Полный текст (3 539 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.
стр. 2171
الثَّانِي: بَل الْوَاجِبُ أَنْ لَا يَخْرُجَ بِهَا عَن الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ، وَلَا يُعْطِيَ أَحَدًا فَوْقَ كِفَايَتِهِ، وَلَا يُحَابِيَ أحَدًا بِحَيْثُ يُعْطِي وَاحِدًا وَيدَعُ مَنْ هُوَ أَحَقُّ مِنْهُ أَوْ مِثْلُهُ مَعَ إمْكَانِ الْعَدْلِ.
وَعِنْدَ هَؤُلَاءِ: إذَا دَفَعَ زَكَاةَ مَالِهِ جَمِيعَهَا لِوَاحِدِ مِنْ صِنْفٍ، وَهُوَ يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ غَارِمًا عَلَيْهِ أَلْفُ دِرْهَمٍ لَا يَجِدُ لَهَا وَفَاءً فَيُعْطِيهِ زَكَاتَهُ كُلَّهَا، وَهِيَ أَلْفُ دِرْهَمٍ اَجْزَأَهُ، وَهَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ أَهْلِ الْعِلْمِ كَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَد فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ وَهُوَ الْمَأْثُورُ عَنِ الصَّحَابَةِ .. وَقَدْ ثَبَتَ فِي "صَحِيحِ مُسْلِمٍ" أن النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لقبيصة بْنِ مخارق الْهِلَالِيِّ: "أَقِمْ يَا قَبِيصَةُ حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ فَنَأْمُرَ لَك بِهَا". وَفِي "سُنَنِ أبِي دَاوُد" وَغَيْرِهَا أَنَّهُ قَالَ لسلمة بْنِ صَخْرٍ البياضي: اذْهَبْ إلَى عَامِلِ بَنِي زُريقٍ فَلْيَدْفَعْ صَدَقَتَهُمْ إلَيْك.
فَفِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ أَّنَّهُ دَفَعَ صَدَقَةَ قَوْمٍ لِشَخْصِ وَاحِدٍ لَكِنَّ الْآمِرَ هُوَ الْإِمَامُ وَفِي مِثْلِ هَذَا تَنَازُعٌ، وَمي الْمَسْألَةِ بَحْثٌ مِنْ الطَّرَفَيْنِ لَا تَحْتَمِلُهُ هَذِهِ الْفَتْوَى، فَإِنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ الْأَصْلُ الثَّانِي: وَهُوَ "صَدَقَةُ الْفِطْرِ"، فَإِنَّ هَذِهِ الصَّدَقَةَ هَلْ تَجْرِي مَجْرَى صَدَقَةِ الْأَمْوَالِ أَوْ صَدَقَةِ الْأَبْدَانِ كَالْكفَّارَاتِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ.
فَمَن قَالَ بِالْأَوَّلِ وَكَانَ مِن قَوْلِهِ وُجُوبُ الِاسْتِيعَابِ (١) أَوْجَبَ الِاسْتِيعَابَ فِيهَا.
وَمَن كَانَ مِن مَذْهَبِهِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الِاسْتِيعَابُ كَقَوْلِ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ فَإِنَّهُم يُجَوِّزُونَ دَفْعَ صَدَقَةِ الْفِطْرِ إلَى وَاحِدٍ كَمَا عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ قَدِيمًا وَحَدِيثًا.
وَمَن قَالَ بِالثَّانِي إنَّ صَدَقَةَ الْفِطْرِ تَجْرِي مَجْرَى كَفَّارَةِ الْيَمِينِ وَالظِّهَارِ وَالْقَتْلِ وَالْجِمَاعِ فِي رَمَضَانَ وَمَجْرَى كَفَّارَةِ الْحَجِّ، فَإِنَّ سَبَبَهَا هُوَ الْبَدَنُ لَيْسَ هُوَ الْمَالَ. الحواشي
(١) أي: استيعاب الأصناف الثمانية بدفع الزكاة لهم.стр. 2172
وَلهَذَا أَوْجَبَهَا اللهُ طَعَامًا كَمَا أَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ طَعَامًا.
وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ: فَلَا يُجْزِئُ إطْعَامُهَا إلَّا لِمَن يَسْتَحِقّ الْكَفَّارَةَ، وَهُم الْآخِذُونَ لِحَاجَةِ أَنْفُسِهِمْ، فَلَا يُعْطى مِنْهَا فِي الْمُؤَلَّفَةِ وَلَا الرِّقَاب وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ، وَهَذَا الْقَوْلُ أَقْوَى فِي الدَّلِيلِ.
وَأَضعَفُ الْأَقْوَالِ قَوْلُ مَنْ يَقُولُ إنَّهُ يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَدْفَعَ صَدَقَةَ فِطْرِهِ إلَى اثْنَيْ عَشَرَ، أَوْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ .. وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ فَإِنَّ هَذَا خِلَافُ مَا كَانَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وخُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ وَصَحَابَتِهِ أَجْمَعِينَ.
فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدَّرَ الْمَأْمُورَ بِهِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، وَمِنْ الْبُرِّ إمَّا نِصْفَ صَاعٍ وَإمَّا صَاعًا عَلَى قَدْرِ الْكِفَايَةِ التَّامَّةِ لِلْوَاحِدِ مِن الْمَسَاكِينِ، وَجَعَلَهَا طُعْمَةً لَهُمْ يَوْمَ الْعِيدِ يَسْتَغْنُونَ بِهَا، فَإِذَا أَخَذَ الْمِسْكِينُ حَفْنَةً: لَمْ يَنْتَفِعْ بِهَا وَلَمْ تَقَعْ مَوْقِعًا.
وَكَذَلِكَ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَهُوَ ابْنُ سَبِيلٍ إذَا أَخَذَ حَفْنَةً مِنْ حِنْطَةٍ لَمْ يَنْتَفِعْ بِهَا مِنْ مَقْصُودِهَا مَا يُعَدُّ مَقْصُودًا لِلْعُقَلَاءِ، وَإِنْ جَازَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَقْصُودًا فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ، كَمَا لَوْ فُرِضَ عَدَدٌ مُضْطَرُّونَ، وَإِنْ قَسَمَ بَيْنَهُم الصَّاعَ عَاشُوا، وَإِنَّ خَصَّ بِهِ بَعْضَهُمْ مَاتَ الْبَاقُونَ، فَهُنَا يَنْبَغِي تَفْرِيقُهُ بَيْنَ جَمَاعَةٍ، لَكِنَّ هَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ التَّفْرِيقُ هُوَ الْمَصْلَحَةَ، وَالشَّرِيعَةُ مُنَزَّهَةٌ عَنْ هَذِهِ الْأَفْعَالِ الْمُنْكَرَةِ الَّتِي لَا يَرْضَاهَا الْعُقَلَاءُ، وَلَمْ يَفْعَلْهَا أَحَدٌ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا.
ثُمَّ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ :"طُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ" (١) نَصٌّ فِي أَنَّ ذَلِكَ حَقٌّ لِلْمَسَاكِينِ، وقَوْله تَعَالَى فِي آيَةِ الظِّهَارِ: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤]، فَإِذَا لَمْ يَجُزْ أَنْ تُصْرَفَ تِلْكَ (٢) لِلْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ فَكَذَلِكَ هَذِهِ (٣) ، وَلهَذَا يُعْتَبَرُ فِي الْمُخْرَجِ مِنَ الْمَالِ أَنْ يَكُونَ مِن جِنْسِ النِّصَابِ، وَالْوَاجِبُ مَا يَبْقَى الحواشي
(١) رواه أبو داود(١٦٠٩) ، وصحَّحه الألباني في صحيح الجامع(٣٥٧٠) .(٢) أي: زكاة الفطر وكفارة الظهار.(٣) أي: زكاة المال.стр. 2173
ويُسْتَنْمَى؛ وَلهَذَا كَانَ الْوَاجِبَ فِيهَا (١) الْإِنَاثُ دُونَ الذُّكُورِ إلَّا فِي التَّبِيعِ وَابْنِ لَبُونٍ؛ لِأنَّ الْمَقْصُودَ الدَّرُّ وَالنَّسْلُ وَإِنَّمَا هُوَ لِلْإِنَاثِ (٢) .
وَفِي الضَّحَايَا وَالْهَدَايَا لَمَّا كَانَ الْمَقْصُودُ الْأَكْلَ: كَانَ الذَّكَرُ أَفْضَلَ منَ الْأُنْثَى، وَكَانَتِ الْهَدَايَاْ وَالضَّحَايَا إذَا تصُدّقَ بِهَا أَو بِبَعْضِهَا فَإِنَّمَا هُوَ لِلْمَسَاكِينِ أَهْلِ الْحَاجَةِ دُونَ اسْتِيعَابِ الْمَصَارِفِ الثمَانِيَةِ، وَصَدَقَةُ الْفِطْرِ وَجَبَتْ طَعَامًا لِلْأَكْلِ لَا للاسْتِنْمَاء، فَعُلِمَ أَنَّهَا مِن جِنْسِ الْكَفَّارَاتِ. [٢٥/ ٧١ - ٧٥]
* * *
(بَابُ إخْرَاجُ الزَّكَاةِ)
٣٠١٣ - إذَا أَعْطَاهُ الْقِيمَةَ (٣) فَفِيهِ نِزَاعٌ: هَل يَجُوزُ مُطْلَقًا، أَو لَا يَجُوزُ مُطْلَقًا، أَو يَجُوزُ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ لِلْحَاجَةِ أَو الْمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ؟
عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ، وَهَذَا الْقَوْلُ أَعْدَلُ الْأَقْوَالِ.
فَإِنْ كَانَ آخِذُ الزَّكَاةِ يُرِيدُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهَا كُسْوَةً فَاشْتَرَى رَبُّ الْمَالِ لَهُ بِهَا كُسْوَةً وَأَعْطَاهُ فَقَد أَحْسَنَ إلَيْهِ.
وَأَمَّا إذَا قَوَّمَ هُوَ (٤) الثِّيَابَ الَّتِي عِنْدَهُ وَأَعْطَاهَا فَقَد يُقَوِّمُهَا بِأَكْثَرَ مِنَ السِّعْرِ، وَقَد يَأْخُذُ الثِّيَابَ مَن لَا يَحْتَاجُ إلَيْهَا بَل يَبِيعُهَا فَيَغْرَمُ أُجْرَةَ الْمُنَادِي، وَرُبَّمَا خَسِرَتْ فَيَكون فِي ذَلِكَ ضَرَرٌ عَلَى الْفُقَرَاءِ. الحواشي
(١) أي: في زكاة المال.(٢) قال أهل العلم: لا يجوز إخراج الذكر في زكاة بهيمة الأنعام إلا في ثلاث مسائل:
١ - أن يكون النصاب كله ذكورًا.
٢ - في زكاة البقر خاصة يجوز إخراج التبيع أو التبيعة.
٣ - ابن اللبون والحِقّ والجذع يجزئ عن بنت مخاض عند عدمها.
وهذا قول الجمهور خلافًا للحنفية، حيث لا يرون بأسًا في إخراج الذكر مطلقًا.(٣) صورة المسألة: إذا أخرج من وجبت عليه الزكاة القيمة بدل العين الواجبة في الزكاة هل يُجزئ؟(٤) أي: الْمزكي.стр. 2174
وَالْأَصْنَافُ الَّتِي يُتَّجَرُ فِيهَا: يَجُوزُ أَنْ يُخْرِجَ عَنْهَا جَمِيعًا دَرَاهِمَ بِالْقِيمَةِ، فَاِنْ لَمْ يَكُن عِنْدَهُ دَرَاهِمُ فَأعْطَى ثَمَنَهَا بِالْقِيمَةِ فَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ يَجُوزُ؛ لِأنَّهُ وَاسَى الْفُقَرَاءَ فَأَعْطَاهُم مِن جِنْسِ مَالِهِ. [٢٥/ ٧٩ - ٨٠]
٣٠١٤ - أَمَّا الدَّيْنُ الَّذِي عَلَى الْمَيِّتِ: فَيَجُوزُ أنْ يُوَفَّى مِنَ الزَّكَاةِ فِي أَحَدِ قَوْلَيِ الْعُلَمَاءِ، وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن أَحْمَد؛ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿وَالْغَارِمِينَ:﴾ [التوبة ٦٠] وَلَمْ يَقُلْ وَللْغَارِمِينَ؛ فَالْغَارِمُ لَا يُشْتَرَطُ تَمْلِيكُهُ.
وَعَلَى هَذَا يَجُوزُ الْوَفَاءُ عَنْهُ وَأَنْ يُمَلَّكَ لِوَارِثهِ وَلغَيْرِهِ (١) .
وَلَكِنَّ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ لَا يُعْطَى ليَسْتَوْفِيَ دَيْنَهُ (٢) . [٢٥/ ٨٠]
٣٠١٥ - مَا يَأْخُذُهُ وُلَاةُ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْعُشْرِ وَزَكَاةِ الْمَاشِيَةِ وَالتِّجَارَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ ذَلِكَ مِن صَاحِبِهِ إذَا كَانَ الْإِمَامُ عَادِلًا يَصْرِفُه فِي مَصَارِفِهِ الشَّرْعِيَّةِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ.
فَإِنْ كَانَ ظَالِمًا لَا يَصْرِفُهُ فِي مَصَارِفِهِ الشَرْعِيَّةِ: فَيَنْبَغِي لِصَاحِبِهِ أنْ لَا يَدْفَعَ الزكَاةَ إلَيْهِ بَل يَصْرِفُهَا هُوَ إلَى مُسْتَحِقِّيهَا، فَإِنْ أُكْرِهَ عَلَى دَفْعِهَا إلَى الظَّالِمِ بِحَيْثُ لَو لَمْ يَدْفَعْهَا إلَيْهِ لَحَصَلَ لَهُ ضَرَرٌ: فَإِنَّهَا تُجْزِئُهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَهُم فِي هَذه الْحَالِ ظَلَمُوا مُسْتَحِقِّيهَا كَوَلِيِّ الْيَتِيمِ وَنَاظِرِ الْوَقْفِ إذَا قَبَضُوا مَالَهُ وَصَرَفُوهُ فِي غَيْرِ مَصَارِفِهِ. [٢٥/ ٨١]
٣٠١٦ - وَأَمَّا إخْرَاجُ الْقِيمَةِ فِي الزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَالْمَعْرُوفُ مِن مَذْهَبِ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيِّ أَنَهُ لَا يَجُوزُ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يَجُوزُ. الحواشي
(١) الشيخ ﵀ يرى جواز قضاء دين الميت من الزكاة، وهو قول المالكية، وبه أفتت اللجنةُ الدائمة في السعودية برئاسة الشيخ ابن باز، وصدر به قرار مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي.
وخالف في ذلك العلَّامة ابن عثيمين ﵀، فلا يرى أنه يقضى دين الميت منها. الشرح الممتع (٦/ ٢٣٥).(٢) أي: لا يجوز أن أعطي المدين زكاتي لأستوفي ديني منه.стр. 2175
وَالْأَظْهَرُ فِي هَذَا: أَنَّ إخْرَاجَ الْقِيمَةِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ وَلَا مَصْلَحَةٍ رَاجِحَةٍ مَمْنُوعٌ مِنْهُ، وَلهَذَا قَدَّرَ النَّبِيُّ ﷺ الْجُبْرَانَ بِشَاتَيْنِ أَو عِشْرِينَ دِرْهَمًا، وَلَمْ يَعْدِلْ إلَى الْقِيمَةِ.
وَأَمَّا إخْرَاجُ الْقِيمَةِ لِلْحَاجَةِ أَو الْمَصْلَحَةِ أَو الْعَدْلِ فَلَا بَأْسَ بِهِ؛ مِثْلُ أَنْ يَبِيعَ ثَمَرَ بُسْتَانِهِ أو زَرْعِهِ بِدَرَاهِمَ، فَهُنَا إخْرَاجُ عُشْرِ الدَّرَاهِمِ يُجْزِئُهُ وَلَا يُكَلَّفُ أَنْ يَشْتَرِيَ ثَمَرًا أَو حِنْطَةً، إذ كَانَ قَد سَاوَى الْفُقَرَاءَ بِنَفْسِهِ، وَقَد نَصَّ أَحْمَد عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ.
وَمِثْلُ أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ شَاةٌ فِي خَمْسٍ مِنَ الْإِبِل وَلَيْسَ عِنْدَهُ مَن يَبِيعُهُ شَاةً فَإِخْرَاجُ الْقِيمَةِ هُنَا كَافٍ وَلَا يُكَلَّفُ السَّفَرَ إلَى مَدِينَةٍ أُخْرَى لِيَشْتَرِيَ شَاةً.
وَمِثْلُ أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَحِقُّونَ لِلزَّكَاةِ طَلَبُوا مِنْهُ إعْطَاءَ الْقِيمَةِ لِكَوْنِهَا أَنْفَعَ فَيُعْطِيهِمْ إيَّاهَا، أَو يَرَى السَّاعِي أَنَ أَخْذَهَا أَنْفَعُ لِلْفُقَرَاءِ، كَمَا نُقِلَ عَن مُعَاذ بْن جَبَلٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ لِأَهْلِ الْيَمَنِ: "ائْتُونِي بخَمِيص أَو لَبِيسٍ أَسْهَلُ عَلَيْكُمْ وَخَيْرٌ لِمَن فِي الْمَدِينَةِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأنْصَارِ" (١) . [٢٥/ ٨٢ - ٨٣]
٣٠١٧ - إسْقَاطُ الدَّيْنِ عَنِ الْمُعْسِرِ: لَا يُجْزِئُ عَن زَكَاةِ الْعَيْنِ بِلَا نِزَاعٍ (٢) .
