Полный текст (3 539 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.
стр. 1961
٢٦٧٨ - الَّذِي ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي فِي السَّفَرِ مِن التَّطَوُّعِ: رَكْعَتَا الْفَجْرِ .. وَكَذَلِكَ قِيَامُ اللَّيْلِ وَالْوِتْر. [٢٣/ ١٢٨]
٢٦٧٩ - إذَا صَلَّى الْإِنْسَانُ لَيْلَةَ النِّصْفِ [أي: مِن شَعْبَانَ] وَحْدَهُ أَو فِي جَمَاعَةٍ خَاصَّةٍ كَمَا كَانَ يَفْعَلُ طَوَائِفُ مِن السَّلَفِ: فَهُوَ أَحْسَنُ.
وَأَمَّا الِاجْتِمَاعُ فِي الْمَسَاجِدِ عَلَى صَلَاةٍ مُقَدَّرَةٍ؛ كَالِاجْتِمَاعِ عَلَى مِائَةِ رَكْعَةٍ بِقِرَاءَةِ أَلْفٍ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) ﴾ [الإخلاص: ١] دَائِمًا: فَهَذَا بِدْعَةٌ لَمْ يَسْتَحِبَّهَا أَحَدٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ. [٢٣/ ١٣١]
٢٦٨٠ - إذا تكرر منه دخول المسجد: يستحب له أن يعيد التحية، واختاره الشيخ تقي الدين. [المستدرك ٣/ ١١٤]
٢٦٨١ - صَلَاةُ الرَّغَائِبِ: لَا أَصْلَ لَهَا؛ بَل هِيَ مُحْدَثَةٌ، فَلَا تُسْتَحَبُّ لَا جَمَاعَةً وَلَا فُرَادَى.
وَأَمَّا لَيْلَةُ النِّصْفِ: فَقَد رُوِيَ فِي فَضْلِهَا أَحَادِيثُ وَآثَارٌ، وَنُقِلَ عَن طَائِفَةٍ مِن السَّلَفِ أَنَّهُم كَانُوا يُصَلُّونَ فِيهَا.
فَصلَاةُ الرَّجُلِ فِيهَا وَحْدَهُ قَد تَقَدَّمَهُ فِيهِ سَلَفٌ وَلَهُ فِيهِ حُجَّةٌ فَلَا يُنْكَرُ مِثْلُ هَذَا.
وَأَمَّا الصَّلَاةُ فِيهَا جَمَاعَةً: فَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى قَاعِدَةٍ عَامَّةٍ فِي الِاجْتِمَاعِ عَلَى الطَّاعَاتِ وَالْعِبَادَاتِ، فَإِنَّهُ نَوْعَانِ:
أَحَدُهُمَا: سُنَّةٌ رَاتِبَةٌ، إمَّا وَاجِبٌ وَإِمَّا مُسْتَحَبٌّ؛ كَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَالْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ، وَصَلَاةِ الْكُسُوفِ وَالِاسْتِسْقَاءِ وَالتَّرَاوِيحِ، فَهَذَا سُنَّةٌ رَاتِبَةٌ، يَنْبَغِي الْمُحَافَظَةُ عَلَيْهَا وَالْمُدَاوَمَةُ.
وَالثَّانِي: مَا لَيْسَ بِسُنَّةِ رَاتِبَةٍ؛ مِثْل الِاجْتِمَاعِ لِصَلَاةِ تَطَوُّعٍ؛ مِثْل قِيَامِ اللَّيْلِ، أَو عَلَى قِرَاءَةِ قُرْاَنٍ، أَو ذِكْرِ اللهِ أَو دُعَاءٍ، فَهَذَا لَا بَأْسَ بِهِ إذَا لَمْ يُتَّخَذْ عَادَةً رَاتِبَةً.
стр. 1962
فَلَو أَنَّ قَوْمًا اجْتَمَعُوا بَعْضَ اللَّيَالِي عَلَى صَلَاةِ تَطَوُّعٍ مِن غَيْرِ أَنْ يَتَّخِذُوا ذَلِكَ عَادَةً رَاتِبَةً تُشْبِهُ السُّنَّةَ الرَّاتِبَةَ: لَمْ يُكْرَهْ.
لَكِنَّ اتِّخَاذَهُ عَادَةً دَائِرَةً بِدَوَرَانِ الْأَوْقَاتِ: مَكْرُوهٌ؛ لِمَا فِيهِ مِن تَغْيِيرِ الشُّرِيعَةِ، وَتَشْبِيهِ غَيْرِ الْمَشْرُوعِ بِالْمَشْرُوعِ.
وَلَو سَاغَ ذَلِكَ لَسَاغَ أَنْ يَعْمَلَ صَلَاةً أُخْرَى وَقْتَ الضُّحَى، أَو بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، أَو تَرَاوِيحَ فِي شَعْبَانَ، أَو أَذَانًا فِي الْعِيدَيْنِ، أَو حَجًّا إلَى الصَّخْرَةِ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَهَذَا تَغْيِيرٌ لِدِينِ اللهِ وَتَبْدِيلٌ لَهُ.
وَهَكذَا الْقَوْلُ فِي لَيْلَةِ الْمَوْلِدِ وَغَيْرِهَا.
وَالْبِدَع الْمَكْرُوهَةُ مَا لَمْ تَكُنْ مُسْتَحَبَّة فِي الشَّرِيعَةِ وَهِيَ: أَنْ يُشَرِّعَ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ، فَمَن جَعَلَ شَيْئًا دِينًا وَقُرْبَةً بِلَا شَرْع مِن اللهِ فَهُوَ مُبْتَدِعٌ ضَالٌّ، وَهُوَ الَّذِي عَنَاهُ النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ: "كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ" (١) .
فَالْبِدْعَةُ: ضِدُّ الشِّرْعَةِ، وَالشِّرْعَةُ: مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ وَرَسُولُهُ أَمْرَ إيجَابٍ أَو أَمْرَ اسْتِحْبَابٍ -وَإِن لَمْ يُفْعَلْ عَلَى عَهْدِهِ- كَالِاجْتِمَاعِ فِي التَّرَاوِيحِ عَلَى إمَامٍ وَاحِدٍ، وَجَمْعِ الْقُرْآنِ فِي الْمُصْحَفِ، وَقَتْلِ أَهْلِ الرِّدَّةِ وَالْخَوَارجِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَمَا لَمْ يَشْرَعْهُ اللهُ وَرَسُولُهُ: فَهُوَ بِدْعَةٌ وَضَلَالَةٌ؛ مِثْل تَخْصِيصِ مَكَانٍ أَو زَمَانٍ بِاجْتِمَاع عَلَى عِبَادَةٍ فِيهِ، كَمَا خَصَّ الشَّارعُ أَوْقَاتَ الصَّلَوَاتِ وَأَيَّامَ الْجُمَعِ وَالْأَعْيَادِ، وَكَمَا خَصَّ مَكَّةَ بِشَرَفِهَا، وَالْمَسَاجِدَ الثَّلَاثَةَ وَسَائِرَ الْمَسَاجِدِ بِمَا شَرَعَهُ فِيهَا مِن الصَّلَوَاتِ وَأَنْوَاعَ الْعِبَادَاتِ، كُلٌّ بِحَسْبِهِ. [٢٣/ ١٣٢ - ١٣٤]
٢٦٨٢ - سُنَّةُ النَّبِيِّ ﷺ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ وَصَلَاةِ الْكُسُوفِ وَغَيْرِهِمَا: تَطْوِيلُ أَوَّلِ الْعِبَادَةِ عَلَى آخِرِهَا؛ لِأَسْبَابٍ تَقْتَضِي ذَلِكَ. [٢٤/ ٢٣٣] الحواشي
(١) رواه مسلم(٨٦٧) .стр. 1963
٢٦٨٣ - مَعْلُومٌ أَنَّ التَّطَوُّعَ بِالصَّلَاةِ مُضْطَجِعًا بِدْعَةٌ لَمْ يَفْعَلْهَا أَحَدٌ مِن السَّلَفِ (١) . [٢٣/ ٢٤٢]
٢٦٨٤ - في رد شيخنا على الرافضي بعد أن ذكر تفضيل أحمد للجهاد والشافعي للصلاة وأبي حنيفة ومالك للعلم: وَالتَّحْقِيقُ لَا بُدَّ لِكُلٍّ من الْآخَرَيْنِ، وقد يَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ أَفْضَلَ في حَالٍ؛ كَفِعْلِ النبي ﷺ وَخُلَفَائِهِ ﵃ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ وَالْمَصْلَحَةِ. [المستدرك ٣/ ١٠٣]
٢٦٨٥ - نقل حرب أنه قال لرجل له مال كثير: أَقِمْ على وَلَدِك وَتَعَاهَدْهُم أَحَبُّ إلَيَّ، ولم يُرَخِّصْ له؛ يَعْنِي: في غَزْوٍ غَيْرِ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ. [المستدرك ٣/ ١٠٣ - ١٠٤]
٢٦٨٦ - استيعابُ عشر ذي الحجة بالعبادة ليلًا ونهارًا أفضل من جهادٍ لم يذهب فيه نفسه وماله.
والعبادة في غيره تعدل الجهاد للأخبار الصحيحة. المشهورة، وقد رواها أحمد وغيره، وقال: العمل بالقوس والرمح أفضل من الرباط في الثغر وفي غيره نظيرها. [المستدرك ٣/ ١٠٤]
٢٦٨٧ - وظاهر كلام ابن الجوزي وغيره أن الطواف أفضل من الصلاة فيه (٢) ، وقال شيخنا: وذكره عن جمهور العلماء للخبر. [المستدرك ٣/ ١٠٤] الحواشي
(١) قال العلَّامة ابن عثيمين ﵀: وَرَدَ في الحديث أنَّ أجْرَ صلاةِ المُضطجعِ على النَّصفِ من أجْرِ صلاةِ القاعد. رواه البخاري(٢٩٩٦) ، لكن هذا الشَّطر مِن الحديث لم يأخذ به جمهورُ العلماء، ولم يروا صِحَّة صلاة المضطجع إلا إذا كان معذورًا.
وذهب بعضُ العلماء: إلى الأخذ بالحديث وقالوا: يجوز أنْ يتنفلَ وهو مضطجع، لكن أجره على النصف من أجر صلاة القاعد، فيكون على الرُّبع مِن أجر صلاة القائم.
وهذا قولٌ قويٌّ؛ لأن الحديث في صحيح البخاري، ولأنَّ فيه تنشيطًا على صلاة النَّفل؛ لأن الإنسان أحيانًا يكون كسلانًا وهو قادر على أنْ يُصلِّي قاعدًا؛ لكن معه شيء مِن الكسل؛ فيُحِبُّ أنْ يُصلِّي وهو مضطجعٍ، فمن أجل أنْ ننشِّطَهُ على العمل الصَّالح نَفْلًا نقول: صَلِّ مضطجعًا. الشرح الممتع (٤/ ٨٠ - ٨١).(٢) أي: في الحرم.стр. 1964
٢٦٨٨ - قال أحمد: معرفة الحديث والفقه فيه أعجب إلي من حفظه. [المستدرك ٣/ ١٠٤]
٢٦٨٩ - قال القاضي: أقل الترتيل ترك العجلة في القرآن عن الإبانة، ومعناه: أنه إذا بين ما يقرأ به فقد أتى بالترسل وإن كان مستعجلًا في قراءته، وأكمله أن يرتل القراءة ويتوقف فيها ما لم يخرجه ذلك إلى التمديد والتمطيط؛ فإذا انتهى إلى التمطيط كان ممنوعًا، قال: وقد أومأ أحمد إلى معنى هذا فقال: يعجبني من قراءة القرآن السهلة ولا تعجبني هذه الألحان.
وقال الشيخ تقي الدين: قراءة القرآن بصفة التلحين الذي يشبه تلحين الغناء مكروه مبتدع، كما نص على ذلك مالك والشافعي وأحمد وغيرهم من الأئمة. [المستدرك ٣/ ١٠٥]
٢٦٩٠ - إن غلَّط القراء المصلين (١) : فذكر صاحب الترغيب وغيره يكره، وقال شيخنا: ليس لهم القراءة إذن، وعن البياضي واسمه عبد الله بن جابر أن رسول الله ﷺ خرج على الناس وهم يصلون وقد علت أصواتهم بالقراءة فقال: "إن المصلي يناجي ربه فلينظر بما يناجيه، ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن" (٢) ، وعن أبي سعيد قال: "اعتكف رسول الله ﷺ في المسجد فسمعهم يجهرون بالقراءة وهو في قبة له فكشف الستور وقال: "كلكم مناج ربه فلا يؤذين بعضكم بعضَّا ولا يرفعن بعضكم على بعض في القراءة" أو قال: "في الصلاة" (٣) وعن علي: "أن رسول الله ﷺ نهى أن يرفع الرجل صوته بالقراءة قبل العشاء وبعدها؛ يُغَلِّطُ أصحابه وهم يصلون" (٤) رواهن أحمد. [المستدرك ٣/ ١٠٥ - ١٠٦] الحواشي
(١) بحيث يقرؤون بصوتٍ مرتفع.(٢) رواه مالك(٢١٣) ، وأحمد(١٩٠٢٢) .(٣) رواه أبو داود(١٣٣٢) ، وأحمد(١١٨٩٦) ، وصحَّحه الألباني في صحيح أبي داود.(٤) رواه أحمد(٦٦٣) .стр. 1965
٢٦٩١ - التراويح سُنَّة وإنما سماها عمر ﵁ بدعة؛ لأنها لم تفعل قبل ذلك على الوجه الذي جمع الناس فيه على أبي، كما أخرج عمر اليهود والنصارى من الجزيرة وكما قاتل أبو بكر الصديق والصحابة أهل الردة، وكما جمع أبو بكر ﵁ المصحف، وكما قاتل علي ﵁ الخوارج، وكما شرط على أهل الذمة الشروط وغير ذلك من الأمور التي فعلوها عملًا بكتاب الله واتباعًا لسُنَّة رسوله ﷺ وإن لم يتقدم نظيرها، وكضرب عمر ﵁ الناس على الركعتين بعد العصر، وعلى إلزامه الإفطار في رجب وكسر أبو بكر ﵁ كيزان أهله في رجب وقال: لا تشبهوه برمضان.
فهذه العقوبة البدنية والمالية لمن كان يعتقد أن صوم رجب مشروع مستحب وأنه أفضل من صوم غيره من الأشهر، وهذا الاعتقاد خطأ وضلال ومن صامه على هذا الاعتقاد الفاسد كان عاصيًا فيعزر على ذلك، ولهذا كرهه من كرهه خشية أن يتعوده الناس، وقال: يستحب أن يفطر بعضه، ومنهم من رخص فيه إذا صام معه شهرًا آخر من السَّنة كالمحرم.
ورجب أحد الأشهر الحرم، وله فضل على غيره من الأشهر التي ليست بحرم، وكلما كان المكان والزمان أفضل كانت الطاعة فيه أفضل، والمعاصي فيه أشد، وليس هو أفضل الشهور عند الله؛ بل شهر رمضان أفضل منه كما أن يوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع. [المستدرك ٣/ ١٠٦ - ١٠٧]
٢٦٩٢ - قيام بعض الليالي كلها مما جاءت به السُّنَّة. [المستدرك ٣/ ١٠٨]
٢٦٩٣ - مَن يُجَوِّزُ الْوِتْرَ بِثَلَاثٍ مَفْصُولَةٍ -كَالشَافِعِيِّ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمَا- يَجُوزُ عِنْدَهُم أَنْ تَكونَ الصَّلَاةُ الَّتِي لَهَا اسْمٌ وَاحِدٌ يُفْصَلُ بَيْنَ أَبْعَاضِهَا بِالسَّلَامِ الْعَمْدِ؛ كَالْوِتْرِ، وَالضُّحَى، وَقِيَامِ رَمَضَانَ، وَالْأَرْبَعِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَاخْتِيَارُهُم فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ أَنْ تَكُونَ مَثْنَى مَثْنَى، إلَّا مَا اسْتَثْنَاهُ أَحْمَد مِنَ الصُّوَرِ الَّتِي ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ الْفَصْلُ؛ كَالْوِتْرِ بِخَمْسٍ، أَو سَبْعٍ، أَو تِسْعٍ، فَإِنَّهُ يَخْتَارُ فِيهَا
стр. 1966
ما ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِعْلُهُ، وَيَقُولُونَ: أَدْنَى الْوِتْرِ ثَلَاثٌ مَفْصُولَةٌ، وَقَد ثَبَتَ فِي "الصَّحِيحِ" مِن غَيْرِ وَجْهٍ عَن عَائِشَةَ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُوتِرُ مِنَ اللَّيْلِ بِإِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً يَفْصِلُ بَيْن كُلِّ رَكْعَتَيْنِ"، فَسُمَّتِ الْجَمِيعَ وِتْرًا مَعَ الْفَصْلِ (١) . [٢١/ ١٤٦ - ١٤٧]
٢٦٩٤ - ثَبَتَ عَنْهُ فِي "الصَّحِيحِ" أَنَّهُ قَالَ: "بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ (٢) صَلَاةٌ، بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ، بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ، وَقَالَ: فِي الثَّالِثَةِ لِمَن شَاءَ" (٣) ؛ كَرَاهِيَةَ أَنْ يَتَّخِذَهَا النَّاسُ سُنَّةً.
