← Фатава

Фатава · id 879

تقريب فتاوى ابن تيمية

أحمد بن ناصر الطيار

Полный текст (3 539 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

وَإِن انْفَرَدَ أَحَدُ السَّبَبَيْنِ: انْفَرَدَ قَصْرُهُ. فَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ مُطْلَقٌ فِي هَذَا الْقَصْرِ وَهَذَا الْقَصْرُ، وَسُنَّة رَسُولِ اللّهِ ﷺ تُفَسِّرُ مُجْمَلَ الْقُرْآنِ وَتُبَيِّنُهُ وَتَدُلُّ عَلَيْهِ وَتُعَبِّرُ عَنْهُ، وَهِيَ مفَسّرَة لَهُ، لَا مُخَالِفَة لِظَاهِرِهِ. وَنَظِيرُ هَذَا أَيْضًا مَا قُرِئَ بِهِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ (١) [المائدة: ٦] مِن أَنَّ الْمَسْحَ مُطْلَقٌ يَدْخُلُ فِيهِ: أ- الْمَسْحُ بِإِسَالَةٍ، وَهُوَ الْغَسْلُ. ب- وَالْمَسْخ بِغَيْرِ إسَالَةٍ، وَهُوَ الْمَسْحُ بِلَا غَسْلٍ. فَالْقُرْآنُ أَمَرَ بِمَسْحٍ مُطْلَقٍ، وَالسُّنَّة تُثْبِتُ أَنَّ الْمَسْحَ فِي الرَّأسِ بِغَيْرِ إسَالَةٍ، وَالْمَسْحَ عَلَى الرِّجْلَيْنِ بِاِسَالَةِ، فَهِيَ مُفَسِّرَة لَهُ لَا مُخَالِفَة لِظَاهِرِهِ. فَيَنْبَغِي تَدَبُّر الْقُرْآنِ وَمَعْرِفَةُ وُجُوهِهِ؛ فَإِنَّ أَكْثَرَ مَا يَتَوَهَّمُ النَّاسُ أَنَّهُ قَد خُولِفَ ظَاهِرُهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا لَهُ دَلَالَات يَعْرِفُهَا مَن أَعْطَاهُ اللّهُ فَهْمًا فِي كِتَابِهِ، وَيَسْتَفِيدُ بِذَلِكَ خَمْسَةَ فَوَائِدَ: أَحَدُهَا: تَقْرِيرُ الأَحْكَامِ بِدَلَائِلَ الْقُرْآنِ. وَالثَّانِي: بَيَانُ اتِّفَاقِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. وَالثَّالِثُ: بَيَانُ أَنَّ السُّنَّةَ مُفَسِّرَةٌ لَهُ لَا مُنَافِيَةٌ لَهُ. وَالرَّابعُ: بَيَانُ الْمَعَانِي وَالْبَيَانِ الَّتِي فِي الْقُرْآنِ. وَالْخَامِسُ: الْإِجْمَاعُ مُوَافِقٌ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. [٢٢/ ٨٣ - ٩٢] ٢٥٠٩ - وَقْتُ الْعِشَاءِ فِي الطُّولِ وَالْقِصَرِ يَتْبَعُ النَّهَارَ، فَيَكُونُ فِي الصَّيْفِ أَطْوَلَ، كَمَا أَنَّ وَقْتَ الْفَجْرِ يَتْبَعُ اللَّيْلَ، فَيَكُونُ فِي الشِّتَاءِ أَطْوَلَ.

стр. 1857

وَمَن زَعَمَ أَنَّ حِصَّةَ الْعِشَاءِ بِقَدْرِ حِصَّةِ الْفَجْرِ فِي الشِّتَاءِ وَفِي الصَّيْفِ: فَقَد غَلِطَ غَلَطًا حِسِّيًّا بِاتِّفَاقِ النَّاسِ. وَأَمَّا جَعْلُ هَذِهِ الْحِصةِ بِقَدْرِ هَذِهِ الْحِصَّةِ، وَأَنَّ الْفَجْرَ فِي الصَّيْفِ أَطْوَلُ، وَالْعِشَاءَ فِي الشِّتَاءِ أَطْوَلُ، وجَعْل الْفَجْر تَابِعًا لِلنَّهَارِ، يَطُولُ فِي الصَّيْفِ وَيَقْصُرُ فِي الشِّتَاءِ، وجَعْلُ الشَّفَق تَابِعًا لِلَّيْلِ يَقْصُرُ فِي الصَّيْفِ وَيَطُولُ فِي الشِّتَاءِ: فَهَذَا قَلْبُ الْحِسِّ وَالْعَقْلِ وَالشَّرْعِ. [٢٢/ ٩٣ - ٩٤] ٢٥١٠ - التَّغْلِيسُ أَفْضَلُ إذَا لَمْ يَكُن ثَمَّ سَبَبٌ يَقْتَضِي التَّأْخِيرَ، فَإِنَّ الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ الْمُسْتَفِيضَةَ عَن النَّبِيِّ ﷺ تُبَيِّنُ أَنَّهُ كَانَ يُغَلِّسُ بِصَلَاةِ الْفَجْرِ .. كَمَا فِي "الصَّحِيحَيْنِ" عَن أَبِي بَرْزَةَ الأسلمي: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي الْفَجْرِ بِمَا بَيْنَ السِّتِّينَ آيَةً إلَى الْمِائَةِ وينْصَرِفُ مِنْهَا حِينَ يَعْرِفُ الرَّجُلُ جَلِيسَهُ (١). وَهَذ الْقِرَاءَةُ هِيَ نَحْوُ نِصْفِ جُزْءٍ أَو ثُلُثِ جُزْءٍ، وَكَانَ فَرَاغُهُ مِن الصَّلَاةِ حِينَ يَعْرِفُ الرَّجُلُ جَلِيسَهُ. وَأَمَّا إذَا أَخَّرَهَا لِسَبَب يَقْتَضِي التَّأُخِيرَ؛ مِثْل الْمُتَيَمِّم عَادَتُهُ إنَّمَا يُؤَخِّرُهَا لِيُصَلّيَ آخِرَ الْوَقْتِ بِوُضُوءِ، وَالْمُنْفَرِدُ يُؤَخِّرُهَا حَتَّى يُصَلِّيَ آخِرَ الْوَقْتِ فِي جَمَاعَةٍ، أَو أَنْ يَقْدِرَ عَلَى الصَّلَاةِ آخِرَ الْوَقْتِ قَائِمًا، وَفِي أَوَّلِ الْوَقْتِ لَا يَقْدِرُ إلَّا قَاعِدًا، وَنَحْو ذَلِكَ مِمَّا يَكُونُ فِيهِ فَضِيلَةٌ تَزِيدُ عَلَى الصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ: فَالتَأخِيرُ لِذَلِكَ أَفْضَلُ (٢). [٢٢/ ٩٥ - ٩٧] ٢٥١١ - المسافر العادم للماء إذا علم أنه يجد الماء بعد الوقت فلا يجوز له التأخير إلى ما بعد الوقت، بَل يصلي بالتيمم في الوقت بلا نزاع.

стр. 1858

وكذلك العاجز عن الركوع والسجود والقراءة إذا علم أنه يمكنه أن يصلي بعد الوقت بإتمام الركوع والسجود والقراءة كان الواجب أن يصلي في الوقت بحسب إمكانه. [المستدرك ٣/ ٥٤] ٢٥١٢ - من أخَّر صلاة عن وقتها فقد أتى بابًا من الكبائر. [المستدرك ٣/ ٥٥] ٢٥١٣ - تفويت العصر أعظم من تفويت غيرها؛ فإنها الوسطى، وعُرضت على من كان قبلنا فضيعوها، ومن حافظ عليها فله الأجر مرتين، ولما فاتت سليمان فعل بالخيل ما فعل. [المستدرك ٣/ ٥٥] ٢٥١٤ - يُعمل بقول المؤذن في دخول الوقت مع إمكان العلم بالوقت، وهو مذهب أحمد وسائر العلماء المعتبرين، وكما شهدت له النصوص. [المستدرك ٣/ ٦١] ٢٥١٥ - بدأ جماعة من أصحابنا كالخرقي بالظهر، ومنهم من بدأ بالفجر، وهذا أجود؛ لأن الصلاة الوسطى هي العصر، وإنما تكون الوسطى إذا كانت الفجر هي الأولى. [المستدرك ٣/ ٦٢] ٢٥١٦ - قال ابن القيم رحمه الله تعالى في قوله تعالى: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى (٨٤)﴾ [طه: ٨٤]، وظاهر الآية أن الحامل لموسى على العجلة هو طلب رضى ربه، وأن رضاه في المبادرة إلى أوامره والعجلة إليها؛ ولهذا احتج السلف بهذه الآية على أن الصلاة في أول الوقت أفضل، سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يذكر ذلك، قال: إنَّ رضى الرب في العجلة إلى أوامره (١). [المستدرك ٣/ ٦٢]

стр. 1859

٢٥١٧ - جمهور العلماء يرون أن تقديم الصلاة أفضل إلا إذا كان في التأخير مصلحة؛ مثل المتيمم يؤخر ليصلي اَخر الوقت بوضوء، والمنفرد يؤخر ليصلي آخر الوقت مع جماعة ونحو ذلك. لم أجد أحدًا قال: إن تأخير جميع الصلوات أفضل، لكن منهم من يقول بعضها أفضل، كما يقول أبو حنيفة في الفجر والعصر. [المستدرك ٣/ ٦٢] ٢٥١٨ - المواقيت التي علمها جبريل ﵇ للنبي ﷺ وعلمها النبي ﷺ لأمته حين بيَّن مواقيت الصلاة وهي التي ذكرها العلماءفي كتبهم هي في الأيام المعتادة. فأما ذلك اليوم الذي قال فيه رسول اللّه ﷺ : "يوم كسنة" قال: "اقدروا له" (١) فله حكم آخر، يبين ذلك أن صلاة الظهر في الأيام المعتادة لا تكون إلا بعد الزوال وانتصاف النهار، وفي ذلك اليوم يكون من أوائل اليوم بقدر ذلك، وكذلك وقت العصر. لا يكون وقت العصر فيه إذا صار ظل كل شيء لا مثله ولا مثليه؛ بَل يكون أول يوم قبل هذا الوقت بشيء كثير، فكما أن وقت الظهر والعصر ذلك اليوم هما قبل الزوال، كذلك صلاة المغرب والعشاء قبل الغروب، وكذلك صلاة الفجر فيه تكون بقدر الأوقات في الأيام المعتادة، ولا يُنظر فيها إلى حركة الشمس لا بزوالٍ، ولا بغروب، ولا مغيب شفق ونحو ذلك. وقول الصحابة ﵃: يا رسول الله أرأيت اليوم كالسَّنَة أيكفينا فيه صلاة اليوم؟ فقال: "لا ولكن اقدروا له قدره": أراد اليوم والليلة. فقد يعني به: الليل كما يعني بلفظ الليلة الليلة بيومها؛ كقوله تعالى: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ [آل عمران: ٤١] وفي الموضع الآخر:

стр. 1860

﴿ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (١٠)﴾ [مريم: ١٠] ويوم كقوله: "يوم عرفة"، "وإذا فاته الوقوف يوم عرفة" يراد اليوم والليلة التي تليه. [المستدرك ٣/ ٦٢ - ٦٣] ٢٥١٩ - قال في اقتضاء الصراط المستقيم في تسمية العشاء بالعتمة: إن الأشهر عندنا إنما يكره الإكثار حتى يغلب على الاسم الآخر، وأن مثلها العشاء في الخلاف تسمية المغرب بالعشاء. [المستدرك ٣/ ٦٤] ٢٥٢٠ - المرأةُ إذا غلب على ظنها أنها لا تخرج من الحمام حتى يفوت العصر، أو تصفر الشمس: لم يجز لها تفويت العصر باتفاق الأئمة؛ بل إمَّا أن تصلي في البيت جمعًا (١)، وإمَّا أنْ تخرجَ مِن الحمام وتصلي، وإمَّا أن تصلي في الحمام (٢)، وجمعُها في البيت خيرٌ من صلاتها في الحمام. [المستدرك ٣/ ٦٤] ٢٥٢١ - من دخل عليه الوقت ثم طرأ عليه مانع من جنون أو حيض: فلا قضاء عليه إلا أن يتضايق الوقت عن فعلها، ثم يوجد المانع، وهو قول مالك. ومتى زال المانع من تكليفه في وقت الصلاة: لزمته إن أدرك فيها قدر ركعة وإلا فلا، وهو قول الليث وقول الشافعي. [المستدرك ٣/ ٦٤] * * * ستر العورة ٢٥٢٢ - فَصْلٌ فِي "اللِّبَاسِ فِي الصَّلَاةِ"، وَهُوَ أخْذُ الزِّينَةِ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ، الَّذِي يُسَمِّيهِ الْفُقَهَاءُ: (بَابُ سَتْرِ الْعَوْرَةِ فِي الصَّلَاةِ)، فَاِنَّ طَائِفَةً مِن الْفُقَهَاءِ ظَنُّوا أَنَّ الَّذِي يُسْتَرُ فِي الصَّلَاةِ هُوَ الَّذِي يُسْتَرُ عَن أَعْيُنِ النَّاظِرِينَ وَهُوَ الْعَوْرَةُ، وَأَخَذَ