لَكِنْ إذَا كَانَ لَهُ دَيْنٌ عَلَى مَن يَسْتَحِقُّ الزَّكَاةَ: فَهَل يَجُوزُ أَنْ يُسْقِطَ عَنْهُ قَدْرَ زَكَاةِ ذَلِكَ الذَيْنِ وَيَكُونُ ذَلِكَ زَكَاةَ ذَلِكَ الدَّيْنِ؟ (٣)
فَهَذَا فِيهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ، أَظْهَرُهُمَا الْجَوَازُ؛ لأنَّ الزَّكَاةَ مَبْنَاهَا عَلَى الْمُوَاسَاةِ، وَهُنَا قَد أَخْرَجَ مِن جِنْسِ مَا يَمْلِكُ، بِخِلَافِ مَا إذَا الحواشي
(١) رواه البخاري معلقًا بصيغة الجزم.(٢) صورتها: رجل له مدين فقير يطلبه ألف ريال، وكان على هذا الطالب ألف ريال زكاة، فلا يجوز أن يسقط الدائن عن المدين الألف ريال الذي عليه بنية الزكاة.(٣) صورتها: رجلٌ له مدين فقير يطلبه ثلاثة آلاف ريال، وحال عليها الحول، فيجوز أن يسقط الدائن عن المدين قدر زكاة ذلك الدين. وهذا على القول بوجوب زكاة الدين إذا كان عند معسر.стр. 2176
كَانَ مَالُهُ عَيْنًا وَأَخْرَجَ دَيْنًا فَإِنَّ الَّذِي أَخْرَجَهُ دُونَ الَّذِي يَمْلِكُهُ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ إخْرَاجِ الْخَبِيثِ عَنِ الطَّيِّبِ وَهَذَا لَا يَجُوزُ (١) . [٢٥/ ٨٤]
٣٠١٨ - تَعْجِيلُ الزَّكَاةِ قَبْلَ وُجُوبِهَا بَعْدَ سَبَبِ الْوُجُوبِ: يَجُوزُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ؛ كَأَي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد، فَيَجُوزُ تَعْجِيلُ زَكَاةِ الْمَاشِيَةِ وَالنَّقْدَيْنِ وَعُرُوضِ التِّجَارَةِ إذَا مَلَكَ النِّصَابَ.
وَيَجُوزُ تَعْجِيلُ الْمُعَشَّرَاتِ قَبْلَ وُجُوبِهَا إذَا كَانَ قَد طَلَعَ الثَّمَرُ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ وَنَبَتَ الزَّرْعُ قَبْلَ اشْتِدَادِ الْحَبِّ.
فَأَمَّا إذَا اشْتَدَّ الْحَبُّ وَبَدَا صَلَاحُ الثَّمَرَةِ وَجَبَتِ الزَّكَاةُ. [٢٥/ ٨٥ - ٨٦]
٣٠١٩ - إِعْطَاءُ الْقَرِيبِ الْمُحْتَاجِ الَّذِي لَيْسَ مَن أَهْلِ نَفَقَتِهِ أَوْلَى مِن إعْطَاءِ الْبَعِيدِ الْمُسَاوِي لَهُ فِي الْحَاجَةِ. [٢٥/ ٨٨]
٣٠٢٠ - مَا أَخَذَهُ السُّلْطَانُ مِنَ الزَّكَاةِ بِغَيْرِ أَمْرِ أَصْحَابِهِ: احْتَسَبَ بِهِ. [٢٥/ ٨٩]
٣٠٢١ - الَّذِينَ يَأْخُذُونَ الزَّكَاةَ صِنْفَانِ:
أ- صِنْفٌ يَأْخُذُ لِحَاجَتِهِ؛ كَالْفَقِيرِ وَالْغَارِمِ لِمَصْلَحَةِ نَفْسِهِ.
ب- وَصِنْفٌ يَأْخُذُهَا لِحَاجَةِ الْمُسْلِمِينَ؛ كَالْمُجَاهِدِ وَالْغَارِمِ فِي إصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ، فَهَؤُلَاءِ يَجُوزُ دَفْعُهَا إلَيْهِم وَإِن كَانُوا مِن أَقَارِبِهِ.
وَأَمَّا دَفْعُهَا إلَى الْوَالِدَيْنِ إذَا كَانُوا غَارِمِينَ أَو مُكَاتَبِينَ: فَفِيهَا وَجْهَانِ، وَالْأَظْهَرُ جَوَازُ ذَلِكَ.
وَأَمَّا إنْ كَانُوا فُقَرَاءَ وَهُوَ عَاجِزٌ عَن نَفَقَتِهِمْ: فَالْأَقْوَى جَوَازُ دَفْعِهَا إلَيْهِم الحواشي
(١) قال ابن ﵀: وَإِن أَبْرَأَ رَبُّ الدَّيْنِ غَرِيمَهُ مِن دَيْنِهِ بِنِيَّةِ الزَّكَاةِ لَمْ يُجْزِئْهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ كَانَ الْمُخْرَجُ عَنْهُ عَيْنًا أَو دَيْنًا خِلَافًا لِلْحَسَنِ وَعَطَاء ..
وَقِيلَ: تُجْزئُهُ مِن زَكَاةِ دَيْنِهِ، حَكاهُ شَيْخُنَا، وَاخْتَارَهُ أَيْضًا؛ لِأنَّ الزَّكَاةَ مُوَاسَاةٌ، وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: تَسْقُطُ زَكَاةُ الدَّيْنِ بِالْإِبْرَاءِ مِنْهُ وَلَو بِلَا نِيَّةٍ. اهـ. الفروع (٤/ ٣٤٢).стр. 2177
فِي هَذِهِ الْحَالِ؛ لِأَنَّ الْمُقْتَضِيَ مَوْجُودٌ، وَالْمَانِعَ مَفْقُودٌ، فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِالْمُقْتَضِي السَّالِمِ عَنِ الْمُعَارِضِ الْمُقَاوِمِ. [٢٥/ ٩٠]
٣٠٢٢ - مَا يَأْخُذُهُ وُلَاةُ الْأُمُورِ بِغَيْرِ اسْمِ الزَّكَاةِ لَا يُعْتَدُّ بِهِ مِن الزَّكَاةِ (١) . [٢٥/ ٩٣]
٣٠٢٣ - إنْ كَانَ مَالُ الْإِنْسَانِ لَا يَتَّسِعُ لِلْأَقَارِبِ وَالْأَبَاعِدِ فَإِنَّ نَفَقَةَ الْقَرِيبِ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ فَلَا يُعْطِي الْبَعِيدَ مَا يَضُرُّ بِالْقَرِيبِ.
وَأَمَّا الزَّكَاةُ وَالْكَفَّارَةُ فَيَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَ مِنْهَا الْقَرِيبَ الَّذِي لَا يُنْفِق عَلَيْهِ، وَالْقَرِيبُ أَوْلَى إذَا اسْتَوَتِ الْحَاجَةُ. [٢٥/ ٩٣]
٣٠٢٤ - ثَبَتَ عن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لِعُمَر: "مَا أَتَاك مِن هَذَا الْمَالِ وَأَنْتَ غَيْرُ سَائِلٍ (٢) وَلَا مُشْرِفٍ (٣) فَخُذْهُ، وَمَا لَا فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَك" (٤) .
وَثَبَتَ أَيْضًا فِي "الصَّحِيحِ" أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ ﵁ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَألْتُهُ فَأعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي ثُمَّ قَالَ: "يَا حَكِيمُ، إِنَّ هَذَا المالَ خَضِرَة حُلْوَةٌ، فَمَن أَخَذَهُ بسَخَاوَةِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ، وَمَن أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْس لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ؛ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ، اليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى"، قَالَ حَكِيمٌ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَالَّذِىِ بَعَثَكَ بِالحَقّ لَا أَرْزَأُ (٥) أَحَدًا بَعْدَكَ شَيْئًا حَتَّى أُفَارِقَ الدُّنْيَا، فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ ﵁، يَدْعُو حَكِيمًا إِلَى العَطَاءِ فَيَأْبَى أَنْ يَقْبَلَهُ مِنْهُ.
فَلَمْ يَرْزَأْ حَكِيمٌ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ (٦) . الحواشي
(١) كالضرائب ونحوها.(٢) بلسانك.(٣) أي: غير متطلع إليه ولا طامع فيه بحال.(٤) أي: فلا تجعل نفسك تابعة له.
والحديث رواه البخاري(١٤٧٣) ، ومسلم(١٠٤٥) .(٥) أي: لا أُنْقِصُ مالَهُ بالطَّلَبِ مِنْه.(٦) رواه البخاري(١٤٧٢) ، وَقد أثبت اللفظ من صحيحه.стр. 2178
فَتَبَيَّنَ بِهَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ أَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا كَانَ سَائِلًا بِلِسَانِهِ، أَو مُشْرِفًا إلَى مَا يُعْطَاهُ: فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَقْبَلَهُ إلَّا حَيْثُ تُبَاحُ لَهُ الْمَسْألَةُ وَالِاسْتِشْرَافُ.
وَأَمَّا إذَا أَتَاهُ مِن غَيْرِ مَسْأَلَةٍ وَلَا إشْرَافٍ: فَلَهُ أَخْذُهُ إنْ كَانَ الَّذِي أَعْطَاهُ أَعْطَاهُ حَقَّهُ، كمَا أعْطَى النَّبِيُّ ﷺ عُمَرَ مِن بَيْتِ الْمَالِ، فَإِنَّهُ قَد كَانَ عَمِلَ فَأَعْطَاهُ عِمَالَتَهُ، وَلَهُ أَنْ لَا يَقْبَلَهُ كَمَا فَعَلَ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ مَا لَا يَسْتَحِقُّهُ عَلَيْهِ، فَإِنْ قَبِلَهُ وَكَانَ مِن غَيْرِ إشْرَافٍ لَهُ عَلَيْهِ فَقَد أَحْسَنَ.
وَأَمَّا الْغَنِيُّ فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُكَافِئَ بِالْمَالِ مَن أَسْدَاهُ إلَيْهِ؛ لِخَبَرِ: "مَن أَسْدَى إلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكافِئُوهُ، فَإنْ لَمْ تَجِدُوا لَهُ مَا تُكَافِئُوهُ فَادْعُوا حَتَّى تَعْلَمُوا أَنْ قَد كَافَأْتُمُوهُ" (١) . [٢٥/ ٩٤ - ٩٥]
قَوْلُهُ: "لَمْ يَرْزَأْ": أَيْ: "لَمْ يُنْقِصْ"، لَا "لَمْ يَسْأَلْ" كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ.
فَفِيهِ: أَنَّ حَكِيمًا ذَكَرَ لِلنَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ لَا يَقْبَلُ مِن أَحَدٍ شَيْئًا، وَأَقَرَّهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى ذَلِكَ وَكَذَلِكَ الْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ، وَهَذَا حُجَّةٌ فِي جَوَازِ الرَّدِّ وَإِن كَانَ عَن غَيْرِ مَسْأَلَةٍ وَلَا إشْرَافٍ. [٢٥/ ٩٧]
٣٠٢٥ - الْأَمْوَالُ الَّتِي بِأَيْدِي هَؤُلَاءِ الْأَعْرَابِ المتناهبين إذَا لَمْ يُعْرَفْ لَهَا مَالِكٌ مُعَيَّن: فَإِنَّهُ يُخْرِجُ زَكَاتَهَا، فَإِنَّهَا إنْ كَانَت مِلْكًا لِمَن هِيَ فِي يَدِهِ كَانَت زَكَاتُهَا عَلَيْهِ، وَإِن لَمْ تَكُنْ مِلْكًا لَهُ وَمَالِكُهَا مَجْهُولٌ لَا يُعْرَفُ فَإِنَّهُ يَتَصَدَّقُ بِهَا كُلِّهَا، فَإِذَا تَصَدَّقَ بِقَدْرِ زَكَاتِهَا كَانَ خَيْرًا مِن أَنْ لَا يَتَصَدَّقَ بِشَيء مِنْهَا.
فَإِخْرَاجُ قَدْرِ الزَّكَاةِ مِنْهَا أَحْسَن مِن تَرْكِ ذَلِكَ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ. الحواشي
(١) صحَّحه الألباني في صحيح النسائي(٢٥٦٦) .стр. 2179
وَإِذَا كَانَ يَنْهَبُ بَعْضُهُم بَعْضًا: فَإِنْ كَانَ النَّهْبُ بَيْنَ طَائِفَتَيْنِ مَعْرُوفَتَيْنِ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ قَدْر مَا أَخَذَتْهُ كُلُّ طَائِفَةٍ مِن الْأخْرَى، فَإِنْ كَانُوا سَوَاءً تَقَاضَيَا، وَأَقَرَّ كُلَّ قَوْمٍ عَلَى مَا بِأَيْدِيهِمْ، وَإِن لَمْ يُعْرَفْ عَيْنُ الْمَنْهُوبِ مِنْهُ؛ كَمَا لَو تَقَاتَلُوا قِتَالَ جَاهِلِيَّةٍ، وَقَتَلَ هَؤُلَاءِ بَعْضَ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ بَعْضَ هَؤُلَاءِ وَأَتْلَفَ هَؤُلَاءِ بَعْضَ أَمْوَالِ هَؤُلَاءِ: فَإِنَ الْوَاجِبَ الْقِصَاصُ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ، فَتُقَابَل النُّفُوسِ بِالنُّفُوسِ، وَالْأمْوَالِ بِالْأمْوَالِ، فَإِنْ فَضَلَ لِأِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ عَلَى الْأخْرَى شَيْءٌ طَالَبَتْهَا بِذَلِكَ. [٣٠/ ٣٢٥]
٣٠٢٦ - قوله ﷺ : "ما من صاحب إبل لا يؤدي حقها" (١) يراد بالحق الزكاة ويراد به ما يجب من غير الزكاة: مثل الإعطاء في النوائب لابن السبيل والمسكين وذي الرحم، "ومن حقها حلبها يوم وردها" (٢) لأجل ابن السبيل ونحوهم، فإنهم يقعدون على الماء، فإن إطعام المحتاج وسقيه فرض كفاية. [المستدرك ٣/ ١٦٠]
٣٠٢٧ - ما يأخذ العدَّاد: فإن كان هو من أهل الزكاة أجزأت عن صاحبها عند الأئمة، وإن كان من الكُلَف (٣) التي وضعها الملوك فإنها لا تجزئ عن الزكاة. [المستدرك ٣/ ١٦٠]
٣٠٢٨ - أما ما يؤخذ من التجار بغير اسم الزكاة من الوظانف السلطانية فلا يعتبر من الزكاة، وما يؤخذ باسم الزكاة ففيه نزاع، والأولى إعادتها إذا غلب على الظن أنها لا تصرف إلى مستحقها (٤) .
وإذا أخذ ولي الأمر العشر أو زكاة التجارة فصرفها في مصرفها أجزأت باتفاق المسلمين.
وأما إذا كان ولي الأمر يتعدى في صرفها: فالمشهور عند الأئمة أنه يجزئ أيضًا كما نقل ذلك عن الصحابة ﵃. الحواشي
(١) رواه مسلم(٩٨٧) .(٢) رواه مسلم(٩٨٧) .(٣) أي: الضرائب.(٤) مختصر الفتاوى المصرية (١/ ٢٧٥).стр. 2180
وما يأخذه الإمام باسم المكس جاز دفعه بنية الزكاة، وتسقط وإن لم تكن على صفتها (١) . [المستدرك ٣/ ١٦٠]
٣٠٢٩ - ذكر شيخنا أن من أداها لم تجز مقاتلته للخلف في إجزائها، ثم ذكر نص أحمد فيمن قال: أنا أؤديها ولا أعطيها للإمام، لم يكن له قتاله، ثم قال: من جوَّز القتال على ترك طاعة ولي الأمر جوَّزه، ومن لم يجوِّزه إلا على ترك طاعة الله ورسوله لم يجوِّزه. [المستدرك ٣/ ١٦١]
٣٠٣٠ - تحديد المنع من نقل الزكاة بمسافة القصر ليس عليه دليل شرعي.
ويجوز نقل الزكاة وما في حكمها لمصلحة شرعية. [المستدرك ٣/ ١٦٢]
* * *
(باب أهل الزكاة)
٣٠٣١ - لا ينبغي أن تُعطى الزكاة لمن لا يستعين بها على طاعة الله؛ فإن الله فرضها معونة على طاعته لمن يحتاج إليها من المؤمنين؛ كالفقراء والغارمين ولمن يعاونون المؤمنين، فمن لا يصلي من أهل الحاجات لا يُعطى شيئًا حتى يتوب ويلتزم بأداء الصلاة في أوقاتها. [المستدرك ٣/ ١٦٢]
٣٠٣٢ - إذا اشترى من قبض الزكاة ليدفعها إلى أهلها عقارًا أو نحوه فإن عليه أن يؤدي إلى الثمانية الأصناف مقدار الذي قبضه وما حصل من نماء يقسمه بينه وبينهم. [المستدرك ٣/ ١٦٢]
٣٠٣٣ - إذا قبض من ليس مِن أهل الزكاة مالًا من الزكاة وصرفه في شراء الحواشي
(١) الاختيارات(١٥٥) .
