← Фатава

Фатава · id 879

تقريب فتاوى ابن تيمية

أحمد بن ناصر الطيار

Полный текст (3 539 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

مَا يَكُونُ بَدَلًا مَشْرُوعًا لِمَن أَرَادَ، فَخَصَّ الرُّكُوعَ بِالتَّعْظِيمِ وَالسُّجُودَ بِالدُّعَاءِ (١). [٢٢/ ٣٧٩] ٢٥٧٤ - أَفْضَلُ أَنْوَاعِ الِاسْتِفْتَاحِ مَا كَانَ ثَنَاءً مَحْضًا مِثْل: "سُبْحَانَك اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك وَتَبَارَكَ اسْمُك وَتَعَالَى جَدُّك وَلَا إلَهَ غَيْرُك"، وَقَوْلُهُ: "اللهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا وَالْحَمْدُ للهِ كَثِيرًا وَسُبْحَانَ اللهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا" (٢). وَلَكِنَّ ذَاكَ فِيهِ مِنَ الثَّنَاءِ مَا لَيْسَ فِي هَذَا؛ فَإِنَّهُ تَضَمَّنَ ذِكْرَ "الْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ" الَّتِي هِيَ أَفْضَلُ الْكَلَامِ بَعْدَ الْقُرْآنِ، وَتَضَمَّنَ قَوْلُهُ: "تَبَارَكَ اسْمُك وَتَعَالَى جَدُّك"، وَهُمَا مِن الْقُرْآنِ أَيْضًا. وَلهَذَا كَانَ أَكْثَرُ السَّلَفِ يَسْتَفْتِحُونَ بِهِ، وَكَانَ عُمَرُ بْن الْخَطَّابِ يَجْهَرُ بِهِ يُعَلِّمُهُ النَّاسَ. وَبَعْدَهُ النَّوْعُ الثَّانِي: وَهُوَ الْخَبَرُ عَن عِبَادَةِ الْعَبْدِ؛ كَقَوْلِهِ: "وَجَّهْت وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ … " (٣) إلَخْ. وَهُوَ يَتَضَمَّنُ الدُّعَاءَ (٤)، وَإن اسْتَفْتَحَ الْعَبْدُ بِهَذَا بَعْدَ ذَلِكَ: فَقَد جَمَعَ بَيْنَ

стр. 1892

الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ وَهُوَ أَفْضَلُ الِاسْتِفْتَاحَاتِ؛ كَمَا جَاءَ ذَلِكَ فِي حَدِيثٍ مُصَرَّحًا بِهِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي يُوسُفَ، وَابْنِ هُبَيْرَةَ الْوَزِيرِ -مِن أَصْحَابِ أَحْمَد صَاحِبِ "الْإِفْصَاحِ". وَهَكَذَا أَسْتَفْتِحُ أنَا (١).

стр. 1893

وَبَعْدَهُ النَّوْعُ الثَّالِثُ كَقَوْلِهِ: "اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كمَا بَاعَدْت بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ" إلَخْ، وَهَكَذَا ذِكْرُ الرُّكُوعِ وَالسُّجودِ وَالتَّسْبِيحِ فِيهِمَا أَفْضَلُ مِن قَوْلِهِ: "لَك رَكعْت وَلَك سَجَدْت"، وَهَذَا أَفْضَلُ مِنَ الدُّعَاءِ. وَالتَّرْتِيبُ هنَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِيمَا أعْلَمُ، فَإِنِّي لَمْ أَعْلَمْ أَحَدًا قَالَ: إنَّ الدُّعَاءَ فِيهِمَا أَفْضَل مِنَ التَّسْبِيحِ، كَمَا قِيلَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الِاسْتِفْتَاحِ (١). [٢٢/ ٣٩٤ - ٣٩٥] ٢٥٧٥ - مِقْدَارُ الصَّلَاةِ: يَخْتَارُ فِيهِ فُقَهَاءُ الْحَدِيثِ صَلَاةَ النَّبِيِّ ﷺ الَّتِي كَانَ يَفْعَلُهَا غَالِبًا، وَهِيَ الصَّلَاةُ الْمُعْتَدِلَةُ الْمُتَقَارِبَةُ، الَّتِي يُخَفِّفُ فِيهَا الْقِيَامَ وَالْقُعُودَ، وَيُطِيلُ فِيهَا الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ، ويُسَوّي بَيْنَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَبَيْنَ الِاعْتِدَالِ مِنْهُمَا. ويسْتَحبُّ إطَالَة الرَّكْعَةِ الْأولَى مِن كُلِّ صَلَاةٍ عَلَى الثَّانِيَةِ، ويسْتَحبُّ أَنْ

стр. 1894

يَمُدَّ فِي الْأولَيَيْنِ ويحْذِفَ فِي الْأُخْرَيَيْنِ؛ كَمَا رَوَاهُ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَعَامَّةُ فُقَهَاءِ الْحَدِيثِ عَلَى هَذَا. [٢٢/ ٤٠٨ - ٤٠٩] ٢٥٧٦ - قَالَ أنس ﵁: "صَلَّيْت خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمْرَ وَعُثْمَانَ فَكَانوا يَسْتَفْتِحُونَ بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، لَا يَذْكُرُونَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فِي أَوَّلِ قِرَاءَةٍ وَلَا فِي آخِرِهَا" (١) وَهَذَا النَّفْيُ لَا يَجُوزُ إلَّا مَعَ الْعِلْمِ بِذَلِكَ لَا يَجُوزُ بِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ لَمْ يَسْمَعْ مَعَ إمْكَانِ الْجَهْرِ بِلَا سَمَاعٍ. [٢٢/ ٤١١] ٢٥٧٧ - اللَّحْنُ فِي الْفَاتِحَةِ الَّذِي لَا يُحِيلُ الْمَعْنَى: تَصِحُّ صَلَاةُ صَاحِبِهِ إمَامًا أَو مُنْفَرِدًا؛ مِثْل أَنْ يَقُولَ: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وَ ﴿الضَّالِّينَ﴾ وَنَحْو ذَلِكَ. وَأَمَّا مَا قُرِئَ بِهِ مَثَلُ: الْحَمْدُ للّهِ رَبَّ، وَرَبِّ، وَرَبُّ، وَمِثْلُ: الْحَمْدُ للهِ، وَالْحَمْدِ للّهِ، بِضَمِّ الْدَّالِ أَو بِكَسْرِ الدَّالِ، وَمِثْلُ: عَلَيْهِم، وعليهِمِ، وعليهُمُ، وَأمْثَالُ ذَلِكَ: فَهَذَا لَا يُعَدُّ لَحْنًا. وَأَمَّا اللَّحْن الَّذِي يُحِيلُ الْمَعْنَى: إذَا عَلِمَ صَاحِبُهُ مَعْنَاهُ مِثْل أَنْ يَقُولَ: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ هَذَا ضَمِيرُ الْمُتَكلِّمِ: لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ. وَإِن لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ يُحِيلُ الْمَعْنَى وَاعْتَقَدَ أَنَّ هَذَا ضَمِيرُ الْمُخَاطَبِ: فَفِيهِ نِزَاعٌ. [٢٢/ ٤٤٣] ٢٥٧٨ - إن احْتَاجَ إلَى قِرَاءَةِ الْقرْآنِ قَرَأَهُ بِحَسَب الْإِمْكَانِ، وَرَجَعَ إلَى الْمُصْحَفِ فِيمَا يُشْكِلُ عَلَيْهِ، وَلَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إلًّا وُسْعَهَا، وَلَا يَتْرُكُ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ وَينْتَهِي بِهِ مِن الْقِرَاءَةِ لِأَجْلِ مَا يَعْرِضُ مِن الْغَلَطِ أَحْيَانًا، إذَا لَمْ يَكن فِيهِ مَفْسَدَة رَاجِحَةٌ. [٢٢/ ٤٤٤]

стр. 1895

٢٥٧٩ - وَسُئِلَ: عَمَّا إذَا نَصَبَ الْمَخْفُوضَ فِي صَلَاتِهِ؟ فَأَجَابَ: إنْ كَانَ عَالِمًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ مُتَلَاعِبٌ فِي صَلَاتِهِ، وَإِن كَانَ جَاهِلًا لَمْ تَبْطُلْ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ. [٢٢/ ٤٤٤] ٢٥٨٠ - يَجُوزُ أَنْ يَقْرَأَ بَعْضَ الْقُرْآنِ بِحَرْفِ أَبِي عَمْرٍو، وَبَعْضَهُ بِحَرْفِ نَافِعٍ، وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ فِي رَكْعَةٍ أَو رَكْعَتَيْنِ، وَسَوَاءٌ كَانَ خَارجَ الصَّلَاةِ أَو دَاخِلَهَا. [٢٢/ ٤٤٥] ٢٥٨١ - إنْ شَاءَ الْمُصَلِّي يَضَعُ رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ، وَإِن شَاءَ وَضَعَ يَدَيْهِ ثُمَّ رُكْبَتَيْهِ، وَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ فِي الْحَالَتَيْنِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، وَلَكِنْ تَنَازَعُوا فِي الْأَفْضَلِ (١). [٢٢/ ٤٤٩] ٢٥٨٢ - وَسُئِلَ ﵀: عَمَّا يُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "أُمِرْت أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ وَأَنْ لَا كُفَّ لِي ثَوْبًا وَلَا شَعْرًا" (٢)، وَفِي رِوَايَةٍ: "وَأَنْ لَا أَكْفِتَ لِي ثَوْبًا وَلَا شَعْرًا". فَأَجَابَ: الْكَفْتُ: الْجَمْعُ وَالضَّمُّ، وَالْكَفُّ: قَرِيبٌ مِنْهُ، وَهُوَ مَنْعُ الشَّعْرِ وَالثَّوْبِ مِنَ السُّجُودِ، وَيُنْهَى الرَّجُلُ أَنْ يُصَلِّيَ وَشَعْرُهُ مَغْرُوزٌ فِي رَأسِهِ أَو مَعْقُوصٌ.

стр. 1896

وَأَمَّا الضَّفْرُ مَعَ إرْسَالِهِ فَلَيْسَ مِنَ الْكَفْتِ (١). [٢٢/ ٤٥٠] ٢٥٨٣ - جِلْسَةُ الِاسْتِرَاحَةِ: قَد ثَبَتَ فِي "الصَّحِيحِ" أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَلَسَهَا. وَمَن فَعَلَهَا لَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِ وَإِن كَانَ مَأْمُومًا؛ لِكَوْنِ التَّأخُّرِ بِمِقْدَارِ مَا لَيْسَ هُوَ مِنَ التَّخَلُّفِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ عِنْدَ مَن يَقُولُ بِاسْتِحْبَابِهَا، وَهَل هَذَا إلَّا فِعْلٌ فِي مَحَلِّ اجْتِهَادٍ؟ فَإِنَّهُ قَد تَعَارَضَ فِعْلُ هَذِهِ السّنَّةِ عِنْدَهُ، وَالْمُبَادَرَةَ إلَى مُوَافَقَةِ الْإِمَامِ، فَإِنَّ ذَلِكَ أَوْلَى مِنَ التَّخَلّفِ لَكِنَّهُ يَسِيرُ، فَصَارَ مِثْل مَا إذَا قَامَ مِنَ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ قَبْلَ أَنْ يُكمِلَهُ الْمَأمُومُ وَالْمَأمُومُ يَرَى أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ، أَو مِثْلُ أَنْ يُسَلِّمَ وَقَد بَقِيَ عَلَيْهِ يَسِيرٌ مِنَ الدُّعَاءِ هَل يُسَلِّمُ أَو يُتمُّهُ؟ وَمِثْلُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ هِيَ مِن مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ. وَالْأَقْوَى: أَنَّ مُتَابَعَةَ الْإِمَامِ أَوْلَى مِنَ التَّخَلُّفِ لِفِعْلِ مُسْتَحَبٍّ. [٢٢/ ٤٥١]

стр. 1897

٢٥٨٤ - هَذَا الْحَدِيثُ: "اللَّهُمَّ صلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْت عَلَى إبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ" فِي "الصِّحَاحِ" مِن أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: أ- أَشْهَرُهَا حَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: لَقِيَنِي كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ فَقَالَ: أَلَا أُهْدِي لَك هَدِيَّةً؟ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقُلْنَا: قَد عَرَفْنَا كَيْفَ نُسَلِّمُ عَلَيْك فَكَيْفَ نصَلِّي عَلَيْك؟ قَالَ: "قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كمَا صَلَّيْت عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ، إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ بَارِكْ -وَفِي لَفْظ- وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْت عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ (١)، إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ". رَوَاهُ أَهْلُ "الصِّحَاحِ" وَ"السُّنَنِ" وَ"الْمَسَانِيدِ"؛ كَالْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ. ب- وَفِي "الصَّحِيحَيْنِ" وَالسُّنَنِ الثَّلَاثَةِ عَن أَبِي حميد الساعدي أَنَّهُم قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْك؟ قَالَ: "قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى أَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ، كلمَا صَلَّيْت عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى أَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ، كَمَا بَارَكْت عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ، إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ". هَذَا هُوَ اللَّفْظُ الْمَشْهُورُ. فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ الَّتِي فِي "الصِّحَاحِ": لَمْ أَجِدْ فِيهَا وَلَا فِيمَا نُقِلَ لَفْظَ "إبْرَاهِيمَ وَآلِ إبْرَاهِيمَ" (٢). ج- وَفِي "صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ" عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخدري قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ هَذَا السَّلَامُ عَلَيْك فَكَيْفَ الصَّلَاةُ عَلَيْك؟ قَالَ: "قُولُوا: اللهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِك وَرَسُولِك، كمَا صَلَّيْت عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كمَا بَارَكْت عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ".