стр. 1861

مَا يُسْتَرُ فِي الصَّلَاةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]. ثُمَّ قَالَ: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ يَعْنِي: الْبَاطِنَةَ، ﴿إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ الْآيَةَ [النور: ٣١]. فَقَالَ: يَجُوزُ لَهَا فِي الصَّلَاةِ أنْ تُبْدِيَ الزِّينَةَ الظَّاهِرَةَ دُونَ الْبَاطِنَةِ. وَالسَّلَفُ قَد تَنَازَعُوا فِي الزِّينَةِ الظَّاهِرَةِ عَلَى قَوْلَيْنِ: أ- فَقَالَ ابْن مَسْعُودٍ وَمَن وَافَقَهُ: هِيَ الثِّيَابُ. ب- وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمَن وَافَقَة: هِيَ فِي الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ؛ مِثْلُ الْكُحْلِ وَالْخَاتَمِ. وَعَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ تَنَازَعَ الْفُقَهَاءُ فِي النَّظَرِ إلَى الْمَرْأةِ الْأجْنَبِيَّةِ: فَقِيلَ: يَجُوزُ النَّظَرُ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ إلَى وَجْهِهَا ويدَيْهَا، وَهُوَ مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ، وَقَوْلٌ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد. وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ أحْمَد، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ. وَحَقِيقَةُ الْأَمْرِ: أَنَّ اللهَ جَعَلَ الزِّينَةَ زِينتَيْنِ: أ- زِينَةً ظَاهِرَةً ب- وَزِينَةً غَيْرَ ظَاهِرَةٍ. وَجَوَّزَ لَهَا إبْدَاءَ زِينَتهَا الظَّاهِرَةَ لِغَيْرِ الزَّوْجِ وَذَوِي الْمَحَارِمِ. وَكَانُوا قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ آيَةُ الْحِجَابِ كَانَ النِّسَاءُ يَخْرُجْنَ بِلَا جِلْبَاب، يَرَى الرَّجُلُ وَجْهَهَا وَيَدَيْهَا، وَكَانَ إذ ذَاكَ يَجُوزُ لَهَا أَنْ تُظْهِرَ الْوَجْهَ وَالْكَفَّيْنِ، وَكَانَ حِينَئِذٍ يَجُوزُ النَّظَرُ إلَيْهَا؛ لِأنَّهُ يَجُوزُ لَهَا إظْهَارُهُ. ثُمَّ لَمَّا أَنْزَلَ اللّهُ آيَةَ الْحِجَابِ بِقَوْلِهِ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٩] حَجَبَ النِّسَاءَ عَنِ

стр. 1862

الرِّجَالِ، وَكَانَ ذَلِكَ لَمَّا تَزَوَّجَ زينَبَ بِنْتَ جَحْشٍ فَأرْخَى السِّتْرَ ومَنَع أنسًا أنْ ينظر (١). والْجِلْبَابُ هُوَ الْملَاءَةُ، وَهُوَ الَّذِي يُسَمِّيهِ ابْنُ مَسْعُودٍ وَغَيْرُهُ الرِّدَاءَ، وَتُسَمّيهِ الْعَامَّةُ الْإِزَارَ، وَهُوَ الْإِزَارُ الْكَبِيرُ الَّذِي يُغَطِّي رَأسَهَا وَسَائِرَ بَدَنِهَا. وَقَد حَكَى أَبُو عَبِيدٍ وَغَيْرُهُ: أَنَّهَا تُدْنِيهِ مِن فَوْقِ رَأسِهَا فَلَا تُظْهِرُ إلَّا عَيْنَهَا، وَمِن جِنْسِهِ النِّقَابُ، فَكنَّ النِّسَاءُ يَنْتَقِبْنَ. فَإذَا كُنَّ مَأمُورَاتٍ بِالْجِلْبَابِ لِئَلَّا يُعْرَفْنَ وَهُوَ سَتْرُ الْوَجْهِ أَو سَتْرُ الْوَجْهِ بِالنِّقَابِ: كَانَ الْوَجْهُ وَالْيَدَانِ مِنَ الزِّينَةِ الَّتِي أُمِرَتْ أَلَّا تُظْهِرَهَا لِلْأَجَانِبِ، فَمَا بَقِيَ يَحِلُّ لِلْأَجَانِبِ النَّظَرُ إلَّا إلَى الثّيَابِ الظَّاهِرَةِ. فَابْنُ مَسْعُودٍ ذَكَرَ آخِرَ الْأَمْرَيْنِ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ذَكَرَ أَوَّلَ الْأَمْرَيْنِ. وَعَلَى هَذَا فَقَوْلُهُ: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ [النور: ٣١] يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لَهَا أَنْ تُبْدِيَ الزِّينَةَ الْبَاطِنَةَ لِمَمْلُوكِهَا، وَفِيهِ قَوْلَانِ: قِيلَ: الْمُرَادُ الْإِمَاءُ وَالْإِمَاءُ الْكِتَابِيَّاتُ، كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْمُسَيِّبِ وَرَجَّحَهُ أَحْمَد وَغَيْرُهُ، وَقِيلَ: هُوَ الْمَمْلُوكُ الرَّجُلُ، كَمَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ وَهُوَ الرِّوَايَةُ الْأخْرَى عَن أَحْمَد.

стр. 1863

فَهَذَا يَقْتَضِي جَوَازَ نَظَرِ الْعَبْدِ إلَى مَوْلَاتِهِ، وَقَد جَاءَت بِذَلِكَ أَحَادِيثُ، وَهَذَا لِأَجْلِ الْحَاجَةِ. فَصْلٌ فَهَذَا سَتْرُ النِّسَاءِ عَنِ الرِّجَالِ، وَسَتْرُ الرِّجَالِ عَنِ الرّجَالِ، وَالنِّسَاءِ عَنِ النِّسَاءِ فِي الْعَوْرَةِ الْخَاصَّةِ، كَمَا قَالَ ﷺ : "لَا يَنْظُرُ الرَّجُلُ إلَى عَوْرَةِ الرَّجُلِ وَلَا تَنْظُرُ الْمَرْأة إلَى عَوْرَةِ الْمَرْأَةِ" (١) .. وَنَهَى أَنْ يُفْضِيَ الرَّجُلُ إلَى الرَّجُلِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، وَالْمَرْأَةُ إلَى الْمَرْأَةِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ. فَنَهَى عَنِ النَّظَرِ وَاللَّمْسِ لِعَوْرَةِ النَّظِيرِ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْقُبْحِ وَالْفُحْشِ. وَأَمَّا الرِّجَالُ مَعَ النِّسَاءِ فَلِأَجْلِ شَهْوَةِ النكَاحِ. فَهَذَانِ نَوْعَانِ. وَفِي الصَّلَاةِ نَوْعٌ ثَالِث؛ فَإنَّ الْمَرْأَةَ لَو صَلَّتْ وَحْدَهَا كَانَت مَأْمُورَةً بِالِاخْتِمَارِ، وَفِي غَيْرِ الصَّلَاةِ يَجُوزُ لَهَا كَشْفُ رَأسِهَا فِي بَيْتِهَا فَأخْذُ الزِّينَةَ فِي الصَّلَاةِ لِحَقّ اللّهِ. وَحِينَئِذٍ: فَقَدَ يَسْتُرُ الْمُصَلِّي فِي الصَّلَاةِ مَا يَجُوزُ إبْدَاؤُهُ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ، وَقَد يُبْدِي فِي الصَّلَاةِ مَا يَسْتُرُهُ عَنِ الرِّجَالِ: فَالْأَوَّلُ: مِثْلُ الْمَنْكِبَيْنِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ. فَهَذَا لِحَقِّ الصَّلَاةِ، ويَجُوزُ لَهُ كَشْفُ مَنْكِبَيْهِ لِلرِّجَالِ خَارجَ الصَّلَاةِ. كَذَلِكَ الْمَرْأَةُ الْحُرَّةُ تَخْتَمِرُ فِي الصَّلَاةِ؛ كَمَا قَالَ النَّبِي ﷺ : "لَا يَقْبَلُ اللهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إلَّا بِخِمَارِ" (٢)، وَهِيَ لَا تَخْتَمِرُ عِنْدَ زَوْجِهَا وَلَا عِنْدَ ذَوِي

стр. 1864

مَحَارِمِهَا، فَقَد جَازَ لَهَا إبْدَاءُ الزِّينَةِ الْبَاطِنَةِ لِهَؤُلَاءِ، وَلَا يَجُوزُ لَهَا فِي الصَّلَاةِ أَنْ يُكْشَفَ رَاسُهَا لِهَؤُلَاءِ وَلَا لِغَيْرِهِمْ. وَعَكْسُ ذَلِكَ: الْوَجْهُ وَالْيَدَانِ وَالْقَدَمَانِ، لَيْسَ لَهَا أَنْ تُبْدِيَ ذَلِكَ لِلْأَجَانِبِ عَلَى أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ. وَأَمَّا سَتْرُ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ فَلَا يَجِبُ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ؛ بَل يَجُوزُ لَهَا إبْدَاؤُهُمَا فِي الصَّلَاةِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ كَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمَا وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن أَحْمَد، فَكَذَلِكَ الْقَدَمُ يَجُوزُ إبْدَاؤُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ الْأَقْوَى. وَتَغْطِيَةُ هَذَا فِي الصَّلَاةِ فِيهِ حَرَجٌ عَظِيمٌ. وَبِالْجُمْلَةِ: قَد ثَبَتَ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهَا فِي الصَّلَاةِ أَنْ تَلْبَسَ الْجِلْبَابَ الَّذِي يَسْتُرُهَا إذَا كَانَت فِي بَيْتهَا، وَإِنَّمَا ذَلِكَ إذَا خَرَجَتْ. وَحِينَئِذٍ فَتُصَلّي فِي بَيْتِهَا وإِن رُئيَ وَجْهُهَا وَيَدَاهَا وَقَدَمَاهَا كَمَا كُنَ يَمْشِينَ أَوَّلًا قَبْلَ الْأَمْرِ بِإِدْنَاءِ الْجَلَابِيبِ عَلَيْهِنَّ، فَلَيْسَتِ الْعَوْرَةُ فِي الصَّلَاةِ مُرْتَبِطَةً بِعَوْرَةِ النَّظَرِ لَا طَرْدًا وَلَا عَكْسًا (١). وَابْنُ مَسْعُودٍ ﵁ لَمَّا قَالَ: الزِّينَةُ الظَّاهِرَةُ هِيَ الثّيَابُ، لَمْ يَقُلْ إنَّهَا كُلَّهَا عَوْرَةٌ حَتَّى ظفْرِهَا؛ بَل هَذَا قَوْلُ أَحْمَد؛ يَعْنِي: أَنَّهَا تُشْتَرَطُ فِي الصَّلَاةِ؛ فَإِنَّ الْفُقَهَاءَ يُسَمُّونَ ذَلِكَ: (بَابُ سَتْرِ الْعَوْرَةِ) (٢) وَلَيْسَ هَذَا مِن ألْفَاظِ الرَّسُولِ، وَلَا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَنَّ مَا يَسْتُرُهُ الْمُصَلِّي فَهُوَ عَوْرَةٌ؛ بَل قَالَ تَعَالَى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] (٣).

стр. 1865

وَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانَا؛ فَالصَّلَاةُ أَوْلَى. فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يُؤْمَرُ فِي الصَّلَاةِ بِسَتْرِ الْعَوْرَةِ؛ الْفَخْذِ وَغَيْرِهِ، وَإِن جَوَّزنا لِلرَّجُلِ النَّظَرَ إلَى ذَلِكَ. فَإِذَا قُلْنَا عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن أَحْمَد: أَنَّ الْعَوْرَةَ السَّوْأَتَانِ، وَانَّ الْفَخْذَ لَيْسَتْ بِعَوْرَةِ: فَهَذَا فِي جَوَازِ نَظَرِ الرَّجُلِ إلَيْهَا، لَيْسَ هُوَ فِي الصَّلَاةِ وَالطَّوَافِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُل مَكْشُوفَ الْفَخْذَيْنِ سَوَاءٌ قِيلَ هُمَا عَوْرَةٌ أَو لَا، وَلَا يَطُوفَ عُرْيَانَا. وَأَمَّا صَلَاةُ الرَّجُلِ بَادِيَ الْفَخْذَيْنِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْإِزَارِ فَهَذَا لَا يَجُوزُ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ خِلَافٌ، وَمَن بَنَى ذَلِكَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْعَوْرَةِ كَمَا فَعَلَهُ طَائِفَةٌ فَقَد غَلِطُوا. وَلهَذَا أُمِرَتْ الْمَرْأَةُ أَنْ تَخْتَمِرَ فِي الصَّلَاةِ، وَأَمَّا وَجْهُهَا ويدَاهَا وَقَدَمَاهَا فَهِيَ إنَّمَا نُهِيَتْ عَن إبْدَاءِ ذَلِكَ لِلْأَجَانِبِ، لَمْ تُنْهَ عَن إبْدَائِهِ لِلنِّسَاءِ وَلَا لِذَوِي الْمَحَارِمِ. فَعُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ مِن جِنْسِ عَوْرَةِ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ، وَالْمَرْأَةِ مَعَ الْمَرْأَةِ الَّتِي نُهِيَ عَنْهَا لِأَجْلِ الْفُحْشِ وَقُبْحِ كَشْفِ الْعَوْرَةِ. بَل هَذَا مِن مُقَدّمَاتِ الْفَاحِشَةِ، فَكانَ النَّهْيُ عَن إبْدَائِهَا نَهْيًا عَن مُقَدّمَاتِ الْفَاحِشَةِ، كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ: ﴿ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٢]، وَقَالَ فِي آيَةِ الْحِجَابِ: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٣] فَنَهَى عَن هَذَا سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ، لَا أَنَّهُ عَوْرَة مُطْلَقَة لَا فِي الصَّلَاةِ وَلَا غَيْرِهَا (١). وَأَمْرُ الْمَرْأَةِ فِي الصَّلَاةِ بِتَغْطِيَةِ يَدَيْهَا بَعِيدٌ جِدًّا .. كَذَلِكَ الْقَدَمَانِ. وَإِنَّمَا أَمَرَ بِالْخِمَارِ فَقَطْ مَعَ الْقَمِيصِ، فَكُنَّ يُصَلِّينَ بقُمُصهن وَخُمُرِهِنَّ.