وهذا يُخالف ما نُقل في الفتاوى المصرية كما تقدم.
وهو الذي ذكر الأصحاب أنه اختياره، وصرح بذلك في مجموع الفتاوى، حيث سُئِلَ: هَل يُجْزِئُ الرَّجُلَ عَن زَكَاتِهِ مَا يُغَرِّمُهُ وُلَاةُ الْأمُورِ فِي الطُّرُقَاتِ؟
فَأَجَابَ: مَا يَأْخُذُهُ وُلَاةُ الْأُمُورِ بِغَيْرِ اسْمِ الزَّكَاةِ لَا يُعْتَدُّ بِهِ مِن الزَّكَاةِ وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. اهـ. (٢٥/ ٩٣)стр. 2181
عقار أو نحوه فالنماء الذي حصل بعمله وسعيه يجعل مضاربة بينه وبين أهل الزكاة. [المستدرك ٣/ ١٦٢]
٣٠٣٤ - يأخذ الفقير من الزكاة ما يصير به غنيًّا وإن كثر، وهو أحد القولين في مذهب الشافعي. [المستدرك ٣/ ١٦٣]
٣٠٣٥ - من لم يحج حجة الإسلام وهو فقير أعطي ما يحج به، وهو إحدى الروايتين عن أحمد. [المستدرك ٣/ ١٦٣]
٣٠٣٦ - من ليس معه ما يشتري به كتبًا يشتغل بها بعلم الدين يجوز له الأخذ من الزكاة ما يشتري له به ما يحتاج إليه من كتب العلم التي لا بد لتعلم دينه أو دنياه منها. [المستدرك ٣/ ١٦٣]
٣٠٣٧ - يجوز الأخذ من الزكاة لما يحتاج إليه في إقامة مؤنته وإن لم ينفقه بعينه في المؤنة. [المستدرك ٣/ ١٦٣]
٣٠٣٨ - قيل لأحمد ﵀: الرجل يكون له الزرع القانم وليس عنده ما يحصده أيأخذ من الزكاة؟ قال: نعم يأخذ. [المستدرك ٣/ ١٦٣]
٣٠٣٩ - نص أحمد في فقير دقريبه وديمة: يستقرض ويُهدي له، ذكره أبو الحسين في الطبقات، قال شيخنا: فيه صلة الرحم بالقرض. [المستدرك ٣/ ١٦٣]
٣٠٤٠ - الذي يخدمه إذا لم تكفه أجرته أعطاه من زكاته إذا لم يستعمله بدل زكاته (١) . [المستدرك ٣/ ١٦٤]
٣٠٤١ - اليتيم المميز يقبض الزكاة لنفسه، وإن لم يكن غير مميز قبضها كافله كائنًا من كان. [المستدرك ٣/ ١٦٤]
٣٠٤٢ - يشترط في إخراج الزكاة تمليك المُعطَى، فلا يجوز أن يغدي الحواشي
(١) وفي هذا إجابة لأسئلة كثير من الناس ممن عندهم خدم أو خادمات، حيث يسألون: هل يجوز إعطاؤهم من زكاتنا ونحن نعلم حاجتهم؟ فأجاب الشيخ بجواز ذلك بشرط ألا يستعمله بدل زكاته.стр. 2182
المساكين ويعشيهم، ولا يقضي منها دين ميت كرمه لمصلحة نفسه أو غيره، حكاه أبو عبيد وابن عبد البر؛ لعدم أهليته لقبولها، كما لو كفنه منها.
وحكى ابن المنذر عن أبي ثور: يجوز (١) ، وعن مالك أو بعض أصحابه مثله، واختاره شيخنا، وذكره إحدى الروايتين عن أحمد؛ لأن الغارم لا يشترط تمليكه؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾ [التوبة: ٦٠]، ولم يقل: وللغارمين. [المستدرك ٣/ ١٦٤]
٣٠٤٣ - دفع الزكاة إلى الوالد لا يجوز عند الأئمة المتبوعين في المشهور عنهم، إلا إذا أخذها لكونه غارمًا لإصلاح ذات البين أو للجهاد ونحوه مما فيه مصلحة للمسلمين.
وأما إذا كان غارمًا في مصلحة نفسه ففيه الخلاف، وجوازه قوي متجه، ويدفعها إلى أبنائه إن كان عاجزا عن نفقتهم في قول بعضهم. [المستدرك ٣/ ١٦٤]
٣٠٤٤ - إن دفعها إلى غريمه وشارطه أن يوفيه إياها (٢) : فلا يجوز، وإن قصد ذلك من غير شرط ففيه نزاع (٣) . [المستدرك ٣/ ١٦٤]
٣٠٤٥ - ذكر أحمد ﵁ عن سفيان بن عيينة قال: كان العلماء ﵏ يقولون: لا يحابي بها قريبًا ولا يدفع بها مذلة ولا مذمة، ولا يقي بها ماله. [المستدرك ٣/ ١٦٥]
٣٠٤٦ - إذا مُنع بنو هاشم حقّهم من الخمس فلا يجوز لهم أخذ الصدقة إلا عند بعض المتأخرين، وليس هو قولًا لأحدٍ المتبوعين (٤) . [المستدرك ٣/ ١٦٥]
٣٠٤٧ - بنو هاشم إذا منعوا خمس الخمس جاز لهم الأخذ من الزكاة، الحواشي
(١) أي: يجوز أن يقضي منها دين ميت غرمه لمصلحة نفسه أو غيره.(٢) كان يكون لفلان على رجل فقير دينٌ، فقال له: سأعطيك زكاتي بشرط أنْ تُوفي ديني منها.(٣) والذي يظهر جواز ذلك؛ لعدم المحذور في هذه الصورة.(٤) مختصر الفتاوى(٢٧٧) .стр. 2183
وهو قول القاضي يعقوب وغيره من أصحابنا، وقاله أبو يوسف من الحنفية، والإصطخري من الشافعية؛ لأنه محل حاجة وضرورة.
ويجوز لبني هاشم الأخذ من زكاة الهاشميين وهو محكي عن طائفة من أهل البيت (١) . [المستدرك ٣/ ١٦٥]
٣٠٤٨ - قَد تَبَيَّنَ أَنَّ دُخُولَ أزْوَاجِهِ ﵊ فِي آلِ بَيْتِهِ أَصَحُّ. [٢٢/ ٤٦١]
٣٠٤٩ - مَن سأل وظهر صدقه وجب إطعامه لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (٢٥) ﴾ [المعارج: ٢٤، ٢٥] وإن ظهر كذبه لم يجب إطعامه. [المستدرك ٣/ ١٦٥]
٣٠٥٠ - [قال الْقَاضِي: النِّكَاحُ وَحُقُوقُهُ من الطَّلَاقِ وَالْخُلْعِ وَالرَّجْعَةِ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ، وَالْوَصِيَّةُ وَالْكِتَابَةُ وَنَحْوُهُمَا يَخْرُجُ على رِوَايَتَيْنِ.
وَعَنْهُ يقبل في ذلك كُلِّهِ رَجُل وَامْرَأَتَانِ.
وَعَنْهُ يُقْبَلُ فيه رَجُل وَيمِينٌ، ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ، واختارها الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀] (٢) .
وعنه يعتبر في الإعسار ثلاثة (٣) ، واستحسنه شيخنا؛ لأن حق الآدمي آكد فاستظهر بالثالث.
ولا يقبل في الإعسار شاهد ويمين، وقال شيخنا: فيه نظر. [المستدرك ٣/ ١٦٦]
٣٠٥١ - إِعْطَاءُ السُّؤَّالِ (٤) فَرْضُ كِفَايَةٍ إنْ صَدَقُوا. [المستدرك ٣/ ١٦٦] الحواشي
(١) الاختيارات(١٥٤) .(٢) ما بين المعقوفتين ليس في الأصل، ونقلتُه من الإنصاف ليتضح المراد.(٣) أي: ثلاثة شهود.(٤) وهو الذين يسألون الناس صدقة أو زكاةً.стр. 2184
٣٠٥٢ - لا تسقط الزكاة والحج والديون ومظالم العباد عمن مات شهيدًا. [المستدرك ٣/ ١٦٦]
٣٠٥٣ - يحرم الْمَنُّ بالصدقة وغيرها، وهو كبيرة على نص أحمد أن الكبيرة ما فيه حد في الدنيا أو وعيد في الآخرة، ويبطل الثواب بذلك للآية، ولأصحابنا خلاف فيه، وفي بطلان طاعة بمعصية، واختار شيخنا الأحباط بمعنى الموازنة وذكر أنه قول أكثر السلف. [المستدرك ٣/ ١٦٦]
٣٠٥٤ - قال جماعة من أصحابنا: يجوز العمل مع السلطان وقبول جوائزه، وقيده في الترغيب بالعادل، وقيده في التبصرة بمن غلب عدله، وأنها تكره في رواية، وقيل للإمام أحمد في جائزته ومعاملته فقال: أكرههما، وجائزته أحب إلي من الصدقة، وقال: هي خير من صلة الإخوان، وأجرة التعليم خير منهما، ذكره شيخنا وقال أيضًا: ليس بحرام. [المستدرك ٣/ ١٦٦ - ١٦٧]
٣٠٥٥ - وَمَن كَانَ مِنَ الْفُقَرَاءِ اَّلذِينَ لَمْ تَشْغَلْهُم مَنْفَعَةٌ عَامَّةٌ لِلْمُسْلِمِينَ عَنِ الْكَسْبِ قَادِرًا عَلَيْهِ: لَمْ يَجُزْ أَنْ يُعْطَى مِنَ الزَّكَاةِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأحْمَد.
وَجَوَّزَ ذَلِكَ أبُو حَنِيفَةَ.
وَقَد قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيِّ وَلَا لَقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ" (١) .
وَلَا يَجُوزُ أنْ يُعْطَى مِنَ الزَّكَاةِ مَن يَصْنَعُ بِهَا دَعْوَةً وَضِيَافَةً لِلْفُقَرَاءِ، وَلَا يُقِيمُ بِهَا سِمَاطًا، لَا لِوَارِد وَلَا غَيْرِ وَارِدٍ؛ بَل يَجِبُ أَنْ يُعْطِيَ مُلْكًا لِلْفَقِيرِ الْمُحْتَاجِ؛ بِحَيْثُ يُنْفِقُهَا عَلَى نَفْسِهِ وَعِيَالِهِ فِي بَيْتِهِ إنْ شَاءَ (٢) ، وَيَقْضِي مِنْهَا دُيُونَهُ، ويصْرِفُهَا فِي حَاجَاتِهِ. [٢٨/ ٥٧١ - ٥٧٢] الحواشي
(١) رواه أبو داود(١٦٣٣) ، والنسائي(٢٥٩٨) ، وصحَّحه الألباني في الإرواء (٣/ ٣٨١).(٢) لأن الله تعالى قال: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ [التوبة: ٦٥] واللام للتمليك، فيجب أن يُملك هؤلاء الأصناف الأربعة، فإذا صنع وليمة ودعا الفقراء إليها ونوى بها الزكاة: لم يكن قد ملّكهم، فلا يصح جعل ذلك زكاة.стр. 2185
٣٠٥٦ - لَا يَسْتَرِيبُ مُسْلِمٌ أَنَّ السَّعْيَ فِي تَمْيِيزِ الْمُسْتَحِقِّ مِن غَيْرِهِ وَإِعْطَاءَ الْوِلَايَاتِ وَالْأرْزَاقِ مَن هُوَ أحَقُّ بِهَا وَالْعَدْلَ بَيْنَ النَّاسِ فِي ذَلِكَ وَفِعْلَهُ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ: هُوَ مِن أَفْضَلِ أَعْمَالِ وُلَاةِ الْأُمُورِ؛ بَل وَمِن أَوْجَبِهَا عَلَيْهِم؛ فَإِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ، وَالْعَدْلُ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ أحَدٍ فِي كُلِّ شَيْءٍ. [٢٨/ ٥٧٢ - ٥٧٣]
٣٠٥٧ - إِذَا ادَّعَى الْفَقْرَ مَن لَمْ يُعْرَفْ بِالْغِنَى وَطَلَب الْأخْذ مِن الصَّدَقَاتِ: فَإِنَّهُ يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يُعْطِيَهُ بِلَا بَيِّنَةٍ بَعْدَ أَنْ يُعْلِمَهُ أنَّهُ لَا حَظَّ فِيهَا لِغَنِيِّ وَلَا لَقَوِيِّ مُكْتَسِب؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَأَلَهُ رَجُلَانِ مِن الصَّدَقَةِ، فَلَمَّا رَآهُمَا جَلْدَيْنِ صَعَّدَ فِيهَا النَّظَرَ وَصَوَّبَهُ فَقَالَ: "إنْ شِئْتُمَا أعْطَيْتُكُمَا وَلَا حَظَّ فِيهَا لِغَنِيِّ وَلَا لَقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ". [٢٨/ ٥٧٣]
* * *
стр. 2186
كتاب الصيام
٣٠٥٨ - ثَبَتَ فِي "الصَّحِيحَيْنِ" (١) عَن عُمَرَ عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ "إنَّا أمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسِبُ صُومُوا لِرُؤيتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤيَتِهِ". فَمَن أَخَذَ عِلْمَ الْهِلَالِ الَّذِي جَعَلَهُ اللهُ مَوَاقِيتَ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ بِالْكِتَابِ وَالْحِسَابِ فَهُوَ فَاسِدُ الْعَقْلِ وَالدِّينِ.
وَالْحسَّابُ إذَا صَحَّ حِسَابُهُ: أَكْثَرُ مَا يُمْكِنُهُ ضَبْطُ الْمَسَافَة الَّتِي بَيْنَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَقْتَ الْغُرُوبِ مَثَلًا، وَهُوَ الَّذِي يُسَمَّى بُعْدَ الْقَمَرِ عَن الشَّمْسِ، لَكِنَّ كَوْنَهُ يُرَى لَا مَحَالَةَ أَو لَا يُرَى بِحَال لَا يُعْلَمُ بِذَلِكَ. [٦/ ٥٩٠]
٣٠٥٩ - المستحب قول شهر رمضان كما قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ [لبقرة: ١٨٥]، ولا يكره قول رمضان بإسقاط الشهر، وذكر الشيخ: يكره إلا مع قرينة الشهر. [المستدرك ٣/ ١٦٩]
٣٠٦٠ - قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ وَصُفِّدَتْ الشَّيَاطِينُ" (٢) فَإِنَّ مَجَارِيَ الشَّيَاطِينِ الَّذِي هُوَ الدَّمُ ضَاقَتْ، وَإِذَا ضَاقَت انْبَعَثَت الْقُلُوبُ إلَى فِعْلِ الْخَيْرَاتِ الَّتِي بِهَا تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَإِلَى تَرْكِ الْمُنْكَرَاتِ الَّتِي بِهَا تُفْتَحُ أَبْوَابُ النَّارِ، وَصُفِّدَت الشَّيَاطِينُ فَضَعُفَتْ قُوَّتُهُم وَعَمَلُهُم بِتَصْفِيدِهِمْ، فَلَمْ يَسْتَطِيعُوا أَنْ يَفْعَلُوا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَهُ فِي غَيْرِهِ. الحواشي
(١) البخاري(١٩١٣) ، ومسلم(١٠٨٠) .(٢) أخرجه البخاري(٣٢٧٧) ، مسلم(١٠٧٩) .стр. 2187
وَلَمْ يَقُلْ إنَّهُم قُتِلُوا وَلَا مَاتُوا؛ بَل قَالَ: "صُفِّدَتْ" وَالْمُصَفَّدُ مِن الشَّيَاطِينِ قَد يُؤْذِي، لَكِنَّ هَذَا أَقَلُّ وَأَضْعَفُ مِمَّا يَكُونُ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ، فَهُوَ بِحَسَبِ كَمَالِ الصَّوْمِ وَنَقْصِهِ، فَمَن كَانَ صَوْمُهُ كَامِلًا دَفَعَ الشَّيْطَانَ دَفْعًا لَا يَدْفَعُهُ دَفْعُ الصَّوْمِ النَّاقِصِ. [٢٥/ ٢٤٦]
٣٠٦١ - لمْ يَصُمْ ﷺ رَمَضَانَ إلَّا تِسْعَ مَرَّاتِ، فَإِنَّهُ فُرِضَ فِي الْعَامِ الثَّانِي مِن الْهِجْرَةِ بَعْدَ أنْ صَامَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَأَمَرَ النَّاسَ بِصِيَامِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً، فَإِنَّهُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأوَّلِ مِن السَّنَةِ الْأُولَى، وَقَد تَقَدَّمَ عَاشُورَاءُ فَلَمْ يَأْمُرْ ذَلِكَ الْعَامَ بِصِيَامِهِ، فَلَمَّا أَهَلَّ الْعَامُ الثَّانِي أَمَرَ النَّاسَ بصِيَامِهِ .. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ كَانَ أمْرَ إيجَابٍ اُبْتُدِئَ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ لَمْ يُؤْمَرُوا بِهِ مِن اللَّيْلِ، فَلَمَّا كَانَ فِي أثْنَاءِ الْحَوْلِ- رَجَبٍ أو غَيْرِهِ- فُرِضَ شَهْرُ رَمَضَانَ، وَغَزَا النَّبِيُّ ﷺ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ ذَلِكَ الْعَامَ -أوَّلُ شَهْرٍ فُرِضَ- غَزْوَةَ بَدْرٍ وَكَانَت يَوْمَ الْجُمْعَةِ لسبع عَشَرَةَ خَلَتْ مِن الشَّهْرِ، فَلَمَّا نَصَرَهُ اللهُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ أقَامَ بِالْعَرْصَةِ بَعْدَ الْفَتْح ثَلَاثًا فَدَخَلَ عَلَيْهِ الْعَشْرُ وَهُوَ فِي السَّفَرِ، فَرَجَعَ إلَى الْمَدِينَةِ وَلَمْ يَبْقَ مِن الْعَشْرِ إلَّا أقَلُّهُ، فَلَمْ يَعْتَكِفْ ذَلِكَ الْعَشْرَ بِالْمَدِينَةِ، وَكَانَ فِي تَمَامِهِ مَشْغُولًا بِأَمْرِ الْأَسْرَى وَالْفِدَاءِ. [٢٥/ ٢٩٥ - ٢٩٦]
٣٠٦٢ - إذَا غَابَ جَمِيعُ الْقُرْصِ أفْطَرَ الصَّائِمُ وَلَا عِبْرَةَ بِالْحُمْرَةِ الشَّدِيدَةِ الْبَاقِيَةِ فِي الْأفُقِ .. كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ :"إذَا أقْبَلَ اللَّيْلُ مِن هَاهُنَا وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِن هَاهُنَا وَغَرَبَت الشَّمْسُ فَقَد أَفْطَرَ الصَّائِمُ" (١) . [٢٥/ ٢١٥]
٣٠٦٣ - إذَا كَانَ الْمُؤَذِّنُ يُؤَذِّنُ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ .. : فَلَا بَأْسَ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ بَعْدَ ذَلِكَ بِزَمَنِ يَسِيرٍ.
