← Фатава

Фатава · id 879

تقريب فتاوى ابن تيمية

أحمد بن ناصر الطيار

Полный текст (3 539 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

فِي الْمَشْرِقِ وَجَبَ أَنْ يُرَى فِي الْمَغْرِبِ وَلَا يَنْعَكِسُ؛ لِأَنَّهُ يَتَأَخَّرُ غُرُوبُ الشَّمْسِ بِالْمَغْرِبِ عَن وَقْتِ غُرُوبِهَا بِالْمَشْرِقِ. الْوَجْهُ الثانِي: أَنَّهُ إذَا اعْتَبَرْنَا حَدًّا كَمَسَافَةِ الْقَصْرِ أَو الْأَقَالِيمَ فَكَانَ رَجُلٌ فِي آخِرِ الْمَسَافَةِ وَالْاِقْلِيمِ: فَعَلَيْهِ أَنْ يَصُومَ ويُفْطِرَ وَيَنْسُكَ، وَآخَرُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ غَلْوَةُ (١) سَهْمٍ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا مِن ذَلِكَ! وَهَذَا لَيْسَ مِن دِينِ الْمُسْلِمِينَ. فَالصَّوَابُ فِي هَذَا -وَاللهُ أَعْلَمُ- مَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: "صَوْمُكُمْ يَوْمَ تَصُومُونَ وَفِطْرُكمْ يَوْمَ تُفْطِرُونَ وَأَضْحَاكُمْ يَوْمَ تُضَحُّونَ" (٢)، فَإِذَا شَهِدَ شَاهِدٌ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِن شَعْبَانَ أَنَّهُ رَآه بِمَكَان مِن الْأَمْكِنَةِ قَرِيبٍ أَو بَعِيدٍ: وَجَبَ الصَّوْمُ. وَكَذَلِكَ إذَا شَهِدَ بِالرُّؤْيَةِ نَهَارَ تِلْكَ اللَّيْلَةِ إلَى الْغُرُوبِ: فَعَلَيْهِم إمْسَاكُ مَا بَقِيَ، سَوَاءٌ كَانَ مِن إقْلِيمٍ أَو إقْلِيمَيْنِ. وَالِاعْتِبَارُ بِبُلُوغِ الْعِلْمِ بِالرُّؤْيَةِ فِي وَقْتٍ يُفِيدُ، فَأَمَّا إذَا بَلَغَتْهُم الرُّؤْيَةُ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَالْمُسْتَقْبَلَ يَجِبُ صَوْمُهُ بِكُلِّ حَالٍ. لَكِنَّ الْيَوْمَ الْمَاضِيَ: هَل يَجِبُ قَضَاؤُهُ؟ فَإِنَّهُ قَد يَبْلُغُهُم فِي أَثْنَاءِ الشَّهْرِ أَنَّهُ رُئِيَ بِإِقْلِيمٍ آخَرَ وَلَمْ يُرَ قَرِيبًا مِنْهُمْ؟ الْأَشْبَهُ: أَنَّهُ إنْ رُئِيَ بِمَكَانٍ قَرِيبٍ -وَهُوَ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَبْلُغَهُم خَبَر فِي الْيَوْمِ الْأوَّلِ- فَهُوَ كَمَا لَو رُئِيَ فِي بَلَدِهِمْ وَلَمْ يَبْلُغْهُمْ. وَأَمَّا إذَا رُئيَ بِمَكَانٍ لَا يُمْكِنُ وُصُولُ خَبَرِهِ إلَيْهِم إلَّا بَعْدَ مُضِيِّ الْأوَّلِ: فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ صَوْمَ النَّاسِ هُوَ الْيَوْمُ الَّذِي يَصُومُونَهُ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَصُومُوا إلَّا الْيَوْمَ الَّذِي يُمْكِنُهُم فِيهِ رُؤيَةُ الْهِلَالِ، وَهَذَا لَمْ يَكُن يُمْكِنُهُم فِيهِ بُلُوغُهُ فَلَمْ يَكُن يَوْمَ صَوْمِهِمْ، وَكَذَلِكَ فِي الْفِطْرِ وَالنُّسُكِ.

стр. 2207

لَكِنَّ هَؤُلَاءِ هَل يُفْطِرُونَ إذَا ثَبَتَ عِنْدَهُم فِي أَثْنَاءِ الشَّهْرِ أَنَّهُ رُئِيَ بِنَاءً عَلَى تِلْكَ الرُّؤْيَةِ؟ لَكِنْ إنْ بَلَغَتْهُم بِخَبَرٍ وَاحِدٍ لَمْ يُفْطِرُوا؛ لِأَنَّهُ قَد ثَبَتَ عِنْدَهُم فِي أَثْنَائِهِ مَا يُفْطِرُونَ بِهِ وَلَا يَقْضُونَ الْيَوْمَ الْأَوَّلَ فَيَكُونُ صَوْمُهُم تِسْعَةً وَعِشْرِينَ كَمَا يَقُولُهُ مَن يَقُولُ بِالْمَطَالِعِ، إذَا صَامَ بِرُؤْيَةِ مَكَانٍ ثُمَّ سَافَرَ إلَى مَكَانٍ تَقَدَّمَتْ رُؤْيَتُهُم فَإِنَّهُ يُفْطِرُ مَعَهُم وَلَا يَقْضِي الْيَوْمَ الأوَّلَ (١). فَالضَّابِطُ: أَنَّ مَدَارَ هَذَا الْأَمْرِ عَلَى الْبُلُوغِ؛ لِقَوْلِهِ: "صُومُوا لِرُؤيتِهِ"، فَمَن بَلَغَهُ أَنَّهُ رُئِيَ ثَبَتَ فِي حَقِّهِ مِن غَيْرِ تَحْدِيدٍ بِمَسَافَةٍ أَصْلًا، وَهَذَا يُطَابِقُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي أَنَّ طَرَفَيِ الْمَعْمُورَةِ لَا يَبْلُغُ الْخَبَرُ فِيهِمَا إلَّا بَعْدَ شَهْر فَلَا فَائِدَةَ فِيهِ، بِخِلَافِ الْأَمَاكِنِ الًّذِي يَصِلُ الْخَبَرُ فِيهَا قَبْلَ انْسِلَاخِ الشَّهْرِ فَإِنَّهَا مَحَلُّ الِاعْتِبَارِ (٢).

стр. 2208

وَلهَذَا قَالُوا: إذَا أَخْطَأَ النَّاسُ كُلُّهُم فَوَقَفُوا فِي غَيْرِ يَوْمِ عَرَفَةَ أَجْزَأَهُم اعْتِبَارًا بِالْبُلُوغِ، وَإِذَا أَخْطَأَهُ طَائِفَةٌ مِنْهُم لَمْ يُجْزِئْهُم لِإِمْكَانِ الْبُلُوغِ؛ فَالْبُلُوغُ هُوَ الْمُعْتَبَرُ سَوَاءٌ كَانَ عَلِمَ بِهِ لِلْبُعْدِ أَو لِلْقِلَّةِ. وَالْحُجَّةُ فِيهِ: أَنَّا نَعْلَم بِيَقِينٍ أَنَّهُ مَا زَالَ فِي عَهدِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ يُرَى الْهِلَالُ فِي بَعْضِ أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ بَعْدَ بَعْضٍ، فَإِنَّ هَذَا مِن الْأُمُورِ الْمُعْتَادَةِ الَّتِي لَا تَبْدِيلَ لَهَا، وَلَا بُدَّ أَنْ يَبْلُغَهُم الْخَبَرُ فِي أَثْنَاءِ الشَّهْرِ، فَلَو كَانُوا يَجِبُ عَلَيْهِم الْقَضَاءُ لَكَانَت هِمَمُهُم تَتَوَفَّرُ عَلَى الْبَحْثِ عَن رُؤَيتِهِ فِي سَائِرِ بُلْدَانِ الْإِسْلَامِ، كَتَوَفُّرِهَا عَلَى الْبَحْثِ عَن رُؤْيَتِهِ فِي بَلَدِهِ، وَلَكَانَ الْقَضَاءُ يَكثُرُ فِي أَكْثَرِ الرمضانات، وَمِثْلُ هَذَا لَو كَانَ لَنُقِلَ، وَلَمَّا لَمْ يُنْقَلْ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا أَصْلَ لَهُ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ يَدُلُّ عَلَى هَذَا (١). وَلَو قِيلَ: إذَا بَلَغَهُم الْخَبَرُ فِي أَثْنَاءِ الشَّهْرِ لَمْ يَبْنُوا إلَّا عَلَى رُؤْيَتِهِمْ بِخِلَافِ مَا إذَا بَلَغَهُم فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ: لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ. بَل الرُّؤْيَةُ الْقَلِيلَةُ لَو لَمْ تَبْلُغ الْإِنْسَانَ إلَّا فِي أَثْنَاءِ الشَّهْرِ فَفِي وُجُوبِ قَضَاءِ ذَلِكَ الْيَوْمِ نَظَرٌ وَإِن كَانَ يُفْطِرُ بِهَا (٢)؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: "صَوْمُكمْ يَوْمَ تَصُومُون ": دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُن يَوْمَ صَوْمِنَا، وَلِأِنَّ التَّكْلِيفَ يَتْبَعُ الْعِلْمَ، وَلَا عِلْمَ وَلَا دَليلَ ظَاهِرٌ فَلَا وُجُوبَ.