стр. 1866

وَأَمَّا الثَّوْب الَّتِي كَانَتِ الْمَرْأَةُ تُرْخِيهِ وَسَألَتْ عَن ذَلِكَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: شِبْرًا، فَقُلْنَ: إذَنْ تَبْدُو سُوقُهُنَّ، فَقَالَ: ذِرَاعٌ لَا يَزِدْنَ عَلَيْهِ: فَهَذَا كَانَ إذَا خَرَجْنَ مِنَ الْبُيُوتِ، وَأَمَّا فِي نَفْسِ الْبَيْتِ فَلَمْ تكُنْ تَلْبَسُ ذَلِكَ. وَلَمْ يُؤْمَرْنَ مَعَ القمص إلَّا بِالْخُمُرِ (١)، لَمْ تُؤْمَرْ بِسَرَاوِيلَ؛ لِأَنَّ الْقَمِيصَ يُغْنِي عَنْهُ، وَلَمْ تُؤْمَرْ بِمَا يُغَطِّي رِجْلَيْهَا لَا خُفٍّ وَلَا جَوْرَبٍ، وَلَا بِمَا يُغَطِّي يَدَيْهَا لَا بِقُفَّازَيْنِ وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ. فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهَا فِي الصَّلَاةِ سَتْرُ ذَلِكَ إذَا لَمْ يَكن عِنْدَهَا رِجَالٌ أَجَانِبُ. [٢٢/ ١٠٩ - ١٢٠] ٢٥٢٣ - اختلفت عبارات أصحابنا في وجه الحرة في الصلاة، فقال بعضهم: ليس بعورة، وقال بعضهم: عورة، وإنما رخص في كشفه في الصلاة للحاجة، والتحقيق: أنه ليس بعورة في الصلاة، وهو عورة في باب النظر إذا لم يجز النظر إليه. وفي الكفين روايتان: إحداهما: عورة، والرواية الثانية: ليستا بعورة .. واختارها الشيخ تقي الدين. واختار الشيخ تقي الدين أن القدمين ليستا بعورة أيضًا. [المستدرك ٣/ ٦٥ - ٦٦] ٢٥٢٤ - لا يختلف المذهب في أن ما بين السرة والركبة من الأَمَة عورة، وقد حكى جماعة من أصحابنا أن عورتها السوأتان فقط كالرواية في عورة الرجل، وهذا غلط قبيح فاحش على المذهب خصوصًا وعلى الشريعة عمومًا، وكلام أحمد أبعد شيء عن هذا القول. [المستدرك ٣/ ٦٦] ٢٥٢٥ - أمر الله بقدر زائد على ستر العورة في الصلاة وهو أخذ الزينة لا

стр. 1867

بستر العورة؛ إيذانًا بأنَّ العبد ينبغي له أن يلبس أزين ثيابه وأجملها في الصلاة، وكان لبعض السلف حلةٌ بمبلغ عظيم من المال وكان يلبسها وقت الصلاة ويقول: ربي أحق من تجملت له في صلاتي. [المستدرك ٣/ ٦٥] ٢٥٢٦ - قَالَ ابْنُ عُمَرَ لِغلَامِهِ نَافِع لَمَّا رَآهُ يُصَلِّي حَاسِرًا: أَرَأَيْت لَو خَرَجْت إلَى النَّاسِ كُنْت تَخْرُجُ هَكَذَا؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَاللّهُ أحَقُّ مَن يُتَجَمَّلُ لَهُ (١). [٢٢/ ١١٧] وَعَلَى هَذَا فَيَسْتَتِرُ فِي الصَّلَاةِ أَبْلَغَ مِمَّا يَسْتَتِرُ الرَّجُلُ مِنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةُ مِنَ الْمَرْأةِ. ٢٥٢٧ - ومعلوم أن اللّه يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، لا سيما إذا وقف بين يديه فأحسن ما وقف بين يديه بملابسه ونعمته التي ألبسه إياها ظاهرًا وباطنًا. [المستدرك ٣/ ٦٥] ٢٥٢٨ - وَسُئِلَ الشيخ ﵀: عَن لُبْسِ الْقبَاءِ (٢) فِي الصَّلَاةِ إذَا أَرَادَ أَنْ يُدْخِلَ يَدَيْهِ فِي أَكْمَامِهِ هَل يُكْرَهُ أَمْ لَا؟ فَأجَابَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ، فَإِنَّ الْفُقَهَاءَ ذَكَرُوا جَوَازَ ذَلِكَ، وَلَيْسَ هُوَ مِثْل السَّدْلِ الْمَكْرُوهِ (٣)؛ لِمَا فِيهِ مِن فشَابَهَةِ الْيَهُودِ؛ فَاِنَّ هَذِهِ اللُّبْسَةَ لَيْسَتْ مِن مَلَابِسِ الْيَهُودِ. [٢٢/ ١٢٢]

стр. 1868

٢٥٢٩ - وَسُئِلَ: هَل طَرْحُ الْقَبَاءِ عَلَى الْكَتِفَيْنِ مِن غَيْرِ أَنْ يُدْخِلَ يَدَيْهِ فِي أَكْمَامِهِ مَكْرُوهٌ؟ فَأَجَابَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ (١)، وَقَد ذَكَرُوا جَوَازَ ذَلِكَ، وَلَيْسَ هَذَا مِنَ السَّدْلِ الْمَكْرُوهِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ اللُّبْسَةَ لَيْسَتْ لُبْسَةَ الْيَهُودِ. [٢٢/ ١٤٤] ٢٥٣٠ - جِلْدُ الْأَرْنَبِ: تَجُوزُ الصَّلَاةُ فِيهِ بِلَا ريبٍ، وَأَمَّا الثَّعْلَبُ فَفِيهِ نِزَاعٌ وَالْأَظْهَرُ جَوَازُ الصَّلَاةِ فِيهِ، وَجِلْدُ الضَّبُعِ وكَذَلِكَ كُلُّ جِلْدٍ غَيْرِ جُلُودِ السِّبَاعِ التي نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَن لُبْسِهَا. [٢٢/ ١٢٢] ٢٥٣١ - في لبس جلد الثعلب وافتراش جلد سبع روايتان، قال الشيخ تقي الدين: وأما الثعلب ففيه نزاع، والأظهر جواز الصلاة فيه. [المستدرك ٣/ ٦٩] ٢٥٣٢ - إذَا انْكَشَفَ شَيْءٌ يَسِيرٌ مِن شَعْرِهَا وَبَدَنِهَا (٢): لَمْ يَكُن عَلَيْهَا الْإِعَادَةُ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَد. وَإِن انْكَشَفَ شَيْءٌ كَثِيرٌ أَعَادَتِ الصَّلَاةَ فِي الْوَقْتِ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ. [٢٢/ ١٢٣]

стр. 1869

٢٥٣٣ - اختار الشيخ تقي الدين أن الأفضل أن يلبس مع القميص السراويل من غير حاجة إلى الإزار والرداء، وهذا من جنس اختياره أن الفصاد في البلاد الرطبة أولى، وأن الاغتسال بالماء الحار في البلاد الرطبة أولى من الادهان؛ اعتبارًا في كل بلد بعادتهم ومصلحتهم. [المستدرك ٣/ ٦٦] ٢٥٣٤ - اعتبار لبس الطيالسة على العمائم لا أصل له في السُّنَّة، ولم يكن مِن فعل النبي ﷺ والصحابة ﵃. [المستدرك ٣/ ٦٦] ٢٥٣٥ - عن ابن عمر مرفوعًا: "من تشبه بقوم فهو منهم" (١) رواه أحمد وأبو داود وإسناده صحيح، قال شيخنا: أقل أحواله أن يقتضي تحريم التشبه وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم كما في قوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١] في مخالفة الأمر. [المستدرك ٣/ ٦٧] ٢٥٣٦ - إرخاء الذؤابة بين الكتفين معروف في السُّنَّة، وإطالة الذؤابة كثيرًا من الإسبال المنهي عنه. [المستدرك ٣/ ٦٧] ٢٥٣٧ - الصلاة في النعلين سُنَّةٌ أمَرَ بها رسول الله ﷺ ، وأمَرَ إذا كان فيها أذى أن يدلكهما بالأرض فإنها لهما طهور، وهذا هو الصحيح من قولي العلماء، وصلاته ﷺ وأصحابه بالنعال في المسجد مع أنهم يسجدون على ما يلاقي النعال كل ذلك دليل على طهارة أسفل النعل، مع أنهم كانوا يروحون بها إلى الحش للبراز، فإذا رأى عليهما أثر النجاسة فدلكهما بالأرض طهرتا. [المستدرك ٣/ ٦٩] ٢٥٣٨ - لا يجوز لبس ما فيه صورة حيوان في أحد الوجهين، والوجه الثاني: لا يحرم؛ بل يكره ذكره ابن عقيل والشيخ تقي الدين رواية. [المستدرك ٣/ ٦٩]

стр. 1870

٢٥٣٩ - لو صلى على راحلة مغصوبة أو سفينة مغصوبة فهو كالأرض المغصوبة، وإن صلى على فراش مغصوب فوجهان، أظهرهما البطلان. [المستدرك ٣/ ٦٩] ٢٥٤٠ - لبس الحرير حيث يكون سدى (١) بحيث يكون القطن والكتان أغلى قيمة منه وفي تحريمه إضرار بهم، لأنه أرخص عليهم: يُخَرَّج على وجهين؛ لتعارض لفظ النص ومعناه؛ كالروايتين في إخراج غير الأصناف الخمسة إذا لم يكن قوتًا لذلك البلد. ولو كان الظهور للحرير وهو أقل من غيره ففيه ثلاثة أوجه: التحريم والكراهة، والإباحة، وحديث الحلة السيراء والقسي يستدل به على تحريم ما ظهر فيه الحرير؛ لأن ما فيه خيوط حرير أو سيور لا بد أن ينسج مع غيرها من الكتان أو القطن فالنبي ﷺ حرمها لظهور الحرير فيها ولم يسأل هل وزن ذلك الموضع من القطن أو الكتان أكثر، أم لا؟ مع أن العادة أنه أقل، فإن استويا فالأشبه بكلام أحمد التحريم. والثياب القسية ثياب مخططة بحرير. [المستدرك ٣/ ٧١] ٢٥٤١ - الخز اسم لثلاثة أشياء: أ- للوبر الذي ينسج مع الحرير، وهو وبر الأرنب. ب- واسم لمجموع الحرير والوبر. ت- واسم لرديء الحرير. فالأول والثاني حلال، والثالث حرام.

стр. 1871

وأما لبس الرجال الحرير؛ كالكتولة والقباء فحرام على الرجال بالاتفاق على الأجناد وغيرهم، لكن تنازع العلماء في لبسه عند القتال بغير ضرورة على قولين: أظهرهما الإباحة. وأما إن احتاج إلى الحرير في السلاح ولم يقم غيره مقامه فهذا يجوز بلا نزاع. [المستدرك ٣/ ٧٢] ٢٥٤٢ - قال الشيخ تقي الدين: يجوز بيع حرير لكافر ولبسه له؛ لأن عمر بعث بما أعطاه النبي ﷺ إلى أخ له مشرك. رواه أحمد والبخاري ومسلم. قال شيخنا: وعلى قياسه بيع آنية الذهب والفضة للكفار، وإذا جاز بيعها لهم جاز صنعتها لبيعها منهم، وعملها لهم بالأجرة. [المستدرك ٣/ ٧٣] ٢٥٤٣ - أطلق في المستوعب: له الخضاب بالحناء، وقال في مكان آخر: كرهه أحمد، لأنه من الزينة، وقال شيخنا: هو بلا حاجة مختص بالنساء، ثم احتج بلعن المتشبهين والمتشبهات. [المستدرك ٣/ ٧٣] * * * (اجتناب النجاسة) ٢٥٤٤ - وجوب تطهير البدن من الخبث، يحتج عليه بأحاديث الاستنجاء، وبحديث التنزه عن البول، وبقوله ﷺ : "حتيه ثم اقرصيه ثم انضحيه بالماء ثم صلي فيه" (١) من حديث أسماء وغيرها، وبحديث أبي سعيد في "دلك النعلين بالتراب ثم الصلاة فيهما". وطهارة البقعة يستدل عليها بقوله ﷺ في حديث الأعرابي: "إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من البول والعذرة" (٢) وأمره ﷺ بصب الماء على البول. [المستدرك ٣/ ٧٤]