стр. 1898

د- وَفِي "صَحِيحِ مُسْلِمٍ" عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: أَتَانَا رَسُول اللهِ ﷺ وَنَحْنُ فِي مَجْلِسِ سَعْدِ بْنِ عبادة فَقَالَ لَهُ بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ: أمَرَنَا اللهُ أَنْ نُصَلِّيَ عَلَيْك فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْك؟ قَالَ: فَسَكَتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى تَمَنَّيْنَا أَّنَّهُ لَمْ يَسْأَلْهُ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "قُوُلوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَليْت عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْت عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ في الْعَالَمِينَ إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَالسَّلَامُ كَمَا عَلِمْتُمْ". ومِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ مَن سَلَكَ فِي بَعْضِ هَذِهِ الْأَدْعِيَةِ وَالْأَذْكَارِ الَّتِي كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقولُهَا ويعْمَلُهَا بِأَلْفَاظٍ مُتَنَوِّعَةٍ -وَرُوِيتْ بِأَلْفَاظِ مُتَنَوِّعَةٍ-: طَرِيقَةٌ مُحْدَثَةٌ؛ بِأَنْ جَمَعَ بَيْنَ تِلْكَ الْأَلْفَاظِ وَاسْتَحَبَّ ذَلِكَ، وَرَأَى ذَلِكَ أَفْضَلَ مَا يُقَالُ فِيهَا. مِثَالُهُ الْحَدِيثُ الَّذِي فِي "الصَّحِيحَيْنِ" عَن أَبِي بَكرٍ الصِّدِّيقِ ﵁؛ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي، قَالَ: "قُلْ: اللَّهُمَّ إنِّي ظَلَمْت نَفْسِي ظُلْمًا كثِيرًا وَلَا يَغْفِرُ الذّنُوبَ إلَّا أَنْتَ فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِن عِنْدِك، وَارْحَمْنِي إنَّك أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ" (١). قَد رُوِيَ: "كَثِيرًا" وَرُوِيَ "كَبِيرًا"، فَيَقُولُ هَذَا الْقَائِلُ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ: "كَثِيرًا كَبِيرًا". وَطَرْدُ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ أَنْ يَذْكُرَ التَّشَهُّدَ بِجَمِيعِ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ الْمَأْثُورَةِ، وَأَنْ يُقَالَ الِاسْتِفْتَاحُ بِجَمِيعِ الْأَلْفَاظِ الْمَأثُورَةِ. وَهَذَا مَعَ أَنَّهُ خِلَافُ عَمَلِ الْمُسْلِمِينَ، لَمْ يَسْتَحِبَّهُ أَحَدٌ مِن أَئِمَّتِهِمْ؛ بَل عَمِلُوا بِخِلَافِهِ، فَهُوَ بِدْعَة فِي الشَّرْعِ فَاسِدٌ فِي الْعَقْلِ. [٢٢/ ٤٥٤ - ٤٥٨] ٢٥٨٥ - فِي "الصحِيحِ" أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَدْعُو بَعْدَ التَّشَهُّدِ وَقَبْلَ السَّلَامِ، وَكَانَ

стр. 1899

يَدْعُو فِي سُجُودِهِ، وَفِي رِوَايَةٍ: كَانَ يَدْعُو إذَا رَفَعَ رَأسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، وَكَانَ يَدْعُو فِي افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ. وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ هُوَ وَالْمَأْمُومُونَ يَدْعُونَ بَعْدَ السَّلَامِ؛ بَل كَانَ يَذْكُر اللّهَ بِالتَّهْلِيلِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّسْبِيحِ وَالتَّكْبِيرِ كَمَا جَاءَ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ. [٢٢/ ٤٨١] ٢٥٨٦ - تَنَازَعَ الْفُقَهَاءُ فِي السُّجُودِ الْمُطْلَقِ لِغَيْرِ سَبَبٍ: هَل هُوَ عِبَادَةٌ أمْ لَا؟ وَمَن سَوَّغَهُ يَقُولُ: هُوَ خُضُوعٌ للهِ وَالسُّجُودُ هوَ الْخُضُوعُ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ [البقرة: ٥٨]. قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: السُّجُودُ فِي الفُغَةِ هُوَ الْخُضُوعُ، وَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ: أُمِرُوا أَنْ يَدْخُلُوا رُكَّعًا مُنْحَنِينَ، فَإنَّ الدُّخُولَ مَعَ وَضْعِ الْجَبْهَةِ عَلَى الْأرْضِ لَا يُمْكِنُ، وَقَد قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الرعد: ١٥] وَمَعْلُومٌ أَنَّ سُجُودَ كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ، لَيْسَ سُجُودُ هَذِهِ الْمَخْلُوقَاتِ وَضْعَ جِبَاهِهَا عَلَى الْأرْضِ. وَقَد قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ لَمَّا غَرَبَتِ الشَّمْسُ: "إنَّهَا تَذْهَبُ فتَسْجُدُ تَحْتَ الْعَرْشِ" رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ. فَعُلِمَ أَنَّ السُّجُودَ اسْمُ جِنْس، وَهُوَ كَمَالُ الْخُضُوعِ للهِ، وَأَعَزُّ مَا فِي الْإِنْسَانِ وَجْهُهُ، فَوَضْعُهُ عَلَى الْأرْضٌ للهِ غَايَةُ خُضُوعِهِ بِبَدَنِهِ، وَهوَ غَايَةُ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ. وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أقرَبُ مَا يَكونُ الْعَبْدُ مِن رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ"، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (١٩)﴾ [العلق: ١٩] فَصَارَ مِن جِنْسِ أَذْكَارِ الصَّلَاةِ الَّتِي تُشْرَعُ خَارجَ الصَّلَاةِ كَالتَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتكبِيرِ وَالتَّهْلِيلِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ. [٢١/ ٢٨٥] ٢٥٨٧ - إذَا لَمْ يُمْكِنْهُ [أي: المأموم] أَنْ يُصَلِّيَ مَعَ الْجَمَاعَةِ إلَّا قُدَّامَ الْإِمَامِ

стр. 1900

فَإِنَّهُ يُصَلِّي هُنَا لِأَجْلِ الْحَاجَةِ أَمَامَهُ، وَهُوَ قَوْلُ طَوَائِفَ مِن أَهْلِ الْعِلْمِ، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد، وَإِن كَانُوا لَا يُجَوِّزُونَ التَّقَدُّمَ عَلَى الْإِمَامِ إذَا أَمْكَنَ تَرْكُ التَّقَدُّمِ عَلَيْهِ. [٢٠/ ٥٥٩] ٢٥٨٨ - ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ فِي "صحِيحِ الْبُخَارِيِّ": أنَّهُ قَالَ لِمَالِكِ بْنِ الحويرث وَصَاحِبِهِ: "إذَا حَضَرَت الصَّلَاةُ فَأَذِّنَا وَأقِيمَا وَلْيَؤُمَّكمَا أَكبَرُكُمَا، وَصَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي"، فَأَمَرَهُم أَنْ يُصَلُّوا كَمَا رَأَوْهُ يُصَلِّي. وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْإِمَامٍ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ كَمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي لَهُمْ، وَلَا مُعَارِضَ لِذَلِكَ وَلَا مُخصِّصَ؛ فَإِنَّ الْإِمَامَ يَجِبُ عَلَيْهِ مَا لَا يَجِبُ عَلَى الْمَأْمُومِ وَالْمُنْفَرِدِ (١). [٢٢/ ٥٦٨ - ٥٦٩] ٢٥٨٩ - فِي "صَحِيحِ مُسْلِمٍ" عَن جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: كُنْت أُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الصَّلَوَاتِ، فَكَانَت صَلَاتُهُ قَصْدًا؛ أَيْ: وَسَطًا. وَفِعْلُهُ الَّذِي سَنَّهُ لِأُمَّتِهِ هُوَ مِن التَّخْفِيفِ الَّذِي أَمَرَ بِهِ الْأَئِمَّةُ؛ إذ التَّخْفِيفُ مِن الْأُمُورِ الْإِضَافِيَّةِ؛ فَالْمَرْجِعُ فِي مِقْدَارِهِ إلَى السُّنَّةِ (٢). [٢٢/ ٥٧٥]

стр. 1901

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1902

وَمِن الْمَعْلُومِ أَنَّ مِقْدَارَ الصَّلَاةِ -وَاجِبِهَا وَمُسْتَحَبِّهَا- لَا يُرْجَعُ فِيهِ إلَى غَيْرِ السُّنَّةِ، فَإِنَّ هَذَا مِن الْعِلْمِ الَّذِي لَمْ يَكلْهُ اللهُ وَرَسُولُهُ إلَى آرَاءِ الْعِبَادِ؛ إذ النَّبِيُّ ﷺ كَانَ يُصَلّي بِالْمُسْلِمِينَ فِي كُلِّ يَوْمٍ خَمْسَ صَلَوَات، وَكَذَلِكَ خُلَفَاؤُهُ الرَّاشدُونَ الَّذِينَ أُمِرْنَا بِالِاقْتِدَاءِ بِهِمْ، فَيَجِبُ الْبَحْثُ عَمَّا سَنَّهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُوضَعَ فِيهِ حُكْمٌ بِالرَّأيِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ اجْتِهَادُ الرَّأيِ فِيمَا لَمْ تَمْضِ بِهِ سُنَّة عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ . لَا يَجُوزُ أَنْ يُعْمَدَ إلَى شَيْءٍ؛ مَضَتْ بِهِ سُنَّةٌ فَيُرَدّ بِالرَّأْيِ وَالْقِيَاسِ. وَمِمَّا يُبَيِّنُ هَذَا: أَنَّ التَّخْفِيفَ أَمْرٌ نِسْبِيٌّ إضَافِيٌّ لَيْسَ لَهُ حَدٌّ فِي اللُّغَةِ وَلَا فِي الْعُرْفِ؛ إذ قَد يَسْتَطِيلُ هَؤُلَاءِ مَا يَسْتَخِفُّهُ هَؤُلَاءِ وَيَسْتَخِفُّ هَؤُلَاءِ مَا يَسْتَطِيلُهُ هَؤلَاءِ فَهُوَ أَمْرٌ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ عَادَاتِ النَّاسِ وَمَقَادِيرِ الْعِبَادَاتِ وَلَا فِي كُلٍّ مِن الْعِبَادَاتِ الَّتِي لَيْسَتْ شَرْعِيةً. فَعُلِمَ أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الْمُسْلِمِ: أَنْ يَرْجِعَ فِي مِقْدَارِ التَّخْفِيفِ وَالتَّطْوِيلِ إلَى السُّنَّةِ. وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ أَمْرَهُ ﷺ بِالتَّخْفِيفِ (١) لَا يُنَافِي أَمْرَهُ بِالتَّطْوِيلِ أَيْضًا فِي حَدِيثِ عَمَّارٍ الَّذِي فِي "الصَّحِيحِ " (٢) لَمَّا قَالَ:، إنَّ طُولَ صَلَاةِ الرَّجُلِ وَقصر خُطْبَتِهِ مَئِنَّةٌ مِن فِقْهِهِ، فَأَطيلُوا الصَّلَاةَ وَأقصِرُوا الْخُطْبَةَ". فَإِنَّ الْإِطَالَةَ هُنَا بالنّسْبَةِ إلَى الْخُطْبَةِ، وَالتَّخْفِيفَ هُنَاكَ بِالنّسْبَةِ إلَى مَا فَعَلَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ فِي زَمَانِهِ (٣) مِن قِرَاءَةِ الْبَقَرَةِ فِي الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ، وَلهَذَا قَالَ: "فَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ".

