِ لَمْ يُفْتَحْ، أَو لِبُعْدِهَا عَنْهُ، أَو لِكَوْنِهِ لَيْسَ مَعَهُ مَا يُعْطِي الحمامي أُجْرَتَهُ وَنَحْو ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يُصلِّي بِالتَّيَمُّمِ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ بِالتَّيَمُّمِ فَرْضٌ إذَا عَجَزَ عَن الْمَاءِ لِعَدَمٍ أَو لِخَوْفِ الضَّرَرِ بِاسْتِعْمَالِهِ، وَلَا إعَادَةَ عَلَى أَحَدٍ مِن هَؤُلَاءِ، فَفِي كَثِيرٍ مِن الضَّرَرِ لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ؛ كَالْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ، وَبَعْضُ الضَّرَرِ تَنَازَعَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ، وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ لَا إعَادَةَ عَلَى أَحَدٍ صَلَّى بِحَسَبِ اسْتِطَاعَتِهِ كَمَا أَمَرَ. [٢١/ ٤٢٨ - ٤٣١] ٢٤٩٩ - دَلَّ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ عَلَى أَنَّ الْمَوَاقِيتَ "خَمْسَةٌ" فِي حَالِ الِاخْتِيَارِ، وَهِيَ: "ثَلَاثَة" فِي حَالِ الْعُذْرِ، فَفِي حَالِ الْعُذْرِ إذَا جَمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ: بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، فَإِنَّمَا صَلَّى الصَّلَاةَ فِي وَقْتِهَا، لَمْ يُصَلِّ وَاحِدَةً بَعْدَ وَقْتِهَا؛ وَلهَذَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ أَنْ يَنْوِيَ الْجَمْعَ وَلَا

стр. 1842

يَنْوِيَ الْقَصْرَ (١). وَلهَذَا كَانَ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ: كَمَالِكِ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد إذَا طَهُرَتْ الْحَائِضُ فِي آخِرِ النَّهَارِ صَلَّتِ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، وَإذَا طَهُرَتْ فِي آخِرِ اللَّيْلِ صَلَّتْ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا؛ لِأنَّ الْوَقْتَ مُشْتَرِكٌ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي حَالِ الْعُذْرِ، فَإذَا طَهُرَتْ فِي آخِرِ النَّهَارِ فَوَقْتُ الظُّهْرِ بَاقٍ فَتُصَلِّيهَا قَبْلَ الْعَصْرِ، وَإِذَا طَهُرَتْ فِي اَخِرِ اللَّيْلِ فَوَقْت الْمَغْرِبِ بَاقٍ فِي حَالِ الْعُذْرِ فَتُصَلِّيهَا قَبْلَ الْعِشَاء. [٢١/ ٤٣٤] ٢٥٠٠ - إِذَا أَمْكَنَ الرَّجُلُ أو الْمَرْأةُ أَنْ يَغْتَسِلَ وَيُصَلِّيَ خَارجَ الْحَمَّام فَعَلَا ذَلِكَ. فَإِنْ لَمْ يُمْكن ذَلِكَ؛ مِثْل أَنْ لَا (٢) يَسْتَيْقِظَ أوَّلَ الْفَجْرِ، وَإن اشْتَغَلَ بِطَلَبِ الْمَاءِ خَرَجَ الْوَقْتُ، وَإن طَلَبَ حَطَبًا يُسَخِّنُ بِهِ الْمَاءَ أَو ذَهَبَ إلَى الْحَمَّامِ فَاتَ الْوَقْتُ: فَإِنَّهُ يُصَلِّي هُنَا بِالتَّيَمُّمِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، إلَّا أَنَّ بَعْضَ الْمُتَأَخِّرِينَ مِن أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد قَالُوا: يَشْتَغِلُ بِتَحْصِيلِ الطَّهَارَةِ وَإِن فَاتَ الْوَقْتُ. وَهَذَا الْقَوْلُ خَطَأٌ؛ فَإنَّ قِيَاسَ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ الْمُسَافِرَ (٣) يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ حَتَّى يُصَلِّيَ بَعْدَ الْوَقْتِ بِالْوُضُوءِ، وَأنَّ الْعُرْيَانَ يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ حَتى يُصَلِّيَ بَعْدَ الْوَقْتِ بِاللِّبَاسِ! وَهَذَا خِلَافُ إجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ؛ بَل عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يُصَلِّيَ فِي الْوَقْتِ بِحَسَبِ الْإمْكَانِ، وَمَا عَجَزَ عَنْهُ مِن وَاجِبَاتِ الصَّلَاةِ سَقَطَ عَنْهُ.

стр. 1843

وَأَمَّا (١) إذَا اسْتَيْقَظَ آخِرَ الْوَقْتِ، وإن (٢) اشْتَغَلَ بِاسْتِقَاءِ الْمَاءِ مِن الْبِئْرِ خَرَجَ الْوَقْتُ، أَو إنْ ذَهَبَ إلَى الْحَمَّامِ لِلْغُسْلِ خَرَجَ الْوَقْتُ: فَهَذَا يَغْتَسِلُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ. وَمَالكٌ ﵀ يَقُولُ: بَل يُصَلِّي بِالتَّيّمُّمِ مُحَافَظَةً عَلَى الْوَقْتِ (٣). وَالْجُمْهُورُ يَقُولُونَ: إذَا اسْتَيْقَظَ آخِرَ الْوَقْتِ فَهُوَ حِينَئِذٍ مَأمُورٌ بِالصَّلَاةِ؛ فَالطَّهَارَةُ وَالْوَقْتُ فِي حَقِّهِ مِن حِينَ اسْتَيْقَظَ، وَهُوَ مَا يُمْكِنُهُ فِعْلُ الصَّلَاةِ فِيهِ، وَقَد قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَن نَامَ عَن صَلَاةٍ أَو نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكرَهَا فَإِنَّ ذَلِكَ وَقْتُهَا" (٤). فَالْوَقْتُ الْمَأُمُورُ بِالصَّلَاةِ فِيهِ فِي حَقِّ النَّائِمِ هُوَ إذَا اسْتَيْقَظَ لَا مَا قَبْلَ ذَلِكَ، وَفِي حَقِّ النَّاسِي إذَا ذَكَرَ. [٢١/ ٤٤٦ - ٤٤٧] ٢٥٠١ - إِنَّ الْأصُولَ مُتَّفِقَةٌ عَلَى أَنَّهُ مَتَى دَارَ الْأَمْرُ بَيْنَ الْإِخْلَالِ بِوَقْتِ الْعِبَادَةِ وَالْإخْلَالِ ببَعْضِ شُرُوطِهَا وَأَرْكَانِهَا: كَانَ الْإِخْلَالُ بِذَلِكَ أَوْلَى؛ كَالصَّلَاةِ فَإنَّ الْمُصَلِّيَ لَو أَمْكَنَهُ أَنْ يُصَلِّيَ قَبْلَ الْوَقْتِ بِطَهَارَة وَسِتَارَةٍ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ مُجْتَنِبَ النَّجَاسَةِ وَلَمْ يُمْكنْهُ ذَلِكَ فِي الْوَقْتِ فَإنَّهُ يَفْعَلُهَا فِي الْوَقْتِ عَلَى الْوَجْهِ الْمُمْكِنِ وَلَا يَفْعَلُهَا قَبْلَهُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالإِجْمَاعِ. وَكَذَلِكَ أَيْضًا لَا يُؤَخِّرُ الْعِبَادَةَ عَنِ الْوَقْتِ بَل يَفْعَلُهَا فِيهِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ، وَإِنَّمَا يُرَخَّصُ لِلْمَعْذُورِ فِي الْجَمْعِ لِأَنَّ الْوَقْتَ وَقْتَانِ: وَقْتٌ مُخْتَصٌّ لِأهْلِ الرَّفَاهِيَةِ، وَوَقْتٌ مُشْتَرَكٌ لِأَهْلِ الْأَعْذَارِ، وَالْجَامِعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ صَلَّاهُمَا فِي الْوَقْتِ الْمَشْرُوعِ لَمْ يُفَوّتْ وَاحِدَةً مِنْهُمَا وَلَا قَدَّمَهَا عَلَى الْوَقْتِ الْمُجْزِئِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ. [٢٦/ ٢٣٢]