стр. 1872

٢٥٤٥ - نزاع الفقهاء فيمن صدى في موضع نجس لا يمكنه الخروج منه؟ على قولين معروفين، الأظهر: أنه لا يعيد؛ بل الصحيح: أن كل من صلى في الوقت بحسب إمكانه لا يعيد كالعاجز عن الطهارة والستارة والاستقبال أو اجتناب النجاسة أو عن إكمال الركوع والسجود أو عن قراءة الفاتحة ونحوهم. [المستدرك ٣/ ٧٤] ٢٥٤٦ - قال ابن القيم ﵀ في مسألة الثياب التي اشتبه الطاهر منها بالنجس: هذه مسألة نزاع .. قال شيخنا: اجتناب النجاسة من باب المحظور، فإذا تحرى وكلب على ظنه طهارة ثوب منها فصلى فيه لم يُحكم ببطلان صلاته بالشك؛ فإنَّ الأصل عدم النجاسة. [المستدرك ٣/ ٧٤] ٢٥٤٧ - لا تصح الصلاة في المقبرة ولا إليها، والنهي عن ذلك إنما هو سد لذريعة الشرك. وذكر طائفةٌ مِن أصحابنا أن وجود القبر والقبرين لا يمنع من الصلاة؛ لأنه لا يتناول اسم المقبرة، وإنما المقبرة ثلاثة قبور فصاعدًا، وليس في كلام أحمد وعامة أصحابه هذا الفرق؛ بل عموم كلامهم وتعليلهم واستدلالهم يوجب منع الصلاة عند قبر واحد من القبور، وهو الصواب. والمقبرة كل ما قبر فيه، لا أنه جمع قبر، وقال أصحابنا: وكل ما دخل في اسم المقبرة مما حول القبور لا يصلي فيه، فهذا ينبني على أن المنع يكون متناولًا لتحريم الصلاة عند القبر المنفرد وفنائه المضاف إليه. وذكر الآمدي وغيره: أنه لا تجوز الصلاة فيه؛ أي: المسجد الذي قبلته إلى القبر حتى يكون بين الحائط وبين المقبرة حائل آخر وذكر بعضهم هذا مثصوص أحمد. [المستدرك ٣/ ٧٤ - ٧٥] ٢٥٤٨ - لا تصح الصلاة في الحش ولا إليه، ولا فرق عند عامة أصحابنا بين أن يكون الحش في ظاهر جدار المسجد أو باطنه، واختار ابن عقيل: أنه

стр. 1873

إذا كان بين المصلي وبين الحش ونحوه حائل مثل جدار المسجد لم يكره، والأول هو المأثور عن السلف. [المستدرك ٣/ ٧٥] ٢٥٤٩ - لا تصح الفريضة في الكعبة؛ بل النافلة وهو مذهب أحمد، وأما صلاة النبي ﷺ في البيت الحرام فإنها كانت تطوعًا فلا يلحق به الفرض. [المستدرك ٣/ ٧٥] * * * استقبال القبلة ٢٥٥٠ - فَصْلٌ: فِي "اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ"، وَأَّنَّهُ لَا نِزَاعَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي الْوَاجِبِ مِن ذَلِكَ، وَأنَّ النِّزَاعَ بَيْنَ الْقَائِلِينَ بِالْجِهَةِ وَالْعَيْنِ لَا حَقِيقَةَ لَهُ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٥٠] وَشَطْرُهُ: نَحْوُهُ وَتلْقَاؤُهُ .. وَقَالَ: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ [البقرة: ١٤٨]. والوجهة: هِيَ الْجِهَةُ. فَالْقِبْلَةُ هِيَ الَّتِي تُسْتَقْبَلُ، والوجهة هِيَ الَّتِي يُوَلِّيهَا. وَهُوَ سُبْحَانَهُ أَمَرَهُ بِأَنْ يُوَلِّيَ وَجْهَهُ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، والْمَسْجِدُ الْحَرَامُ هُوَ الْحَرَمُ كُلُّهُ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨]، وَلَيْسَ ذَلِكَ مُخْتَصًّا بِالْكَعْبَةِ، وَهَذَا يُحَقِّقُ الْأثَرَ الْمَرْوِيَّ: "الْكَعْبَةُ قِبْلَةُ الْمَسْجِدِ، وَالْمَسْجِدُ قِبْلَةُ مَكَّةَ، وَمَكَّةُ قِبْلَةُ الْحَرَمِ، وَالْحَرَمُ قِبْلَةُ الْأَرْضِ". وَثَبَتَ عَنْهُ فِي "الصَّحِيحَيْنِ" أَنَّهُ قَالَ: "لَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ وَلَا بَوْلٍ، وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَو غَرِّبُوا" (١)، فَنَهَى عَن اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ بِغَائِطٍ أَو بَوْلٍ، وَأَمَرَ بِاسْتِقْبَالِهَا فِي الصَّلَاةِ؛ فَالْقِبْلَةُ الَّتِي نَهَى عَن اسْتِقْبَالِهَا وَاسْتِدْبَارِهَا

стр. 1874

بِالْغَائِطِ وَالْبَوْلِ هِيَ الْقِبْلَةُ الَّتِي أَمَرَ الْمُصَلِّيَ بِاسْتِقْبَالِهَا فِي الصَّلَاةِ (١). وقَالَ ﷺ : "مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ"، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وَهَكذَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ: مِثْلُ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِمْ، وَلَا يُعْرَفُ عَن أَحَدٍ مِن الصَّحَابَةِ فِي ذَلِكَ نِزَاعٌ، وَهَكَذَا نَصَّ عَلَيْهِ أئِمَّةُ الْمَذَاهِبِ الْمَتْبُوعَةِ وَكَلَامُهُم فِي ذَلِكَ مَعْرُوفٌ. وَقَد تَأَمَّلْت نُصُوصَ أَحْمَد فِي هَذَا الْبَابِ فَوَجَدْتهَا مُتَّفِقَةَ لَا اخْتِلَافَ فِيهَا. بَل مَن قَالَ: يَجْتَهِدُ أَنْ يُصَلِّيَ إلَى عَيْنِ الْكَعْبَةِ، أو فَرْضُهُ اسْتِقْبَالُ عَيْنِ الْكَعْبَةِ بِحَسَبِ اجْتِهَادِهِ: فَقَد أصَابَ. وَمَن قَالَ: يَجْتَهِدُ انْ يُصَلِّيَ إلَى جِهَةِ الْكَعْبَةِ، أو فَرْضُهُ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ: فَقَد أَصَابَ. وَذَلِكَ أَنَّهُم مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ مَن شَاهَدَ الْكَعْبَةَ فَإِنَّهُ يُصَلِّي إلَيْهَا، وَمُتَّفِقونَ

стр. 1875

عَلَى أَنَّهُ كُلَّمَا قَرُبَ الْمُصَلُّونَ إلَيْهَا كَانَ صَفُّهُم أقْصَرَ مِنَ الْبَعِيدِينَ عَنْهَا. وَهَذَا شَأنُ كُلِّ مَا يُسْتَقْبَلُ؛ فَالصَّفُّ الْقَرِيبُ مِنْهَا لَا يَزِيدُ طُولُهُ عَلَى قَدْرِ الْكَعْبَةِ. وَلَو زَادَ: لَكَانَ الزَّائِدُ مُصَلِّيًا إلَى غَيْرِ الْكَعْبَةِ. وَالصَّفُّ الَّذِي خَلْفَهُ يَكُونُ أَطْوَلَ مِنْهُ وَهَلُمَّ جَرَّا. فَإِذَا كَانَتِ الصُّفُوفُ تَحْتَ سَقَائِفِ الْمَسْجِدِ كَانَت مُنْحَنِيَةً بِقَدْرِ مَا يَسْتَقْبِلُونَ الْكَعْبَةَ وَهُم يُصَلُّونَ إلَيْهَا وَإِلَى جِهَتِهَا أَيْضًا. فَإِذَا بَعُدَ النَّاسُ عَنْهَا: كَانُوا مُصَلّينَ إلَى جِهَتِهَا، وَفم مُصَلُّونَ إلَيْهَا أَيْضًا. وَلَو كَانَ الصَّفُّ طَوِيلًا يَزِيدُ طُولُهُ عَلَى قَدْرِ الْكَعْبَةِ: صَحَّتْ صَلَاتُهُم بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِن كَانَ الصَّفُّ مُسْتَقِيمًا حَيْثُ لَمْ يُشَاهِدُوهَا. وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ لَو سَارَ مِنَ الصُّفُوفِ عَلَى خَطٍّ مُسْتَقِيمٍ إلَيْهَا لَكَانَ مَا يَزِيدُ عَلَى قَدْرِهَا خَارِجًا عَن مَسَافَتِهَا. فَمَن تَوَهَّمَ أَنَّ الْفَرْضَ أَنْ يَقْصِدَ الْمُصَلِّي الصَّلَاةَ فِي مَكَانٍ لَو سَارَ عَلَى خَطٍّ مُسْتَقِيمٍ وَصَلَ إلَى عَيْنِ الْكعْبَةِ فَقَد أخْطَأَ … فَإِنَّ الْأُمَّةَ مُتَّفِقَةٌ عَلَى صِحَّةِ صَلَاةِ الصَّفِّ الْمُسْتَطِيلِ الَّذِي يَزِيدُ طُولُهُ عَلَى سَمْتِ الْكَعْبَةِ بِأضْعَافٍ مُضَاعَفَةٍ، وَإِن كَانَ الصَّفُّ مُسْتَقِيمَا لَا انْحِنَاءَ فِيهِ وَلَا تَقَوُّسَ. فَالْمَقْصُودُ: أَنَّ مَن صَلَّى إلَى جِهَتِهَا فَهُوَ مُصَلٍّ إلَى عَيْنِهَا، وَاِن كَانَ لَيْسَ عَلَيْهِ أنْ يَتَحَرَّى مِثْل هَذَا. وَلَا يُقَالُ لِمَن صَلَّى كَذَلِكَ أنَّهُ مُخْطِئٌ فِي الْبَاطِنِ مَعْفُوٌّ عَنْهُ؛ بَل هَذَا مُسْتَقْبِلٌ الْقِبْلَةَ بَاطِنًا وَظَاهِرًا، وَهَذَا هُوَ الَّذِي أمِرَ بِهِ؛ وَلهَذَا لَمَّا بَنَى أَصْحَابُ رَسُولِ اللّهِ ﷺ مَسَاجِدَ الْأمْصارِ كَانَ فِي بَعْضِهَا مَا لَو خَرَجَ مِنْهُ خَطٌّ مُسْتَقِيمٌ إلَى الْكَعْبَةِ لَكَانَ مُنْحَرِفًا، وَكَانَت صَلَاةُ الْمُسْلِمِينَ فِيهِ جَائِزَة بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ.

стр. 1876

وَنَظِيرُ هَذَا قَوْلُ بَعْضِهِمْ: إذَا وَقَفَ النَّاسُ يَوْمَ الْعَاشِرِ خَطَأ أَجْزَأَهُمْ؛ فَالصَّوَابُ: أَنَ ذَلِكَ هُوَ يَوْمُ عَرَفَةَ بَاطِنًا وَظَاهِرًا وَلَا خَطَأَ فِي ذَلِكَ؛ بَل يَوْمُ عَرَفَةَ هُوَ الْيَوْمُ الَّذِي يُعَرِّفُ فِيهِ النَّاسُ، وَالْهِلَالُ إنَّمَا يَكُونُ هِلَالًا إذَا اسْتَهَلَّهُ النَّاسُ، وإِذَا طَلَعَ وَلَمْ يَسْتَهِلُّوهُ فَلَيْسَ بِهِلَالٍ. وَمَعْلُوم أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَالصَّحَابَةَ لَمْ يَأمُرُوا احَدًا بِمُرَاعَاةِ الْقُطْبِ (١) وَلَا مَا قَرُبَ مِنْهُ وَلَا الْجَدْيُ وَلَا بَنَاتُ نَعْشٍ وَلَا غَيْرُ ذَلِكَ، وَلهَذَا أَنْكَرَ الْإِمَامُ أَحْمَد عَلَى مَن أَمَرَ بِمُرَاعَاةِ ذَلِكَ، وَأَمَرَ أَنْ لَا تُعْتَبَرَ الْقِبْلَةُ بِالْجَدْيِ، وَقَالَ: لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ ذِكْرُ الْجَدْيِ، وَلَكِنْ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ. وَهُوَ كَمَا قَالَ؛ فَإِنَّهُ لَو كَانَ تَحْدِيدُ الْقِبْلَةِ بِذَلِكَ وَاجِبًا أَو مُسْتَحَبًّا لَكَانَ الصَّحَابَةُ أَعْلَمَ بِذَلِكَ وَإِلَيْهِ أَسْبَقُ، وَلَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ بيَّنَ ذَلِكَ؛ فَإنَّهُ لَمْ يَاَع مِنَ الدِّينِ شَيْئًا إلَّا بَيّنهُ، فَكَيْفَ وَقَد صَرَّحَ بِأَنَّ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ (٢). وَأَيْضًا: فَإِنَّ تَعْلِيقَ الدّينِ بِذَلِكَ يُفْضِي إلَى تَنَازُعِ الْأُمَّةِ وَاخْتِلَافِهَا فِي دِينِهَا، وَاللّهُ قَد نَهَى عَنِ التَّفَرُّقِ وَالِاخْتِلَافِ.