وَإِن شَكَّ: هَل طَلَعَ الْفَجْرُ أو لَمْ يَطْلُعْ؟ فَلَهُ أَنْ يَأْكُلَ وَيشْرَبَ حَتَّى يَتَبَيَّنَ الطُّلُوعَ، وَلَو عَلِمَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ أكَلَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَفِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ نِزَاعٌ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَهُوَ الثَّابِتُ عَن عُمَرَ. [٢٥/ ٢١٦ - ٢١٧] الحواشي
(١) رواه البخاري(٥٢٩٧) ، ومسلم(١١٠٠) .стр. 2188
٣٠٦٤ - كَثِيرًا مَا يَضِيعُ الْحَقُّ بَيْنَ الْجُهَّالِ الْأُمِّيِّينَ، وَبَيْنَ الْمُحَرِّفِينَ لِلْكَلِمِ الَّذِينَ فِيهِمْ شُعْبَةُ نِفَاقٍ.
إلَّا أَنَّ هَذَا الدِّينَ مَحْفُوظٌ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩) ﴾ [الحجر: ١٩] وَلَا تَزَالُ فِيهِ طَائِفَةٌ قَائِمَةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى الحَقِّ.
فَلَمْ يَنَلْهُ مَا نَالَ غَيْرَهُ مِن الْأَدْيَانِ مِن تَحْرِيفِ كُتُبِهَا، وَتَغْيِيرِ شَرَائِعِهَا مُطْلَقًا؛ لِمَا يُنْطِقُ الله بِهِ الْقَائِمِينَ بِحُجَّةِ اللهِ وَبَيِّنَاتِهِ، الَّذِينَ يُحْيُونَ بِكِتَابِ اللهِ الْمَوْتَى، ويُبَصِّرُونَ بِنُورِهِ أَهْلَ الْعَمَى، فَإِنَّ الْأَرْضَ لَنْ تَخْلُوَ مِن قَائِمٍ للهِ بِحُجَّة؛ لِكَيْلَا تَبْطُلَ حُجَجُ اللهِ وَبَيِّناتُهُ.
وَكَانَ مُقْتَضَى تَقْدِيمِ هَذِهِ "الْمُقَدِّمَةِ" (١) أَنِّي رَأَيْت النَّاسَ فِي شَهْرِ صَوْمِهِمْ وَفِي غَيْرِهِ أَيْضًا: مِنْهُم مَن يُصْغِي إلَى مَا يَقُولُهُ بَعْضُ جُهَّالِ أَهْلِ الْحِسَابِ: مِن أَنَّ الْهِلَالَ يُرَى أَو لَا يُرَى، وَيَبْنِي عَلَى ذَلِكَ إمَّا فِي بَاطِنِهِ وَإِمَّا فِي بَاطِنِهِ وَظَاهِرِهِ، حَتَّى بَلَغَنِي أَنَّ مِنَ الْقُضَاةِ مَن كَانَ يَرُدُّ شَهَادَةَ الْعَدَدِ مِنَ الْعُدُولِ لِقَوْلِ الْحَاسِبِ الْجَاهِلِ الْكَاذِبِ: إنَّهُ يُرَى أَو لَا يُرَى، فَيَكُونُ مِمَن كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ.
فَإِنَّا نَعْلَمُ بِالِاضْطِرَارِ مِن دِينِ الْإِسْلَامِ أَنَّ الْعَمَلَ فِي رُؤَيةِ هِلَالِ الصَّوْمِ أَو الْحَجِّ أو الْعِدَّةِ أَو الْإِيلَاءِ أَو غَيْرِ ذَلِكَ مِن الْأَحْكَامِ الْمُعَلَّقَةِ بِالْهِلَالِ بِخَبَرِ الْحَاسِبِ أَنَّهُ يُرَى أَو لَا يُرَى لَا يَجُوزُ، وَالنُّصُوصُ الْمُسْتَفِيضَةُ عَن النَّبِيِّ ﷺ بِذَلِكَ كَثِيرَةٌ.
وَقَدّ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ، وَلَا يُعْرَفُ فِيهِ خِلَافٌ قَدِيمٌ أَصْلًا، وَلَا الحواشي
(١) التى ذكر فيها أن الله تعالى أكمل لنا الدين، وأمرنا ألا نتفرق، ونهانا عن الأخذ من الجهال وأهل الأهواء.стр. 2189
خِلَافٌ حَدِيثٌ، إلَّا أَنَّ بَعْضَ الْمُتَأَخرِينَ مِن الْمُتَفَقِّهَةِ الحادثين بَعْدَ الْمِائَةِ الثَّالِثَةِ زَعَمَ أَنَّهُ إذَا غُمَّ الْهِلَالُ جَازَ لِلْحَاسِب أنْ يَعْمَلَ فِي حَقِّ نَفْسِهِ بِالْحِسَابِ، فَإِنْ كَانَ الْحِسَابُ دَلَّ عَلَى الرُّؤْيَةِ صَامَ وَإِلَّا فَلَا.
وَهَذَا الْقَوْلُ وَإِن كَانَ مُقَيَّدًا بِالْإِغْمَامِ وَمُخْتَصًّا بِالْحَاسِبِ فَهُوَ شَاذٌّ مَسْبُوقٌ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى خِلَافِهِ.
فَأَمَّا اتِّبَاعُ ذَلِكَ فِي الصَّحْوِ أَو تَعْلِيقُ عُمُومِ الْحُكْمِ الْعَامِّ بِهِ فَمَا قَالَهُ مُسْلِمٌ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [يونس: ٥]، فَقَوْلُهُ: ﴿لِتَعْلَمُوا﴾ [يونس: ٥] مُتَعَلِّقٌ -وَاللهُ أَعْلَمُ- بِقَوْلِهِ: ﴿وَقَدَّرَهُ﴾ [يونس: ٥] لَا بـ ﴿جَعَلَ﴾ [يونس: ٥]؛ لِأنَّ كَوْنَ هَذَا ضِيَاءً وَهَذَا نُورًا لَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي مَعْرِفَةِ عَدَدِ السِّنِينَ وَالْحِسَابِ، وَإِنَّمَا يُؤَثِّرُ فِي ذَلِكَ انْتِقَالُهَا مِن بُرْجٍ إلَى بُرْجٍ، وَلأَنَّ الشَّمْسَ لَمْ يُعَلَّقْ لنا بِهَا حِسَابُ شَهْرٍ وَلَا سَنَةٍ وَإِنَّمَا عُلِّقَ ذَلِكَ بِالْهِلَالِ.
وَذَلِكَ أَنَّ الْهِلَالَ أَمْرٌ مَشْهُودٌ مَرْئِيٌّ بِالْأَبْصَارِ، وَمِن أَصَحِّ الْمَعْلُومَاتِ مَا شُوهِدَ بِالْأَبْصَارِ، وَلهَذَا سَمَّوْهُ هِلَالًا؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْمَادَّةَ تَدُلُّ عَلَى الظُّهُورِ وَالْبَيَانِ: إمَّا سَمْعًا وَإِمَّا بَصَرًا، كَمَا يُقَالُ: أَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ وَأَهَلَّ بِالذَّبِيحَةِ لِغَيْرِ اللهِ، إذَا رَفَعَ صَوْتَهُ.
فَالْمَقْصُودُ أَنَّ الْمَوَاقِيتَ حُدِّدَتْ بِأَمْرِ ظَاهِرٍ بَيِّنٍ يَشْتَرِكُ فِيهِ النَّاسُ، وَلَا يَشْرَكُ الْهِلَالَ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ، فَإِنَّ اجْتِمَاعَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ الَّذِي هُوَ تَحَاذِيهِمَا الْكَائِنُ قَبْلَ الْهِلَالِ: أَمْرٌ خَفِيٌّ لَا يُعْرَفُ إلَّا بِحِسَابٍ يَنْفَرِدُ بِهِ بَعْضُ الناسِ مَعَ تَعَبٍ وَتَضْيِيعِ زَمَانٍ كَثِيرٍ وَاشْتِغَالٍ عَمَّا يَعْنِي: النَّاسَ وَمَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ، وَرُبَّمَا وَقَعَ فِيهِ الْغَلَطُ وَالِاخْتِلَافُ.
فَظَهَرَ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْمَوَاقِيتِ حَدٌّ ظَاهِرٌ عَامُّ الْمَعْرِفَةِ إلَّا الْهِلَالُ.
стр. 2190
وَأَمَّا الْحَوْلُ فَلَمْ يَكُن لَهُ حَدٌّ ظَاهِرٌ فِي السَّمَاءِ، فَكَانَ لَا بُدَّ فِيهِ مِن الْحِسَابِ وَالْعَدَدِ، فَكَانَ عَدَد الشُّهُورِ الْهِلَالِيَّةِ أَظْهَرَ وَأعَمَّ مِن أَنْ يُحْسَبَ بِسَيْرِ الشَّمْسِ، وَتَكُونُ السَّنَةُ مُطَابِقَةً لِلشُّهُورِ؛ وَلأَنَ السِّنِينَ إذَا اجْتَمَعَتْ فَلَا بُدَّ مِن عَدَدِهَا فِي عَادَةِ جَمِيعِ الْأمَمِ؛ إذ لَيْسَ لِلسِّنيْنِ إذَا تَعَدَّدَتْ حَدٌّ سَمَاوِيٌّ يُعْرَفُ بِهِ عَدَدُهَا، فَكَانَ عَدَدُ الشُّهُورِ مُوَافِقًا لِعَدَدِ الْبُرُوجِ، جُعِلَت السَّنَةُ اثْنَي عَشَرَ شَهْرًا بِعَدَدِ الْبُرُوجِ الَّتِي تَكْمُلُ بِدَوْرِ الشَّمْسِ فِيهَا سَنَةً شَمْسِيَّةً، فَإِذَا دَارَ الْقَمَرُ فِيهَا كَمَّلَ دَوْرَتَهُ السَّنَوِيَّةَ، وَبِهَذَا كُلِّهِ يَتَبَيَّن مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [يونس: ٥] فَإِنَّ عَدَدَ شُهُورِ السَّنَةِ وَعَدَدَ السَّنَةِ بَعْدَ السَّنَةِ إنَّمَا أَصْلُهُ بِتَقْدِيرِ الْقَمَرِ مَنَازِلَ.
وَكَذَلِكَ مَعْرِفَةُ الْحِسَابِ؛ فَإِنَّ حِسَابَ بَعْضِ الشُّهُورِ لِمَا يَقَعُ فِيهِ مِن الْآجَالِ وَنَحْوِهَا إنَّمَا يَكُون بِالْهِلَالِ.
وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩].
فَظَهَرَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ أَنَّهُ بِالْهِلَالِ يَكُونُ تَوْقِيتُ الشَّهْرِ وَالسَّنَةِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ يَقُومُ مَقَامَ الْهِلَالِ أَلْبَتَّةَ لِظُهُورِهِ وَظُهُورِ الْعَدَدِ الْمَبْنِيِّ عَلَيْهِ، وَتيَسُّرِ ذَلِكَ وَعُمُومِهِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِن الْمَصَالِحِ الْخَاليَةِ عَن الْمَفَاسِدِ.
وَمَن عَرَفَ مَا دَخَلَ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ وَالصَّابِئِينَ وَالْمَجُوسِ وَغَيْرِهِمْ فِي أَعْيَادِهِمْ وَعِبَادَاتِهِمْ وَتَوَارِيخِهِمْ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِن أُمُورِهِمْ مِن الِاضْطِرَابِ وَالْحَرَجِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِن الْمَفَاسِدِ: ازْدَادَ شُكْرُهُ عَلَى نِعْمَةِ الْإِسْلَامِ.
فَصْلٌ
لَمَّا ظَهَرَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ عَوْدُ الْمَوَاقِيتِ إلَى الْأهِلَّةِ: وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْمَوَاقِيتُ كلُّهَا مُعَلَّقَةً بِهَا، فَلَا خِلَافَ بَيْن الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ إذَا كَانَ مَبْدَأ الْحُكْمِ فِي الْهِلَالِ حُسِبَت الشُّهُورُ كُلُّهَا هِلَاليَّةً .. وَإِن كَانَ بَعْضُهَا أَو جَمِيعُهَا نَاقِصًا.
стр. 2191
فَأَمَّا إنْ وَقَعَ مَبْدَأُ الْحُكْمِ فِي أَثْنَاءِ الشَّهْرِ: فَقَد قِيلَ: تُحْسَبُ الشُّهُورُ كُلُّهَا بِالْعَدَدِ.
وَقِيلَ: بَل يُكْمِلُ الشَّهْرَ بِالْعَدَدِ وَالْبَاقِيَ بِالْأهِلَّةِ.
ثُمَّ لِهَذَا الْقَوْلِ تَفْسِيرَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَجْعَلُ الشَّهْرَ الْأَوَّلَ ثَلَاثينَ يَوْمًا وَبَاقِيَ الشُّهُورِ هِلَاليَّةً.
وَالتَّفْسِيرُ الثَّانِي هُوَ الصَّوَابُ الَّذِي عَلَيْهِ عَمَلُ الْمُسْلِمِينَ قَدِيمًا وَحَدِيثًا: أَنَّ الشَّهْرَ الْأَوَّلَ إنْ كَانَ كَامِلًا كمُلَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، وَإِن كَانَ نَاقِصًا جُعِلَ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا.
فَمَتَى كَانَ الْإِيلَاءُ فِي مُنْتَصَفِ الْمُحَرَّمِ: كَمُلَت الْأَشْهُرُ الْأَرْبَعَةُ فِي مُنْتَصَفِ جُمَادَى الْأولَى، وَهَكَذَا سَائِرُ الْحِسَابِ.
وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَالْجَمِيعُ بالْهِلَالِ وَلَا حَاجَةَ إلَى أنْ نَقُولَ بِالْعَدَدِ؛ بَل نَنْظُرُ الْيَوْمَ الَّذِي هُوَ الْمَبْدَأُ مِن الشَّهْرِ الأوَّلِ، فَتكُونُ النِّهَايَةُ مِثْلَهُ مِن الشَّهْرِ اْلآخَرِ.
فَإِنْ كَانَ فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِن الشَّهْرِ الْأوَّلِ كَانَت النهَايَةُ فِي مِثْل تِلْكَ السَّاعَةِ بَعْدَ كَمَالِ الشُّهُورِ، وَهُوَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ بَعْدَ انْسِلَاخِ الشُّهُورِ.
وَإِن كَانَ فِي الْيَوْمِ الْعَاشِرِ مِن الْمُحَرَّمِ كَانَت النِّهَايَةُ فِى الْيَوْمِ الْعَاشِرِ مِن الْمُحَرَّمِ أَو غَيْرِهِ عَلَى قَدْرِ الشُّهُورِ الْمَحْسُوبَةِ.
وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَا مَحِيدَ عَنْهُ، وَدَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ١٨٩] فَجَعَلَهَا مَوَاقِيتَ لِجَمِيعِ النَّاسِ مَعَ عِلْمِهِ سُبْحَانَهُ أَنَّ الَّذِي يَقَعُ فِي أَثْنَاءِ الشُّهُورِ أَضْعَافُ أَضْعَافِ مَا يَقَعُ فِي أَوَائِلهَا، فَلَو لَمْ يَكُن مِيقَاتًا إلَّا لِمَا يَقَعُ فِي أَوَّلهَا لَمَا كَانَت مِيقَاتًا إلَّا لِأَقَلَّ مِن ثُلُثِ عُشْرِ أُمُورِ النَّاسِ.