وَثَبَتَ فِي "الصَّحِيحِ" أَنَّ أَصْحَابَهُ كَانُوا يُصَلُّونَ بَيْنَ أَذَانِ الْمَغْرِبِ الحواشي
(١) اختلف العلماء في مسمى الوتر: هل هو الركعة الواحدة التي تكون فى آخر صلاته، أو هو مجموع ما يصليه من أشفاع مُتصلةٍ أو منفصلةٍ مختومة بهذه الركعة؟
الثاني هو الذي يظهر، وهو ظاهر الحديث، وظاهر كلام شيخ الإسلام.
قال الحافظ ابن رجب ﵀: وقول النبي في حديث ابن عمر: "صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة، توتر له ما قد صلى"، يدل على أن هذه الركعة الواحدة جعلت مجموع ما صلى قبلها وترًا، فيكون الوتر هو مجموع صلاة الليل الذي يختم بوتر، وهذا قول إسحاق بن راهويه، واستدل بقول النبي: "أوتروا يا أهل القرآن"، وإنما أراد صلاة الليل، وقالت طائفة: الوتر هو الركعة الأخيرة، وما قبله فليس منه. وهو قول طائفة من أصحابنا.
وقد ذكر أبو عمرو بن الصلاح: أن أصحاب الشافعي اختلفوا في ذلك على أوجه - ثم ذكر الوجه الرابع - وقال: أن ينوي بالجميع الوتر.
ويشهد له: قول الشيخ أبي إسحاق وغيره؛ أقل الوتر ركعة، وأكثره إحدى عشرة ركعة. وفي بعض كلام الشافعي إيماء إليه.
قال: وهو المختار؛ لأن فيهِ جمعًا بين الأحاديث كلها؛ إذ الواحدة الأصل في الإيتار، وبها يصير ما قبلها وترًا ..
وينبغي أن يكون الاختلاف في تسمية ما قبل الركعة الأخيرة وترًا مختصًّا بما إذا كانت الركعات مفصولة بالتسليم بينها، فأما إن أوتر بتسع، أو بسبع، أو بخمس، أو ثلاث بسلام واحد، فلا ينبغي التردد في أن الجميع وتر. اهـ. شرح البخاري (٩/ ١١٦ - ١٢٠).(٢) أي: (بين الأذان والإقامة) باتفاق الأئمة كما قال النووي ﵀.(٣) رواه البخاري (٦٢٤، ٦٢٧)، ومسلم(٨٣٨) .стр. 1967
وَإِقَامَتِهَا رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ يَرَاهُم وَلَا يَنْهَاهُمْ (١) .
فَإِذَا كَانَ التَّطَوُّعُ بَيْنَ أَذَانَي الْمَغْرِبِ مَشْرُوعًا فَلَأَنْ يَكُونَ مَشْرُوعًا بَيْنَ أَذَانَي الْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ تَعْجِيلُ الْمَغْرِبِ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ قَبْلَ الْعَصْرِ وَقَبْلَ الْمَغْرِبِ وَقَبْلَ الْعِشَاءِ: مِنَ التَّطَوُّعِ الْمَشْرُوعِ (٢) ، وَلَيْسَ هُوَ مِنَ السُّنَنِ الرَّاتِبَةِ الَّتِي قَدَّرَهَا بِقَوْلِهِ، وَلَا دَاوَمَ عَلَيْهَا بِفِعْلِهِ. [٢١/ ٢٨١ - ٢٨٢]
٢٦٩٥ - روي عَنْهُ ﷺ : "أَنَّهُ صَلَّى قَبْلَ الْعَصْرِ أَرْبَعًا" أَو "أَنَّهُ قَضَى سُنَّةَ الْعَصْرِ" أَو "أَنَّهُ صَلَّى قَبْلَ الظُّهْرِ سِتًّا" أَو "بَعْدَهَا أَرْبَعًا" أَو "أَنَّهُ كَانَ يُحَافِظُ عَلَى الضُّحَى"، وَأَمْثَالُ ذَلِكَ مِن الْأَحَادِيثِ الْمَكْذُوبَةِ عَلَى النَّبِىٍّ ﷺ . الحواشي
(١) ثبت في الصحيحين عَن أَنَس بْنِ مَالِكٍ قَالَ: "كَانَ المُؤَذِّنُ إِذَا أَذَّنَ قَامَ نَاسٌ مِن أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ يَبْتَدِرُونَ السَّوَارِيَ -أَيْ: يُصَلُّونَ إِلَيْهَا يتخذونها سترة - حَتَى يَخْرُجَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُم كَذَلِكَ، يُصَلُّونَ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ المَغْرِبِ".(٢) قال الشوكاني ﵀ تعليقًا على الحديث: الحديث يدل على مشروعية الفصل بين الأذان والإقامة، وكراهة الموالاة بينهما؛ لما في ذلك من تفويت صلاة الجماعة على كثيرٍ من المريدين لها؛ لأن مَن كان على طعامه أو غير متوضئ حال النداء إذا استمر على أكل الطعام أو توضأ للصلاة فاتته الجماعة أو بعضها بسبب التعجيل وعدم الفصل، لا سيما إذا كان مسكنه بعيدًا من مسجد الجماعة، فالتراخي بالإقامة نوع من المعاونة على البر والتقوى المندوب إليها. اهـ.
ومن الْمُلاحظ على بعض المؤذنين في شهر رمضان أنهم يقيمون الصلاة بعد أذان العشاء مباشرة، وهذا خلاف السُّنَّة.
ومن الحرمان أنْ يظل بعض الناس جالسًا ولا يُبادر بالصلاة، قال الشوكاني ﵀: لا خلاف في أنه يستحب -أي: الصلاة بين الأذان والإقامة- لمن كان في المسجد في ذلك الوقت منتظرًا لقيام الجماعة، وكان فعله للركعتين لا يؤثر في التأخير كما يقع من الانتظار بعد الأذان للمؤذن حتى ينزل من المنارة، ولا ريب أن ترك هذه السُّنَّة في ذلك الوقت الذي لا اشتغال فيه بصلاة المغرب ولا بشيء من شروطها مع عدم تأثير فعلها للتأخير: من الاستحواذات الشيطانية التي لم ينج منها إلا القليل. اهـ. نيل الأوطار للشوكاني (٢/ ١١ - ١٢).стр. 1968
وَأَشَدُّ مِن ذَلِكَ مَا يَذْكُرُه بَعْضُ الْمُصَنِّفِينَ فِي "الرَّقَائِقِ وَالْفَضَائِلِ" فِي الصَّلَوَاتِ الْأُسْبُوعِيَّةِ وَالْحَوْلِيَّةِ: كَصَلَاةِ يَوْمِ الْأَحَدِ وَالِاثْنَيْنِ وَالثُّلَاثَاءِ وَالْأَرْبِعَاءِ وَالْخَمِيسِ وَالْجُمُعَةِ وَالسَّبْتِ الْمَذْكُورَةِ فِي كِتَابِ أَبِي طَالِبٍ وَأَبِي حَامِدٍ وَعَبْدِ الْقَادِرِ وَغَيْرِهِمْ، وَكَصَلَاةِ "الْأَلْفِيَّةِ" الَّتِي فِي أَوَّلِ رَجَبٍ وَنِصْفِ شَعْبَانَ، وَالصَّلَاةِ "الِاثْنَيْ عَشَرِيَّةَ" الَّتِي فِي أَوَّلِ لَيْلَةِ جمُعَةٍ مِن رَجَبٍ، وَالصَّلَاةِ الَّتِي فِي لَيْلَةِ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ مِن رَجَبٍ، وَصَلَوَاتٍ أُخَرَ تُذْكَرُ فِي الْأَشْهُرِ الثَّلَاثَةِ، وَصَلَاةِ لَيْلَتَي الْعِيدَيْنِ، وَصَلَاةِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ، وَأَمْثَالِ ذَلِكَ مِن الصَّلَوَاتِ الْمَرْوِيَّةِ عَن النَّبِيِّ ﷺ مَعَ اتِّفَاقِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِحَدِيثِهِ أَنَّ ذَلِكَ كَذِبٌ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ بَلَغَ ذَلِكَ أقْوَامًا مِن أَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ فَظَنُّوهُ صَحِيحًا فَعَمِلُوا بِهِ.
وَهُم مَأْجُورُونَ عَلَى حُسْنِ قَصْدِهِمْ وَاجْتِهَادِهِمْ، لَا عَلَى مُخَالَفَةِ السُّنَّةِ (١) .
وَأَمَّا مَن تَبَيَّنَتْ لَهُ السُّنَّةُ فَظَنَّ أَنَّ غَيْرَهَا خَيْرٌ مِنْهَا: فَهُوَ ضَالٌّ مُبْتَدِعٌ؛ بَل كَافِرٌ. [٢٤/ ٢٠١ - ٢٠٢]
* * *
(السُّنن الرواتب)
٢٦٩٦ - تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِي السُّنَنِ الرَّوَاتِبِ مَعَ الْفَرِيضَةِ، فَمِنْهُم مَن لَمْ يُوَقِّتْ فِي ذَلِكَ شَيْئًا، وَمِنْهُم مَن وَقَّتَ أَشْيَاءَ بِأَحَادِيثَ ضَعِيفَةٍ؛ بَل أَحَادِيثَ يَعْلَمُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ أَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ؛ كَمَن يُوَقِّتُ سِتًّا قَبْلَ الظُّهْرِ وَأَرْبَعًا بَعْدَهَا، وَأَرْبَعًا قَبْلَ الْعَصْرِ، وَأَرْبَعًا قَبْلَ الْعِشَاءِ وَأَرْبَعًا بَعْدَهَا وَنَحْو ذَلِكَ. الحواشي
(١) هذا من إنصاف الشيخ ﵀، واتزانِه في الحكم على الناس وعباداتِهم.стр. 1969
وَالصَّوَابُ فِي هَذَا الْبَابِ الْقَوْلُ بِمَا ثَبَتَ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ دُونَ مَا عَارَضَهَا (١) ، وَقَد ثَبَتَ فِي "الصَّحِيحِ" ثَلَاثَةُ أَحَادِيثَ:
أ - حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: "حَفِظْت عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ" (٢) .
ب - وَحَدِيثُ عَائِشَةَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي قَبْلَ الظُّهْرِ أَرْبَعًا.
وَهُوَ فِي "الصَّحِيحِ" أَيْضًا، وَسَائِرُهُ فِي "صَحِيحِ مُسْلِمٍ" (٣) ؛ كَحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَهَكَذَا فِي "الصَّحِيحِ"، وَفِي رِوَايَةٍ صَحَّحَهَا التِّرْمِذِيُّ: صَلَّى قَبْلَ الظُّهْرِ رَكْعَتَيْنِ.
ج - وَحَدِيثُ أُمِّ حَبِيبَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَّنهُ قَالَ: "مَن صَلَّى فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً تَطَوُّعًا كَيْرَ فَرِيضَةٍ بَنَى اللهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ".
وَقَد جَاءَ فِي "السُّنَنِ" تَفْسِيرُهَا: "أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ" (٤) . [٢٢/ ٢٨٠ - ٢٨١]
٢٦٩٧ - مَن أَصَرَّ عَلَى تَرْكِهَا [أي: السُّنَن الرَّوَاتِب] دَلَّ ذَلِكَ عَلَى قِلَّةِ دِينِهِ، وَرُدَّتْ شَهَادَتُهُ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَالشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمَا. [٢٣/ ١٢٧]
٢٦٩٨ - قال ابن القيم رحمه الله تعالى: كان ﷺ يضطجع بعد سُنَّة الفجر الحواشي
(١) فكلّ ما لم يرد في الأحاديث التي سيُوردها الشيخ فهي ضعيفةٌ عنده، كصلاة أربع ركعات بعد الظهر، كما هو معمولٌ به عند كثير من الناس.
بل صرح بأنَّ الحديثَ الوارد فيها مكذوبٌ كما تقدّم.(٢) رواه البخاري(١١٦٥) ، ومسلم(٧٢٩) .(٧٣٠) .(٤) قال الشيخ ﵀: وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُومُ بِاللَّيْلِ إمَّا إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةٌ وَإِمَّا ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةٌ، فَكَانَ مَجْمُوعُ صَلَاتِهِ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فَرْضُهُ وَنَفْلُهُ نَحْوًا مِن أَرْبَعِينَ رَكْعَةً. (٢٤/ ٢٠٠).стр. 1970
على شقه الأيمن، هذا الذي ثبت عنه في "الصحيحين" من حديث عائشة ﵂، وذكر الترمذي من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا صلى أحدكم الركعتين قبل صلاة الصبح فليضطجع على جنبه الأيمن" قال الترمذي (١) : حديث حسن صحيح غريب، وسمعت ابن تيمية يقول: هذا باطل وليس بصحيح، وإنما الصحيح عنه الفعل لا الأمر بها.
أما الأربع قبل العصر فلم يصح عنه ﵇ في فعلها شيء، إلا حديث عاصم بن ضمرة عن علي الحديث الطويل، أنه ﷺ كان يصلي في النهار ست عشرة ركعة، يصلي إذا كانت الشمس من ههنا كهيئتها من ههنا لصلاة الظهر أربع ركعات، وكان يصلي قبل الظهر أربع ركعات وبعد الظهر ركعتين، وقبل العصر أربعًا، ويفصل بين كل ركعتين بالتسليم على الملائكة المقربين ومن تبعهم من المؤمنين والمرسلين، وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية ينكر هذا الحديث، ويدفعه جدًّا ويقول: إنه موضوع. [المستدرك ٣/ ١١١ - ١١٢]
٢٦٩٩ - اجتماع الإمام والمأموم دائمًا على صلاة ركعتين عقب الفريضة ونحو ذلك: كل ذلك مما لا ريب في أنه من البدع. [المستدرك ٣/ ١١٢]
٢٧٠٠ - أما ليلة النصف من شعبان ففيها فضل وكان من السلف من يصليها لكن اجتماع الناس فيها لإحيائها في المساجد بدعة. [المستدرك ٣/ ١١٢]
٢٧٠١ - صلاة الألفية في ليلة النصف من شعبان والاجتماع على صلاة راتبة فيها بدعة وإنما كانوا يصلون في بيوتهم في قيام الليل.
وإن قام معه بعض الناس من غير مداومة على الجماعة فيها وفي غيرها فلا بأس، كما صلى النبي ﷺ ليلة بابن عباس، وليلة بحذيفة.
وولي الأمر ينبغي أن ينهى عن هذه الاجتماعات البدعية. [المستدرك ٣/ ١١٢]
стр. 1971
٢٧٠٢ - وَمِن هَذَا الْبَاب الَّذِي اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ فِيهِ الْأَمْرَانِ: فِعْلُ الرَّوَاتِبِ فِي السَّفَرِ، فَإِنَّهُ مَن شَاءَ فَعَلَهَا وَمَن شَاءَ تَرَكَهَا بِاتِّفَاقِ الْأئِمَّةِ.
وَالصَّلَاةُ الَّتِي يَجُوزُ فِعْلُهَا وَتَرْكُهَا: قَد يَكُونُ فِعْلُهَا أَحْيَانًا أَفْضَلَ لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ إلَيْهَا، وَقَد يَكُونُ تَرْكُهَا أَفْضَلَ إذَا كَانَ مُشْتَغِلًا عَنِ النَّافِلَةِ بِمَا هُوَ أفْضَلُ مِنْهَا.
لَكِنَّ النَّبِيَّ ﷺ فِي السَّفَرِ لَمْ يَكُن يُصَلِّي مِنَ الرَّوَاتِبِ إلَّا رَكْعَتَي الْفَجْرِ وَالْوِتْرِ. [٢٢/ ٢٧٩ - ٢٨٠]
* * *
(صلاة الضحى)
٢٧٠٣ - اسْتَحَبَّ الْأَئِمَّةُ أَنْ يَكُونَ لِلرَّجُلِ عَدَد مِنَ الرَّكَعَاتِ يَقُومُ بِهَا مِنَ اللَّيْلِ لَا يَتْرُكُهَا، فَإِنْ نَشِطَ أَطَالَهَا، وَإِن كَسِلَ خَفَّفَهَا، وَإِذَا نَامَ عَنْهَا صَلَّى بَدَلَهَا مِن النَّهَارِ.
وَمِن هَذَا الْبَابِ "صَلَاةُ الضُّحَى" فَإِنَ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُن يُدَاوِمُ عَلَيْهَا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِسُنَّتِهِ.
بَل ثَبَتَ فِي حَدِيثٍ صَحِيحٍ لَا مُعَارِضَ لَهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي وَقْتَ الضُّحَى لِسَبَب عَارِضٍ، لَا لِأَجْلِ الْوَقْتِ؛ مِثْل أَنْ يَنَامَ مِنَ اللَّيْلِ فَيُصَلِّيَ مِنَ النَّهَارِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً، وَمِثْل أَنْ يَقْدَمَ مِن سَفَرٍ وَقْتَ الضُّحَى فَيَدْخُلَ الْمَسْجِدَ فَيُصَلِّىَ فِيهِ.
وَالْأَشْبَهُ أَنْ يُقَالَ: مَن كَانَ مُدَاوِمًا عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ أَغْنَاهُ عَنِ الْمُدَاوَمَةِ عَلَى صَلَاةِ الضُّحَى، كَمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَفْعَلُ.