стр. 1877

وَسَبَبُ ذَلِكَ: أنَّهُم أَدْخَلُوا فِي دِينِهِمْ مَا لَيْسَ مِنْهُ، وَشَرَعُوا مِن الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ، فَاخْتَلَفُوا فِي تِلْكَ الْبِدْعَةِ الَّتِي شَرَعُوهَا؛ لِأنَّهَا لَا ضَابِطَ لَهَا، كَمَا يَخْتَلِفُ الَّذِينَ يُرِيدُونَ أنْ يَعْلَمُوا طُلُوعَ الْهِلَالِ بِالْحِسَابِ، أَو طُلُوعَ الْفَجْرِ بِالْحِسَابِ، وَهُوَ أمْرٌ لَا يَقومُ عَلَيْهِ دَلِيلٌ حِسَابِيٌّ مُطَّرِدٌ؛ بَل ذَلِكَ مُتَنَاقِضٌ مُخْتَلِفٌ، فَهَؤُلَاءِ أَعْرَضوا عَن الدِّينِ الْوَاسِعِ، وَالْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ، فَدَخَلُوا فِي أَنْوَاعٍ مِن الْجَهْلِ وَالْبِدَعِ، مَعَ دَعْوَاهُم الْعِلْمَ وَالْحِذْقَ، كَذَلِكَ يَفْعَلُ اللهُ بِمَن خَرَجَ عَن الْمَشْرُوعِ إلَى الْبِدع وَتَنَطَّعَ فِي الدِّينِ. وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمُصَلِّي اسْتِقْبَالَ الْقِبْلَةِ فِي الْجُمْلَةِ؛ فَالْمَأمُورُ بِهِ الِاسْتِقْبَالُ لِلْقِبْلَةِ، وَتَوْلِيَةُ الْوَجْهِ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَيُنْظَرُ: هَل الِاسْتِقْبَالُ وَتَوْلِيَةُ الْوَجْهِ مِن شَرْطِهِ أَنْ يَكُونَ وَسَط وَجْهِهِ مُسْتَقْبِلًا لَهَا -كَوَسَطِ الْأَنْفِ وَمَا يُحَاذِيهِ مِن الْجَبْهَةِ وَالذَّقَنِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، أو يَكُونَ الشَّخْصُ مُستَقْبِلًا لِمَا يَسْتَقْبِلُهُ إذَا وَجَّهَ إلَيْهِ وَجْهَهُ وَإِن لَمْ يُحَاذِهِ بِوَسَطِ وَجْهِهِ؟ فَهَذَا أَصْلُ الْمَسْألَةِ (١). وَالِاسْمُ إنْ كَانَ لَهُ حَدٌّ فِي الشَّرْعِ رُجِعَ إلَيْهِ، وَإِلَّا رُجِعَ إلَى حَدِّهِ فِي اللُّغَةِ وَالْعُرْفِ، وَالِاسْتِقْبَالُ هُنَا دَلَّ عَلَيْهِ الشَّرْعُ وَاللُّغَةُ وَالْعُرْفُ. [٢٢/ ٢٠٦ - ٢١٦] ٢٥٥١ - تصح صلاة الفرض على الراحلة خشية الانقطاع عن الرفقة، أو حصول ضرر بالمشي، أو تبرُّزٌ للخَفَرة. [المستدرك ٣/ ٧٦] ٢٥٥٢ - ذكر طائفة من الأصحاب أنَّ الواجب في استقبال القبلة هواؤها دون بنيانها؛ بدليل المصلي على جبل أبي قبيس وغيره من الجبال العالية بمكة، فإنه إنما يستقبل الهواء لا البنيان، وبدليل ما لو انتقضت الكعبة والعياذ باللّه، فإنه يكفيه استقبال العرصة (٢)، قال أبو العباس: الواجب استقبال

стр. 1878

البنيان، وأما العرصة والهواء فليس بكعبة ولا بناء، وأما ما ذكروه من الصلاة على أبي قبيس ونحوه فإنما ذلك لأن بين يدي المصلي قبله شاخصة مرتفعة وإن لم تكن مسامته؛ فإن المسامتة لا تشترط كما لم تكن مشروطة في الائتمام بالإمام. فإن زال بنيان البيت والعياذ بالله وصلى وبين يديه شيء صحت الصلاة، وإن لم يكن بين يديه شيء لم تصح. نعم لو فرض أنه قد تعذر نصب شيء من الأشياء موضعها بأن يقع ذلك إذا هدمها ذو السويقتين من الحبشة في آخر الزمان فهنا ينبغي أن يكتفي حينئذ باستقبال العرصة، كما يكتفي المصلي أن يخط خطًّا إذا لم يجد سترة؛ فإن قواعد إبراهيم كالخط. [المستدرك ٣/ ٧٦ - ٧٨] ٢٥٥٣ - قال ابن حامد وابن عقيل في الواضح وأبو المعالي: لو صلى إلى المجر مَن فرضُه المعاينة لم تصح صلاته؛ لأنه في المشاهدة والعيان ليس مِن الكعبة البيت الحرام .. وقال القاضي: يجوز التوجه إليه في الصلاة وتصح صلاته كما لو توجه إلى حائط الكعبة. قال أبو العباس: وهذا قياس المذهب؛ لأنه مِن البيت بالسُّنَّة الثابتة، وبعيان من شاهده من الخلق الكثير لما نقضه ابن الزبير، ونص أحمد أنه لا يصلي الفرض في الحجر، فقال: لا يصلي في الحجر، والحِجْر مِن البيت، قال أبو العباس: والحجر جميعه ليس من البيت، وإنما الداخل في حدود البيت ستة أذرع وشيء، فمن استقبل ما زاد على ذلك لم تصح صلاته ألبتة. ٢٥٥٤ - إن اختلف مجتهدان في جهتين .. أنهما إذا استويا عنده: له اتباع أيهما شاء، وجزم به الشيخ تقي الدين في المسودة، وقال: ذكره القاضي في أصوله المختلفة بما يقتضي أنه محل وفاق ولم يمنعه. [المستدرك ٣/ ٧٩] * * *

стр. 1879

النية ٢٥٥٥ - مَحَلُّ النِّيَّةِ الْقَلْبُ دُونَ اللِّسَانِ بِاتّفَاقِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ فِي جَمِيعِ الْعِبَادَاتِ. وَلَو تَكَلَّمَ بِلِسَانِهِ بِخِلَافِ مَا نَوَى فِي قَلْبِهِ كَانَ الِاعْتِبَارُ بِمَا نَوَى بِقَلْبِهِ لَا بِاللَّفْظِ، وَلَو تَكَلَّمَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ تَحْصُلِ النِّيَّةُ فِي قَلْبِهِ لَمْ يُجْزِئْ ذَلِكَ بِاتِّفَاقِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ. فَإنَّ النِّيَّةَ هِيَ مِن جِنْسِ الْقَصْدِ؛ وَلهَذَا تَقُولُ الْعَرَبُ: نَوَاك اللهُ بِخَيْر؛ أَيْ: قَصَدَك بِخَيْر. وَالنِّيَّةُ تَتْبَعُ الْعِلْمَ، فَمَن عَلِمَ مَا يُرِيدُ أَنْ يَفْعَلَهُ فَلَا بُدَّ أَنْ يَنْوِيَهُ، فَإِذَا عَلِمَ الْمُسْلِمُ أَنَّ غَدًا مِن رَمَضَانَ وَهُوَ مِمَن يَصُومُ رَمَضَانَ فَلَا بُدَّ أَنْ يَنْوِيَ الصِّيَامَ، فَإِذَا عَلِمَ أَنَّ غَدًا الْعِيدَ لَمْ يَنْوِ الصِّيَامَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ. وَكَذَلِكَ الصَّلَاةُ: فَإِذَا عَلِمَ أَنَّ الصَّلَاةَ الْقَائِمَةَ صَلَاةُ الْفَجْرِ أَو الظُّهْرِ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةَ الْفَجْر أَو الظُّهْرِ، فَإِنَّهُ إنَّمَا يَنْوِي تِلْكَ الصَّلَاةَ، لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهَا الْفَجْرُ وينْوِي الظُّهْرَ. فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُن يَقُولُ قَبْلَ التَّكْبِيرِ شَيْئًا، وَلَمْ يَكُن يَتَلَفَّظُ بِالنِّيَّةِ لَا فِي الطَّهَارَةِ وَلَا فِي الصَّلَاةِ وَلَا فِي الصيَام. وَكَذَلِكَ فِي الْحَجِّ، إنَّمَا كَانَ يَسْتَفْتِحُ الْإِحْرَامَ بِالتَّلْبِيَةِ، وَشَرَعَ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يُلَبُّوا فِي أَوَّلِ الْحَجِّ. بَل جَعَلَ التَّلْبِيَةَ فِي الْحَجِّ كَالتَّكْبِيرِ فِي الصَّلَاةِ، وَكَانَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ يَقُولُونَ: فُلَانٌ أَهَلَّ بِالْحَجِّ، أَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ، أَو أَهَلَّ بِهِمَا جَمِيعًا، كَمَا يُقَالُ: كَبَّرَ لِلصَّلَاةِ. وَالْإِهْلَالُ: رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ، وَكَانَ يَقُولُ فِي تَلْبِيَتِهِ: "لَبَّيْكَ حَجًّا وَعُمْرَةً" يَنْوِي مَا يُرِيدُ أَنْ يَفْعَلَة بَعْدَ التَّلْبِيَةِ، لَا قَبْلَهَا.

стр. 1880

وَالْوجْهُ الثاني: مِن حَيْثُ الْمُدَاوَمَةُ عَلَى خِلَافِ مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ رَسُولُ ﷺ فِي الْعِبَادَاتِ؛ فَإِنَّ هَذَا بِدْعَة بِاتِّفَاقِ الْأئِمَّةِ وَإِن ظَنَّ الظَّانُّ أَنَّ فِي زِيَادَتِهِ خَيْرًا" (١)، كَمَا أَحْدَثَهُ بَعْضُ الْمُتَقَدِّمِينَ مِن الْأذَانِ وَالْإِقَامَةِ فِي الْعِيدَيْنِ. وَاسْتَحَبَّ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِن أصْحَابِ أَحْمَد فِي الْحَاجِّ إذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ أَنْ يَسْتَفْتِحَ بِتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ، فَخَالَفُوا الْأَئِمَّةَ وَالسُّنَّةَ، وَإِنَّمَا السُّنَّةُ أَنْ يَسْتَفْتِحَ الْمُحْرِمُ بِالطَّوَافِ، كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ لَمَّا دَخَلَ الْمَسْجِدَ، بِخِلَافِ الْمُقِيمِ الَّذِي يُرِيدُ الصَّلَاةَ فِيهِ دُونَ الطَّوَافِ، فَهَذَا إذَا صَلَّى تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ فَحَسَنٌ. [٢٢/ ٢١٧ - ٢٢٦، ٢٦/ ١٧١] ٢٥٥٦ - سُئِلَ الْإَمَامُ أَحْمَد عَن رَجُلٍ يَخْرُجُ مِن بَيْتِهِ لِلصَّلَاةِ هَل يَنوِي حِينَ الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: قَد نَوَى حِينَ خَرَجَ. [٢٢/ ٢٢٨] ٢٥٥٧ - تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ: هَل يُسْتَحَبُّ التَّلَفُّظُ بِالنِّيَّةِ سِرًّا أَمْ لَا؟ قَالَ طَائِفَةٌ مِن أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأحْمَد: يُسْتَحبُّ التَّلَفُّظُ بِهَا؛ لكَوْنه أَوْكَدَ. وَقَالَتْ طَائِفَة مِن أَصْحَابِ مَالِكٍ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمَا: لَا يُسْتَحَبُّ التَّلَفُظُ بِهَا. وَهَذَا الْقَوْلُ أَصَحُّ الْأقْوَالِ؛ بَل التَّلَفُّظُ بِالنِّيَّةِ نَقْصٌ فِي الْعَقْلِ وَالدِّينِ: أَمَّا فِي الدِّينِ فَلِأَنَّهُ بِدْعَةٌ. وَأَمَّا فِي الْعَقْلِ فَلِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مَن يُرِيدُ أَنْ يَأْكُلَ طَعَامًا فَيَقُولُ: نَوَيْت بِوَضْعِ يَدِي فِي هَذَا الْإِنَاءِ أَنِّي أرِيدُ أَنْ آخُذَ مِنْهُ لُقْمَةً فَأَضَعُهَا فِي فَمِي فَأمْضُغُهَا ثمَّ أَبْلَعُهَا لِأَشْبَعَ! مِثْل الْقَائلِ الَّذِي ويَقُولُ: نَوَيْت أُصَلِّي فَرِيضَةَ هَذِهِ الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ عَلَيَّ حَاضِرَ الْوَقْتِ أرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي جَمَاعَةٍ أَدَاءً للهِ تَعَالَى!