وَأيْضًا: فَمَن الَّذِي جَعَلَ الشَّهْرَ الْعَدَدِيَّ ثَلَاثِينَ؟ وَالنَّبِيُّ ﷺ قَالَ: "الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكذَا وَخَنَّسَ إبْهَامَهُ فِي الثَّالِثَةِ"، وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ نِصْفَ شُهُورِ السَّنَةِ يَكُونُ ثَلَاثِينَ وَنِصْفَهَا تِسْعَةً وَعِشْرِينَ.
стр. 2192
فَصْلٌ
مَا ذَكَرْنَاهُ مِن أَنَّ الْأَحْكامَ مِثْل صِيَامِ رَمَضَانَ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْأَهِلَّةِ لَا رَيْبَ فِيهِ، لَكِن الطَّرِيقُ إلَى مَعْرِفَةِ طُلُوعِ الْهِلَالِ فوَ الرُّؤْيَةُ لَا غَيْرُهَا بِالسَّمْعِ وَالْعَقْلِ.
أَمَّا السَّمْعُ: فَقَدْ .. قَالَ النَّبِيِّ ﷺ : "إنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ، الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَدَا، وَعَقَدَ الإِبْهَامَ فِي الثَّالِثَةِ، وَالشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكذَا؛ يَعْنِي: تَمَامَ الثَّلَاِثِينَ" (١) .
وَظَهَرَ بِذَلِكَ أَنَّ الْأُمِّيَّةَ الْمَذْكُورَةَ هُنَا صِفَةُ مَدْحٍ وَكَمَالٍ مِن وُجُوهٍ: مِن جِهَةِ الِاسْتِغْنَاءِ عَن الْكِتَابِ وَالْحِسَابِ بِمَا هُوَ أَبْيَنُ مِنْهُ وَأَظْهَرُ وَهُوَ الْهِلَالُ.
وَمِن جِهَةِ أَنَّ الْكِتَابَ وَالْحِسَابَ هُنَا يَدْخُلُهُمَا غَلَطٌ.
وَمِن جِهَةِ أَنَّ فِيهِمَا تَعَبًا كَثِيرًا بِلَا فَائِدَةٍ، فَإِنَّ ذَلِكَ شُغْلٌ عَن الْمَصَالِحِ، إذ هَذَا مَقْصُودٌ لِغَيْرِهِ لَا لِنَفْسِهِ، وَإِذَا كَانَ نَفْيُ الْكِتَابِ وَالْحِسَابِ عَنْهُم لِلِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ بِخَيْرٍ مِنْهُ، وَللْمَفْسَدَةِ الَّتِي فِيهِ: كَانَ الْكِتَابُ وَالْحِسَابُ فِي ذَلِكَ نَقْصًا وَعَيْبًا؛ بَل سَيِّئَةً وَذَنْبًا، فَمَن دَخَلَ فِيهِ فَقَد خَرَجَ عَن الْأُمَّةِ الْأُمِّيَّةِ فِيمَا هُوَ مِن الْكَمَالِ وَالْفَضْلِ السَّالِمِ عَن الْمَفْسَدَةِ، وَدَخَلَ فِي أَمْرٍ نَاقِصٍ يُؤَدِّيهِ إلَى الْفَسَادِ وَالِاضْطِرَابِ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّهُ جَعَلَ هَذَا وَصْفًا لِلْأُمَّةِ، كَمَا جَعَلَهَا وَسَطًا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]؛ فَالْخُرُوجُ عَن ذَلِكَ اتِّبَاعُ غَيْرِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ.
وَأَمَّا الْعَقْلُ: فَاعْلَمْ أَنَّ الْمُحَقِّقِينَ مِن أَهْلِ الْحِسَابِ كُلَّهُم مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ الحواشي
(١) أخرجه البخاري(١٩١٣) ومسلم(١٠٨٠) .стр. 2193
لَا يُمْكِنُ ضَبْطُ الرُّؤَيَةِ بِحِسَابٍ، بِحَيْثُ يُحْكَمُ بِأَنَّهُ يُرَى لَا مَحَالَةَ أَو لَا يُرَى أَلْبَتَّةَ عَلَى وَجْهٍ مُطَّرِدٍ، وَإِنَّمَا قَد يَتَّفِقُ ذَلِكَ، أو لَا يُمْكِنُ بَعْضَ الْأَوْقَاتِ.
فَإِنْ قُلْت: مِن عَوَامِّ النَّاسِ -وَإِن كَانَ مُنْتَسِبًا إلَى عِلْم- مَن يَجْزِمُ بِأَنَّ الْحَرَكَاتِ الْعُلْوِيَّةَ لَيْسَتْ سَبَبًا لِحُدُوثِ أَمْرٍ أَلْبَتَّةَ.
قُلْت: قَوْلُ هَذَا جَهْلٌ (١) ؛ لِأنَّهُ قَوْلٌ بِلَا عِلْمٍ.
هَذَا وَقَد ثَبَتَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ أَنَّ الأَفْلَاكَ مُسْتَدِيرَةٌ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠]، قَالَ ابْنِ عَبَّاسٍ: فِي فَلْكَةٍ مِثْل فَلْكَةِ الْمِغْزَلِ، وَهَكَذَا هُوَ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ: الْفَلَكُ الشَّيْءُ الْمُسْتَدِيرُ، وَمِنْهُ يُقَالُ: تَفَلَّكَ ثَدْيُ الْجَارِيَةِ إذَا اسْتَدَارَ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾ [الزمر: ٥] وَالتَّكْوِيرُ هُوَ التَّدْوِيرُ، وَمِنْهُ قِيلَ: كَارَ الْعِمَامَةَ وَكَوَّرَهَا إذَا أَدَارَهَا، وَمِنْهُ قِيلَ: لِلْكُرَةِ كُرَةٌ وَهِيَ الْجِسْمُ الْمُسْتَدِيرُ، وَلهَذَا يُقَالُ لِلْأَفْلَاكِ: كُرَوِيَّةُ الشَّكْلِ.
وَأَمَّا إجْمَاعُ الْعُلَمَاءِ: فَقَالَ إيَاسُ بْنُ مُعَاوِيةَ -الْإِمَامُ الْمَشْهُورُ قَاضِي الْبَصْرَةِ مِن التَّابِعِينَ-: السَّمَاءُ عَلَى الْأرْضِ مِثْل الْقُبَّةِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْحُسَيْنِ أَحْمَد بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الْمُنَادِي مِن أَعْيَانِ الْعُلَمَاءِ الْمَشْهُورِينَ بِمَعْرِفَةِ الْآثَارِ وَالتَّصَانِيفِ الْكِبَارِ فِي فُنُونِ الْعُلُومِ الدِّينِيَّةِ مِن الطَّبَقَةِ الثَّانِيَةِ مِن أَصْحَابِ أَحْمَد: لَا خِلَافَ بَيْنِ الْعُلَمَاءِ أنَّ السَّمَاءَ عَلَى مِثَالِ الْكُرَةِ، وَأَنَّهَا تَدُورُ بِجَمِيعِ مَا فِيهَا مِن الْكَوَاكِب كَدَوْرَةِ الْكُرَةِ عَلَى قُطْبَيْنِ ثَابِتَيْنِ غَيْرِ مُتَحَرِّكَيْنِ: أَحَدُهُمَا فِي نَاحِيَةِ الشَّمَالِ وَالْآخَرُ فِي نَاحِيَةِ الْجَنُوبِ. الحواشي
(١) ولم يقل: قائل هذا جاهل! وشتان بينهما! فالشيخ عند إيراده للأقوال الخاطئة قد يُجهل القول ولا يُجهل القائل.стр. 2194
قَالَ: وَكَذَلِكَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ بِجَمِيعِ حَرَكَاتِهَا مِن الْبَرِّ وَالْبَحْرِ مِثْلُ الْكُرَةِ. [٢٥/ ١٣١ - ١٩٥]
٣٠٦٥ - الْمُعْتَمِدُ عَلَى الْحِسَابِ فِي الْهِلَالِ كَمَا أَنَّهُ ضَالٌّ فِي الشَّرِيعَةِ، مُبْتَدِعٌ فِي الدِّينِ، فَهُوَ مُخْطِئٌ فِي الْعَقْلِ وَعِلْمِ الْحِسَابِ. [٢٥/ ٢٠٧]
٣٠٦٦ - دَلَّ الْكِتَاب وَالسُّنَّةُ وَأجْمَعَ عُلَمَاءُ الْأُمَّةِ عَلَى مَثَلِ مَا عَلَيْهِ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ مِن أَهْلِ الْحِسَابِ: مِن أنَّ الْأَفْلَاكَ مُسْتَدِيرَةٌ لَا مُسَطَّحَةٌ. [٢٥/ ١٤٢]
٣٠٦٧ - من تجدد له الصوم بسببٍ؛ كما إذا قامت البينة بالرؤية في أثناء النهار: فإنه يتم بقية يومه، ولا يلزمه قضاء وإن كان قد أكل. [المستدرك ٣/ ١٧٠]
٣٠٦٨ - هل يجب تعيين النية لرمضان؟
فمذهب مالك والشافعي: تجب، فلو نوى نية مطلقة أو معلقة لم تجزه.
وعند أبي حنيفة: لا يجب التعيين، فلو نوى نية مطلقة أو معلقة تقع عن رمضان في هذه الصورة.
وفي هذه الصورة في مذهب أحمد ثلاثة أقوال:
أحدها: كمذهب مالك والشافعي يجب.
والثاني: كقول أبي حنيفة.
والثالث: تقع عن رمضان مع الإطلاق لا مع نية غير رمضان.
والذي يجب أن يفرق بين العالم والجاهل، فمن علم أن غدًا من رمضان ولم ينوه بل نوى غيره فقط: تَرَك الواجب فلم يجزه، ومن لم يعلم فنوى صومًا مطلقًا للاحتياط أو صومًا مقيدًا فهذا إذا قيل بجوازه كان متوجهًا.
وإن نوى نذرًا أو نفلًا ثم بان من رمضان أجزأه إن كان جاهلًا، كمن دفع وديعة رجل إليه على طريق التبرع ثم تبين أنها كانت حقه فإنه لا يحتاج إلى إعطاء ثان؛ بل يقول له: الذي وصل إليك هو كان عندي لك.
стр. 2195
ومن خطر في قلبه أنه صائم غدًا فقد نوى.
ومن كان يعلم أنَّ غدًا من رمضان وهو مسلم يعتقد وجوب الصوم وهو مريد للصوم: فهذا نية الصوم (١) ، وهو حين يتعشى: يتعشى عشاء من يريد الصوم؛ ولهذا يُفرَّق بين عشاء ليلة العيد وعشاء ليالي شهر رمضان، فليلة العيد يعلم أنه لا يصوم فلا يريد الصوم ولا ينوه ولا يتعشى عشاء من يريد الصوم (٢) . [المستدرك ٣/ ١٧١ - ١٧٢]
٣٠٦٩ - اخْتَلَفُوا فِي تَبْيِيتِ نِيَّتِهِ [أي: الصيام] عَلَى ثَلَاثَةِ أقْوَالٍ:
فَقَالَتْ طَائِفَةٌ -مِنْهُم أَبُو حَنِيفَةَ- إنَّهُ يُجْزِئُ كُلُّ صَوْمٍ فَرضًا كَانَ أو نَفْلًا بِنِيَّة قَبْلَ الزَّوَالِ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ عَاشُورَاءَ وَحَدِيثُ النَّبِيِّ ﷺ لَمَّا دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ فَلَمْ يَجِدْ طَعَامًا فَقَالَ: "إنِّي إذًا صَائِمٌ".
وَبِإِزَائِهَا طَائِفَةٌ أُخْرَى -مِنْهُم مَالِكٌ- قَالَتْ: لَا يُجْزِئُ الصَّوْمُ إلَّا مُبَيَّتًا مِن اللَّيْلِ فَرضًا كَانَ أَو نَفْلًا عَلَى ظَاهِرِ حَدِيثِ حَفْصَةَ وَابْنِ عُمَرَ: الَّذِي يُرْوَى مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا: "لَا صِيَامَ لِمَن لَمْ يُبَيِّت الصِّيَامَ مِن اللَّيْلِ" (٣) .
وَأَمَّا الْقَوْلُ الثَّالِثُ: فَالْفَرْضُ لَا يُجْزِئُ إلَّا بِتَبْيِيتِ النِّيَّةِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ حَفْصَةَ وَابْنِ عُمَرَ؛ لِأنَّ جَمِيعَ الزَّمَانِ يَجِبُ فِيهِ الصَّوْمُ، وَالنِّيَّةُ لَا تَنْعَطِفُ عَلَى الْمَاضِي.
وَأمَّا النَّفْلُ فَيُجْزِئُ بِنِيَّةٍ مِن النَّهَارِ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: "إنِّي إذًا صَائِمٌ" (٤) ، كَمَا أَنَّ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ يَجِبُ فِيهَا مِن الْأرْكَانِ- كَالْقِيَامِ وَالِاسْتِقْرَارِ الحواشي
(١) فلا تحتاج نية الصوم إلى جهد وتكلف.(٢) منهاج السُّنَّة (٥/ ٣٩٩)، وقد أخذتها منه؛ لأن كلامه أتم مما في الفروع وغيرِه، ويظهر أنهم نقلوا منه.(٣) صحَّحه الألباني في صحيح النسائي(٢٣٣٣) .(٤) رواه مسلم(١١٥٤) ، ولفظُه: عَنْ عَائِشَةَ أمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﵄ قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ: "يَا عَائِشَةُ، هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟ "، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا عِنْدَنَا شَيْءٌ قَالَ: "فَإِني صَائِمٌ".стр. 2196
عَلَى الْأَرْضِ- مَا لَا يَجِبُ فِي التَّطَوُّعِ تَوْسِيعًا مِن اللهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي طُرُقِ التَّطَوُّعِ، فَإِنَّ أَنْوَاعَ التَّطَوُّعَاتِ دَائِمًا أَوْسَعُ مِن أَنْوَاعِ الْمَفْرُوضَاتِ.
وَصَوْمُهُم يَوْمَ عَاشُورَاءَ إنْ كَانَ وَاجِبًا: فَإِنَّمَا وَجَبَ عَلَيْهِم مِن النَّهَارِ لِأَنَّهُم لَمْ يَعْلَمُوا قَبْلَ ذَلِكَ. [٢٥/ ١١٩ - ١٢٠]
٣٠٧٠ - تصحُّ النيةُ المترددةُ؛ كقوله: إن كان غدًا من رمضان فهو فرض وإلا فهو نفل، وهو إحدى الروايتين عن أحمد. [المستدرك ٣/ ١٧٢]
٣٠٧١ - كُلُّ مَن عَلِمَ أَنَّ غَدًا مِن رَمَضَانَ وَهُوَ يُرِيد صَوْمَهُ فَقَد نَوَى صَوْمَهُ. [٢٥/ ٢١٥]
٣٠٧٢ - الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ قِيلَ: لَا يَجُوزُ بَل يَجِبُ الْفِطْرُ وَالصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ جَوَازُ الْأَمْرَيْنِ، ثُمَّ قَالَ كَثِيرٌ مِنْهُم إنَّ الصَّوْمَ أَفْضَلُ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْفِطْرَ أَفْضَلُ إلَّا لِمَصْلَحَةٍ رَاجِحَةٍ. [٢٢/ ٣٣٦]
٣٠٧٣ - إِذَا فَعَلَ الرَّجُلُ فِي السَّفَرِ أَيْسَرَ الْأَمْرَيْنِ عَلَيْهِ مِن تَعْجِيلِ الصَّوْمِ أَو تَأْخِيرِهِ فَقَد أَحْسَنَ؛ فَإِنَّ اللهَ يُرِيدُ بِنَا الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِنَا الْعُسْرَ.
أَمَّا إذَا كَانَ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ أَشَقَّ عَلَيْهِ مِن تَأْخِيرِهِ فَالتَّأْخِيرُ أَفْضَلُ.
وَأَمَّا صَوْمُ يَوْمِ الْغَيْمِ إذَا حَالَ دُونَ مَنْظَرِ الْهِلَالِ غَيْمٌ أَو قَتَرٌ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِن شَعْبَانَ: فَكانَ فِي الصَّحَابَةِ مَن يَصُومُهُ احْتِيَاطًا، وَكَانَ مِنْهُم مَن يُفْطِرُ، وَلَمْ نَعْلَمْ أَحَدًا مِنْهُم أَوْجَبَ صَوْمَهُ؛ بَلِ الَّذِينَ صَامُوهُ إنَّمَا صَامُوهُ عَلَى طَرِيقِ التَّحَرِّي وَالِاحْتِيَاطِ.
وَإِذَا صَامَهُ الرَّجُلُ بِنِيَّةِ مُعَلَّقَةٍ؛ بِأَنْ يَنْوِيَ إنْ كَانَ مِن رَمَضَانَ أجْزَأَهُ وَإِلَّا فَلَا، فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ مِن رَمَضَانَ: أَجْزَأَهُ ذَلِكَ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ عَن أحْمَد وَغَيْرِهِ؛ فَإِنَ النِّيَّةَ تَتْبَعُ الْعِلْمَ، فَمَن عَلِمَ مَا يُرِيدُ فِعْلَهُ ثَوَاهُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَعْلَم الشَّيْءَ فَيَمْتَنِعُ أَنْ يَقْصِدَهُ. [٢٢/ ٢٨٨ - ٢٨٩]
стр. 2197
٣٠٧٤ - المريض إذا خاف الضرر استُحب له الفطر، والمسافر الأفضل له الفطر فإن أضعفه الصوم عن الجهاد كره له؛ بل يجب منعه إن منعه عن واجب آخر.