وَمَن كَانَ يَنَامُ عَن قِيَامِ اللَّيْلِ فَصَلَاةُ الضُّحَى بَدَلٌ عَن قِيَامِ اللَّيْلِ. [٢٢/ ٢٨٤]
وَالنَّبِيُّ ﷺ لَمْ يَقْصِد الصَّلَاةَ لِأَجْلِ الْوَقْتِ، وَلَو قَصَدَ ذَلِكَ لَصَلَّى كُلَّ يَوْمٍ أَو غَالِبَ الْأَيَّامِ كَمَا كَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَي الْفَجْرِ كُلَّ يَوْمٍ. [١٧/ ٤٧٤]
стр. 1972
٢٧٠٤ - قال في الرعاية: وكان واجبًا عليه ﷺ الضحى وقال شيخنا: هذا غلط، والخبر "ثلاث هي علي فرائض" (١) موضوع، ولم يكن يداوم على الضحى باتفاق العلماء بسُنَّته. [المستدرك ٣/ ١١٣]
* * *
(الاستخارة والسجود لأجل الدعاء أو لسبب)
٢٧٠٥ - في "مسند الإمام" أحمد (٢) من حديث سعد بن أبي وقاص عن النبي ﷺ أنه قال: "من سعادة ابن آدم استخارةُ الله، ومن شقاوة ابن آدم سخطه بما قضاه الله" وكان شيخ الإسلام ابن تيمية ﵁ يقول: ما ندم من استخار الخالق وشاور المخلوقين، وثبت في أمره، وقد قال الله : ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، وقال قتادة: ما تشاور قوم يبتغون وجه الله إلا هدوا إلى أرشد أمرهم. [المستدرك ٣/ ١١٣ - ١١٤]
٢٧٠٦ - لو أراد الدعاء فعفر وجهه بالتراب وسجد له ليدعوه فهذا سجود لأجل الدعاء ولا شيء يمنعه، وابن عباس سجد سجودًا مجردًا لما جاء نعي بعض أزواج النبي ﷺ ، وقد قال ﷺ : "إذا رأيتم آية فاسجدوا" (٣) ، وهذا يدل على أن السجود يشرع عند الآيات؛ فالمكروه هو السجود بلا سبب. [المستدرك ٣/ ١١٤]
٢٧٠٧ - يَجُوزُ الدُّعَاءُ فِي صلَاةَ الَاسْتِخَارَةِ وَغَيْرِهَا قَبْلَ السَّلَامِ وَبَعْدَهُ، وَالدُّعَاءُ قَبْلَ السَّلَامِ أَفْضَلُ؛ فَإِنَ النَّبِيَّ ﷺ أَكْثَرُ دُعَائِهِ كَانَ قَبْلَ السَّلَامِ، وَالْمُصَلِّي قَبْلَ السَّلَامِ لَمْ يَنْصَرِفْ، فَهَذَا أَحْسَنُ. [٢٣/ ١٧٧] الحواشي
(١) رواه الإمام أحمد(٢٠٥٠) بلفظ: "ثَلاثٌ هُنَّ عَلَيَّ فَرَائِضُ، وَهُنَّ لَكُمْ تَطَوُّعٌ: الْوَتْرُ، وَالنَّحْرُ، وَصَلاةُ الضُّحَى".(١٤٤٤) ، ورواه الترمذي(٢١٥١) واستغربه، وضعَّفه الألبانيّ في ضعيف الجامع الصغير(٥٣٠٠) .(٣) رواه أبو داود(١١٩٧) ، والترمذي(٣٨٩١) ، وحسَّنه الألباني في صحيح الترمذي.стр. 1973
٢٧٠٨ - إِذَا اسْتَخَارَ اللهَ كَانَ مَا شَرَحَ لَهُ صَدْرَهُ وَتَيَسَّرَ لَهُ مِن الْأُمُورِ هُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ اللهُ لَهُ. [١٠/ ٥٣٩]
٢٧٠٩ - [ويُسْتَحَبُّ صلَاةُ الاستخارة] (١) وعند جماعة "وصلاة التسبيح" ونصه: لا، لخبر ابن عباس "أن النبي ﷺ علمها لعمه العباس .. "، وادعى شيخنا: أنه كذب، ونص أحمد وأئمة أصحابه على كراهتها ولم يستحبها إمام، واستحبها ابن المبارك على صفة لم يرد بها الخبر لئلا تثبت سُنَّة بخبر لا أصل له، قال: وأما أبو حنيفة ومالك والشافعي فلم يسمعوها بالكلية. [المستدرك ٣/ ١١٢ - ١١٣]
* * *
أوقات النهي
٢٧١٠ - نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَن الصَّلَاةِ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَعِنْدَ غُرُوبِهَا؛ لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ حِينَئِذٍ، وَالشَّيْطَان يُقَارِنُهَا، وَإِن كَانَ الْمُسْلِمُ الْمُصَلِّي لَا يَقْصُدُ السُّجُودَ لَهَا، لَكِنْ سَدَّ الذَّرِيعَةَ لِئَلَّا يَتَشَبَّهُ بِالْمُشْرِكِينَ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ الَّتِي يَخْتَصُّونَ بِهَا، فَيُفْضِي إلَى مَا هُوَ شِرْكٌ، وَلهَذَا نَهَى عَن تَحَرِّي الصَّلَاةِ فِي هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ، هَذَا لَفْظُ ابْنِ عُمَرَ الَّذِي فِي "الصَّحِيحَيْنِ" (٢) .
فَقَصْدُ الصَّلَاةِ فِيهَا مَنْهِيٌّ عَنْهُ.
وَأَمَّا إذَا حَدَثَ سَبَبٌ تُشْرَعُ الصَّلَاةُ لِأَجْلِهِ: مِثْل تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ وَصَلَاةِ الْكُسُوفِ وَسُجُودِ التِّلَاوَةِ وَرَكْعَتَي الطَّوَافِ وَإِعَادَةِ الصَّلَاةِ مَعَ إمَامِ الْحَيِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَهَذِهِ فِيهَا نِزَاعٌ مشْهُورٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، وَالْأَظْهَرُ جَوَازُ ذَلِكَ وَاسْتِحْبَابُهُ، فَإِنَّهُ خَيْرٌ لَا شَرَّ فِيهِ، وَهُوَ يَفُوتُ إذَا تُرِكَ، وَإِنَّمَا نُهي عَن قَصْدِ الصَّلَاةِ وَتَحَرِّيهَا فِي الحواشي
(١) ما بين المعقوفتين ليس في الأصل، ولا يُفهم المعنى بدونه، وهو في الفروع (١/ ٥٠٤).(٢) جاء في الصحيحين عنه مرفوعًا: "لَا تَحَرَّوْا بِصَلَاِتكُمْ طُلُوعَ الشَّمْسِ وَلَا غُرُوبَهَا، فَإِنَّهَا تَطْلُعُ بِقَرْنَيْ الشَّيْطَانِ".стр. 1974
ذَلِكَ الْوَقْتِ لِمَا فِيهِ مِن مُشَابَهَةِ الْكفَّارِ بِقَصْدِ السُّجُودِ ذَلِكَ الْوَقْتَ، فَمَا لَا سَبَبَ لَهُ: قَد قَصَدَ فِعْلَهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ.
وَإِن لَمْ يَقْصِدِ الْوَقْتَ بِخِلَافِ ذِي السَّبَبِ: فَإِنَّهُ فَعَلَ لِأَجْلِ السَّبَبِ، فَلَا تَأْثِيرَ فِيهِ لِلْوَقْتِ بِحَالٍ. [١٧/ ٥٠٢]
٢٧١١ - الصَّحِيحُ أَنَّ الْعِلَّةَ (١) فِي الْحَمَّامِ وَأَعْطَانِ الْإِبِلِ وَنَحْوِ ذَلِكَ أَنَّهَا مَأْوَى الشَّيَاطِينِ، وَفِي الْمَقْبَرَةِ أَنَّ ذَلِكَ ذَرِيعَةٌ إلَى الشِّرْكِ، مَعَ أَنَّ الْمَقَابِرَ تَكونُ أَيْضًا مَأْوًى لِلشَّيَاطِينِ. [١٩/ ٤١]
وَمَعْلُومٌ أَنَّ النَّهْيَ لَو لَمْ يَكُن إلَّا لِأَجْلِ النَّجَاسَةِ فَمَقَابِرُ الْأَنْبِيَاءِ لَا تُنْتِنُ؛ بَلِ الْأَنْبِيَاءُ لَا يَبْلُونَ، وَتُرَابُ قُبُورِهِمْ طَاهِرٌ، وَالنَّجَاسَةُ أَمَامَ الْمُصَلِّي لَا تُبْطِلُ صَلَاتَهُ، وَاَلَّذِينَ كَانوا يَتَّخِذُونَ الْقُبُورَ مَسَاجِدَ كَانُوا يَفْرِشُونَ عِنْدَ الْقُبُورِ الْمَفَارِشَ الطَّاهِرَةَ فَلَا يُلَاقُونَ النَّجَاسَةَ، وَمَعَ أَنَّ الَّذِينَ يُعَلِّلُونَ بِالنَّجَاسَةِ لَا يَنْفُونَ هَذِهِ الْعِلَّةَ؛ بَل قَد ذَكَرَ الشَّافِعِي وَغَيْرُهُ النَّهْيَ عَنِ اتِّخَاذِ الْمَسَاجِدِ عَلَى الْقُبُورِ وَعَلَّلَ ذَلِكَ بِخَشْيَةِ التَّشَبُّهِ بِذَلِكَ. [٢٧/ ١٥٩ - ١٦٠]
٢٧١٢ - تَعْلِيلُ النَّهْيِ عَن الصَّلَاةِ فِي الْمَقْبَرَةِ بِنَجَاسَةِ التُّرَابِ ضَعِيفٌ؛ فَإِنَّ النَّهْيَ عَن الْمَقْبَرَةِ مُطْلَقًا وَعَن اتِّخَاذِ الْقُبُورِ مَسَاجِدَ وَنَحْوِ ذَلِكَ مَا يُبَيِّنُ أَنَّ النَّهْيَ لِمَا فِيهِ مِن مَظِنَّةِ الشِّرْكِ وَمُشَابَهَةِ الْمُشْرِكِينَ.
وَأَيْضًا فَنَجَاسَةُ ترَابِ الْمَقْبَرَةِ فِيهِ نَظَرٌ.
فَتبيَّنَ أَنَّ الْحُكْمَ مُعَلَّقٌ بِظُهُورِ الْقُبُورِ لَا بِظَنِّ نَجَاسَةِ التُّرَابِ. [٢١/ ٣٢١]
٢٧١٣ - اتَّفَقَ الْأَئِمَّةُ أَنَّهُ لَا يُبْنَى مَسْجِدٌ عَلَى قَبْرٍ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إنَّ مَن كَانَ قَبْلَكمْ كَانوا يَتَّخِذُونَ الْقُبُورَ مَسَاجِدَ أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، فَإِنِّي أَنهَاكُمْ عَن ذَلِكَ" (٢) . الحواشي
(١) في تحريم الصلاة في هذه الأماكن.(٢) رواه مسلم(٥٣٢) .стр. 1975
وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ دَفْنُ مَيِّتٍ فِي مَسْجِدٍ، فَإِنْ كَانَ الْمَسْجِدُ قَبْلَ الدَّفْنِ غُيِّرَ:
أ - إمَّا بِتَسْوِيَةِ الْقَبْرِ.
ب - وَإِمَّا بِنَبْشِهِ إنْ كَانَ جَدِيدًا.
وَإِن كَانَ الْمَسْجِدُ بُنِيَ بَعْدَ الْقَبْرِ:
أ - فَإِمَّا أَنْ يُزَالَ الْمَسْجِدُ.
ب - وَإِمَّا أَنْ تُزَالَ صُورَةُ الْقَبْرِ.
فَالْمَسْجِدُ الَّذِي عَلَى الْقَبْرِ لَا يُصَلَّى فِيهِ فَرْضٌ وَلَا نَفْلٌ؛ فَإِنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ. [٢٢/ ١٩٤ - ١٩٥]
٢٧١٤ - ما فِعْلُ الصَّلَاةِ الَّتِي لَهَا سَبَبٌ مِثْل تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ بَعْدَ الْفَجْرِ وَالْعَصْرِ: الصَّحِيحُ قَوْلُ مَنِ اسْتَحَبَّ ذَلِكَ. [٢٢/ ٢٩٧]
٢٧١٥ - أَمَّا قَوْلُهُ: "إذَا دَخَلَ أَحَدُكمْ الْمَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ" (١) : فَهُوَ أَمْرٌ عَامٌّ لَمْ يُخَصَّ مِنْهُ صُورَة، فَلَا يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ بِعُمُومٍ مَخْصُوصٍ؛ بَلِ الْعُمُومُ الْمَحْفُوظُ أَوْلَى مِنَ الْعُمُومِ الْمَخْصُوصِ (٢) .
وَأَيْضًا: فَإِنَّ الصَّلَاةَ وَالْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ أَشَدُّ مِنَ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَجْرِ وَالْعَصْرِ، وَقَد ثَبَتَ عَنْهُ فِي "الصَّحِيحِ" أَنَّهُ قَالَ: "إذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكعَتَيْنِ"، فَلَمَّا أَمَرَ بِالرَّكْعَتَيْنِ فِي وَقْتِ هَذَا النَّهْيِ فَكَذَلِكَ فِي وَقْتِ ذَلِكَ النَّهْيِ وَأَوْلَى.
وَلِأَنَّ أَحَادِيثَ النَّهْيِ فِي بَعْضِهَا "لَا تَتَحَرَّوْا بِصَلَاِتكُمْ" (٣) فَنَهَى عَنِ التَّحَرِّي لِلصَّلَاةِ ذَلِكَ الْوَقْتَ. [٢٢/ ٢٩٨] الحواشي
(١) رواه البخاري(١١٦٧) .(٢) هذه قاعدةٌ فقهية عظيمة النفع، وينبغي على طالب العلم أنْ يُعْملها في نصوص الكتاب والسُّنَّة.(٣) رواه مسلم(٨٣٣) ، وفي صحيح البخاري:(١١٩١) أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ قال: "لَا أَمْنَعُ أَحَدًا أَنْ يُصَلَّيَ فِي أَيِّ سَاعَةٍ شَاءَ مِن لَيْلٍ أَو نَهَارٍ، غَيْرَ أَنْ لَا تَتَحَرَّوْا طُلُوعَ الشَّمْسِ وَلَا غُرُوبَهَا".стр. 1976
٢٧١٦ - فَصْلٌ فِي أَوْقَاتِ النَّهْيِ وَالنِّزَاعِ فِي ذَوَاتِ الْأَسْبَابِ وَغَيْرِهَا، فَإِنَّ لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْبَابِ اضْطِرَابًا كَثيرًا.
فَنَقُولُ: قَد ثَبَتَ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ أَنَّ النَّهْيَ لَيْسَ عَامًّا لِجَمِيعِ الصَّلَوَاتِ، فَإِنَّهُ قَد ثَبَتَ فِي "الصَّحِيحَيْنِ" عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "مَن أَدْرَكَ رَكعَةً قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَد أَدْرَكَ"، وَكَذَلِكَ قَالَ: "مَن أَدْرَكَ رَكْعَةً مِن الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَد أَدْرَكَ" (١) .
ثُمَّ إنَّ مَا نَهَى عَنْهُ لِسَدِّ الذَّرِيعَةِ يُبَاحُ لِلْمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ، كَمَا يُبَاحُ النَّظَرُ إلَى الْمَخْطُوبَةِ وَالسَّفَرُ بِهَا إذَا خِيفَ ضَيَاعُهَا، كَسَفَرِهَا مِن دَارِ الْحَرْبِ، مِثْل سَفَرِ أُمِّ كُلْثُومٍ، وَكَسَفَرِ عَائِشَةَ لَمَّا تَخَلَّفَتْ مَعَ صَفْوَانَ بْنِ الْمُعَطِّلِ، فَإِنَّهُ لَمْ يُنْهَ عَنْهُ إلَّا لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى الْمَفْسَدَةِ، فَإِذَا كَانَ مُقْتَضِيًا لِلْمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ لَمْ يَكُن مُفْضِيًا إلَى الْمَفْسَدَةِ.
وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي التَّطَوُّعِ الْمُطْلَقِ، فَإِنَّهُ قَد يُفْضِي إلَى الْمَفْسَدَةِ وَلَيْسَ النَّاسُ مُحْتَاجِينَ إلَيْهِ فِي أَوْقَاتِ النَّهْيِ لِسِعَةِ الْأَوْقَاتِ الَّتِي تُبَاحُ فِيهَا الصَّلَاةُ.
بَل فِي النَّهْيِ عَنْهُ بَعْضُ الْأَوْقَاتِ مَصَالِحُ أُخَرُ:
أ - مِن إجْمَامِ النُّفُوسِ بَعْضَ الْأَوْقَاتِ مَن ثِقَلِ الْعِبَادَةِ كَمَا يُجَمُّ بِالنَّوْمِ وَغَيْرِهِ؛ وَلهَذَا قَالَ مُعَاذٌ: إنِّي لَأَحْتَسِبُ نَوْمَتِي كَمَا أَحْتَسِبُ قَوْمَتِي (٢) .
ب - وَمِن تَشْوِيقِهَا وَتَحْبِيبِ الصَّلَاةِ إلَيْهَا إذَا مُنِعَتْ مِنْهَا وَقْتًا فَإِنَّهُ يَكُونُ أَنْشَطَ وَأَرْغَبَ فِيهَا؛ فَإِنَّ الْعِبَادَةَ إذَا خُصَّتْ بِبَعْضِ الْأَوْقَاتِ نَشِطَتْ النُّفُوسُ لَهَا أَعْظَمَ مِمَّا تَنْشَطُ لِلشَّيْءِ الدَّائِمِ. الحواشي
(١) رواه البخاري(٥٧٩) ، ومسلم(٦٠٨) .(٢) وهناك من الناس من حُببت إليه الصلاة، فلو لم يكن هناك وقتٌ يُنهى فيه عن الصلاة لَمَا انقطع عنها، وربما أدى ذلك إلى التفريط في حقوق نفسه وأهله وغيرهم. فسبحان العليم الحكيم.стр. 1977
ج - وَمِنْهَا: أَنَّ الشَّيْءَ الدَّائِمَ تَسْأَمُ مِنْهُ وَتَمَلُّ وَتَضْجَرُ، فَإِذَا نَهَى عَنْهُ الْأَوْقَاتِ زَالَ ذَلِكَ الْمَلَلُ.
