Полный текст (3 539 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.
стр. 1926
وأمَّا قَوْلُ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ: "أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ اقْرَأ بِالْمُعَوِّذَاتِ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ" (١) : فَهَذَا بَعْدَ الْخُرُوجِ مِنْهَا.
وَأمَّا حَدِيثُ أَبِي أُمامة "قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَيُّ الدُّعَاءِ أَسْمَعُ؟ قَالَ: جَوْفَ اللَّيْلِ الْأَخِيرِ وَدُبُرَ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَةِ" (٢) : فَهَذَا يَجِبُ أَنْ لَا يَخُصَّ مَا بَعْدَ السَّلَامِ؛ بَل لَا بُدَّ أَنْ يَتَنَاوَلَ مَا قَبْلَ السَّلَامِ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ: "لَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ أَنْ تَقُولَ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِك وَشُكْرِك وَحُسْنِ عِبَادَتِك" (٣) : يَتَنَاوَلُ مَا قَبْلَ السَّلَامِ، وَيتَنَاوَلُ مَا بَعْدَهُ أَيْضًا. [٢٢/ ٤٩٩ - ٥٠١]
٢٦٣٣ - فِي "الصَّحِيحِ" عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِب قَالَ: "كُنَّا إذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَحْبَبْنَا أَنْ نَكُونَ عَن يَمِينِهِ يُقْبِلُ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ قَالَ: فَسَمِعْته يَقُولُ: رَبِّ قِنِي عَذَابَك يَوْمَ تَبْعَثُ عِبَادَك" (٤) : فَهَذَا فِيهِ دُعَاؤُهُ ﷺ بِصِيغَةِ الْإِفْرَادِ، وَفِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَسْتَقْبِلُ الْمَأْمُومِينَ وَأَنَّهُ لَا يَدْعُو بِصِيغَةِ الْجَمْعِ. [٢٢/ ٥٠١]
٢٦٣٤ - التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ عَقِبَ الصَّلَاةِ مُسْتَحَبٌّ لَيْسَ بِوَاجِبِ، وَمَن أَرَادَ أَنْ يَقُومَ قَبْلَ ذَلِكَ فَلَهُ ذَلِكَ وَلَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ.
وَلَكِنْ يَنْبَغِي لِلْمَأْمُومِ أَنْ لَا يَقُومَ حَتَّى يَنْصَرِفَ الْإِمَامُ؛ أَيْ: يَنْتَقِلَ عَنِ الْقِبْلَةِ، وَلَا يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْعُدَ بَعْدَ السَّلَامِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ إلَّا مِقْدَارَ مَا يَسْتَغْفِرُ ثَلَاثًا وَيَقُولُ: "اللَّهمَّ أنْتَ السَّلَامُ وَمِنْك السَّلَامُ تَبَارَكْت يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ".
وَإِذَا انْتَقَلَ الْإِمَامُ: فَمَن أَرَادَ أَنْ يَقُومَ قَامَ وَمَن أَحَبَّ أَنْ يَقْعُدَ يَذْكُرُ اللهَ فَعَلَ ذَلِكَ. [٢٢/ ٥٠٥] الحواشي
(١) رواه أبو داود(١٥٢٣) ، والترمذي(٢٩٠٣) ، وصحَّحه الألباني في صحيح أبي داود(١٥٢٣) .(٢) رواه الترمذي(٣٤٩٩) ، وحسَّنه الألباني في صحيح الترمذي(٣٤٩٩) .(٣) رواه أبو داود(١٥٢٢) ، وصحَّحه الألباني في صحيح أبي داود(١٥٢٢) .(٤) رواه مسلم(٧٠٩) .стр. 1927
٢٦٣٥ - عَدُّ التَّسْبِيحِ بِالْأَصَابعِ سُنَّةٌ؛ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلنِّسَاءِ: "سَبِّحْنَ وَاعْقِدْنَ بِالْأَصَابعِ فَإنَّهُنَّ مَسْؤُولَاتٌ مُسْتَنْطَقَاتٌ" (١) .
وَأَمَّا عَدُّهُ بِالنَّوَى وَالْحَصَى وَنَحْوُ ذَلِكَ فَحَسَنٌ، وَكَانَ مِنَ الصَّحَابَةِ ﵃ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ، وَقَد رَأَى النَّبِيُّ ﷺ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ تُسَبِّحُ بِالْحَصَى وَأَقَرَّهَا عَلَى ذَلِكَ.
وَأَمَّا التَّسْبِيحُ بِمَا يُجْعَلُ فِي نِظَامٍ مِنَ الْخَرَزِ وَنَحْوِهِ: فَمِنَ النَّاسِ مَن كَرِهَهُ وَمِنْهُم مَن لَمْ يَكْرَهْهُ.
وَإِذَا أُحْسِنَتْ فِيهِ النِّيَّة فَهُوَ حَسَنٌ غَيْرُ مَكرُوهٍ.
وَأَمَّا اتخَاذُهُ مِن غَيْرِ حَاجَةٍ، أَو إظْهَارُهُ لِلنَّاسِ مِثْلُ تَعْلِيقِهِ فِي الْعُنُقِ أَو جَعْلِهِ كَالسُّوَارِ فِي الْيَدِ أَو نَحْوِ ذَلِكَ فَهَذَا:
أ- إمَّا رِيَاءٌ لِلنَّاسِ.
ب- أَو مَظِنَّةُ الْمُرَاءَاةِ وَمُشَابَهَةِ الْمُرَائينَ مِن غَيْرِ حَاجَةٍ.
الْأَوَّلُ: مُحَرَّمٌ.
وَالثَّاني: أَقَلُّ أَحْوَالِهِ الْكَرَاهَةُ.
فَإِنَّ مُرَاءَاةَ النَّاسِ فِي الْعِبَادَاتِ الْمُخْتَصَّةِ (٢) ؛ كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالذِّكْرِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ مِن أَعْظَمِ الذُّنُوبِ.
وَأَمَّا الْمُرَائِي بِنَوَافِلِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالذِّكْرِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ: فَلَا يَظُنُّ الظَّانُّ أَنَّهُ يُكْتَفَى فِيهِ بِحُبُوطِ عَمَلِهِ فَقَطْ بِحَيْثُ يَكونُ لَا لَهُ وَلَا عَلَيْهِ؛ بَل هُوَ مُسْتَحِقّ لِلذَّمِّ وَالْعِقَابِ عَلَى قَصْدِهِ شُهْرَةَ عِبَادَةِ غَيْرِ اللهِ، إذ هِيَ عِبَادَاتٌ الحواشي
(١) رواه الترمذي(٣٥٨٣) ، وقال الألباني في صحيح الترمذي: حسن صحيح.(٢) لعل الصواب؛ (المحضة)، ولا معنى لكلمة: (مختصة)، بل المشهور من كلام الشيخ وغيره من العلماء إطلاق عبارة: "محضة وغير محضة" للعبادات والمصالح والمفاسد ونحوها، وقد أطلقها في مواضع لا تُحصى، ولم أر الشيخ استعمل "مختصة" في مثل ذلك.стр. 1928
مخْتَصَّةٌ (١) وَلَا تَصِحُّ إلَّا مِن مُسْلِمٍ، وَلَا يَجُوزُ إيقَاعُهَا عَلَى غَيْرِ وَجْهِ التَّقَرُّبِ.
بِخِلَافِ مَا فِيهِ نَفْعُ الْعَبْدِ كَالتَّعْلِيمِ وَالْإِمَامَةِ: فَهَذَا فِي الِاسْتِئْجَارِ عَلَيْهِ نِزَاعٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ. [٢٢/ ٥٠٦ - ٥٠٧]
٢٦٣٦ - رُوِيَ فِي قِرَاءَةِ آيَةِ الْكُرْسِيِّ عَقِيبَ الصَّلَاةِ حَدِيثٌ لَكِنَّهُ ضَعِيفٌ (٢) ، وَلهَذَا لَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ مِن أَهْلِ الْكُتُبِ الْمُعْتَمَدِ عَلَيْهَا، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَثْبُتَ بِهِ حُكْمٌ شَرْعيٌّ، وَلَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ وَخُلَفَاؤُهُ يَجْهَرُونَ بَعْدَ الصَّلَاةِ بِقِرَاءَةِ آيَةِ الْكُرْسِيِّ وَلَا غَيْرِهَا مِنَ الْقُرْآنِ، فَجَهْرُ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ بِذَلِكَ وَالْمُدَاوِمَةُ عَلَيْهَا بِدْعَةٌ مَكْرُوهَةٌ بِلَا ريبٍ. [٢٢/ ٥٠٨]
٢٦٣٧ - الْأَدْعِيَةُ وَالْأَذْكَارُ النَّبَوِيَّةُ هِيَ أَفْضَلُ مَا يَتَحَرَّاهُ الْمُتَحَرِّي مِنَ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ، وَسَالِكُهَا عَلَى سَبِيلِ أَمَانٍ وَسَلَامَةٍ، وَالْفَوَائِدُ وَالنَّتَائِجُ الَّتِي تَحْصُلُ لَا يُعَبِّرُ عَنْهُ لِسَانٌ، وَلَا يُحِيطُ بِهِ إنْسَانٌ.
وَلَيْسَ لِأَحَد أنْ يَسُنَّ لِلنَّاسِ نَوْعًا مِن الْأَذْكَارِ وَالْأَدْعِيَةِ غَيْرِ الْمَسْنُونِ، وَيَجْعَلَهَا عِبَادَةً رَاتِبَةً يُوَاظِبُ النَّاسُ عَلَيْهَا كَمَا يُوَاظِبُونَ عَلَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ؛ بَل هَذَا ابْتِدَاعُ دِينٍ لَمْ يَأذَنْ اللهُ بِهِ، بِخِلَافِ مَا يَدْعُو بِهِ الْمَرْءُ أحْيَانًا مِن غَيْرِ أَنْ يَجْعَلَهُ لِلنَّاسِ سُنَّةً، فَهَذَا إذَا لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ يَتَضَمَّنُ مَعْنًى مُحَرَّمًا: لَمْ يَجُزِ الْجَزْمُ بِتَحْرِيمِهِ، لَكِنْ قَد يَكُون فِيهِ ذَلِكَ وَالْإِنْسَانُ لَا يَشْعُرُ بِهِ.
وَهَذَا كَمَا أَنَّ الْإِنْسَانَ عِنْدَ الضَّرُورَةِ يَدْعُو بِأَدْعِيَة تُفْتَحُ عَلَيْهِ ذَلِكَ الْوَقْتَ، فَهَذَا وَأَمْثَالُهُ قَرِيبٌ (منه) (٣) . الحواشي
(١) تقدم أن الذي يظهر أنها: محضة.(٢) وقال في (٢/ ٥١٦): وأما قراءة آية الكرسي فقد رويث بإسناد لا يمكن أن يثبت به سنة. اهـ.
قال ابن القيِّم ﵀ في زاد المعاد (١/ ٢٩٤): بلغني عن شيخنا أي العباس ابن تيمية قدس الله روحه أنه قال: ما تركتها عقيب كل صلاة.(٣) لعله بهذه الإضافة يتم المعنى، وأي: فَهَذَا المضطر وَأَمْثَالُهُ قَرِيبٌ ممن يَدْعُو أَحْيَانًا فيُفتح له.стр. 1929
وَأَمَّا اتِّخَاذُ وِرْدٍ غَيْرِ شَرْعِيٍّ وَاسْتِنَانُ ذِكْرٍ غَيْرِ شَرْعِيٍّ: فَهَذَا مِمَّا يُنْهَى عَنْهُ.
وَمَعَ هَذَا: فَفِي الْأَدْعِيَةِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْأَذْكَارِ الشَّرْعِيَّةِ غَايَةُ الْمَطَالِبِ الصَّحِيحَةِ، وَنهَايَةُ الْمَقَاصِدِ الْعَلِيَّةِ، وَلَا يَعْدِلُ عَنْهَا إلَى غَيْرِهَا مِن الْأَذْكَارِ الْمُحْدَثَةِ الْمُبْتَدَعَةِ إلَّا جَاهِلٌ أَو مُفَرِّط أَو مُتَعَدٍّ. [٢٢/ ٥١١]
٢٦٣٨ - لَو دَعَا الْإِمَامُ وَالْمَأمُومُ أَحْيَانًا عَقِيبَ الصَّلَاةِ لِأَمْر عَارِضٍ: لَمْ يُعَدَّ هَذَا مُخَالِفًا لِلسُّنَّةِ. [٢٢/ ٥١٣]
٢٦٣٩ - الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَدْعُو دُبُرَ الصَّلَاةِ قَبْلَ السَّلَامِ وَيَأمُرُ بِذَلِكَ .. ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُصَلِّيَ يُنَاجِي رَبَّهُ، فَإِذَا سَلَّمَ انْصَرَفَ عَن مُنَاجَاتِهِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ سُؤَالَ السَّائِلِ لِرَبِّهِ حَالَ مُنَاجَاتِهِ هُوَ الَّذِي يُنَاسِبُ، دُونَ سُؤَالِهِ بَعْدَ انْصِرَافِهِ، كَمَا أَنَّ مَن كَانَ يُخَاطِبُ مَلِكًا أَو غَيْرَهُ فَإِنَّ سُؤَالَهُ وَهُوَ مُقْبِلٌ عَلَى مُخَاطَبَتِهِ أَوْلَى مِن سُؤَالِهِ لَه بَعْدَ انْصِرَافِهِ. [٢٢/ ٥١٣ - ٥١٤]
٢٦٤٠ - لَفْظُ دُبُرِ الصَّلَاةِ: قَد يُرَادُ بِهِ: آخِرُ جُزْءٍ مِنَ الصَّلَاةِ، كَمَا يُرَادُ بِدُبُرِ الشَّيْءِ مُؤَخَّرُهُ، وَقَد يُرَادُ بِهِ مَا بَعْدَ انْقِضَائِهَا، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ (٤٠) ﴾ [ق: ٤٠]، وَقَد يُرَادُ بِهِ مَجْمُوعُ الْأَمْرَيْنِ، وَبَعْض الْأَحَادِيثِ يُفَسِّرُ بَعْضًا لِمَن تَتَبَّعَ ذَلِكَ وَتَدَبَّرَهُ. [٢٢/ ٥١٦ - ٥١٧]
٢٦٤١ - مَا يَحْصُلُ عِنْدَ السَّمَاعِ وَالذِّكْرِ الْمَشْرُوعِ مِن وَجَلِ الْقَلْبِ وَدَمْعِ الْعَيْنِ وَاقْشِعْرَارِ الْجُسُومِ: فَهَذَا أَفْضَل الْأَحْوَالِ الَّتِي نَطَقَ بِهَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ.
وَأَمَّا الِاضْطِرَابُ الشَّدِيدُ وَالْغَشْيُ وَالْمَوْتُ وَالصَّيْحَاتُ: فَهَذَا إنْ كَانَ صَاحِبُهُ مَغْلُوبًا عَلَيْهِ لَمْ يُلَمْ عَلَيْهِ؛ كَمَا قَد كَانَ يَكُونُ فِي التَّابِعِينَ وَمَن بَعْدَهُمْ؛ فَإِنَّ مَنْشَأَهُ قُوَّةُ الْوَارِدِ عَلَى الْقَلْبِ مَعَ ضَعْفِ الْقَلْبِ، وَالْقُوَّةُ وَالتَّمَكُّنُ أَفْضَلُ كَمَا هُوَ حَالُ النَّبِيِّ ﷺ وَالصَّحَابَةِ.
وَأَمَّا السُّكُونُ قَسْوَةً وَجَفَاءً: فَهَذَا مَذْمُومٌ لَا خَيْرَ فِيهِ. [٢٢/ ٥٢٢]
стр. 1930
٢٦٤٢ - الحسنة الواحدة قد يقترن بها من الصدق واليقين ما يجعلها تكفر الكبائر؛ كالحديث الذي في صاحب البطاقة الذي ينشر له تسعة وتسعون سجلًّا كل سجل منها مد البصر، ويؤتى ببطاقة فيها كلمة لا إله إلا الله فتوضع البطاقة في كفة والسجلات في كفة فثقلت البطاقة وطاشت السجلات وذلك لعظم ما في قلبه من الإيمان واليقين، وإلا فلو كان كل من نطق بهذه الكلمة تكفر خطاياه لم يدخل النار من أهل الكبائر المؤمنين؛ بل والمنافقين أحد، وهذا خلاف ما تواترت به الآيات والسنن، وكذلك حديث البغي، وإلا فليس كل من سقى كلبًا عطشانًا يغفر له، كما أنه قد يقترن بالسيئة من الاستخفاف والإصرار ما يعظمها فلهذا وجب التوقف في المعين، فلا يقطع بجنة ولا نار إلا ببيان من الله، لكن يرجى للمحسن ويخاف على المسيء. [المستدرك ٣/ ٩٦]
٢٦٤٣ - المصافحة أدبار الصلوات بدعة باتفاق المسلمين، لكن عند اللقاء فيها آثار حسنة، وقد اعتقد بعضهم أنها في أدبار الصلاة تندرج في عموم الاستحباب وبعضهم أنها مباحة.