стр. 2209

وَطَرْدُ هَذَا: أَنَّ الْهِلَالَ إذَا ثَبَتَ فِي أَثْنَاءِ يَوْمٍ قَبْلَ الْأَكْلِ أَو بَعْدَهُ أَتَمُّوا وَأَمْسَكُوا وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِمْ، كَمَا لَو بَلَغَ صَبِيٌّ أَو أَفَاقَ مَجْنُون عَلَى أَصَحِّ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ. فَإِنّ الْهِلَالَ مَأْخُوذٌ مِن الظُّهُورِ وَرَفْعِ الصَّوْتِ، فَطُلُوعُهُ فِي السَّمَاءِ إنْ لَمْ يَظْهَرْ فِي الْأرْضِ فَلَا حُكْمَ لَهُ لَا بَاطِنًا وَلَا ظَاهِرًا. فَلَا هِلَالَ إلَّا مَا اُسْتُهِلَّ، فَإِذَا اسْتَهَلَّهُ الْوَاحِدُ وَالِاثْنَان فَلَمْ يُخْبِرَا بِهِ فَلَمْ يَكُن ذَاكَ هِلَالًا، فَلَا يَثْبُتْ بِهِ حُكْمٌ حَتَّى يُخْبِرَا بِهِ فَيَكُونُ خَبَرُهُمَا هُوَ الْإِهْلَالَ الَّذِي هُوَ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالْإِخْبَارِ بِهِ، وَلأَنَّ التَّكْلِيفَ يَتْبَعُ الْعِلْمَ، فَإِذَا لَمْ يُمْكِنْ عِلْمُهُ لَمْ يَجِبْ صَوْمُهُ. وَوُجُوبُ الْقَضَاءِ إذَا كَانَ التَّرْكُ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ يَفْتَقِرُ إلَى دَليلٍ. فَتَلَخَّصَ: أ- أَنَّهُ مَن بَلَغَهُ رُؤْيَةُ الْهِلَالِ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يُؤَدِّي بِتِلْكَ الرُّؤْيَةِ الصَّوْمَ أَو الْفِطْرَ أَو النُّسُكَ وَجَبَ اعْتِبَارُ ذَلِكَ بِلَا شَكِّ، وَالنُّصُوصُ وَآثَارُ السَّلَفِ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ. وَمَن حَدَّدَ ذَلِكَ بِمَسَافَةِ قَصْرٍ أَو إقْلِيمٍ فَقَوْلُهُ: مُخَالِفٌ لِلْعَقْلِ وَالشَّرْعِ. ب- وَمَن لَمْ يَبْلُغْهُ إلَّا بَعْدَ الْأَدَاءِ وَهُوَ مِمَّا لَا يُقْضَى كَالْعِيدِ الْمَفْعُولِ وَالنُّسُكِ: فَهَذَا لَا تَأْثِيرَ لَهُ، وَعَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ الَّذِي حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ. ج- وَأَمَّا إذَا بَلَغَهُ فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ: فَهَل يُؤَثِّرُ فِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ وَفِي بِنَاءِ الْفِطْرِ عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ فِي بَقِيَّةِ الْأَحْكَامِ: مِن حُلُولِ الدَّيْنِ وَمُدَّةِ الْإِيلَاءِ وَانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَالْقَضَاء؟ يَظْهَرُ لِي أَنَّهُ لَا يَجِبُ، وَفِي بِنَاءِ الْفِطْرِ عَلَيْهِ نَظَرٌ.

стр. 2210

فَهَذَا مُتَوَسِّطٌ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَمَا مِن قَوْلِ سِوَاهُ إلَّا وَلَهُ لَوَازِمُ شَنِيعَةٌ (١). [٢٥/ ١٠٣ - ١١٣] * * * (باب ما يفسد الصوم ويوجب الكفارة) ٣٠٨٧ - فَصْل: فِيمَا يُفَطِّرُ الصَّائِمَ وَمَا لَا يُفَطِّرُهُ وَهَذَا نَوْعَانِ: مِنْهُ مَا يُفَطِّرُ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ وَهُوَ الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ وَالْجِمَاعُ. وَلَفْظُ "الصِّيَامِ" كَانُوا يَعْرِفُونَهُ قَبْلَ الْإِسْلَامِ ويستعملونه كَمَا فِي "الصَّحِيحَيْنِ" عَن عَائِشَةَ ﵁: "أَنَّ يَوْمَ عَاشُورَاءَ كَانَ يَوْمًا تَصُومُهُ قُرَيْشٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ". وَكَذَلِكَ ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ وَاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ دَمَ الْحَيْض يُنَافِي الصَّوْمَ فَلَا تَصُومُ الْحَائِضُ لَكِنْ تَقْضِي الصِّيَامَ. وَثَبَتَ بِالسُّنَّةِ أَيْضًا مِن حَدِيثِ لَقِيطِ بْنِ صَبِرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ: "وَبَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إلَّا أَنْ تَكَونَ صَائِمًا" (٢) فَدَلَّ عَلَى أَنَّ إنْزَالَ الْمَاءِ مِن الْأَنْفِ يُفَطِّرُ الصَّائِمَ، وَهُوَ قَوْلُ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ. وَفِي "السُّنَنِ" عَن أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَن ذَرَعَهُ قَيْءٌ وَهُوَ صَائِمٌ فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ، وَإِن استقاء فَلْيَقْضِ" (٣) .. قَالَ الخطابي: وَلَا أَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي أَنَّ مَن ذَرَعَهُ الْقَيْءُ فَإِنَّهُ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَلَا فِي أَنَّ مَنِ استقاء عَامِدًا فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ، وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فِي الْكَفَّارَةِ، فَقَالَ عَامَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ: لَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُ الْقَضَاءِ.

стр. 2211

وَأَمَّا حَدِيثُ الْحِجَامَةِ (١) فَإِمَّا أَنْ يَكونَ مَنْسُوخًا، وَإِمَّا أَنْ يَكونَ نَاسِخًا لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسِ: "أَنَّهُ احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ صَائِمٌ" (٢). أَيْضًا: وَلَعَلَّ فِيهِ الْقَيْءَ إنْ كَانَ مُتَنَاوِلًا لِلِاسْتِقَاءَةِ هُوَ أَيْضًا مَنْسُوخٌ. وَهَذَا يُؤَيِّدُ أَنَّ النَّهْيَ عَنِ الْحِجَامَةِ هُوَ الْمُتَأَخِّرُ، فَإِنَّهُ إذَا تَعَارَضَ نَصَّانِ نَاقِلٌ وَبَاقٍ عَلَى الِاسْتِصْحَابِ فَالنَّاقِلُ هُوَ الرَّاجِحُ فِي أنَّه النَّاسِخُ وَنَسْخ أَحَدِهِمَا يُقَوِّي نَسْخَ قَرِينِهِ. وَأَمَّا مَن اسْتَمْنَى فَأَنْزَلَ فَإِنَّهُ يُفْطِرُ، وَلَفْظُ الِاحْتِلَامِ إنَّمَا يُطْلَقُ عَلَى مَن احْتَلَمَ فِي مَنَامِهِ. فَإِنْ قِيلَ: فَقَد ذَكَرْتمْ أَنَّ مَن أَفْطَرَ عَامِدًا بِغَيْرِ عُذْرٍ كَانَ فِطْرُهُ مِن الْكَبَائِرِ، وَكَذَلِكَ مَن فَوَّتَ صَلَاةَ النَّهَارِ إلَى اللَّيْلِ عَامِدًا مِن غَيْرِ عُذْرٍ كَانَ تَفْوِيتُهُ لَهَا مِنَ الْكبَائِرِ، وَأَنَّهَا مَا بَقِيَتْ تُقْبَلُ مِنْهُ عَلَى أَظْهَرِ قَوْلَيِ الْعُلَمَاءِ، كَمَن فَوَّتَ الْجُمْعَةَ وَرَمَى الْجِمَارَ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْعِبَادَاتِ الْمُؤَقَّتَةِ، وَهَذَا قَد أَمَرَهُ بِالْقَضَاءِ (٣). قِيلَ: هَذَا إنَّمَا أَمَرَهُ بِالْقَضَاءِ لِأنَّ الْإِنْسَانَ إنَّمَا يَتَقَيَّأُ لِعُذْرٍ؛ كَالْمَرِيضِ يَتَدَاوَى بِالْقَيْءِ أَو يَتَقَيَّأُ لِأَنَّهُ أَكَلَ مَا فِيهِ شُبْهَةٌ، كَمَا تَقَيَّأ أَبُو بَكْرٍ مِن كَسْبِ الْمُتَكَهِّنِ، وَإذَا كَانَ الْمُتَقَيِّئُ مَعْذُورًا كَانَ مَا فَعَلَهُ جَائِزًا وَصَارَ مِن جُمْلَةِ الْمَرْضَى الَّذِينَ يَقْضُونَ وَلَمْ يَكُن مِن أَهْلِ الْكَبَائِرِ الَّذِينَ أَفْطَرُوا بِغَيْرِ عُذْرٍ. وَالْمجَامِعُ النَّاسِي فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ: أَحَدُهُمَا: لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَلَا كَفارَةَ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالْأَكْثَرِينَ. وَالثَّانِيَةُ: عَلَيْهِ الْقَضَاءُ بِلَا كَفَّارَةٍ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٌ.