إلَى أَنْوَاعٍ أُخَرَ مِن الْمَصَالِحِ فِي النَّهْيِ عَن التَّطَوُّعِ الْمُطْلَقِ، فَفِي النَّهْيِ دَفْعٌ لِمَفَاسِدَ وَجَلْبٌ لِمَصَالِحَ مِن غَيْرِ تَفْوِيتِ مَصْلَحَةٍ.
وَأَمَّا مَا كَانَ لَهُ سَبَبٌ فَمِنْهَا مَا إذَا نَهَى عَنْهُ فَاتَت الْمَصْلَحَةُ وَتَعَطَّلَ عَلَى النَّاسِ مِن الْعِبَادَةِ وَالطَّاعَةِ وَتَحْصِيلِ الْأَجْرِ وَالثَّوَابِ وَالْمَصْلَحَةِ الْعَظِيمَةِ فِي دِينِهِمْ مَا لَا يُمْكِنُ اسْتِدْرَاكُهُ؛ كَالْمُعَادَةِ مَعَ إمَامِ الْحَيِّ، وَكَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ، وَسُجُودِ التِّلَاوَةِ وَصَلَاةِ الْكُسُوفِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وذَوَاتُ الْأَسْبَابِ إنَّمَا دَعَا إلَيْهَا دَاعٍ، لَمْ تُفْعَلْ لِأَجْلِ الْوَقْتِ، بِخِلَافِ التَّطَوُّعِ الْمُطْلَقِ الَّذِي لَا سَبَبَ لَهُ، وَحِينَئِذٍ فَمَفْسَدَةُ النَّهْيِ إنَّمَا تَنْشَأُ مِمَّا لَا سَبَبَ لَهُ دُونَ مَا لَهُ السَّبَبُ، وَلهَذَا قَالَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: "لَا تَتَحَرَّوْا بِصَلَاِتكُمْ طُلُوعَ الشَّمْسِ وَلَا غُرُوبَهَا" (١) .
وَالْمُعَادَةُ إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ تُعَادُ فِي وَقْتِ النَّهْيِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ.
وَالصَّلَاةُ عَلَى الْجِنَازَةِ بَعْدَ الْفَجْرِ وَبَعْدَ الْعَصْرِ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: إجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ بَعْدَ الْفَجْرِ وَبَعْدَ الْعَصْرِ.
وَتِلْكَ الْأَنْوَاعُ الثَّلَاثَةُ لَمْ يَخْتَلِفْ فِيهَا قَوْلُ أَحْمَد أَنَّهَا تُفْعَلُ فِي أَوْقَاتِ النَّهْيِ؛ لِأَنَّ فِيهَا أَحَادِيثَ خَاصَّةً تَدُلُّ عَلَى جَوَازِهَا فِي وَقْتِ النَّهْيِ، فَلِهَذَا اسْتَثْنَاهَا وَاسْتَثْنَى الْجِنَازَةَ فِي الْوَقْتَيْنِ لِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ.
وَأَمَّا سَائِرُ ذَوَاتِ الْأَسْبَابِ: مِثْل تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ، وَسُجُودِ التِّلَاوَةِ، وَصَلَاةِ الحواشي
(١) رواه مسلم(٨٣٣) .стр. 1978
الْكُسُوفِ، وَمِثْل رَكْعَتَي الطَّوَافِ فِي الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثَةِ (١) ، وَمِثْل الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ فِي الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثَةِ: فَاخْتَلَفَ كَلَامُهُ فِيهَا، وَالْمَشْهُورُ عَنْهُ النَّهْيُ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ.
وَالرِّوَايَة الثَّانِيَةُ: جَوَازُ جَمِيعِ ذَوَاتِ الْأَسْبَابِ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَهُوَ الرَّاجِحُ فِي هَذَا الْبَابِ لِوُجُوهِ: مِنْهَا: أَنَّ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ قَد ثَبَتَ الْأَمْرُ بِهَا فِي "الصَّحِيحَيْنِ" عَن أَبِي قتادة أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلْيَرْكَعْ رَكعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ" (٢) .
وَعَنْهُ قَالَ: "إِذَا دَخَلَ أَحَدُكمْ الْمَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ".
فَهَذَا فِيهِ الْأَمْرُ بِرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ، وَالنَّهْيُ عَن أَنْ يَجْلِسَ حَتَّى يَرْكَعَهُمَا، وَهُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ وَقْتٍ عُمُومًا مَحْفُوظًا لَمْ يُخَصَّ مِنْهُ صُورَةٌ بِنَصّ وَلَا إجْمَاعٍ.
وَحَدِيثُ النَّهْيِ (٣) قَد عُرِفَ أَنَّهُ لَيْسَ بِعَامّ، وَالْعَامُّ الْمَحْفُوظُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْعَامِّ الْمَخْصُوصِ، فَإِنَّ هَذَا قَد عُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ بِعَامٍّ بِخِلَافِ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْمُقْتَضِيَ لِعُمُومِهِ قَائِمٌ لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ.
فَكَيْفَ وَهُوَ ﷺ قَد أَمَرَهُم إذَا دَخَلَ أَحَدُهُم الْمَسْجِدَ وَالْخَطِيبُ عَلَى الْمِنْبَرِ فَلَا يَجْلِسُ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ، أَلَيْسَ فِي أَمْرِهِمْ بِهَا فِي هَذَا الْوَقْتِ تَنْبِيهًا عَلَى غَيْرِهِ مِن الْأَوْقَاتِ؟ [٢٣/ ١٧٨ - ١٩٦] الحواشي
(١) وهي:
أ - من طلوع الشمس إلى أن ترتفع قيد رمح.
ب - من حين ميلان الشمس عن وَسَطِ السَّماء نحو المغرب إلى أن تزول الشمس.
ج - من حين يبدأ قُرْص الشَّمس بالمغيب إلى تمام الغُروب.(٢) رواه البخاري(٤٤٤) ، ومسلم(٧١٤) .(٣) أي: حديث النهي عن الصلاة في أوقات النهي.стр. 1979
٢٧١٧ - لا نهي عن الصلاة عند طلوع الشمس إلى زوالها يوم الجمعة، وهو قول الشافعي. [المستدرك ٣/ ١١٤]
٢٧١٨ - يصلي صلاة الاستخارة وقت النهي في أمر يفوت بالتأخير إلى وقت الإباحة. [المستدرك ٣/ ١١٤]
٢٧١٩ - يستحب أن يصلي ركعتين عقب الوضوء ولو كان وقت النهي، قاله الشافعية. [المستدرك ٣/ ١١٤]
٢٧٢٠ - ثَبَتَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ قَرَأَ فِي الْفَجْرِ بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ، فَلَمَّا سَلَّمَ قِيلَ لَهُ: كَادَت الشَّصْدق تَطْلُعُ! فَقَالَ: لَو طَلَعَتْ لَمْ تَجِدْنَا غَافِلِينَ (١) .
فَهَذَا خِطَابُ الصِّدِّيقِ لِلصَّحَابَةِ يُبَيِّنُ أَنَّهَا لَو طَلَعَتْ لَمْ يَضُرَّهُم ذَلِكَ، وَلَمْ تَجِدْهُم غَافِلِينَ؛ بَل وَجَدْتهمْ ذَاكِرِينَ اللهَ.
وَلهَذَا لَا يَأْثَمُ مَن أَخَّرَ الصَّلَاةَ حَتَّى يَفْرَغَ مِنْهَا قَبْلَ الطُّلُوعِ، كَمَا ثَبَتَ عَن النَّبِيِّ ﷺ فِي أَحَادِيثِ الْمَوَاقِيتِ أَنَّهُ سَلَّمَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي وَالْقَائِلُ يَقُولُ: قَد طَلَعَت الشَّمْسُ أَو كَادَتْ.
وَقَالَ فِي "الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ": "وَقْتُ الْفَجْرِ مَا لَمْ تَطْلُع الشَّمْسُ" (٢) ، وَقَالَ: "وَقْتُ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ" (٣) .
فَمَن صَلَّى قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ جَمِيعَ صَلَاةِ الْفَجْرِ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ.
وَمَن صَلَّى الْعَصْرَ وَقْتَ الْغُرُوبِ مِن غَيْرِ عُذْرٍ فَهُوَ آثِمٌ.
لَكِنْ جَعَلَهُ الرَّسُولُ مُدْرِكًا لِلْوَقْتِ وَهُوَ وَقْتُ الضَّرُورَةِ (٤) فِي مِثْل النَائِمِ إذَا اسْتَيْقَظَ، وَالْحَائِضِ إذَا طَهُرَتْ، وَالْكَافِرِ إذَا أَسْلَمَ، وَالْمَجْنُونِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ إذَا أَفَاقَا. الحواشي
(١) رواه البيهقي(٢) رواه مسلم(٦١٢) .(٣) رواه مسلم(٦١٢) .(٤) لما ثبت عنه أنه قال: "مَن أَدْرَكَ رَكْعَةً مِن الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَد أَدْرَكَ".стр. 1980
فَأَمَّا مَن أَمْكَنَهُ قَبْلَ ذَلِكَ فَهُوَ آثِمٌ بِالتَّأْخِيرِ إلَيْهِ، وَهُوَ مِن الْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُم عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ، وَلَكِنْ فِعْلُهَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ خَيْرٌ مِن تَفْوِيتِهَا؛ فَإِنَّ تَفْوِيتَهَا مِن الْكَبَائِرِ. [٢٣/ ١٧٩ - ١٨١]
٢٧٢١ - النَّهْيُ فِي الْعَصْرِ مُعَلَّقٌ بِصَلَاةِ الْعَصْرِ، فَإِذَا صَلَّاهَا لَمْ يُصَلِّ بَعْدَهَا، وَإِن كَانَ غَيْرُهُ لَمْ يُصَلِّ، وَمَا لَمْ يُصَلِّهَا فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ، وَهَذَا ثَابِتٌ بِالنَّصِّ وَالِاتِّفَاقِ؛ فَإِنَّ النَّهْيَ مُعَلَّقٌ بِالْفِعْلِ.
وَأَمَّا الْفَجْرُ: فَفِيهَا نِزَاعٌ مَشْهُورٌ وَفِيهِ عَن أَحْمَد رِوَايَتَانِ:
قِيلَ: إنَّهُ مُعَلَّقٌ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ فَلَا يَتَطَوَّعُ بَعْدَهُ بِغَيْرِ الرَّكْعَتَيْنِ وَهُوَ قَوْلُ طَائِفَةٍ مِن السَّلَفِ وَمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَقِيلَ: إنَّهُ مُعَلَّقٌ بِالْفِعْلِ كَالْعَصْرِ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَالشَّافِعِيِّ، فَإِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ النَّهْيُ إلَّا بَعْدَ الصَّلَاةِ كَمَا فِي الْعَصْرِ (١) .
وَأَحَادِيثُ النَّهْيِ تُسَوِّي بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ كَمَا فِي "الصَّحِيحَيْنِ" عَن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "شَهِدَ عِنْدِي رِجَالٌ مَرْضِيُّونَ وَأَرْضَاهُم عِنْدِي عُمَرُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَن الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَى تُشْرِقَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ" (٢) .
وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَو أَرَادَ الْوَقْتَ لَاسْتَثْنَى رَكْعَتَي الْفَجْرِ وَالْفَرْضِ (٣) ، كَمَا وَرَدَ اسْتِثْنَاءُ ذَلِكَ فِي مَا نَهَى عَنْهُ حَيْثُ قَالَ: "لَا صَلَاةَ بَعْدَ الْفَجْرِ إلَّا سَجْدَتَيْنِ" (٤) .
فَلَمَّا لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ فِي الْأَحَادِيثِ عُلِمَ أَنَّهُ أَرَادَ فِعْلَ الصَّلَاةِ؛ كَمَا جَاءَ مُفَسَّرًا فِي أَحَادِيثَ صَحِيحَةٍ (٥) . الحواشي
(١) وعلى هذا؛ فوقت صلاة الوتر يمتد إلى صلاة الفجر لا إلى طلوع الفجر، وهذا الذي رجحه الشيخ كما تقدّم.(٢) رواه البخاري(٥٨١) .(٣) فلم يقل: لا صلاة بعد الفجر إلا راتبة الفجر وفرضها.(٤) رواه الترمذي(٤١٩) .(٥) مثل الحديث الذي رواه مُسْلِم عن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا صَلَاةَ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ حَتى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، وَلَا صَلَاةَ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ".стр. 1981
وَلِأَنَّهُ يَمْتَنِعُ أَنْ تَكونَ أَوْقَاتُ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ فَرْضُهَا وَسُنَّتُهَا وَقْتَ نَهْيٍ، وَمَا بَعْدَ الْفَجْرِ وَقْتُ صَلَاةِ الْفَجْرِ: سُنَّتُهَا وَفَرْضُهَا، فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ هَذَا وَقْتُ نَهْيٍ؟
وَهَل يَكُونُ وَقْتَ نَهْيٍ سُنَّ فِيهِ الصَّلَاةُ دَائِمًا بِلَا سَبَبٍ، وَأَمَرَ بِتَحَرِّي الصَّلَاةِ فِيهِ؟
هَذَا تَنَاقُضٌ.
وَالنَّهْيُ هُوَ لِأَنَّ الْكُفَّارَ يَسْجُذونَ لَهَا، وَهَذَا لَا يَكُونُ مِن طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَلهَذَا كَانَ الْأَصْلُ فِي النَّهْيِ عِنْدَ الطُّلُوعِ وَالْغُرُوبِ كَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، لَكِنْ نَهَى عَن الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاتَيْنِ سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ، فَإِنَّ الْمُتَطَوِّعَ قَد يُصَلِّي بَعْدَهُمَا حَتَّى يُصَلِّيَ وَقْتَ الطُّلُوعِ وَالْغُرُوبِ.
وَلهَذَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ وُيوتِرُ، ثُمَّ إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ صَلَّى الرَّكْعَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى الْفَرْضَ، وَكَانَ يَضْطَجِعُ أَحْيَانًا لِيَسْتَرِيحَ: إمَّا بَعْدَ الْوِتْرِ وَإِمَّا بَعْدَ رَكْعَتَي الْفَجْرِ.
وَكَانَ إذَا غَلَبَهُ مِن اللَّيْلِ نَوْمٌ أَو وَجَعٌ صَلَّى مِن النَّهَارِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً بَدَلَ قِيَامِهِ مِن اللَّيْلِ، وَلَمْ يَكُن يَقْضِي ذَلِكَ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ؛ لِأَنَّة لَمْ يَكن يَتَّسِعُ لِذَلِكَ، فَإِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ فِيهَا طُولٌ وَكَانَ يُغَلِّسُ بِالْفَجْرِ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَو أَمْكَنَ قِرَاءَةُ شَيْءٍ مِنْهُ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ كَانَ أَبْلَغَ، لَكِنْ إذَا قَرَأَهُ قَبْلَ الزَّوَالِ كُتِبَ لَهُ كَأَنَّمَا قَرَأَهُ مِن اللَّيْلِ، فَإِنَّ هَذَا الْوَقْتَ تَابعٌ لِلَّيْلَةِ الْمَاضِيَةِ، وَلهَذَا يُقَالُ فِيمَا قَبْلَ الزَّوَالِ: فَعَلْنَاهُ اللَّيْلَةَ، وَيُقَالُ بَعْدَ الزَّوَالِ: فَعَلْنَاهُ الْبَارِحَةَ، وَهُوَ وَقْتُ الضُّحَى، وَهُوَ خَلَفٌ عَن قِيَامِ اللَّيْلِ.
فَمَا بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إنَّمَا سُنَّ لِلْمُسْلِمِينَ السُّنَّة الرَّاتِبَة وَفَرْضُهَا الْفَجْرُ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ لَمْ يُسَنَّ، وَلَمْ يَكُن مَنْهِيًّا عَنْهُ إذَا لَمْ يُتَّخَذْ سُنَّةً.
فَإِذَا قِيلَ: لَا سُنَّةَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَّا رَكْعَتَانِ: فَهَذَا صَحِيحٌ.
стр. 1982
وَأَمَّا النَّهْيُ الْعَامُّ فَلَا.
وَالْإِنْسَانُ قَد لَا يَقُومُ مِن اللَّيْلِ فَيُرِيدُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي هَذَا الْوَقْتِ، وَقَد اسْتَحَبَّ السَّلَفُ لَهُ قَضَاءَ وِتْرِهِ؛ بَل وَقِيَامَهُ مِن اللَّيْلِ فِي هَذَا الْوَقْتِ، وَذَلِكَ عِنْدَهُم خَيْرٌ مِن أَنْ يُؤَخِّرَهُ إلَى الضُّحَى. [٢٣/ ٢٠٠ - ٢٠٥]
٢٧٢٢ - لِلنَّاسِ فِي الصَّلَاةِ نِصْفَ النَّهَارِ (١) يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا أَقْوَالٌ: قِيلَ بِالنَّهْيِ مُطْلَقًا وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَن أَحْمَد.
وَقِيلَ: الْإِذْنُ مُطْلَقًا كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الخرقي وُيرْوَى عَن مَالِكٍ.