قال ابن القيم ﵀: وأجاز شيخنا ابن تيمية الفطر للتقوي على الجهاد، وفعله وأفتى به لما نازل العدو دمشق في رمضان، فأنكر عليه بعض المتفقهين وقال: ليس هذا سفرًا طويلًا (١) ، فقال الشيخ: هذا فطر للتقوي على جهاد العدو، وهو أولى من الفطر للسفر يومين سفرًا مباحًا أو معصية، والمسلمون إذا قاتلوا عدوهم وهم صيام لم يمكنهم النكاية فيهم، وربما أضعفهم الصوم عن القتال فاستباح العدو بيضة الإسلام.
وهل يشك فقيه أن الفطر ههنا أولى من فطر المسافر وقد أمرهم النبي ﷺ في غزوة الفتح بالإفطار ليتقووا على عدوهم، فعلَّل (٢) ذلك للقوة على العدو لا للسفر. [المستدرك ٣/ ١٧٠]
٣٠٧٥ - يَجُوزُ الْفِطْرُ لِلْمُسَافِرِ بِاتِّفَاقِ الْأُمَّةِ، سَوَاءٌ كَانَ قَادِرًا عَلَى الصِّيَامِ أَو عَاجِزًا، وَسَوَاءٌ شَقَّ عَلَيْهِ الصَّوْمُ أَو لَمْ يَشُقَّ، بِحَيْثُ لَو كَانَ مُسَافِرًا فِي الظِّلِّ وَالْمَاءِ، وَمَعَهُ مَن يَخْدِمُهُ جَازَ لَهُ الْفِطْرُ وَالْقَصْرُ.
وَمَن قَالَ: إنَّ الْفِطْرَ لَا يَجُوزُ إلَّا لِمَن عَجَزَ عَن الصِّيَامِ فَإِنَّهُ يُسْتَتَابُ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ، وَكَذَلِكَ مَن أَنْكَرَ عَلَى الْمُفْطِرِ فَإِنَّهُ يُسْتَتَابُ مِن ذَلِكَ. [٢٥/ ٢١٠]
٣٠٧٦ - مِقْدَارُ السَّفَرِ الَّذِي يُقْصَرُ فِيهِ وُيفْطَرُ: مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد أَنَّهُ مَسِيرَةُ يَوْمَيْنِ قَاصِدَيْنِ بِسَيْرِ الْإِبِلِ وَالْأَقْدَامِ وَهُوَ سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا، كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وعسفان وَمَكَّةَ وَجُدَّةَ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: مَسِيرَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ. الحواشي
(١) في الأصل: (سفر طويل)، بالرفع، والتصويب من بدائع الفوائد (٥/ ٥٢).(٢) في الأصل: (فعَلَ)، والتصويب من بدائع الفوائد (٥/ ٥٢).стр. 2198
وَقَالَ طَائِفَةٌ مِن السَّلَفِ وَالْخَلَفِ: بَل يَقْصُرُ وَيُفْطِرُ فِي أَقَلِّ مِن يَوْمَيْنِ، وَهَذَا قَوْلٌ قَوِيٌّ، فَإِنَّهُ قَد ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي بِعَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ وَمِنَى يَقْصُرُ الصَّلَاةَ وَخَلْفُهُ أَهْلُ مَكَّةَ وَغَيْرُهُم يُصَلُّونِ بِصلَاتِهِ، لَمْ يَأْمُرْ أَحَدًا مِنْهُم بِإِتْمَامِ الصَّلَاةِ.
وَإِذَا سَافَرَ فِي أَثْنَاءِ يَوْمٍ فَهَل يَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ مَشْهُورينِ لِلْعُلَمَاءِ هُمَا رِوَايَتَانِ عَن أَحْمَد، أَظْهَرُهُمَا: أَنَّهُ يَجُوز ذَلِكَ، كمَا ثَبَتَ فِي "السُّنَنِ" أَنَّ مِن الصَّحَابَةِ مَن كَانَ يُفْطِرُ إذَا خَرَجَ مِن يَوْمِهِ. [٢٥/ ٢١١ - ٢١٢]
٣٠٧٧ - يُفْطِرُ مَن عَادَتُهُ السَّفَرُ إذَا كَانَ لَهُ بَلَدٌ يَأْوِي إلَيْهِ؛ كَالتَّاجِرِ الْجَلَّابِ الَّذِي يَجْلِبُ الطَّعَامَ وَغَيْرَهُ مِن السِّلَعِ، وَكَالْمُكَارِي الَّذِي يَكرِي دَوَابَّهُ مِن الْجُلَّابِ وَغَيْرِهِمْ، وَكَالْبَرِيدِ الَّذِي يُسَافِرُ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ وَنَحْوِهِمْ، وَكَذَلِكَ الْمَلَّاحُ الَّذِي لَهُ مَكَانٌ فِي الْبَرِّ يَسْكُنُهُ.
فَأَمَّا مَن كَانَ مَعَهُ فِي السَّفِينَةِ امْرَأَتُهُ وَجَمِيعُ مَصَالِحِهِ وَلَا يَزَالُ مُسَافِرًا: فَهَذَا لَا يَقْصُرُ وَلَا يُفْطِرُ.
وَأهْلُ الْبَادِيَةِ: كَأَعْرَابِ الْعَرَبِ وَالْأَكْرَادِ وَالتُّرْكِ وَغَيْرِهِمْ الَّذِينَ يُشَتُّونَ فِي مَكَانٍ وَيُصَيِّفُونَ فِي مَكَانٍ إذَا كَانُوا فِي حَالِ ظَعْنِهِمْ مِن الْمَشْتَى إلَى الْمَصِيفِ وَمِن الْمَصِيفِ إلَى الْمَشْتَى: فَإِنَّهُم يَقْصُرُونَ.
وَأَمَّا إذَا نَزَلُوا بِمَشْتَاهُم وَمَصِيفِهِمْ لَمْ يُفْطِرُوا وَلَمْ يَقْصُرُوا، وَإِن كَانُوا يَتَتَبَّعُونَ الْمَرَاعِيَ. [٢٥/ ٢١٣]
٣٠٧٨ - الْمُسَافِرُ: يُفْطِرُ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَإِن لَمْ يَكُن عَلَيْهِ مَشَقَّةٌ وَالْفِطْرُ لَهُ أَفْضَلُ، وَإِن صَامَ جَازَ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ. [٢٥/ ٢١٤]
٣٠٧٩ - إذَا رَأَى هِلَالَ الصَّوْمِ وَحْدَهُ أَو هِلَالَ الْفِطْرِ وَحْدَهُ فَهَل عَلَيْهِ أَنْ يَصُومَ بِرُؤْيَةِ نَفْسِهِ؟ أَو يُفْطِرَ بِرُؤْيَةِ نَفْسِهِ؟ أَمْ لَا يَصُومُ وَلَا يُفْطِرُ إلَّا مَعَ النَّاسِ؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ هِيَ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ عَن أَحْمَد:
стр. 2199
أَحَدُهَا: أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَصُومَ وَأَنْ يُفْطِرَ سِرًّا، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَالثَّانِي: يَصُومُ وَلَا يُفْطِرُ إلَّا مَعَ النَّاسِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِن مَذْهَب أَحْمَد وَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ.
وَالثَّالِثُ: يَصُومُ مَعَ النَّاسِ وَيُفْطِرُ مَعَ النَّاسِ، وَهَذَا أَظْهَرُ الْأَقْوَالِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "صَوْمُكُمْ يَوْمَ تَصُومُونَ وَفِطْرُكُمْ يَوْمَ تُفْطِرُونَ وَأَضْحَاكُمْ يَوْمَ تُضَحُّونَ" رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (١) ، وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ.
وَحِينَئِذٍ: فَشَرْطُ كَوْنِهِ هِلَالًا وَشَهْرًا شُهْرَتُهُ بَيْنَ النَّاسِ، وَاسْتِهْلَالُ النَّاسِ بِهِ، حَتَّى لَو رَآهُ عَشَرَةٌ وَلَمْ يَشْتَهِرْ ذَلِكَ عِنْدَ عَامَّةِ أَهْلِ الْبَلَدِ لِكَوْنِ شَهَادَتِهِمْ مَرْدُودَةً أَو لِكَوْنِهِمْ لَمْ يَشْهَدُوا بِهِ: كَانَ حُكمُهُم حُكْمَ سَائِرِ الْمُسْلِمِينَ، فَكَمَا لَا يَقِفُونَ وَلَا يَنْحَرُونَ وَلَا يُصَلُّونَ الْعِيدَ إلَّا مَعَ الْمُسْلِمِينَ، فَكَذَلِكَ لَا يَصُومُونَ إلَّا مَعَ الْمُسْلِمِينَ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: "صَوْمُكُمْ يَوْمَ تَصُومُونَ وَفِطْرُكُمْ يَوْمَ تُفْطِرُونَ وَأَضْحَاكُمْ يَوْمَ تُضَحُّونَ" (٢) .
وَلهَذَا قَالَ أحْمَد فِي رِوَايَتِهِ: يَصُومُ مَعَ الْإِمَامِ وَجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ فِي الصَّحْوِ وَالْغَيْمِ، قَالَ أَحْمَد: يَدُ اللهِ عَلَى الْجَمَاعَةِ.
لَكِنْ مَن كَانَ فِي مَكَانٍ لَيْسَ فِيهِ غَيْرُهُ إذَا رَآهُ صَامَهُ، فَإِنَّهُ لَيْسَ هُنَاكَ غَيْرُهُ.
وَعَلَى هَذَا: فَلَو أَفْطَرَ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ رُئِيَ فِي مَكَانٍ آخَرَ، أَو ثَبَتَ نِصْفَ النَّهَارِ: لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ، وَهَذَا إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن أَحْمَد، فَإِنَّهُ إنَّمَا صَارَ شَهْرًا فِي حَقِّهِمْ مِن حِينِ ظَهَرَ وَاشْتَهَرَ، وَمِن حِينَئِذٍ وَجَبَ الْإِمْسَاكُ كَأَهْلِ عَاشُورَاءَ الَّذِينَ أُمِرُوا بِالصَّوْمِ فِي أثْنَاءِ الْيَوْمِ وَلَمْ يُؤْمَرُوا بِالْقَضَاءِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَحَدِيثُ الْقَضَاءِ ضَعِيفٌ. [٢٥/ ١١٤ - ١١٨]
٣٠٨٠ - عَن عَائِشَةَ ﵂؛ أَنَّهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الْفِطْرُ يَوْمَ يُفْطِرُ الحواشي
(٨٠٢) .(٢) تقدم تخريجه.стр. 2200
النَّاسُ وَالْأَضْحَى يَوْمَ يُضَحِّي النَّاسُ" رَوَاهُ التّرْمِذِيُّ (١) وَعَلَى هَذَا الْعَمَلُ عِنْدَ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ كلِّهِمْ.
فَإِنَّ النَّاسَ لَو وَقَفُوا بِعَرَفَةَ فِي الْيَوْمِ الْعَاشِرِ خَطَأَ أَجْزَأَهُم الْوُقُوفُ بِالِاتِّفَاقِ، وَكَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ يَوْمَ عَرَفَةَ فِي حَقِّهِمْ.
وَلَو وَقَفُوا الثَّامِنَ خَطَأَ فَفِي الْإِجْزَاءِ نِزَاعٌ، وَالْأَظْهَرُ صِحَّةُ الْوُقُوفِ أَيْضًا، وَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ مَالِك وَمَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ.
وَأَصْلُ ذَلِك أنَ اللهَ عَلَّقَ الْحُكْمَ بِالْهِلَالِ وَالشَّهْرِ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩]، وَالْهِلَالُ اسْمٌ لِمَا يُسْتَهَلُّ بِهِ؛ أَيْ: يُعْلَنُ بِهِ وَيُجْهَرُ بِهِ، فَإِذَا طَلَعَ فِي السَّمَاءِ وَلَمْ يَعْرِفْهُ النَّاسُ وَيَسْتَهِلُّوا لَمْ يَكُن هِلَالًا، وَكَذَا الشَّهْرُ مَأْخُوذٌ مِن الشُّهْرَةِ، فَإِنْ لَمْ يَشْتَهِرْ بَيْنَ النَّاسِ لَمْ يَكن الشَّهْرُ قَد دَخَلَ.
وَإِنَّمَا يَغْلَطُ كَثِيرٌ مِن النَّاسِ فِي مِثْل هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لِظَنِّهِمْ أَنَّهُ إذَا طَلَعَ فِي السَّمَاءِ كَانَت تِلْكَ اللَّيْلَةُ أَوَّلَ الشَّهْرِ سَوَاءٌ ظَهَرَ ذَلِكَ لِلنَّاسِ وَاسْتَهَلُّوا بِهِ أَو لَا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ بَل ظُهُورُهُ لِلنَّاسِ وَاسْتِهْلَالُهُم بِهِ لَا بُدَّ مِنْهُ؛ وَلهَذَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "صَوْمُكُمْ يَوْمَ تَصُومُونَ وَفِطْرُكُمْ يَوْم تُفْطِرُونَ وَأضْحَاكُمْ يَوْم تُضَحُّونَ"؛ أَيْ: هَذَا الْيَوْمُ الَّذِي تَعْلَمُونَ أنَّهُ وَقْتُ الصَّوْمِ وَالْفِطْرِ وَالْأضْحَى، فَإِذَا لَمْ تَعْلَمُوهُ لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ حُكْمٌ.
وَصَوْمُ الْيَوْمِ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ: هَل هُوَ تَاسِعُ ذِي الْحِجَّةِ أَو عَاشِرُ ذِي الْحِجَّةِ جَائِزٌ بِلَا نِزَاعٍ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ؛ لِأنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْعَاشِرِ.
وَإِنَّمَا الَّذِي يَشْتَبِهُ فِي هَذَا الْبَابِ مَسْأَلَتَانِ:
إحْدَاهُمَا: لَو رَأَى هِلَالَ شَوَّالٍ وَحْدَهُ أَو أَخْبَرَهُ بِهِ جَمَاعَةٌ يَعْلَمُ صِدْقَهُم: هَل يُفْطِرُ أَمْ لَا؟
الحواشي
(٨٠٢) ، وصحَّحه الألباني في صحيح الجامع الصغير(٤٢٨٧) .стр. 2201
وَالثَّانِيَةُ: لَو رَأَى هِلَالَ ذِي الْحِجَّةِ أَو أَخْبَرَهُ جَمَاعَةٌ يَعْلَمُ صِدْقَهُم هَل يَكونُ فِي حَقِّهِ يَوْمُ عَرَفَةَ وَيَوْمُ النَّحْرِ هُوَ التَّاسِعَ وَالْعَاشِرَ بِحَسَبِ هَذِهِ الرُّؤْيَةِ الَّتِي لَمْ تَشْتَهِرْ عِنْدَ النَّاسِ؟ أَو هُوَ التَّاسِعُ وَالْعَاشِرُ الَّذِي اشْتَهَرَ عِنْدَ النَّاسِ؟
فَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: فَالْمُنْفَرِدُ بِرُؤْيَةِ هِلَالِ شَوَّالٍ لَا يُفْطِرُ عَلَانِيَةً بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ عُذْرٌ يُبِيحُ الْفِطْرَ كَمَرَضٍ وَسَفَرٍ.
وَهَل يُفْطِرُ سِرًّا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ لِلْعُلَمَاءِ أَصَحُّهُمَا لَا يُفْطِرُ سِرًّا، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٌ وَأَحْمَد فِي الْمَشْهُورِ فِي مَذْهَبِهِمَا.
وَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ: أَنَّ الْفِطْرَ يَوْمَ يُفْطِرُ النَّاسُ، وَهُوَ يَوْمُ الْعِيدِ، وَاَلَّذِي صَامَهُ الْمُنْفَرِدُ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ لَيْسَ هُوَ يَوْمَ الْعِيدِ الَّذِي نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَن صَوْمِهِ.