والتحقيق أنها بدعة إذا فعلت على أنها عبادة، أما إذا كانت أحيانًا لكونه لقيه عقيب الصلاة -لا لأجل الصلاة- فهذا حسن كما أن الناس لو اعتادوا سلامًا غير المشروع عقيب الصلاة كره.
وأما المعانقة ففي الحديث النهي عنها، ويحمل النهي على فعلها دائمًا، وأما عند اللقاء فقد جاء فيها حديث جعفر: "أن النبي ﷺ لقيه فالتزمه وقبَّل بين عينيه" (١) . [المستدرك ٣/ ٩٦]
٢٦٤٤ - ما جاء في خبر ثوبان "من أن الإمام إذا خص نفسه بالدعاء فقد خان المأمومين" المراد به الدعاء الذي يُؤَمِّن المأموم عليه كدعاء القنوت. [المستدرك ٣/ ٩٧] الحواشي
(١) رواه أبو داود(٥٢٢٠) ، وقال الألباني في صحيح أبي داود: إسناد جيد مرسل، وهو صحيح بشواهده.стр. 1931
٢٦٤٥ - يحرم الاعتداء في الدعاء لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥) ﴾ [الأعراف: ٥٥] والاعتداء قد يكون في نفس الطلب، وقد يكون في نفس المطلوب. [المستدرك ٣/ ٩٨]
٢٦٤٦ - يكره رفع بصره إلى السماء في الدعاء (١) ذكره في الغنية من الأدب، وهو قول شريح وآخرين، واختاره شيخنا؛ لفعله ﵇، قال شيخنا: وما علمتُ أحدًا استحبه. [المستدرك ٣/ ٩٨]
٢٦٤٧ - في النسائي الكبير عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : "من قرأ آية الكرسي عقب كل صلاة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت" (٢) وبلغني عن شيخ الإسلام ابن تيمية قال: ما تركته عقيب كل صلاة إلا نسيانًا أو نحوه. [المستدرك ٣/ ٩٨]
٢٦٤٨ - لا يستحب الدعاء عقب الصلوات (٣) لغير عارض؛ كالاستسقاء أو تعليم المأموم، ولم يستحبه الأئمة الأربعة. [المستدرك ٣/ ٩٨]
٢٦٤٩ - يُسَنُّ للداعي رفع يديه والابتداء بحمد الله والثناء عليه والصلاة على النبي ﷺ وأن يختمه بذلك كله وبالتأمين. [المستدرك ٣/ ٩٨]
* * *
(بَاب مَا يُكْرهُ فِي الصَّلَاةِ)
٢٦٥٠ - النَّبِيِّ ﷺ أَمَرَ الْمُسِيءَ فِي صَلَاتِهِ بِأَنْ يُعِيدَ الصَّلَاةَ، وَأمْرُ اللهِ وَرَسُولِهِ إذَا أُطْلِقَ كَانَ مُقْتَضَاهُ الْوُجُوبَ، وَامَرَهُ إذَا قَامَ إلَى الصَّلَاةِ بِالطُّمَأْنِينَةِ كَمَا أمَرَهُ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ. الحواشي
(١) في غير الصلاة، وأما في الصلاة فمحرم بالنص الصريح الصحيح.(٢) قال السيوطي في النكت على الموضوعات(٥٧) : صحيح على شرط البخاري.(٣) وقد خالف كثير من الناس هذا، فتجدهم لا يتركون الدعاء عقب الصلوات، حتى أصبح عادة، وبعضهم لا يدعو بإخلاص وصدق، بل ربما تثاءب أثناء الدعاء، وبعضهم يكرر دعاءً مُعيَّنًا لا يكاد يأتي بغيرِه!стр. 1932
وَأَمْرُهُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْإِيجَابِ.
وَأَيْضًا قَالَ لَهُ: "فَإنَّك لَمْ تُصَلِّ" فَنَفَى أَنْ يَكُونَ عَمَلُهُ الْأَوَّلُ صَلَاةً، وَالْعَمَلُ لَا يَكُونُ مَنْفِيًّا إلَّا إذَا انْتَفَى شَيءٌ مِن وَاجِبَاتِهِ.
فَأَمَّا إذَا فَعلَ كَمَا أَوْجَبَهُ اللهُ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ نَفْيُهُ لِانْتِفَاءِ شَيءٍ مِن الْمُسْتَحَبَّاتِ الَّتِي لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ.
وَأَمَّا مَا يَقُولُهُ بَعْضُ النَّاسِ: إنَّ هَذَا نَفْيٌ لِلْكَمَالِ.
فَيُقَالُ لَهُ: نَعَمْ هُوَ لِنَفْيِ الْكَمَالِ، لَكنْ لِنَفْيِ كَمَالِ الْوَاجِبَاتِ أَو لِنَفْي كَمَالِ الْمُسْتَحَبَّاتِ؟
فَأَمَّا الْأوَّلُ فَحَقٌّ، وَأَمَّا الثَّانِي: فَبَاطِلٌ، لَا يُوجَدُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي كَلَامِ اللهِ ، وَلَا فِي كَلَامِ رَسُولِهِ قَطُّ وَلَيْسَ بِحَقّ.
فَإِنَّ الشَّيْءَ إذَا كَمُلَتْ وَاجِبَاتُهُ فَكَيْفَ يَصِحّ نَفْيُهُ؟
وَلهَذَا يُؤْمَرُ مِثْلُ هَذَا الْمُسِيءِ بِالْإِعَادَةِ، كَمَا أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ هَذَا.
لَكِنْ لَو لَمْ يُعِدْ وَفَعَلَهَا نَاقِصَةً فَهَل يُقَالُ: إنَّ وُجُودَهَا كَعَدَمِهَا، بِحَيْثُ يُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهَا؟
أَو يُقَالُ: إنَّهُ يُثَابُ عَلَى مَا فَعَلَهُ وَيُعَاقَبُ عَلَى مَا تَرَكَهُ، بِحَيْثُ يَجْبُرُ مَا تَرَكَهُ مِن الْوَاجِبَاتِ بِمَا فَعَلَهُ مِن التَّطَوُّعِ؟
هَذَا فِيهِ نِزَاعٌ، وَالثَّانِي أَظْهَرُ؛ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَه عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ النَّاسُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِن أَعْمَالِهِمْ الصَّلَاةُ، قَالَ: يَقُولُ رَبّنَا لِمَلَائِكَتِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ: اُنْظُرُوا في صَلَاةِ عَبْدِي أتمَّهَا أَمْ نَقَصَهَا؛ فَإِنْ كَانَت تَامَّة كُتِبَتْ لَهُ تَامَّة، وَإِن كَانَ انْتَقَصَ مِنْهَا شَيْئًا قَالَ: اُنْظُرُوا هَل لِعَبْدِي مِن تَطَوُّعٍ؟ فَإِنْ كَانَ لَهُ تَطَوُّعٌ قَالَ: أَتِمُّوهَا مِن تَطَوُّعِهِ ثُمَّ تُؤْخَذُ الْأَعْمَالُ عَلَى ذَلِكُمْ" (١) . الحواشي
(١) صحَّحه الألباني في صحيح أبي داود(٨١٠) .стр. 1933
وَفِي لَفْظٍ: "إنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِن عَمَلِهِ صَلَاتُهُ، فَإِنْ صَلُحَتْ فَقَد أفْلَحَ وَأَنْجَحَ، وَإِن فَسَدَتْ فَقَد خَابَ وَخَسِرَ، فَإِن انْتَقَصَ مِن فَرِيضَتِهِ شَيْئًا قَالَ الرَّبُّ: اُنْظُرُوا هَل لِعَبْدِي مَن تَطَوُّعٍ؟ فَكَمُلَ بِهِ مَا انْتَقَصَ مِن الْفَرِيضَةِ، ثُمَّ يَكُون سَائِرُ أَعْمَالِهِ عَلَى هَذَا"، رَوَاة التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيث حَسَنٌ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ اللهَ أَمَرَنَا بِإِقَامَتِهَا، وَالْإِقَامَةُ: أَنْ تُجْعَلَ قَائِمَةً، وَالشَّيْءُ الْقَائِمُ: هُوَ الْمُسْتَقِيمُ الْمُعْتَدِلُ، فَلَا بُدَّ أَنْ تَكونَ أَفْعَالُ الصَّلَاةِ مُسْتَقِرَّةً مُعْتَدِلَةً، وَذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ بِثُبُوتِ أَبْعَاضِهَا وَاسْتِقْرَارِهَا، وَهَذَا يَتَضَمَّنُ الطمَأْنِينَةَ، فَإِنَّ مَن نَقَرَ نَقْرَ الْغُرَابِ: لَمْ يُقِم السُّجُودَ وَلَا يُتِمُّ سُجُودَهُ إذَا لَمْ يَثْبُتْ وَلَمْ يَسْتَقِرَّ، وَكَذَلِكَ الرَّاكِعُ.
يُبَيِّنُ ذَلِكَ: مَا جَاءَ فِي "الصَّحِيحَيْنِ" عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "سَوُّوا صُفُوفَكُمْ فَإِنّ تَسْوَيةَ الصَّفِّ مِن تَمَامِ الصَّلَاةِ" (١) . وَفِي لَفْظٍ: "أَقِيمُوا الصُّفُوفَ".
فَإِذَا كَانَ تَقْوِيمُ الصَّفِّ وَتَعْدِيلُهُ مِن تَمَامِهَا وَإِقَامَتِهَا بِحَيْثُ لَو خَرَجُوا عَن الِاسْتِوَاءِ وَالِاعْتِدَالِ بِالْكُلِّيَّةِ حَتَّى يَكُونَ رَأسُ هَذَا عِنْدَ النِّصْفِ الْأسْفَلِ مِن هَذَا: لَمْ يَكُونوا مُصْطَفِّينَ، وَلَكَانُوا يُؤْمَرُونَ بِالْإِعَادَةِ.
فَكَيْفَ بِتَقْوِيمِ أَفْعَالِهَا وَتَعْدِيلِهَا؛ بِحَيْثُ لَا يُقِيمُ صُلْبَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ؟
وَأَيْضًا: فَإِنَّ اللهَ ذَمَّ عُمُومَ الْإِنْسَانِ، وَاسْتَثْنَى الْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُم عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (٢٣) ﴾ [المعارج: ١٩ - ٢٣]، وَالسَّلَفُ مِن الصَّحَابَةِ وَمَن بَعْدَهُم قَد فَسَّرُوا الدَّائِمَ عَلَى الصَّلَاةِ بِالْمُحَافَظِ عَلَى أَوْقَاتِهَا وَبِالدَّائِمِ عَلَى أَفْعَالِهَا بِالْإِقْبَالِ عَلَيْهَا، وَالْآيَةُ تَعُمُّ هَذَا وَهَذَا. الحواشي
(١) رواه البخاري(٧٢٣) ، ومسلم(٤٣٣) .стр. 1934
وَأَيْضًا: فَقَد قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥) ﴾ [البقرة: ٤٥]، وَهَذَا يَقْتَضِي ذَمَّ غَيْرِ الْخَاشِعِينَ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٤٣].
فَقَد دَلَّ كِتَابُ اللهِ عَلَى مَن كَبُرَ عَلَيْهِ مَا يُحِبُّهُ اللهُ: أنَّه (١) مَذْمُومٌ بِذَلِكَ فِي الدِّينِ، مَسْخُوطٌ مِنْهُ ذَلِكَ.
وَالذَّمُّ أَو السُّخْطُ لَا يَكُونُ إلَّا لِتَرْكِ وَاجِبٍ أَو فِعْلِ مُحَرَّمٍ، وَإِذَا كَانَ غَيْرُ الْخَاشِعِينَ مَذْمُومِينَ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى وُجُوبِ الْخُشُوعِ.
فَمِن الْمَعْلُومِ أَنَّ الْخُشُوعَ الْمَذْكُورَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥) ﴾: لَا بُدَّ أَنْ يَتَضَمَّنَ الْخشُوعَ فِي الصَّلَاةِ.
ويُدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْخُشُوعِ فِيهَا أَيْضًا قَوْله تَعَالَى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) ﴾ [المؤمنون: ١، ٢] .. وَقَد دَلَّ هَذَا عَلَى وُجُوبِ هَذِهِ الْخِصَالِ؛ إذ لَو كَانَ فِيهَا مَا هُوَ مُسْتَحَبٌّ لَكَانَت جَنَّةُ الْفِرْدَوْسِ تُورَثُ بِدُونِهَا؛ لِأَنَّ الْجَنَّةَ تُنَالُ بِفِعْلِ الْوَاجِبَاتِ دُونَ الْمُسْتَحَبَّات.
وَلهَذَا لَمْ يَذْكُرْ فِي هَذِهِ الْخِصَالِ إلَّا مَا هُوَ وَاجِبٌ.
وإِذَا كَانَ الْخُشُوعُ فِي الصَّلَاةِ وَاجِبًا فَالْخُشُوعُ يَتَضَمَّنُ السَّكِينَةَ وَالتَّوَاضُعَ جَمِيعًا، وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ ﵁ حَيْثُ رَأَى رَجُلًا يَعْبَثُ فِي صَلَاتِهِ، فَقَالَ: "لَو خَشَعَ قَلْبُ هَذَا لَخَشَعَتْ جَوَارِحُهُ" (٢) ؛ أَيْ: لَسَكَنَتْ وَخَضَعَتْ.
وَلهَذَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ فِي حَالِ رُكُوعِهِ: "اللُّهُمَّ لَك رَكعْت وَبِك الحواشي
(١) في الأصل وجميع النسخ التي وقفتُ عليها: "وَأنَّهُ" بالعطف، ولا يظهر صواب الجملة واستقامتها بالواو. والله أعلم.(٢) قال الألبانيّ ﵀: لا يصح لا مرفوعًا ولا موقوفًا، والمرفوع أشد ضعفًا، بل هو موضوع. اهـ. إرواء الغليل (٢/ ٩٣).стр. 1935
آمَنْت وَلَك أَسْلَمْت، خَشَعَ لَك سَمْعِي وَبَصَرِي وَمُخِّي وَعَقْلِي وَعَصَبِي". رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي "صَحِيحِهِ".
فَوَصَفَ نَفْسَهُ بِالْخشُوعِ فِي حَالِ الرُّكُوعِ؛ لِأَنَّ الرَّاكِعَ سَاكِنٌ مُتَوَاضِعٌ، وَبِذَلِكَ فُسِّرَت الْآيَةُ.
وإِذَا كَانَ الْخُشُوعُ فِي الصَّلَاةِ وَاجِبًا وَهُوَ مُتَضَمِّن لِلسُّكُونِ: فَمَن نَقَرَ نَقْرَ الْغُرَابِ لَمْ يَخْشَعْ فِي سُجُودِهِ، وَكَذَلِكَ مَن لَمْ يَرْفَعْ رَأسَهُ مِن الرُّكُوعِ وَيَسْتَقِرَّ قَبْلَ أَنْ يَنْخَفِضَ لَمْ يَسْكُنْ؛ لِأَنَّ السُّكُونَ هُوَ الطُّمَأْنينَةُ بِعَيْنِهَا.
فَمَن لَمْ يَطْمَئِنَّ لَمْ يَسْكُنْ، وَمَن لَمْ يَسْكُنْ لَمْ يَخْشَعْ فِي رُكُوعِهِ وَلَا فِي سُجُودِهِ، وَمَن لَمْ يَخْشَعْ: كَانَ آثِمًا عَاصِيًا، وَهُوَ الَّذِي بَيَّنَّاهُ (١) .
فَإِنَّ السُّكُونَ فِيهَا يَكُونُ بِحَرَكَةٍ مُعْتَدِلَةٍ لَا سَرِيعَةٍ، كَمَا أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْمَشْي إلَيْهَا وَهِيَ حَرَكَة إلَيْهَا، فَكيْفَ بِالْحَرَكَةِ فِيهَا؛ فَقَالَ: "إذَا أتيْتُمْ الصَّلَاةَ فَلَا تَأْتَوهَا تَسْعَوْنَ وائتوها وَعَلَيْكُم السَّكِينَةُ فَمَا أَدْرَكتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا".
فَإِذَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَد أَمَرَ بِالسَّكِينَةِ حَالَ الذَّهَابِ إلَى الصَّلَاةِ، وَنَهَى عَن السَّعْيِ الَّذِي هُوَ إسرَاعٌ فِي ذَلِكَ لِكَوْنِهِ سَبَبًا لِلصَّلَاةِ: فَالصَّلَاةُ أُحَقُّ أنْ يُؤْمَرَ فِيهَا بِالسَّكِينَةِ وَيُنْهَى فِيهَا عَن الِاسْتِعْجَالِ.
فَإِنَّ هَذِهِ الْأَدِلَّةَ تَقْتَضِي السَّكّينَةَ فِي الِانْتِقَالِ؛ كَالرَّفْعِ وَالْخَفْضِ الحواشي
(١) واضح من كلام الشيخ أنه يرى وجوب الخشوع في الصلاة.
وقد سبق كلام الشيخ عن الخشوع حيث قال: الْخُشُوعُ يَتَضَمَّنُ مَعْنيَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: التَّوَاضُعُ وَالذُّلُّ.