стр. 2212

وَالثَّالِثَةُ: عَلَيْهِ الْأَمْرَانِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَن أَحْمَد. وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ. فَإِنَّهُ قَد ثَبَتَ بِدَلَالَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَنَّ مَن فَعَلَ مَحْظُورًا مُخْطِئًا أَو نَاسِيًا لَمْ يُؤَاخِذْهُ اللهُ بِذَلِكَ، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ مَن لَمْ يَفْعَلْهُ، فَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ إثْمٌ، وَمَن لَا إثْمَ عَلَيْهِ لَمْ يَكُن عَاصِيًا، وَلَا مُرْتَكِبًا لِمَا نُهِيَ عَنْهُ، وَحِينَئِذٍ فَيَكونُ قَد فَعَلَ مَا أُمِرَ بِهِ وَلَمْ يَفْعَلْ مَا نُهِيَ عَنْهُ. وَطَرْدُ هَذَا: أَنَّ الْحَجَّ لَا يَبْطُلُ بِفِعْلِ شَيْءٍ مِنَ الْمَحْظُورَاتِ لَا نَاسِيًا وَلَا مُخْطِئًا، لَا الْجِمَاعُ وَلَا غَيْرُهُ، وَهُوَ أَظْهَرُ قَوْلَي الشَّافِعِيِّ. وَأَمَّا الْكَفَّارَةُ وَالْفِدْيَةُ فَتِلْكَ وَجَبَتْ لِأَنَّهَا بَدَلُ الْمُتْلَفِ، مِن جِنْسِ مَا يَجِبُ ضَمَانُ الْمُتْلَفِ بِمِثْلِهِ، كَمَا لَو أَتْلَفَهُ صَبِيٌّ أَو مَجْنُونٌ أَو نَائِمٌ ضَمِنَهُ بِذَلِكَ، وَجَزَاءُ الصَّيْدِ إذَا وَجَبَ عَلَى النَّاسِي وَالْمُخْطِئِ فَهُوَ مِن هَذَا الْبَابِ، بِمَنْزِلَةِ دِيَةِ الْمَقْتُولِ خَطَأً، وَالْكَفَّارَةِ الْوَاجِبَةِ بِقَتْلِهِ خَطَأً بِنَصِّ الْقُرْآنِ وَإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ. وَأَمَّا سَائِرُ الْمَحْظُورَاتِ فَلَيْسَتْ مِن هَذَا الْبَابِ، وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ وَقَصُّ الشَّارِبِ وَالتَّرَفُّهُ الْمُنَافِي لِلتَّفَثِ كَالطِّيبِ وَاللِّبَاسِ. وَلهَذَا كَانَت فِدْيَتُهَا مِن جِنْسِ فِدْيَةِ الْمَحْظُورَاتِ لَيْسَتْ بِمَنْزِلَةِ الصَّيْدِ الْمَضْمُونِ بِالْبَدَلِ. فَأَظْهَرُ الْأَقْوَالِ فِي النَّاسِي وَالْمُخْطِئِ إذَا فَعَلَ مَحْظورًا أَلَّا يَضْمَنَ مِن ذَلِكَ إلَّا الصَّيْدَ (١)، وَللنَّاسِ فِيهِ أَقْوَالٌ هَذَا أَحَدُهَا وَهوَ قَوْلُ أَهْلِ الظَّاهِرِ. وَكَذَلِكَ طَرْدُ هَذَا أَنَّ الصَّائِمَ إذَا أَكَلَ أَو شَرِبَ أَو جَامَعَ نَاسِيًا أَو مُخْطِئًا فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ.

стр. 2213

فَصْلٌ وَأَمَّا الْكُحْلُ وَالْحُقْنَةُ وَمَا يُقْطَرُ فِي إحْلِيلِهِ وَمُدَاوَاةُ الْمَأْمُومَةِ وَالْجَائِفَةِ فَهَذَا مِمَّا تَنَازَعَ فِيهِ أَهْلُ الْعِلْمِ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يُفْطِرُ بِشَيْء مِن ذَلِكَ؛ فَإِنَّ الصِّيَامَ مِن دِينِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِي يَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَتِهِ الْخَاصُّ وَالْعَامُّ، فَلَو كَانَت هَذ الْأمُورُ مِمَّا حَرَّمَهَا اللهُ وَرَسُولُهُ فِي الصِّيَامِ وَيفْسُدُ الصَّوْمُ بِهَا لَكَانَ هَذَا مِمَّا يَجِبُ عَلَى الرَّسُولِ بَيَانُهُ، وَلَو ذَكَرَ ذَلِكَ لَعَلِمَهُ الصَّحَابَةُ وَبَلَّغُوهُ الْأُمَّةَ كَمَا بَلَّغُوا سَائِرَ شَرْعِهِ. فَإِنَّ الْكُحْلَ لَا يُغَذِّي أَلْبَتَّةَ، وَلَا يُدْخِلُ أَحَدٌ كُحْلًا إلَى جَوْفِهِ لَا مِن أَنْفِهِ وَلَا فَمِهِ. وَكَذَلِكَ الْحُقْنَةُ لَا تُغَذّي؛ بَل تَسْتَفْرغُ مَا فِي الْبَدَنِ، كَمَا لَو شَمَّ شَيْئًا مِن الْمُسَهِّلَاتِ أَو فَزعَ فَزَعًا أَوْجَبَ اسْتِطْلَاقَ جَوْفِهِ، وَهِيَ لَا تَصِلُ إلَى الْمَعِدَةِ (١). وَالدَّوَاءُ الَّذِي يَصِلُ إلَى الْمَعِدَةِ فِي مُدَاوَاةِ الْجَائِفَةِ وَالْمَأْمُومَةِ لَا يُشْبِهُ مَا يَصِلُ إلَيْهَا مِن غِذَائِهِ. فَالصَّائِمُ نُهِيَ عَن الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ سَبَبُ التَّقَوِّي. [٢٥/ ٢١٩ - ٢٤٥] ٣٠٨٨ - الْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يُفْطِرُ بِالْكُحْلِ وَلَا بِالتَّقْطِيرِ فِي الْإِحْلِيلِ وَلَا بِابْتِلَاعِ مَا لَا يُغَذِّي كَالْحَصَاةِ، وَلَكِنْ يُفْطِرُ بِالسَّعُوطِ (٢) لِقَوْلِهِ: "وَبَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا" (٣). [٢٠/ ٥٢٨]