وَقِيلَ: بِالْفَرْقِ بَيْنَ الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَأَبَاحَهُ فِيهَا عَطَاءٌ فِي الشِّتَاءِ دُونَ الصَّيْفِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ عبسة: "ثُمَّ بَعْدَ طُلُوعِهَا صَلِّ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ حَتَّى يَسْتَقِلَّ الظِّلُّ بِالرُّمْحِ، ثُمَّ اُقْصُرْ عَن الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ حِينَئِدٍ تُسْجَرُ جَهَنَّمُ، فَإِذَا أَقْبَلَ الْفَيْءُ فَصَلِّ".
فَعَلَّلَ النَّهْيَ حِينَئِذٍ بِأَنَّهُ حِينَئِذٍ تُسْجَرُ جَهَنَّمُ.
وَفِي الطُّلُوعِ وَالْغُرُوبِ بِمُقَارَنَةِ الشَّيْطَانِ فَقَالَ: "ثُمَّ اُقْصُرْ عَن الصَّلَاةِ حَتَّى تَطْلُعَ فَإِنَّهَا تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ". الحواشي
(١) الذي هو قُبيل الزوال بيسير.
قال ابن رشد ﵀: اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ ثَلَاثَةً مِنَ الْأَوْقَاتِ مَنْهِيٌّ عَن الصَّلَاةِ فِيهَا وَهِيَ:
أ - وَقْتُ طُلُوعِ الشَّمْسِ.
ب - وَوَقْتُ غُرُوبِهَا.
ج - وَمِن لَدُنْ تُصَلَّى صَلَاةُ الصُّبْح حَتى تَطْلُعَ الشَّمْسُ.
وَاخْتَلَفُوا فِي وَقْتَيْنِ: فِي وَقْتِ الزَّوَالِ، وَفِي الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ؛ فَذَهَبَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ إِلَى أَنَّ الْأَوْقَاتَ الْمَنْهِيَّ عَنْهَا هِيَ أَرْبَعَةٌ: الطُّلُوعُ، وَالْغُرُوبُ، وَبَعْدَ الصُّبْح، وَبَعْدَ الْعَصْرِ، وَأَجَازَ الصَّلَاةَ عِنْدَ الزوَالِ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أن هَذ الْأَوْقَاتَ خَمْسَة كُلُّهَا مَنْهِيٌّ عَنْهَا إِلَّا وَقْتَ الزَّوَالِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَإِنَّهُ أَجَازَ فِيهِ الصَّلَاةَ، وَاسْتَثْنَى قَوْمٌ مِن ذَلِكَ الصَّلَاةَ بَعْدَ الْعَصْرِ. بداية المجتهد (١/ ١٠٩).стр. 1983
وَفِي الْغُرُوبِ قَالَ: "ثُمَّ اُقْصُرْ عَن الصَّلَاةِ حَتَّى تَغْرُبَ فَإِنَّهَا تَغْرُبُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ" (١) .
وَأَمَّا مُقَارَنَةُ الشَّيْطَانِ لَهَا حِينَ الِاسْتِوَاءِ فَلَيْسَ فِي شَيءٍ مِن الْحَدِيثِ إلَّا فِي حَدِيثِ الصنابحي، قَالَ: "إنَّهَا تَطْلُعُ وَمَعَهَا قَرْنُ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا ارْتَفَعَتْ قَارَنَهَا، ثُمَّ إذَا اسْتَوَتْ قَارَنَهَا، فَإِذَا زَالَتْ قَارَنَهَا، وَإِذَا دَنَتْ لِلْغُرُوبِ قَارَنَهَا، فَإِذَا غَرَبَتْ قَارَنَهَا" (٢) .
لَكِن الصنابحي قَد قِيلَ: إنَّهُ لَمْ تَثْبُتْ لَهُ صُحْبَةٌ فَلَمْ يَسْمَعْ هَذَا مِن النَّبِيِّ ﷺ بِخِلَافِ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ عبسة فَإِنَّهُ صَحِيحٌ سَمِعَهُ مِنْهُ.
ويُؤَيِّدُ هَذَا أَنَّ عَامَّةَ الْأَحَادِيثِ لَيْسَ فِيهَا إلَّا النَّهْيُ وَقْتَ الطُّلُوعِ وَوَقْتَ الْغُرُوب أَو بَعْدَ الصَّلَاتَيْنِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ نِصْفَ النَّهَارِ نَوْعٌ اَخَرُ لَهُ عِلَّةٌ غَيْرُ عِلَّةِ ذَيْنك الْوَقْتَيْنِ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ ضَبْطَ هَذَا الْوَقْتِ مُتَعَسِّرٌ، فَقَد ثَبَتَ فِي "الصَّحِيحِ" أَنَّهُ قَالَ ﷺ : "إذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدوا بِالصَّلَاةِ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِن فَيْحِ جَهَنَّمَ" (٣) ، وَهَذَا حَدِيثٌ اتَّفَقَ الْعُلَمَاء عَلَى صِحَّتِهِ وَتَلَقِّيه بِالْقَبُولِ، فَأَخْبَرَ أَنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِن فَيْحِ جَهَنَّمَ وَهَذَا مُوَافِق لِقَوْلِهِ: "فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ تُسْجَرُ جَهَنَّمُ"، وَأَمَرَ بِالْإِبْرَادِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ مَنْهِيٌّ عَنْهَا عِنْدَ شِدَّةِ الْحَرِّ؛ لِأَنَّهُ مِن فَيْحِ جَهَنَّمَ.
وَبِالْجُمْلَةِ: جَوَازُ الصَّلَاةِ وَقْتَ الزَّوَالِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى أَصْلِ أَحْمَد أَظْهَرُ مِنْهُ عَلَى أَصْلِ غَيْرِهِ، فَإِنَّهُ يُجَوِّزُ الْجُمُعَةَ وَقْتَ الزَّوَالِ، وَلَا يَجْعَلُ ذَلِكَ وَقْتَ الحواشي
(١) رواه مسلم(٨٣٢) .(٢) رواه النسائي(٥٥٩) ، والبغوي في شرح السُّنَّة(٧٧٦) ، وقال: الصنابحي ليس له سماع من النبي ﷺ ، فإنه رحل إلى النبي ﷺ ، فقبض رسول الله ﷺ وهو في الطريق.
وصحح الألباني الحديث وقال: صحيح إلا قوله: "فإذا استوت قارنها فإذا زالت قارنها".
وهو يُوافق ما جنح إليه الشيخ ورجحه.(٣) رواه البخاري(٥٣٦) ، ومسلم(٦١٥) .стр. 1984
نَهْيٍ؛ بَل قَد قِيلَ فِي مَذْهَبِهِ: أَنَّهَا لَا تَجُوزُ إلَّا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَهُوَ الْوَقْتُ الَّذِي هُوَ وَقْتُ نَهْيٍ فِي غَيْرِهَا.
فَعُلِمَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا، وَكَمَا أَنَّ الْإِبْرَادَ الْمَأْمُورَ بِهِ فِي غَيْرِهَا لَا يُؤْمَرُ بِهِ فِيهَا؛ بَل يُنْهَى عَنْهُ، وَهُوَ مُعَلَّلٌ بِأَنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِن فَيْحِ جَهَنَّمَ، فَكَذَلِكَ قَد عَلَّلَ بِأَنَّهُ حِينَئِذٍ تُسْجَرُ جَهَنَّمُ.
وَإِذَا كَانَت مُخْتَصَّةً بِمَا سِوَى يَوْمِ الْجُمُعَةِ: فَكذَلِكَ الْأُخْرَى، وَعَلَى مُقْتَضَى هَذِهِ الْعِلَّةِ لَا يُنْهَى عَن الصَّلَاةِ وَقْتَ الزَّوَالِ لَا فِي الشِّتَاءِ وَلَا يَوْمِ الْجُمُعَةِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا فِي "السُّنَنِ" عَن النَّبِيِّ ﷺ : "إنَّهُ نَهَى عَن الصَّلَاةِ نِصْفَ النَّهَارِ إلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ" (١) ، وَهُوَ أَرْجَحُ مِمَّا احْتَجُّوا بِهِ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ فِي الْفَجْرِ مُعَلَّقٌ بِالْوَقْتِ. [٢٣/ ٢٠٥ - ٢٠٩]
٢٧٢٣ - النَّهْيُ عَن الصَّلَاةِ فِيهَا (٢) هُوَ مِن بَابِ سَدِّ الذَّرَائِعِ؛ لِئَلَّا يَتَشَبَّهُ بِالْمُشْرِكِينَ فَيُفْضِي إلَى الشِّرْكِ، وَمَا كَانَ مَنْهِيًّا عَنْهُ لِسَدِّ الذَّرِيعَةِ، لَا لِأَنَّهُ مَفْسَدَةٌ فِي نَفْسِهِ: يُشْرَعُ إذَا كَانَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ رَاجِحَةٌ، وَلَا تَفُوتُ الْمَصْلَحَةُ لِغَيْرِ مَفْسَدَةٍ رَاجِحَةٍ.
وَالصَّلَاةُ للهِ فِيهِ لَيْسَ فِيهَا مَفْسَدَةٌ؛ بَل هِيَ ذَرِيعَةٌ إلَى الْمَفْسَدَةِ، فَإِذَا تَعَذَّرَتِ الْمَصْلَحَةُ إلَّا بِالذَّرِيعَةِ (٣) شُرِعَتْ، وَاكْتَفَى مِنْهَا إذَا لَمْ يَكُن هُنَاكَ مَصْلَحَةٌ، وَهُوَ التَّطَوُّعُ الْمُطْلَقُ، فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي الْمَنْعِ مِنْهُ مَفْسَدَةٌ وَلَا تَفْوِيتُ مَصْلَحَةٍ لِإِمْكَانِ فِعْلِهِ فِي سَائِرِ الْأَوْقَاتِ.
وَهَذَا أَصْلٌ لِأَحْمَدَ وَغَيْرِهِ: فِي أَنَّ مَا كَانَ مِن "بَابِ سَدِّ الذَّرِيعَةِ" إنَّمَا يُنْهَى عَنْهُ إذَا لَمْ يُحْتَجْ إلَيْهِ، وَأَمَّا مَعَ الْحَاجَةِ لِلْمَصْلَحَةِ الَّتِي لَا تَحْصُلُ إلَّا بِهِ: الحواشي
(١) رواه أبو داود(١٠٨٣) ، وقال: مرسل، وضعَّفه الألباني في ضعيف أبي داود.(٢) أي: في أوقات النهي.(٣) التي تُفضي إلى المفسدة.стр. 1985
فلا (١) يُنْهَى عَنْهُ (٢) .
وَذَوَاتُ الْأَسْبَابِ كُلّهَا تَفُوتُ إذَا أُخِّرَتْ عَن وَقْتِ النَّهْيِ؛ مِثْل سُجُودِ التِّلَاوَةِ، وَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ، وَصَلَاةِ الْكُسُوفِ، وَمِثْل الصَّلَاةِ عَقِبَ الطَّهَارَةِ كَمَا فِي حَدِيثِ بِلَالٍ، وَكَذَلِكَ صَلَاةُ الِاسْتِخَارَةِ إذَا كَانَ الَّذِي يَسْتَخِيرُ لَهُ يَفُوتُ إذَا أُخِّرَتِ الصَّلَاةُ، وَكَذَلِكَ صَلَاةُ التَّوْبَةِ، فَإِذَا أَذْنَبَ فَالتَّوْبَةُ وَاجِبَةٌ عَلَى الْفَوْرِ، وَهُوَ مَنْدُوبٌ إلَى أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يَتُوبَ كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَنَحْو قَضَاءِ السُّنَنِ الرَّوَاتِبِ كَمَا قَضَى النَّبِيُّ ﷺ رَكْعَتَي الظُّهْرِ بَعْدَ الْعَصْرِ، وَكَمَا أَقَرَّ الرَّجُلُ عَلَى قَضَاءِ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ بَعْدَ الْفَجْرِ مَعَ أَنَّهُ يُمْكِنُ تَأْخِيرُهَا، لَكِنْ تَفُوتُ مَصْلَحَةُ الْمُبَادَرَةِ إلَى الْقَضَاءِ، فَإِنَّ الْقَضَاءَ مَأْمُورٌ بِهِ عَلَى الْفَوْرِ فِي الْوَاجِبِ وَاجِبٌ، وَفِي الْمُسْتَحَبِّ مُسْتَحَبٌّ. [٢٣/ ٢١٤ - ٢١٥]
٢٧٢٤ - مَشَاهِدُ الْقُبُورِ وَنَحْوِهَا: اتَّفَقَ أَئِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِن دِينِ الْإِسْلَامِ أَنْ تُخَصَّ بِصَلَاةٍ أَو دُعَاءٍ أَو غَيْرِ ذَلِكَ، وَمَن ظَنَّ أَنَّ الصَّلَاةَ وَالدُّعَاءَ وَالذِّكْرَ فِيهَا أَفْضَلُ مِنْهُ فِي الْمَسَاجِدِ فَقَد كَفَرَ؛ بَل قَد تَوَاتَرَت السُّنَنُ فِي النَّهْيِ عَن اتِّخَاذِهَا لِذَلِكَ. [٢٣/ ٢٢٤]
* * *
(بَاب صَلَاة الْجَمَاعَةِ)
٢٧٢٥ - تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِي كَوْنِهَا [أي: صلاة الجماعة] وَاجِبَةً عَلَى الْأَعْيَانِ (٣) ، أَو عَلَى الْكِفَايَةِ، أَو سُنَّةً مُؤَكَّدَةً؟
وَاَلَّذِينَ نَفَوْا الْوُجُوبَ احْتَجُّوا بِتَفْضِيلِ النَّبِيِّ ﷺ صَلَاةَ الْجَمَاعَةِ عَلَى الحواشي
(١) في الأصل: (وقد)، ولعل المثبت هو الصواب.(٢) هذه قاعدة مهمة جدًّا، يُحتاج إليها في كثير من مسائل الدين، وخاصَّةً في النوازل.(٣) قال الشيخ في موضع آخر: وَهَذَا هُوَ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ. (٢٣/ ٢٣٩)стр. 1986
صَلَاةِ الرَّجُلِ وَحْدَهُ، قَالُوا: وَلَو كَانَت وَاجِبَةً لَمْ تَصِحَّ صَلَاةُ الْمُنْفَرِدِ وَلَمْ يَكُن هُنَاكَ تَفْضِيل.
وَأَمَّا الْمُوجِبُونَ: فَاحْتَجُّوا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْآثَارِ:
أَمَّا الْكتَابُ: فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢]، وَفِيهَا دَلِيلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَمَرَهُم بِصَلَاةِ الْجَمَاعَةِ مَعَهُ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ، وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِهَا حَالَ الْخَوْفِ، وَهُوَ يَدُلُّ بِطَرِيقِ الْأوْلَى عَلَى وُجُوبِهَا حَالَ الْأَمْنِ.
الثَّانِي: أَنَّهُ سَنَّ صَلَاةَ الْخَوْفِ جَمَاعَةً وَسَوَّغَ فِيهَا مَا لَا يَجُوزُ لِغَيْرِ عُذْرٍ؛ كَاستِدْبَارِ الْقِبْلَةِ، وَالْعَمَلِ الْكَثِيرِ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لِغَيْرِ عُذْرٍ بِالِاتِّفَاقِ، وَكَذَلِكَ مُفَارَقَةُ الْإِمَامِ قَبْلَ السَّلَامِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَكَذَلِكَ التَّخَلُّفُ عَن مُتَابَعَةِ الْإِمَامِ، كَمَا يَتَأَخَّرُ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ بَعْدَ رُكُوعِهِ مَعَ الْإِمَامِ إذَا كَانَ الْعَدُوُّ أَمَامَهُم.
قَالُوا: وَهَذِهِ الْأُمُورُ تُبْطِلُ الصَّلَاةَ لَو فعِلَتْ لِغَيْرِ عُذْرٍ، فَلَو لَمْ تَكُن الْجَمَاعَةُ وَاجِبَةً؛ بَل مُسْتَحَبَّةً لَكَانَ قَد الْتَزَمَ فِعْلَ مَحْظُورٍ مُبْطِلٍ لِلصَّلَاةِ وَتُرِكَت الْمُتَابَعَةُ الْوَاجِبَةُ فِي الصَّلَاةِ لِأَجْلِ فِعْلٍ مُسْتَحَبٍّ، مَعَ أَنَّهُ قَد كَانَ مِن الْمُمْكِنِ أَنْ يُصَلُّوا وُحْدَانًا صَلَاةً تَامَّةً، فَعُلِمَ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ.