وَالثَّانِي: السُّكُونُ وَالطُّمَأنِينَةُ، وَذَلِكَ مُسْتَلْزِمٌ لِلِينِ الْقَلْبِ الْمُنَافِي لِلْقَسْوَةِ، فَخُشُوعُ الْقَلْبِ يَتَضَمَّنُ عُبُودِيَّتَهُ لِلَّهِ وَطُمَأنِينتهُ أيْضًا.
وَلهَذَا كَانَ الْخُشُوعُ فِي الصَّلَاةِ يَتَضَمَّنُ هَذَا وَهَذَا: التَّواضُعَ وَالسُّكُونَ. (٧/ ٢٨).стр. 1936
وَالنُّهُوضِ وَالِانْحِطَاطِ، وَأَمَّا نَفْسُ الْأَفْعَالِ الَّتِي هِيَ الْمَقْصُودُ بِالِانْتِقَالِ؛ كَالرُّكُوعِ نَفْسِهِ، وَالسُّجُودِ نَفْسِهِ، وَالْقِيَامِ وَالْقعُودِ أَنْفُسِهِمَا -وَهَذِهِ هِيَ مِن نَفْسِهَا سُكُونٌ- فَمَن لَمْ يَسْكُنْ فِيهَا لَمْ يَأْتِ بِهَا، وَإِنَّمَا هُوَ بِمَنْزِلَةِ مَن أَهْوَى إلَى الْقُعُودِ وَلَمْ يَأْتِ بِهِ، وكَمَنْ (١) مَدَّ يَدَهُ إلَى الطَّعَامِ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ، أَو وَضَعَهُ عَلَى فِيهِ وَلَمْ يَطْعَمْهُ.
وَأَيْضًا: فَإِن الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ لَا يَكُونُ إلَّا إذَا سَكَنَ حِينَ انْحِنَائِهِ وَحِينَ وَضْعِ وَجْهِهِ عَلَى الْأرْضِ، فَأَمَّا مُجَرَّد الْخَفْضِ وَالرَّفْعِ عَنْهُ: فَلَا يُسَمَّى ذَلِكَ رُكُوعًا وَلَا سُجُودًا، وَمَن سَمَّاهُ رُكُوعًا وَسُجُودًا فَقَد غلِطَ عَلَى اللُّغَةِ. [٢٢/ ٥٢٩ - ٥٦٥]
٢٦٥١ - إِنَّ الصَّلَاةَ قُوتُ الْقُلُوبِ كَمَا أَنَّ الْغِذَاءَ قُوتُ الْجَسَدِ، فَإِذَا كَانَ الْجَسَدُ لَا يَتَغَذَّى بِالْيَسِيرِ مِن الْأَكْلِ؛ فَالْقَلْبُ لَا يَقْتَاتُ بِالنَّقْرِ فِي الصَّلَاةِ؛ بَل لَا بُدَّ مِن صَلَاةٍ تَامَّةٍ تُقِيتُ الْقُلُوبَ. [٢٢/ ٥٣٨]
٢٦٥٢ - الْوَسْوَاسُ لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ إذَا كَانَ قَلِيلًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ بَل يَنْقُصُ الأجْرُ.
وَأَمَّا الْوَسْوَاسُ الَّذِي يَكُونُ غَالِبًا عَلَى الصَّلَاةِ فَقَد قَالَ طَائِفَةٌ- مِنْهُم أبُو عَبْدِ اللهِ بْنُ حَامِدٍ وَأَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِي- وَغَيْرُهُمَا: أَنَّهُ يُوجِبُ الْإِعَادةَ.
وَلَا رَيْبَ أنَّ الْوَسْوَاسَ كُلَّمَا قَلَّ فِي الصَّلَاةِ كَانَ أَكْمَلَ؛ كَمَا فِي "الصَّحِيحَيْنِ" مِن حَدِيثِ عُثْمَانَ ﵁ عَن النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قَالَ: "إنَّ مَن تَوَضَّأَ نَحْو وُضُوئي هَذَا ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَمْ يُحَدِّثْ فِيهِمَا نَفْسَهُ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ" (٢) .
وَاَلَّذِي يُعِينُ عَلَى ذَلِكَ شَيْئَانِ: الحواشي
(١) في الأصل: (كمَنْ) بدون واو العطف، ولعل الأصوب وضعها لتستقيم الجملة.(٢) رواه البخاري(١٩٣٤) ، ومسلم(٢٢٦) .стр. 1937
أ- قُوَّةُ الْمُقْتَضِي.
ب- وَضَعْفُ الشَّاغِلِ.
أمّا الْأَوَّلُ: فَاجْتِهَادُ الْعَبْدِ فِي أَنْ يَعْقِلَ مَا يَقُوُلهُ ويفْعَلُهُ، وَيَتَدَبَّرُ الْقِرَاءَةَ وَالذِّكْرَ وَالدُّعَاءَ، ويسْتَحْضِرُ أَنَّهُ مُنَاجٍ للهِ تَعَالَى كَأَنَّهُ يَرَاهُ، فَإِنَّ الْمُصَلِّيَ إذَا كَانَ قَائِمًا فَإِنَّمَا يُنَاجِي رَبَّهُ.
وَالْإِحْسَانُ: أَنْ تَعْبُدَ اللّهَ كَأَنَّك تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ يكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاك.
ثُمَّ كُلَّمَا ذَاقَ الْعَبْدُ حَلَاوَةَ الصَّلَاةِ كَانَ انْجِذَاُبهُ إلَيْهَا أَوْكَدَ، وَهَذَا يَكُونُ بِحَسَبِ قُوَّةِ الْإِيمَانِ.
فَإِنَّ مَا فِي الْقَلْبِ مِن مَعْرِفَةِ اللهِ وَمَحَبَّتِهِ وَخَشْيَتِهِ، وَإخْلَاصِ الدِّينِ لَهُ وَخَوْفِهِ وَرَجَائِهِ، وَالتَّصْدِيقِ بِأَخْبَارِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ: مِمَّا يَتَبَايَنُ النَّاسُ فِيهِ وَيَتَفَاضَلُونَ تَفَاضُلًا عَظِيمًا.
وَيَقْوَى ذَلِكَ كُلَّمَا ازْدَادَ الْعَبْدُ تَدَبُّرًا لِلْقُرْآنِ، وَفَهْمًا وَمَعْرِفَةً بِأسْمَاءِ اللهِ وَصِفَاتِهِ وَعَظْمَتِهِ، وَتَفَقُّرِهِ إلَيْهِ فِي عِبَادَتِهِ، وَاشْتِغَالِهِ بِهِ، بِحَيْثُ يَجِدُ اضْطِرَارَهُ إلَى أَنْ يَكُونَ تَعَالَى مَعْبُودَهُ وَمُسْتَغَاثَهُ أَعْظَمَ مِن اضْطِرَارِهِ إلَى الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ.
وَأَمَّا زَوَالُ الْعَارِضِ: فَهُوَ الِاجْتِهَادُ فِي دَفْعِ مَا يَشْغَلُ الْقَلْبَ مِن تَفَكُّرِ الْإِنْسَانِ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ.
فَإِنَّ كَثْرَةَ الْوَسْوَاسِ بِحَسَبِ:
أ- كَثْرَةِ الشُّبُهَاتِ وَالشَّهَوَاتِ.
ب- وَتَعْلِيقِ الْقَلْبِ بِالْمَحْبُوبَاتِ الَّتِي يَنْصَرِفُ الْقَلْبُ إلَى طَلَبِهَا (١) .
ج- وَالْمَكْرُوهَاتِ الَّتِي يَنْصَرِفُ الْقَلْبُ إلَى دَفْعِهَا (٢) . الحواشي
(١) من مال أو متاع أو زوجة ونحوها من محبوبات الدنيا.(٢) من دينٍ أو قلة مالٍ ونحو ذلك.стр. 1938
وَالْحَمْدُ للهِ الَّذِي كَانَ غَايَةُ كَيْدِ الشَّيْطَانِ الْوَسْوَسَةَ.
فَإِنَّ شَيْطَانَ الْجِنِّ إذَا غَلَبَ وَسْوَسَ، وَشَيْطَانَ الْإِنْسِ إذَا غَلَبَ كَذَبَ.
وَالْوَسْوَاسُ يَعْرِضُ لِكُلِّ مَن تَوَجَّهَ إلَى اللهِ تَعَالَى بِذِكْرٍ أَو غَيْرِهِ، لَا بُدَّ لَهُ مِن ذَلِكَ.
فَيَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَنْ يَثْبُتَ وَيصْبِرَ وُيلَازِمَ مَا هُوَ فِيهِ مِنَ الذِّكْرِ وَالصَّلَاةِ وَلَا يَضْجَرُ، فَإِنَّهُ بِمُلَازَمَةِ ذَلِكَ يَنْصَرِفُ عَنْهُ كَيْدُ الشَّيْطَانِ ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (٧٦) ﴾ [النساء: ٧٦].
وَكُلَّمَا أَرَادَ الْعَبْدُ تَوَجُّهًا إلَى اللهِ تَعَالَى بِقَلْبِهِ جَاءَ مِن الْوَسْوَاسِ أُمُورٌ أُخْرَى، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ بِمَنْزِلَةِ قَاطِعِ الطَّرِيقِ، كُلَّمَا أَرَادَ الْعَبْدُ أنْ يَسِيرَ (١) إلَى اللهِ تَعَالَى أَرَادَ قَطْعَ الطَّرِيقِ عَلَيْهِ.
وَأمَّا مَا يُرْوَى عَن عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ مِن قَوْلِهِ: إنِّي لَأُجَهِّزُ جَيْشِي وَأَنَا فِي الصَّلَاةِ: فَذَاكَ لِأنَّ عُمَرَ كَانَ مَأْمُورَا بِالْجِهَادِ، وَهُوَ أَمِيرُ الْمُؤمِنِينَ فَهُوَ أَمِيرُ الْجِهَادِ، فَصَارَ بِذَلِكَ مِن بَعْضِ الْوُجُوهِ بِمَنْزِلَةِ الْمُصَلِّي الَّذِي يُصَلِّي صَلَاةَ الْخَوْفِ حَالَ مُعَايَنَةِ الْعَدُوِّ:
- إمَّا حَالَ الْقِتَالِ.
- وَإِمَّا غَيْرَ حَالِ الْقِتَالِ.
فَهُوَ مَأْمُورٌ بِالصَّلَاةِ وَمَأْمُورٌ بِالْجِهَادِ، فَعَلَيْهِ أنْ يُؤَدِّيَ الْوَاجِبَيْنِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ. [٢٢/ ٦٠٣ - ٦٠٩]
٢٦٥٣ - الْوَسْوَاسُ نَوْعَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يَمْنَعُ مَا يُؤْمَرُ بِهِ مِن تَدَبُّرِ الْكَلِمِ الطَّيِّبِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ الَّذِي الحواشي
(١) في الأصل: (يَسِيرُ)، بدون "أن" وهو إن كان له وجه صحيح في اللغة إلا أن المعتاد من الشيخ في مثل هذا أن يضيف "أنْ".стр. 1939
فِي الصَّلَاةِ؛ بَل يَكونُ بِمَنْزِلَةِ الْخَوَاطِرِ: فَهَذَا لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ، لَكِنْ مَن سَلِمَتْ صَلَاتُهُ مِنْهُ فَهُوَ أَفْضَلُ مِمَن لَمْ تَسْلَمْ مِنْهُ صَلَاتُهُ.
الْأَوَّلُ: شِبْهُ حَالِ الْمُقَرَّبِينَ.
وَالثَّانِي: شِبْهُ حَالِ الْمُقْتَصِدِينَ.
وَأمَّا الثَّانِي: فَهُوَ مَا مَنَعَ الْفَهْمَ وَشُهُودَ الْقَلْبِ بِحَيْثُ يَصِيرُ الرَّجُلُ غَافِلًا: فَهَذَا لَا ريبَ أَنَّهُ يَمْنَعُ الثَّوَابَ.
وَلَكِنْ هَل يُبْطِلُ الصَّلَاةَ ويُوجِبُ الْإِعَادَةَ؟ فِيهِ تَفْصِيلٌ:
أ- فَإِنَّهُ إنْ كَانَت الْغَفْلَةُ فِي الصَّلَاةِ أَقَلَّ مِن الْحُضُورِ وَالْغَالِبُ الْحُضُورُ: لَمْ تَجِب الْإِعَادَةُ، وَإِن كَانَ الثَّوَابُ نَاقِصًا، فَإنَّ النُصُوصَ قَد تَوَاتَرَتْ بِأَنَّ السَّهْوَ لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ، وَإِنَّمَا يُجْبَرُ بَعْضُهُ بِسَجْدَتَي السَّهْوِ.
ب- وَأمَّا إنْ غَلَبْت الْغَفْلَةُ عَلَى الْحُضُورِ: فَفِيهِ لِلْعُلَمَاءِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ فِي الْبَاطِنِ وَإِن صَحَّتْ فِي الظَّاهِرِ.
وَالثَّانِي: تَبْرأُ الذِّمَّةُ فَلا تَجِبُ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ، وَإِن كَانَ لَا أَجْرَ لَهُ فِيهَا وَلَا ثَوَابَ، بِمَنْزِلَةِ صَوْمِ الَّذِي لَمْ يَدَع قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لَهُ مِن صِيَامِهِ إلَّا الْجُوعُ وَالْعَطَشُ.
وَهَذَا هُوَ الْمَأْثُورُ عَن الْإمَامِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ مِن الْأئِمَّةِ، وَاسْتَدَلُّوا بِمَا فِي "الصَّحِيحَيْنِ" عَن أبِي هُرَيْرَةَ عَن النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قَالَ: "إذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ، حَتَّى لَا يَسْمَعَ التَّأْذِينَ، فَإِذَا قُضِيَ التَّأْذِينُ أقبَلَ، فَإِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ، فَإِذَا قُضِيَ التَّثْوِيبُ أقبَلَ حَتى يَخْطُرَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ، يَقُولُ: اُذْكرْ كذَا، اُذْكرْ كَذَا، مَا لَمْ يَكُن يَذْكُرُ، حَتى يَظَلَّ لَا يَدْرِي كَمْ صَلَّى، فَإِذَا وَجَدَ أَحَدُكمْ ذَلِكَ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ" (١) . الحواشي
(١) البخاري(٦٠٨) ، ومسلم(٣٨٩) .стр. 1940
فَقَد أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ الشَّيْطَانَ يُذَكِّرُهُ بِأُمُورٍ حَتَّى لَا يَدْرِيَ كَمْ صَلَّى، وَأَمَرَهُ بِسَجْدَتَيْنِ لِلسَّهْوِ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالْإِعَادَةِ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ.
وَهَذَا الْقَوْلُ أَشْبَهُ وَأَعْدَلُ (١) ؛ فَإِنَّ النُّصُوصَ وَالْآثَارَ إنَّمَا دَلَّتْ عَلَى أَنَّ الْأَجْرَ وَالثَّوَابَ مَشْرُوطٌ بِالْحُضُورِ، لَا تَدُلُّ عَلَى وُجُوب الْإِعَادَةِ لَا بَاطِنًا وَلَا ظَاهِرًا. [٢٢/ ٦١١ - ٦١٣]
٢٦٥٤ - يُكْرَهُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَقْصِدَ إعَادَةَ الصَّلَاةِ مِن غَيْرِ سَبَبٍ يَقْتَضِي الْإِعَادَةَ؛ إذ لَو كَانَ مَشْرُوعًا لِلصَّلَاةِ الشَّرْعِيَّةِ عَدَد مُعَيَّن كَانَ يُمْكِنُ الْإِنْسَانَ أَنْ يُصَلِّيَ الظُّهْرَ مَرَّاتٍ وَالْعَصْرَ مَرَّاتٍ وَنَحْو ذَلِكَ، وَمِثْلُ هَذَا لَا رَيْبَ فِي كَرَاهَتِهِ.
ويُسْتَحَبُّ لِمَن صَلَّى ثمَّ حَضَرَ جَمَاعَةً رَاتِبَةً أَنْ يُصَلِّيَ مَعَهُمْ.