وَهَذَا يَظْهَرُ بِالْمَسْألَةِ الثَّانِيَةِ فَإِنَّهُ لَو انْفَرَدَ بِرُؤْيَةِ ذِي الْحِجَّةِ لَمْ يَكُن لَهُ أَنْ يَقِفَ قَبْلَ النَّاسِ فِي الْيَوْمِ الَّذِي هُوَ فِي الظَّاهِرِ الثَّامِنُ وَإِن كَانَ بِحَسَبِ رُؤْيَتهِ هُوَ التَّاسِع، وَهَذَا لِأَنَّ فِي انْفِرَادِ الرَّجُلِ فِي الْوُقُوفِ وَالذَّبْحِ مِن مُخَالَفَةِ الْجَمَاعَةِ مَا فِي إظْهَارِهِ لِلْفِطْرِ. [٢٥/ ٢٠٢ - ٢٠٥]
٣٠٨١ - "ومن فطر صائمًا فله مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيء" صححه الترمذي (١) من حديث زيد بن خالد. مراده بتفطيره أن يشبعه. [المستدرك ٣/ ١٧٢]
٣٠٨٢ - أَبَاحَ الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ وَالْجِمَاعَ حَتَّى يَتَبَيَّنَ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِن الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ، وَالشَّاكُّ فِي طُلُوعِ الْفَجْرِ يَجُوزُ لَهُ الْأَكْل وَالشُّرْبُ وَالْجِمَاعُ بِالِاتِّفَاقِ، وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ إذَا اسْتَمَرَّ الشَّكُّ. [٢٥/ ٢٦٠]
٣٠٨٣ - السِّوَاكُ جَائِزٌ بِلَا نِزَاعٍ، لَكِن اخْتَلَفُوا فِي كَرَاهِيَتِهِ بَعْدَ الزَّوَالِ عَلَى
стр. 2202
قَوْلَيْنِ مَشْهُورينِ هُمَا رِوَايَتَانِ عَن أحْمَد، وَلَمْ يَقُمْ عَلَى كَرَاهِيَتِهِ دَلِيل شَرْعِيٌّ يَصْلُحُ أَنْ يَخُصَّ عمومات نُصُوصِ السِّوَاكِ. [٢٥/ ٢٦٦]
* * *
(حكم صَوْمِ يَوْمِ الْغَيْمِ)
٣٠٨٤ - صَوْمُ يَوْمِ الْغَيْمِ: إذَا حَالَ دُونَ رُؤْيةِ الْهِلَالِ غَيْمٌ أَو قَتَرٌ (١) : لِلْعُلَمَاءِ فِيهِ عِدَّةُ أَقْوَالٍ وَهِيَ فِي مَذْهَبِ أحْمَد وَغَيْرِهِ:
أَحَدُهَا: أنَّ صَوْمَهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، ثُمَّ هَل هُوَ نَهْيُ تَحْرِيمٍ أَو تَنْزِيهٍ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِي مَذْهَبِ مَالِكٌ وَالشَافِعِيِّ وَأحْمَد فِي إحْدَى الرِّوَايَاتِ عَنْهُ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ صِيَامَهُ وَاجِبٌ كَاخْتِيَارِ الْقَاضِي والخرقي وَغَيْرِهِمَا مِن أَصْحَابِ أَحْمَد (٢) .
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ يَجُوزُ صَوْمُهُ وَيجُوزُ فِطْرُهُ، وَهَذَا مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَد الْمَنْصُوصُ الصَّرِيحُ عَنْهُ، وَهُوَ مَذْهَبُ كَثِيرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ أَو أكْثَرِهِمْ (٣) .
وَهَذَا كَمَا أَنَّ الْإِمْسَاكَ عِنْدَ الْحَائِلِ عَن رُؤْيَةِ الْفَجْرِ جَائِزٌ، فَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَ الحواشي
(١) ليلة الثلاثين من شعبان.(٢) قال في زاد المستقنع: وَإِن حَالَ دُونَهُ غَيْمٌ، أوْ قَتَرٌ فَظَاهِرُ المَذْهَبِ يَجِبُ صَوْمَهُ. اهـ.(٣) قال ﵀ في موضع آخر: وَأُصُولُ الشَّرِيعَةِ أَدَلُّ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ مِنْهَا عَلَى غَيْرِهِ؛ فَإِنَّ الْمَشْكُوكَ فِي وُجُوبِهِ -كَمَا لَو شَكَّ فِي وُجُوبِ زَكَاةٍ أو كَفَّارَةٍ أو صَلَاةٍ أو غَيْرِ ذَلِكَ- لَا يَجِبُ فِعْلُهُ وَلَا يُسْتَحَبُّ تَرْكُهُ، بَل يُسْتَحَبُّ فِعْلُهُ احْتِيَاطًا، فَلَمْ تُحَرِّمْ أصُولُ الشَّرِيعَةِ الِاحْتِيَاطَ وَلَمْ تُوجِبْ بِمُجَرَّدِ الشَّكِّ.
وقال: فَإِنَّ تَحْرِيمَ الصَّوْم أَو إيجَابَهُ كِلَاهُمَا فِيهِ بُعْدٌ عَن أصُولِ الشَّرِيعَةِ. اهـ. (٢٥/ ١٢٤ - ١٢٥) واختار ابن حزم والشوَكاني والصنعاني والإمامان ابن باز وابن عثيمين ﵏ وغيرُهم تحريم صيامه. المحلى (٧/ ٢٣)، نيل الأوطار (٤/ ٢٢٧) سبل السلام (١/ ٥٥٨)، مجموع فتاوى ابن باز (١٥/ ٤٠٨)، زاد المستقنع (٦/ ٣٠٧).стр. 2203
وَإن شَاءَ أَكَلَ حَتَّى يَتَيَقَّنَ طُلُوعَ الْفَجْرِ، وَكَذَلِكَ إذَا شَكَّ هَل أَحْدَثَ أَمْ لَا؟ إنْ شَاءَ تَوَضَّأَ وَإِن شَاءَ لَمْ يَتَوَضَّأْ.
وَكَذَلِكَ إذَا شَكَّ هَل حَالَ حَوْلُ الزَّكَاةِ أَو لَمْ يَحُلْ؟
وَإِذَا شَكَّ هَل الزَّكَاةُ الْوَاجِبَةُ عَلَيْهِ مِائَةٌ أَو مِائَةٌ وَعِشْرُونَ؟ فَأَدَّى الزِّيَادَةَ.
وَأُصُولُ الشَّرِيعَةِ كُلُّهَا مُسْتَقِرَّةٌ عَلَى أَنَّ الِاحْتِيَاطَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَلَا مُحَرَّمٍ.
ثُمَّ إذَا صَامَهُ بِنِيَّةٍ مُطْلَقَةٍ أَو بِنِيَّةٍ مُعَلَّقَةٍ، بِأَنْ يَنْوِيَ إنْ كَانَ مِن شَهْرِ رَمَضَانَ كَانَ عَن رَمَضَانَ وَإِلَّا فَلَا: فَإِنَّ ذَلِكَ يَجْزِيهِ فِي مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَد فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ إلَّا بِينَّةِ أَنَّهُ مِن رَمَضَانَ.
وَأَصْلُ هَذِهِ الْمَسْألَةِ أَنَّ تَعْيِينَ النِّيَّةِ لِشَهْرِ رَمَضَانَ: هَل هوَ وَاجِبٌ؟ فِيهِ ثلَاثَةُ أَقْوَالٍ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد.
وَتَحْقِيقُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: أَنَّ النِّيَّةَ تَتْبَعُ الْعِلْمَ، فَإِنْ عَلِمَ أَنَّ غَدًا مِن رَمَضَانَ فَلَا بُدَّ مِنَ التَّعْيِينِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ.
فَإِنْ نَوَى نَفْلًا أَو صَوْمًا مُطْلَقًا لَمْ يُجْزئهُ؛ لِأَنَّ اللهَ أَمَرَهُ أَنْ يَقْصِدَ أَدَاء الْوَاجِبِ عَلَيْهِ وَهُوَ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي عَلِمَ وُجُوبَهُ، فَإِذَا لَمْ يَفْعَلِ الْوَاجِبَ لَمْ تَبْرأْ ذِمَّتُهُ.
وَأَمَّا إذَا كَانَ لَا يَعْلَمُ أَنَّ غَدًا مِن شَهْرِ رَمَضَانَ: فَهُنَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ التَّعْيِينُ، وَمَن أَوْجَبَ التَّعْيِينَ مَعَ عَدَمِ الْعِلْمِ فَقَد أَوْجَبَ الْجَمْعَ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ.
فَإِذَا قِيلَ: إنَّهُ يَجُوزُ صَوْمُهُ، وَصَامَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ بِنِيَّةٍ مُطْلَقَةٍ أَو مُعَلَّقَةٍ أَجْزَأَهُ.
وَأَمَّا إذَا قَصدَ صَوْمَ ذَلِكَ تَطَوُّعًا ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ مِن شَهْرِ رَمَضَانَ:
стр. 2204
فَالْأَشْبَهُ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ أَيْضًا (١) ، كَمَن كَانَ لِرَجُلٍ عِنْدَهُ وَدِيعَةٌ وَلَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ فَأَعْطَاهُ ذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ التَّبَرُّعِ، ثُمَّ تبَيَّنَ أَنَّهُ حَقُّهُ فَإِنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى إعْطَائِهِ ثَانِيًا.
وَالرّوَايَةُ الَّتِي تُرْوَى عَن أَحْمَد: أَنَّ النَّاسَ فِيهِ تَبَعٌ لِلْإِمَامِ فِي نِيَّتِهِ، عَلَى أَنَّ الصَّوْمَ وَالْفِطْرَ بِحَسَبِ مَا يَعْلَمُهُ النَّاسُ، كَمَا فِي "السُّنَنِ" عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "صَوْمُكُمْ يَوْمَ تَصُومُونَ وَفِطْرُكُمْ يَوْمَ تُفْطِرُونَ وَأَضْحَاكُمْ يَوْمَ تُضَحُّونَ" (٢) .
وَقَد تَنَازَعَ النَّاسُ فِي "الْهِلَالِ": هَل هُوَ اسْمٌ لِمَا يَطْلُعُ فِي السَّمَاءِ وَإِن لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ؟ أَو لَا يُسَمَّى هِلَالًا حَتَّى يَسْتَهِلَّ بِهِ النَّاسُ ويعْلَمُوهُ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ (٣) . [٢٥/ ٩٨ - ١٠٢]
٣٠٨٥ - إنْ حال دون رؤية الهلال ليلة الثلاثين غيم أو قتر فصومه جائز، لا واجب ولا حرام، وهو قول طوائف من السلف والخلف، وهو مذهب أبي حنيفة، والمنقولات المستفيضة عن أحمد إنما تدل على هذا، ولا أصل للوجوب في كلامه ولا في كلام أحد من الصحابة ﵃.
وحكي عن أبي العباس أنه كان يميل أخيرًا إلى أنه لا يستحب صومه (٤) . [المستدرك ٣/ ١٦٩ - ١٧٠]
* * * الحواشي
(١) هذا من تيسير الشيخ ﵀ على الأمة، وحبه لليسر والرفق بالناس.(٢) رواه أبو داود(٢٣٢٤) ، وصحَّحه الألباني في صحيح أبي داود(٢٣٢٤) .(٣) واختار الشيخ القول الثاني كما تقدم حيث قال: قَوْلُ بَعْضِهِمْ: إذَا وَقَفَ النَّاسُ يَوْمَ الْعَاشِرِ خَطَأَ أَجْزَأَهُمْ، فَالصَّوَابُ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ يَوْمُ عَرَفَةَ بَاطِنًا وَظَاهِرًا وَلَا خَطَأَ فِي ذَلِكَ، بَل يَوْمُ عَرَفَةَ هُوَ الْيَوْمُ الَّذِي يُعَرِّفُ فِيهِ النَّاسُ، وَالْهِلَالُ إنَّمَا يَكُونُ هِلَالًا إذَا اسْتَهَلَّهُ النَّاسُ، وَإِذَا طَلَعَ وَلَمْ يَسْتَهِلُّوهُ فَلَيْسَ بِهِلَالِ.(٤) واختار العلَّامة ابن عثيمين ﵀ تحريم صومه وقال: وأصح هذه الأقوال هو التحريم، ولكن إذا رأى الإمام وجوب صوم هذا اليوم، وأمر الناس بصومه، فإنه لا ينابذ، ويحصل عدم منابذته بألا يظهر الإنسان فطره، وإنما يفطر سرًّا.
والمسألة هنا لم يثبت فيها دخول الشهر، أما لو حكم ولي الأمر بدخول الشهر فالصوم واجب. اهـ. الشرح الممتع (٦/ ٣٠٧).стр. 2205
(هل رُؤْيَةُ بَعْضِ الْبِلَادِ رُؤْيَةٌ لِجَمِيعِهَا ؟)
٣٠٨٦ - مَسْأَلَةُ رُؤْيَةِ بَعْضِ الْبِلَادِ رُؤْيَةٌ لِجَمِيعِهَا: فِيهَا اضْطِرَابٌ (١) ، فَإِنَّهُ قَد حَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الِاخْتِلَافَ فِيمَا يُمْكِنُ اتِّفَاقُ الْمَطَالِعِ فِيهِ، فَأَمَّا مَا كَانَ مِثْل الْأنْدَلُسِ وَخُرَاسَانَ فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ (٢) .
وَاَلَّذِينَ قَالُوا: لَا تَكونُ رُؤْيَةً لِجَمِيعِهَا كَأَكْثَرِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ مِنْهُم مَن حَدَّدَ ذَلِكَ بِمَسَافَةِ الْقَصْرِ، وَمِنْهُم مَن حَدَّدَ ذَلِكَ بِمَا تَخْتَلِفُ فِيهِ الْمَطَالِعُ؛ كَالْحِجَازِ مَع الشَّامِ، وَالْعِرَاقِ مَعَ خُرَاسَانَ، وَكِلَاهُمَا ضَعِيفٌ (٣) ؛ فَإِنَّ مَسَافَةَ الْقَصْرِ لَا تَعَلُّقَ لَهَا بِالْهِلَالِ.
وَأَمَّا الْأَقَالِيمُ فَمَا (٤) حَدَّدَ ذَلِكَ؟ ثُمَّ هَذَانِ خَطَأٌ مِن وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الرُّؤْيَةَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ التَّشْرِيقِ وَالتَّغْرِيبِ، فَإِنَّهُ مَتَى رُئِيَ الحواشي
(١) ومن عجيب الاضطراب: الاضطراب في النقل عن شيخ الإسلام ﵀، فحينما قرأت كلامه هنا ولخصته تعجبت من أنه يُناقض ما اشْتُهر عنه القولُ باعتبارِ اتفاق المطالع في لزوم الصوم، فإذا اختلفت المطالع فلا يلزم الصوم بهذه الرؤية سوى من اتفقت مطالعهم فحسب.
وهذا هو الذي نقله عنه البعلي في الاختيارات، قال ﵀: "تختلف المطالع باتفاق أهل المعرنة بهذا، فإن اتفقت لزمه الصوم وإلا فلا، وهو الأصح للشافعية وقول في مذهب أحمد".
لكنَّ شيخَ الإسلام هنا -كما سترى-: سيقرر نقيض ذلك، وسيضعّف فيه اعتبارَ اتفاق المطالع.
وقد وجدت بحثًا في موقع: صيد الفوائد، للدكتور سمير بن خليل المالكي، توصل إلى ما توصلتُ إليه فزادني طمأنينة حيث قال في نهايته: وإنما أطلت النقل من كلامه ﵀ لنفاسته، وهو يخالف ما ذهب إليه في الاختبارات من اعتبار اختلاف المطالع، بينما نص هنا على أن العبرة هي في بلوغ العلم بالرؤية في الوقت الذي يؤدى فيه الصوم أو الفطر، بمعنى أنه لو بلغهم خبر الرؤية بعد ذلك لم يلزمهم قضاء ذلك اليوم، والله أعلم. اهـ.
http:www.saaid.net-Doat-samer-٦.htm.(٢) ونصّ كلامه كما في الاستذكار (١٠/ ٣٠): قَد أَجْمَعُوا أَنَّهُ لَا تُرَاعَى الرُّؤْيَةُ فِيمَا أُخِّرَ مِنَ الْبُلْدَانِ، كَالْأنْدَلُسِ مِن خُرَاسَانَ، وَكَذَلِكَ كُلُّ بَلَدٍ لَهُ رُؤْيتُهُ إِلَّا مَا كَانَ كَالْمِصْرِ الْكَبِيرِ، وَمَا تَقَارَبَتْ أَقْطَارُهُ مِن بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ -وَاللهُ أَعْلَمُ-. اهـ.(٣) أي: التحديد بمسافة القصر، والتحديد بما تختلف فيه المطالع.(٤) لعل الصواب: (فمن).стр. 2206
فِي الْمَشْرِقِ وَجَبَ أَنْ يُرَى فِي الْمَغْرِبِ وَلَا يَنْعَكِسُ؛ لِأَنَّهُ يَتَأَخَّرُ غُرُوبُ الشَّمْسِ بِالْمَغْرِبِ عَن وَقْتِ غُرُوبِهَا بِالْمَشْرِقِ.
الْوَجْهُ الثانِي: أَنَّهُ إذَا اعْتَبَرْنَا حَدًّا كَمَسَافَةِ الْقَصْرِ أَو الْأَقَالِيمَ فَكَانَ رَجُلٌ فِي آخِرِ الْمَسَافَةِ وَالْاِقْلِيمِ: فَعَلَيْهِ أَنْ يَصُومَ ويُفْطِرَ وَيَنْسُكَ، وَآخَرُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ غَلْوَةُ (١) سَهْمٍ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا مِن ذَلِكَ! وَهَذَا لَيْسَ مِن دِينِ الْمُسْلِمِينَ.
فَالصَّوَابُ فِي هَذَا -وَاللهُ أَعْلَمُ- مَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: "صَوْمُكُمْ يَوْمَ تَصُومُونَ وَفِطْرُكمْ يَوْمَ تُفْطِرُونَ وَأَضْحَاكُمْ يَوْمَ تُضَحُّونَ" (٢) ، فَإِذَا شَهِدَ شَاهِدٌ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِن شَعْبَانَ أَنَّهُ رَآه بِمَكَان مِن الْأَمْكِنَةِ قَرِيبٍ أَو بَعِيدٍ: وَجَبَ الصَّوْمُ.