وَأَمَّا احْتِجَاجُهُم بِتَفْضِيلِ صلَاةِ الرَّجُلِ فِي الْجَمَاعَةِ عَلَى صَلَاتِهِ وَحْدَهُ فَعَنْهُ جَوَابَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى صِحَّةِ صَلَاةِ الْمُنْفَرِدِ لِغَيْرِ عُذْرٍ، فَمَن صَحَّحَ صَلَاتَهُ قَالَ: الْجَمَاعَةُ وَاجِبَةٌ وَلَيْسَتْ شَرْطًا فِي الصِّحَّةِ كَالْوَقْتِ، فَإِنَّهُ لَو أَخَّرَ الْعَصْرَ إلَى وَقْتِ الِاصْفِرَارِ كَانَ آثِمًا مَعَ كَوْنِ الصَّلَاةِ صَحِيحَةً؛ بَل وَكَذَلِكَ لَو أَخَّرَهَا إلَى أَنْ يَبْقَى مِقْدَارَ رَكْعَةٍ كَمَا ثَبَتَ فِي "الصَّحِيحِ": "مَن أَدْرَكَ رَكْعَةً مِن الْعَصْرِ فَقَد أَدْرَكَ الْعَصْرَ" (١) . الحواشي
(١) رواه البخاري(٥٧٩) ، ومسلم(٦٠٨) .стр. 1987
قَالَ: وَالتَّفْضِيلُ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَفْضُولَ جَائِزٌ، فَقَد قَالَ تَعَالَى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [الجمعة: ٩]، فَجَعَلَ السَّعْيَ إلَى الْجُمُعَةِ خَيْرًا مِن الْبَيْعِ، وَالسَّعْيُ وَاجِبٌ وَالْبَيْعُ حَرَامٌ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ [النور: ٣٠]. [٢٣/ ٢٢٥ - ٢٣٢]
٢٧٢٦ - إِنْ قَصَدَ الرَّجُلُ الْجَمَاعَةَ وَوَجَدَهُم قَد صَلَّوْا: كَانَ لَهُ أَجْرُ مَن صَلَّى فِي الْجَمَاعَةِ كَمَا وَرَدَتْ بِهِ السُّنَّةُ عَن النَّبِيِّ ﷺ .
وَإِذَا أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَةً فَقَد أَدْرَكَ الْجَمَاعَةَ، وَإِن أَدْرَكَ أَقَلَّ مِن رَكْعَةٍ فَلَهُ بِنِيَّتِهِ أَجْرُ الْجَمَاعَةِ (١) .
وَلَكِنْ هَل يَكُونُ مُدْرِكًا لِلْجَمَاعَةِ، أَو يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ مَن صَلَّى وَحْدَهُ؟
فِيهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَكُونُ كَمَن صَلَّى فِي جَمَاعَةٍ كقَوْلِ أبِي حَنِيفَةَ.
وَالثَّانِي: يَكُونُ كَمَن صَلَّى مُنْفَرِدًا كَقَوْلِ مَالِكٍ، وَهَذَا أَصَحُّ؛ لِمَا ثَبَتَ فِي "الصَّحِيح" عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "مَن أَدْرَكَ رَكْعَةً مِن الصَّلَاةِ فَقَد أَدْرَكَ الصَّلَاة" (٢) .
وَمِن فَوَائِدِ النِّزَاعِ فِي ذَلِكَ: أَنَّ الْمُسَافِرَ إذَا صَلَّى خَلْفَ الْمُقِيمِ أَتَمَّ الصَّلَاةَ إذَا أَدْرَكَ رَكعَةً، فَإِنْ أَدْرَكَ أَقَلَّ مِن رَكْعَةٍ فَعَلَى الْقَوْلَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ (٣) . الحواشي
(١) فمن أدْرَكَ أقَلَّ مِن رَكْعَةٍ فَلَهُ أجْرُ صلاةِ الْجَمَاعَةِ إذا كان معذورًا، أما إذا كان مُفرّطًا فلا يدرك أجر صلاة الجماعة، بخلاف من أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَةً، فَقَد أَدْرَكَ أجر صلاةِ الْجمَاعَةَ ولو كان ما فوّته من الصلاة ناجمًا عن تهاونٍ وتفريط.(٢) رواه البخاري(٥٨٠) ، ومسلم(٦٠٧) .(٣) قال الشيخ في موضع آخر: يَنْبَنِي عَلَى هَذَا: أَنَّ الْمُسَافِرَ إذَا ائْتَمَّ بِمُقِيم وَأَدْرَكَ مَعَهُ رَكْعَةً فَمَا =стр. 1988
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَكونُ مُدْرِكًا لِلْجُمُعَةِ وَلَا لِلْجَمَاعَةِ إلَّا بِإِدْرَاكِ رَكْعَةٍ، وَمَا دُونَ ذَلِكَ لَا يُعْتَدُّ لَهُ بِهِ، وَإِنَّمَا يَفْعَلُهُ مُتَابَعَةً لِلْإِمَامِ، وَلَو بَعْدَ السَّلَامِ كَالْمُنْفَرِدِ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ. [٢٣/ ٢٤٢ - ٢٤٣]
وَيَنْبَنِي عَلَيْهِ أَيْضًا: أَنَّ الْمَرْأَةَ الْحَائِضَ إذَا طَهُرَتْ (١) قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ بِقَدْرِ رَكْعَةٍ لَزِمَهَا الْعَصْرُ، وَإِن طَهُرَتْ قَبْلَ الْفَجْرِ بِقَدْرِ رَكْعَةٍ لَزِمَهَا الْعِشَاءُ (٢) ، وَإن حَصَلَ ذَلِكَ بِأَقَلَّ مِن مِقْدَارِ رَكْعَةٍ لَمْ يَلْزَمْهَا شَيْءٌ.
وَأَمَّا الظُّهْرُ وَالْمَغْرِبُ: فَهَل يَلْزَمُهَا بِذَلِكَ؟ فِيهِ خِلَافٌ مَشْهُورٌ؟
فَقِيلَ: لَا يَلْزَمُهَا وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ (٣) .
وَقِيلَ: يَلْزَمُهَا وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد، وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَد عَن ابْنِ عَبَّاسِ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ (٤) .
ثُمَّ اخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ فِيمَا تَلْزَمُ بِهِ الصَّلَاةُ الْأُولَى (٥) عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: تَجِبُ بِمَا تَجِبُ بِهِ الثَّانيَةُ.
وَالثَّانِي: لَا تَجِبُ إلَّا بِأَنْ تُدْرَكَ زَمَنًا يَتَّسِعُ لِفِعْلِهَا وَهُوَ أَصَحُّ.
وَقَرِيبٌ مِن هَذَا: اخْتِلَافُهُم فِيمَا إذَا دَخَلَ عَلَيْهَا الْوَقْتُ وَهِيَ طَاهِرَةٌ ثُمَّ حَاضَتْ هَل يَلْزَمُهَا قَضَاءُ الصَّلَاةِ أَمْ لَا؟ (٦) عَلَى قَوْلَيْنِ: الحواشي
(١) وكذا كلّ مَنْ صَارَ أَهْلًا لِوُجُوبِهَا، وأهليَّة الوجوب تكون بالتَّكليف أو زوال المانع، فيصير أهلًا لوجوبها: إذا بلغ قبل خروج الوقت، وإذا عَقِلَ قبل خروج الوقت، وإذا زال الإغماءُ قبل خروج الوقت على قول أن المُغمى عليه لا يقضي الصَّلاة.
وأما زوال المانع: فمثاله: إذا طَهُرت الحائض قبل خروج الوقت. الشرح الممتع (٢/ ١٣٢).(٢) فيه نظر؛ لأن آخر وقت العشاء نصف الليل، كما رواه مسلم في صحيحه(٦١٢) .(٣) اختاره العلَّامة ابن عثيمين ﵀. الشرح الممتع (٢/ ١٣٤).(٤) اختاره الشيخ ﵀ كما تقدّم.(٥) وهي الظُّهْرُ وَالْمَغْرِبُ.(٦) جاء في الشرح الممتع (٢/ ١٣٤) في انتصاره لمذهب أَبِي حَنِيفَةَ: إن هذا مُقتضى القياس الصَّحيح؛ =стр. 1989
أَحَدُهُمَا: لَا يَلْزَمُهَا كَمَا يَقُولُهُ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ.
وَالثَّانِي: يَلْزَمُهَا كَمَا يَقُولُهُ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَد (١) .
وَالْأَظْهَرُ فِي الدَّلِيلِ: مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ أَنَّهَا لَا يَلْزَمُهَا شَيْءٌ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ إنَّمَا يَجِبُ بِأَمْر جَدِيدٍ، وَلَا أَمْرَ هُنَا يُلْزِمُهَا بِالْقَضَاءِ، وَلِأَنَّهَا أَخَّرَتْ تَأْخِيرًا جَائِزًا فَهِيَ غَيْرُ مُفَرِّطَةٍ.
وَأَمَّا النَّائِمُ أَو النَّاسِي وَإِن كَانَ غَيْرَ مُفَرِّطٍ أَيْضًا فَإِنَّ مَا يَفْعَلُهُ لَيْسَ قَضَاءً؛ بَل ذَلِكَ وَقْتُ الصَّلَاةِ فِي حَقِّهِ حِينَ يَسْتَيْقِظُ وَيَذْكُرُ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَن نَامَ عَن صَلَاةٍ أَو نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا فَإِنَّ ذَلِكَ وَقْتُهَا".
وَلَيْسَ عَن النَّبِيِّ ﷺ حَدِيثٌ وَاحِدٌ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ بَعْدَ وَقْتِهَا، وَإِنَّمَا وَرَدَت السُّنَّةُ بِالْإِعَادَةِ فِي الْوَقْتِ لِمَن تَرَكَ وَاجِبًا مِن وَاجِبَاتِ الصَّلَاةِ، كَأَمْرِهِ لِلْمُسِيءِ فِي صَلَاتِهِ بِالْإِعَادَةِ لَمَّا تَرَكَ الطُّمَأْنِينَةَ الْمَأْمُورَ بِهَا، وَكَأَمْرِهِ لِمَن صَلَّى خَلْفَ الصَّفِّ مُنْفَرِدًا بِالْإِعَادَةِ لَمَّا تَرَكَ الْمُصَافَّةَ الْوَاجِبَةَ، وَكَأَمْرِهِ لِمَن تَرَكَ لُمْعَةً مِن قَدَمِهِ لَمْ يُصِبْهَا الْمَاءُ بِالْإِعَادَةِ لَمَّا تَرَكَ الْوُضُوءَ الْمَأْمُورَ بِهِ، وَأَمَرَ النَّائِمَ وَالنَّاسِيَ بِأَنْ يُصَلِّيَا إذَا ذَكَرَا، وَذَلِكَ هُوَ الْوَقْتُ فِي حَقِّهِمَا (٢) . [٢٣/ ٣٣٤ - ٣٣٦]
٢٧٢٧ - الصَّلَاةُ فِي الْجَمَاعَاتِ الَّتِي تُقَامُ فِي الْمَسَاجِدِ مِن شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ الظَّاهِرَةِ وَسُنَّتِهِ الْهَادِيَةِ.
وَصَلَاةُ الْجَمَاعَةِ مِن الْأُمُورِ الْمُؤَكَّدَةِ فِي الدِّينِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ.
وَهِيَ فَرْضٌ عَلَى الْأَعْيَانِ عِنْدَ أَكْثَرِ السَّلَفِ وَأَئِمَّةِ أَهْلِ الْحَدِيثِ. الحواشي
(١) وكذا كلّ من أدرك ركعةً من صلاة الظُّهر أو المغرب ثم وُجِدَ مانعُ التكليف.(٢) يرى الشيخ أن من ترك الفرض المؤقت عمدًا بلا عذر أنه لا يُقبل منه لو قضاه.стр. 1990
وَالْمُصِرُّ عَلَى تَرْكِ الصَّلَاةِ فِي الْجَمَاعَةِ: رَجُلُ سُوءٍ يُنْكَرُ عَلَيْهِ ويُزْجَرُ عَلَى ذَلِكَ؛ بَل يُعَاقَبُ عَلَيْهِ وَتُرَدُّ شَهَادَتُهُ وَإِن قِيلَ إنَّهَا سُنَّةٌ مُؤَكَّدَة (١) .
وَأَمَّا مَن كَانَ مَعْرُوفًا بِالْفِسْقِ مُضَيِّعًا لِلصَّلَاةِ: فَهَذَا دَاخِلٌ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩) ﴾ [مريم: ٥٩].
وَتَجِبُ عُقُوبَتُهُ عَلَى ذَلِكَ بِمَا يَدْعُوهُ إلَى تَرْكِ الْمُحَرَّمَاتِ وَفِعْلِ الْوَاجِبَاتِ. [٢٣/ ٢٥٠ - ٢٥٢]
٢٧٢٨ - مَن اعْتَقَدَ أَنَّ الصَّلَاةَ فِي بَيْتِهِ أَفْضَلُ مِن صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ فِي مَسَاجِدِ الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ ضَالٌ مُبْتَدِعٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ. [٢٣/ ٢٥٣]
٢٧٢٩ - تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِيمَن صَلَّى جَمَاعَةً فِي بَيْتِهِ: هَل يَسْقُطُ عَنْهُ حُضُورُ الْجَمَاعَةِ فِي الْمَسْجِدِ، أَمْ لَا بُدَّ مِن حُضُورِ الْجَمَاعَةِ فِي الْمَسْجِدِ؟
وَاَلَّذِي يَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَتْرُكَ حُضُورَ الْجَمَاعَةِ فِي الْمَسْجِدِ إلَّا لِعُذْرٍ كَمَا دَلَّتْ عَلَى ذَلِكَ السُّنَنُ وَالْآثَارُ. [٢٣/ ٢٥٤ - ٢٥٥]
٢٧٣٠ - وَسُئِلَ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: عَن رَجُلٍ أَدْرَكَ آخِرَ جَمَاعَةٍ، وَبَعْدَ هَذِهِ الْجَمَاعَةِ جَمَاعَةٌ أُخْرَى، فَهَل يُسْتَحَبُّ لَهُ مُتَابَعَةُ هَؤُلَاءِ في آخِرِ الصَّلَاةِ، أَو يَنْتَظِرُ الْجَمَاعَةَ الْأُخْرَى؟
فَأَجَابَ: أَمَّا إذَا أَدْرَكَ أَقَلَّ مِن رَكْعَةٍ: فَهَذا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ هَل يَكُونُ مُدْرِكًا لِلْجَمَاعَةِ بِأَقَلَّ مِن رَكْعَةٍ أَمْ لَا بُدَّ مِن إدْرَاكِ رَكْعَةٍ؟ فَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّهُ يَكُونُ مُدْرِكًا.
وَمَذْهَبُ مَالِكٍ: أَنَّهُ لَا يَكُونُ مُدْرِكًا إلَّا بِإِدْرَاكِ رَكْعَةٍ.
وَالْأَظْهَرُ هُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُ قَد ثَبَتَ فِي "الصَّحِيحِ" عَن أَبِي الحواشي
(١) وهذا مما يجهله الكثير من الناس، فيقول: لا يجوز الإنكار على من يترك الصلاة جماعة في المساجد ممن يقدم إلى هذه البلاد -أعني المملكة العربية السعودية- لأن مذهبهم لا يرى وجوب صلاة الجماعة.стр. 1991
هُرَيْرَةَ ﵁ عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "مَن أَدْرَكَ رَكْعَةً مِن الصَّلَاةِ فَقَد أَدْرَكَ الصلَاةَ" (١) ، فَهَذَا نَصٌّ عَامٌّ فِي جَمِيعِ صُوَرِ إدْرَاكِ رَكْعَةٍ مِن الصَّلَاةِ، سَوَاءٌ كَانَ إدْرَاكَ جَمَاعَةٍ أَو إدْرَاكَ الْوَقْتِ.
فَعَلَى هَذَا: إذَا كَانَ الْمُدْرَكُ أَقَلَّ مِن رَكْعَةٍ وَكَانَ بَعْدَهَا جَمَاعَةٌ أُخْرَى فَصَلَّى مَعَهُم فِي جَمَاعَةٍ صَلَاةً تَامَّةً: فَهَذَا أَفْضَلُ؛ فَإِنَّ هَذَا يَكُونُ مُصَلِّيًا فِي جَمَاعَةٍ، بِخِلَافِ الْأوَّلِ.
وَإِن كَانَ الْمُدْرَكُ رَكْعَةً، -أَو كَانَ أَقَلَّ مِن رَكْعَةٍ وَقُلْنَا إنَّهُ يَكُونُ بِهِ مُدْرِكًا لِلْجَمَاعَةِ (٢) - فَهُنَا قَد تَعَارَضَ إدْرَاكُهُ لِهَذِهِ الْجَمَاعَةِ (٣) وَإِدْرَاكُهُ لِلثَّانِيَةِ مِن أَوَّلهَا: فَإِنَّ إدْرَاكَ الْجَمَاعَةِ مِن أَوَّلهَا أَفْضَلُ.
وَإِن تَمَيَّزَت الْأُولَى بِكَمَالِ الْفَضِيلَةِ، أَو كَثْرَةِ الْجَمْعِ، أَو فَضْلِ الْإِمَامِ، أَو كَوْنِهَا الرَّاتِبَةَ: فَهِيَ فِي هَذِهِ الْجِهَةِ أَفْضَلُ، وَتَلْكَ مِن جِهَةِ إدْرَاكِهَا بِحَدِّهَا أَفْضَلُ.
وَقَد يَتَرَجَّحُ هَذَا تَارَةً وَهَذَا تَارَةً.
وَأَمَّا إنْ قُدِّرَ أَنَّ الثَّانِيَةَ أَكْمَلُ أَفْعَالًا وَإِمَامًا أَو جَمَاعَةً: فَهُنَا قَد تَرَجَّحَتْ مِن وَجْهٍ آخَرَ.
وَمِثْلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَمْ تَكُنْ تُعْرَفُ فِي السَّلَفِ، إلا إذَا كَانَ مُدْرِكًا لِمَسْجِدٍ آخَرَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَكُن يُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ الْوَاحِدِ إمَامَانِ رَاتِبَانِ وَكَانَت الْجَمَاعَةُ تتوَفَّرُ مَعَ الْإِمَامِ الرَّاتِبِ.