فَإِذَا أَعَادَهَا فَالْأُولَى هِيَ الْفَرِيضَةُ عِنْدَ أَحْمَد وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ. [٢٢/ ٢٦٠ - ٢٦٢]
٢٦٥٥ - من الأدب: نهيُ النبي ﷺ المصلي أن يرفع بصره إلى السماء، فسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: هذا من كمال أدب الصلاة أن يقف العبد بين يدي ربه مطرقًا خافضًا طرفه إلى الأرض ولا يرفع بصره إلى فوق. [المستدرك ٣/ ٨٩ - ٩٠]
٢٦٥٦ - كره شيخنا السجود عليها -الصورة-. [المستدرك ٣/ ٩٩]
* * *
(الجهر ورفع الصوت بالصلاة على النبي والدعاء بدعة)
٢٦٥٧ - اتفق المسلمون على أن الصلاة على النبي ﷺ والدعاء كله سرًّا أفضل؛ بل الجهر ورفع الصوت بالصلاة بدعة، ورفع الصوت بذلك أو بالترضي قدام الخطيب في الجمعة مكروه أو محرم بالاتفاق. [المستدرك ٣/ ٩٣ - ٩٤]
* * * الحواشي
(١) وهو ما رجحه تلميذُه ابن القيِّم ﵀ في مدراج السالكين (١/ ٥٢١ - ٥٢٦).стр. 1941
(بَابُ سُجُودِ السَّهْوِ)
٢٦٥٨ - الشَّكُّ: فِيهِ عَن النَّبِيِّ ﷺ أَحَادِيثُ صَحِيحَةٌ وَهِيَ كُلُّهَا مُتَّفِقَةٌ - وَللهِ الْحَمْدُ - وَإِنَّمَا تَنَازَعَ النَّاسُ لِكوْنِ بَعْضِهِمْ لَمْ يَفْهَمْ مُرَادَهُ .. فَفِي "صَحِيحِ مُسْلِمٍ" وَغَيْرِهِ عَن أَبِي سَعِيدٍ الخدري قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إذَا شَكَّ أَحَدُكمْ فِي صَلَاِتهِ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى ثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا فَلْيَطْرَحِ الشَّكَّ وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ، ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، فَإِنْ كَانَ صَلَّى خَمْسًا شَفَعَتَا لَهُ صَلَاته، وَإِن كَانَ صَلَّى تَمَامًا لِأَرْبَع كَانتا تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ".
فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ إذَا شَكَّ فَلَمْ يَدْرِ فَلْيَطْرَح الشَّكَّ.
وَفِيهِ الْأَمْرُ بِسَجْدَتَيْنِ قَبْلَ السَّلَامِ.
وَمِن أَصَحِّ أَحَادِيثِ الْبَابِ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي التَّحَرِّي فَإِنَّهُ أَخْرَجَاهُ فِي "الصَّحِيحَيْنِ" عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا شَكَّ أَحَدُكمْ فِي صَلَاِتهِ، فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ فَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ لِيُسَلِّمْ، ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ".
وَقَد تَأَوَّلَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْقَوْلِ عَلَى أَنَّ التَّحَرِّيَ هُوَ طَرْحُ الْمَشْكُوكِ فِيهِ وَالْبِنَاءُ عَلَى الْيَقِينِ وَهَذَا ضَعِيفٌ.
فَأَظْهَرُ الْأَقْوَالِ: الْفَرْقُ بَيْنَ الزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ، وَبَيْنَ الشَّكِّ مَعَ التَّحَرِّي وَالشَّكِّ مَعَ الْبِنَاءِ عَلَى الْيَقِينِ .. فَإِنَّ هَذَا مَعَ مَا فِيهِ مِن اسْتِعْمَالِ النُّصُوصِ كُلِّهَا: فِيهِ الْفَرْقُ الْمَعْقُولُ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُ إذَا كَانَ فِي نَقْصٍ كَتَرْكِ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ احْتَاجَت الصَّلَاةُ إلَى جَبْرٍ، وَجَابِرُهَا يَكُونُ قَبْلَ السَّلَامِ لِتَتِمَّ بِهِ الصَّلَاةُ، فَإِنَّ السَّلَامَ هُوَ تَحْلِيلٌ مِن الصَّلَاةِ، وَإِذَا كَانَ مِن زِيادَةٍ كَرَكْعَةِ لَمْ يَجْمَعْ فِي الصَّلَاةِ بَيْنَ زِيادَتَيْنِ؛ بَل يَكُونُ السُّجُودُ بَعْدَ السَّلَامِ؛ لِأَنَّهُ إرْغَامٌ لِلشَّيْطَانِ، بِمَنْزِلَةِ صَلَاةٍ مُسْتَقِلَّةٍ جَبَرَ بِهَا نَقْصَ صَلَاتِهِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ جعَلَ السَّجْدَتَيْنِ كَرَكْعَة.
وَكَذَلِكَ إذَا شَكَّ وَتَحَرَّى فَإِنَّهُ أَتَمَّ صَلَاتَهُ، وَإِنَّمَا السَّجْدَتَانِ لِتَرْغِيمِ الشَّيْطَانِ فَيَكونُ بَعْدَ السَّلَامِ.
стр. 1942
وَكَذَلِكَ إذَا سَلَّمَ وَقَد بَقِيَ عَلَيْهِ بَعْضُ صَلَاتِهِ ثُمَّ أَكْمَلَهَا فَقَد أَتَمَّهَا، وَالسَّلَامُ مِنْهَا زَيادَةٌ، وَالسُّجُودُ فِي ذَلِكَ بَعْدَ السَّلَامِ؛ لِأَنَّهُ إرْغَامٌ لِلشَّيْطَانِ.
وَأَمَّا إذَا شَكَّ وَلَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ الرَّاجِحُ فَهُنَا: إمَّا أَنْ يَكُونَ صَلَّى أَرْبَعًا أَو خَمْسًا فَإِنْ كَانَ صَلَّى خَمْسًا فَالسَّجْدَتَانِ يَشْفَعَانِ لَهُ صَلَاتَهُ، لِيَكُونَ كَأَنَّهُ قَد صَلَّى سِتًّا لَا خَمْسًا، وَهَذَا إنَّمَا يَكُونُ قَبْلَ السَّلَامِ.
فَهَذَا الْقَوْلُ الَّذِي نَصَرْنَاهُ هُوَ الَّذِي يُسْتَعْمَلُ فِيهِ جَمِيعُ الْأَحَادِيثِ، لَا يُتْرَكُ مِنْهَا حَدِيثٌ مَعَ اسْتِعْمَالِ الْقِيَاسِ الصَّحِيحِ فِيمَا لَمْ يَرِدْ فِيهِ نَصٌّ، وَإِلْحَاقُ مَا لَيْسَ بِمَنْصُوصِ بِمَا يُشْبِهُهُ مِن الْمَنْصُوصِ.
وَأَمَّا وُجُوبُهُ: فَقَد أَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمُتَقَدِّم لِمُجَرَّدِ الشَّكِّ.
وأَمَرَ بِالسَّجْدَتَيْنِ إذَا زَادَ أَو إذَا نَقَصَ، وَمُرَادُهُ: إذَا زَادَ مَا نُهي عَنْهُ، أَو نَقَصَ مَا أُمرَ بِهِ.
فَفِي هَذَا إيجَابُ السُّجُودِ لِكُلِّ مَا يَتْرُكُ مِمَّا أُمرَ بِهِ إذَا تَرَكَهُ سَاهِيًا، وَلَمْ يَكُن تَرْكُهُ سَاهِيًا مُوجِبًا لِإِعَادَتِهِ بِنَفْسِهِ، وَإِذَا زَادَ مَا نُهي عَنْهُ سَاهِيًا.
فَعَلَى هَذَا: كُلُّ مَأْمُورٍ بِهِ فِي الصَّلَاةِ إذَا تَرَكَهُ سَاهِيًا:
أ - فَإمَّا أَنْ يُعِيدَ إذَا ذَكَرَهُ.
ب - وَإِمَّا أنْ يَسْجُدَ لِلسَّهْوِ.
لَا بُدَّ مِن أَحَدِهِمَا.
فَهَذِهِ خَمْسَةُ أَحَادِيثَ صَحِيحَةٍ فِيهَا كُلُّهَا يَأْمُرُ السَّاهِيَ بِسَجْدَتَي السَّهْوِ وَهُوَ:
أ - لَمَّا سَهَا عَنِ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ سَجَدَهُمَا بِالْمُسْلِمِينَ قَبْلَ السَّلَامِ.
ب - وَلَمَّا سَلَّمَ فِي الصَّلَاةِ مِن رَكْعَتَيْنِ أَو مِن ثَلَاثٍ صَلَّى مَا بَقِيَ وَسَجَدَهُمَا بِالْمُسْلِمِينَ بَعْدَ الصَّلَاةِ.
стр. 1943
ج - وَلَمَّا أَذْكَرُوهُ أَنَّهُ صَلَّى خَمْسًا سَجَدَهُمَا بَعْدَ السَّلَامِ وَالْكَلَامِ.
وَهَذَا يَقْتَضِي مُدَاوَمَتَهُ عَلَيْهِمَا وَتَوْكِيدَهُمَا، وَأَنَّهُ لَمْ يَدَعْهُمَا فِي السَّهْوِ الْمُقْتَضِي لَهَا قَطُّ، وَهَذِهِ دَلَائِلُ بَيِّنَةٌ وَاضِحَةٌ عَلَى وُجُوبِهِمَا، وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ.
فَقَد تَبَيَّنَ وُجُوبُ سُجُودِ السَّهْوِ، وَسَبَبُهُ: إمَّا نَقْصٌ وَإِمَّا زِيادَةٌ؛ كَمَا قَالَ فِي "الصَّحِيحَيْنِ": "إذَا زَادَ أَو نَقَصَ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ".
فَالنَّقْصُ: كَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ بحينة: لَمَّا تَرَكَ التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ سَجَدَ.
وَالزِّيَادَةُ: كَمَا سَجَدَ لَمَّا صَلَّى خَمْسًا.
وَأَمَرَ بِهِ الشَّاكَّ الَّذِي لَا يَدْرِي أَزَادَ أَمْ نَقَصَ.
فَهَذِهِ أَسْبَابُهُ فِي كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ :
أ - إمَّا الزِّيَادَةُ.
ب - وَإِمَّا النَّقْصُ.
ج - وَإِمَّا الشَّكُّ.
وَقَد تبَيَّنَ أَنَّهُ فِي النَّقْصِ وَالشَّكِّ يَسْجُدُ قَبْلَ السَّلَامِ، وَفِي الزِّيَادَةِ بَعْدَهُ.
وَإِذَا كَانَ وَاجِبًا فَتَرَكَهُ عَمْدًا أَو سَهْوًا -تَرَكَ الَّذِي قَبْلَ السَّلَامِ أَو بَعْدَهُ- فَفِيهِ أَقْوَالٌ مُتَعَدِّدَةٌ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ:
قِيلَ: إنْ تَرَكَ مَا قَبْلَ السَّلَامِ عَمْدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَإِن تَرَكَة سَهْوًا لَمْ تَبْطُلْ كَالتَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ وَغَيْرِهِ مِن الْوَاجِبَاتِ، وَمَا بَعْدَهُ لَا يَبْطُلُ بِحَال.
وَقِيلَ: إنْ تَرَكَ مَا قَبْلَ السَّلَامِ يَبْطُلُ مُطْلَقًا، فَإِنْ تَرَكَهُ سَهْوًا فَذَكَرَ قَرِيبًا سَجَدَ، وَإِن طَالَ الْفَصْلُ أَعَادَ الصَّلَاةَ .. وَهَذَا الْقَوْلُ أَصَحُّ مِن الَّذِي قَبْلَهُ (١) ، الحواشي
(١) هذا ما اختاره الإمام ابن عثيمين ﵀ فقد سئل عن رجل نسي التشهد الأول فعلم أنه يجب عليه سجود سهو قبل السلام ولكنه نسي وسلم فما الحكم؟стр. 1944
فَإِنَّهُ إذَا كَانَ وَاجِبًا فِي الصَّلَاةِ فَلَمْ يَأْتِ بِهِ سَهْوًا لَمْ تَبْرَأْ ذِمَّتُهُ مِنْهُ، وَإِن كَانَ لَا يَأْثَمُ؛ كَالصَّلَاةِ نَفْسِهَا إذَا ذَكَرَهَا، فَهَكَذَا مَا يَنْسَاهُ مِن وَاجِبَاتِهَا لَا بُدَّ مِن فِعْلِهِ إذَا ذَكَرَ.
وَأَمَّا الْوَاجِبُ بَعْدَهُ: فَالنِّزَاعُ فِيهِ قَرِيبٌ، فَمَالَ كَثِيرٌ مِمَن قَالَ إنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ: إلَى أَنَّ تَرْكَ هَذَا لَا يُبْطِلُ؛ لأِنَّهُ جَبْرٌ لِلْعِبَادَةِ خَارجٌ عَنْهَا فَلَمْ تَبْطُلْ كَجُبْرَانِ الْحَجِّ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِن هَذَا السُّجُودِ أَو مِن إعَادَةِ الصَّلَاةِ .. ؛ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ أَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ لِتَمَامِ الصَّلَاةِ، فَلَا تَبْرَأُ ذِمَّةُ الْعَبْدِ إلَّا بِهِ .. وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ مَا قَبْلَ السَّلَامِ وَمَا بَعْدَهُ.
فَإِذَا قِيلَ: إنَّهُ يُفْعَلُ وَإِن طَالَ الْفَصْلُ كَالصَّلَاةِ الْمَنْسِيَّةِ: فَهَذَا مُتَوَجِّةٌ قَوِيٌّ .. فَإِنَّ التَّحْدِيدَ بِطُولِ الْفَصْلِ وَبِغَيْرِهِ غَيْرُ مَضْبُوطٍ بِالشَّرْعِ، وَكَذَلِكَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَسْجِدِ وَغَيْرِهِ لَيْسَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ، وَكَذَلِكَ الْفَرْقُ بَيْنَ مَا قَبْلَ الْحَدَثِ وَبَعْدَهُ؛ بَل عَلَيْهِ أَنْ يَسْجُدَهُمَا بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ.
فصل
وَمَا شُرِعَ قَبْلَ السَّلَامِ أَو بَعْدَهُ: فَهَل ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْوُجُوبِ؟ أو الِاسْتِحْبَابِ؟ فِيهِ قَوْلَانِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ:
ذَهَبَ كَثِيرٌ مِن أَتْبَاعِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ إلَى أَنَّ النِّزَاعَ إنَّمَا هُوَ فِي الِاسْتِحْبَابِ وَأَنَّهُ لَو سَجَدَ لِلْجَمِيعِ قَبْلَ السَّلَامِ أَو بَعْدَهُ: جَازَ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ مَا شَرَعَهُ قَبْلَ السَّلَامِ يَجِبُ فِعْلُهُ قَبْلَهُ وَمَا شَرَعَهُ بَعْدَهُ لَا يُفْعَلُ إلَّا بَعْدَهُ، وَعَلَى هَذَا يَدُلُّ كَلَامُ أَحْمَد وَغَيْرِهِ مِن الْأَئِمَّةِ، وَهُوَ
الحواشي
(١) = فأجاب: "إن ذكر في زمن قريب سجد، وإن طال الفصل سقط، مثل أن لا يذكر إلا بعد مدة طويلة، فلو خرج من المسجد فإنه لا يرجع إلى المسجد ويسقط عنه". انتهى. فتاوى ابن عثيمين (١٤/ ٥٠).стр. 1945
الصَّحِيحُ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ في حَدِيثِ طَرْحِ الشَّكِّ قَالَ: "وَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ" (١) .
وَفِي حَدِيثِ التَّحَرِّي قَالَ: "فَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ ثُمَّ يُسَلِّمَ ثُمَّ يَسْجُدَ سَجْدَتَيْنِ" (٢) .
فَهَذَا أَمَرَ فِيهِ بِالسَّلَامِ ثُمَّ بِالسُّجُودِ، وَذَاكَ أَمَرَ فِيهِ بِالسُّجُودِ قَبْلَ السَّلَامِ، وَكِلَاهُمَا أَمْرٌ مِنْهُ يَقْتَضِي الْإِيجَابَ.
وَلَكِنْ مَن سَجَدَ قَبْلَ السَّلَامِ مُطْلَقًا أَو بَعْدَ السَّلَامِ مُطْلَقًا فتَأَوِّلًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِن تبَيَّنَ لَهُ فِيمَا بَعْدُ السُّنَّةَ اسْتَأْنَفَ الْعَمَلَ فِيمَا تبَيَّنَ لَهُ وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ.
وَكَذَلِكَ كُلُّ مَن تَرَكَ وَاجِبًا لَمْ يَعْلَمْ وُجُوبَهُ، فَإِذَا عَلِمَ وُجُوبَهُ فَعَلَهُ وَلَا تَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ فِيمَا مَضَى فِي أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ.
وَكَذَلِكَ مَن فَعَلَ مَحْظُورًا فِي الصَّلَاةِ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ مَحْظُورٌ ثُمَّ عَلِمَ.
فَصْلٌ
إذَا نَسِيَ السُّجُودَ حَتَّى فَعَلَ مَا يُنَافِي الصَّلَاةَ مِن كَلَامِ وَغَيْرِهِ: فَقَد ثَبَتَ فِي "الصَّحِيحَينِ" عَن ابْنِ مَسْعُودٍ عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ سَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ وَالْكَلَامِ.