стр. 1844

٢٥٠٢ - الصَّلَاةُ فِي الْوَقْتِ فَرْضٌ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ وَالِاسْتِطَاعَةِ وَإِن كَانَت صَلَاةً نَاقِصَةً، حَتَّى الْخَائِفُ يُصَلّي صَلَاةَ الْخَوْفِ فِي الْوَقْتِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ وَلَا يُفَوّتُهَا لِيُصَلِّيَ صَلَاةَ أَمْنٍ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ، حَتَّى فِي حَالِ الْمُقَاتَلَةِ يُصَلِّي وَيُقَاتِلُ وَلَا يُفَوِّتُ الصَّلَاةَ لِيُصَلِّيَ بِلَا قِتَالٍ. فَالصَّلَاةُ الْمَفْرُوضَةُ فِي الْوَقْتِ وَإِن كَانَت نَاقِصَةً خَيْرٌ مِن تَفْوِيتِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْوَقْتِ وَإِن كَانَت كَامِلَةً؛ بَل الصَّلَاةُ بَعْدَ تَفْوِيتِ الْوَقْتِ عَمْدًا لَا تُقْبَلُ مِن صَاحِبِهَا، وَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ إثْمُ التَّفْوِيتِ الْمُحَرَّمِ، وَلَو قَضَاهَا بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ. [٢١/ ٤٥٥ - ٤٥٦] ٢٥٠٣ - لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُؤَخِّرَ صَلَاةَ النَّهَارِ إلَى اللَّيْلَ، وَلَا يُؤَخِّرَ صَلَاةَ اللَّيْلِ إلَى النَّهَارِ لِشُغْلٍ مِنَ الْأَشْغَالِ، لَا لِحَصْدٍ وَلَا لِحَرْثٍ وَلَا لِصَنَاعَةٍ وَلَا لِجَنَابَةٍ وَلَا نَجَاسَةٍ وَلَا صَيْدٍ وَلَا لَهْوٍ وَلَا لَعِبٍ وَلَا لِخِدْمَةِ أُسْتَاذٍ وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ. وَالنَّبِيُّ ﷺ كَانَ أَخَّرَ صَلَاةَ الْعَصْرِ يَوْمَ الْخَنْدَقِ لِاشْتِغَالِهِ بِجِهَادِ الْكفَّارِ، ثُمَّ صَلَّاهَا بَعْدَ الْمَغْرِبِ، فَانْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]. وَقَد ثَبَتَ فِي "الصَّحِيحَيْنِ" عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ الصَّلَاةَ الْوُسْطَى صَلَاةُ الْعَصْرِ. فَلِهَذَا قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ: إنَّ ذَلِكَ التَّأخِيرَ مَنْسُوخ بِهَذِهِ الْآيَةِ، فَلَمْ يُجَوِّزُوا تَأْخِيرَ الصَّلَاةِ حَالَ الْقِتَالِ؛ بَل أَوْجَبُوا عَلَيْهِ الصَّلَاةَ فِي الْوَقْتِ حَالَ الْقِتَالِ. وَلَكنْ يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِعَرَفَةَ، وَبَيْنَ الْمَغْرِب وَالْعِشَاءِ بمزدلفة بِاتفَاقِ الْمُسْلِمِينَ. وَكَذَلِكَ يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، وَبَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ عِنْدَ كَثِيرٍ مِن الْعُلَمَاءِ لِلسَّفَرِ وَالْمَرَضِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِن الْأَعْذَارِ.

стр. 1845

وَأَمَّا تَأخِيرُ صَلَاةِ النَّهَارِ إلَى اللَّيْلِ، وَتَأْخِيرُ صَلَاةِ اللَّيْلِ إلَى النَّهَارِ: فَلَا يَجُوزُ لِمَرَض وَلَا لِسَفَر، وَلَا لِشَغْل مِن الْأشْغَالِ، وَلَا لِصَنَاعَةٍ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ؛ بَل قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: الْجَمْعُ بَيْنَ صَلَاتَيْنِ مِن غَيْرِ عُذْرٍ مِن الْكَبَائِرِ (١). والْمَرِيضُ لَهُ أَنْ يُؤَخِّرَ الصَّوْمَ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُؤَخِّرَ الصَّلَاةَ بِاتّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، وَالْمُسَافِرُ لَهُ أنْ يُؤَخِّرَ الصِّيَامَ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُؤَخرَ الصَّلَاةَ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ. وَهَذَا مِمَّا يُبَيِّن أَنَّ الْمُحَافَظَةَ عَلَى الصَّلَاةِ فِي وَقْتِهَا أَوْكَدُ مِن الصَّوْمِ فِي وَقْتِهِ. وقَالَ تَعَالَى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ [مريم: ٥٩] قَالَ طَائِفَةٌ مِن السَّلَفِ: إضَاعَتهَا تَأْخِيرُهَا عَن وَقْتِهَا، وَلَو تَرَكُوهَا لَكَانُوا كُفَّارًا. وَمَن ظَنَّ أَنَّ الصَّلَاةَ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ بِالْمَاءِ خَيْرٌ مِن الصَّلَاةِ فِي الْوَقْتِ بِالتَّيَمُّمِ فَهُوَ ضَالٌّ جَاهِلٌ. وَإذَا اسْتَيْقَظَ آخِرَ وَقْتِ الْفَجْرِ فَإذَا اغْتَسَلَ طَلَعَتْ الشَّمْسُ: فَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ هنَا يَقُولُونَ: يَغْتَسِلُ وَيُصَلِّي بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَهَذَا مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد، وَأَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ. وَقَالَ فِي الْقَوْلِ الآخَرِ: بَل يَتَيَمَّمُ أَيْضًا هُنَا وَيُصَلِّي قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ فِي الْوَقْتِ بِالتَّيمُّمِ خَيْرٌ مِن الصَّلَاةِ بَعْدَهُ بِالْغُسْلِ.