وَكَذَلِكَ إذَا شَهِدَ بِالرُّؤْيَةِ نَهَارَ تِلْكَ اللَّيْلَةِ إلَى الْغُرُوبِ: فَعَلَيْهِم إمْسَاكُ مَا بَقِيَ، سَوَاءٌ كَانَ مِن إقْلِيمٍ أَو إقْلِيمَيْنِ.
وَالِاعْتِبَارُ بِبُلُوغِ الْعِلْمِ بِالرُّؤْيَةِ فِي وَقْتٍ يُفِيدُ، فَأَمَّا إذَا بَلَغَتْهُم الرُّؤْيَةُ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَالْمُسْتَقْبَلَ يَجِبُ صَوْمُهُ بِكُلِّ حَالٍ.
لَكِنَّ الْيَوْمَ الْمَاضِيَ: هَل يَجِبُ قَضَاؤُهُ؟ فَإِنَّهُ قَد يَبْلُغُهُم فِي أَثْنَاءِ الشَّهْرِ أَنَّهُ رُئِيَ بِإِقْلِيمٍ آخَرَ وَلَمْ يُرَ قَرِيبًا مِنْهُمْ؟
الْأَشْبَهُ: أَنَّهُ إنْ رُئِيَ بِمَكَانٍ قَرِيبٍ -وَهُوَ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَبْلُغَهُم خَبَر فِي الْيَوْمِ الْأوَّلِ- فَهُوَ كَمَا لَو رُئِيَ فِي بَلَدِهِمْ وَلَمْ يَبْلُغْهُمْ.
وَأَمَّا إذَا رُئيَ بِمَكَانٍ لَا يُمْكِنُ وُصُولُ خَبَرِهِ إلَيْهِم إلَّا بَعْدَ مُضِيِّ الْأوَّلِ: فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ صَوْمَ النَّاسِ هُوَ الْيَوْمُ الَّذِي يَصُومُونَهُ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَصُومُوا إلَّا الْيَوْمَ الَّذِي يُمْكِنُهُم فِيهِ رُؤيَةُ الْهِلَالِ، وَهَذَا لَمْ يَكُن يُمْكِنُهُم فِيهِ بُلُوغُهُ فَلَمْ يَكُن يَوْمَ صَوْمِهِمْ، وَكَذَلِكَ فِي الْفِطْرِ وَالنُّسُكِ. الحواشي
(١) الغَلْوَة: قَدْرُ رَمْيَة بِسَهْمٍ.(٢) رواه أبو داود(٢٣٢٤) ، وصحَّحه الألباني في صحيح أبي داود(٢٣٢٤) .стр. 2207
لَكِنَّ هَؤُلَاءِ هَل يُفْطِرُونَ إذَا ثَبَتَ عِنْدَهُم فِي أَثْنَاءِ الشَّهْرِ أَنَّهُ رُئِيَ بِنَاءً عَلَى تِلْكَ الرُّؤْيَةِ؟
لَكِنْ إنْ بَلَغَتْهُم بِخَبَرٍ وَاحِدٍ لَمْ يُفْطِرُوا؛ لِأَنَّهُ قَد ثَبَتَ عِنْدَهُم فِي أَثْنَائِهِ مَا يُفْطِرُونَ بِهِ وَلَا يَقْضُونَ الْيَوْمَ الْأَوَّلَ فَيَكُونُ صَوْمُهُم تِسْعَةً وَعِشْرِينَ كَمَا يَقُولُهُ مَن يَقُولُ بِالْمَطَالِعِ، إذَا صَامَ بِرُؤْيَةِ مَكَانٍ ثُمَّ سَافَرَ إلَى مَكَانٍ تَقَدَّمَتْ رُؤْيَتُهُم فَإِنَّهُ يُفْطِرُ مَعَهُم وَلَا يَقْضِي الْيَوْمَ الأوَّلَ (١) .
فَالضَّابِطُ: أَنَّ مَدَارَ هَذَا الْأَمْرِ عَلَى الْبُلُوغِ؛ لِقَوْلِهِ: "صُومُوا لِرُؤيتِهِ"، فَمَن بَلَغَهُ أَنَّهُ رُئِيَ ثَبَتَ فِي حَقِّهِ مِن غَيْرِ تَحْدِيدٍ بِمَسَافَةٍ أَصْلًا، وَهَذَا يُطَابِقُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي أَنَّ طَرَفَيِ الْمَعْمُورَةِ لَا يَبْلُغُ الْخَبَرُ فِيهِمَا إلَّا بَعْدَ شَهْر فَلَا فَائِدَةَ فِيهِ، بِخِلَافِ الْأَمَاكِنِ الًّذِي يَصِلُ الْخَبَرُ فِيهَا قَبْلَ انْسِلَاخِ الشَّهْرِ فَإِنَّهَا مَحَلُّ الِاعْتِبَارِ (٢) . الحواشي
(١) فائدة: قال ﵀: "لَا بُدَّ أنْ يُصَامَ فِي رَمَضَانَ تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ، لَا يُصَامُ أَقَلُّ مِنْهَا بِحَالٍ". اهـ. (٢٥/ ١٥٣)
قال في الإقناع، وشرحه كشاف القناع (٢/ ٩٦٦ - ٩٧٠): وإن صاموا ثمانية وعشرين يومًا، ثم رأوا الهلال قضوا يوما فقط. نصَّ عليه الإمام أحمد بن حنبل، ونقله واحتج بقول علي ﵁: لأن أصوم يومًا من شعبان أحبُّ إليَّ من أن أفطر يومًا من رمضان. اهـ.
فائدة: قال ابن عثيمين ﵀: لو أن الإنسان سافر من المملكة العربية السعودية إلى باكستان، وباكستان لم يروا الهلال، والسعودية ثبت عندها رؤية الهلال، نقول في هذه الحال تبقى صائمًا؛ لأنك في مكان لم ير فيه الهلال؛ لأن النبي ﷺ قال: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته". فلو فرض أنك رجعت في اليوم نفسه فلك أن تفطر، والعكس إذا ذهبنا إلى الغرب ونزلنا في بلد رأوا الهلال، ولم يُرَ في السعودية فإننا نصوم؛ لأن المكان رؤي فيه الهلال؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥].
وقال النبي ﷺ : "إذا رأيتموه فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا".
فالعبرة بمكانك الذي أنت فيه، فمتى رؤى الهلال فاعمل به إفطارًا وصومًا. مجموع الفتاوى (١٥/ ٤٤٠ - ٤٣٩).(٢) والناس في هذه الأزمان يبلغهم الخبر بلحظات، عن طريق التلفاز والجوال ونحوها، فيصومون في يوم واحد.стр. 2208
وَلهَذَا قَالُوا: إذَا أَخْطَأَ النَّاسُ كُلُّهُم فَوَقَفُوا فِي غَيْرِ يَوْمِ عَرَفَةَ أَجْزَأَهُم اعْتِبَارًا بِالْبُلُوغِ، وَإِذَا أَخْطَأَهُ طَائِفَةٌ مِنْهُم لَمْ يُجْزِئْهُم لِإِمْكَانِ الْبُلُوغِ؛ فَالْبُلُوغُ هُوَ الْمُعْتَبَرُ سَوَاءٌ كَانَ عَلِمَ بِهِ لِلْبُعْدِ أَو لِلْقِلَّةِ.
وَالْحُجَّةُ فِيهِ: أَنَّا نَعْلَم بِيَقِينٍ أَنَّهُ مَا زَالَ فِي عَهدِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ يُرَى الْهِلَالُ فِي بَعْضِ أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ بَعْدَ بَعْضٍ، فَإِنَّ هَذَا مِن الْأُمُورِ الْمُعْتَادَةِ الَّتِي لَا تَبْدِيلَ لَهَا، وَلَا بُدَّ أَنْ يَبْلُغَهُم الْخَبَرُ فِي أَثْنَاءِ الشَّهْرِ، فَلَو كَانُوا يَجِبُ عَلَيْهِم الْقَضَاءُ لَكَانَت هِمَمُهُم تَتَوَفَّرُ عَلَى الْبَحْثِ عَن رُؤَيتِهِ فِي سَائِرِ بُلْدَانِ الْإِسْلَامِ، كَتَوَفُّرِهَا عَلَى الْبَحْثِ عَن رُؤْيَتِهِ فِي بَلَدِهِ، وَلَكَانَ الْقَضَاءُ يَكثُرُ فِي أَكْثَرِ الرمضانات، وَمِثْلُ هَذَا لَو كَانَ لَنُقِلَ، وَلَمَّا لَمْ يُنْقَلْ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا أَصْلَ لَهُ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ يَدُلُّ عَلَى هَذَا (١) .
وَلَو قِيلَ: إذَا بَلَغَهُم الْخَبَرُ فِي أَثْنَاءِ الشَّهْرِ لَمْ يَبْنُوا إلَّا عَلَى رُؤْيَتِهِمْ بِخِلَافِ مَا إذَا بَلَغَهُم فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ: لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ.
بَل الرُّؤْيَةُ الْقَلِيلَةُ لَو لَمْ تَبْلُغ الْإِنْسَانَ إلَّا فِي أَثْنَاءِ الشَّهْرِ فَفِي وُجُوبِ قَضَاءِ ذَلِكَ الْيَوْمِ نَظَرٌ وَإِن كَانَ يُفْطِرُ بِهَا (٢) ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: "صَوْمُكمْ يَوْمَ تَصُومُون ": دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُن يَوْمَ صَوْمِنَا، وَلِأِنَّ التَّكْلِيفَ يَتْبَعُ الْعِلْمَ، وَلَا عِلْمَ وَلَا دَليلَ ظَاهِرٌ فَلَا وُجُوبَ. الحواشي
(١) وهو ما رواه مسلم(١٠٨٧) ، عَن كُرَيْبٍ، أنَ أُمَّ الْفَضْلِ بِنْتَ الْحَارِثِ، بَعَثَتْهُ إِلَى مُعَاوِيَةَ بِالشَّامِ، قَالَ: فَقَدِمْتُ الشَّامَ، فَقَضَيْتُ حَاجَتَهَا، وَاسْتُهِلَّ عَلَيَّ رَمَضَانُ وَأنَا بِالشَّامِ، فَرَأَيْتُ الْهِلَالَ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، ثُمَّ قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فِي آخِرِ الشَّهْرِ، فَسَأَلَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ ﵄، ثُمَّ ذَكَرَ الْهِلَالَ فَقَالَ: مَتَى رَأَيْتُمُ الْهِلَالَ؟ فَقُلْتُ: رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، فَقَالَ: أَنْتَ رَأَيْتَهُ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، وَرَآه النَّاسُ، وَصَامُوا وَصَامَ مُعَاوِيَةُ، فَقَالَ: "لَكِنَّا رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ السَّبْتِ، فَلَا نَزَالُ نَصُومُ حَتَّى نَكْمِلَ ثَلَاثِينَ أَو نَرَاهُ"، فَقُلْتُ: أَوَ لَا تَكْتَفِي بِرُؤْيَةِ مُعَاوِيَةَ وَصِيَامِهِ؟ فَقَالَ: "لَا، هَكَذَا أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ".(٢) المعنى: لو رأى هلال رمضان قلّةٌ من الناس فأبلغوا من حولهم، ولم يصل الخبر إلى بعض البلدان إلا في أثناء الشهر، وهم لم يروا الهلال في نفس اليوم: فلا يجب عليهم قضاء ذلك اليوم.стр. 2209
وَطَرْدُ هَذَا: أَنَّ الْهِلَالَ إذَا ثَبَتَ فِي أَثْنَاءِ يَوْمٍ قَبْلَ الْأَكْلِ أَو بَعْدَهُ أَتَمُّوا وَأَمْسَكُوا وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِمْ، كَمَا لَو بَلَغَ صَبِيٌّ أَو أَفَاقَ مَجْنُون عَلَى أَصَحِّ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ.
فَإِنّ الْهِلَالَ مَأْخُوذٌ مِن الظُّهُورِ وَرَفْعِ الصَّوْتِ، فَطُلُوعُهُ فِي السَّمَاءِ إنْ لَمْ يَظْهَرْ فِي الْأرْضِ فَلَا حُكْمَ لَهُ لَا بَاطِنًا وَلَا ظَاهِرًا.
فَلَا هِلَالَ إلَّا مَا اُسْتُهِلَّ، فَإِذَا اسْتَهَلَّهُ الْوَاحِدُ وَالِاثْنَان فَلَمْ يُخْبِرَا بِهِ فَلَمْ يَكُن ذَاكَ هِلَالًا، فَلَا يَثْبُتْ بِهِ حُكْمٌ حَتَّى يُخْبِرَا بِهِ فَيَكُونُ خَبَرُهُمَا هُوَ الْإِهْلَالَ الَّذِي هُوَ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالْإِخْبَارِ بِهِ، وَلأَنَّ التَّكْلِيفَ يَتْبَعُ الْعِلْمَ، فَإِذَا لَمْ يُمْكِنْ عِلْمُهُ لَمْ يَجِبْ صَوْمُهُ.
وَوُجُوبُ الْقَضَاءِ إذَا كَانَ التَّرْكُ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ يَفْتَقِرُ إلَى دَليلٍ.
فَتَلَخَّصَ:
أ- أَنَّهُ مَن بَلَغَهُ رُؤْيَةُ الْهِلَالِ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يُؤَدِّي بِتِلْكَ الرُّؤْيَةِ الصَّوْمَ أَو الْفِطْرَ أَو النُّسُكَ وَجَبَ اعْتِبَارُ ذَلِكَ بِلَا شَكِّ، وَالنُّصُوصُ وَآثَارُ السَّلَفِ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ.
وَمَن حَدَّدَ ذَلِكَ بِمَسَافَةِ قَصْرٍ أَو إقْلِيمٍ فَقَوْلُهُ: مُخَالِفٌ لِلْعَقْلِ وَالشَّرْعِ.
ب- وَمَن لَمْ يَبْلُغْهُ إلَّا بَعْدَ الْأَدَاءِ وَهُوَ مِمَّا لَا يُقْضَى كَالْعِيدِ الْمَفْعُولِ وَالنُّسُكِ: فَهَذَا لَا تَأْثِيرَ لَهُ، وَعَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ الَّذِي حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ.
ج- وَأَمَّا إذَا بَلَغَهُ فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ: فَهَل يُؤَثِّرُ فِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ وَفِي بِنَاءِ الْفِطْرِ عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ فِي بَقِيَّةِ الْأَحْكَامِ: مِن حُلُولِ الدَّيْنِ وَمُدَّةِ الْإِيلَاءِ وَانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَالْقَضَاء؟
يَظْهَرُ لِي أَنَّهُ لَا يَجِبُ، وَفِي بِنَاءِ الْفِطْرِ عَلَيْهِ نَظَرٌ.
стр. 2210
فَهَذَا مُتَوَسِّطٌ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَمَا مِن قَوْلِ سِوَاهُ إلَّا وَلَهُ لَوَازِمُ شَنِيعَةٌ (١) . [٢٥/ ١٠٣ - ١١٣]
* * *
(باب ما يفسد الصوم ويوجب الكفارة)
٣٠٨٧ - فَصْل: فِيمَا يُفَطِّرُ الصَّائِمَ وَمَا لَا يُفَطِّرُهُ وَهَذَا نَوْعَانِ:
مِنْهُ مَا يُفَطِّرُ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ وَهُوَ الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ وَالْجِمَاعُ.
وَلَفْظُ "الصِّيَامِ" كَانُوا يَعْرِفُونَهُ قَبْلَ الْإِسْلَامِ ويستعملونه كَمَا فِي "الصَّحِيحَيْنِ" عَن عَائِشَةَ ﵁: "أَنَّ يَوْمَ عَاشُورَاءَ كَانَ يَوْمًا تَصُومُهُ قُرَيْشٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ".
وَكَذَلِكَ ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ وَاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ دَمَ الْحَيْض يُنَافِي الصَّوْمَ فَلَا تَصُومُ الْحَائِضُ لَكِنْ تَقْضِي الصِّيَامَ.
وَثَبَتَ بِالسُّنَّةِ أَيْضًا مِن حَدِيثِ لَقِيطِ بْنِ صَبِرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ: "وَبَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إلَّا أَنْ تَكَونَ صَائِمًا" (٢) فَدَلَّ عَلَى أَنَّ إنْزَالَ الْمَاءِ مِن الْأَنْفِ يُفَطِّرُ الصَّائِمَ، وَهُوَ قَوْلُ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ.
وَفِي "السُّنَنِ" عَن أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَن ذَرَعَهُ قَيْءٌ وَهُوَ صَائِمٌ فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ، وَإِن استقاء فَلْيَقْضِ" (٣) .. قَالَ الخطابي: وَلَا أَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي أَنَّ مَن ذَرَعَهُ الْقَيْءُ فَإِنَّهُ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَلَا فِي أَنَّ مَنِ استقاء عَامِدًا فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ، وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فِي الْكَفَّارَةِ، فَقَالَ عَامَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ: لَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُ الْقَضَاءِ. الحواشي
(١) بحثُه هذا وإن كان قليلًا فهو من أعسر بحوثه عندي.(٢) رواه أبو داود(٢٣٦٦) ، وصحَّحه الألباني في صحيح أبي داود(٢٣٦٦) .(٣) رواه أبو داود(٢٣٨٠) ، وصحَّحه الألباني في صحيح أبي داود(٢٣٨٠) .следующие страницы →