وَقَد اُخْتُلِفَ فِي السُّجُودِ وَالْبِنَاءِ بَعْدَ طُولِ الْفَصْلِ .. وَعَن أَحْمَد رِوَايَةٌ أَنَّهُ يَسْجُدُ وَإِن خَرَجَ مِنَ الْمَسْجِدِ وَتَبَاعَدَ، وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَافِعِيِّ، وَهَذَا هُوَ الْأَظْهَرُ؛ فَإِنَّ تَحْدِيدَ ذَلِكَ بِالْمَكَانِ أَو بِزَمَانٍ لَا أَصْلَ لَهُ فِي الشَّرْع، لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ الزَّمَانُ غَيْرَ مَضْبُوطٍ، فَطُولُ الْفَصْلِ وَقِصَرُهُ لَيْسَ لَهُ حَدٌّ مَعْرُوفٌ فِي عَادَاتِ النَّاسِ لِيَرْجِعَ إلَيْهِ وَلَمْ يَدُلَّ عَلَى ذَلِكَ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ وَلَمْ يُفَرِّق الدَّلِيلُ الشَّرْعِيُّ فِي السُّجُودِ وَالْبِنَاءِ بَيْنَ طُولِ الْفَصْلِ وَقِصَرِهِ، وَلَا بَيْنَ الْخُرُوجِ مِن الْمَسْجِدِ وَالْمُكْثِ فِيهِ. الحواشي
(١) رواه مسلم(٥٧١) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.(٢) رواه البخاري(٤٠١) .стр. 1946
فَصلٌ
وَالتَّكْبِيرُ قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَلَكِنْ تَنَازَعُوا فِي التَّشَهُّدِ وَالتَّسْلِيم عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالِ:
فَرُوِيَ عَن أَنَسٍ وَالْحَسَنِ وَعَطَاءٍ: أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِمَا تَشَهُّدٌ وَلَا تَسْلِيمٌ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ فِيهِمَا تَشَهُّدًا يَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ إذَا سَجَدَهُمَا بَعْدَ السَّلَامِ.
وَالثَّالِثُ: فِيهِمَا تَسْلِيمٌ بِغَيْرِ تَشَهُّدٍ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ سِيرِين.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: التَّسْلِيمُ فِيهِمَا ثَابِتٌ مِن غَيْرِ وَجْهٍ، وَفِي ثُبُوتِ التَّشَهُّدِ نَظَرٌ.
قُلْت: أَمَّا التَّسْلِيمُ فِيهِمَا فَهُوَ ثَابِتٌ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَحَدِيثِ عِمْرَانَ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَاتَيْنِ وَبَيْنَ سُجُودِ التِّلَاوَةِ: أَنَّ هَاتَيْنِ صَلَاةٌ، وَأَنَّهُمَا سَجْدَتَانِ، وَقَد أُقِيمَتَا مَقَامَ رَكعَةٍ وَجُعِلَتَا جَابِرَتَيْنِ لِنَقْصِ الصَّلَاةِ، فَجُعِلَ لَهُمَا تَحْلِيلٌ كَمَا لَهُمَا تَحْرِيمٌ، وَهَذِهِ هِيَ الصَّلَاةُ، كَمَا قَالَ: "مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطَّهُورُ وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ وَتَحْلِيلُهَا التسْلِيمُ" (١) .
وَأَمَّا "سُجُودُ التِّلَاوَةِ" فَهُوَ خُضُوعٌ للهِ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ وَغَيْرُهُ يَسْجُدُونَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ.
وَعَلَى هَذَا فَلَيْسَ بِدَاخِل فِي مُسَمَّى الصَّلَاةِ، وَلَكِنْ سَجْدَتَا السّهو (٢) يُشْبِهَانِ صَلَاةَ الْجِنَازَةِ، فَإِنَّهَا قِيَامٌ مُجَرَّدٌ، لَكِنْ هِيَ صَلَاةٌ فِيهَا تَحْرِيمٌ وَتَحْلِيلٌ؛ وَلهَذَا كَانَ الصَّحَابَةُ يَتَطَهَّرُونَ لَهَا.
وَهِيَ كَسَجْدَتَي السَّهْوِ يُشْتَرَطُ لَهَا اسْتِقْبَالُ الْكَعْبَةِ وَالِاصْطِفَافُ، كَمَا فِي الحواشي
(١) رواه أبو داود (٦١، ٦١٨)، والترمذي(٣) ، وصحَّحه الألباني في صحيح أبي داود(٦١٨) .(٢) في الأصل: (السُّجُودِ)، وهو كذلك في جميع النسخ! ولعل الصواب الْمُثبت.стр. 1947
الصَّلَاةِ، وَالْمُؤْتَمّ فِيهِ تبَعٌ لِلْإِمَامِ، لَا يُكَبِّرُ قَبْلَهُ وَلَا يُسَلِّمُ قَبْلَهُ كَمَا فِي الصَّلَاةِ.
بِخِلَافِ سُجُودِ التِّلَاوَةِ، فَإِنَّهُ عِنْدَ كَثِيرٍ مِن أَهْلِ الْعِلْمِ يَسْجُدُ وَإِن لَمْ يَسْجُد الْقَارِئُ.
وَالْحَدِيثُ الَّذِي يُرْوَى "إنَّك إمَامُنَا فَلَو سَجَدْت لَسَجَدْنَا": مِن مَرَاسِيلِ عَطَاءٍ وَهُوَ مِن أَضْعَفِ الْمَرَاسِيلِ قَالَهُ أَحْمَد وَغَيْرُهُ.
وَمَن قَالَ: إنَّهُ لَا يَسْجُدُ إلَّا إذَا سَجَدَ: لَمْ يَجْعَلْهُ مُوتَمًّا بِهِ مِن كُلِّ وَجْهٍ، فَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَمِعُونَ يَسْجُدُونَ جَمِيعًا صَفًّا كَمَا يَسْجُدُونَ خَلْفَ الْإِمَامِ لِلسَّهْوِ، وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ إمَامَهُ كَمَا فِي الصَّلَاةِ، وَللْمَأْمُومِ أَنْ يَرْفَعَ قَبْلَ إمَامِهِ، فَعُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُؤتَمّ بِهِ فِي صَلَاةٍ.
وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِن أَقْوَالِهِ أَمْرٌ بِالتَّشَهُّدِ بَعْدَ السُّجُودِ، وَلَا فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمُتَلَقَّاةِ بِالْقَبُولِ أَنَّهُ يَتَشَهَّد بَعْدَ السُّجُودِ. [٢٣/ ٥ - ٥١]
٢٦٥٩ - وَسُئِلَ ﵀: عَن إمَامٍ قَامَ إلَى خَامِسَةٍ فَسَبَّحَ بِهِ فَلَمْ يَلْتَفِتْ لِقَوْلِهِمْ وَظَنَّ أَنَّهُ لَمْ يَسْهَ، فَهَل يَقُومُونَ مَعَه أَمْ لَا؟
فَأَجَابَ: إنْ قَامُوا مَعَهُ جَاهِلِينَ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُم، لَكِنْ مَعَ الْعِلْمِ لا يَنْبَغِي لَهُم أَنْ يُتَابِعُوهُ؛ بَل يَنْتَظِرُونَهُ حَتَّى يُسَلِّمَ بِهِم أَو يُسَلِّمُوا قَبْلَهُ، وَالِانْتِظَارُ أَحْسَنُ (١) . [٢٣/ ٥٣] الحواشي
(١) بالنسبة للإمام، فإنه إذا جزم بصواب نفسه: لم يلتفت لتنبيه المأمومين وصلاته صحيحة ولا شيء عليه، ولو كان قد زاد ركعة في حقيقة الأمر.
ثم إذا تبين له أنه أخطأ بعد السلام سجد سجدتين للسهو وسلّم.
وبالنسبة للمأموم: فإنه إذا علم بأن إمامه قام لركعة زائدة، وجب عليه تنبيهه، فإن لم يرجع لم يجز له متابعته، بل كما قال الشيخ: "يَنْتَظِرُه حَتَّى يُسَلِّمَ بِهِم أَو يُسَلِّم قَبْلَهُ، وَالِانْتِظَارُ أَحْسَنُ".
والشيخ لم يُؤكد على المأموم العالم بزيادة ركعة الإمام بالمفارقة، بل قال: "لا يَنْبَغِي لَهُم أَنْ يُتَابِعُوه"، والمعروف عند أهل العلم تحريم المتابعة.
سئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: إذا صلى الإمام خمسًا سهوًا فما حكم صلاته وصلاة من خلفه؟ وهل يعتدّ المسبوق بتلك الركعة الزائدة؟ =стр. 1948
٢٦٦٠ - الوسواس إذا قلَّ لم يبطل الصلاة بالاتفاق، لكن ينقصها.
وأما الوسواس إذا غلب فقد قيل يبطل، قال عمر ﵁: إني لأجهز جيشي وأنا في الصلاة، وليس من تفكر بالواجب مثل من تفكر بالفضول فعمر ﵁ كان أمير الجيش وهو مأمور بالصلاة والجهاد معًا، فلو قُدِّر أنه نقص شيء من الصلاة لأجل الجهاد لم يقدح في كمال إيمانه، فلهذا خففت صلاة الخوف، فكان بمنزلة من يصلي صلاة الخوف، ولا شك أن صلاة النبي ﷺ حال الخوف كانت ناقصة عن صلاته حال أمنه في الأفعال الظاهرة، فإذا كان قد عفي عن الأفعال الظاهرة فكيف بالباطنة؟ وقال تعالى: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ١٠٣] وإقامتها حال الأمن لا يؤمر به حال الخوف. [المستدرك ٣/ ١٠٢ - ١٠٣]
٢٦٦١ - قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي "الْحَدِيثِ الصَّحِيح" حَدِيثِ الشَّكِّ: "إذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فَلَمْ يَدْرِ ثَلَاًثا صَلَّى أَمْ أَرْبَعًا فَلْيَطْرَح الشَّكَّ وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ ثُمَّ لِيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، فَإِنْ صَلَّى خَمْسًا شَفَعَتَا لَهُ صَلَاَتهُ، وَإِلَّا كَانَتَا تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ". وَفِي لَفْظٍ: "وَإِن كَانَت صَلَاتُهُ تَمَامًا كَانَتَا تَرْغِيمًا".
فَجَعَلَهُمَا كَالرَّكْعَةِ السَّادِسَةِ الَّتِي تَشْفَعُ الْخَامِسَةَ الْمَزِيدَةَ سَهْوًا.
الحواشي
(١) = فأجاب: "إذا صلى الإمام خمسًا سهوًا فإن صلاته صحيحة، وصلاة من اتبعه في ذلك ساهيًا أو جاهلًا صحيحة أيضًا.
وأما من علم بالزيادة، فإنه إذا قام الإمام إلى الزائدة وجب عليه أن يجلس ويسلم؛ لأنه في هذه الحالة يعتقد أن صلاة إمامه باطلة، إلا إذا كان يخشى أن إمامه قام إلى الزائدة؛ لأنه أخلَّ بقراءة الفاتحة - مثلًا - في إحدى الركعات فحينئذٍ ينتظر ولا يسلم.
وأما بالنسبة للمسبوق الذي دخل مع الإمام في الثانية فما بعدها فإن هذه الركعة الزائدة ثُحسب له، فإذا دخل مع الإمام في الثانية مثلًا سلم مع الإمام الذي زاد ركعة، وإن دخل في الثالثة أتى بركعة بعد سلام الإمام من الزائدة، وذلك لأننا لو قلنا بأن المسبوق لا يعتد بالزائدة للزم من ذلك أن يزيد ركعة عمدًا، وهذا موجب لبطلان الصلاة، أما الإمام فهو معذور بالزيادة؛ لأنه كان ناسيًا فلا تبطل صلاته". اهـ. مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين (١٤/ ١٩).стр. 1949
وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ يُؤْجَرُ عَلَيْهَا لِأَنَّهُ اعْتَقَدَ أَنَّهَا مِن تَمَامِ الْمَكْتُوبَةِ وَفَعَلَهَا تَقَرُّبًا إلَى اللهِ وَإِن كَانَ مُخْطِئًا فِي هَذَا الِاعْتِقَادِ.
وَفِي هَذَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَن فَعَلَ مَا يَعْتَقِدُهُ قُرْبَةً بِحَسَبِ اجْتِهَادِهِ إنْ كَانَ مُخْطِئًا فِي ذَلِكَ: أَنَّهُ يُثَابُ عَلَى ذَلِكَ، وَإِن كَانَ لَهُ عِلْمٌ أَنَّهُ لَيْسَ بِقُرْبَةِ يَحْرُمُ عَلَيْهِ فِعْلُهُ. [٢١/ ٢٩١ - ٢٩٢]
* * *
(بَاب صَلَاةِ التَّطَوُّعِ) (١)
٢٦٦٢ - نَصَّ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ أَفْضَلَ تَطَوُّعِ الْبَدَنِ الصَّلَاةُ. [٢٣/ ٥٧]
٢٦٦٣ - الْمَرِيضُ إذَا عَجَزَ عَن إيمَائِهِ أَتَى مِنْهُ بِقَدْرِ الْمُمْكِنِ وَهُوَ الْإِيمَاءُ بِرَأْسِهِ وَهُوَ سُجُود مِثْلِهِ، وَلَو عَجَزَ عَنِ الْإِيمَاءِ بِرأْسِهِ؟ فَفِيهِ قَوْلَانِ هُمَا رِوَايَتَانِ عَن أَحْمَد: الحواشي
(١) ذكر الجامع دعاء ختم القرآن المنسوب لشيخ الإسلام، ولكن النسبة إليه أنكرها بعضُ أهل العلم، قال العلَّامة الألباني ﵀ في السلسلة الضعيفة عند كلامه على الحديث رقم(٦١٣٥) : إن الدعاء المطبوع في آخر بعض المصاحف المطبوعة في تركيا وغيرها، تحت عنوان: (دعاء ختم القرآن) والذي ينسب لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، فهو مما لا نعلم له أصلًا عن ابن تيمية أو غيره من علماء الإسلام. اهـ.
وقال العلَّامة ابن عثيمين في مجموع الفتاوى (١٤/ ٢٢٦): أما الدعاء المنسوب إلى شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فلا أظنه يصح عنه؛ لأنه لم يذكر في مصنفاته. اهـ.
وقال: الصواب أن القنوت يكون في الوتر خاصة، ويكون أيضًا في الفرائض إذا نزلت بالمسلمين نازلة، لكن القنوت في النوازل ليس هو دعاء القنوت في الوتر، بل القنوت في النوازل أن تدعو الله تعالى بما يناسب تلك النازلة.
وأما دعاء ختم القرآن في الصلاة فلا أعلم له أصلًا لا من سُنَّة الرسول ﷺ ، ولا من سُنَّة الصحابة، وغاية ما فيه: أن أنس بن مالك ﵁ كان إذا أراد أن يختم القرآن جمع أهله ودعا. وهذا في غير الصلاة، أما في الصلاة فليس لها أصل، لكن مع ذلك هي مما اختلف فيه العلماء ﵏، علماء السُّنَّة وليسوا علماء البدعة، والأمر في هذا واسع؛ يعني: لا ينبغي للإنسان أن يشدد حتى يخرج عن المسجد ويفارق جماعة المسلمين من أجل الدعاء عند ختم القرآن، وإذا وكل الأمر إليه فلا يدعو في الصلاة عند ختم القرآن. اهـ. لقاءات الباب المفتوح (١٠٨/ ٣٨) من المكتبة الشاملة.стр. 1950
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يُومِئُ بِطَرَفِهِ، فَجَعَلُوا إيمَاءَهُ بِطَرَفِهِ هُوَ رُكوعَهُ وَسُجُودَهُ فَلَمْ يُسْقِطُوهُ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ تَسْقُطُ الصَّلَاةُ فِي هَذِهِ الْحَالِ وَلَا تَصِحُّ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَهَذَا الْقَوْلُ أَصَحُّ فِي الدَّلِيلِ (١) . [٢٣/ ٧٢]
٢٦٦٤ - تَنَازَعَ النَّاسُ (٢) : أَيُّمَا أَفْضَلُ: كَثْرَة الرُّكُوع وَالسُّجُودِ (٣) أَو طُولُ الْقِيَامِ؟ (٤) .
نَقُولُ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لَهَا صُورَتَانِ:
إحْدَاهُمَا: أَنْ يُطِيلَ الْقِيَامَ مَعَ تَخْفِيفِ الرَّكُوعِ وَالسُّجُودِ، فَيُقَالُ أَيُّمَا أَفْضَلُ هَذَا، أَمْ تَكْثِيرُ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ مَعَ تَخْفِيفِ الْقِيَامِ؟ وَيَكُونُ هَذَا قَد عَدَلَ بَيْنَ الْقِيَامِ وَبَيْنَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فَخَفَّفَ الْجَمِيعَ.
وَالصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يُطِيلَ الْقِيَامَ، فَيُطِيلَ مَعَهُ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ، فَيُقَالُ: أَيُّمَا أَفْضَلُ هَذَا، أَمْ أَنْ يُكْثِرَ مِن الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالْقِيَامِ؟
وَهَذَا قَد عَدَلَ بَيْنَ الْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فِي النَّوْعَيْنِ، لَكِنْ أَيُّمَا أَفْضَلُ: تَطْوِيلُ الصَّلَاةِ قِيَامًا وَرُكُوعًا وَسُجُودًا أَمْ تَكْثِيرُ ذَلِكَ مَعَ تَخْفِيفِهَا؟
الصَّوَابُ فِي ذَلِكَ: أَنَّ الصُّورَةَ الْأُولَى - تَقْلِيلُ الصَّلَاةِ مَعَ كَثْرَةِ الرُّكُوعِ الحواشي
(١) وقد خالف العلَّامة ابن عثيمين في هذا وقال: الرَّاجح أنه تسقطُ عنه الأفعالُ فقط؛ لأنها هي التي كان عاجزًا عنها، وأما الأقوالُ فإنَّها لا تسقط عنه؛ لأنه قادرٌ عليها، وقد قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾.