стр. 1846

وَالصحِيحُ: قَوْلُ الْجُمْهُورِ؛ لِأَنَّ الْوَقْتَ فِي حَقِّ النَّائِمِ هُوَ مِن حِينِ يَسْتَيْقِظُ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَن نَامَ عَن صَلَاةٍ أَو نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا فَاِنَّ ذَلِكَ وَقْتُهَا" (١). فَالْوَقْتُ فِي حَقّ النَّائِمِ هُوَ مِن حِينِ يَسْتَيْقِظُ، وَمَا قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ يَكُن وَقْتا فِي حَقِّهِ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ: فَإِذَا اسْتَيْقَظَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَلَمْ يُمْكنْه الِاغْتِسَالُ وَالصَّلَاةُ إلا بَعْدَ طُلُوعِهَا فَقَد صَلَّى الصَّلَاةَ فِي وَقْتِهَا وَلَمْ يُفَوِّتْهَا، بِخِلَافِ مَن اسْتَيْقَظَ فِي أَؤَلِ الْوَقْتِ فَإِنَّ الْوَقْتَ فِي حَقِّهِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُفَوّتَ الصَّلَاةَ. وَكَذَلِكَ مَن نَسِيَ صَلَاةً وَذَكَرَهَا فَإِنَّهُ حِينَئِذ يَغْتَسِلُ وَيُصَلِّي فِي أَيِّ وَقْتٍ كَانَ، وَهَذَا هُوَ الْوَقْتُ فِي حَقِّهِ. فَإِذَا لَمْ يَسْتَيْقِظْ إلَّا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، كَمَا اسْتَيْقَظَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ لَمَّا نَامُوا عَن الصَّلَاةِ عَامَ خَيْبَرَ: فَإِنَّهُ يُصَلِّي بِالطَّهَارَةِ الْكَامِلَةِ وَإِن أَخَّرَهَا إلَى حِينِ الزَّوَالِ، فَاِذَا قُدّرَ أَنَّهُ كَانَ جُنبا فَاِنَّهُ يَدْخُلُ الْحَمَّامَ ويغْتَسِلُ وإِن أَخَّرَهَا إلَى قَرِيبِ الزَّوَالِ، وَلَا يُصَلِّي هُنَا بِالتَّيَمُّمِ. ويُسْتَحَبُّ أَنْ يَنْتَقِلَ عَن الْمَكَانِ الَّذِي نَامَ فِيهِ، كَمَا انْتَقَلَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ عَن الْمَكَانِ الَّذِي نَامُوا فِيهِ، وَقَالَ: "هذَا مَكَانٌ حَضَرَنَا فِيهِ الشَّيْطَانُ " (٢). وَإِن صَلَّى فِيهِ جَازَتْ صَلَاتُهُ. فَإِنْ قِيل: هَذَا يُسَمَّى قَضَاءً أَو أَدَاءً؟ قِيلَ: الْفَرْقُ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ هُوَ فَرْن اصْطِلَاحِيٌّ، لَا أَصْلَ لَهُ فِي كَلَامِ اللهِ وَرَسُولِهِ؛ فَإِنَّ اللّهَ تَعَالَى سَمَّى فِعْلَ الْعِبَادَةِ فِي وَقْتِهَا قَضَاءً، كَمَا قَالَ فِي

стр. 1847

الْجُمُعَةِ: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: ٢٠٠] مَعَ أَنَّ هَذَيْنِ يَفْعَلَانِ فِي الْوَقْتِ. والْقَضَاءُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ: هُوَ إكْمَالُ الشَّيْءِ وَإِتْمَامُهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [فصلت: ١٢]؛ أَيْ: أَكْمَلَهُنَّ وَأَتَمَّهُنَّ. وَالنَّائِمُ وَالنَّاسِي إذَا صَلَّيَا وَقْتَ الذِّكْرِ وَالِانْتِبَاهِ فَقَد صَلَّيَا فِي الْوَقْتِ الَّذِي أُمِرَا بِالصَّلَاةِ فِيهِ، وَإِن كَانَا قَد صَلَّيَا بَعْدَ خرُوجِ الْوَقْتِ الْمَشْرُوعِ لِغَيْرِهِمَا. فَمَن سَمَّى ذَلِكَ قَضَاءً بِاعْتِبَارِ هَذَا الْمَعْنَى، وَكَانَ فِي لُغَتِهِ أَنَّ الْقَضَاءَ فِعْلُ الْعِبَادَةِ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ الْمُقَدَّرِ شَرْعًا لِلْعُمُومِ: فَهَذِهِ التَّسْمِيَةُ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ. [٢٢/ ٣٧ - ٣٨] ٢٥٠٤ - مَن فَوَّتَهَا [أي: الصلاة] مُتَعَمِّدًا فَقَد أَتَى كَبِيرَةً مِن أَعْظَمِ الْكَبَائِرِ، وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ لَا يَصِحُّ فِعْلُهَا قَضَاءً أَصْلًا. وَمَعَ الْقَضَاءِ عَلَيْهِ لَا تَبْرأْ ذِمَّتُهُ مِن جَمِيعِ الْوَاجِبِ، وَلَا يَقْبَلُهَا اللّهُ مِنْهُ بِحَيْثُ يَرْتَفِعُ عَنْهُ الْعِقَابُ، ويسْتَوْجِبُ الثَّوَابَ؛ بَل يُخَفِّفُ عَنْهُ الْعَذَابَ بمَا فَعَلَهُ مِن الْقَضَاءِ، ويبْقَى عَلَيْهِ إثْمُ التَّفْوِيتِ .. قَالَ تَعَالَى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥)﴾ [الماعون: ٤، ٥] وَتَأخِيرُهَا عَن وَقْتِهَا مِن السَّهْوِ عَنْهَا بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ. [٢٢/ ٣٩] ٢٥٠٥ - تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ عَن غَيْرِ وَقْتِهَا الَّذِي يَجِبُ فِعْلُهَا فِيهِ عَمْدًا مِن الْكَبَائِرِ؛ بَل قَد قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: "الْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ مِن غَيْرِ عُذْرٍ مِن الْكبَائِرِ" (١). وَقَد رَوَاهُ التّرْمِذِيُّ مَرْفُوعًا عَن ابْنِ عَبَّاسٍ عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "مَن جَمَعَ بَيْنَ الصَّلَاَتيْنِ مِن غَيْرِ عُذْرٍ فَقَد أَتَى بَابًا مِن أَبْوَابِ الْكَبَائِرِ". وَرَفَعَ هَذَا إلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَإِن كَانَ فِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَ التِّرْمِذِيَّ قَالَ: الْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ.