стр. 1903

فَبَيَّنَ أَنَّ الْمُنْفَرِدَ لَيْسَ لِطُولِ صَلَاتِهِ حَدٌّ تَكُونُ بِهِ الصَّلَاةُ خَفِيفَةً بِخِلَافِ الْإِمَامِ؛ لِأَجْلِ مُرَاعَاةِ الْمَأمُومِينَ، فَإِنَّ خَلْفَهُ السَّقِيمُ وَالْكَبِيرُ وَذُو الْحَاجَةِ؛ وَلهَذَا مَضَت السُّنَّةُ بِتَخْفِيفِهَا عَن الْإِطَالَةِ إذَا عَرَضَ لِلْمَأمُومِينَ أَو بَعْضِهِمْ عَارِضٌ. [٢٢/ ٥٩٦ - ٥٩٧] ٢٥٩٠ - رَوَى مُسْلِمٌ عَن أَنَسٍ ﵁ قَالَ: مَا صَلَّيْتُ خَلْفَ أَحَدٍ أَوْجَزَ صَلَاةً مِن صَلَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي تَمَامٍ، كَانَت صَلَاةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ مُتَقَارِبَةً، وَكَانَت صَلَاةُ أَبِي بَكْرٍ مُتَقَارِبَةً، فَلَمَّا كَان عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مَدَّ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، إِذَا قَالَ: "سَمِعَ اللهُ لِمَن حَمِدَهُ" قَامَ، حَتَّى نَقُولَ قَد أَوْهَمَ، ثُمَّ يَسْجُدُ وَيَقْعُدُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ حَتَّى نَقُولَ قَد أَوْهَمَ. فَقَوْلُ أَنَسٍ ﵁: "مَا صَلَّيْت وَرَاءَ إمَامٍ قَطُّ أَخَفَّ وَلَا أَتَمَّ صَلَاةً مِن رَسُولِ اللهِ ": يُرِيدُ أَنَّهُ ﷺ كَانَ أَخَفَّ الْأَئِمَّةِ صَلَاةً وَأَتَمَّ الْأئِمَّةِ صَلَاةً، وَهَذَا لِاعْتِدَالِ صَلَاتِهِ وَتَنَاسُبِهَا. كَمَا فِي اللَّفْظِ الْآخَرِ: "وَكَانَت صَلَاتُهُ مُعْتَدِلَةً"، وَفِي اللَّفْظِ الْآخَرِ: "وَكَانَت صَلَاتُهُ مُتَقَارِبَةً": لِتَخْفِيفِ قِيَامِهَا وَقُعُودِهَا، وَتَكونُ أَتَمَّ صَلَاة لِإِطَالَةِ رُكُوعِهَا وَسجُودِهَا. وَلَو أَرَادَ أَنْ يَكُونَ نَفْسُ الْفِعْلِ الْوَاحِدِ -كَالْقِيَامِ- هُوَ أَخَفَّ وَهُوَ أَتَمَّ لنَاقَضَ ذَلِكَ. فَهَذِهِ أَحَادِيث أَنَسٍ الصَّحِيحَةُ تُصَرِّحُ أَنَّ صَلَاةَ النَّبِيِّ ﷺ الَّتِي كَانَ يُوجِزُهَا ويُكَمِّلُهَا، وَاَلَّتِي كَانَت أَخَفَّ الصَّلَاةِ وَأَتَمَّهَا: أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَقُومُ فِيهَا مِن الرُّكُوعِ حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ: إنَّهُ قَد نَسِيَ، وَيَقْعُدُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ: قَد نَسِيَ. وإِذَا كَانَ فِي هَذَا يَفْعَلُ ذَلِكَ: فمِن الْمَعْلُومِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَالسُّنَّةِ

стр. 1904

الْمُتَوَاتِرَةِ: أَنَّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ لَا يَنْقُصَانِ عَن هَذَيْنِ الِاعْتِدَالَيْنِ (١)؛ بَل كَثيرٌ مِن الْعُلَمَاءِ يَقُولُ: لَا يُشْرَعُ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ هَذَيْنِ الِاعْتِدَالَيْنِ بِقَدْرِ الرّكُوعِ وَالسُّجُودِ؛ بَل يَنْقُصَانِ عَن الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ. [٢٢/ ٥٧٧ - ٥٧٩] ٢٥٩١ - رَوَى الْبُخَارِيُّ عَن سَعِيدِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: "صَلَّى لَنَا أَبُو سَعِيدٍ فَجَهَرَ بِالتَّكْبِيرِ حِينَ رَفَعَ رَأْسَهُ مِن السُّجُودِ وَحِينَ سَجَدَ وَحِينَ رَفَعَ وَحِينَ قَامَ مِن الرَّكْعَتَيْنِ، وَقَال: هَكَذَا رَأَيْت رَسُولَ اللهِ ﷺ ". ثُمَّ أَرْدَفَهُ الْبُخَارِيُّ بِحَدِيثِ مُطَرِّفٍ قَالَ: "صَلَّيْت أَنَا وَعِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ خَلْفَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁، فَكَانَ إذَا سَجَدَ كَبَّرَ، وَإِذَا رَفَعَ كَبَّرَ، وَإِذَا نَهَضَ مِن الرَّكْعَتَيْنِ كَبَّرَ، فَلَمَّا سَلَّمَ أَخَذَ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْن بِيَدِي فَقَالَ: لَقَد صَلَّى بِنَا هَذَا صَلَاةَ مُحَمَّدٍ ﷺ أَو قَالَ: لَقَد ذَكَّرَنِي هَذَا صَلَاةَ مُحَمَّدٍ ﷺ ". فَهَذَا يُبَيِّن أنَّ الْكَلَامَ إنَّمَا هُوَ فِي الْجَهْرِ بِالتَّكْبِيرِ، وَأَمَّا أَصْلُ التَّكْبِيرِ: فَلَمْ يَكُن مِمَّا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ. [٢٢/ ٥٨٦] ٢٥٩٢ - السُّنَّةُ تَطْوِيل الْأولَى عَلَى الثَّانِيَةِ كَمَا صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . [٢٣/ ١٢١] ٢٥٩٣ - قَوْلُ أَكْثَرِ السَّلَفِ: أَنَّهُ إذَا سَمِعَ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ أَنْصَتَ وَلَمْ يَقْرَأْ؛ فَإنَّ اسْتِمَاعَهُ لِقِرَاءَةِ الْإمَامِ خَيْرٌ مِن قِرَاءَتِهِ، وَإِذَا لَمْ يَسْمَعْ قِرَاءَتَهُ قَرَأَ لِنَفْسِهِ؛ فَإِنَّ قِرَاءَتَهُ خَيْرٌ مِن سُكُوتِهِ؛ فَالِاسْتِمَاعُ لِقِرَاءَةِ الْإِمَامِ أَفْضَلُ مِنَ الْقِرَاءَةِ، وَالْقِرَاءَةُ أَفْضَلُ مِنَ السُّكُوتِ، هَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ. قَالَ تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)﴾ [الأعراف: ٢٠٤] وَقَد اسْتَفَاضَ عَنِ السَّلَفِ أنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ، وَقَالَ بَعْضُهُم فِي الْخُطْبَةِ، وَذَكَرَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَل الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ، وَذَكَرَ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهُ لَا تَجِبُ الْقِرَاءَةُ عَلَى الْمَأمُومِ حَالَ الْجَهْرِ (٢).

стр. 1905

وَثَبَتَ أنَّه فِي هَذِهِ الْحَالِ قِرَاءَةُ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ، كَمَا قَالَ ذَلِكَ جَمَاهِيرُ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ مِن الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُم بِإحْسَانٍ، وَفِي ذَلِكَ الْحَدِيثِ الْمَعْرُوفِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "مَن كَانَ لَهُ إمَامٌ فَقِرَاءَةُ الإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ" (١). وَهَذَا الْحَدِيثُ رُوِيَ مُرْسَلًا وَمُسْنَدًا، لَكِنْ أَكْثَرُ الْأَئِمَّةِ الثقاة رَوَوْهُ مُرْسَلًا عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ شَدَّادٍ عَن النَّبِيِّ ﷺ ، وَأَسْنَدَهُ بَعْضُهُمْ، وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَه مُسْنَدًا، وَهَذَا الْمُرْسَلُ قَد عَضَّدَهُ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، وَقَالَ بِهِ جَمَاهِيرُ أَهلِ الْعِلْمِ مِن الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَمُرْسِلُهُ مِن أَكَابِرِ التَّابِعِينَ، وَمِثْلُ هَذَا الْمُرْسَلِ يُحْتَجُّ بِهِ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَقَد نَصَّ الشَافِعِيُّ عَلَى جَوَازِ الِاحْتِجَاجِ بِمِثْل هَذَا الْمُرْسَلِ. فَتَبَيَّنَ أَنَّ الِاسْتِمَاعَ إلَى قِرَاءَةِ الْأِمَامِ أَمْرٌ دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ دَلَالَةً قَاطِعَةً؛ لِأَنَّ هَذَا مِن الْأمُورِ الظَّاهِرَةِ الَّتِي يَحْتَاجُ إلَيْهَا جَمِيعُ الْأُمَّةِ، فَكَانَ بَيَانُهَا فِي الْقُرْآنِ مِمَّا يَحْصُلُ بِهِ مَقْصُودُ الْبَيَانِ، وَجَاءَت السُّنَّةُ مُوَافِقَةً لِلْقُرْآنِ، فَفِي "صَحِيح مُسْلِمٍ" عَن أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: إنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا". وَرَوَى الزُّهْرِيُّ عَن ابْنِ أكيمة الليثي عَن أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ انْصَرَفَ مِن صَلَاةٍ جَهَرَ فِيهَا فَقَالَ: "هَل قَرَأَ مَعِي أَحَدٌ مِنْكُمْ آنِفًا؟ " فَقَالَ رَجُلٌ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: "إنِّي أَقُولُ مَا لِي أُنازَعُ الْقُرْآنَ"؟ (٢). قَالَ: فَانْتَهَى النَّاسُ عَن الْقِرَاءَةِ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِيمَا جَهَرَ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ

стр. 1906

بِالْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَوَاتِ حِينَ سَمِعُوا ذَلِكَ مِن رَسُولِ اللهِ ﷺ . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَه وَالنَّسَائِي وَالتِّرْمِذِي وَقَالَ: حَدِيث حَسَنٌ (١). قَالَ أَبُو دَاوُد: سَمِعْت مُحَمَّدَ بْنَ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ يَقُولُ: قَوْلُهُ: "فَانْتَهَى النَّاسُ" مِن كَلَامِ الزُّهْرِيِّ. وَقَالَ بَعْضُهُم: هُوَ قَوْلُ ابْنِ أكيمة، وَالصَّحِيحُ: أنَّه قَوْلُ الزُّهْرِيِّ. وَهَذَا إذَا كَانَ مِن كَلَامِ الزُّهْرِيِّ فَهُوَ مِن أَدَلِّ الدَّلَائِلِ عَلَى أَنَّ الصَّحَابَةَ لَمْ يَكُونُوا يَقْرَءُونَ فِي الْجَهْرِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ؛ فَإنَّ الزُّهْرِيَّ مِن أَعْلَمِ أَهْلِ زَمَانِهِ أَو أَعْلَمُ أَهْلِ زَمَانِهِ بِالسُّنَّةِ، وَقِرَاءَةُ الصَّحَابَةِ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ إذَا كَانَت مَشْرُوعَةً وَاجِبَةً أَو مُسْتَحَبَّةً تَكُونُ مِن الْأَحْكامِ الْعَامَّةِ الَّتِي يَعْرِفُهَا عَامَّةُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُم بِإِحْسَانٍ، فَيَكُونُ الزُّهْرِيُّ مِن أَعْلَمِ النَّاسِ بِهَا، فَلَو لَمْ يُبَيِّنْهَا لَاسْتَدَلَّ بِذَلِكَ عَلَى انْتِفَائِهَا، فَكَيْفَ إذَا قَطَعَ الزُّهْرِيُّ بِأَنَّ الصَّحَابَةَ لَمْ يَكُونوا يَقْرَءُونَ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْجَهْرِ. فَاِنَّ الْإِنْصَاتَ إلَى قِرَاءَةِ الْقَارِئِ مِن تَمَامِ الِائْتِمَامِ بِهِ، فَإِنَّ مَن قَرَأَ عَلَى قَوْمِ لَا يَسْتَمِعُونَ لِقِرَاءَتِهِ لَمْ يَكُونُوا مُؤتَمِّينَ بهِ، وَهَذَا مِمَّا يُبَيِّنُ حِكْمَةَ سُقوطِ الْقِرَاءَةِ عَلَى الْمَأْمُومِ، فَإِنَّ مُتَابَعَتَهُ لِإِمَامِهِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى غَيْرِهَا حَتَّى فِي الْأَفْعَالِ. وَأَيْضًا: فَلَو كَانَتِ الْقِرَاءَةُ فِي الْجَهْرِ وَاجِبَةً عَلَى الْمَأْمُومِ لَلَزِمَ أَحَدُ أَمْرَيْنِ: أ- إمَّا أَنْ يَقْرأ مَعَ الْإمَامِ. ب- وَإِمَّا أَنْ يَجِبَ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَسْكُتَ لَهُ حَتَّى يَقْرَأَ. وَلَمْ نَعْلَمْ نِزَاعًا بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَسْكُتَ لِقِرَاءَةِ الْمَأمُومِ بِالْفَاتِحَةِ وَلَا غَيْرِهَا، وَقِرَاءَتُهُ مَعَهُ مَنْهِيٌّ عَنْهَا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.