стр. 1881

فَهَذَا كُلّهُ حُمْقٌ وَجَهْلٌ؛ وَذَلِكَ أَنَّ النِّيَّةَ بَليغُ الْعِلْمِ، فَمَتَى عَلِمَ الْعَبْدُ مَا يَفْعَلُة كَانَ قَد نَوَاهُ ضَرُورَةً. [٢٢/ ٢٣١ - ٢٣٢] ٢٥٥٨ - الْجَهْرُ بِلَفْظِ النِّيَّةِ لَيْسَ مَشْرُوعًا عِنْدَ أَحَدٍ مِن عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا فَعَلَهُ رَسُولُ اللّهِ ﷺ وَلَا فَعَلَهُ أَحَدٌ مِن خُلَفَائِهِ وَأَصْحَابِهِ وَسَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا. وَمَن ادَّعَى أَنَّ ذَلِكَ دِينُ اللهِ، وَأَنَّهُ وَاجِبٌ: فَإِنَّهُ يَجِبُ تَعْرِيفُهُ الشَّرِيعَةَ وَاسْتِتَابَتُهُ مِن هَذَا الْقَوْلِ، فَإِنْ أَصَرَّ عَلَى ذَلِكَ قُتِلَ (١). [٢٢/ ٢٣٦] ٢٥٥٩ - وَأَمَّا الْمَأْمُومُ فَالسُّنَّةُ لَهُ الْمُخَافَتَةُ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، لَكِنْ إذَا جَهَرَ أَحْيَانًا بِشَيءٍ مِنَ الذِّكْرِ فَلَا بَأْسَ؛ كَالْإِمَامِ إذَا أَسْمَعَهُم أَحْيَانًا الْآيَةَ فِي صَلَاةِ السِّرِّ، فَقَد ثَبَتَ فِي "الصَّحِيحِ" عَن أَبِي قتادة أَنَّهُ أَخْبَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ يُسْمِعُهُم الْآيَةَ أَحْيَانًا. وَثَبَتَ فِي "الصَّحِيحِ" أَنَّ مِنَ الصَّحَابَةِ الْمَأْمُومِينَ مَن جَهَرَ بِدُعَاءٍ حِينَ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ، وَعِنْدَ رَفْعِ رَأسِهِ مِن الرُّكُوعِ، وَلَمْ يُنْكِر النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ (٢). [٢٢/ ٢٣٩ - ٢٤٠] ٢٥٦٠ - (نِيَّةُ الْمَرْءِ أَبْلَغُ مِن عَمَلِهِ): هَذَا الْكَلَامُ قَالَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ؛ وَبَيَانُهُ مِن وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ النّيَّةَ الْمُجَرَّدَةَ مِن الْعَمَلِ يُثَابُ عَلَيْهَا، وَالْعَمَلَ الْمُجَرَّدَ عَن النِّيِّةِ لَا يُثَابُ عَلَيْهِ. الثَّانِي: أَنَّ مَن نَوَى الْخَيْرَ وَعَمِلَ مِنْهُ مَقْدُورَهُ وَعَجَزَ عَن إكْمَالِهِ كَانَ لَهُ أَجْرُ عَامِلٍ. [٢٢/ ٢٤٣] * * *

стр. 1882

(بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ) ٢٥٦١ - قَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]: لَيْسَ الْمُرَادُ بِالسَّعْيِ الْمَأْمُورِ بِهِ الْعَدْوَ؛ فَإِنَّهُ قَد ثَبَتَ فِي "الصَّحِيحِ" عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إذَا أقِيمَت الصَّلَاةُ فَلَا تَأتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ وَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَمْشُونَ وَعَلَيْكُمْ السَّكِينَةَ" (١). وَلَكِنْ قَالَ الْأَئِمَّةُ: السَّعْيُ فِي كِتَابِ اللهِ هُوَ الْعَمَلُ وَالْفِعْلُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (٤)﴾ [الليل: ٤]. وَلَفْظُ السَّعْيِ فِي الْأصْلِ: اسْمُ جِنْسٍ، وَمِن شَأْنِ أهْلِ الْعُرْفِ إذَا كَانَ الِاسْمُ عَامًّا لِنَوْعَيْنِ فَإِنَّهُم يُفْرِدُونَ أَحَدَ نَوْعَيْهِ بِاسْم ويبْقَى الِاسْمُ الْعَامُّ مُخْتَصًّا بِالنَّوْعِ الْآخَرِ. كَمَا فِي لَفْظِ "ذَوِي الْأَرْحَامِ" فَإِنَّهُ يَعُمُّ جَمِيعَ الْأقَارِبِ: مَن يَرِثُ بِفَرْضٍ وَتَعْصِيبٍ، وَمَن لَا فَرْضَ لَهُ وَلَا تَعْصِيبَ. فَلَمَّا مُيِّزَ ذُو الْفَرْضِ وَالْعَصَبَةِ: صَارَ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ ذوو الْأَرْحَامِ مُخْتَصًّا بِمَن لَا فَرْضَ لَهُ وَلَا تَعْصِيبَ. وَبِسَبَبِ هَذَا الِاشْتِرَاكِ الْحَادِثِ غَلِطَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فِي فَهْمِ الْخِطَابِ بِلَفْظِ السَّعْيِ مِن هَذَا الْبَاب، فَإِنَّهُ فِي الْأَصْلِ عَام فِي كُلِّ ذَهَابٍ وَمُضِيٍّ، وَهُوَ السَّعْيُ الْمَأْمُورُ بِهِ فِي الْقُرْآنِ، وَقَد يَخُصُّ أَحَدَ النَّوْعَيْنِ بِاسْمِ الْمَشْي، فَيَبْقَى لَفْظُ السَّعْيِ مُخْتَصُّا بِالنَّوْعِ الْآخَرِ، وَهَذَا هُوَ السَّعْيُ الَّذِي نَهَى عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ حَيْثُ قَالَ: "إذَا أقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَلَا تَأْتُوهَا وَأنتُمْ تَسْعَوْنَ وَأْتُوهَا وَأَنتُمْ تَمْشُون". [٢٢/ ٢٥٩ - ٢٦١] ٢٥٦٢ - ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ فِي "الصَّحِيحِ": "خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُها وَشَرُّهَا

стр. 1883

آخِرُهَا" (١) وَأَمْثَالُ ذَلِكَ مِنَ السُّنَنِ الَّتِي يَنْبَغِي فِيهَا لِلْمُصَلِّينَ أَنْ يُتِمُّوا الصَّفَّ الأَوَّلَ ثُمَ الثَّانِي. فَمَن جَاءَ أوَّلَ النَّاسِ وَصَفَّ فِي غَيْرِ الْأَوَّلِ فَقَد خَالَفَ الشَّرِيعَةَ (٢). وَإِذَا ضَمَّ إلَى ذَلِكَ إسَاءَةَ الصَّلَاةِ أَو فُضُولَ الْكَلَامِ أَو مَكْرُوهَهُ أَو مُحَرَّمَهُ وَنَحْو ذَلِكَ مِمَّا يُصَانُ الْمَسْجِدُ عَنْهُ: فَقَد تَرَكَ تَعْظِيمَ الشَّرَائِعِ، وَخَرَجَ عَنِ الْحُدُودِ الْمَشْرُوعَةِ مِن طَاعَةِ اللهِ. وَإِن لَمْ يَعْتَقِدْ نَقْصَ مَا فَعَلَهُ، وَيَلْتَزِمْ اتبُاعَ أَمْرِ اللّهِ: اسْتَحَقَّ الْعُقُوبَةَ الْبَلِيغَةَ الَّتِي تَحْمِلُهُ وَأَمْثَالُهُ عَلَى أَدَاءِ مَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ، وَتَرْكِ مَا نَهَى اللّهُ عَنْهُ. [٢٢/ ٢٦٢] ٢٥٦٣ - لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُصَلِّيَ مُنْفَرِدًا خَلْفَ الصَّفِّ؛ بَل عَلَى النَّاسِ أَنْ يُصَلُّوا مُصْطَفِّينَ .. وَلَا يَصِح لَهُم أَنْ يُصَلُّوا فِي السُّوقِ حَتَّى تَتَّصِلَ الصُّفُوفُ؛ بَل عَلَيْهِم أَنْ يُقَارِبُوا الصُّفُوفَ وَيَسُدُّوا الْأوَّلَ فَالْأوَّلَ. [٢٢/ ٢٦٣] ٢٥٦٤ - مَا ثَبَتَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ سَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَمْرَيْنِ وَاتَّفَقَتِ الْأمَّةُ عَلَى أَنَّ مَن فَعَلَ أَحَدَهُمَا: لَمْ يَأْثَمْ بِذَلِكَ، لَكِنْ قَد يَتَنَازَعُونَ فِي الْأَفْضَلِ. لَكِنْ مَا أَمَرَ بِهِ مِن ذَلِكَ أَفْضَلُ لنَا مِمَّا فَعَلَهُ وَلَمْ يَأمُرْ بِهِ (٣). وَقَد ثَبَتَ فِي "الصَّحِيح" أَّنَّهُ قَالَ: "إذَا قَعَدَ أَحَدُكُمْ فِي التَّشَهُّدِ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللهِ مِن أَرْبَعٍ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِن عَذَابِ جَهَنَّمَ وَمِن عَذَابِ الْقَبْرِ وَمِن فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ وَمِن فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ" (٤)؛ فَالدُّعَاءُ بِهَذَا أفْضَلُ مِنَ الدُّعَاءِ بِقَوْلِهِ: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدمْت وَمَا أَخَّرْت وَمَا أَسْرَرْت وَمَا أَعْلَنْت وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ لَا إلَهَ إلا أنتَ"، وَهَذَا أَيْضًا قَد

стр. 1884

صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُهُ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ، لَكِنَ الْأَوَّلَ أَمَرَ بِهِ. [٢٢/ ٢٦٥ - ٢٦٦] ٢٥٦٥ - كَانَت صَلَاةُ رَسُولِ اللّهِ ﷺ مُعْتَدِلَةً، إذَا أَطَالَ الْقِيَامَ أَطَالَ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ، وَإِذَا خَفَّفَ الْقِيَامَ خَففَ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ، هَكَذَا كَانَ يَفْعَلُ فِي الْمَكْتُوبَاتِ وَقِيَامِ اللَّيْلِ وَصَلَاةِ الْكُسُوفِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَقَد تَنَازَعَ النَّاسُ هَلِ الْأَفْضَلُ طُولُ الْقِيَامِ؟ أَمْ كَثْرَةُ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ؟ أَو كِلَاهُمَا سَوَاءٌ؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: أَصَحُّهَا: أَنَّ كِلَيْهِمَا سَوَاءٌ؛ فَإِنَّ الْقِيَامَ اخْتَصَّ بِالْقِرَاءَةِ وَهِيَ أَفْضَلُ مِنَ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ، وَالسُّجُودُ نَفْسُهُ أَفْضلُ مِنَ الْقِيَامِ. فَيَنْبَغِي أَنَّهُ إذَا طَوَّلَ الْقِيَامَ أَنْ يُطِيلَ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ. [٢٢/ ٢٧٣] ٢٥٦٦ - قِرَاءَة الْفَاتِحَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ حَالَ الْجَهْرِ: لِلْعُلَمَاءِ فِيهِ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ: قِيلَ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْرَأَ حَالَ جَهْرِ الْإِمَامِ إذَا كَانَ يَسْمَعُ لَا بِالْفَاتِحَةِ وَلَا غَيْرِهَا، وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ (١)، وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَحْمَد وَأَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِمْ، وَأَحَدُ قَوْلَي الشَّافِعِيِّ. وَقيلَ: بَل يَجُوزُ الْأَمْرَانِ وَالْقِرَاءَةُ أَفْضَلُ. وَييلَ: بَل الْقِرَاءَةُ وَاجِبَة، وَهُوَ الْقَوْلُ الْآخَرُ لِلشَّافِعِيِّ (٢). وَقَوْلُ الْجُمْهُورِ هُوَ الصَّحِيحُ (٣)؛ فَإنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَالَ: ﴿وَإِذَا قُرِئَ

стр. 1885

الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)﴾ [الأعراف: ٢٠٤] قَالَ أحْمَد: أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الصَّلَاةِ. وَقَد ثَبَتَ فِي "الصَّحِيحِ" مِن حَدِيثِ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إنَّمَا جُعِلَ الإمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَإذَا كبَّرَ فَكَبِّرُوا وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا" (١). فَقَد أَمَرَ اللهُ وَرَسُولُهُ بِالْإِنْصَاتِ لِلْإِمَامِ إذَا قَرَأَ، وَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ مِن جُمْلَةِ الِائْتِمَامِ بِهِ، فَمَن لَمْ يُنْصِتْ لَهُ لَمْ يَكُن قَد ائْتَمَّ بِهِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْإِمَامَ يَجْهَرُ لِأجْلِ الْمَأمُومِ، وَلهَذَا يُؤَمِّنُ الْمَأمُومُ عَلَى دُعَائِهِ، فَإِذَا لَمْ يَسْتَمِعْ لِقِرَاءَتِهِ ضَاعَ جَهْرُهُ، وَمَصْلَحَةُ مُتَابِعَةِ الْإِمَامِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى مَصْلَحَةِ مَا يُؤْمَرُ بِهِ الْمُنْفَرِدُ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَو أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي وِتْرٍ مِن صَلَاتِهِ: فَعَلَ كَمَا يَفْعَلُ، فَيَتَشَهَّدُ عَقِيبَ الْوِتْرِ، وَيَسْجُدُ بَعْدَ التَّكْبِيرِ إذَا وَجَدَهُ سَاجِدًا، كُلُّ ذَلِكَ لِأَجْلِ الْمُتَابَعَةِ، فَكَيْفَ لَا يَسْتَمِعُ لِقِرَاءَتِهِ مَعَ أَنَّهُ بِالِاسْتِمَاعِ يَحْصُلُ لَهُ مَصْلَحَةُ الْقِرَاءَةِ؟ فَإنَّ الْمُسْتَمِعَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ الْقَارِئِ. وقد تَنَازَعُوا إذَا لَمْ يَسْمَعِ الْإِمَامَ لِكوْنِ الصَّلَاةِ صَلَاةَ مُخَافَتَةٍ، أَو لِبُعْدِ الْمَأمُومِ، أو طَرَشِهِ (٢) أَو نَحْوِ ذَلِكَ: هَل الْأَوْلَى لَهُ أَنْ يَقْرَأَ أَو يَسْكُتَ؟ وَالصَّحِيحُ: أَنَّ الْأَوْلَى لَهُ أَنْ يَقْرا فِي هَذ الْمَوَاضِع؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَمِعُ قِرَاءَةً يَحْصُلُ لَهُ بِهَا مَقْصُودُ الْقِرَاءَةِ، فَإِذَا قَرَأَ لِنَفْسِهِ حَصَلَ لَهُ أَجْرُ الْقِرَاءَةِ، وَإِلَّا بَقِيَ