стр. 1848

وَالْأَثَرِ مَعْرُوفٌ، وَأَهْلُ الْعِلْمِ ذَكَرُوا ذَلِكَ مُقِرِّينَ لَهُ لَا مُنْكِرِينَ لَهُ. [٢٢/ ٥٣ - ٥٤] ٢٥٠٦ - قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِنَا: إنَّهُ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهَا عَن وَقْتِهَا إلَّا لِنَاوٍ لِجَمْعِهَا أَو مُشْتَغِلٍ بِشَرْطِهَا: لَمْ يَقُلْهُ قَبْلَهُ أَحَدٌ مِن الْأَصْحَابِ؛ بَل وَلَا أحَدٌ مِن سَائِرِ طَوَائِفِ الْمُسْلِمِينَ إلَّا أَنْ يَكُونَ بَعْضَ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، فَهَذَا أَشُكُّ فِيهِ. وَمَا أَعْلَمُ مَن يُوَافِقُه عَلَى ذَلِكَ إلَّا بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَمَن قَالَ ذَلِكَ فَهُوَ مَحْجُوجٌ بِإجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ مُجَرَّدَ الِاشْتِغَالِ -بِالشَّرْطِ لَا يُبِيحُ تَأخِيرَ الصَّلَاةِ عَن وَقْتِهَا الْمَحْدُودِ شَرْعًا، فَإِنَّهُ لَو دَخَلَ الْوَقْتُ وَأَمْكَنَهُ أَنْ يَطْلُبَ الْمَاءَ وَهُوَ لَا يَجِدُهُ إلَّا بَعْدَ الْوَقْتِ: لَمْ يَجُزْ لَهُ التَّأخِيرُ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَإِن كَانَ مُشْتَغِلًا بِالشَّرْطِ. وَكَذَلِكَ الْعُرْيَانُ لَو أَمْكَنَهُ أَنْ يَذْهَبَ إلَى قَرْيَةٍ لِيَشْتَرِيَ لَهُ مِنْهَا ثَوْبًا وَهُوَ لَا يُصَلِّي إلَّا بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ لَمْ يَجُزْ لَهُ التَّأخِيرُ بِلَا نِزَاعِ. وَكَذَلِكَ الْمُسْتَحَاضَةُ لَو كَانَ دَمهَا يَنْقَطِعُ بَعْدَ الْوَقْتِ لَمْ يَجُزْ لَهَا أَنْ تُؤَخرَ الصَّلَاةَ لِتُصَلِّي بِطَهَارَةٍ بَعْدَ الْوَقْتِ؛ بَل تُصَلِّي فِي الْوَقْتِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ. وَأمَّا حَيْثُ جَازَ الْجَمْعُ فَالْوَقْتُ وَاحِدٌ، وَالْمُؤَخِّرُ لَيْسَ بِمُؤَخِّر عَن الْوَقْتِ الَّذِي يَجُوزُ فِعْلُهَا فِيهِ. وَكَذَلِكَ صَلَاةُ الْخَوْفِ تَجِبُ فِي الْوَقْتِ مَعَ إمْكَانِ أَنْ يُؤَخِّرَهَا فَلَا يَسْتَدْبِرُ الْقِبْلَةَ وَلَا يَعْمَلُ عَمَلًا كَثِيرًا فِي الصَّلَاةِ، وَلَا يَتَخَلَّفُ عَن الْإِمَامِ بِرَكْعَةٍ، وَلَا يُفَارِقُ الْإِمَامَ قَبْلَ السَّلَامِ، وَلَا يَقْضِي مَا سَبَقَ بِهِ قَبْلَ السَّلَامِ وَنَحْو ذَلِكَ مِمَّا يَفْعَلُ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ إلَّا لِأَجْلِ الْوَقْتِ، وَإِلَّا فَفِعْلُهَا بَعْدَ الْوَقْتِ وَلَو بِاللَّيْلِ مُمْكِن عَلَى الْإِكْمَالِ. وَإِنَّمَا نَازَعَ مَن نَازَعَ إذَا أَمْكَنَهُ تَعَلُّمُ دَلَائِلِ الْقِبْلَةِ وَلَا يَتَعَلَّمُهَا حَتَّى يَخْرُجَ الْوَقْتُ، وَهَذَا النزَاعُ هُوَ الْقَوْذ الْمُحْدَثُ الشَّاذُّ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ.