стр. 1907

فَثبتَ أَنَّهُ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةُ مَعَهُ فِي حَالِ الْجَهْرِ. بَل نَقُولُ: لَو كَانَت قِرَاءَةُ الْمَأْمُومِ فِي حَالِ الْجَهْرِ وَالِاسْتِمَاعِ مُسْتَحَبَّةً لَاسْتُحِبَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَسْكُتَ لِقِرَاءَةِ الْمَأمُومِ، وَلَا يُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ السُّكُوتُ لِيَقْرَأَ الْمَأْمُومُ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَغَيْرِهِمْ. وَحُجَّتُهُم فِي ذَلِكَ أَنَّ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يَكُن يَسْكُت ليَقْرَأَ الْمَأمُومُونَ، وَلَا نَقَلَ هَذَا أَحَدٌ عَنْهُ؛ بَل ثَبَتَ عَنْهُ فِي "الصَّحِيحِ" سُكُوتُهُ بَعْدَ التَّكْبِيرِ لِلِاسْتِفْتَاحِ، وَفِي "السُّنَنِ" أَنَّهُ كَانَ لَهُ سَكْتَتَانِ: "سَكْتَةٌ فِي أَوَّلِ الْقِرَاءَةِ وَسَكْتَة بَعْدَ الْفَرَاغِ مِن الْقِرَاءَةِ"، وَهِيَ سَكْتَةٌ لَطِيفَةٌ لِلْفَصْلِ لَا تَتَّسِعُ لِقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ. وَقَد رُوِيَ أَنَّ هَذِهِ السَّكْتَةَ كَانَت بَعْدَ الْفَاتِحَةِ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ إنَّه كَانَ لَهُ ثَلَاثُ سَكَتَاتٍ، وَلَا أَرْبَعُ سَكَتَاتٍ، فَمَن نَقَلَ عَن النَّبِيِّ ﷺ ثَلَاثَ سَكَتَاتٍ أَو أَرْبَعَ فَقَد قَالَ قَوْلًا لَمْ يَنْقُلْهُ عَن أَحَدٍ مِن الْمُسْلِمِينَ. وَالسَّكتَةُ الَّتِي عَقِبَ قَوْلِهِ: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ مِن جِنْسِ السَّكَتَاتِ الَّتِي عِنْدَ رُؤُوسِ الْآيِ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يُسَمَّى سُكوتًا؛ وَلهَذَا لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِن الْعُلَمَاءِ إنَّهُ يَقْرأ فِي مِثْل هَذَا. وَلَمْ يَسْتَحِبَّ أَحْمَدُ أَنْ يَسْكُتَ الْإِمَامُ لِقِرَاءَةِ الْمَأُمُومِ، وَلَكِنْ بَعْضُ أَصْحَابِهِ اسْتَحَبَّ ذَلِكَ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَو كَانَ يَسْكُتُ سَكتَةً تَتَّسِعُ لِقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ لَكَانَ هَذَا مِمَّا تتوَفَّرُ الْهِمَمُ وَالدَّوَاعيِ عَلَى نَقْلِهِ، فَلَمَّا لَمْ يَنْقُلْ هَذَا أَحَدٌ عُلِمَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ. وَأَيْضًا: فَلَو كَانَ الصَّحَابَةُ كُلُّهُم يَقْرَءُونَ الْفَاتِحَةَ خَلْفَهُ إمَّا فِي السَّكْتَةِ الْأُولَى وَإِمَّا فِي الثَّانِيَةِ؛ لَكَانَ هَذَا مِمَّا تَتَوَفَّرُ الْهِمَمُ وَالدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ، فَكيْفَ وَلَمْ يَنْقُلْ هَذَا أَحَد عَن أَحَدٍ مِن الصَّحَابَةِ أنَّهُم كَانُوا فِي السَّكْتَةِ الثَّانِيَةِ خَلْفَهُ يَقْرَؤُونَ الْفَاتِحَةَ، مَعَ أنَّ ذَلِكَ لَو كَانَ مَشْرُوعًا لَكَانَ الصَّحَابَةُ أَحَقَّ النَّاسِ بِعِلْمِهِ

стр. 1908

وَعَمَلِهِ، فَعُلِمَ أَنَّهُ بِدْعَهٌ (١). وَأَيْضا: فَالْمَقْصُودُ بِالْجَهْرِ: اسْتِمَاعُ الْمَأُمُومِينَ، وَلهَذَا يُؤَمِّنُونَ عَلَى قِرَاءَةِ الْإِمَامِ فِي الْجَهْرِ دُونَ السِّرِّ، فَإِذَا كَانُوا مَشْغُولِينَ عَنْهُ بِالْقِرَاءَةِ فَقَد أُمِرَ أَنْ يَقْرَأَ عَلَى قَوْمٍ لَا يَسْتَمِعُونَ لِقِرَاءَتِهِ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ أَنْ يُحَدِّثَ مَن لَمْ يَسْتَمِعْ لِحَدِيثِهِ، وَيَخْطُبَ مَن لَمْ يَسْتَمِعْ لِخُطْبَتِهِ، وَهَذَا سَفَهٌ تُنَزَّهُ عَنْهُ الشَّرِيعَةُ. وَإِذَا كَانَ الْمَأمُومُ مَأْمُورًا بِالِاسْتِمَاعِ وَالْإِنْصَاتِ لِقِرَاءَةِ الْأِمَامِ: لَمْ يَشْتَغِلْ عَن ذَلِكَ بِغَيْرِهَا لَا بِقِرَاءَةٍ وَلَا ذِكْرٍ وَلَا دُعَاءٍ، فَفِي حَالِ جَهْرِ الْإِمَامِ لَا يَسْتَفْتِحُ وَلَا يَتَعَوَّذُ. وَأَمَّا فِي حَالِ الْمُخَافَتَةِ: فَالْأَفْضَلُ لَهُ أَنْ يَسْتَفْتِحَ، وَاسْتِفْتَاحُهُ حَالَ سُكُوتِ الْإِمَامِ أَفْضَلُ مِن قِرَاءَتِهِ فِي ظَاهِرِ مَذْهَبِ أَحْمَد وَأَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِمَا؛ لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ يُعْتَاضُ عَنْهَا بِالِاسْتِمَاعِ بِخِلَافِ الِاسْتِفْتَاحِ (٢). وَأَمَّا قَوْلُ الْقَائِلِ: إنَّ قِرَاءَةَ الْمَأمُومِ مُخْتَلَفٌ فِي وُجُوبِهَا (٣).

стр. 1909

فَيُقَالُ: وَكَذَلِكَ الِاسْتِفْتَاحُ هَل يَجِبُ؟ فِيهِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد. مَعَ أَنَّ تَعْلِيلَ الْأَحْكَامِ بِالْخِلَافِ (١): عِلَّةٌ بَاطِلَةٌ فِي نَفْسِ الْأمْرِ؛ فَإِنَّ الْخِلَافَ لَيْسَ مِن الصِّفَاتِ الَّتِي يُعَلِّقُ الشَّارعُ بِهَا الْأَحْكَامَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، فَإِنَّ ذَلِكَ وَصْفٌ حَادِث بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَلَكِنْ يَسْلُكهُ مَن لَمْ يَكُن عَالِمًا بِالْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لِطَلَبِ الِاحْتِيَاطِ. وَاَلَّذِينَ أَوْجَبُوا الْقِرَاءَةَ فِي الْجَهْرِ: احْتَجُّوا بِالْحَدِيثِ الَّذِي فِي "السُّنَنِ" عَن عبادة أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إذَا كنْتُمْ وَرَائِي فَلَا تَقْرَءُوا إلَّا بِفَاتِحَةِ الْكتَابِ فَإنَّهُ لَا صَلَاةَ لِمَن لَمْ يَقْرَأ بِهَا". وَهَذَا الْحَدِيث مُعَلَّلٌ عِنْدَ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ بِأُمُورِ كَثِيرَةٍ، ضَعَّفَهُ أَحْمَد وَغَيْرُهُ مِن الْأئِمَّةِ. وَالْبُخَارِيُّ مِمَن بَالَغَ فِي الِانْتِصَارِ لِلْإِثْبَاتِ بِالْقِرَاءَةِ حَتَّى مَعَ جَهْرِ الْإِمَامِ (٢)؛ بَل يُوجِبُ ذَلِكَ كَمَا يَقُولُهُ الشَافِعِي فِي الْجَدِيدِ وَابْنُ حَزْمٍ، وَمَعَ هَذَا فَحُجَجُهُ وَمُصَنَّفُهُ إنَّمَا تَتَضَمَّنُ تَضْعِيفَ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ (٣) وَتَوَابِعِهَا. [٢٣/ ٢٦٥ - ٢٨٧] ٢٥٩٤ - إِنَّ الْمُسْتَمِعَ الْمُنْصِتَ قَارِئٌ؛ بَل أَفْضَلُ مِنَ الْقَارِئِ لِنَفْسِهِ. [٢٣/ ٢٩٤] ٢٥٩٥ - مَعْلُومٌ أَنَّ النَّهْيَ عَن الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ فِي الْجَهْرِ مُتَوَاتِرٌ عَن الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَن بَعْدَهُمْ؛ كَمَا أَنَّ الْقِرَاءَةَ خَلْفَ الْإِمَامِ فِي السِّرِّ مُتَوَاتِرَةٌ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَن بَعْدَهُمْ؛ بَل وَنَفْيُ وُجُوبِ الْقِرَاءَةِ عَلَى الْمَأُمُومِ مُطْلَقًا مِمَّا هُوَ مَعْرُوفٌ عَنْهُمْ (٤). [٢٣/ ٣٠٧]

стр. 1910

٢٥٩٦ - عَن عِمْرَانَ بْنِ حُصيْنٍ، قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ صَلَاةَ الظُّهْرِ - أَوِ الْعَصْرِ- فَقَالَ: "أَيُّكُمْ قَرَأَ خَلْفِي بِسَبِّح اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى؟ " فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا وَلَمْ أُرِدْ بِهَا إِلَّا الْخَيْرَ، قَالَ: "قَد عَلِمْتُ أنَّ بَعْضَكُمْ خَالَجَنِيهَا" (١). فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَأمُرْهُم بِالْقِرَاءَةِ خَلْفَهُ فِي السِّرِّ لَا بِالْفَاتِحَةِ وَلَا غَيْرِهَا، إذ لَو كَانَ أَمَرَهُم بِذَلِكَ لَمْ يُنْكِر الْقِرَاءَةَ خَلْفَهُ، وَهُوَ لَمْ يُنْكِرْ قِرَاءَةَ سُورَةٍ مُعَيَّنَةٍ؛ بَل قَالَ: "أَيُّكُمْ قَرَأَ أَوأَيُّكُمْ الْقَارِئُ؟ "،؛ بَل مِن الْمَعْلُومِ فِي الْعَادَةِ أَنَّ الْقَارِئَ خَلْفَهُ لَمْ يَقْرَأْ بسبح إلَّا بَعْدَ الْفَاتِحَةِ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أنهُ لَا تَجِبُ الْقِرَاءَةُ عَلَى الْمَأْمُومِ في السِّرِّ لَا بِالْفَاتِحَةِ وَلَا غَيْرِهَا (٢). [٢٣/ ٣٢٠]

стр. 1911

وإذَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَد جَعَلَ الْمَأْمُومَ يُخَلِّطُ عَلَيْهِ ويُلَبِّسُ وَيُخَالِجُ الْإِمَامَ: فَكَيْفَ بِالْإِمَامِ فِي حَالِ جَهْرِهِ مَعَ الْمَأمُومِ؟ وَالْمَأمُومُ يُلَبِّسُ عَلَى الْمَأْمُومِ حَالَ الْجَهْرِ؟ لِأَنَهُ إذَا جَهَرَ وَحْدَهُ كَانَ أَدْنَى حِسٍّ يُلَبِّسُ عَلَيْهِ وَيُثْقِلُ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةَ، فَإِنْ لَمْ تَكن الْأصْوَاتُ هَادِئَةً هُدُوءًا تَامًّا وَإِلَّا ثَقُلَتْ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةُ ولبس عَلَيْهِ، وَهَذَا أَمْرٌ مَحْسُوسٌ. [٢٣/ ٣٢٢] ٢٥٩٧ - ظاهر كلام أبي العباس أنه يجب تسوية الصفوف؛ لأنه ﵇ "رأى رجلًا باديًا صدره فقال: لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم" (١). [الاختيارات ٧٥] ٢٥٩٨ - لا تنعقد إلا بقوله قائمًا في فوض: الله أكبر، وهي ركن بقدر ما يُسمع نفسه، ومع عذر بحيث يحصل السماع مع عدمه، واختار شيخنا الاكتفاء بالحروف وإن لم يَسْمَعْها، وكذا ذكرٌ واجب. [المستدرك ٣/ ٨٠] ٢٥٩٩ - إذا قدر المصلي أن يقول: الله أكبر، لزمه ولا يجزئه غيرها وهو قول مالك وأحمد. [المستدرك ٣/ ٨٠] ٢٦٠٠ - من أصناف الوسواس ما يفسد الصلاة، مثل تكرير بعض الكلمة كقوله في التحيات: أت، أت، ألتحي، ألتحي، وفي السلام: أس، أس. وقوله في التكبير: أكككبر ونحو ذلك فهذا الظاهر بطلان صلاته به، وربما كان إمامًا فأفسد صلاة المأمومين، وصارت الصلاة التي هي أكبر الطاعات أعظم إبعادًا له عن الله من الكبائر، وما لم تبطل به الصلاة من ذلك فمكروه وعدول عن السُّنَّة ورغبة عن طريق رسول الله ﷺ وهديه وما كان عليه أصحابه، وربما رفع صوته بذلك فآذى سامعيه. [المستدرك ٣/ ٨٠ - ٨١] ٢٦٠١ - يستحب التعوذ أوَّل كل قراءة، ويجهر في الصلاة بالتعوذ وبالبسملة وبالفاتحة في الجنازة ونحو ذلك أحيانا، فإنه المنصوص عن أحمد تعليمًا للسُّنَّة. [الاختيارات ٧٧]