стр. 1886

سَاكِتًا لَا قَارِئًا وَلَا مُسْتَمِعًا، وَمَن سَكَتَ غَيْرَ مُسْتَمِعٍ وَلَا قَارِئٍ فِي الصَّلَاةِ لَمْ يَكُن مَأمُورًا بِذَلِكَ وَلَا مَحْمُودًا؛ بَل جَمِيعُ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ لَا بُدَّ فِيهَا مِن ذِكْرِ اللّهِ تَعَالَى؛ كَالْقِرَاءَةِ وَالتَّسْبِيحِ وَالدُّعَاءِ أَو الِاسْتِمَاعِ لِلذِّكْرِ. [٢٢/ ٢٩٤ - ٢٩٧] ٢٥٦٧ - هَل قِرَاءَتُهُ [أي: المأموم خلف الإمام] لِلْفَاتِحَةِ مَعَ الْجَهْرِ وَاجِبَةٌ، أَو مُسْتَحَبَّةٌ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُمَا: أَنَّهَا وَاجِبَةٌ. وَالثَّانِي: أَنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ. وَلَا سَبِيلَ إلَى الِاحْتِيَاطِ فِي الْخُرُوجِ مِن الْخِلَافِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، كَمَا لَا سَبِيلَ إلَى الْخُرُوجِ مِن الْخِلَافِ فِي وَقْتِ الْعَصْرِ، وَفِي فَسْخِ الْحَجِّ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِن الْمَسَائِلِ. يَتَعَيَّنُ فِي مِثْل ذَلِكَ النَّظَرُ فِيمَا يُوجِبُهُ الدَّليلُ الشَّرْعِيُّ. وَذَلِكَ أَنَّ كَثِيرًا مِن الْعُلَمَاءِ يَقُولُ: صَلَاةُ الْعَصْرِ يَخْرُجُ وَقْتُهَا إذَا صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ؛ كَالْمَشْهُورِ مِن مَذْهَبِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن أَحْمَدَ. وَأَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ: حِينَئِذٍ يَدْخُلُ وَقْتُهَا. وَلَمْ يَتَّفِقُوا عَلَى وَقْتٍ تَجُوزُ فِيهِ صَلَاةُ الْعَصْرِ، بِخِلَافِ غَيْرِهَا، فَإِنَّهُ إذَا صَلَّى الظُّهْرَ بَعْدَ الزَّوَالِ بَعْدَ مَصِيرِ ظِلِّ كُل شَيْءٍ مِثْلَهُ سِوَى ظِلِّ الزَّوَالِ: صَحَّتْ صَلَاتُهُ، وَالْمَغْرِبُ أَيْضًا تُجْزِئُ بِاتِّفَاقِهِمْ إذَا صَلَّى بَعْدَ الْغُرُوبِ، وَالْعِشَاءُ تُجْزِئُ بِاتِّفَاقِهِمْ إذَا صَلَّى بَعْدَ مَغِيبِ الشَّفَقِ الْأَبْيَضِ إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ، وَالْفَجْرُ تُجْزِئُ بِاتِّفَاقِهِمْ إذَا صَلَّاهَا بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَى الْإِسْفَارِ الشَّدِيدِ. وَأَمَّا الْعَصْرُ: فَهَذَا يَقُولُ: تُصَلَّى إلَى الْمِثْلَيْنِ، وَهَذَا يَقُولُ لَا تُصَلَّى إلَّا بَعْدَ الْمِثْلَيْنِ.

стр. 1887

وَالصَّحِيحُ: أَنَّها تُصَلَّى مِن حِينِ يَصِيرُ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ إلَى اصْفِرَارِ الشَّمْسِ، فَوَقْتُهَا أَوْسَعُ كَمَا قَالَهُ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ. وَالْمَقْصُودُ هُنَا: أَنَّ مِن الْمَسَائِلِ مَسَائِلَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُعْمَلَ فِيهَا بِقَوْلٍ يُجْمَعُ عَلَيْهِ، لَكِنْ وَللهِ الْحَمْدُ: الْقَوْلُ الصَّحِيح عَلَيْهِ دَلَائِل شَرْعِيَّةٌ وتُبَيِّنُ الْحَقَّ. [٢٢/ ٢٦٧ - ٢٦٨] ٢٥٦٨ - مَا جَاءَت بِهِ السُّنَّةُ عَلَى وجُوهٍ؛ كَالْأَذَانِ، وَالْإِقَامَةِ، وَصَلَاةِ الْخَوْفِ، وَالِاسْتِفْتَاحِ (١)؛ فَالْكَلَامُ فِيهِ مِن مَقَامَيْنِ: أَحَدِهِمَا: فِي جَوَازِ تِلْكَ الْوُجُوهِ كُلِّهَا بِلَا كَرَاهَةٍ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَد وَغَيْرِهِ فِي هَذَا كُلِّهِ. الْمَقَامُ الثَّانِي: وَهُوَ أَنَّ مَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ مِن أَنْوَاعٍ مُتَنَوِّعَةٍ وإن قِيلَ: إنَّ بَعْضَ تِلْكَ الْأَنْوَاعِ أَفْضَلُ؛ فَالِاقْتِدَاءُ بِالنَّبِيِّ ﷺ فِي أَنْ يَفْعَلَ هَذَا تَارَةً وَهَذَا تَارَةً أَفْضَلُ مِن لُزُومِ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ وَهَجْرِ الْآخَرِ، وَهَذَا مِثْلُ الِاسْتِفْتَاحِ. [٢٢/ ٣٣٦ - ٣٣٧] فَلِكُلِّ اسْتِفْتَاحٍ حَاجَة لَيْسَتْ لِغَيْرِهِ؛ فَيَأْخُذُ الْمُؤمِنُ بِحَظِّهِ مِن كُلِّ ذِكْرٍ. [٢٢/ ٣٤٦] ٢٥٦٩ - لِلنَّاسِ فِي الصَّلَاةِ أَقْوَالٌ .. وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ إلَّا سَكْتَتَانِ (٢). وَأَمَّا السُّكُوتُ عَقِيبَ الْفَاتِحَةِ فَلَا يَسْتَحِبُّه أَحْمَد، كَمَا لَا يَسْتَحِبُّهُ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ.

стр. 1888

وَالْجُمْهُورُ لَا يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يَسْكُتَ الْإِمَامُ لِيَقْرَأ الْمَأْمُومُ؛ وَذَلِكَ أَنَّ قِرَاءَةَ الْمَأْمُومِ عِنْدَهُم إذَا جَهَرَ الْإِمَامُ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ وَلَا مُسْتَحَبَّةٍ؛ بَل هِيَ مَنْهِيٌّ عَنْهَا وَهَل تُبْطِل الصَّلَاةَ إذَا قَرَأَ مَعَ الْإِمَامِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد. فَهُوَ إذَا كَانَ يَسْمَعُ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ فَاسْتِمَاعُهُ أَفْضَلُ مِن قِرَاءَتِهِ. وَلهَذَا لَمْ يَسْتَحِبَّ أَحْمَد وَجُمْهُورُ أَصْحَابِهِ قِرَاءَتَهُ فِي سَكَتَاتِ الْإِمَامِ، إلَّا أَنْ يَسْكُتَ سُكُوتا بَلِيغًا يَتَّسِعُ لِلِاسْتِفْتَاحِ وَالْقِرَاءَةِ. وَأَمَّا إنْ ضَاقَ عَنْهُمَا فَقَوْلُهُ وَقَوْلُ أَكْثَرِ أصْحَابِهِ إنَّ الِاسْتِفْتَاحَ أَوْلَى مِنَ الْقِرَاءَةِ (١). بَل هوَ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ يَأْمُرُ بِالِاسْتِفْتَاحِ مَعَ جَهْرِ الْإِمَامِ. فَإِذَا كَانَ الْإِمَامُ مِمَن يَسْكتُ عَقِيبَ الْفَاتِحَةِ سُكوتًا يَتَّسِعُ لِلْقِرَاءَةِ فَالْقِرَاءَةُ فِيهِ أَفْضَلُ مِن عَدَمِ الْقِرَاءَةِ. لَكِنْ هَل يُقَالُ الْقِرَاءَةُ فِيهِ بِالْفَاتِحَةِ أَفْضَلُ لِلِاخْتِلَافِ فِي وُجُوبِهَا، أَو بِغَيْرِهَا مِن الْقُرْآنِ لِكَوْنِهِ قَد اسْتَمَعَهَا (٢)؟ هَذَا فِيهِ نِزَاعٌ. وَمُقْتَضَى نصُوصِ أَحْمَد وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِ: أنَّ الْقِرَاءَةَ بِغَيْرِهَا أَفْضَلُ؛ فَإِنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ انْ يَقْرَأَ بِهَا مَعَ اسْتِمَاعِهِ قِرَاءَتَهَا. بَل يَفْعَلُ فِي سُكُوتِهِ مَا يُشْرَعُ مِنَ الِاسْتِفْتَاحِ وَالِاسْتِعَاذَةِ. وَلَو لَمْ يَسْكُتِ الْإِمَامُ سُكُوتًا يَتسِعُ لِذَلِكَ، أَو لَمْ يُدْرِكْ سُكُوتَهُ: فَهَل يَسْتَفْتِحُ ويسْتَعِيذُ مَعَ جَهْرِ الْإِمَامِ؟ فِيهِ ثَلَاث رِوَايَاتٍ: إحْدَاهَا: يَسْتَفْتِحُ وَيَسْتَعِيذ مَعَ جَهْرِ الْإِمَامِ وإن لَمْ يَقْرَأ.

стр. 1889

وَالثَّانِيَةُ: يَسْتَفْتِحُ وَلَا يَسْتَعِيذُ. وَالثَّالِثَةُ: لَا يَسْتَفْتِحُ وَلَا يَسْتَعِيذُ، وَهُوَ أَصَحُّ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ كَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَكَذَا أَبُو حَنِيفَةَ فِيمَا أَظُنُّ؛ لِأَنَّهُ مَأمُورٌ بِالْإِنْصَاتِ وَالِاسْتِمَاعِ فَلَا يَتَكَلَّمُ بِغَيْرِ ذَلِكَ. [٢٢/ ٣٣٨ - ٣٤١] ٢٥٧٠ - الذِّكْرُ ثَلَاثَةُ أنْوَاعٍ: ١ - أَفْضَلُهُ مَا كَانَ ثنَاءً عَلَى اللهِ. ٢ - ثُمَّ مَا كَانَ إنْشَاءً مِن الْعَبْدِ أَو اعْتِرَافًا بِمَا يَجِبُ للهِ عَلَيْهِ. ٣ - ثُمَّ مَا كَانَ دُعَاءً مِن الْعَبْدِ. فَالْأوَّلُ: مِثْلُ النِّصْفِ الْأَوَّلِ مِن الْفَاتِحَةِ، وَمِثْلُ: "سُبْحَانَك اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك وَتَبَارَكَ اسْمُك وَتَعَالَى جَدُّك وَلَا إلَهَ غَيْرُك"، وَمِثْلُ التَّسْبِيحِ فِي الرُّكُوع وَالسُّجُودِ. وَالثَّانِي. مِثْلُ قَوْلِهِ: "وَجَّهْت وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ"، وَمَثَلُ قَوْلِهِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ: "اللَّهُمَّ لَك رَكعْت وَلَك سَجَدْت". وَالثَّالِثُ: مِثْلُ قَوْلِهِ: "اللَّهُمَّ بَعِّدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ"، وَمَثَلُ دُعَائِهِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ. [٢٢/ ٢٤٢ - ٢٤٣] ٢٥٧١ - كَانَ عُمَرُ ﵁ يَجْهَرُ: بـ "سبحانك اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك" يُعَلِّمُهَا النَاسَ، وَلَوْلَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُهَا فِي الْفَرِيضَةِ مَا فَعَلَ ذَلِكَ عُمَرُ وَأَقَرَّهُ الْمُسْلِمُونَ. وَكَمَا كَانَ بَعْضُهُم يَجْهَرُ بِالِاسْتِعَاذَةِ، وَكَذَلِكَ قِيلَ فِي جَهْرِ جَمَاعَةٍ مِنْهُم بِالْبَسْمَلَةِ إنَّهُ كَانَ لِتَعْلِيمِ النَّاسِ قِرَاءَتَهَا كَمَا جَهَرَ مَن جَهَرَ مِنْهُم بِالِاسْتِعَاذَةِ وَالِاسْتِفْتَاحِ، وَكَمَا جَهَرَ ابْن عَبَّاسٍ بِقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ. وَلهَذَا كَانَ الصَّوَابُ هُوَ الْمَنْصُوصَ عَن أَحْمَد أَنَّهُ يُسْتَحَبّ الْجَهْرُ أَحْيَانًا بِذَلِكَ، فَيُسْتَحَبُّ الْجَهْرُ بِالْبَسْمَلَةِ أَحْيَانًا. [٢٢/ ٣٤٤]