стр. 1849

وَأَمَّا النِّزَاعُ الْمَعْرُوفُ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ فِي مِثْل مَا إذَا اسْتَيْقَظَ النَّائِمُ فِي آخِرِ الْوَقْتِ وَلَمْ يُمْكِنْهُ أَنْ يُصَلّيَ قَبْلَ الطُّلُوعِ بِوُضُوءِ: هَل يُصلّي بِتَيَمُّمِ؟ أَو يَتَوَضَّأُ ويُصَلّي بَعْدَ الطُّلُوعِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ مَشْهُورينِ: الْأَوَّلُ: قَوْلُ مَالِكٍ؛ مُرَاعَاة لِلْوَقْتِ. الثَّانِي: قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ؛ كَأحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ. [٢٢/ ٥٧ - ٥٩] ٢٥٠٧ - وَقْتُ الْفَجْرِ: مَا بَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ الصَّادِقِ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ. وَوَقْتُ الظُّهْرِ: مِن الزَّوَالِ إلَى مَصِرِ ظِلِّ كُلّ شَيءٍ مِثْلِهِ سِوَى فَيءِ الزَّوَالِ. وَوَقْتُ الْعَصْرِ: إلَى اصْفِرَارِ الشَّمْسِ عَلَى ظَاهِرِ مَذْهَبِ أَحْمَد. وَوَقْتُ الْمَغْرِبِ: إلَى مَغِيبِ الشَّفَقِ. وَوَقْتُ الْعِشَاءِ: إلَى مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ عَلَى ظَاهِرِ مَذْهَبِ أَحْمَد. وَنَقُولُ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْآثَارُ مِن أَنَّ الْوَقْتَ وَقْتَانِ: أ- وَقْتَ اخْتِيَارٍ، وَهُوَ خَمْسُ مَوَاقِيتَ. ب- وَوَقْتَ اضْطِرَارٍ، وَهُوَ ثَلَاثُ مَوَاقِيتَ. وَلهَذَا أَمَرَت الصَّحَابَةُ -كَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِمَا- الْحَائِضَ إذَا طَهُرَتْ قَبْلَ الْغُرُوب أَنْ تُصَلِّيَ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ، وَإِذَا طَهُرَتْ قَبْلَ الْفَجْرِ أَنْ تُصَلِّيَ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ (١). وَكَذَلِكَ أَوْقَاتُ الِاسْتِحْبَابِ، فَإِنَّ أَهْلَ الْحَدِيثِ يَسْتَحِبُّونَ الصَّلَاةَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ فِي الْجُمْلَةِ، إلَّا حَيْثُ يَكُونُ فِي التَّأْخِيرِ مَصْلَحَةٌ رَاجِحَةٌ كَمَا جَاءَت بِهِ

стр. 1850

السُّنَّةُ، فَيَسْتَحِبُّونَ تَأْخِيرَ الظُّهْرِ فِي الْحَرِّ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانُوا مُجْتَمِعِينَ أَو مُتَفَرِّقِينَ، ويسْتَحِبُّونَ تَأْخِيرَ الْعِشَاءِ مَا لَمْ يَشُقَّ، وَبِكُلِّ ذَلِكَ جَاءَت السُّنَنُ الصَّحِيحَةُ الَّتِي لَا دَافِعَ لَهَا. [٢٢/ ٧٤ - ٧٧] ٢٥٠٨ - الْوَقْت فِي كِتَابِ اللّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِ اللّهِ نَوْعَانِ: أ- وَقْتُ اخْتِيَارٍ وَرَفَاهِيَةٍ. ب- وَوَقْتُ حَاجَةٍ وَضَرُورَةٍ. أمَّا الْأوَّلُ: فَالْأَوْقَاتُ خَمْسَةٌ. وَأَمَّا الثَّانِي: فَالْأَوْقَاتُ ثَلَاثَةٌ. فَصَلَاتَا اللَّيْلِ وَصَلَاتَا النَّهَارِ وَهُمَا اللَّتَانِ فِيهِمَا الْجَمْعُ وَالْقَصْرُ، بِخِلَافِ صَلَاةِ الْفَجْرِ فَإنَّهُ لَيْسَ فِيهَا جَمْعٌ وَلَا قَصْرٌ. ولِكُلٍّ مِنْهُمَا وَقْت مُخْتَصٌّ وَقْتُ الرَّفَاهِيَةِ وَالِاخْتِيَارِ، وَالْوَقْتُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا عِنْدَ الْحَاجَةِ وَالِاضْطِرَارِ. لَكِنْ لَا تُؤَخَّرُ صَلَاةُ نَهَارٍ إلَى لَيْلٍ وَلَا صَلَاةُ لَيْلٍ إلَى نَهَارٍ. وَقَد دَلَّ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ أنَّ اللهَ فِي كِتَابِهِ ذَكَرَ الْوُقُوتَ تَارَةً ثَلَاثَة، وَتَارَةً خَمْسَةً. أَمَّا الثَّلَاثَةُ: فَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود: ١١٤] (١)، وَفِي قَوْلِهِ: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء: ٧٨] (٢).

стр. 1851

وَأَمَّا الْخَمْسُ: فَقَد ذَكَرَهَا أَرْبَعَةَ: فِي قَوْلِهِ: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (١٨)﴾ [الروم: ١٧، ١٨] (١). وَقَوْلِهِ: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى (١٣٠)﴾ [طه: ١٣٠] (٢). وَالسُّنَّةُ هِيَ الَّتِي فَسَّرَتْ ذَلِكَ وَبَيَّنَتْهُ وَأَحْكمَتْهُ. وَذَلِكَ أَنَّهُ قَد ثَبَتَ بِالنَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ فِي خَمْسِ مَوَاقِيتَ فِي حَالِ مُقَامِهِ بِالْمَدِينَةِ، وَفِي غَالِبِ أَسْفَارِهِ (٣).

стр. 1852

وَقَالَ ﷺ فِي غَيْرِ حَدِيث: "سَيَكُونُ أمُرَاءُ يُؤَخّرُونَ الصَّلَاةَ عَن وَقْتِهَا، فَصَلُّوا الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا ثُمَّ اجْعَلُوا صَلَاَتَكُمْ مَعَهُم نَافِلَةً"، فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُورُ تَأخِيرُ الْأُولَى إلَى وَقْتِ الثَّانِيَةِ، وَلَا يَجُوزُ الْجَمْعُ لِغَيْرِ حَاجَةٍ؛ فَإِنَّ الْأُمَرَاءَ لَمْ يَكُونُوا يُؤَخّرُونَ صَلَاةَ النَّهَارِ إلَى اللَّيْلِ، وَلَا صَلَاةَ اللَّيْلِ إلَى النَّهَارِ، وَلَكِنَّ غَايَتَهُم أَنْ يُؤَخرُوا الظُّهْرَ إلَى وَقْتِ الْعَصْرِ، أَو الْعَصْرَ إلَى الِاصْفِرَارِ، أَو يُؤَخِّرُوا الْمَغْرِبَ إلَى مَغِيبِ الشَّفَقِ. وَأَمَّا الْعِشَاءُ فَلَو أَخَّرُوهَا إلَى نِصْفِ اللَّيْلِ لَمْ يَكُن ذَلِكَ مَكْرُوهًا. وَتَأخِيرُهَا إلَى مَا بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَكُن يَفْعَلُهُ أَحَدٌ وَلَا هُوَ مِمَّا يَفْعَلُهُ الْأُمَرَاءُ. وَأَمَّا الثَّلَاث: فَقَد ثَبَتَ عَنْهُ فِي "الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ" مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّهُ كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاء، يَجْمَعُ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ إذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ فِي وَقْتِ الْأُولَى، أَو إذَا كَانَ سَائِرًا فِي وَقْتِهَا. وَهَذَا مِمَّا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْقَائِلُونَ بِالْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ مِن فُقَهَاءِ الْحَدِيثِ وَأَهْلِ الْحِجَاز. وَإِنَّمَا تَنَازَعُوا فِيمَا إذَا كَانَ نَازِلًا فِي وَقْتِ الصَّلَاتَيْنِ كِلَاهُمَا، وَفِيهِ رِوَايَتَانِ عَن أَحْمَد: إحْدَاهُمَا: لَا يَجْمَعُ؛ لِعَدَمِ السُّنَّةِ وَالْحَاجَةِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ. الثَّانِيَةُ: يَجْمَعُ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ؛ لِحَدِيثِ رُوِيَ فِي ذَلِكَ أَيْضًا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَثَبَتَ عَنْهُ أَيْضًا بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَبِالِاتِّفَاقِ أَنَّهُ جَمَعَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِعَرَفَةَ بَيْنَ صَلَاتَي الْعَشِيِّ وبمزدلفة بَيْنَ صَلَاتَيْ الْعِشَاءَيْنِ. وَثَبَتَ عَنْهُ فِي "الصَّحِيحَيْنِ" مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ صَلَّى بِالْمَدِينَةِ سَبْعًا وَثَمَانِيًا: الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاء.