وَلَا رَيْبَ أَنَّ صَلَاتَهُ مَعَ الْإِمَام الرَّاتِب فِي الْمَسْجِدِ جَمَاعَةً وَلَو رَكْعَةً خَيْرٌ مِن صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ وَلَو كَانَ جَمَاعَةً (٤) . [٢٣/ ٢٥٥ - ٢٥٨] الحواشي
(١) رواه البخاري(٥٨٠) ، ومسلم(٦٠٧) .(٢) على القول الضعيف.(٣) التي فات منها بعض الركعات.(٤) وصلاتُه في بيتِه جماعة خيرٌ من صلاتِه في المسجد منفردًا.стр. 1992
(هل تبرأ ذمَّة الْإِنْسَانِ إذَا تَرَكَ الْجَمَاعَةَ وَصَلَّى وَحْدَهُ؟ وما حكم صَلَاةِ التَّطَوُّعِ مُضْطَجِعًا ؟)
٢٧٣١ - مِن النَّاسِ مَن لَا يَعْرِفُ مَذَاهِبَ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَقَد نَشَأَ عَلَى قَوْلٍ لَا يَعْرِفُ غَيْرَهُ، فَيَظُنُّهُ إجْمَاعًا؛ كَمَن يَظنُّ أَنَّهُ إذَا تَرَكَ الْإِنْسَانُ الْجَمَاعَةَ وَصَلَّى وَحْدَهُ بَرِئَتْ ذِمَّتُة إجْمَاعًا، وَلَيْسَ الْأمْرُ كَذَلِكَ؛ بَل لِلْعُلَمَاءِ قَوْلَانِ مَعْرُوفَانِ فِي إجْزَاء هَذِهِ الصَّلَاةِ، وَفِي مَذْهَبِ أَحْمَد فِيهَا قَوْلَانِ، فَطَائِفَةٌ مِن قُدَمَاءِ أَصْحَابِهِ يَقُولُونَ: مَن صَلَّى الْمَكْتُوبَةَ وَحْدَهُ مِن غَيْرِ عُذْرٍ يُسَوِّغُ لَهُ ذَلِكَ فَهُوَ كَمَن صَلَّى الظُّهْرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ؛ فَإِنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يُؤَدِّيَهَا فِي جَمَاعَةِ بَعْدَ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ ذَلِكَ، وَإِلَّا بَاءَ بِإِثْمِهِ كَمَا يَبُوءُ تَارِكُ الْجُمُعَةِ بِإِثْمِهِ، وَالتَّوْبَةُ مَعْرُوضَةٌ، وَهَذَا قَوْلُ غَيْرِ وَاحِدٍ مِن أَهْلِ الْعِلْمِ، وَأَكْثَرُ الْآثَارِ الْمَرْوِّيَةِ عَن السَّلَفِ مِن الصَّحَابَةِ وَالتَابِعِينَ تَدُلُّ عَلَى هَذَا (١) .
وَقَد احْتَجُّوا بِمَا ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "مَن سَمِعَ النِّدَاءَ ثُمَّ لَمْ يُجِبْ مِن غَيْرِ عُذْرٍ فَلَا صَلَاةَ لَهُ" (٢) .
وَأَجَابُوا عَن حَدِيثِ التَّفْضِيلِ بِأَنَّهُ فِي الْمَعْذُورِ الَّذِي تُبَاحُ لَهُ الصَّلَاةُ وَحْدَهُ.
كَمَا ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "صَلَاةُ الرَّجُلِ قَاعِدًا عَلَى النِّصْفِ مِن صَلَاةِ الْقَائِمِ، وَصَلَاةُ الْمُضْطَجِعِ عَلَى النِّصْفِ مِن صَلَاةِ الْقَاعِدِ" (٣) ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْمَعْذُورُ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ خَرَجَ وَقَد أَصَابَهُم وَعْكٌ، وَهُم يُصَلُّونَ قُعُودًا فَقَالَ ذَلِكَ.
وَلَمْ يُجَوِّزْ أَحَدٌ مِن السَّلَفِ صَلَاةَ التَّطَوُّعِ مُضْطَجِعًا مِن غَيْرِ عُذْرٍ، وَلَا الحواشي
(١) وقد اختار هذا القول الشيخ ﵀ في موضعين في الفتاوى.(٢) رواه الترمذي(٢١٧) ، وابن ماجه(٧٩٣) ، وصحَّحه الألباني في صحيح الترغيب(٤٢٦) .(٣) رواه البخاري بنحوه(١١١٥) .стр. 1993
يُعْرَفُ أَنَّ أَحَدًا مِن السَّلَفِ فَعَلَ ذَلِكَ، وَجَوَازُهُ وَجْهٌ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد، وَلَا يُعْرَفُ لِصَاحِبِهِ سَلَفُ صِدْقٍ مَعَ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مِمَّا تَعُمُّ بِهَا الْبَلْوَى. [٧/ ٣٥ - ٣٦]
* * *
(بَاب الْإِمَامَةِ)
٢٧٣٢ - كَانَ ﷺ يُصلِّي إمَامًا بِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ، يُصَلِّي عَلَى مَا يُصلُّونَ عَلَيْهِ، وَيَقْعُدُ عَلَى مَا يَقْعُدُونَ عَلَيْهِ، لَمْ يَكُن مُتَمَيِّزًا عَنْهُم بِشَيْء يَقْعُدُ عَلَيْهِ، لَا سَجَّادَةٍ وَلَا غَيْرِهِ، وَلَكِنْ يَسْجُدُ أَحْيَانًا عَلَى الْخَمِيرَةِ -وَهِيَ شَيْءٌ يُصْنَعُ مِنَ الْخُوصِ صَغِيرٌ- يَسْجُدُ عَلَيْهَا أَحْيَانًا؛ لِأنَّ الْمَسْجِدَ لَمْ يَكُن مَفْرُوشًا؛ بَل كَانُوا يُصَلُّونَ عَلَى الرَّمْلِ وَالْحَصَى، وَكَانَ أَكثَرَ الْأَوْقَاتِ يَسْجُدُ عَلَى الْأَرْضِ حَتَّى يَبِينَ الطِّينُ فِي جَبْهَتِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا. [٢١/ ١١٨]
٢٧٣٣ - عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَتَّبِعُوا إمَامَهُم إذَا فَعَلَ مَا يَسُوغُ؛ فَإِنَّ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ" (١) . [٢٢/ ٢٥٣]
٢٧٣٤ - تَجُوزُ الصَّلَاةُ خَلْفَ كُلِّ مُسْلِمٍ مَسْتُورٍ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَسَائِرِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ.
فَمَن قَالَ: لَا أُصَلِّي جُمْعَةً وَلَا جَمَاعَةً إلَّا خَلْفَ مَن أَعْرِفُ عَقِيدَتَهُ فِي الْبَاطِنِ: فَهَذَا مُبْتَدِعٌ مُخَالِفٌ لِلصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُم بِإِحْسَانٍ وَأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ. [٤/ ٥٤٢]
٢٧٣٥ - وَسُئِلَ: عَن رَجُلٍ أَدْرَكَ مَعَ الْجَمَاعَةِ رَكْعَةً، فَلَمَّا سَلَّمَ الْإِمَامُ قَامَ لِيُتِمَّ صَلَاتَهُ، فَجَاءَ آخَرُ فَصَلَّى مَعَهُ، فَهَل يَجُوزُ الِاقْتِدَاءُ بِهَذَا الْمَأْمُومِ؟
فَأَجَابَ: أَمَّا الْأَوَّلُ فَفِي صَلَاتِهِ قَوْلَانِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ، لَكِنَّ الحواشي
(١) رواه البخاري(٣٧٨) ، ومسلم(٤١١) .стр. 1994
الصَّحِيحَ أَنَّ مِثْل هَذَا جَائِزٌ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ إذَا كَانَ الْإِمَامُ قَد نَوَى الْإِمَامَةَ وَالْمُؤتَمُّ قَد نَوَى الِائْتِمَامَ.
فَإِنْ نَوَى الْمَأْمُومُ الِائْتِمَامَ، وَلَمْ يَنْوِ الْإِمَامُ الْإِمَامَةَ فَفِيهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: تَصِحُّ؛ كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَغَيْرِهِمَا وَهُوَ رِوَايَة عَن أَحْمَد.
وَالثَّانِي: لَا تَصِحُّ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَن أَحْمَد.
وَذَلِكَ أَنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ كَانَ مُوتَمًّا فِي أَوَّلِ الصَّلَاةِ، وَصَارَ مُنْفَرِدًا بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ، فَإِذَا ائتَمَّ بِهِ ذَلِكَ الرَّجُلُ: صَارَ الْمُنْفَرِدُ إمَامًا، كَمَا صَارَ النَّبِيُّ ﷺ إمَامًا بِابْنِ عَبَّاسٍ بَعْدَ أَنْ كَانَ مُنْفَرِدًا.
وَهَذَا يَصِحُّ فِي النَّفْلِ كَمَا جَاءَ فِي هَذَاْ الْحَدِيثِ كَمَا هُوَ مَنْصُوصٌ عَن أَحْمَد وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَئِمَّةِ، وَإِن كَانَ قَد ذُكِرَ فِي مَذْهَبِهِ قَوْلٌ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ.
وَأَمَّا فِي الْفَرْضِ فَنِزَاعٌ مَشْهُورٌ وَالصَّحِيحُ جَوَازُ ذَلِكَ فِي الْفَرْضِ وَالنَّفْلِ (١) . [٢٢/ ٢٥٧ - ٢٥٨]
٢٧٣٦ - تَنَازَعُوا (٢) فِيمَا إذَا تَرَكَ الْإِمَامُ مَا يَعْتَقِدُ الْمَأْمُومُ وُجُوبَهُ؛ مِثْل أَنْ يَتْرُكَ قِرَاءَةَ الْبَسْمَلَةِ وَالْمَأْمُومُ يَعْتَقِدُ وُجُوبَهَا، أَو يَمَسَّ ذَكَرَهُ وَلَا يَتَوَضَّأُ وَالْمَأْمُومُ يَرَى وُجُوبَ الْوُضُوءِ مِن ذَلِكَ، أَو يُصَلِّيَ فِي جُلُودِ الْمَيْتَةِ الْمَدْبُوغَةِ وَالْمَأْمُومُ يَرَى أَنَّ الدِّبَاغَ لَا يُطَهِّرُ، أَو يَحْتَجِمَ وَلَا يَتَوَضَّأُ وَالْمَأْمُومُ يَرَى الْوُضُوءَ مِنَ الْحِجَامَةِ.
وَالصَّحِيحُ الْمَقْطُوعُ بِهِ أَنَّ صَلَاةَ الْمَأْمُومِ صَحِيحَةٌ خَلْفَ إمَامِهِ، وَإِن كَانَ إمَامُهُ مُخْطِئًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ؛ لِمَا ثَبَتَ فِي "الصَّحِيحِ" (٣) عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "يُصَلُّونَ لَكُمْ فَإِنْ أَصَابُوا فَلَكُمْ وَلَهُم وَإِن أَخْطَؤوا فَلَكُمْ وَعَلَيْهِمْ" (٤) . [٢٢/ ٢٦٧] الحواشي
(١) وهو اختيار العلَّامة ابن عثيمين ﵀ كما في الشرح الممتع (٢/ ٣٠٦).(٢) أي: العلماء.(٣) البخاري(٦٩٤) .(٤) كل هذا من أجل تأليف القلوب، وعدم إحداث ما يُوغل الصدور، ويفرق الأمة، فكيف =стр. 1995
٢٧٣٧ - لَو كَانَ الْإِمَامُ يَرَى اسْتِحْبَابَ شَيْءٍ، وَالْمَأمُومُونَ لَا يَسْتَحِبُّونَهُ، فَتَرَكُهُ لِأجْلِ الِاتِّفَاقِ والائتلاف: كَانَ قَد أَحْسَنَ.
مِثَالُ ذَلِكَ: الْوِتْرُ، فَإِنَّ لِلْعُلَمَاءِ فِيهِ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ:
أحَدُهَا: أَنَّهُ لَا يَكُونُ إلا بِثَلَاث مُتَّصِلَةٍ؛ كَالْمَغْرِبِ.
وَالثَّاني: أَنَّهُ لَا يَكُونُ إلا رَكْعَةً مَفْصُولَةً عَمَّا قَبْلَهَا.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ الأمْرَيْنِ جَائِزَانِ؛ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمَا، وَهُوَ الصَّحِيحُ -وَإِن كَانَ هَؤُلَاءِ يَخْتَارُونَ فَصْلَهُ عَمَّا قَبْلَهُ-.
فَلَو كَانَ الْإِمَامُ يَرَى الْفَصْلَ، فَاخْتَارَ الْمَأْمُومُونَ أَنْ يُصَلِّيَ الْوِتْرَ كَالْمَغْرِبِ، فَوَافَقَهُم عَلَى ذَلِكَ تَأْليفًا لِقُلُوبِهِمْ: كَانَ قَد أَحْسَنَ؛ كَمَا قَالَ النَّبِي ﷺ لِعَائِشَةَ: "لَوْلَا أَنَّ قَوْمَك حَدِيثُو عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ لنَقَضْت الْكَعْبَةَ وَلَأَلْصَقْتهَا بِالْأَرْضِ وَلَجَعَلْت لَهَا بَابَيْنِ بَابًا يَدْخُلُ النَّاسُ مِنْهُ وَبَابًا يَخْرُجُونَ مِنْهُ" (١) فَتَرَكَ الْأَفْضَلَ عِنْدَهُ؛ لِئَلَّا يَنْفِرَ النَّاسُ.
وَكَذَلِكَ لَو كَانَ رَجُل يَرَى الْجَهْرَ بِالْبَسْمَلَةِ فَأَمَّ بقَوْم لَا يَسْتَحِبُّونَهُ أَو بِالْعَكْسِ وَوَافَقَهُمْ: كَانَ قَد أَحْسَنَ، وَإِنَّمَا تَنَازَعُوا فِي الْأفضَلِ، فَهُوَ بِحَسَبِ مَا اعْتَقَدُوهُ مِنَ السُّنَةِ (٢) . [٢٢/ ٢٦٨ - ٢٦٩]
فَالصَّوَابُ أَنَّ مَا لَا يُجْهَرُ بِهِ قَد يُشْرَع الْجَهْرُ بِهِ لِمَصْلَحَةٍ رَاجِحَةٍ، فَيُشْرَعُ لِلْإِمَامِ أَحْيَانًا لِمِثْل تَعْلِيمِ الْمَأْمُومِينَ وَيَسُوغُ لِلْمُصَلِّينَ أَنْ يَجْهَرُوا بِالْكَلِمَاتِ الحواشي
(١) رواه البخاري(١٢٦) .(٢) وقال ﵀: يُسْتَحَبُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَقْصِدَ إلَى تَأْلِيفِ الْقُلُوبِ بِتَرْكِ هَذه الْمُسْتَحَبَّاتِ؛ لِأنَّ مَصْلَحَةَ التَّألِيفِ فِي الدِّينِ أَعْظَمُ مِن مَصْلَحَةِ فِعْلِ مِثْل هَذَا؛ كَمَا تَرَكَ النَّبِيُّ ﷺ تَغْيِيرَ بِنَاءِ الْبَيْتِ لِمَا فِي إبْقَائِهِ مِن تَأْلِيفِ الْقُلُوبِ، وَكَمَا أنْكَرَ ابْنُ مَسْعُودٍ عَلَى عُثْمَانَ إتْمَامَ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ ثُمَّ صَلَّى خَلْفَهُ مُتِمًّا، وَقَالَ: الْخِلَافُ شَرٌّ. (٢٢/ ٤٠٧)стр. 1996
الْيَسِيرَةِ أحْيَانًا، ويسُوغُ أَيْضًا أَنْ يَتْرُكَ الْإِنْسَانُ الْأَفْضَلَ لِتَأْلِيفِ الْقُلُوبِ وَاجْتِمَاعِ الْكَلِمَةِ خَوْفًا مِنَ التَّنْفِيرِ عَمَّا يَصْلُحُ، كَمَا تَرَكَ النَّبِيُّ ﷺ بِنَاءَ الْبَيْتِ عَلَى قَوَاعِدِ إبْرَاهِيمَ؛ لِكَوْنِ قُرَيْشٍ كَانُوا حَدِيثِي عَهْدٍ بِالْجَاهِلِيَّةِ وَخَشِيَ تَنْفِيرَهُم بِذَلِكَ، وَرَأَى أَنَّ مَصْلَحَةَ الِاجْتِمَاعِ والائتلاف مُقَدَّمَةٌ عَلَى مَصْلَحَةِ الْبِنَاءِ عَلَى قَوَاعِدِ إبْرَاهِيمَ (١) . [٢٢/ ٤٣٦ - ٤٣٧]
٢٧٣٨ - الْأَفْضَلُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَتَحَرَّى صَلَاةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ الَّتِي كَانَ يُصَلِّيهَا بِأصْحَابِهِ؛ بَل هَذَا هُوَ الْمَشْرُوعُ الَّذِي يَأمُرُ بِهِ الْأَئِمَّةُ؛ كَمَا ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ فِي "الصَّحِيحِ" أَنَّهُ قَالَ لِمَالِكِ بْنِ الحويرث وَصَاحِبهِ: "إذَا حَضَرَت الصَّلَاةُ فَأذِّنَا وَأَقِيمَا وَلْيَؤُمَّكُمَا أَحَدُكمَا وَصَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي" (٢) . الحواشي
(١) النَّبِيِّ ﷺ ترك هدم الكعبة، وبناءَها على قواعد إبراهيم ﵇، وهذه مصلحةٌ شرعيةٌ عظيمة، ويستفيد منها الناسُ من وقته إلى وقتنا وبعد ذلك، ولكن ترك النَّبِيُّ ﷺ هذه المصلحة العامة، لأجل الخوف من مفسدةٍ أعظم منها، وهي تشكيك بعض الذين أسلموا حديثًا، واضطراب إيمانهم، مع أن ذلك لن يُؤثر على الدولة الإسلامية الكبيرة، ولكن القائد الأعظم كان يخاف ويُشفق على جميع أفراد الدولة، ويُقدم مصلحة صفاء عقيدتهم على المصلحةٍ العامةٍ، ولكنها دون هذا المصلحة؛ فإذا كان هدم الكعبة أهون عند الله من إراقة دم مُسلم، فتركُ ترميمها أهون عند الله من دخول الشك في قلوب بعض المسلمين، الذين أسَلموا حديثًا.