стр. 1912

٢٦٠٢ - تكتب البسملة أوائل الكتب، كما كتبها سليمان، وكتبها النبي ﷺ في صلح الحديبية وإلى قيصر وغيره. [الاختيارات ٧٦] ٢٦٠٣ - لا يشترط أن يُسمع المصلي نفسه القراءة الواجبة؛ بل يكفيه الإتيان بالحروف وإن لم يسمعها. [الاختيارات ٧٦] ٢٦٠٤ - عند شيخنا ترتيب الآيات واجب؛ لأن ترتيبها بالنص، وترتيب السور بالاجتهاد لا بالنص في قول جمهور العلماء منهم المالكية والشافعية، قال شيخنا: فيجوز قراءة هذه قبل هذه، وكذا في الكتابة؛ ولهذا تنوعت مصاحف الصحابة ﵃ في كتابتها، لكن لمَّا اتفقوا على المصحف في زمن عثمان صار هذا مما سَنَّه الخلفاء الراشدون، وقد دل الحديث على أن لهم سُنَّة يجب اتباعها. [المستدرك ٣/ ٨٢] ٢٦٠٥ - وقوف القارئ على رؤوس الآيات سُنَّة وإن كانت الآية الثانية متعلقة بالأولى تعلق الصفة بالموصوف أو غير ذلك (١). [المستدرك ٣/ ٨٢] ٢٦٠٦ - القراءة القليلة بتفكر أفضل من الكثيرة بلا تفكر، وهو المنصوص عن الصحابة ﵃ صريحًا. [المستدرك ٣/ ٨٢] ٢٦٠٧ - يكره أن يقول مع إمامه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ ونحوه (٢). [المستدرك ٣/ ٨٢] ٢٦٠٨ - مَن لم يحسن القراءة ولا الذكر، أو الأخرس لا يحرك لسانه حركة مجردة. ولو قيل: إن الصلاة تبطل بذلك كان أقرب؛ لأنه عبث ينافي الخشوع وزيادة على غير المشروع. [المستدرك ٣/ ٨٣]

стр. 1913

٢٦٠٩ - قال تعالى لبني إسرائيل: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾ [البقرة: ٤٣] فأفرد الركوع بالتخصيص بعد الأمر بإقامة الصلاة، ويشبه والله أعلم أن يكون فيه معنيان: أحدهما: أنهم لا يركعون في صلاتهم فأمرهم بالركوع إذا كانوا لا يفهمون ذلك في نفس الصلاة. الثاني: أن قوله: ﴿مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾ أمر بصلاة الجماعة، ودل بذلك على وجوبها، وأمر بالركوع معهم؛ لأنه بالركوع يكون مدركًا للركعة، فإذا ركع معهم فقد فعل بقية الأفعال معهم، وما قبل الركوع من القيام لا يجب فعله معهم فما بعده لازم؛ بخلاف ما لو قال: قوموا، أو: اسجدوا لم يدل على ذلك. وقال لمريم: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾ [آل عمران: ٤٣] قد يكون أمرًا لها بصلاة الجماعة وإن كانت امرأة؛ لأنها كانت محررة منذورة لله عاكفة في المسجد. [المستدرك ٣/ ٨٤] ٢٦١٠ - لما كَثُر ذكر السجود في القرآن، تارة أمرًا به، وتارةً ذمًّا لمن تركه، وتارةً ثناءً على فاعله، وتارةً إخبارًا عن سجود عظماء الخليقة وعمومهم: كان ذلك دليلًا على فضيلة السجود، وهذا ظاهر؛ فإن السجود فيه غاية الخضوع والتواضع، وهو أفضل أركان الصلاة الفعلية وأكثرها حتى إن مواضع الصلاة سميت به فقيل: مسجد ولم يقل: مقام، ولا مركع لوجهين: أحدهما: أنه أفضل وأشرف وأكثر. والثاني: أن نصيب الأرض منه أكثر من نصيبها من جميع الأفعال، فإن العبد يسجد على سبعة أعضاء وإنما يقوم على رجلين، وأما الركوع فسيان نسبة الأرض إليه وإلى القيام، فلهذا قيل: مسجد وهو موضع السجود دون موضع الركوع، والركوع نصف سجود، والسجود شرع مثنى مثنى في كل ركعة

стр. 1914

سجدتان ولم يشرع من الأركان مثنى إلا هو، حتى سجود الجبران جعل أيضًا مثنى وهو سجدتا السهو، وكان النبي ﷺ يسميهما الْمُرْغِمَتَين وقال في الشك: "إن كانت صلاته وترًا شفعتا له صلاته، وإن كانت تامة كانت ترغيمًا للشيطان" (١) فأقام السجدتين مقام ركعة في تكميل الصلاة؛ لأن الركن الأعم في كل ركعة هما السجدتان، وقال النبي ﷺ : "أعني على نفسك بكثرة السجود" (٢)، وقال: "أقرب ما يكلون العبد من ربه وهو ساجد" (٣). ولما كانت الصلاة مثنى مثنى، جعل في كل ركعة السجود مثنى مثنى، فكل سجدتين معقودتان بركعة، فتصير وترًا سجدتين وركوع، والركوع مقدمة أمامهما؛ كتقدمة الوقوف على طواف الزيارة. [المستدرك ٣/ ٨٧ - ٨٨] * * * أركان الصلاة وواجباتها ٢٦١١ - يجب تحريك لسانه بالذكر الواجب في الصلاة من القراءة وغيرها مع القدرة. ومن قال: إنها تصح بدونه يستتاب، ويستحب ذلك في الذكر المستحب. والمشهور من مذهب الشافعي وأحمد أن يكون بحيث يُسمع نفسه إذا لم يكن مانع، وفيه وجه أن تكون الحركة بالحرف. [المستدرك ٣/ ٩٩] ٢٦١٢ - أكمل الذكر بالقلب واللسان، ثم بالقلب، ثم باللسان، والمأمور به في الصلاة القلب واللسان جميعًا، لكن ذكر اللسان مقدور، والقلب قد لا يقدر عليه للوسواس، فلو قدر رجلان أحدهما: ذكر الذكر الواجب بالقلب فقط، والثاني: بلسانه فقط فإن الأول لا يجزئه في صلاته بلا نزاع وإن قدر ذكر القلب أفضل؛ لأنه ترك الواجب المقدور عليه، كما أن الخشوع لله بالقلب

стр. 1915

والبدن أكمل منه بالقلب وحده، وهو بالقلب وحده أكمل منه بالبدن وحده. ثم إنَّ المصلي لو اقتصر على خشوع القلب لم يجزئه بلا نزاع، ولو غلب الوسواس على قلبه في أكثر الصلاة لم تصح صلاته عند أبي حامد الغزالي وأبي الفرج ابن الجوزي، لكن المشهور عند الأئمة أنَّ الفرض يسقط بذلك. [المستدرك ٣/ ٩٩ - ١٠٠] ٢٦١٣ - المسبوق إذا لم يتسع وقت قيامه لقراءة الفاتحة فإنه يركع مع إمامه ولا يتم الفاتحة باتفاق الأئمة، وإن كان فيه خلاف فهو شاذ. وأما إذا أخَّر في الصلاة مع إمكانه حتى قصر القيام (١)، أو كان القيام متسعًا ولم يقرأها (٢): فهذا تجوز صلاته عند الجماهير، وعند الشافعي: عليه أن يقرأها وإن تخلف عن الركوع، وإنما تسقط قراءتها عنده على المسبوق خاصة. [المستدرك ٣/ ١٠١] ٢٦١٤ - جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ يُشْرَعُ التَّسْبِيحُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَرُوِيَ عَن مَالِكٍ أَنَّهُ كَرِهَ الْمُدَاوَمَةَ عَلَى ذَلِكَ لِئَلَّا يُظَنَّ وُجُوبُهُ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِهِ؛ فَالْمَشْهُورُ عَن أَحْمَد وَإِسْحَاقَ ودَاوُد وَغَيْرِهِمْ: وُجُوبُهُ. وَعَن أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ: اسْتِحْبَابُهُ. وَالْقَائِلُونَ بِالْوُجُوبِ مِنْهُم مَن يَقُولُ: يَتَعَيَّنُ "سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ" و"سُبْحَانَ رَبّي الْأَعْلَى" لِلْأَمْرِ بِهِمَا، وَهُوَ قَوْلُ كَثِيرٍ مِن أَصْحَابِ أَحْمَد، وَمِنْهُم مَن يَقُولُ: بَل يَذْكُرُ بَعْضَ الْأَذْكَارِ الْمَأْثُورَةِ. وَالْأَقْوَى أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ التَّسْبِيحُ، إمَّا بِلَفْظِ "سُبْحَانَ" وَإِمَّا بِلَفْظِ: "سُبْحَانَك" وَنَحْوِ ذَلِكَ.

стр. 1916

وَذَلِكَ أَنَّ الْقُرْآنَ سَمَّاهَا "تَسْبِيحًا" فَدَلَّ عَلَى وُجُوبِ التَّسْبِيحِ فِيهَا، وَقَد بَيَّنَتْ السُّنَّةُ أَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ. وَفِي "صَحِيحِ مُسْلِمٍ" (١) عَن عَائِشَةَ أَنَ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: "سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ رَبُّ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ". وَفِي "السُّنَنِ" أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: "سُبْحَانَ ذِي الْجَبَرُوتِ وَالْمَلَكُوت وَالْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ" (٢). فَهَذِهِ كُلُّهَا تَسْبِيحَاتٌ. وَالْمَنْقُولُ عَن مَالِكٍ: أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ الْمُدَاوَمَةَ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ كَرَاهَةُ الْمُدَاوَمَةِ عَلَى "سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى وَالْعَظِيمِ" فَلَهُ وَجْهٌ، وَإِن كَانَ كَرَاهَةُ الْمُدَاوَمَةِ عَلَى جِنْسِ التَّسْبِيحِ فَلَا وَجْهَ لَهُ، وَأَظُنُّهُ الْأَوَّلَ. وَكَذَلِكَ الْمَنْقُولُ عَنْهُ إنَّمَا هُوَ كَرَاهَةُ الْمُدَاوَمَةِ عَلَى "سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ"؛ لِئَلَّا يُظَنَّ أَنَّهَا فَرْضٌ؛ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ مَالِكًا أَنْكَرَ أَنْ تَكُونَ فَرضًا وَاجِبًا، وَهَذَا قَوِيّ ظَاهِرٌ، بِخِلَافِ جِنْسِ التَّسْبِيحِ فَإنَّ أَدِلَّةَ وُجُوبِهِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ كَثِيرَة جِدًّا. وَقَد عُلِمَ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يُدَاوِمُ عَلَى التَّسْبِيحِ بِأَلْفَاظٍ مُتَنَوِّعَةٍ. وَقَوْلُهُ: "اجْعَلُوهَا فِي رُكُوعِكُمْ وَهي سُجُودِكُمْ" (٣) يَقْتَضِي أَنَّ هَذَا مَحَلٌّ لِامْتِثَالِ هَذَا الْأَمْرِ، لَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يُقَالُ إلَّا هِيَ، مَعَ مَا قَد ثَبَتَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ غَيْرَهَا. وَالْجَمْعُ بَيْنَ صِيغَتَي تَسْبِيحٍ بَعِيدٍ (٤)، بِخِلَافِ الْجَمْعِ بَيْنَ التَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ

стр. 1917

وَالتَّهْلِيلِ وَالدُّعَاءِ، فَإنَّ هَذِهِ أَنْوَاعٌ، وَالتَّسْبِيحَ نَوْعٌ وَاحِدٌ، فَلَا يُجْمَعُ فِيهِ بَيْنَ صِيغَتَيْنِ (١). وَأَيْضًا فَقَوْلُهُ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ [الأعلى: ١]، و ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾ [الواقعة: ٧٤] أَمْرٌ بِتَسْبِيحِ رَبِّهِ، لَيْسَ أَمْرًا بِصِيغَةِ مُعَيَّنَةٍ (٢). وَأَحْمَد يُوجِبُهُ [أي: التسبيح، فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَرُوِيَ عَنْهُ: أَنَّهُ رُكْنٌ وَهُوَ قَوِيٌّ؛ لِثُبُوتِ الْأَمْرِ بِهِ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، فَكَيْفَ يُوجِبُ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَلَمْ يَجِئْ أَمْرٌ بِهَا فِي الصَّلَاةِ خُصُوصًا وَلَا يُوجِبُ التَّسْبِيحَ مَعَ الْأَمْرِ بِهِ فِي الصَّلَاةِ؟ وَمَعَ كَوْنِ الصَّلَاةِ تُسَمَّى "تَسْبِيحًا"؟ لَكِنْ قَد يُقَالُ: لَمَّا لَمْ يَأْمُرْ بِهِ الْمُسِيءَ فِي صَلَاتِهِ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ وَاجِبٌ لَيْسَ بِرُكْنٍ (٣). [١٦/ ١١٤ - ١١٨] ٢٦١٥ - مِنَ الْفُقَهَاءِ مَن قَد يَقُولُ: التَّسْبِيحُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَهَذَا الْقَوْلُ يُخَالِفُ ظَاهِرَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.