стр. 1853

وَرَوَى أَهْلُ السُّنَنِ عَنْهُ حَدِيثَيْنِ أَو ثَلَاثَةً أَنَّهُ أَمَرَ الْمُسْتَحَاضَةَ بِالْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ. - فَهَذَا الْجَمْعُ بِالْمَدِينَةِ لِلْمَطَرِ وَلغَيْرِ مَطَرٍ، وَقَد نَبَّهَ بِهِ ابْنُ عَبَّاسٍ عَلَى الْجَمْعِ لِلْخَوْفِ وَالْمَطَرِ (١). - وَالْجَمْعُ عِنْدَ الْمَسِيرِ فِي السَّفَرِ؛ يَجْمَعُ فِي الْمَقَامِ وَفِي السَّفَرِ لِرَفْعِ الْحَرَجِ. فَعُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ السَّفَرُ سَبَبٌ لِلْجَمْعِ كَمَا هُوَ سَبَبٌ لِلْقَصْرِ؛ فَإنَّ قَصْرَ الْعَدَدِ دَائِرٌ مَعَ السَّفَرِ وَجُودًا وَعَدَمًا، وَأَمَّا الْجَمْعُ فَقَد جَمَعَ فِي غَيْرِ سَفَرِ، وَقَد كَانَ فِي السَّفَرِ يَجْمَعُ لِلْمَسِيرِ، وَيَجْمَعُ فِي مِثْل عَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ، وَلَا يَجْمَعُ فِي سَائِرِ مَوَاطِنِ السَّفَرِ، وَأَمَرَ الْمُسْتَحَاضَةَ بِالْجَمْعِ. فَظَهَرَ بِذَلِكَ أَنَّ الْجَمْعَ هُوَ لِرَفْعِ الْحَرَجِ، فَإِذَا كَانَ فِي التَّفْرِيقِ حَرَجٌ جَازَ الْجَمْعُ، وَهُوَ وَقْتُ الْعُذْرِ وَالْحَاجَةِ؛ وَلهَذَا قَالَ الصَّحَابَةُ: كَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَابْنِ عُمَرَ فِي الْحَائِضِ إذَا طَهُرَتْ قَبْلَ الْغُرُوبِ: صَلَّتْ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ، وَإِذَا طَهُرَتْ قَبْلَ الْفَجْرِ: صَلَّتْ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ. وَقَالَ بِذَلِكَ اهْلُ الْجَمْعِ؛ كَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد. فَهَذَا يُوَافِقُ قَاعِدَةَ الْجَمْعِ فِي أَنَّ الْوَقْتَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ صَلَاتَي الْجَمْعِ عِنْدَ الضَّروُرَةِ وَالْمَانِعِ. فَمَن أَدْرَكَ آخِرَ الْوَقْتِ الْمُشْتَرَكِ فَقَد أَدْرَكَ الصَّلَاتَيْنِ كِلْتَيْهِمَا. ثُمَّ إمَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْجَمْعَ مُعَلَّقٌ بِالسَّفَرِ مُطْلَقًا قَصِيرِهِ (٢) وَطَوِيلِهِ: إمَّا

стр. 1854

مُطْلَقًا، وَإِمَّا لِأَجْلِ الْمَسِيرِ، وَإِمَّا أَنْ يُقَالَ الْجَمْع بمزدلفة لِأَجْلِ النُّسُكِ، كَمَا يَقُولُهُ مَن يَقُولُه مِن أصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ. وَالْأوَّلُ أصْوَبُ عِنْدِي، وَأَقْيَسُهُ بِأُصُولِ أَحْمَد وَنُصُوصِهِ؛ فَإِنَّه قَد نَصَّ عَلَى الْجَمْعِ فِي الْحَضَرِ لِشُغْل، فَإِذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ فِي السَّفَرِ الْقَصِيرِ فَهُوَ أَوْلَى (١). وَالْجَمْعُ هُوَ مِن هَذَا الْبَاب: إنَّمَا جَازَ لِعُمُومِ الْحَاجَةِ لَا لِخُصُوصِ السَّفَرِ (٢).

стр. 1855

وَمِمَّا يُشْبِهُ هَذِهِ الْآيَةَ فِي الْعُمُومِ وَالْجَمْعِ وَإِن اشْتَبَهَ مَعْنَاهَا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١] فَإِنَّهُ أَبَاحَ الْقَصْرَ بِشَرْطَيْنِ: أ- الضَّرْبِ فِي الْأَرْضِ. ب- وَخَوْفِ الْكُفَّارِ. فَالسَّفَر: سَبَبُ قَصْرِ الْعَدَدِ. وَالْخَوْفُ: سَبَبُ قَصْرِ الْأَرْكَانِ. فَإِذَا اجْتَمَعَ الْأَمْرَانِ: قَصُرَ الْعَدَدُ وَالْأَرْكَان.