стр. 2214

٣٠٨٩ - قَالَ أَحْمَد: أَصَحُّ شَيءٍ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثُ رَافِعٍ، وَذَكَرَ أحَادِيثَ: "أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ" (١): ثُمَّ اخْتَلَفُوا عَلَى أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: يُفْطِرُ الْمَحْجُومُ دُونَ الْحَاجِمِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ يُفْطِرُ الْمَحْجُومُ الَّذِي يَحْتَجِمُ وَيخْرُجُ مِنْهُ الدَّمُ، وَلَا يُفْطِرُ بِالِافْتِصَادِ وَنَحْوِهِ؛ لِأنَّهُ لَا يُسَمَّى احْتِجَامًا. وَالرابع (٢): وَهُوَ الصَّوَابُ (٣) وَاخْتَارَهُ أَبُو الْمُظَفَّرِ ابْنُ هُبَيْرَةَ الْوَزِيرُ الْعَالِمُ الْعَادِلُ وَغَيْرُهُ أنَّه يُفْطِرُ بِالْحِجَامَةِ وَالْفِصَادِ (٤) وَنَحْوِهِمَا، وَذَلِكَ لِأنَّ الْمَعْنَى الْمَوْجُودَ فِي الْحِجَامَةِ مَوْجُودٌ فِي الْفِصَادِ شَرْعًا وَطَبْعًا. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ: فَبِأَيِّ وَجْهٍ أَرَادَ إخْرَاجَ الدَّمِ أَفْطَرَ، كَمَا أنَّه بِأَيِّ وَجْهٍ أخْرَجَ الْقَيْءَ أَفْطَرَ، سَوَاءٌ جَذَبَ الْقَيْءَ بِإِدْخَالِ يَدِهِ، أَو بِشَمِّ مَا يُقَيِّئُهُ، أَو وَضَعَ يَدَهُ تَحْتَ بَطْنِهِ وَاسْتَخْرَجَ الْقَيْءَ فَتِلْكَ طُرُقٌ لِإِخْرَاجِ الْقَيْءِ، وَهَذِهِ طُرُقٌ لِإِخْرَاجِ الدَّمِ. وَأَمَّا الْحَاجِمُ فَإِنَّهُ يَجْتَذِبُ الْهَوَاءَ الَّذِي فِي الْقَارُورةِ بِامْتِصَاصِهِ، وَالْهَوَاءُ يَجْتَذِبُ مَا فِيهَا مِنَ الدَّمِ، فَرُبَّمَا صَعِدَ مَعَ الْهَوَاءِ شَيْءٌ مِنَ الدَّمِ وَدَخَلَ فِي حَلْقِهِ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ، وَالْحِكْمَةُ إذَا كَانَت خَفِيَّةً أَو مُنْتَشِرَةً عُلِّقَ الْحكْمُ بِالْمَظِنَّةِ، كَمَا

стр. 2215

أَنَّ النائِمَ الَّذِي تَخْرُجُ مِنْهُ الرِّيحُ وَلَا يَدْرِي يُؤْمَرُ بِالْوُضُوءِ فَكَذَلِكَ الْحَاجِمُ، يَدْخُلُ شَيءٌ مِن الدَّمِ مَعَ رِيقِهِ إلَى بَطْنِهِ وَهُوَ لَا يَدْرِي. وَأَمَّا الشَّارِطُ فَلَيْسَ بِحَاجِمٍ، وَهَذَا الْمَعْنَى مُنْتَفٍ فِيهِ فَلَا يُفْطِرُ الشَّارِطُ، وَكَذَلِكَ لَو قُدِّرَ حَاجِمٌ لَا يَمُصُّ الْقَارُورَةَ بَل يَمْتَصُّ غَيْرَهَا (١)، أَو يَأْخُذُ الدَّمَ بِطَرِيقٍ أُخْرَى لَمْ يُفْطِرْ. [٢٥/ ٢٥٥ - ٢٥٨] ٣٠٩٠ - لا يفطر الصائم بالاكتحال والحقنة، وما يقطر في إحليله، ومداواة المأمومة والجائفة، وهو قول بعض أهل العلم، ويفطر بإخراج الدم بالحجامة وهو مذهب أحمد، وبالفصد والتشريط وهو وجه لنا، أو بإرعاف نفسه وهو قول الأوزاعي، ويفطر الحاجم إن مص القارورة. [المستدرك ٣/ ١٧٢] ٣٠٩١ - لا يفطر بمذي بسبب قبلة أو لمس وتكرار نظر، وهو قول أبي حنيفة والشافعي وبعض أصحابنا. [المستدرك ٣/ ١٧٣] ٣٠٩٢ - وَسُئِلَ ﵀: عَن رَجُلٍ أرَادَ أَنْ يُوَاقِعَ زَوْجَتَهُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ بِالنَّهَارِ، فَأَفْطَرَ بِالْأكْلِ قَبْلَ أَنْ يُجَامِعَ ثُمَّ جَامَعَ، فَهَل عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ: الْحَمْدُ للهِ، هَذه الْمَسْأَلَةُ فِيهَا قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ مَشْهُورَانِ: أَحَدُهُمَا: تَجِبُ وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِهِمْ؛ كَمَالِكٍ وَأَحْمَد وَأَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِمْ. وَالثَّانِي: لَا تَجِبُ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. ثُمَّ تَنَازَعُوا: هَل يُشْتَرَطُ الْفِطْرُ مِن الصَّوْمِ الصَّحِيحِ؟ فَالشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ يَشْتَرِطُ ذَلِكَ، فَلَو أَكَلَ ثُمَّ جَامَعَ، أَو أَصْبَحَ غَيْرَ نَاوٍ لِلصَّوْمِ ثُمَّ جَامَعَ، أَو جَامَعَ وَكَفَّرَ ثُمَّ جَامَعَ: لَمْ يَكُن عَلَيْهِ كَفارَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَطَأْ فِي صَوْمٍ صَحِيحٍ.

стр. 2216

وَأَحْمَد فِي ظَاهِرِ مَذْهَبِهِ وَغَيْره يَقُولُ: بَل عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ وَنَحْوِهَا .. ؛ لِأنَّهُ عَاصٍ بِفِطْرِهِ أَوَّلًا فَصَارَ عَاصِيًا مَرَّتَيْنِ فَكَانَت الْكَفَّارَةُ عَلَيْهِ أَوْكَدَ، وَلِأَنَّهُ لَو لَمْ تَجِب الْكَفَّارَةُ عَلَى مِثْل هَذَا لَصَارَ ذَرِيعَةً إلَى أَلَّا يُكَفِّرَ أَحَدٌ، فَأَنَّهُ لَا يَشَاء أَحَدٌ أَنْ يُجَامِعَ فِي رَمَضَانَ إلَّا أَمْكَنَهُ أَنْ يَأْكُلَ ثُمَّ يُجَامِعَ. فَإِنَّهُ قَد اسْتَقَرَّ فِي الْعُقُولِ وَالأدْيَانِ أَنَّهُ كُلَّمَا عَظُمَ الذَّنْبُ كَانَت الْعُقُوبَةُ أَبْلَغَ. ثُمَّ الْمُجَامِعُ كَثِيرًا مَا يُفْطِرُ قَبْلَ الْإِيلَاجِ فَتَسْقُطُ الْكَفَّارَةُ عَنْهُ بِذَلِكَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ، وَهَذَا ظَاهِرُ الْبُطْلَانِ (١). [٢٥/ ٢٦٠ - ٢٦٣] ٣٠٩٣ - من طلع عليه الفجر وهو مجامع: فالواجب عليه النزع عينًا، ويحرم عليه استدامة الجماع واللبث. وإنما اختلف في وجوب القضاء والكفارة عليه على ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره: أحدها: عليه القضاء والكفارة. والثاني: لا شيء عليه، وهذا اختيار شيخنا. [المستدرك ٣/ ١٧٣] ٣٠٩٤ - من جامع جاهلًا بالرفث فلا قضاء عليه وهو إحدى الروايتين عن أحمد. [المستدرك ٣/ ١٧٣] ٣٠٩٥ - إذا أكره الرجل زوجته على الجماع في رمضان يحمل عنها ما يجب عليها، وهل تجب كفارة الجماع في رمضان لإفساد الصوم الصحيح، أو لحرمة الزمان؟ فيه قولان: الصواب الثاني. [المستدرك ٣/ ١٧٣] ٣٠٩٦ - نقل طائفة عن طائفة من السلف: أن الغيبة والنميمة ونحوهما تفطر الصائم وذكر وجهًا في مذهب أحمد.