стр. 1918

وَإِذَا كَانَ اللهُ قَد سَمَّى الصَّلَاةَ تَسْبِيحًا (١)، فَقَد دَلَّ ذَلِكَ عَلَى وُجُوبِ التَّسْبِيحِ، كَمَا أَنَهُ لَمَّا سَمَّاهَا قِيَامًا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢)﴾ [المزمل: ٢] دَلَّ عَلَى وُجُوبِ الْقِيَامِ، وَكَذَلِكَ لَمَّا سَمَّاهَا قُرآنًا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿قُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء: ٧٨] دَلَّ عَلَى وُجُوبِ الْقُرْاَنِ فِيهَا، وَلَمَّا سَمَّاهَا رُكُوعًا وَسُجُودًا فِي مَوَاضِعَ دَلَّ عَلَى وُجُوبِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فِيهَا. [٢٢/ ٥٥٠ - ٥٥١] * * * (الحكمة من قول: سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى في السجود ؟) ٢٦١٦ - فِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ: أَنَّهُ ﷺ صَلَّى بِاللَّيْلِ طَلَاةً قَرَأَ فِيهَا بِالْبَقَرَةِ وَالنِّسَاءِ وَآلِ عِمْرَانَ، ثُمَّ رَكَعَ ثُمَّ سَجَدَ نَحْو قِرَاءَتِهِ، يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ: "سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ"، وَفِي سُجُودِهِ: "سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى". وَذَلِكَ أَنَّ السُّجُودَ غَايَةُ الْخُضوع وَالذُّلِّ مِن الْعَبْدِ، وَغَايَةُ تَسْفِيلِهِ وَتَوَاضُعِهِ بِأَشْوَفِ شَيءٍ فِيهِ للهِ -وَهُوَ وَجْهُهُ-، بَأَنْ يَضَعَهُ عَلَى التُّرَابِ، فَنَالسَبَ فِي غَايَةِ سُفُولِهِ أَنْ يَصِفَ رَبَّهُ بِأَنَّهُ الْأَعْلَى. وَالْأَعْلَى أَبْلَغُ مِن الْعَلِيِّ؛ فَإنَّ الْعَبْدَ لَيْسَ لَهُ مِن نَفْسِهِ شَيْءٌ، هُوَ بِاعْتِبَارِ نَفْسِهِ عَدَمٌ مَحْضٌ، وَلَيْسَ لَهُ مِن الْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ نَصِيبٌ. وَكَذَلِكَ فِي الْعُلُوِّ فِي الْأَرْضِ: لَيْسَ لِلْعَبْدِ فِيهِ حَقٌّ؛ فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ ذَمَّ مَن يُرِيدُ الْعُلُوَّ فِي الْأَرْضِ؛ كَفِرْعَوْنَ وَإِبْلِيسَ. وَأَمَّا الْمُؤمِنُ فَيَحْصُلُ لَهُ الْعُلُوُّ بِالْإِيمَانِ، لَا بِإِرَادَتِهِ لَهُ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩)﴾ [آل عمران: ١٣٩]. فَلَمَّا كَانَ السُّجُودُ غَايَةَ سُفُولِ الْعَبْدِ وَخُضُوعِهِ: سَبَّحَ اسْمَ رَبِّهِ الْأَعْلَى، فَهُوَ سُبْحَانَة الْأَعْلَى، وَالْعَبْدُ الْأسْفَلُ، كَمَا أَنَّهُ الرَّبُّ، وَالْعَبْدُ الْعَبْدُ، وَهُوَ

стр. 1919

الْغَنِيُّ، وَالْعَبْدُ الْفَقِيرُ، وَلَيْسَ بَيْنَ الرَّبِّ وَالْعَبْدِ إلَّا مَحْضُ الْعُبُودِيَّةِ، فَكُلَّمَا كمَّلَهَا قَرُبَ الْعَبْدُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ بَرٌّ جَوَاد مُحْسِنٌ، يُعْطِي الْعَبْدَ مَا يُنَاسِبُهُ، فَكُلَّمَا عَظُمَ فَقْرُهُ إلَيْهِ كَانَ أَغْنَى، وَكُلَّمَا عَظُمَ ذُلُّه لَهُ كَانَ أَعَزَّ؛ فَإِنَّ النَّفْسَ -لِمَا فِيهَا مِن أَهْوَائِهَا الْمُتَنَوّعَةِ وَتَسْوِيلِ الشَّيْطَانِ لَهَا- تَبْعُدُ عَن اللهِ حَتَّى تَصِيرَ مَلْعُونَةً بَعِيدَةً مِن الرَّحْمَةِ. [٥/ ٢٣٧ - ٢٣٨] * * * (خطأ من قال في الرفع من الركوع: حَقٌّ مَا قَالَ الْعَبْد) ٢٦١٧ - فِي "الصَّحِيحِ" (١): أَنَّهُ ﷺ إذَا رَفَعَ رَأسَهُ مِن الرُّكُوعِ يَقُولُ: "رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ مِلْءَ السَّمَاءِ وَمِلْءَ الْأَرْضِ وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِن شَيْءٍ بَعْد، أَهْلَ الثناءِ وَالْمَجْدِ، أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ" هَذَا لَفْظُ الْحَدِيثِ. و"أَحَقُّ" أَفْعَلُ التَّفْضِيل، وَقَد غَلِطَ فِيهِ طَائِفَةٌ فَقَالُوا: "حَقٌّ مَا قَالَ الْعَبْدُ"، وَهَذَا لَيْسَ بِسَدِيدِ، فَإِنَّ الْعَبْدَ يَقُولُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ؛ بَل حَقُّ مَا يَقُولُهُ الرَّبُّ، كَمَا قَالَ: ﴿قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤)﴾ [ص: ٨٤]. وَلَكِنْ أَحَقُّ: خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ اي: الْحَمْدُ أَحَقّ مَا قَالَ الْعَبْدُ، فَفِيهِ أَنَّ الْحَمْدَ أَحَقُّ مَا قَالَهُ الْعَبْدُ، وَلهَذَا وَجَبَ فِي كلِّ صَلَاةٍ. [٨/ ٢١٢] * * * (الصلاة على النبي ﷺ -) ٢٦١٨ - الصلاة على النبي ﷺ ، بلفظ الحديث أفضل من كل لفظ، ولا يُزاد عليه كما في الأذان والتشهد قاله الأئمة الأربعة وغيرهم، وهي في الصلاة واجبة في أشهر الروايتين وقول للشافعي، ولا تجب في غيرها، والرواية الأخرى: لا تجب في الصلاة، وهو قول مالك وأبي حنيفة. [المستدرك ٣/ ٩٤]

стр. 1920

٢٦١٩ - لا تجوز الصلاة على غير الأنبياء إذا اتخذت شعارًا، وهو قول متوسط بين من قال بالمنع مطلقًا وهو قول طائفة من أصحابنا، ومنهم من قال بالجواز مطلقًا وهو منصوص أحمد. [المستدرك ٣/ ٩٤] * * * (معنى الآل، ومنهم آل محمد) ٢٦٢٠ - آل محمد فيه قولان: أحدهما: أنهم أهل بيته الذين حرموا الصدقة، نصَّ عليه أحمد والشافعي، وهو أصح. وعلى هذا فتحريم الصدقة على أزواجه وكونهم من أهل بيته: روايتان الأصح: دخولهن دون مواليهن كبريرة، بخلاف موالي الرجال. وعلى هذا: أهلُ بيته هم بنو هاشم من ذريةِ: ١ - أبي طالب. ٢ - والعباس. ٣ - والحارث. أبناء عبد المطلب أعمام النبي ﷺ فذرية هؤلاء الثلاثة أهل بيته. ٤ - وكذلك ذرية أبي لهب عند الجمهور. وليس مِن أعْمامِه مَن له نسل غيرُ هؤلاء الأربعة. وأفضل أهل بيته: عليّ وفاطمة وحسن وحسين الذين أدار عليهم الكساء وخصَّهم بالدعاء. وظاهر كلام أبي العباس في موضع آخر: أنَّ حمزة أفضل من حسن وحسين، واختاره بعض العلماء. وأما بنو المطلب: هل هم من أهل بيته الذين تحرم عليهم الصدقة؟ على روايتين.

стр. 1921

والقول الثاني: آل محمد هم أمته، أو الأتقياء من أمته. ولفظ آل فلان، إذا أطلق دخل فيه فلان وآله، وقد يقال: محمد وآل محمد، فلا يدخل فيهم محمد، وكذلك أهل البيت. وأصل آل أول، فَحُرِّكتِ (١) الواو وانفتح ما قبلها فقلبت ألفًا. ومن قال: إن أصله أهل فقد غلط؛ لأن الأهل يضاف إلى الجماد وغيره. وأما آل فإنما يضاف إلى شخص معظم من شأنه أن يؤول إليه غيره؛ أي: يسوسه فيكون مآله إليه فيتناول نفسه ومن يؤول إليه. [المستدرك ٣/ ٩٠ - ٩١] * * * مبطلات الصلاة ٢٦٢١ - إذَا أَحْدَثَ الْمُصَلِّي قَبْلَ السَّلَامِ بَطَلَتْ، مَكْتُوبَةً كَانَت أَو غَيْرَ مَكْتُوبَةٍ. [٢٢/ ٦١٣] ٢٦٢٢ - التَّبَسُّمُ: لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ، وَأَمَّا إذَا قَهْقَهَ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّهَا تَبْطُلُ، وَلَا يُنْتَقَضُ وُضُوءُة عِنْدَ الْجُمْهُورِ كَمَالِكِ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ فِي أَقْوَى الْوَجْهَيْنِ، لِكَوْنِهِ أَذْنَبَ ذَنْبًا وَللْخُرُوجِ مِن الْخِلَافِ، فَإِنَّ مَذْهَبَ أَبِي حَنِيفَةَ يُنْتَقَضُ وَضُوْءُهُ. [٢٢/ ٦١٤] ٢٦٢٣ - اللَّفْظُ عَلَى ثَلَاثِ دَرَجَاتٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَدُلَّ عَلَى مَعْنًى بِالْوَضْعِ: إمَّا بِنَفْسِهِ وَإِمَّا مَعَ لَفْظٍ غَيْرِهِ؛ كَـ "فِي" وَ"عَنْ" فَهَذَا الْكَلَامُ مِثْلُ: يَدٍ وَدَمٍ وَفَمٍ وَخَدٍّ. الثَّانِي: أَنْ يَدُلَّ عَلَى مَعْنًى بِالطَّبْعِ؛ كَالتَّأَوُّهِ وَالْأَنِينِ وَالْبُكَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. الثَّالِثْ أَنْ لَا يَدُلَّ عَلَى مَعْنًى لَا بِالطَّبْعِ وَلَا بِالْوَضْعِ؛ كَالنَّحْنَحَةِ.

стр. 1922

وَإِنَّ الْأَظْهَرَ فِيهَا جَمِيعًا أَنَّهَا لَا تُبْطِلُ؛ فَإنَّ الْأَصْوَاتَ مِن جِنْسِ الْحَرَكَاتِ، وَكَمَا أَنَّ الْعَمَلَ الْيَسِيرَ لَا يُبْطِلُ فَالصَّوْتُ الْيَسِيرُ لَا يُبْطِلُ، بِخِلَافِ صَوْتِ الْقَهْقَهَةِ فَإِنّه بِمَنْزِلَةِ الْعَمَلِ الْيَسِيرِ وَذَلِكَ (١) يُنَافِي الصَّلَاةَ؛ بَل الْقَهْقَهَةُ تُنَافِي مَقْصُودَ الصَّلَاةِ أَكْثَرَ؛ وَلهَذَا لَا تَجُوزُ فِيهَا بِحَالٍ، بِخِلَافِ الْعَمَلِ الْكَثِيرِ فَإنَّة يُرَخَّصُ فِيهِ لِلضَرُورَةِ. [٢٢/ ٦١٦ - ٦٢٤] ٢٦٢٤ - إنْ كَانَ الْمُصَلِّي يُحْسِنُ الرَّدَّ بِالْإِشَارَةِ: فَإِذَا سَلَّمَ عَلَيْهِ فَلَا بَأْسَ (٢)، كَمَا كَانَ الصَّحَابَةُ يُسَلِّمُونَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يَرُدُّ عَلَيْهِم بِالْإِشَارَةِ. وَإِن لَمْ يُحْسِنْ الرَّدَّ بَل قَد يَتَكَلَّمُ: فَلَا يَنْبَغِي إدْخَالُهُ فِيمَا يَقْطَعُ صَلَاتَهُ، أَو يَتْرُكُ بِهِ الرَّدَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ (٣). [٢٢/ ٦٢٥] ٢٦٢٥ - مُسَابَقَةُ الْإِمَامِ حَرَامٌ بِاتِّفَاقِ الأئِمَّةِ، لَا يَجُوز لِأحَد أَنْ يَرْكَعَ قَبْلَ إمَامِهِ، وَلَا يَرْفَعَ قَبْلَهُ، وَلَا يَسْجُدَ قَبْلَهُ. وَإِذَا سَبَقَ الْإِمَامَ سَهْوًا لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ، لَكِنْ يَتَخَلَّفُ عَنْهُ بِقَدْرِ مَا سَبَقَ بِهِ الْإِمَامَ، كَمَا أمَرَ بِذَلِكَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ .. ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَهُ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ، لِأَنَّ مَا قَبْلَ فِعْلِ الْإِمَامِ لَيْسَ وَقْتًا لِفِعْلِ الْمَأْمُومِ فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ مَن صَلَّى قَبْلَ الْوَقْتِ أَو بِمَنْزِلَةِ مَن كَبَّرَ قَبْلَ تَكْبِيرِ الْإِمَامِ، فَإِنَّ هَذَا لَا يُجْزِئُهُ عَمَّا أَوْجَبَ اللهُ عَلَيْهِ. وَأَمَّا إذَا سَبَقَ الْإِمَامَ عَمْدًا فَفِي بُطْلَانِ صَلَاتِهِ قَوْلَانِ مَعْرُوفَانِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ.