فإن عَجَزَ عن القولِ والفعلِ بحيث يكون الرَّجُلُ مشلولًا ولا يتكلَّم، فماذا يصنع؟
الجواب: تسقط عنه الأقوالُ والأفعالُ، وتبقى النِّيةُ، فينوي أنَّه في صلاةٍ، وينوي القراءةَ، وينوي الركوعَ والسجودَ والقيامَ والقعودَ. اهـ. الشرح الممتع (٤/ ٣٣٢).
وهذا أرجح وأقرب، فالصلاة لا تسقط عن المكلف بحال، ما دام معه وعيُه.(٢) هذا البحث القيِّم مما كتبه في سجن القلعة.(٣) وذلك بتكثير عدد ركعات الصلاة، ويلزم منه تخفيف القيام.(٤) وذلك بتقليل عدد ركعات الصلاة، ويلزم منه إطالة القيام.стр. 1951
وَالسُّجُودِ وَتَخْفِيفُ الْقِيَامِ - أَفْضَلُ مِن تَطْوِيلِ الْقِيَامِ وَحْدَهُ مَعَ تَخْفِيفِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ.
والنَّبِيُّ ﷺ بَيَّنَ أَنَّ طُولَ الْقُنُوتِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ (١) ، وَهُوَ يَتَنَاوَلُ الْقُنُوتَ فِي حَالِ السُّجُودِ وَحَالِ الْقِيَامِ (٢) .
وَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ، وَهو أَنَّ (٣) تَطْوِيلَ الصَّلَاةِ قِيَامًا وَرُكُوعًا وَسُجُودًا أَوْلَى مِن تَكْثِيرِهَا قِيَامًا وَرُكُوغا وَسُجُودًا؛ لِأَنَّ طُولَ الْقُنُوتِ يَحْصُلُ بِتَطْوِيلِهَا لَا بِتَكْثِيرِهَا.
وَأَمَّا تَفْضِيلُ طُولِ الْقِيَامِ مَعَ تَخْفِيفِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ عَلَى تَكْثِيرِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فَغَلَطٌ (٤) ؛ فَإِنَّ جِنْسَ السُّجُودِ أَفْضَلُ مِن جِنْسِ الْقِيَامِ مِن وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ الصَّلَاةَ الْمَفْرُوضَةَ لَا بُدَّ فِيهَا مِن السُّجُودِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ صَلَاةٍ فِيهَا رُكُوعٌ لَا بُدَّ فِيهَا مِن سُجُودٍ، لَا يَسْقُطُ السُّجُودُ فِيهَا بِحَالٍ مِن الْأَحْوَالِ فَهُوَ عِمَادُ الصَّلَاةِ.
وَأَمَّا الْقِيَامُ فَيَسْقُطُ فِي التَّطَوَّعِ دَائِمًا، وَفِي الصَّلَاةِ عَلَى الرَّاحِلَةِ فِي السَّفَرِ، وَكَذَلِكَ يَسْقُطُ الْقِيَامُ فِي الْفَرْضِ عَن الْمَرِيضِ وَكَذَلِكَ الْمَأْمُومُ إذَا صَلَّى إمَامُهُ جَالِسًا.
وَلهَذَا قَالُوا: مَا كَانَ عِبَادَةً بنَفْسِهِ لَمْ يَحْتَجْ إلَى رُكْنٍ قَوْلِيٍّ كَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَمَا لَمْ يَكن عِبَادَةً بِنَفْسِهِ احْتَاجَ إلَى رُكْنٍ قَوْلِيٍّ كَالْقِيَامِ وَالْقُعُودِ. الحواشي
(١) روى مسلم(٧٥٦) ، عَن جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَفْضَلُ الصَّلَاةِ طُولُ الْقُنُوتِ".(٢) وفيه ردّ على قول النووي ﵀: الْمُرَادُ بِالْقُنُوتِ هُنَا الْقِيَامُ بِاتِّفَاقِ العلماء فيما عَلِمْتُ. اهـ. شرح النووي لصحيح مسلم (٦/ ٣٦).(٣) في الأصل: "وَأَنَّ"، ولعل المثبت أوضح وأصوب.(٤) وهذا يفعله كثيرٌ من الأئمة في رمضان، فهم يُطيلون القيام ليختموا القرآن، لكنهم يخففون الركوع والسجود والاعتدال منهما.стр. 1952
وَإِذَا كَانَ السُّجُود عِبَادَةً بِنَفْسِهِ عُلِمَ أَنَّهُ أَفْضَلُ مِن الْقِيَامِ (١) .
وَقَد ثَبَتَ فِي "الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ" عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِن رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ" (٢) وَهَذَا نَصٌّ فِي أَنَّهُ فِي حَالِ السُّجُودِ أَقْرَبُ إلَى اللهِ مِنْة فِي غَيْرِهِ، وَهَذَا صَرِيحٌ فِي فَضِيلَةِ السُّجُودِ عَلَى غَيْرِهِ.
فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَطْوِيلَ الصَّلَاةِ قِيَامِهَا وَرُكُوعِهَا وَسُجُودِهَا أَفْضَلُ مِن تَكْثِيرِ ذَلِكَ مَعَ تَخْفِيفِهِ، وَهُوَ الْقَوْلُ الثَّالِثُ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ.
فَإِنَّهُ لَمَّا صَلَّى الْكسُوفَ كَانَ يُمْكِنُهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَشْرَ رَكَعَاتٍ أَو عِشْرِينَ رَكْعَة يُكْثِرُ فِيهَا قِيَامَهَا وَسُجُودَهَا فَلَمْ يَفْعَلْ؛ بَل صَلَّى رَكْعَتَيْنِ أَطَالَ فِيهِمَا الْقِيَامَ وَالرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ، وَجَعَلَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ قِيَامَيْنِ وَرُكُوعَيْنِ.
وَعَلَى هَذَا: فَكَثْرَةُ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ أَفْضَلُ مِن طُولِ الْقِيَامِ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ تَطْوِيلُ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ.
وَأَمَّا إذَا أَطَالَ الْقِيَامَ وَالرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ: فَهَذَا أَفْضَلُ مِن إطَالَةِ الْقِيَامِ فَقَطْ، وَأَفْضَلُ مِن تَكْثِيرِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالْقِيَامِ بِقَدْرِ ذَلِكَ (٣) . [٢٣/ ٦٩ - ٨٢] الحواشي
(١) ولهذا يرى الشيخ جواز السجود المطلق لله تعالى، كان يدعو الله وهو ساجد بلا صلاة. فقد ذكر أن العلماء اختلفوا في السجود المطلق هل هو مشروع أم لا؟ ومال إلى المول بمشروعيته، وأنه كالتسبيح والذكر يشرع خارج الصلاة أيضًا. يُنظر إلى كلامه في (٢١/ ٢٨٥).
وقد ذكر الشيخ أن جنس السجود أفضل من جنس القيام من اثني عشر وجهًا، اقتصرتُ على بعضِها.(٢) رواه مسلم(٤٨٢) .(٣) خلاصة كلام شيخ الإسلام في أَيّهُمَا أَفْضَلُ: كَثْرَةُ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ مع تخفيف القراءة، أَو طُولُ الْقِيَامِ مع تقليل عدد الركعات؟
١ - أَنَّ تَطْوِيلَ الصَّلَاةِ قِيَامِهَا وَرُكُوعِهَا وَسُجُودِهَا مع تقليل عدد الركعات: أَفْضَلُ مِن تَكْثِيرِ ذَلِكَ مَعَ تَخْفِيفِهِا.
٢ - أنّ كَثْرَةَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ -وذلك بتكثير عدد الركعات- وَتَخْفِيفَ الْقِيَامِ: أَفْضَلُ مِن طُولِ الْقِيَامِ الَّذِي فِيهِ تَخفيف الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ. =стр. 1953
٢٦٦٥ - تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ: أَيُّمَا أَفْضَلُ: إطَالَةُ الْقِيَامِ، أَمْ تَكْثِيرُ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، أَمْ هُمَا سَوَاءٌ؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ السُّجُودَ فِي نَفْسِهِ أَفْضَلُ مِنَ الْقِيَامِ، وَلَكِنَّ ذِكْرَ الْقِيَامِ أَفْضَلُ وَهُوَ الْقِرَاءَةُ.
وَتَحْقِيقُ الْأَمْرِ: أَنَّ الْأَفْضَلَ فِي الصَّلَاةِ أَنْ تَكُونَ مُعْتَدِلَةً، فَإِذَا أَطَالَ الْقِيَامَ يُطِيلُ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ، كَمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ كَمَا رَوَاهُ حُذَيْفَةُ وَغَيْرُهُ.
فَإِنْ فَضَّلَ مُفَضِّلٌ إطَالَةَ الْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجودِ مَعَ تَقْلِيلِ الرَّكَعَاتِ، وَتَخْفِيفَ الْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ مَعَ تَكْثِيرِ الرَّكَعَاتِ: فَهَذَانِ مُتَقَارِبَانِ. [٢٣/ ١١٤ - ١١٥]
٢٦٦٦ - الْوِتْرُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، وَمَن أَصَرَّ عَلَى تَرْكِهِ فَإِنَّهُ تُرَدُّ شَهَادَتُهُ.
وَالْوِتْرُ أَوْكَدُ مِن سُنَّةِ الظُّهْرِ وَالْمَغْرِب وَالْعِشَاءِ، وَالْوِتْرُ أَفْضَلُ مِن جَمِيعِ تَطَوُّعَاتِ النَّهَارِ كَصَلَاةِ الضُّحَى؛ بَل أَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ: قِيَامُ اللَّيْلِ، وَأَوْكَدُ ذَلِكَ الْوِتْرُ وَرَكْعَتَا الْفَجْرِ. [٢٣/ ٨٨]
٢٦٦٧ - وَسُئِلَ: عَمَّن نَامَ عَن صَلَاةِ الْوِتْرِ؟
الحواشي
(١) = ٣ - أنّه إذَا أَطَالَ الْقِيَامَ وَالرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ - بحيث تكون الصلاةُ مُعتدلة مُتقاربة -: فَهَذَا أَفْضَلُ مِن إطَالَةِ الْقِيَامِ فَقَطْ وتخفيف الرُّكُوع وَالسُّجُود.
بل وَأَفْضَلُ مِن تَكْثِيرِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالْقِيَامِ بِقَدْرِ ذَلِكَ.
فمثلًا: لو كان يُصلي إحدى عشرة ركعة، ويقرأ كل ركعة وجهين، ويُطيل في الركوع والسجود، فهذا أفضل الصور جميعًا، بل وأفضل من الزيادة على الإحدى عشرة إذا كان زمن صلاتِه بقدر ما كان يُصلي الإحدى عشرة.
فلو كان يصلي إحدى عشرة ركعة في ساعة واحدة، ويُطيل فيها الركوع والسجود والقراءة، فهو أفضل مِن صلاته ثلاثًا وعشرين ركعة في ساعة واحدة، بحيث يُخفّف فيها الركوع والسجود والقراءة.стр. 1954
فَأَجَابَ: يُصَلِّي مَا بَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الصُّبْحِ كمَا فَعَلَ ذَلِكَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ وَعَائِشَةُ وَغَيْرُهُمَا (١) .
وَاخْتَلَفَت الرِّوَايَةُ عَن أَحْمَد هَل يَقْضِي شَفْعَهُ مَعَهُ؟ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَقْضِي شَفْعَهُ مَعَهُ (٢) .
وَقَد صَحَّ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "مَن نَامَ عَن صَلَاةٍ أَو نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا؛ فَإِنَّ ذَلِكَ وَقْتُهَا". الحواشي
(١) اختلف العلماء في الوتر بعد الفجر ما لم يُصَلّ الصبح، فقيل: إذا طلع الفجر خرج وقت الوتر، ولا يصلي الوتر بعد ذلك إلا شفعًا، وبه قال الثوري وأبو حنيفة وإسحاق بن راهويه.
واسْتدلوا بقوله ﷺ : "فإذا خشيت الصبح فأوتر بواحدة".
وقال آخرون: وقت الوتر ما بين صلاة العشاء إلى صلاة الفجر، وبه قال مالك والشافعي وأحمد بن حنبل.
وممن أوتر بعد الفجر عبادةُ بن الصامت وابن عباس وأبو الدرداء وحذيفة وابن مسعود وعائشة، روي ذلك عن ابن عمر ﵃.
قال ابن عبد البر ﵀: وهو الصواب عندي؛ لأني لا أعلم لهؤلاء الصحابة مخالفًا من الصحابة.
فَدَلّ إجماعهم على أن معنى الحديث في مراعاة طلوع الفجر أريد ما لم تُصَلِّ صلاة الفجر. اهـ. الاستذكار (٢/ ١٢٢).
وقال النووي في شرح المهذب: قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن ما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر وقت للوتر، ثم حكى عن جماعة من السلف أنهم قالوا: يمتد وقته إلى أن يصلي الصبح، وعن جماعة أنهم قالوا يفوت لطلوع الفجر. انتهى.
ورجح العلّامة ابن عثيمين ﵀ أنّ الوتر ينتهي بطلوع الفجر، وقال: وأما ما يُروى عن بعضِ السَّلفِ؛ أنَّه كان يُوتِرُ بين أذانِ الفَجرِ، وإقامةِ الفَجرِ فإنَّه عَمَلٌ مُخالفٌ لما تقتضيه السُّنَّة، ولا حُجَّةَ في قولِ أحدٍ بعد رسولِ الله ﷺ .
فالوِتْرُ ينتهي بطُلوعِ الفَجرِ، فإذا طَلَعَ الفجرُ وأنت لم تُؤتِرْ؛ فلا تُوتِر، لكن ماذا تصنعُ؟ الجواب: تُصلِّي في الضُّحى وِترًا مشفوعًا بركعة، فإذا كان مِن عادتك أن توتر بثلاث صلَّيتَ أربعًا، وإذا كان مِن عادتك أن توتر بخمس فصلِّ ستًا. اهـ. الشرح الممتع (٤/ ١٣).
والذي يترجح لي أنه لا يُشْرع للمسلم تعمُّد تأخير الوتر ليصليه بعد الأذان الثاني للصبح؛ لأنه ليس وقتًا له، ولكن من فاته الوتر فإنه يشرع له قضاؤه، وقضاؤه قبل صلاة الصبح أولى؛ لوروده عن كثير من الصحابة والسلف الصالح، ولا يُعلم مَن خالفهم، ولأنه وقتٌ للوتر عند بعض العلماء.(٢) فيصلي الركعتين وهما الشفع، مع الوتر وهو الركعة الواحدة.стр. 1955
وَهَذَا يَعُمُّ الْفَرْضَ وَقِيَامَ اللَّيْلِ وَالْوِتْرَ وَالسُّنَنَ الرَّاتِبَةَ (١) .
وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ: إنَّ الْوِتْرَ لَا يُقْضَى وَهُوَ رِوَايَةٌ عَن أَحْمَد.
وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْوِتْرَ يُقْضَى قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، فَإِنَّهُ إذَا صُلِّيَتْ لَمْ يَبْقَ فِي قَضَائِهِ الْفَائِدَةَ الَّتِي شُرعَ لَهَا. [٢٣/ ٨٩ - ٩١]
٢٦٦٨ - الْمَأْثُورُ عَنِ السَّلَفِ أَنَّهُم إذَا نَامُوا عَنِ الْوِتْرِ كَانُوا يُوتِرُونَ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ، وَلَا يُؤَخِّرُونَهُ إلَى مَا بَعْدَ الصَّلَاةِ. [١٧/ ٤٧٣]
٢٦٦٩ - لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ إنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُصَلَّى بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ إحْدَى عَشْرَةَ؛ بَل وَلَا نَقَلَ عَنْهُ ﷺ أَحَدٌ أَنَّهُ خَصَّ مَا بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ بِصَلَاةٍ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿نَاشِئَةَ اللَّيْلِ﴾ [المزمل: ٦] عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ هُوَ إذَا قَامَ الرَّجُلُ بَعْدَ نَوْمٍ، لَيْسَ هُوَ أَوَّلَ اللَّيْلِ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ هَكَذَا كَانَ يُصَلِّي، وَالْأَحَادِيثُ بِذَلِكَ مُتَوَاتِرَةٌ عَنْهُ، كَانَ يَقُومُ بَعْدَ النَّوْمِ، لَمْ يَكُن يَقُومُ بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ (٢) . [١٧/ ٤٧٤] الحواشي
(١) ظاهر الحديث أن من فاته الوتر بسبب نوم أو نسيان أنه يُصليه إذا استيقظ أو ذكره أداءً لا قضاءً، وهذا هو ظاهر رأي الشيخ في استدلاله بالحديث.