стр. 2217

وتحقيق الأمر في ذلك: أن الله تعالى أمر بالصيام لأجل التقوى، وقد قال ﷺ : "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه" (١) فإذا لم تحصل له التقوى لم يحصل له مقصود الصوم فينقص من أجر الصوم بحسب ذلك. والأعمال الصالحة لها مقصودان: حصول الثواب، واندفاع العقاب. فإذا فعلها مع المنهيات من الغيبة والنميمة وأكل الحرام وغيره فاته الثواب. فقول الأئمة: لا يفطر؛ أي: لا يعاقب عقاب المعلن بالفطر. ومن قال: إنه يفطر بمعنى أنه لم يحصل له مقصود الصوم أو قد يذهب بأجر الصوم فقوله موافق لقول الأئمة. ومن قال: إنه يفطر بمعنى أنه يعاقب على الترك فهو مخالف لأقوالهم. [المستدرك ٣/ ١٧٣ - ١٧٤] * * * (باب ما يكره ويستحب وحكم القضاء) ٣٠٩٧ - إذا ذاق طعامًا ولفظه أو وضع في فيه عسلًا ومجَّه فلا بأس به للحاجة؛ كالمضمضة والاستنشاق. [المستدرك ٣/ ١٧٤] ٣٠٩٨ - شم الروائح الطيبة لا بأس به للصائم. [المستدرك ٣/ ١٧٤] ٣٠٩٩ - ذَوْقُ الطَّعَامِ يُكْرَهُ لِغَيْرِ حَاجَةٍ لَكِنْ لَا يُفَطِّرُهُ. [٢٥/ ٢٦٦] ٣١٠٠ - إذا شُتِم الصائم استحب له أن يجهر بقوله: "إني صائم" (٢)، وسواء كان الصوم فرضًا أو نفلًا، وهو أحد الوجوه في مذهب أحمد. [المستدرك ٣/ ١٧٤]

стр. 2218

٣١٠١ - إن تبرع إنسان بالصوم عمن لم يطقه لكبر ونحوه، أو عن ميت وهما معسران: توجه جوازه؛ لأنه أقرب إلى المماثلة من المال، وحكى القاضي في صوم النذر في حياة الناذر نحو ذلك. [المستدرك ٣/ ١٧٤ - ١٧٥] ٣١٠٢ - من مات وعليه صوم نذر أجزأ الصوم عنه بلا كفارة. [المستدرك ٣/ ١٧٥] ٣١٠٣ - جَمْعُ النَّاسِ لِلطَّعَامِ فِي الْعِيدَيْنِ وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ: سُنَّةٌ، وَهُوَ مِن شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ الَّتِي سَنَّهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ لِلْمُسْلِمِينَ، وَإِعَانَة الْفُقَرَاءِ بِالْإِطْعَامِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ هُوَ مِن سُنَنِ الْإِسْلَامِ. [٢٥/ ٢٩٨] ٣١٠٤ - إذا شرعت المرأة في قضاء رمضان وجب عليها إتمامه، ولم يكن لزوجها تفطيرها، وإن أمرها أن تؤخر القضاء قبل الشروع فيه كان حسنًا؛ لحديث عائشة. [المستدرك ٣/ ١٧٥] ٣١٠٥ - عند شيخنا: لا يقضي متعمد بلا عذر صومًا ولا صلاة، قال: ولا يصح منه، وأنه ليس في الأدلة ما يخالف هذا بل يوافقه، وضعف أمره ﵇ المجامع بالقضاء لعدول البخاري ومسلم عنه. [المستدرك ٣/ ١٦٩] ٣١٠٦ - إنْ كَانَت الْحَامِلُ تَخَافُ عَلَى جَنِينِهَا فَإِنَّهَا تُفْطِرُ وَتَقْضِي عَن كُلِّ يَوْمٍ يَوْمًا وَتُطْعِمُ عَن كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا. [٢٥/ ٢١٨] * * * (باب صوم التطوع) ٣١٠٧ - إذا نوى صيام التطوع بعد الزوال ففي ثوابه روايتان عن أحمد. والأظهر الثواب. [المستدرك ٣/ ١٧٢] ٣١٠٨ - يستحب صيام ثلاثة أيام من كل شهر للأخبار الصحيحة وفي بعضها "هو كصوم الدهر" (١)، والمراد بذلك: أن من فعل هذا حصل له أجر صيام الدهر من غير حصول مفسدة.

стр. 2219

وصوم الدهر: الصواب قول من جعله تركًا للأولى أو كرهه، فعلى الأول صوم وفطر يوم أفضل منه خلافًا لطائفة من الْعُبَّادِ، ذكره شيخنا. [المستدرك ٣/ ١٧٥] ٣١٠٩ - سئل ﷺ : أي الصيام أفضل؟ فقال: "شهر الله الذي تدعونه المحرم" (١). قال شيخنا: ويحتمل أن يريد بشهر الله المحرم أول العام، وأن يريد به الأشهر الحرم. ولا يكره إفراد العاشر (٢) بالصوم، وقد أمر أحمد بصومهما، ووافق شيخنا المذهب أنه لا يكره، وقال: مقتضى كلام أحمد يكره، وهو قول ابن عباس، وعن أحمد: وجب ثم نسخ، اختاره شيخنا. [المستدرك ٣/ ١٧٥ - ١٧٦] ٣١١٠ - تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِي سَرْدِ الصَّوْمِ: إذَا أَفْطَرَ يَوْمَيِ الْعِيدَيْنِ وَأيَّامَ مِنًى: فَاسْتَحَبَّ ذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْعُبَّادِ فَرَأَوْهُ أفْضَلَ مِن صَوْمِ يَوْمٍ وَفِطْرِ يَوْمٍ. وَطَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يَرَوْهُ أفْضَلَ؛ بَل جَعَلُوهُ سَائِغًا بِلَا كَرَاهَةٍ. وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: -وَهُوَ الصَّوَابُ- قَوْلُ مَن جَعَلَ ذَلِكَ تَرْكًا لِلْأَوْلَى أو كَرِهَ ذَلِكَ؛ فَإِنَ الْأحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ عَن النَّبِيِّ ﷺ كَنَهْيِهِ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرو عَن ذَلِكَ وَقَوْلِهِ: "مَن صَامَ الدَّهْرَ فَلَا صَامَ وَلَا أَفْطَرَ" (٣) وَغَيرَهَا صَرِيحَةٌ فِي أنَّ هَذَا لَيسَ بِمَشْرُوعِ. وَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ يَكُونَ اسْتِغْرَاقُ الزَّمَانِ بِالصَّوْمِ عِبَادَةً، لَوْلَا مَا فِي ذَلِكَ مِن الْمُعَارِضِ الرَّاجِحِ، وَقَد بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ الرَّاجِحَ وَهُوَ إضَاعَة مَا هُوَ أوْلَى مِن

стр. 2220

الصَّوْمِ، وَحُصُولُ الْمَفْسَدَةِ رَاجِحَةٌ، فَيَكُونُ قَد فَوَّتَ مَصْلَحَةً رَاجِحَةً وَاجِبَةً أَو مُسْتَحَبَّةً، مَعَ حُصُولِ مَفْسَدَةٍ رَاجِحَةٍ عَلَى مَصْلَحَةِ الصَّوْمِ. فَأَمَّا سَرْدُ الصَّوْمِ بَعْضَ الْعَامِ فَهَذَا قَد كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَفْعَلُهُ، قَد كَانَ يَصُومُ حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ لَا يُفْطِرُ، ويُفْطِرُ حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ لَا يَصُومُ. وَكَذَلِكَ قِيَامُ بَعْضِ اللَّيَالِي جَمِيعِهَا؛ كَالْعَشْرِ الْأَخِيرِ مِن رَمَضَانَ، أَو قِيَامِ غَيْرِهَا أَحْيَانًا، فَهَذَا مِمَّا جَاءَت بِهِ السُّنَنُ، وَقَد كَانَ الصَّحَابَةُ يَفْعَلُونَهُ. [٢٢/ ٣٠١ - ٣٠٤] ٣١١١ - يكره موسم خاص: كالرغائب، وليلة النصف من شعبان، وهو بدعة. [المستدرك ٣/ ١٧٦] ٣١١٢ - ما يروى في الكحل يوم عاشوراء أو الخضاب، أو الاغتسال، أو المصافحة أو مسح رأس اليتيم أو أكل الحبوب، أو الذبح، أو نحو ذلك: لا يستحب منه شيء عندأئمة الدين؛ بل ينهى عنه. وما يفعله الرافضة في يوم عاشوراء، من النياحة والندب والمأتم وسب الصحابة ﵃ هو أيضًا من أعظم البدع والمنكرات، وكل بدعة ضلالة: هذا وهذا، وإن كان بعض الباع والمنكرات أغلظ من بعض. [المستدرك ٣/ ١٧٦] ٣١١٣ - إن غُمَّ هلال ذي الحجة أو شهد برؤيته من لا تقبل شهادته إما لانفراده بالرؤية أو لكونه ممن لا يجوز قبول قوله ونحو ذلك واستمر الحال على إكمال ذي القعدة فصوم يوم التاسع الذي هو يوم عرفة من هذا الشهر المشكوك فيه جائز بلا نزاع. وأما من شهد بهلال ذي الحجة من يثبت الشهر به لكن لم يقبله الحاكم، إما لعذر ظاهر، وإما لتقصير في أمره: فقال أبو العباس: هذه الصورة تخرج على الخلاف المشهور في مسألة المنفرد بهلال شوال: هل يفطر عملًا برؤيته، أم لا يفطر إلا مع الناس؟ في ذلك قولان مشهوران، فعلى قول من يقول:

стр. 2221

لا يفطر المنفرد برؤية هلال شوال بل يصوم ولا يفطر إلا مع الناس فإنه يقول: لا يستحب صوم يوم عرفة للشاهد الذي لم تقبل شهادته بهلال ذي الحجة، ومن قال في الشاهد بهلال شوال يفطر سرًّا قال هنا إنه يفطر ولا يصوم لأنه يوم عيد في حقه، ولكن لا يضحي ولا يقف بعرفة بذلك. [المستدرك ٣/ ١٧٦ - ١٧٧] ٣١١٤ - ثَبَتَ فِي "صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ" (١) عَن أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ: أَفْطَرْنَا يَؤمًا مِن رَمَضَانَ فِي غَيْمٍ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ثُمَّ طَلَعَت الشَّمْس. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى شَيْئَيْنِ: أ- عَلَى أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ مَعَ الْغَيْمِ التَّأْخِيرُ إلَى أنْ يَتَيَقَّنَ الْغُرُوبَ؛ فَإِنَّهُم لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ، وَلَمْ يَأْمُرْهُم بِهِ النَّبِيُّ ﷺ ، وَالصَّحَابَةُ مَعَ نَبِيِّهِمْ أَعْلَمُ وَأَطْوَعُ للهِ وَلرَسُولِهِ مِمَن جَاءَ بَعْدَهُمْ. ب- لَا يَجِبُ الْقَضَاءُ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَو أَمَرَهُم بِالْقَضَاءِ لَشَاعَ ذَلِكَ كَمَا نُقِلَ فِطْرُهُمْ، فَلَمَّا لَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ دَلَّ عَلَى إنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهُم بِهِ. [٢٥/ ٢٣١] ٣١١٥ - قال ابن القيم ﵀: وقد ذُكر لفطره بعرفة عدة حكم، منها: أنه أقوى على الدعاء. ومنها: أن الفطر في السفر أفضل في فرض الصوم فكيف بنفله. ومنها: أن ذلك اليوم كان يوم جمعة وقد نهى عن إفراده بالصوم فأحب أن يرى الناس فطره فيه تأكيدًا لنهيه عن تخصيصه بالصوم وإن كان صومه لكونه يوم عرفة لا يوم جمعة. وكان شيخنا ﵁ يسلك مسلكًا آخر، وهو أنه يوم عيد لأهل عرفة لاجتماعهم فيه كاجتماع الناس يوم العيد، وهذا الاجتماع يختص بمن بعرفة

стр. 2222

دون أهل الآفاق، قال وقد أشار النبي ﷺ إلى هذا في الحديث الذي رواه أهل السنن: "يوم عرفة ويوم النحر وأيام منى عيدنا أهل الإسلام" (١)، ومعلوم أن كونه عيدًا هو لأهل ذلك المجمع لاجتماعهم فيه. [المستدرك ٣/ ١٧٧] ٣١١٦ - من صام رجب معتقدًا أنه أفضل من غيره من الأشهر أثم وعزر، وعليه يحمل فعل عمر. [المستدرك ٣/ ١٧٧] ٣١١٧ - إفراد رجب بالصوم مكروه، نص على ذلك الأئمة كالشافعي وأحمد وغيرهما، وسائر الأحاديث التي وردت في فضل الصوم فيه موضوعة، لكن لو صام أكثره فلا بأس. فلو نذر صومه قصدًا فهو مثل من نذر صوم يوم الجمعة وغيره من العبادات المكروهة، والواجب أن يصوم شهرًا آخر، وهل عليه كفارة يمين؟ على قولين لنا ولغيرنا، وإنما يلزم الوفاء بما كان طاعة بدون النذر، والنذر في نفسه ليس بطاعة، ولكن يجعل الطاعة واجبة، والصلاة في وقت النهي منهي عنها فلا تصير بالنذر طاعة واجبة. [المستدرك ٣/ ١٧٨] ٣١١٨ - لا يكره إفراد يوم السبت بالصوم. قال الأثرم: وحجة أبي عبد الله في الرخصة في صوم يوم السبت: أن الأحاديث كلها مخالفة لحديث عبد الله بن بشر، منها حديث أم سلمة يعني أن النبي ﷺ كان يصوم السبت والأحد، ويقول: "هما عيدان للمشركين فأنا أحب أن أخالفهما" (٢) رواه أحمد والنسائي وإسناده جيد، واختار شيخنا أنه لا يكره وأنه قول أكثر العلماء، وأنه الذي فهمه الأثرم من روايته، وأنه لو أريد إفراده لما دخل الصوم المفروض ليستثنى فالحديث شاذ أو منسوخ. [المستدرك ٣/ ١٧٨]

стр. 2223

٣١١٩ - لا يجوز تخصيص صوم أعياد المشركين، ولا صومِ يوم الجمعة ولا قيامِ ليلتها. [المستدرك ٣/ ١٧٩] ٣١٢٠ - ليلة القدر أفضل الليالي. [المستدرك ٣/ ١٧٩] ٣١٢١ - لَيْلَةُ الْقَدْرِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِن شَهْرِ رَمَضَانَ. وَتَكُونُ فِي الْوِتْرِ مِنْهَا، لَكِنَّ الْوِتْرَ يَكونُ بِاعْتِبَارِ الْمَاضِي، فَتُطْلَبُ لَيْلَةَ إحْدَى وَعِشْرِينَ، وَلَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ، وَلَيْلَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ، وَلَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، وَلَيْلَةَ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ. ويكُونُ بِاعْتِبَارِ مَا بَقِيَ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لِتَاسِعَةٍ تَبْقَى، لِسَابِعَةٍ تَبْقَى، لِخَامِسَةٍ تبْقَى، لِثَالِثَةٍ تبْقَى" (١). فَعَلَى هَذَا: إذَا كَانَ الشَّهْرُ ثَلَاثِينَ يَكُونُ ذَلِكَ لَيَالِيَ الْأشْفَاعِ، وَتَكُونُ الِاثْنَيْنِ وَالْعِشْرِينَ تَاسِعَةً تَبْقَى، وَلَيْلَةُ أرْبَعٍ وَعِشْرِينَ سَابِعَةً تَبْقَى، وَهَكَذَا فَسَّرَهُ أَبُو سَعِيدٍ الخدري فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ. وَإِن كَانَ الشَّهْرُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ كَانَ التَّارِيخُ بِالْبَاقِي كَالتَّارِيخِ الْمَاضِي. وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ هَكَذَا فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَحَرَّاهَا الْمُؤْمِنُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ جَمِيعِهِ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "تَحَرَّوْهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ"، وَتَكون فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ أَكْثَرَ، وَأَكْثَرُ مَا تَكُونُ لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ. [٢٥/ ٢٨٤ - ٢٨٥] ٣١٢٢ - إنَّ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ أَفْضَلُ فِي حَقِّ النَّبِيِّ ﷺ ، وَلَيْلَةَ الْقَدْرِ أَفْضَلُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأُمَّةِ. [٢٥/ ٢٨٦] ٣١٢٣ - أَيَّامُ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ أَفْضَلُ مِن أَيَّامِ الْعَشْرِ مِن رَمَضَانَ، وَاللَّيَالِي الْعَشْر الْأَوَاخِر مِن رَمَضَانَ أَفْضَلُ مِن لَيَالِي عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ. [٢٥/ ٢٨٧] ٣١٢٤ - الأوتار هي باعتبار ما مضى، أو باعتبار ما بقي؟ فليلة إحدى