стр. 1923

فَعَلَى الْمُصَلِّي أَنْ يَتُوبَ مِن الْمُسَابَقَةِ، وَيَتُوبَ مِن نَقْرِ الصَّلَاةِ وَتَرْكِ الطُّمَأْنِينَةِ فِيهَا، وَإِن لَمْ يَنْتَهِ فَعَلَى الناسِ كُلِّهِمْ أنْ يَأْمُرُوهُ بِالْمَعْرُوفِ الَّذِي أَمَرَهُ اللهُ بِهِ، وَيَنْهَوْهُ عَن الْمُنْكَرِ الَّذِي نَهَاهُ اللهُ عَنْهُ. فَإِنْ قَامَ بِذَلِكَ بَعْضُهُم وَإِلَّا أَثِمُوا كُلُّهُمْ. وَمَن كَانَ قَادِرًا عَلَى تَعْزِيرِهِ وَتَأْدِيبِهِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ فَعَلَ ذَلِكَ، وَمَن لَمْ يُمْكِنْهُ إلَّا هَجْرَهُ وَكَانَ ذَلِكَ مُؤَثِّرًا فِيهِ هَجَرَهُ حَتَّى يَتُوبَ. [٢٢/ ٣٣٦ - ٣٣٨] ٢٦٢٦ - العبد الآبق لا يصح نفله ويصح فرضه عند ابن عقيل وابن الزاغوني، وبطلان فرضه قوي أيضًا كما جاء في الحديث مرفوعًا، وينبغي قبول صلاته. [المستدرك ٣/ ٦٩ - ٧٠] ٢٦٢٧ - الصواب: أن مرور المرأة والكلب الأسود والحمار بين يدي المصلي دون سترته يقطع الصلاة. [المستدرك ٣/ ٩٩] ٢٦٢٨ - تبطل الصلاة بتعمد تكرار الركن الفعلي لا القولي (١)، وهو مذهب الشافعي وأحمد. [المستدرك ٣/ ١٠٢] * * * (بَابُ الذِّكْرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ) ٢٦٢٩ - الْأَحَادِيثُ الْمَعْرُوفَةُ فِي "الصِّحَاحِ" وَ"السُّنَنِ" وَلا الْمَسَانِدِ" تَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ يَدْعُو فِي دُبُرِ صَلَاتِهِ قَبْلَ الْخُرُوجِ مِنْهَا، وَكَانَ يَأمُرُ أَصْحَابَهُ بِذَلِكَ وَيُعَلِّمُهُم ذَلِكَ، وَلَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ أَنَ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذَا صَلَّى بِالنَّاسِ يَدْعُو بَعْدَ الْخُزوجِ مِنَ الصَّلَاةِ هُوَ وَالْمَأمُومُونَ جَمِيعًا، لَا فِي الْفَجْرِ وَلَا فِي الْعَصْرِ وَلَا فِي غَيْرِهِمَا مِنَ الصَّلَوَاتِ. [٢٢/ ٤٩٢ - ٤٩٣] ٢٦٣٠ - الْأذْكَارُ الَّتِي كَانَ النَّبِيِّ ﷺ يُعَلِّمُهَا الْمُسْلِمِينَ عَقِيبَ الصَّلَاةِ أَنْوَاعٌ:

стр. 1924

أَحَدُهَا: أنَّه "يُسَبِّحُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ ويَحْمَدُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَيُكَبِّرُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، فَتِلْكَ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ، وَيَقُولُ تَمَامَ الْمِائَةِ: لَا إلَهَ إلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُل شَيءٍ قَدِير". رَوَاهُ مُسْلِم فِي "صَحِيحِهِ" (١). وَالثَّانِي: يَقُولُهَا خَمْسًا وَعِشْرِينَ، وَيَضُمُّ إلَيْهَا "لَا إلَهَ إلَّا اللهُ" وَقَد رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢). وَالثَّالِثُ: يَقُولُ الثَّلَاثَةَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَهَذَا عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أنْ يَقُولَ كُلَّ وَاحِدَةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ (٣). وَالثَّانِي: أَنْ يَقُولَ كُلَّ وَاحِدَةٍ إحْدَى عَشْرَةَ مَرَّة. وَالثَّلَاثُ وَالثَّلَاثُونَ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ فِي "الصَّحِيحَيْنِ". وَالْرَّابعُ: يُكَبّرُ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ لِيُتِمَّ مِائَةً. وَالخَامِسُ: يَقُولُ: الثَّلَاثَةَ عَشْرًا عَشْرًا. فَهَذَا هُوَ الَّذِي مَضَتْ بِهِ سُنَّةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَذَلِكَ مُنَاسِبٌ لِأَنَّ الْمُصَلِّيَ يُنَاجِي رَبَّهُ. فَدُعَاؤُهُ لَهُ وَمَسْأَلَتُهُ إيَّاهُ وَهُوَ يُنَاجِيهِ أَوْلَى بِهِ مِن مَسْألَتِهِ وَدعَائِهِ بَعْدَ انْصِرَافِهِ عَنْهُ. [٢٢/ ٤٩٣ - ٤٩٤]

стр. 1925

٢٦٣١ - وأما الذِّكْرُ بَعْدَ الِانْصِرَافِ فَكَمَا قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂ هُوَ مِثْل مَسْحِ الْمِرْآةِ بَعْدَ صِقَالِهَا. فَإِنَّ الصَّلَاةَ نُورٌ، فَهِيَ تَصْقُلُ الْقَلْبَ كَمَا تُصْقَلُ الْمِرْآةُ، ثُمَّ الذِّكْرُ بَعْدَ ذَلِكَ بمَنْزِلَةِ مَسْحِ الْمِرْآةِ، وَقَد قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (٨)﴾ [الشرح: ٧، ٨] قِيلَ: إذَا فَرَغْت مِن أَشْغَالِ الدُّنْيَا فَانْصَبْ فِي الْعِبَادَةِ وَإِلَى رَبّك فَارْغَبْ، وَهَذَا أَشْهَرُ الْقَوْلَيْنِ. مَعَ أَنَّ تَفْسِيرَ قَوْلِهِ: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧)﴾؛ أَيْ: فَرَغْت مِنَ الصَّلَاةِ قَوْلٌ ضَعِيفٌ. فَعُلِمَ أَنَّهُ أَمَرَهُ بِشَيْئَيْنِ: أ- أَنْ يَجْتَهِدَ فِي الْعِبَادَةِ عِنْدَ فَرَاغِهِ مِن أَشْغَالِهِ. ب- وَأَنْ تكونَ رَغْبَتُهُ إلَى رَبِّهِ لَا إلَى غَيْرِهِ. [٢٢/ ٤٩٥ - ٤٩٨] ٢٦٣٢ - لَفْظُ "دُبُر الصَّلَاةِ": أ- قَد يُرَادُ بِهِ آخِر جُزْءٍ مِنْهُ. ب- وَقَد يُرَادُ بِهِ مَا يَلِي آخِرَ جُزْءٍ مِنْهُ. كَمَا فِي دُبُرِ الْإنْسَانِ: فَإِنَّهُ آخِرُ جُزْءٍ مِنْهُ. وَمِثْلُهُ لَفْظُ "الْعَقِبِ" قَد يُرَادُ بِهِ الْجُزْء الْمُؤَخَّرَ مِنَ الشَّيءِ كَعَقِبِ الْإِنْسَانِ. وَقَد يُرَادُ بِهِ مَا يَلِي ذَلِكَ. فَالدُّعَاءُ الْمَذْكُورُ فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ: أ- إمَّا أَنْ يُرَادَ بِهِ آخِر جُزْءٍ مِنْهَا لِيُوَافقَ بَقِيَّةَ الْأَحَادِيثِ. ب- أَو يُرَادَ بِهِ مَا يَلِي آخِرَهَا، وَيَكُونُ ذَلِكَ مَا بَعْدَ التَّشَهُّدِ. وَبِكُلِّ حَالٍ: فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُخَصَّ بِهِ مَا بَعْدَ السَّلَامِ؛ لِأَنَّ عَامَّةَ الْأَدْعِيَةِ الْمَأْثُورَةِ كَانَت قَبْلَ ذَلِكَ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُشَرِّعَ سُنَّةً بِلَفْظٍ مُجْمَلٍ يُخَالِفُ السُّنَّةَ الْمُتَوَاتِرَةَ بِالْأَلْفَاظِ الصَّرِيحَةِ.

стр. 1926

وأمَّا قَوْلُ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ: "أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ اقْرَأ بِالْمُعَوِّذَاتِ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ" (١): فَهَذَا بَعْدَ الْخُرُوجِ مِنْهَا. وَأمَّا حَدِيثُ أَبِي أُمامة "قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَيُّ الدُّعَاءِ أَسْمَعُ؟ قَالَ: جَوْفَ اللَّيْلِ الْأَخِيرِ وَدُبُرَ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَةِ" (٢): فَهَذَا يَجِبُ أَنْ لَا يَخُصَّ مَا بَعْدَ السَّلَامِ؛ بَل لَا بُدَّ أَنْ يَتَنَاوَلَ مَا قَبْلَ السَّلَامِ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ: "لَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ أَنْ تَقُولَ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِك وَشُكْرِك وَحُسْنِ عِبَادَتِك" (٣): يَتَنَاوَلُ مَا قَبْلَ السَّلَامِ، وَيتَنَاوَلُ مَا بَعْدَهُ أَيْضًا. [٢٢/ ٤٩٩ - ٥٠١] ٢٦٣٣ - فِي "الصَّحِيحِ" عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِب قَالَ: "كُنَّا إذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَحْبَبْنَا أَنْ نَكُونَ عَن يَمِينِهِ يُقْبِلُ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ قَالَ: فَسَمِعْته يَقُولُ: رَبِّ قِنِي عَذَابَك يَوْمَ تَبْعَثُ عِبَادَك" (٤): فَهَذَا فِيهِ دُعَاؤُهُ ﷺ بِصِيغَةِ الْإِفْرَادِ، وَفِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَسْتَقْبِلُ الْمَأْمُومِينَ وَأَنَّهُ لَا يَدْعُو بِصِيغَةِ الْجَمْعِ. [٢٢/ ٥٠١] ٢٦٣٤ - التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ عَقِبَ الصَّلَاةِ مُسْتَحَبٌّ لَيْسَ بِوَاجِبِ، وَمَن أَرَادَ أَنْ يَقُومَ قَبْلَ ذَلِكَ فَلَهُ ذَلِكَ وَلَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ. وَلَكِنْ يَنْبَغِي لِلْمَأْمُومِ أَنْ لَا يَقُومَ حَتَّى يَنْصَرِفَ الْإِمَامُ؛ أَيْ: يَنْتَقِلَ عَنِ الْقِبْلَةِ، وَلَا يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْعُدَ بَعْدَ السَّلَامِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ إلَّا مِقْدَارَ مَا يَسْتَغْفِرُ ثَلَاثًا وَيَقُولُ: "اللَّهمَّ أنْتَ السَّلَامُ وَمِنْك السَّلَامُ تَبَارَكْت يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ". وَإِذَا انْتَقَلَ الْإِمَامُ: فَمَن أَرَادَ أَنْ يَقُومَ قَامَ وَمَن أَحَبَّ أَنْ يَقْعُدَ يَذْكُرُ اللهَ فَعَلَ ذَلِكَ. [٢٢/ ٥٠٥]