قال العلَّامة الصنعاني: والقياس أنه أداء كما عرفت فيمن نام عن الفريضة أو نسيها. سبل السلام (٢/ ١٨).(٢) لكن ورد عن النبي ﷺ أنه صلى ما بين المغرب والعشاء، فقد روى الإمام أحمد(٢٢٩٢٦) ،
عَن حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: "جِئْتُ النبي ﷺ فَصَلَّيْتُ مَعَهُ الْمَغْرِبَ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ قَامَ يُصَلِّي،
فَلَمْ يَزَلْ يُصَلِّي حَتَّى صَلَّى الْعِشَاءَ"، صحَّحه الألباني في إرواء الغليل(٤٧٠) .
وكذلك ثبت عن بعض الصحابة ﵃ أنهم كانوا يصلون ما بين المغرب والعشاء، فقد روى أبو داود(١٣٢١) ، عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ فِي هَذ الْآيَةِ: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ(١٦) ﴾ [السجدة: ١٦] قَالَ: كَانُوا يَتَيَقَّظُونَ - وفي رواية: يَتَنَفَّلُونَ- مَا بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ يُصَلُّونَ. وَكَانَ الْحَسَنُ يَقُولُ: قِيَامُ اللَّيْلِ.
صحَّحه الألباني في صحيح أبي داود.
قال الشوكاني ﵀: "والآيات والأحاديث المذكورة في الباب تدل على مشروعية الاستكثار من الصلاة ما بين المغرب والعشاء، والأحاديث وإن كان أكثرها ضعيفًا فهي منتهضة بمجموعها، لا سيما في فضائل الأعمال". نيل الأوطار (٣/ ٦٨).стр. 1956
٢٦٧٠ - الْأَحَادِيثُ صَحِيحَةٌ صَرِيحَةٌ بِأَنَّهُ ﷺ كَانَ يُصَلِّي بَعْدَ الْوِتْرِ رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ غَيْرَ رَكْعَتَي الْفَجْرِ.
فَإِذَا كَانَت الْمَغْرِبُ وِتْرَ النَّهَارِ: فَقَد كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي بَعْدَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ وَلَمْ يَخْرُج الْمَغْرِبُ بِذَلِكَ عَن أَنْ يَكُونَ وِتْرًا؛ لِأَنَّ تِلْكَ الرَّكْعَتَيْنِ هُمَا تَكْمِيلُ الْفَرْضِ وَجَبْرٌ لِمَا يَحْصُلُ مِنْهُ مِن سَهْوٍ وَنَقْصٍ.
فَكَذَلِكَ وِتْرُ اللَّيْلِ جَبَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهُ.
وَإِنْ (١) كَانَ يُصَلِّيهِمَا جَالِسًا؛ لِأنَّ وِتْرَ اللَّيْلِ دُونَ وِتْرِ النَّهَارِ، فَيَنْقُصُ عَنْهُ فِي الصِّفَةِ. [٢٣/ ٩٦ - ٩٨]
٢٦٧١ - إِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِن الْوَاجِبَاتِ وَالْمُسْتَحَبَّات الرَّاتِبَةِ يَسْقُط بِالْعُذْرِ الْعَارِضِ، بِحَيْثُ لَا يَبْقَى لَا وَاجِبًا وَلَا مُسْتَحَبًّا، كَمَا سَقَطَ بِالسَّفَرِ وَالْمَرَضِ وَالْخَوْفِ كَثِيرٌ مِن الْوَاجِبَاتِ وَالْمُسْتَحَبَّات.
وَكَذَلِكَ أَيْضًا: قَد يَجِبُ أَو يُسْتَحَبُّ لِلْأَسْبَابِ الْعَارِضَةِ مَا لَا يَكُونُ وَاجِبًا وَلَا مُسْتَحَبًّا رَاتِبًا؛ فَالْعِبَادَاتُ فِي ثُبُوتِهَا وَسُقُوطِهَا تَنْقَسِمُ إلَى:
أ - رَاتِبَةٍ.
ب - وَعَارِضَةٍ.
وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ ثُبُوتُ الْوُجُوبِ أَو الِاسْتِحْبَابُ أَو سُقُوطُهُ.
وَإِنَّمَا تَغْلَطُ الْأَذْهَانُ مِن حَيْثُ تَجْعَلُ الْعَارِضَ رَاتِبًا، أَو تَجْعَلُ الرَّاتِبَ لَا يَتَغَيَّرُ بِحَال.
وَمَن اهْتَدَى لِلْفَرْقِ بَيْنَ الْمَشْرُوعَاتِ الرَّاتِبَةِ وَالْعَارِضَةِ: انْحَلَّتْ عَنْهُ هَذِهِ الْمُشْكلَاتُ كَثِيرًا. [٢٣/ ١٠٣ - ١٠٤]
٢٦٧٢ - تَنَازَعَ الْمُسْلِمُونَ فِي الْقُنُوتِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: الحواشي
(١) لعله: وإنما؛ ليستقيم المعنى.стр. 1957
أَحَدُهَا: أَنَّهُ مَنْسُوخٌ فَلَا يُشْرَعُ بِحَالٍ؛ بِنَاءً عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَنَتَ ثُمَّ تَرَكَ وَالتَّرْكُ نَسْخٌ لِلْفِعْلِ.
وَالثَّانِي: أَنَ الْقُنُوتَ مَشْرُوعٌ دَائِمًا وَأَنَّ الْمُدَاوَمَةَ عَلَيْهِ سُنَّةٌ وَأنَّ ذَلِكَ يَكُونُ فِي الْفَجْرِ.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَنَتَ لِسَبَب نَزَلَ بِهِ ثُمَّ تَرَكَهُ عِنْدَ عَدَمِ ذَلِكَ السَّبَبِ النَّازِلِ بِهِ، فَيَكُونُ الْقُنُوتُ مَسْنُونًا عِنْدَ النَّوَازِلِ، وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ فُقَهَاءُ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَهُوَ الْمَأْثُورُ عَن الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ ﵃.
فَسُنَّةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَخلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ تَدُلُّ عَلَى شَيْئَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ دُعَاءَ الْقُنُوتِ مَشْرُوعٌ عِنْدَ السَّبَبِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ، لَيْسَ بِسُنَّة دَائِمَةٍ فِي الصَّلَاةِ.
الثَّانِي: أَنَّ الدُّعَاءَ فِيهِ لَيْسَ دُعَاءً رَاتِبًا؛ بَل يَدْعُو فِي كُلِّ قُنُوتٍ بِالَّذِي يُنَاسِبُهُ.
وَهَذَا النِّزَاعُ الَّذِي وَقَعَ فِي الْقُنُوتِ لَهُ نَظَائِرُ كَثِيرةٌ فِي الشَّرِيعَةِ: فَكَثِيرًا مَا يَفْعَلُ النَّبِيُّ ﷺ لِسَبَب، فَيَجْعَلُهُ بَعْضُ النَّاسِ سُنَّةً، وَلَا يُمَيِّزُ بَيْنَ السُّنَّةِ الدَّائِمَةِ وَالْعَارِضَةِ.
وَبَعْضُ النَّاسِ يَرَى أَنَّهُ لَمْ يَكُن يَفْعَلُهُ فِي أَغْلَبِ الْأَوْقَاتِ فَيَرَاهُ بِدْعَةً، ويجْعَلُ فِعْلَهُ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ مَخْصُوصًا أَو مَنْسُوخًا إنْ كَانَ قَد بَلَغَهُ ذَلِكَ؛ مِثْلُ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ فِي جَمَاعَةٍ، فَإِنَّهُ قَد ثَبَتَ عَنْهُ فِي "الصَّحِيحِ" أَنَّهُ صَلَّى بِاللَّيْلِ وَخَلْفَهُ ابْنُ عَئاسٍ مَرَّةً، وَحُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ مَرَّةً، وَكَذَلِكَ غَيْرُهُمَا.
فَمِن النَّاسِ مَن يَجْعَلُ هَذَا فِيمَا يُحْدثُ مِن "صَلَاةِ الْأَلْفِيَّةِ" لَيْلَةَ نِصْفِ شَعْبَانَ، وَالرَّغَائِبِ وَنَحْوِهِمَا مِمَّا يُدَاوِمُونَ فِيهِ عَلَى الْجَمَاعَاتِ.
وَمِن النَّاسِ مَن يَكْرَهُ التَّطَوُّعَ؛ لِأَنَّهُ رَأَى أَنَّ الْجَمَاعَةَ إنَّمَا سُنَّتْ فِي
стр. 1958
الْخَمْسِ (١) ، كَمَا أَنَّ الْأَذَانَ إنَّمَا سُنَّ فِي الْخَمْسِ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الصَّوَابَ هُوَ مَا جَاءَت بِهِ السُّنَّةُ فَلَا يُكْرَهُ أَنْ يَتَطَوَّعَ فِي جَمَاعَةٍ، كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ ، وَلَا يَجْعَلُ ذَلِكَ سُنَةً رَاتِبَةً؛ كَمَن يُقِيمُ لِلْمَسْجِدِ إمَامًا رَاتِبًا يُصَلِّي بِالنَّاسِ بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ أَو فِي جَوْفِ اللَّيْلِ (٢) كَمَا يُصَلِّي بِهِم الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ.
وَيُشْبِهُ ذَلِكَ مِن بَعْضِ الْوُجُوهِ تَنَازُعُ الْعُلَمَاءِ فِي مِقْدَارِ الْقِيَامِ فِي رَمَضَانَ، فَإِنَّهُ قَد ثَبَتَ أَنَّ أبي بْنَ كَعْب كَانَ يَقُومُ بِالنَّاسِ عِشْرِينَ رَكْعَةً فِي قِيَامِ رَمَضَانَ وُيوتِرُ بِثَلَاثِ، فَرَأَى كَثِيرٌ مِن الْعُلَمَاءِ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ السُّنَّةُ؛ لِأَنَّهُ أَقَامَهُ بَيْن الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَلَمْ يُنْكِرْهُ مُنْكِرٌ.
وَاسْتَحَبَّ آخَرُونَ: تِسْعَةً وَثَلَاثِينَ رَكْعَةً؛ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ عَمَلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ الْقَدِيمِ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: قَد ثَبَتَ فِي "الصَّحِيحِ" عَن عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُن يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا غَيْرِهِ عَلَى ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً.
وَاضْطَرَبَ قَوْمٌ فِي هَذَا الْأَصْلِ لِمَا ظَنُّوهُ مِن مُعَارَضَةِ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ لِمَا ثَبَتَ مِن سُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَعَمَلِ الْمُسْلِمِينَ.
وَالصَّوَابُ: أَنَّ ذَلِكَ جَمِيعَهُ حَسَنٌ؛ كَمَا قَد نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْإِمَامُ أَحْمَد ﵁، وَأَنَّهُ لَا يتوقت فِي قِيَامِ رَمَضَانَ عَدَدٌ، فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُوَقِّتْ فِيهَا عَدَدًا.
وَحِينَئِذٍ فَيَكُونُ تَكْثِيرُ الرَّكَعَاتِ وَتَقْلِيلُهَا بِحَسَبِ طُولِ الْقِيَامِ وَقِصَرِهِ.
فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُطِيلُ الْقِيَامَ بِاللَّيْلِ، حَتَّى إنَّهُ قَد ثَبَتَ عَنْهُ فِي الحواشي
(١) أي: الصلوات الخمس.(٢) في غير رمضان، حيث ثبت أن النبي ﷺ صلى التراويح في رمضان جماعة، ولم يُدوِام عليها خوفًا من أن تُفرض عليهم، وكذلك صلاها الصحابة جماعة راتبة.стр. 1959
"الصَّحِيحِ" مِن حَدِيثِ حُذَيْفَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَةِ بِالْبَقَرَةِ وَالنِّسَاءِ وَآلِ عِمْرَانَ، فَكَانَ طُولُ الْقِيَامِ يُغْنِي عَن تَكْثِيرِ الرَّكَعَاتِ.
وأبيُّ بْنُ كَعْبٍ لَمَّا قَامَ بِهِم وَهُم جَمَاعَةٌ وَاحِدَةٌ لَمْ يُمْكِنْ أَنْ يُطِيلَ بِهِم الْقِيَامَ، فَكَثَّرَ الرَّكَعَاتِ لِيَكُونَ ذَلِكَ عِوَضًا عَن طُولِ الْقِيَامِ، وَجَعَلُوا ذَلِكَ ضِعْفَ عَدَدِ رَكَعَاتِهِ، فَإِنَّهُ كَانَ يَقُومُ بِاللَّيْلِ إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً أَو ثَلَاثَ عَشْرَة، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ كَانَ النَّاسُ بِالْمَدِينَةِ ضَعُفُوا عَن طُولِ الْقِيَامِ فَكَثَّرُوا الرَّكَعَاتِ حَتَّى بَلَغَتْ تِسْعًا وَثَلَاثِينَ (١) . [٢٣/ ١٠٥ - ١١٣]
٢٦٧٣ - السُّنَّةُ فِي التَّرَاوِيحِ أَنْ تُصَلَّى بَعْدَ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ كَمَا اتَّفَقَ عَلَى ذَلِكَ السَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ (٢) . [٢٣/ ١١٩]
٢٦٧٤ - تَطْوِيلُ آخِرِ قِيَامِ اللَّيْلِ عَلَى أَوَّلهِ: خِلَافُ السُّنَّةِ، فَإِنَّهُ ﷺ كَانَ يُطَوِّلُ أَوَائِلَ مَا كَانَ يُصَلِّيهِ مِن الرَّكَعَاتِ عَلَى أَوَاخِرِهَا (٣) . [٢٣/ ١٢١]
٢٦٧٥ - ثَبَتَ عَنْهُ فِي "الصَّحِيحِ" أَنَّهُ قَالَ: "بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ، بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ، ثُمَّ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ: لِمَن شَاءَ" (٤) ؛ كَرَاهِيَةَ أَنْ يَتَّخِذَهَا النَّاسُ سُنَّة.
فَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ الصَّلَاةَ قَبْلَ الْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ حَسَنَةٌ وَلَيْسَتْ بِسُنَّةٍ، فَمَن أَحَبَّ أَنْ يُصَلِّيَ قَبْلَ الْعَصْرِ كَمَا يُصَلِّي قَبْلَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَحَسَنٌ.
وَأَمَّا أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ ذَلِكَ سُنَّةٌ رَاتِبَةٌ كَانَ يُصَلِّيهَا النَّبِيُّ ﷺ كَمَا يُصَلِّي قَبْلَ الحواشي
(١) وتقدم أنّ الشيخ يختار طول القيام والركوع والسجود على كثرة الركوع والسجود مع التخفيف.(٢) حتى في العشر الأواخر من رمضان، وهذا بخلاف ما عليه واقع كثير من المسلمين، حيث يصلون بعض الركعات في أوّل الليل، ويُكملون البقيّة في آخره.(٣) وواقع كثير من المسلمين على خلاف هذا، حيث يُطيلون الصلاة في آخر الليل، ويخفّفون الصلاة في أوّله في العشر الأواخر من رمضان.(٤) رواه البخاري(٦٢٧) ، ومسلم(٨٣٨) .стр. 1960
الظُّهْرِ وَبَعْدَهَا وَبَعْدَ الْمَغْرِبِ: فَهَذَا خَطَأٌ (١) . [٢٣/ ١٢٥]
٢٦٧٦ - الصَّلَاة مَعَ الْمَكْتُوبَةِ ثَلَاثُ دَرَجَاتٍ:
إحْدَاهَا: سُنَّةُ الْفَجْرِ وَالْوِتْرِ، فَهَاتَانِ أَمَرَ بِهِمَا النَّبيُّ ﷺ وَلَمْ يَأْمُرْ بِغَيْرِهِمَا، وَهُمَا سُنَّةٌ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّيهِمَا فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ، وَلَمْ يَجْعَلْ مَالِكٌ سُنَّةً رَاتِبَةً غَيْرَهُمَا.
وَالثانِيَةُ: مَا كَانَ يُصَلِّيهِ مَعَ الْمَكْتُوبَةِ فِي الْحَضَرِ، وَهُوَ عَشْرُ رَكَعَاتٍ (٢) ، وَثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً (٣) .
وَقَد أَثْبَتَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَد مَعَ الْمَكتُوبَاتِ سُنَّةً مُقَدَّرَةً بِخِلَافِ مَالِكٍ.
وَالثَّالِثَةُ: التَّطَوُّعُ الْجَائِزُ فِي هَذَا الْوَقْتِ مِن غَيْرِ أَنْ يُجْعَلَ سُنَّةً؛ لِكَوْنِ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يُدَاوِمْ عَلَيْهِ وَلَا قَدَّرَ فِيهِ عَدَدًا، وَالصَّلَاةُ قَبْلَ الْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ مِن هَذَا الْبَابِ.
وَقَرِيبًا مِن ذَلِكَ صَلَاةُ الضُّحَى. [٢٣/ ١٢٥ - ١٢٦]
٢٦٧٧ - إذَا فَاتَت السُّنَّةُ الرَّاتِبَةُ مِثْل سُنَّةِ الظُّهْرِ، فَهَل تُقْضَى بَعْدَ الْعَصْرِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لَا تُقْضَى، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ.