والنَّبِيُّ ﷺ كَانَ يَكُفُّ عَن قَتْلِ الْمُنَافِقِينَ مَعَ كَوْنِهِ مَصْلَحَةً عظيمة؛ لِئَلَّا يُؤدِّي ذلك إلى مفسدةٍ أكبر، وهي قَوْلُ النَّاسِ أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ يَقْتُلُ أصْحَابَهُ؛ "لِأَنَّ هَذَا الْقَوْلَ يُوجِبُ النُّفُورَ عَنِ الْإِسْلَامِ مِمَن دَخَلَ فِيهِ وَمِمَن لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ وَهَذَا النُّفُورُ حَرَامٌ". يُنظر: إقامة الدليل على إبطال التحليل، لشيخ الإسلام ابن تيمية (٣/ ٤٧١).
فأين مَن يسفك دماء المسلمين، لأجل أنهم خالفوهم في توجهاتهم وآرائهم، وأدَّتْ أفعالُهم النُّفُورَ عَنِ الْإِسْلَامِ مِمَن دَخَلَ فِيهِ وَمِمَن لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ، وَهَذَا النُّفُورُ حَرَامٌ كما قاله شيخ الإسلام ﵀.
وأين من يتهجم على العلماء والمصلحين، ويُطلق السب والطعن عليهم لكونهم اختلفوا معه في آراءٍ رأوها، وأقوالٍ اجتهدوا فيها، أين هم من مراعاة مصلحة الاجتماع والائتلاف، والتي قدّمها نبيُّنا ولإمامنا وقدوتنا ﷺ على أمور شرعية ودينية عظيمة؟ يُنظر: المَعيْنُ الْجَارِي فِيْ اسْتِنْبَاطِ الْفَوَائِدِ واللَّطَائِفِ مِن صَحِيْحِ الْبُخَارِي، للمؤلف(٦٦٥) .(٢) رواه البخاري(٦٥٨) ، ومسلم(٦٧٤) .стр. 1997
وَقَد ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ فِي "الصَّحِيحِ": "أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأ فِي الْفَجْرِ بِمَا بَيْنَ السِّتِّينَ آيَةً إلَى مِائَةِ آيَةٍ" (١) ، وَهَذَا بِالتَّقْرِيبِ نَحْوُ ثُلُثِ جُزْءٍ إلَى نِصْفِ جُزْءٍ مِن تَجْزِئَةِ ثَلَاثِينَ، فَكَانَ يَقْرَأُ بِطِوَالِ الْمُفَضلِ.
وَكَانَ يَقْرَأ فِي الظُّهْرِ بِأَقَلَّ مِن ذَلِكَ بِنَحْوِ ثَلَاثِينَ آيَةً.
وَيَقْرَأ فِي الْعَصْرِ بِأَقَل مِن ذَلِكَ.
وَيَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِأَقَلَّ مِن ذَلِكَ مِثْل قِصَارِ الْمُفَصَّلِ.
وَفِي الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ بِنَحْوِ: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١) ﴾ [الشمس: ١]، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) ﴾ [الليل: ١]، وَنَحْوِهِمَا.
وَكَانَ أَحْيَانًا يُطِيلُ الصَّلَاةَ وَيَقْرَأُ بِأَكْثَرَ مِن ذَلِكَ.
وَلَيْسَ لِلْإمَامِ أنْ يُطِيلَ عَلَى الْقَدْرِ الْمَشْرُوعِ إلَّا أَنْ يَخْتَارُوا ذَلِكَ؛ كَمَا ثَبَتَ عَنْهُ فِي "الصَّحِيحِ" أَنَّهُ قَالَ ﷺ : "إذَا أَمَّ أحَدُكمْ النَّاسَ فَلْيُخَفِّفْ وَإِذَا صَلَّى لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ" (٢) .
وَكَانَ يُطِيلُ الركُوعَ وَالسُّجُودَ والاعتدالين.
وَفِي "السُّنَنِ" (٣) أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ شَبَّهَ صَلَاةَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِصَلَاتِهِ، وَكَانَ عُمَرُ يُسَبِّحُ فِي الرُّكُوعِ نَحْو عَشْرِ تَسْبِيحَاتٍ، وَفِي السُّجُودِ نَحْو عَشْرِ تَسْبِيحَاتٍ (٤) .
فَيَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَفْعَلَ فِي الْغَالِبِ مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَفْعَلُهُ فِي الْغَالِبِ.
وَإِذَا اقْتَضَتِ الْمَصْلَحَةُ أَنْ يُطِيلَ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ أَو يُقَصِّرَ عَن ذَلِكَ فَعَلَ ذَلِكَ؛ كَمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَحْيَانًا يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ وَأَحْيَانًا يُنْقِصُ عَن ذَلِكَ. [٢٢/ ٣١٥ - ٣١٨] الحواشي
(١) رواه مسلم (٤٦١، ٦٤٧).(٢) رواه البخاري(٧٠٣) .(٣) راوه أبو داود(٨٨٨) وغيره، وضعَّفه الألباني في ضعيف أبي داود.(٤) وهذا ما يُفعل في قيام الليل في العشر الأواخر من رمضان، ولو فعلها أحد الأئمة في غيرها لأنكر عليه العامة وربما أصبح حديث المجالس!стр. 1998
٢٧٣٩ - إِنَّ الْمَسَاجِدَ يَجِبُ أَنْ يُوَلَّى فِيهَا الْأَحَقُّ شَرْعًا، وَهُوَ الْأَقْرَأُ لِكِتَابِ اللهِ وَالْأَعْلَمُ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، الْأَسْبَقُ إلَى الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ؛ مِثْل أَنْ يَكُونَ أَسْبَقَ هِجْرَةً أَو أَقْدَمَ سِنًّا.
فَكَيْفَ إذَا كَانَ الْأَحَقُّ هُوَ الْمُتَوَلِّي فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ عَزْلُهُ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ. [٣١/ ٩٥]
٢٧٤٠ - كَانَ أَحْمَدُ ﵀ فِي الْمَنْصُوصِ عَنْهُ وَطَائِفَةٌ مِن أَصْحَابِهِ يَقُولُ: يَجُوزُ اقْتِدَاءُ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ لِلْحَاجَةِ، كَمَا فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ، وَكَمَا لَو كَانَ الْمُفْتَرِضُ غَيْرَ قَارِئٍ كَمَا فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ سَلَمَةَ وَمُعَاذٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَإِن كَانَ لَا يُجَوّزُهُ لِغَيْرِ حَاجَةٍ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ.
وَيُشْبِهُ هَذَا: مُفَارَقَةُ الْمَأْمُومِ إمَامَهُ قَبْلَ السَّلَامِ، فَعَنْهُ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ: أَوْسَطُهَا جَوَاز ذَلِكَ لِلْحَاجَةِ، كَمَا تَفْعَلُ الطَّائِفَةُ الْأُولَى فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ، وَكَمَا فَعَلَ الَّذِي طَوَّلَ عَلَيْهِ مُعَاذٌ صَلَاةَ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ لَمَّا شَقَّ عَلَيْهِ طُولُ الصَّلَاةِ.
وَلهَذَا جَوَّزَ أَحْمَد عَلَى الْمَشْهُورِ عَنْهُ أَنْ تَؤُمَّ الْمَرْأَةُ الرِّجَالَ لِحَاجَةِ؛ مِثْل أَنْ تَكُونَ قَارِئَةً وَهُم غَيْرُ قَارِئينَ فَتُصَلِّي بِهِمُ التَّرَاوِيحَ، كَمَا أَذِنَ النَّبِيُّ ﷺ لِأُمِّ وَرَقَةَ أَنْ تَؤمَّ أَهْلَ دَارِهَا، وَجَعَلَ لَهَا مُؤَذِّنًا وَتَتَأَخَّرُ خَلْفَهُمْ (١) ، وَإِن كَانُوا مَأْمُومِينَ بِهَا لِلْحَاجَةِ. الحواشي
(١) رواه الإمام أحمد(٢٧٢٨٣) ، وأبو داود(٥٩١) ، وحسَّنه الألباني في صحيح أبي داود.
قال في المغني (٣/ ٣٣): وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَلَا يَصِحُّ أنْ يَأْتَمَّ بِهَا الرَّجُلُ بِحَالٍ، فِي فَرْضٍ وَلَا نَافِلَةٍ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ، وَقَالَ أبُو ثَوْرٍ: لَا إعَادَةَ عَلَى مَن صَلَّى خَلْفَهَا. وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ الْمُزَنِيّ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: يَجُوزُ أنْ تَؤُمَّ الرِّجَالَ فِي التَّرَاوِيحِ، وَتَكُونَ وَرَاءَهُمْ؛ لِمَا رُوِيَ عَن أُمِّ وَرَقَةَ بِنْتِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ، "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ جَعَلَ لَهَا مُؤَذِّنَا يُؤَذِّنُ لَهَا، وَأَمَرَهَا أَنْ تَؤُمَّ أَهْلَ دَارِهَا". رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَهَذَا عَامُّ فِي الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ.
وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : "لَا تَؤُمَّنَّ امْرَأَةٌ رَجُلًا"، وَلأَنَّهَا لَا تُؤَذِّنُ لِلرِّجَالِ، فَلَمْ يَجُزْ أنْ تَؤُمَّهُمْ، كَالْمَجْنُونِ. =стр. 1999
وَهُوَ حُجَّةٌ لِمَن يُجَوِّزُ تَقَدُّمَ الْمَأْمُومِ لِحَاجَة، هَذَا مَعَ مَا رُوِيَ عَنْهُ ﷺ مِن قَوْلِهِ: "لَا تَؤُمَّنَّ امْرَأَةٌ رَجُلًا" (١) ، وَأنَّ الْمَنْعَ مِن إمَامَةِ الْمَرْأَةِ بِالرِّجَالِ قَوْلُ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ. [٢٣/ ٢٤٧ - ٢٤٩]
٢٧٤١ - مَن كَانَ إمَامًا رَاتِبًا فِي مَسْجِدٍ فَصَلَاتُهُ فِيهِ إذَا لَمْ تَقُمْ الْجَمَاعَةُ إلَّا بِهِ أَفْضَلُ مِن صَلَاتِهِ فِي غَيْرِهِ وَإِن كَانَ أَكْثَرَ جَمَاعَةٍ. [٢٣/ ٢٥٢]
٢٧٤٢ - قال ﷺ : "يَؤُمُّ الْقَوْمَ أقرَؤُهُم لِكِتَاب اللهِ، فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُم بِالسُّنَّةِ، فَإِنْ كَانُوا في السُّنَّةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُم هِجْرَةً" (٢) .
فَيُفَرَّقُ بَيْنَ الْعِلْمِ بِالْكِتَابِ أَو الْعِلْمِ بِالسُّنَةِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ.
وَإِنَّمَا يَكونُ تَرْجِيحُ بَعْضِ الْأَئِمَّةِ عَلَى بَعْضٍ إذا اسْتَوَوْا فِي الْمَعْرِفَةِ بِإِقَامِ الصَّلَاةِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ وَفَعَلَهَا عَلَى السُّنَّةِ، وَفِي دِينِ الْإِمَامِ الَّذِي يَخْرُجُ بِهِ الْمَأْمُومُ عَن نَقْصِ الصَّلَاةِ خَلْفَهُ.
فَإِذَا اسْتَوَيَا فِي كَمَالِ الصَّلَاةِ: قُدِّمَ الْأَقْرَأُ، ثُمَّ الْأَعْلَمُ بِالسُّنَّةِ، وَإِلَّا فَفَضْلُ الصَّلَاةِ فِي نَفْسِهَا مُقَدَّمٌ عَلَى صِفَةِ إمَامِهَا.
وَمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنَ الْعِلْمِ وَالدِّينِ فِيهَا مُقَدَّمٌ عَلَى مَا يُسْتَحَبُّ مِن ذَلِكَ. [٢٣/ ٢٤٤]
فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا فَاجِرًا؛ مِثْل أَنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا بِالْكَذِبِ وَالْخِيَانَةِ وَنَحْوِ الحواشي
(١) ضغفه الألباني في ضعيف ابن ماجه(٢٠٤) .(٢) رواه مسلم(٦٧٣) .стр. 2000
ذَلِكَ مِن أسْبَابِ الْفُسُوقِ، وَالْآخَرُ مُؤمِنًا مِن أَهْلِ التَّقْوَى، فَهَذَا الثَّانِي أَوْلَى بِالْأِمَامَةِ إذَا كَانَ مِن أَهْلِهَا، وَإِن كَانَ الْأوَّلُ أَقْرَأ وَأَعْلَمَ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ خَلْفَ الْفَاسِقِ مَنْهِيٌّ عَنْهَا نَهْيَ تَحْرِيمٍ عِنْدَ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ وَنَهْيَ تَنْزِيهٍ عِنْدَ بَعْضِهِمْ. [٢٣/ ٣٤١]
٢٧٤٣ - الصَّلَاةُ خَلْفَ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَالْبِدَعِ وَخَلْفَ أَهْلِ الْفُجُورِ: فِيهِ نِزَاعٌ مَشْهُورٌ، لَكِنْ أَوْسَطُ الْأقْوَالِ فِي هَؤُلَاءِ أَنَّ تَقْدِيمَ الْوَاحِدِ مِن هَؤُلَاءِ فِي الْإِمَامَةِ لَا يَجُوزُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى غَيْرِهِ.
فَإِنَّ مَن كَانَ مُظْهِرَا لِلْفُجُورِ أَو الْبِدَعِ يَجِبُ الْإِنْكَارُ عَلَيْهِ وَنَهْيُهُ عَن ذَلِكَ، وَأَقَلُّ مَرَاتِبِ الْإِنْكارِ هَجْرُهُ لِيَنْتَهِيَ عَن فُجُورِهِ وَبِدْعَتِهِ.
وَلهَذَا فَرَّقَ جُمْهُورُ الْأئِمَّةِ بَيْنَ الدَّاعِيَةِ وَغَيْرِ الدَّاعِيَةِ؛ فَإِنَّ الدَّاعِيَةَ أَظْهَرَ الْمُنْكَرَ فَاسْتَحَقَّ الْإِنْبهَارَ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ السَّاكِتِ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مَن أَسَرَّ بِالذَّنْبِ فَهَذَا لَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ فِي الظَّاهِرِ، فَإِنَّ الْخَطِيئَةَ إذَا خَفِيَتْ لَمْ تَضُرَّ إلا صَاحِبَبها وَلَكِنْ إذَا اعْلِنَتْ فَلَمْ تُنْكَرْ ضَرَّت الْعَامَّةَ؛ وَلهَذَا كَانَ الْمُنَافِقُونَ تُقْبَلُ مِنْهُم عَلَانِيَتَهُم وَتُوكَلُ سَرَائِرُهُم إلَى اللهِ تَعَالَى بِخِلَافِ مَن أظْهَرَ الْكُفْرَ.
فَإِذَا كَانَ دَاعِيَةً: مُنِعَ مِن وِلَايَتِهِ وَإِمَامَتِهِ وَشَهَادَتِهِ وَرِوَايَتِهِ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِن النَّهْيِ عَن الْمُنْكرِ، لَا لِأجْلِ فَسَادِ الصَّلَاةِ أَو اتِّهَامِهِ فِي شَهَادَتِهِ وَرِوَايَتِهِ (١) .
فَإِذَا أمْكَنَ لِإِنْسَان أَلَّا يُقَدِّمَ مُظْهِرَا لِلْمُنْكرِ فِي الْإِمَامَةِ وَجَبَ ذَلِكَ.
لَكِنْ إذَا وَلَّاهُ غَيْرُهُ وَلَمْ يُمْكِنْهُ صَرْفُهُ عَن الْإِمَامَةِ، أَو كَانَ هُوَ لَا يَتَمَكَّنُ الحواشي
(١) هذا صريح في صحة الصلاة خَلْفَ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَالْبِدَعِ وَخَلْفَ أَهْلِ الْفُجُورِ، وهذا بخلاف ما نقله البعلي ﵀ (ص ١٠٧)، عن الشيخ أنه يرى عدم صحة الصلاة خلفهم مع القدرة، وقد يكون فهم ذلك من العبارة السابقة: "الصَّلَاةُ خَلْفَ أَهْلِ الْأهْوَاءِ وَالْبِدَع وَخَلْفَهم أَهْلِ الْفُجُورِ: فِيهِ نِزَاعٌ مَشْهُورٌ، لَكِنْ أَوْسَطُ الْأَقْوَالِ فِي هَؤُلَاءِ أَنَّ تَقْدِيمَ الْوَاحِدِ مِن هَؤُلَاءِ فِي الْإِمَامَةِ لَا يَجُوزُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى غَيْرِهِ". اهـ.
وفرق بين منع تقديمهم في الإمامة وبين عدم صحة الصلاة خلفهم لو قُدموا.следующие страницы →