стр. 1856

وَإِن انْفَرَدَ أَحَدُ السَّبَبَيْنِ: انْفَرَدَ قَصْرُهُ. فَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ مُطْلَقٌ فِي هَذَا الْقَصْرِ وَهَذَا الْقَصْرُ، وَسُنَّة رَسُولِ اللّهِ ﷺ تُفَسِّرُ مُجْمَلَ الْقُرْآنِ وَتُبَيِّنُهُ وَتَدُلُّ عَلَيْهِ وَتُعَبِّرُ عَنْهُ، وَهِيَ مفَسّرَة لَهُ، لَا مُخَالِفَة لِظَاهِرِهِ. وَنَظِيرُ هَذَا أَيْضًا مَا قُرِئَ بِهِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ (١) [المائدة: ٦] مِن أَنَّ الْمَسْحَ مُطْلَقٌ يَدْخُلُ فِيهِ: أ- الْمَسْحُ بِإِسَالَةٍ، وَهُوَ الْغَسْلُ. ب- وَالْمَسْخ بِغَيْرِ إسَالَةٍ، وَهُوَ الْمَسْحُ بِلَا غَسْلٍ. فَالْقُرْآنُ أَمَرَ بِمَسْحٍ مُطْلَقٍ، وَالسُّنَّة تُثْبِتُ أَنَّ الْمَسْحَ فِي الرَّأسِ بِغَيْرِ إسَالَةٍ، وَالْمَسْحَ عَلَى الرِّجْلَيْنِ بِاِسَالَةِ، فَهِيَ مُفَسِّرَة لَهُ لَا مُخَالِفَة لِظَاهِرِهِ. فَيَنْبَغِي تَدَبُّر الْقُرْآنِ وَمَعْرِفَةُ وُجُوهِهِ؛ فَإِنَّ أَكْثَرَ مَا يَتَوَهَّمُ النَّاسُ أَنَّهُ قَد خُولِفَ ظَاهِرُهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا لَهُ دَلَالَات يَعْرِفُهَا مَن أَعْطَاهُ اللّهُ فَهْمًا فِي كِتَابِهِ، وَيَسْتَفِيدُ بِذَلِكَ خَمْسَةَ فَوَائِدَ: أَحَدُهَا: تَقْرِيرُ الأَحْكَامِ بِدَلَائِلَ الْقُرْآنِ. وَالثَّانِي: بَيَانُ اتِّفَاقِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. وَالثَّالِثُ: بَيَانُ أَنَّ السُّنَّةَ مُفَسِّرَةٌ لَهُ لَا مُنَافِيَةٌ لَهُ. وَالرَّابعُ: بَيَانُ الْمَعَانِي وَالْبَيَانِ الَّتِي فِي الْقُرْآنِ. وَالْخَامِسُ: الْإِجْمَاعُ مُوَافِقٌ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. [٢٢/ ٨٣ - ٩٢] ٢٥٠٩ - وَقْتُ الْعِشَاءِ فِي الطُّولِ وَالْقِصَرِ يَتْبَعُ النَّهَارَ، فَيَكُونُ فِي الصَّيْفِ أَطْوَلَ، كَمَا أَنَّ وَقْتَ الْفَجْرِ يَتْبَعُ اللَّيْلَ، فَيَكُونُ فِي الشِّتَاءِ أَطْوَلَ.

стр. 1857

وَمَن زَعَمَ أَنَّ حِصَّةَ الْعِشَاءِ بِقَدْرِ حِصَّةِ الْفَجْرِ فِي الشِّتَاءِ وَفِي الصَّيْفِ: فَقَد غَلِطَ غَلَطًا حِسِّيًّا بِاتِّفَاقِ النَّاسِ. وَأَمَّا جَعْلُ هَذِهِ الْحِصةِ بِقَدْرِ هَذِهِ الْحِصَّةِ، وَأَنَّ الْفَجْرَ فِي الصَّيْفِ أَطْوَلُ، وَالْعِشَاءَ فِي الشِّتَاءِ أَطْوَلُ، وجَعْل الْفَجْر تَابِعًا لِلنَّهَارِ، يَطُولُ فِي الصَّيْفِ وَيَقْصُرُ فِي الشِّتَاءِ، وجَعْلُ الشَّفَق تَابِعًا لِلَّيْلِ يَقْصُرُ فِي الصَّيْفِ وَيَطُولُ فِي الشِّتَاءِ: فَهَذَا قَلْبُ الْحِسِّ وَالْعَقْلِ وَالشَّرْعِ. [٢٢/ ٩٣ - ٩٤] ٢٥١٠ - التَّغْلِيسُ أَفْضَلُ إذَا لَمْ يَكُن ثَمَّ سَبَبٌ يَقْتَضِي التَّأْخِيرَ، فَإِنَّ الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ الْمُسْتَفِيضَةَ عَن النَّبِيِّ ﷺ تُبَيِّنُ أَنَّهُ كَانَ يُغَلِّسُ بِصَلَاةِ الْفَجْرِ .. كَمَا فِي "الصَّحِيحَيْنِ" عَن أَبِي بَرْزَةَ الأسلمي: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي الْفَجْرِ بِمَا بَيْنَ السِّتِّينَ آيَةً إلَى الْمِائَةِ وينْصَرِفُ مِنْهَا حِينَ يَعْرِفُ الرَّجُلُ جَلِيسَهُ (١). وَهَذ الْقِرَاءَةُ هِيَ نَحْوُ نِصْفِ جُزْءٍ أَو ثُلُثِ جُزْءٍ، وَكَانَ فَرَاغُهُ مِن الصَّلَاةِ حِينَ يَعْرِفُ الرَّجُلُ جَلِيسَهُ. وَأَمَّا إذَا أَخَّرَهَا لِسَبَب يَقْتَضِي التَّأُخِيرَ؛ مِثْل الْمُتَيَمِّم عَادَتُهُ إنَّمَا يُؤَخِّرُهَا لِيُصَلّيَ آخِرَ الْوَقْتِ بِوُضُوءِ، وَالْمُنْفَرِدُ يُؤَخِّرُهَا حَتَّى يُصَلِّيَ آخِرَ الْوَقْتِ فِي جَمَاعَةٍ، أَو أَنْ يَقْدِرَ عَلَى الصَّلَاةِ آخِرَ الْوَقْتِ قَائِمًا، وَفِي أَوَّلِ الْوَقْتِ لَا يَقْدِرُ إلَّا قَاعِدًا، وَنَحْو ذَلِكَ مِمَّا يَكُونُ فِيهِ فَضِيلَةٌ تَزِيدُ عَلَى الصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ: فَالتَأخِيرُ لِذَلِكَ أَفْضَلُ (٢). [٢٢/ ٩٥ - ٩٧] ٢٥١١ - المسافر العادم للماء إذا علم أنه يجد الماء بعد الوقت فلا يجوز له التأخير إلى ما بعد الوقت، بَل يصلي بالتيمم في الوقت بلا نزاع.