стр. 2224

وعشرين وثلاثة، وخمسة وسبعة وتسعة باعتبار ما مضى، وباعتبار ما بقي لتسع بقين وسبع بقين ونحو ذلك فإذا كان الشهر ناقصًا فقيل لتسع كانت ليلة إحدى وعشرين فيكون وتر المستقبل والماضي، وإن كان الشهر كاملًا كانت الأوتار هي الأشفاع باعتبار الماضي كما فسره أبو سعيد ﵁ وغيره. ولهذا كانت ليلة القدر كثيرًا ما تكون لسبع مضين، ولسبع بقين؛ فتكون ليلة أربع وعشرين، وهي التي روي أن القرآن نزل فيها. فالتحقيق أنها تكون في العشر الأواخر في الأوتار، لكن بالاعتبارين. فأما ليلة سبع عشرة من رمضان فلا ريب أنها ليلة بدر يومها هو: ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ [الأنفال: ٤١]، ولم يجئ حديث يعتمد عليه أنها ليلة القدر. والصحيح أنها في العشر الأواخر تنتقل، فروى البخاري (١): "ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان". ٣١٢٥ - إِذَا كَانَ اللهُ تَعَالَى قَد أَمَرَ بِالصَّبْرِ وَالِاحْتِسَابِ عِنْدَ حَدَثَانِ الْعَهْدِ بِالْمُصِيبَةِ، فَكَيْفَ مَعَ طُولِ الزَّمَانِ، فَكَانَ مَا زَيَّنَهُ الشَّيْطَانُ لِأَهْلِ الضَّلَالِ وَالْغَيِّ مِن اتِّخَاذِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ مَأْتَمًا، وَمَا يَصْنَعُونَ فِيهِ مِن النَّدْبِ وَالنَّيَاحَةِ وَإنْشَادِ قَصَائِدِ الْحُزْنِ، وَرِوَايَةِ الْأخْبَارِ الَّتِي فِيهَا كَذِبٌ كَثِيرٌ، وَالصِّدْقُ فِيهَا. لَيْسَ فِيهِ إلا تَجْدِيدُ الْحُزْنِ وَالتَّعَصُّبُ وَإِثَارَةُ الشَّحْنَاءِ وَالْحَرْبِ، وَإِلْقَاءُ الْفِتَنِ بَيْنَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، وَالتَّوَسُّلُ بِذَلِكَ إلَى سَبِّ السَّابِقِينَ الْأَوَّلينَ، وَكَثْرَةِ الْكَذِبِ وَالْفِتَنِ فِي الدَّنْيَا. وَلَمْ يَعْرِفْ طَوَائِفُ الْإِسْلَامِ أَكْثَرَ كَذِبًا وَفِتَنًا وَمُعَاوَنَةً لِلْكُفَّارِ عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ مِن هَذِهِ الطَّائِفَة الضَّالَّةِ الْغَاوِيةِ، فَإِنَّهُم شَرٌّ مِن الْخَوَارجِ الْمَارِقِينَ.

стр. 2225

وَأُولَئِكَ قَالَ فِيهِم النَّبِيُّ ﷺ : "يَقْتُلُونَ أَهْلَ الإِسْلَامِ وَيدَعُونَ أَهْلَ الْأَوْثَانِ" (١)، وَهَؤُلَاءِ يُعَاوِنُونَ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى وَالْمُشْرِكِينَ عَلَى أَهْلِ بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ وَأُمَّتِهِ الْمُؤْمِنِينَ، كَمَا أَعَانُوا الْمُشْرِكِينَ مِن التُّرْكِ وَالتَّتَارِ عَلَى مَا فَعَلُوهُ بِبَغْدَادَ وَغَيْرِهَا بِأَهْلِ بَيْتِ النُّبُوَّةِ وَمَعْدِنِ الرِّسَالَةِ وَلَدِ الْعَبَّاسِ وَغَيْرِهِمْ مِن أَهْلِ الْبَيْتِ وَالْمُؤْمِنِينَ مِنَ الْقَتْلِ وَالسَّبْيِ وَخَرَابِ الدِّيَارِ. وَشَرُّ هَؤُلَاءِ وَضَرَرُهُم عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ لَا يُحْصِيهِ الرَّجُلُ الْفَصِيحُ فِي الْكَلَامِ. فَعَارَضَ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ إمَّا مِنَ النَّوَاصِبِ الْمُتَعَصِّبِينَ عَلَى الْحُسَيْنِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ، وَإِمَّا مِنَ الْجُهَّالِ الَّذِينَ قَابَلُوا الْفَاسِدَ بِالْفَاسِدِ، وَالْكَذِبَ بِالْكَذِبِ، وَالشَّرَّ بِالشَّرِّ، وَالْبِدْعَةَ بِالْبِدْعَةِ، فَوَضَعُوا الْآثَارَ فِي شَعَائِرِ الْفَرَحِ وَالسُّرُورِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ كَالِاكْتِحَالِ وَالِاخْتِضَابِ وَتَوْسِيعِ النَّفَقَاتِ عَلَى الْعِيَالِ وَطَبْخِ الْأَطْعِمَةِ الْخَارِجَةِ عَنِ الْعَادَةِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يُفْعَلُ فِي الْأَعْيَادِ وَالْمَوَاسِمِ، فَصَارَ هَؤُلَاءِ يَتَّخِذونَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ مَوْسِمًا كَمَوَاسِمِ الْأَعْيَادِ وَالْأَفْرَاحِ، وَأُولَئِكَ يَتَّخِذُونَهُ مَأْتَمًا يُقِيمُونَ فِيهِ الْأَحْزَانَ وَالْأَتْرَاحَ، وَكِلَا الطَّائِفَتَيْنِ مُخْطِئَةٌ خَارِجَةٌ عَن السُّنَّةِ، وَإِن كَانَ أُولَئِكَ أَسْوَأَ قَصْدًا وَأَعْظَمَ جَهْلًا وَأَظْهَرَ ظُلْمًا، لَكِنَّ اللهَ أَمَرَ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ. وَلَمْ يَسُنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَلَا خُلَفَاؤُهُ الرَّاشِدُونَ فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ شَيْئًا مِن هَذِهِ الْأُمُورِ، لَا شَعَائِرِ الْحُزْنِ وَالتَّرَحِ، وَلَا شَعَائِرِ السُّرُورِ وَالْفَرَحِ. [٢٥/ ٣٠٨ - ٣١٠] * * * (باب الاعتكاف وأحكام المساجد) ٣١٢٦ - من نذر الاعتكاف في مسجد غير المساجد الثلاثة تعين ما امتاز على غيره بمزية شرعية؛ كقدم، وكثرة جمع. [المستدرك ٣/ ١٨٠]

стр. 2226

٣١٢٧ - "اعتكف ﷺ العشر" (١) يدخل فيه الليل. [المستدرك ٣/ ١٨١] ٣١٢٨ - لم ير أبو العباس لمن قصد المسجد للصلاة، أو غيرها أن ينوي الاعتكاف مدة لبثه. [المستدرك ٣/ ١٨١] ٣١٢٩ - كُلُّ مَن صَامَ صَوْمًا مَشْرُوعًا وَأَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ مِن صِيَامِهِ: كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا بِلَا ريبٍ. [٢٥/ ٢٩١ - ٢٩٢] ٣١٣٠ - حكى الشيخ تقي الدين ﵀ عن الجمهور استحباب المجاورة بمكة، قال: قالوا: ولأن المجاورة بها من تحصيل العبادات وتضعيفها ما لا يكون في بلد آخر، ولأن الصلاة فيها تتضاعف هي وغيرها من الأعمال. [المستدرك ٣/ ١٨١] * * * (أحكام المساجد) ٣١٣١ - ينشأ مسجد إلى جنب آخر إذا كان محتاجًا إليه، ولم يقصد الضرر؛ فإن قصد الضرر أو لا حاجة، فلا ينشأ، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، ويجب هدمه، وقاله أبو العباس فيما بُني بجوار جامع بني أمية. [المستدرك ٣/ ١٨١] ٣١٣٢ - ليس له البول في المسجد ولو في وعاء، وقال في موضع آخر في البول حول البركة في المسجد: هذا يشبه البول في قارورة في المسجد، ومنهم من نهى عنه، ومنهم من رخص فيه للحاجة، فأما اتخاذه مبالًا فلا. [المستدرك ٣/ ١٨١] ٣١٣٣ - النهي عن قربان المسجد لمن أكل الثوم ونحوه عام في كل مسجد عند عامة العلماء. [المستدرك ٣/ ١٨١]