стр. 1927

٢٦٣٥ - عَدُّ التَّسْبِيحِ بِالْأَصَابعِ سُنَّةٌ؛ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلنِّسَاءِ: "سَبِّحْنَ وَاعْقِدْنَ بِالْأَصَابعِ فَإنَّهُنَّ مَسْؤُولَاتٌ مُسْتَنْطَقَاتٌ" (١). وَأَمَّا عَدُّهُ بِالنَّوَى وَالْحَصَى وَنَحْوُ ذَلِكَ فَحَسَنٌ، وَكَانَ مِنَ الصَّحَابَةِ ﵃ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ، وَقَد رَأَى النَّبِيُّ ﷺ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ تُسَبِّحُ بِالْحَصَى وَأَقَرَّهَا عَلَى ذَلِكَ. وَأَمَّا التَّسْبِيحُ بِمَا يُجْعَلُ فِي نِظَامٍ مِنَ الْخَرَزِ وَنَحْوِهِ: فَمِنَ النَّاسِ مَن كَرِهَهُ وَمِنْهُم مَن لَمْ يَكْرَهْهُ. وَإِذَا أُحْسِنَتْ فِيهِ النِّيَّة فَهُوَ حَسَنٌ غَيْرُ مَكرُوهٍ. وَأَمَّا اتخَاذُهُ مِن غَيْرِ حَاجَةٍ، أَو إظْهَارُهُ لِلنَّاسِ مِثْلُ تَعْلِيقِهِ فِي الْعُنُقِ أَو جَعْلِهِ كَالسُّوَارِ فِي الْيَدِ أَو نَحْوِ ذَلِكَ فَهَذَا: أ- إمَّا رِيَاءٌ لِلنَّاسِ. ب- أَو مَظِنَّةُ الْمُرَاءَاةِ وَمُشَابَهَةِ الْمُرَائينَ مِن غَيْرِ حَاجَةٍ. الْأَوَّلُ: مُحَرَّمٌ. وَالثَّاني: أَقَلُّ أَحْوَالِهِ الْكَرَاهَةُ. فَإِنَّ مُرَاءَاةَ النَّاسِ فِي الْعِبَادَاتِ الْمُخْتَصَّةِ (٢)؛ كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالذِّكْرِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ مِن أَعْظَمِ الذُّنُوبِ. وَأَمَّا الْمُرَائِي بِنَوَافِلِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالذِّكْرِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ: فَلَا يَظُنُّ الظَّانُّ أَنَّهُ يُكْتَفَى فِيهِ بِحُبُوطِ عَمَلِهِ فَقَطْ بِحَيْثُ يَكونُ لَا لَهُ وَلَا عَلَيْهِ؛ بَل هُوَ مُسْتَحِقّ لِلذَّمِّ وَالْعِقَابِ عَلَى قَصْدِهِ شُهْرَةَ عِبَادَةِ غَيْرِ اللهِ، إذ هِيَ عِبَادَاتٌ

стр. 1928

مخْتَصَّةٌ (١) وَلَا تَصِحُّ إلَّا مِن مُسْلِمٍ، وَلَا يَجُوزُ إيقَاعُهَا عَلَى غَيْرِ وَجْهِ التَّقَرُّبِ. بِخِلَافِ مَا فِيهِ نَفْعُ الْعَبْدِ كَالتَّعْلِيمِ وَالْإِمَامَةِ: فَهَذَا فِي الِاسْتِئْجَارِ عَلَيْهِ نِزَاعٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ. [٢٢/ ٥٠٦ - ٥٠٧] ٢٦٣٦ - رُوِيَ فِي قِرَاءَةِ آيَةِ الْكُرْسِيِّ عَقِيبَ الصَّلَاةِ حَدِيثٌ لَكِنَّهُ ضَعِيفٌ (٢)، وَلهَذَا لَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ مِن أَهْلِ الْكُتُبِ الْمُعْتَمَدِ عَلَيْهَا، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَثْبُتَ بِهِ حُكْمٌ شَرْعيٌّ، وَلَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ وَخُلَفَاؤُهُ يَجْهَرُونَ بَعْدَ الصَّلَاةِ بِقِرَاءَةِ آيَةِ الْكُرْسِيِّ وَلَا غَيْرِهَا مِنَ الْقُرْآنِ، فَجَهْرُ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ بِذَلِكَ وَالْمُدَاوِمَةُ عَلَيْهَا بِدْعَةٌ مَكْرُوهَةٌ بِلَا ريبٍ. [٢٢/ ٥٠٨] ٢٦٣٧ - الْأَدْعِيَةُ وَالْأَذْكَارُ النَّبَوِيَّةُ هِيَ أَفْضَلُ مَا يَتَحَرَّاهُ الْمُتَحَرِّي مِنَ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ، وَسَالِكُهَا عَلَى سَبِيلِ أَمَانٍ وَسَلَامَةٍ، وَالْفَوَائِدُ وَالنَّتَائِجُ الَّتِي تَحْصُلُ لَا يُعَبِّرُ عَنْهُ لِسَانٌ، وَلَا يُحِيطُ بِهِ إنْسَانٌ. وَلَيْسَ لِأَحَد أنْ يَسُنَّ لِلنَّاسِ نَوْعًا مِن الْأَذْكَارِ وَالْأَدْعِيَةِ غَيْرِ الْمَسْنُونِ، وَيَجْعَلَهَا عِبَادَةً رَاتِبَةً يُوَاظِبُ النَّاسُ عَلَيْهَا كَمَا يُوَاظِبُونَ عَلَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ؛ بَل هَذَا ابْتِدَاعُ دِينٍ لَمْ يَأذَنْ اللهُ بِهِ، بِخِلَافِ مَا يَدْعُو بِهِ الْمَرْءُ أحْيَانًا مِن غَيْرِ أَنْ يَجْعَلَهُ لِلنَّاسِ سُنَّةً، فَهَذَا إذَا لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ يَتَضَمَّنُ مَعْنًى مُحَرَّمًا: لَمْ يَجُزِ الْجَزْمُ بِتَحْرِيمِهِ، لَكِنْ قَد يَكُون فِيهِ ذَلِكَ وَالْإِنْسَانُ لَا يَشْعُرُ بِهِ. وَهَذَا كَمَا أَنَّ الْإِنْسَانَ عِنْدَ الضَّرُورَةِ يَدْعُو بِأَدْعِيَة تُفْتَحُ عَلَيْهِ ذَلِكَ الْوَقْتَ، فَهَذَا وَأَمْثَالُهُ قَرِيبٌ (منه) (٣).

стр. 1929

وَأَمَّا اتِّخَاذُ وِرْدٍ غَيْرِ شَرْعِيٍّ وَاسْتِنَانُ ذِكْرٍ غَيْرِ شَرْعِيٍّ: فَهَذَا مِمَّا يُنْهَى عَنْهُ. وَمَعَ هَذَا: فَفِي الْأَدْعِيَةِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْأَذْكَارِ الشَّرْعِيَّةِ غَايَةُ الْمَطَالِبِ الصَّحِيحَةِ، وَنهَايَةُ الْمَقَاصِدِ الْعَلِيَّةِ، وَلَا يَعْدِلُ عَنْهَا إلَى غَيْرِهَا مِن الْأَذْكَارِ الْمُحْدَثَةِ الْمُبْتَدَعَةِ إلَّا جَاهِلٌ أَو مُفَرِّط أَو مُتَعَدٍّ. [٢٢/ ٥١١] ٢٦٣٨ - لَو دَعَا الْإِمَامُ وَالْمَأمُومُ أَحْيَانًا عَقِيبَ الصَّلَاةِ لِأَمْر عَارِضٍ: لَمْ يُعَدَّ هَذَا مُخَالِفًا لِلسُّنَّةِ. [٢٢/ ٥١٣] ٢٦٣٩ - الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَدْعُو دُبُرَ الصَّلَاةِ قَبْلَ السَّلَامِ وَيَأمُرُ بِذَلِكَ .. ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُصَلِّيَ يُنَاجِي رَبَّهُ، فَإِذَا سَلَّمَ انْصَرَفَ عَن مُنَاجَاتِهِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ سُؤَالَ السَّائِلِ لِرَبِّهِ حَالَ مُنَاجَاتِهِ هُوَ الَّذِي يُنَاسِبُ، دُونَ سُؤَالِهِ بَعْدَ انْصِرَافِهِ، كَمَا أَنَّ مَن كَانَ يُخَاطِبُ مَلِكًا أَو غَيْرَهُ فَإِنَّ سُؤَالَهُ وَهُوَ مُقْبِلٌ عَلَى مُخَاطَبَتِهِ أَوْلَى مِن سُؤَالِهِ لَه بَعْدَ انْصِرَافِهِ. [٢٢/ ٥١٣ - ٥١٤] ٢٦٤٠ - لَفْظُ دُبُرِ الصَّلَاةِ: قَد يُرَادُ بِهِ: آخِرُ جُزْءٍ مِنَ الصَّلَاةِ، كَمَا يُرَادُ بِدُبُرِ الشَّيْءِ مُؤَخَّرُهُ، وَقَد يُرَادُ بِهِ مَا بَعْدَ انْقِضَائِهَا، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ (٤٠)﴾ [ق: ٤٠]، وَقَد يُرَادُ بِهِ مَجْمُوعُ الْأَمْرَيْنِ، وَبَعْض الْأَحَادِيثِ يُفَسِّرُ بَعْضًا لِمَن تَتَبَّعَ ذَلِكَ وَتَدَبَّرَهُ. [٢٢/ ٥١٦ - ٥١٧] ٢٦٤١ - مَا يَحْصُلُ عِنْدَ السَّمَاعِ وَالذِّكْرِ الْمَشْرُوعِ مِن وَجَلِ الْقَلْبِ وَدَمْعِ الْعَيْنِ وَاقْشِعْرَارِ الْجُسُومِ: فَهَذَا أَفْضَل الْأَحْوَالِ الَّتِي نَطَقَ بِهَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ. وَأَمَّا الِاضْطِرَابُ الشَّدِيدُ وَالْغَشْيُ وَالْمَوْتُ وَالصَّيْحَاتُ: فَهَذَا إنْ كَانَ صَاحِبُهُ مَغْلُوبًا عَلَيْهِ لَمْ يُلَمْ عَلَيْهِ؛ كَمَا قَد كَانَ يَكُونُ فِي التَّابِعِينَ وَمَن بَعْدَهُمْ؛ فَإِنَّ مَنْشَأَهُ قُوَّةُ الْوَارِدِ عَلَى الْقَلْبِ مَعَ ضَعْفِ الْقَلْبِ، وَالْقُوَّةُ وَالتَّمَكُّنُ أَفْضَلُ كَمَا هُوَ حَالُ النَّبِيِّ ﷺ وَالصَّحَابَةِ. وَأَمَّا السُّكُونُ قَسْوَةً وَجَفَاءً: فَهَذَا مَذْمُومٌ لَا خَيْرَ فِيهِ. [٢٢/ ٥٢٢]

стр. 1930

٢٦٤٢ - الحسنة الواحدة قد يقترن بها من الصدق واليقين ما يجعلها تكفر الكبائر؛ كالحديث الذي في صاحب البطاقة الذي ينشر له تسعة وتسعون سجلًّا كل سجل منها مد البصر، ويؤتى ببطاقة فيها كلمة لا إله إلا الله فتوضع البطاقة في كفة والسجلات في كفة فثقلت البطاقة وطاشت السجلات وذلك لعظم ما في قلبه من الإيمان واليقين، وإلا فلو كان كل من نطق بهذه الكلمة تكفر خطاياه لم يدخل النار من أهل الكبائر المؤمنين؛ بل والمنافقين أحد، وهذا خلاف ما تواترت به الآيات والسنن، وكذلك حديث البغي، وإلا فليس كل من سقى كلبًا عطشانًا يغفر له، كما أنه قد يقترن بالسيئة من الاستخفاف والإصرار ما يعظمها فلهذا وجب التوقف في المعين، فلا يقطع بجنة ولا نار إلا ببيان من الله، لكن يرجى للمحسن ويخاف على المسيء. [المستدرك ٣/ ٩٦] ٢٦٤٣ - المصافحة أدبار الصلوات بدعة باتفاق المسلمين، لكن عند اللقاء فيها آثار حسنة، وقد اعتقد بعضهم أنها في أدبار الصلاة تندرج في عموم الاستحباب وبعضهم أنها مباحة. والتحقيق أنها بدعة إذا فعلت على أنها عبادة، أما إذا كانت أحيانًا لكونه لقيه عقيب الصلاة -لا لأجل الصلاة- فهذا حسن كما أن الناس لو اعتادوا سلامًا غير المشروع عقيب الصلاة كره. وأما المعانقة ففي الحديث النهي عنها، ويحمل النهي على فعلها دائمًا، وأما عند اللقاء فقد جاء فيها حديث جعفر: "أن النبي ﷺ لقيه فالتزمه وقبَّل بين عينيه" (١). [المستدرك ٣/ ٩٦] ٢٦٤٤ - ما جاء في خبر ثوبان "من أن الإمام إذا خص نفسه بالدعاء فقد خان المأمومين" المراد به الدعاء الذي يُؤَمِّن المأموم عليه كدعاء القنوت. [المستدرك ٣/ ٩٧]
следующие страницы →