стр. 1858

وكذلك العاجز عن الركوع والسجود والقراءة إذا علم أنه يمكنه أن يصلي بعد الوقت بإتمام الركوع والسجود والقراءة كان الواجب أن يصلي في الوقت بحسب إمكانه. [المستدرك ٣/ ٥٤] ٢٥١٢ - من أخَّر صلاة عن وقتها فقد أتى بابًا من الكبائر. [المستدرك ٣/ ٥٥] ٢٥١٣ - تفويت العصر أعظم من تفويت غيرها؛ فإنها الوسطى، وعُرضت على من كان قبلنا فضيعوها، ومن حافظ عليها فله الأجر مرتين، ولما فاتت سليمان فعل بالخيل ما فعل. [المستدرك ٣/ ٥٥] ٢٥١٤ - يُعمل بقول المؤذن في دخول الوقت مع إمكان العلم بالوقت، وهو مذهب أحمد وسائر العلماء المعتبرين، وكما شهدت له النصوص. [المستدرك ٣/ ٦١] ٢٥١٥ - بدأ جماعة من أصحابنا كالخرقي بالظهر، ومنهم من بدأ بالفجر، وهذا أجود؛ لأن الصلاة الوسطى هي العصر، وإنما تكون الوسطى إذا كانت الفجر هي الأولى. [المستدرك ٣/ ٦٢] ٢٥١٦ - قال ابن القيم رحمه الله تعالى في قوله تعالى: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى (٨٤)﴾ [طه: ٨٤]، وظاهر الآية أن الحامل لموسى على العجلة هو طلب رضى ربه، وأن رضاه في المبادرة إلى أوامره والعجلة إليها؛ ولهذا احتج السلف بهذه الآية على أن الصلاة في أول الوقت أفضل، سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يذكر ذلك، قال: إنَّ رضى الرب في العجلة إلى أوامره (١). [المستدرك ٣/ ٦٢]

стр. 1859

٢٥١٧ - جمهور العلماء يرون أن تقديم الصلاة أفضل إلا إذا كان في التأخير مصلحة؛ مثل المتيمم يؤخر ليصلي اَخر الوقت بوضوء، والمنفرد يؤخر ليصلي آخر الوقت مع جماعة ونحو ذلك. لم أجد أحدًا قال: إن تأخير جميع الصلوات أفضل، لكن منهم من يقول بعضها أفضل، كما يقول أبو حنيفة في الفجر والعصر. [المستدرك ٣/ ٦٢] ٢٥١٨ - المواقيت التي علمها جبريل ﵇ للنبي ﷺ وعلمها النبي ﷺ لأمته حين بيَّن مواقيت الصلاة وهي التي ذكرها العلماءفي كتبهم هي في الأيام المعتادة. فأما ذلك اليوم الذي قال فيه رسول اللّه ﷺ : "يوم كسنة" قال: "اقدروا له" (١) فله حكم آخر، يبين ذلك أن صلاة الظهر في الأيام المعتادة لا تكون إلا بعد الزوال وانتصاف النهار، وفي ذلك اليوم يكون من أوائل اليوم بقدر ذلك، وكذلك وقت العصر. لا يكون وقت العصر فيه إذا صار ظل كل شيء لا مثله ولا مثليه؛ بَل يكون أول يوم قبل هذا الوقت بشيء كثير، فكما أن وقت الظهر والعصر ذلك اليوم هما قبل الزوال، كذلك صلاة المغرب والعشاء قبل الغروب، وكذلك صلاة الفجر فيه تكون بقدر الأوقات في الأيام المعتادة، ولا يُنظر فيها إلى حركة الشمس لا بزوالٍ، ولا بغروب، ولا مغيب شفق ونحو ذلك. وقول الصحابة ﵃: يا رسول الله أرأيت اليوم كالسَّنَة أيكفينا فيه صلاة اليوم؟ فقال: "لا ولكن اقدروا له قدره": أراد اليوم والليلة. فقد يعني به: الليل كما يعني بلفظ الليلة الليلة بيومها؛ كقوله تعالى: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ [آل عمران: ٤١] وفي الموضع الآخر:

стр. 1860

﴿ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (١٠)﴾ [مريم: ١٠] ويوم كقوله: "يوم عرفة"، "وإذا فاته الوقوف يوم عرفة" يراد اليوم والليلة التي تليه. [المستدرك ٣/ ٦٢ - ٦٣] ٢٥١٩ - قال في اقتضاء الصراط المستقيم في تسمية العشاء بالعتمة: إن الأشهر عندنا إنما يكره الإكثار حتى يغلب على الاسم الآخر، وأن مثلها العشاء في الخلاف تسمية المغرب بالعشاء. [المستدرك ٣/ ٦٤] ٢٥٢٠ - المرأةُ إذا غلب على ظنها أنها لا تخرج من الحمام حتى يفوت العصر، أو تصفر الشمس: لم يجز لها تفويت العصر باتفاق الأئمة؛ بل إمَّا أن تصلي في البيت جمعًا (١)، وإمَّا أنْ تخرجَ مِن الحمام وتصلي، وإمَّا أن تصلي في الحمام (٢)، وجمعُها في البيت خيرٌ من صلاتها في الحمام. [المستدرك ٣/ ٦٤] ٢٥٢١ - من دخل عليه الوقت ثم طرأ عليه مانع من جنون أو حيض: فلا قضاء عليه إلا أن يتضايق الوقت عن فعلها، ثم يوجد المانع، وهو قول مالك. ومتى زال المانع من تكليفه في وقت الصلاة: لزمته إن أدرك فيها قدر ركعة وإلا فلا، وهو قول الليث وقول الشافعي. [المستدرك ٣/ ٦٤] * * * ستر العورة ٢٥٢٢ - فَصْلٌ فِي "اللِّبَاسِ فِي الصَّلَاةِ"، وَهُوَ أخْذُ الزِّينَةِ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ، الَّذِي يُسَمِّيهِ الْفُقَهَاءُ: (بَابُ سَتْرِ الْعَوْرَةِ فِي الصَّلَاةِ)، فَاِنَّ طَائِفَةً مِن الْفُقَهَاءِ ظَنُّوا أَنَّ الَّذِي يُسْتَرُ فِي الصَّلَاةِ هُوَ الَّذِي يُسْتَرُ عَن أَعْيُنِ النَّاظِرِينَ وَهُوَ الْعَوْرَةُ، وَأَخَذَ
следующие страницы →