стр. 1890

٢٥٧٢ - رُوِيَ عَنْهُ ﷺ فِي الِاسْتِفْتَاحِ أَنْوَاعٌ، وَعَامَّتُهَا فِي قِيَامِ اللَّيْلِ كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ أَحْمَد. ويُسْتَحَبُّ لِلْمُصَلِّي بِاللَّيْلِ أَنْ يَسْتَفْتِحَ بِهَا كُلَّهَا، وَهَذَا أَفْضَلُ مِن أَنْ يُدَاوِمَ عَلَى نَوْعٍ وَيهْجُرَ غَيْرَهُ؛ فَإنَّ هَذَا هَدْيُ النَّبِيِّ ﷺ . لَكِنْ يُقَالُ أَيْضًا: هَدْيُ النَّبِيِّ ﷺ هُوَ الْأَفْضَلُ، وَمِن النَّاسِ مَن لَا يَصْلُحُ لَهُ الْأَفْضَلُ؛ بَل يَكُونُ فِعْلُهُ لِلْمَفْضُولِ أنْفَعَ، كَمَن يَنْتَفِعُ بِالدُّعَاءِ دُونَ الذِّكْرِ أَو بِالذِّكْرِ دُونَ الْقِرَاءَةِ أَو بِالْقِرَاءَةِ دُونَ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ؛ فَالْعِبَادَةُ الَّتِي يَنْتَفِعُ بِهَا فَيَحْضُرُ لَهَا قَلْبُهُ وَيَرْغَبُ فِيهَا وَيُحِبُّهَا أفْضَلُ مِن عِبَادَةٍ يَفْعَلُهَا مَعَ الْغَفْلَةِ وَعَدَمِ الرَّغْبَةِ؛ كَالْغِذَاءِ الَّذِي يَشْتَهِيهِ الْإِنْسَانُ وَهُوَ جَائِعٌ: هُوَ أَنْفَعُ لَه مِن غِذَاءٍ لَا يَشْتَهِيهِ أو يَأكُلُهُ وَهُوَ غَيْرُ جَائِعٍ، فَكَذَلِكَ يُقَالُ هُنَا: قَد تَكُونُ مُدَاوَمَتُهُ عَلَى النَّوْعِ الْمَفْضُولِ أَنْفَعَ لِمَحَبَّتِهِ وَشُهُودِ قَلْبِهِ وَفَهْمِهِ ذَلِكَ الذِّكْرَ. [٢٢/ ٣٤٧ - ٣٤٨] ٢٥٧٣ - أَكْثَرُ الْأَدْعِيَةِ الْمَنْقُولَةِ عَن النَّبِيِّ ﷺ كَانَت فِي آخِرِ الصَّلَاةِ؛ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْمَرْوِيِّ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّ أجوب الدُّعَاءِ جَوْفُ اللَّيْلِ الْآخِرِ ودُبُرُ الصَّلَاةِ (١). فَعُلِمَ أَنَّ الدُّعَاءَ دُبُرُ الصَّلَاةِ -لَا سِيَّمَا قَبْلَ السَّلَامِ؛ كَمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدْعُو فِي الْغَالِبِ- فَهُوَ أجوب سَائِرِ أحْوَالِ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ دعَاءٌ بَعْدَ إكْمَالِ الْعِبَادَةِ. وَأَمَّا السُّجُودُ فَإِنَّمَا ذَكَرَهُ وَالرُّكُوعُ لِأَنَّهُ قَالَ:"إنِّي نُهِيت أَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ رَاكِعًا أَو سَاجِدًا، أَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ، وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ" (٢)، فَلَمَّا نَهَى عَنِ الْقِرَاءَةِ فِي هَذَيْنِ الْحَالَيْنِ ذَكَرَ

стр. 1891

مَا يَكُونُ بَدَلًا مَشْرُوعًا لِمَن أَرَادَ، فَخَصَّ الرُّكُوعَ بِالتَّعْظِيمِ وَالسُّجُودَ بِالدُّعَاءِ (١). [٢٢/ ٣٧٩] ٢٥٧٤ - أَفْضَلُ أَنْوَاعِ الِاسْتِفْتَاحِ مَا كَانَ ثَنَاءً مَحْضًا مِثْل: "سُبْحَانَك اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك وَتَبَارَكَ اسْمُك وَتَعَالَى جَدُّك وَلَا إلَهَ غَيْرُك"، وَقَوْلُهُ: "اللهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا وَالْحَمْدُ للهِ كَثِيرًا وَسُبْحَانَ اللهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا" (٢). وَلَكِنَّ ذَاكَ فِيهِ مِنَ الثَّنَاءِ مَا لَيْسَ فِي هَذَا؛ فَإِنَّهُ تَضَمَّنَ ذِكْرَ "الْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ" الَّتِي هِيَ أَفْضَلُ الْكَلَامِ بَعْدَ الْقُرْآنِ، وَتَضَمَّنَ قَوْلُهُ: "تَبَارَكَ اسْمُك وَتَعَالَى جَدُّك"، وَهُمَا مِن الْقُرْآنِ أَيْضًا. وَلهَذَا كَانَ أَكْثَرُ السَّلَفِ يَسْتَفْتِحُونَ بِهِ، وَكَانَ عُمَرُ بْن الْخَطَّابِ يَجْهَرُ بِهِ يُعَلِّمُهُ النَّاسَ. وَبَعْدَهُ النَّوْعُ الثَّانِي: وَهُوَ الْخَبَرُ عَن عِبَادَةِ الْعَبْدِ؛ كَقَوْلِهِ: "وَجَّهْت وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ … " (٣) إلَخْ. وَهُوَ يَتَضَمَّنُ الدُّعَاءَ (٤)، وَإن اسْتَفْتَحَ الْعَبْدُ بِهَذَا بَعْدَ ذَلِكَ: فَقَد جَمَعَ بَيْنَ

стр. 1892

الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ وَهُوَ أَفْضَلُ الِاسْتِفْتَاحَاتِ؛ كَمَا جَاءَ ذَلِكَ فِي حَدِيثٍ مُصَرَّحًا بِهِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي يُوسُفَ، وَابْنِ هُبَيْرَةَ الْوَزِيرِ -مِن أَصْحَابِ أَحْمَد صَاحِبِ "الْإِفْصَاحِ". وَهَكَذَا أَسْتَفْتِحُ أنَا (١).

стр. 1893

وَبَعْدَهُ النَّوْعُ الثَّالِثُ كَقَوْلِهِ: "اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كمَا بَاعَدْت بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ" إلَخْ، وَهَكَذَا ذِكْرُ الرُّكُوعِ وَالسُّجودِ وَالتَّسْبِيحِ فِيهِمَا أَفْضَلُ مِن قَوْلِهِ: "لَك رَكعْت وَلَك سَجَدْت"، وَهَذَا أَفْضَلُ مِنَ الدُّعَاءِ. وَالتَّرْتِيبُ هنَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِيمَا أعْلَمُ، فَإِنِّي لَمْ أَعْلَمْ أَحَدًا قَالَ: إنَّ الدُّعَاءَ فِيهِمَا أَفْضَل مِنَ التَّسْبِيحِ، كَمَا قِيلَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الِاسْتِفْتَاحِ (١). [٢٢/ ٣٩٤ - ٣٩٥] ٢٥٧٥ - مِقْدَارُ الصَّلَاةِ: يَخْتَارُ فِيهِ فُقَهَاءُ الْحَدِيثِ صَلَاةَ النَّبِيِّ ﷺ الَّتِي كَانَ يَفْعَلُهَا غَالِبًا، وَهِيَ الصَّلَاةُ الْمُعْتَدِلَةُ الْمُتَقَارِبَةُ، الَّتِي يُخَفِّفُ فِيهَا الْقِيَامَ وَالْقُعُودَ، وَيُطِيلُ فِيهَا الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ، ويُسَوّي بَيْنَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَبَيْنَ الِاعْتِدَالِ مِنْهُمَا. ويسْتَحبُّ إطَالَة الرَّكْعَةِ الْأولَى مِن كُلِّ صَلَاةٍ عَلَى الثَّانِيَةِ، ويسْتَحبُّ أَنْ

стр. 1894

يَمُدَّ فِي الْأولَيَيْنِ ويحْذِفَ فِي الْأُخْرَيَيْنِ؛ كَمَا رَوَاهُ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَعَامَّةُ فُقَهَاءِ الْحَدِيثِ عَلَى هَذَا. [٢٢/ ٤٠٨ - ٤٠٩] ٢٥٧٦ - قَالَ أنس ﵁: "صَلَّيْت خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمْرَ وَعُثْمَانَ فَكَانوا يَسْتَفْتِحُونَ بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، لَا يَذْكُرُونَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فِي أَوَّلِ قِرَاءَةٍ وَلَا فِي آخِرِهَا" (١) وَهَذَا النَّفْيُ لَا يَجُوزُ إلَّا مَعَ الْعِلْمِ بِذَلِكَ لَا يَجُوزُ بِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ لَمْ يَسْمَعْ مَعَ إمْكَانِ الْجَهْرِ بِلَا سَمَاعٍ. [٢٢/ ٤١١] ٢٥٧٧ - اللَّحْنُ فِي الْفَاتِحَةِ الَّذِي لَا يُحِيلُ الْمَعْنَى: تَصِحُّ صَلَاةُ صَاحِبِهِ إمَامًا أَو مُنْفَرِدًا؛ مِثْل أَنْ يَقُولَ: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وَ ﴿الضَّالِّينَ﴾ وَنَحْو ذَلِكَ. وَأَمَّا مَا قُرِئَ بِهِ مَثَلُ: الْحَمْدُ للّهِ رَبَّ، وَرَبِّ، وَرَبُّ، وَمِثْلُ: الْحَمْدُ للهِ، وَالْحَمْدِ للّهِ، بِضَمِّ الْدَّالِ أَو بِكَسْرِ الدَّالِ، وَمِثْلُ: عَلَيْهِم، وعليهِمِ، وعليهُمُ، وَأمْثَالُ ذَلِكَ: فَهَذَا لَا يُعَدُّ لَحْنًا. وَأَمَّا اللَّحْن الَّذِي يُحِيلُ الْمَعْنَى: إذَا عَلِمَ صَاحِبُهُ مَعْنَاهُ مِثْل أَنْ يَقُولَ: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ هَذَا ضَمِيرُ الْمُتَكلِّمِ: لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ. وَإِن لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ يُحِيلُ الْمَعْنَى وَاعْتَقَدَ أَنَّ هَذَا ضَمِيرُ الْمُخَاطَبِ: فَفِيهِ نِزَاعٌ. [٢٢/ ٤٤٣] ٢٥٧٨ - إن احْتَاجَ إلَى قِرَاءَةِ الْقرْآنِ قَرَأَهُ بِحَسَب الْإِمْكَانِ، وَرَجَعَ إلَى الْمُصْحَفِ فِيمَا يُشْكِلُ عَلَيْهِ، وَلَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إلًّا وُسْعَهَا، وَلَا يَتْرُكُ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ وَينْتَهِي بِهِ مِن الْقِرَاءَةِ لِأَجْلِ مَا يَعْرِضُ مِن الْغَلَطِ أَحْيَانًا، إذَا لَمْ يَكن فِيهِ مَفْسَدَة رَاجِحَةٌ. [٢٢/ ٤٤٤]

стр. 1895

٢٥٧٩ - وَسُئِلَ: عَمَّا إذَا نَصَبَ الْمَخْفُوضَ فِي صَلَاتِهِ؟ فَأَجَابَ: إنْ كَانَ عَالِمًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ مُتَلَاعِبٌ فِي صَلَاتِهِ، وَإِن كَانَ جَاهِلًا لَمْ تَبْطُلْ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ. [٢٢/ ٤٤٤] ٢٥٨٠ - يَجُوزُ أَنْ يَقْرَأَ بَعْضَ الْقُرْآنِ بِحَرْفِ أَبِي عَمْرٍو، وَبَعْضَهُ بِحَرْفِ نَافِعٍ، وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ فِي رَكْعَةٍ أَو رَكْعَتَيْنِ، وَسَوَاءٌ كَانَ خَارجَ الصَّلَاةِ أَو دَاخِلَهَا. [٢٢/ ٤٤٥] ٢٥٨١ - إنْ شَاءَ الْمُصَلِّي يَضَعُ رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ، وَإِن شَاءَ وَضَعَ يَدَيْهِ ثُمَّ رُكْبَتَيْهِ، وَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ فِي الْحَالَتَيْنِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، وَلَكِنْ تَنَازَعُوا فِي الْأَفْضَلِ (١). [٢٢/ ٤٤٩] ٢٥٨٢ - وَسُئِلَ ﵀: عَمَّا يُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "أُمِرْت أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ وَأَنْ لَا كُفَّ لِي ثَوْبًا وَلَا شَعْرًا" (٢)، وَفِي رِوَايَةٍ: "وَأَنْ لَا أَكْفِتَ لِي ثَوْبًا وَلَا شَعْرًا". فَأَجَابَ: الْكَفْتُ: الْجَمْعُ وَالضَّمُّ، وَالْكَفُّ: قَرِيبٌ مِنْهُ، وَهُوَ مَنْعُ الشَّعْرِ وَالثَّوْبِ مِنَ السُّجُودِ، وَيُنْهَى الرَّجُلُ أَنْ يُصَلِّيَ وَشَعْرُهُ مَغْرُوزٌ فِي رَأسِهِ أَو مَعْقُوصٌ.
следующие страницы →