وَالثَّانِي: تُقْضَى، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَهُوَ أَقْوَى. [٢٣/ ١٢٧] الحواشي
(١) والشيخ لم يتكلم عن الحديث المروي: "رَحِمَ اللهُ امْرَأً صَلَّى قَبْلَ الْعَصْرِ أَرْبَعًا". رواه الإمام أحمد(٥٩٨٠) ، وأبو داود(١٢٧١) ، والترمذي(٤٣٠) ، وحسَّنه الترمذي والألباني في صحيح أبي داود.
ولم أر الشيخ أشار إليه ولا سُئِل عنه!(٢) وهي: رَكْعَتَان أَو أَرْبَعٌ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَان بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَان بَعْدَ الْمَغْرِب، وَرَكْعَتَان بَعْدَ الْعِشَاءِ، وَرَكْعَتَان قَبْلَ الْفَجْرِ.(٣) وهي صلاة الليل مع الوتر.стр. 1961
٢٦٧٨ - الَّذِي ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي فِي السَّفَرِ مِن التَّطَوُّعِ: رَكْعَتَا الْفَجْرِ .. وَكَذَلِكَ قِيَامُ اللَّيْلِ وَالْوِتْر. [٢٣/ ١٢٨]
٢٦٧٩ - إذَا صَلَّى الْإِنْسَانُ لَيْلَةَ النِّصْفِ [أي: مِن شَعْبَانَ] وَحْدَهُ أَو فِي جَمَاعَةٍ خَاصَّةٍ كَمَا كَانَ يَفْعَلُ طَوَائِفُ مِن السَّلَفِ: فَهُوَ أَحْسَنُ.
وَأَمَّا الِاجْتِمَاعُ فِي الْمَسَاجِدِ عَلَى صَلَاةٍ مُقَدَّرَةٍ؛ كَالِاجْتِمَاعِ عَلَى مِائَةِ رَكْعَةٍ بِقِرَاءَةِ أَلْفٍ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) ﴾ [الإخلاص: ١] دَائِمًا: فَهَذَا بِدْعَةٌ لَمْ يَسْتَحِبَّهَا أَحَدٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ. [٢٣/ ١٣١]
٢٦٨٠ - إذا تكرر منه دخول المسجد: يستحب له أن يعيد التحية، واختاره الشيخ تقي الدين. [المستدرك ٣/ ١١٤]
٢٦٨١ - صَلَاةُ الرَّغَائِبِ: لَا أَصْلَ لَهَا؛ بَل هِيَ مُحْدَثَةٌ، فَلَا تُسْتَحَبُّ لَا جَمَاعَةً وَلَا فُرَادَى.
وَأَمَّا لَيْلَةُ النِّصْفِ: فَقَد رُوِيَ فِي فَضْلِهَا أَحَادِيثُ وَآثَارٌ، وَنُقِلَ عَن طَائِفَةٍ مِن السَّلَفِ أَنَّهُم كَانُوا يُصَلُّونَ فِيهَا.
فَصلَاةُ الرَّجُلِ فِيهَا وَحْدَهُ قَد تَقَدَّمَهُ فِيهِ سَلَفٌ وَلَهُ فِيهِ حُجَّةٌ فَلَا يُنْكَرُ مِثْلُ هَذَا.
وَأَمَّا الصَّلَاةُ فِيهَا جَمَاعَةً: فَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى قَاعِدَةٍ عَامَّةٍ فِي الِاجْتِمَاعِ عَلَى الطَّاعَاتِ وَالْعِبَادَاتِ، فَإِنَّهُ نَوْعَانِ:
أَحَدُهُمَا: سُنَّةٌ رَاتِبَةٌ، إمَّا وَاجِبٌ وَإِمَّا مُسْتَحَبٌّ؛ كَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَالْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ، وَصَلَاةِ الْكُسُوفِ وَالِاسْتِسْقَاءِ وَالتَّرَاوِيحِ، فَهَذَا سُنَّةٌ رَاتِبَةٌ، يَنْبَغِي الْمُحَافَظَةُ عَلَيْهَا وَالْمُدَاوَمَةُ.
وَالثَّانِي: مَا لَيْسَ بِسُنَّةِ رَاتِبَةٍ؛ مِثْل الِاجْتِمَاعِ لِصَلَاةِ تَطَوُّعٍ؛ مِثْل قِيَامِ اللَّيْلِ، أَو عَلَى قِرَاءَةِ قُرْاَنٍ، أَو ذِكْرِ اللهِ أَو دُعَاءٍ، فَهَذَا لَا بَأْسَ بِهِ إذَا لَمْ يُتَّخَذْ عَادَةً رَاتِبَةً.
стр. 1962
فَلَو أَنَّ قَوْمًا اجْتَمَعُوا بَعْضَ اللَّيَالِي عَلَى صَلَاةِ تَطَوُّعٍ مِن غَيْرِ أَنْ يَتَّخِذُوا ذَلِكَ عَادَةً رَاتِبَةً تُشْبِهُ السُّنَّةَ الرَّاتِبَةَ: لَمْ يُكْرَهْ.
لَكِنَّ اتِّخَاذَهُ عَادَةً دَائِرَةً بِدَوَرَانِ الْأَوْقَاتِ: مَكْرُوهٌ؛ لِمَا فِيهِ مِن تَغْيِيرِ الشُّرِيعَةِ، وَتَشْبِيهِ غَيْرِ الْمَشْرُوعِ بِالْمَشْرُوعِ.
وَلَو سَاغَ ذَلِكَ لَسَاغَ أَنْ يَعْمَلَ صَلَاةً أُخْرَى وَقْتَ الضُّحَى، أَو بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، أَو تَرَاوِيحَ فِي شَعْبَانَ، أَو أَذَانًا فِي الْعِيدَيْنِ، أَو حَجًّا إلَى الصَّخْرَةِ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَهَذَا تَغْيِيرٌ لِدِينِ اللهِ وَتَبْدِيلٌ لَهُ.
وَهَكذَا الْقَوْلُ فِي لَيْلَةِ الْمَوْلِدِ وَغَيْرِهَا.
وَالْبِدَع الْمَكْرُوهَةُ مَا لَمْ تَكُنْ مُسْتَحَبَّة فِي الشَّرِيعَةِ وَهِيَ: أَنْ يُشَرِّعَ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ، فَمَن جَعَلَ شَيْئًا دِينًا وَقُرْبَةً بِلَا شَرْع مِن اللهِ فَهُوَ مُبْتَدِعٌ ضَالٌّ، وَهُوَ الَّذِي عَنَاهُ النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ: "كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ" (١) .
فَالْبِدْعَةُ: ضِدُّ الشِّرْعَةِ، وَالشِّرْعَةُ: مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ وَرَسُولُهُ أَمْرَ إيجَابٍ أَو أَمْرَ اسْتِحْبَابٍ -وَإِن لَمْ يُفْعَلْ عَلَى عَهْدِهِ- كَالِاجْتِمَاعِ فِي التَّرَاوِيحِ عَلَى إمَامٍ وَاحِدٍ، وَجَمْعِ الْقُرْآنِ فِي الْمُصْحَفِ، وَقَتْلِ أَهْلِ الرِّدَّةِ وَالْخَوَارجِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَمَا لَمْ يَشْرَعْهُ اللهُ وَرَسُولُهُ: فَهُوَ بِدْعَةٌ وَضَلَالَةٌ؛ مِثْل تَخْصِيصِ مَكَانٍ أَو زَمَانٍ بِاجْتِمَاع عَلَى عِبَادَةٍ فِيهِ، كَمَا خَصَّ الشَّارعُ أَوْقَاتَ الصَّلَوَاتِ وَأَيَّامَ الْجُمَعِ وَالْأَعْيَادِ، وَكَمَا خَصَّ مَكَّةَ بِشَرَفِهَا، وَالْمَسَاجِدَ الثَّلَاثَةَ وَسَائِرَ الْمَسَاجِدِ بِمَا شَرَعَهُ فِيهَا مِن الصَّلَوَاتِ وَأَنْوَاعَ الْعِبَادَاتِ، كُلٌّ بِحَسْبِهِ. [٢٣/ ١٣٢ - ١٣٤]
٢٦٨٢ - سُنَّةُ النَّبِيِّ ﷺ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ وَصَلَاةِ الْكُسُوفِ وَغَيْرِهِمَا: تَطْوِيلُ أَوَّلِ الْعِبَادَةِ عَلَى آخِرِهَا؛ لِأَسْبَابٍ تَقْتَضِي ذَلِكَ. [٢٤/ ٢٣٣] الحواشي
(١) رواه مسلم(٨٦٧) .стр. 1963
٢٦٨٣ - مَعْلُومٌ أَنَّ التَّطَوُّعَ بِالصَّلَاةِ مُضْطَجِعًا بِدْعَةٌ لَمْ يَفْعَلْهَا أَحَدٌ مِن السَّلَفِ (١) . [٢٣/ ٢٤٢]
٢٦٨٤ - في رد شيخنا على الرافضي بعد أن ذكر تفضيل أحمد للجهاد والشافعي للصلاة وأبي حنيفة ومالك للعلم: وَالتَّحْقِيقُ لَا بُدَّ لِكُلٍّ من الْآخَرَيْنِ، وقد يَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ أَفْضَلَ في حَالٍ؛ كَفِعْلِ النبي ﷺ وَخُلَفَائِهِ ﵃ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ وَالْمَصْلَحَةِ. [المستدرك ٣/ ١٠٣]
٢٦٨٥ - نقل حرب أنه قال لرجل له مال كثير: أَقِمْ على وَلَدِك وَتَعَاهَدْهُم أَحَبُّ إلَيَّ، ولم يُرَخِّصْ له؛ يَعْنِي: في غَزْوٍ غَيْرِ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ. [المستدرك ٣/ ١٠٣ - ١٠٤]
٢٦٨٦ - استيعابُ عشر ذي الحجة بالعبادة ليلًا ونهارًا أفضل من جهادٍ لم يذهب فيه نفسه وماله.
والعبادة في غيره تعدل الجهاد للأخبار الصحيحة. المشهورة، وقد رواها أحمد وغيره، وقال: العمل بالقوس والرمح أفضل من الرباط في الثغر وفي غيره نظيرها. [المستدرك ٣/ ١٠٤]
٢٦٨٧ - وظاهر كلام ابن الجوزي وغيره أن الطواف أفضل من الصلاة فيه (٢) ، وقال شيخنا: وذكره عن جمهور العلماء للخبر. [المستدرك ٣/ ١٠٤] الحواشي
(١) قال العلَّامة ابن عثيمين ﵀: وَرَدَ في الحديث أنَّ أجْرَ صلاةِ المُضطجعِ على النَّصفِ من أجْرِ صلاةِ القاعد. رواه البخاري(٢٩٩٦) ، لكن هذا الشَّطر مِن الحديث لم يأخذ به جمهورُ العلماء، ولم يروا صِحَّة صلاة المضطجع إلا إذا كان معذورًا.
وذهب بعضُ العلماء: إلى الأخذ بالحديث وقالوا: يجوز أنْ يتنفلَ وهو مضطجع، لكن أجره على النصف من أجر صلاة القاعد، فيكون على الرُّبع مِن أجر صلاة القائم.
وهذا قولٌ قويٌّ؛ لأن الحديث في صحيح البخاري، ولأنَّ فيه تنشيطًا على صلاة النَّفل؛ لأن الإنسان أحيانًا يكون كسلانًا وهو قادر على أنْ يُصلِّي قاعدًا؛ لكن معه شيء مِن الكسل؛ فيُحِبُّ أنْ يُصلِّي وهو مضطجعٍ، فمن أجل أنْ ننشِّطَهُ على العمل الصَّالح نَفْلًا نقول: صَلِّ مضطجعًا. الشرح الممتع (٤/ ٨٠ - ٨١).(٢) أي: في الحرم.стр. 1964
٢٦٨٨ - قال أحمد: معرفة الحديث والفقه فيه أعجب إلي من حفظه. [المستدرك ٣/ ١٠٤]
٢٦٨٩ - قال القاضي: أقل الترتيل ترك العجلة في القرآن عن الإبانة، ومعناه: أنه إذا بين ما يقرأ به فقد أتى بالترسل وإن كان مستعجلًا في قراءته، وأكمله أن يرتل القراءة ويتوقف فيها ما لم يخرجه ذلك إلى التمديد والتمطيط؛ فإذا انتهى إلى التمطيط كان ممنوعًا، قال: وقد أومأ أحمد إلى معنى هذا فقال: يعجبني من قراءة القرآن السهلة ولا تعجبني هذه الألحان.
وقال الشيخ تقي الدين: قراءة القرآن بصفة التلحين الذي يشبه تلحين الغناء مكروه مبتدع، كما نص على ذلك مالك والشافعي وأحمد وغيرهم من الأئمة. [المستدرك ٣/ ١٠٥]
٢٦٩٠ - إن غلَّط القراء المصلين (١) : فذكر صاحب الترغيب وغيره يكره، وقال شيخنا: ليس لهم القراءة إذن، وعن البياضي واسمه عبد الله بن جابر أن رسول الله ﷺ خرج على الناس وهم يصلون وقد علت أصواتهم بالقراءة فقال: "إن المصلي يناجي ربه فلينظر بما يناجيه، ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن" (٢) ، وعن أبي سعيد قال: "اعتكف رسول الله ﷺ في المسجد فسمعهم يجهرون بالقراءة وهو في قبة له فكشف الستور وقال: "كلكم مناج ربه فلا يؤذين بعضكم بعضَّا ولا يرفعن بعضكم على بعض في القراءة" أو قال: "في الصلاة" (٣) وعن علي: "أن رسول الله ﷺ نهى أن يرفع الرجل صوته بالقراءة قبل العشاء وبعدها؛ يُغَلِّطُ أصحابه وهم يصلون" (٤) رواهن أحمد. [المستدرك ٣/ ١٠٥ - ١٠٦] الحواشي
(١) بحيث يقرؤون بصوتٍ مرتفع.(٢) رواه مالك(٢١٣) ، وأحمد(١٩٠٢٢) .(٣) رواه أبو داود(١٣٣٢) ، وأحمد(١١٨٩٦) ، وصحَّحه الألباني في صحيح أبي داود.(٤) رواه أحمد(٦٦٣) .стр. 1965
٢٦٩١ - التراويح سُنَّة وإنما سماها عمر ﵁ بدعة؛ لأنها لم تفعل قبل ذلك على الوجه الذي جمع الناس فيه على أبي، كما أخرج عمر اليهود والنصارى من الجزيرة وكما قاتل أبو بكر الصديق والصحابة أهل الردة، وكما جمع أبو بكر ﵁ المصحف، وكما قاتل علي ﵁ الخوارج، وكما شرط على أهل الذمة الشروط وغير ذلك من الأمور التي فعلوها عملًا بكتاب الله واتباعًا لسُنَّة رسوله ﷺ وإن لم يتقدم نظيرها، وكضرب عمر ﵁ الناس على الركعتين بعد العصر، وعلى إلزامه الإفطار في رجب وكسر أبو بكر ﵁ كيزان أهله في رجب وقال: لا تشبهوه برمضان.
فهذه العقوبة البدنية والمالية لمن كان يعتقد أن صوم رجب مشروع مستحب وأنه أفضل من صوم غيره من الأشهر، وهذا الاعتقاد خطأ وضلال ومن صامه على هذا الاعتقاد الفاسد كان عاصيًا فيعزر على ذلك، ولهذا كرهه من كرهه خشية أن يتعوده الناس، وقال: يستحب أن يفطر بعضه، ومنهم من رخص فيه إذا صام معه شهرًا آخر من السَّنة كالمحرم.
ورجب أحد الأشهر الحرم، وله فضل على غيره من الأشهر التي ليست بحرم، وكلما كان المكان والزمان أفضل كانت الطاعة فيه أفضل، والمعاصي فيه أشد، وليس هو أفضل الشهور عند الله؛ بل شهر رمضان أفضل منه كما أن يوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع. [المستدرك ٣/ ١٠٦ - ١٠٧]
٢٦٩٢ - قيام بعض الليالي كلها مما جاءت به السُّنَّة. [المستدرك ٣/ ١٠٨]
٢٦٩٣ - مَن يُجَوِّزُ الْوِتْرَ بِثَلَاثٍ مَفْصُولَةٍ -كَالشَافِعِيِّ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمَا- يَجُوزُ عِنْدَهُم أَنْ تَكونَ الصَّلَاةُ الَّتِي لَهَا اسْمٌ وَاحِدٌ يُفْصَلُ بَيْنَ أَبْعَاضِهَا بِالسَّلَامِ الْعَمْدِ؛ كَالْوِتْرِ، وَالضُّحَى، وَقِيَامِ رَمَضَانَ، وَالْأَرْبَعِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَاخْتِيَارُهُم فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ أَنْ تَكُونَ مَثْنَى مَثْنَى، إلَّا مَا اسْتَثْنَاهُ أَحْمَد مِنَ الصُّوَرِ الَّتِي ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ الْفَصْلُ؛ كَالْوِتْرِ بِخَمْسٍ، أَو سَبْعٍ، أَو تِسْعٍ، فَإِنَّهُ يَخْتَارُ فِيهَا
следующие страницы →