стр. 2227

٣١٣٤ - المعاصي في الأيام المعظمة والأمكنة المعظمة تغلظ معصيتها وعقابها بقدر فضيلة الزمان والمكان. [المستدرك ٣/ ١٨٢] ٣١٣٥ - منع شيخنا اتخاذه طريقًا، قال: والاتخاذ والاستئجار كبيع وشراء وقعود صانع وفاعل فيه لمن يكتريه كبضاعة لمشتر: لا يجوز. [المستدرك ٣/ ١٨٢] ٣١٣٦ - يجوز تعليم القرآن في المسجد إذا لم يكن فيه ضرر على المسجد وأهله؛ بل يستحب (١). [المستدرك ٣/ ١٨٢] ٣١٣٧ - السُّنَّة في المسجد: أن من سبق إلى بقعة لعمل جائز فهو أحق به حتى يقوم منه، لكن المصلون أحق بالسواري. [المستدرك ٣/ ١٨٢] ٣١٣٨ - يجوز نصب خيمة وسترة لمن يعتكف، وكذلك لو أقام الرجل مدة إقامة مشروعة، كما أذن ﷺ لوفد ثقيف أن ينزلوا بالمسجد ليكون أرق لقلوبهم، وأقرب لدخول الإيمان فيها، وكما مرَّض سعدًا فيه ليكون أسهل لعيادته، وكالمرأة التي كانت تقم المسجد كان لها خص فيه. [المستدرك ٣/ ١٨٢] * * *

стр. 2228

كتاب الحج ٣١٣٩ - الْحَجُّ مَبْنَاهُ عَلَى الذُّلِّ وَالْخُضُوعِ للهِ، وَلهَذَا خُصَّ بِاسْمِ النُّسُكِ، و"النُّسُكُ" فِي اللُّغَةِ الْعِبَادَة. [١٧/ ٤٨٣] ٣١٤٠ - البيت زاده الله تشريفًا وتعظيمًا ومهابة وبرًّا له الشرف من وجوه كثيرة: أ- منها: نفس البقعة شرفها الله على غيرها، كما شرف في بقية الأنواع بعضَ أشخاصها، وكما خص بعض الناس بنوع من الفضل. ب- ومنها: أن الله بوأه لخليله إبراهيم خير البرية، فليس بعد محمد ﷺ أفضل من إبراهيم الذي بناه ودعا الناس إليه. ت- ومنها: أنه جُعل على الناس حج البيت، حتى حجه الأنبياء كموسى ويونس وغيرهما. ج- وفيه آيات كثيرة: مثل مقام إبراهيم، ومثل الأمان الذي جعله للناس والطير والوحش. ومثل إهلاك الجبابرة الذين قصدوا انتهاكه، إلى غير ذلك من العلامات والدلالات على حرمته وعظمته. د- ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] فلا يُقتل الجاني فيه عند أحمد وأبي حنيفة، وكان الكفار يعظمونه حتى ليلقى الرجل قاتل أبيه فلا يقتله. والإسلام زاده حرمة. [المستدرك ٣/ ١٨٢]

стр. 2229

٣١٤١ - النَّظَرُ إلَى الْبَيْتِ عِبَادَةٌ (١). [٢٦/ ٢١٣] ٣١٤٢ - دُخُولُ الْكَعْبَةِ لَيْسَ بِفَرْضٍ وَلَا سُنَّةٍ مُؤَكَّدَةٍ بَل دُخُولُهَا حَسَنٌ. [٢٦/ ١٤٤] ٣١٤٣ - مَن أَخَلَّ بِرُكْنِ الْحَجِّ أَو فَعَل [ما يُفسِده] (٢) فَحَجُّهُ فَاسِدٌ لَا يَسْقُطُ بِهِ فَرْضٌ؛ بَل عَلَيْهِ إعَادَتُهُ، مَعَ أَنَّهُ قَد يُتَنَازَعُ في إثَابَتِهِ عَلَى مَا فَعَلَهُ وَإِن لَمْ يَسْقُطْ بِهِ الْفَرْضُ، وَالْأَشْبَة أَنَّهُ يُثَابُ عَلَيْهِ. [١٢/ ٤٧٣] ٣١٤٤ - الْعُمْرَةُ فِي وُجُوبِهَا قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ هُمَا قَوْلَانِ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد، وَالْمَشْهُورُ عَنْهُمَا وُجُوبُهَا، وَالْقَوْلُ الْآخَرُ لَا تَجِبُ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ، وَهَذَا الْقَوْلُ أَرْجَحُ؛ فَإِنَّ اللهَ إنَّمَا أَوْجَبَ الْحَجَّ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧]، لَمْ يُوجِبْ الْعُمْرَةَ وَإِنَّمَا أَوْجَبَ إتْمَامَهُمَا؛ فَأَوْجَبَ إتْمَامَهُمَا لِمَن شَرَعَ فِيهِمَا، وَفِي الِابْتِدَاءِ إنَّمَا أَوْجَبَ الْحَجَّ، وَهَكذَا سَائِرُ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ لَيْسَ فِيهَا إلَّا إيجَابُ الْحَجِّ (٣). [٢٦/ ٥، ١٩٧]

стр. 2230

٣١٤٥ - طَوَافُ الْوَدَاعِ لَيْسَ بِرُكْن بَل هُوَ وَاجِبٌ، وَلَيْسَ هُوَ مِن تَمَامِ الْحَجِّ، وَلَكِنْ كُلُّ مَن خَرَجَ مِن مَكَّةَ عَلَيْهِ أَنْ يُوَدع، وَلهَذَا مَن أقَامَ بِمَكَّةَ لَا يُوَدِّعُ عَلَى الصَّحِيحِ فَوُجُوبُهُ لِيَكُونَ آخِرُ عَهْدِ الْخَارجِ بِالْبَيْتِ كَمَا وَجَبَ الدُّخُولُ بِالْإِحْرَامِ فِي أَحَدِ قَوْلَي الْعُلَمَاءِ لِسَبَب عَارِضٍ، لَا كَوْنِ ذَلِكَ وَاجِبًا بِالْإِسْلَامِ كَوُجُوبِ الْحَجِّ. وَلِأَنَّ الصَّحَابَةَ الْمُقِيمِينَ بِمَكَّةَ لَمْ يَكُونُوا يَعْتَمِرُونَ بِمَكَّةَ، لَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا عَلَى عَهْدِ خُلَفَائِهِ؛ بَل لَمْ يَعْتَمِرْ أَحَدٌ عُمْرَةً بِمَكَّةَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ إلَّا عَائِشَةَ وَحْدَهَا لِسَبَبٍ عَارِضٍ. [٢٦/ ٤] ٣١٤٦ - لَمْ يَعْتَمِرْ أَحَدٌ مِن الصَّحَابَةِ عَلَى عَهْدِ النَبِيِّ ﷺ لَا قَبْلَ الْفتْحِ وَلَا بَعْدَهُ عُمْرَةً مِن مَكَّةَ إلَّا عَائِشَةُ؛ فَهَذَا كُلُّهُ مِمَّا تَوَاتَرَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ. وَلَمْ يُسَافِرْ فِي رَمَضَانَ إلَى مَكَّةَ إلَّا غَزْوَةَ الْفَتْحِ. [٢٤/ ١٤٨ - ١٥٠] ٣١٤٧ - أَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ أَنَّ فَرْضَ الْحَجِّ كَانَ مُتَأَخرًا، وَمَن قَالَ: إنَّهُ فُرِضَ سَنَةَ سِتٍّ فَإِنَّهُ احْتَجَّ بآيَةِ الْإِتْمَامِ وَهُوَ غَلَطٌ، فَإِنَّ الْآيَةَ إنَّمَا أَمَرَ فِيهَا بِإِتْمَامِهِمَا لِمَن شَرَعَ فِيهِمَا، لَمْ يَأْمُرْ فِيهَا بِابْتِدَاءِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ. [٢٦/ ٧] ٣١٤٨ - اتَّفَقَ الْأَئِمَّةُ عَلَى أَنَّ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ يَلْزَمَانِ بِالْمَشْرُوعِ فَيَجِبُ إتْمَامُهُمَا، وَتَنَازَعُوا فِي الصِّيَامِ وَالصَّلَاةِ وَالِاعْتِكَافِ. [٢٦/ ٨] ٣١٤٩ - وَسُئِلَ ﵀ (١): مَاذَا يَقُولُ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي رَجُلٍ … آتاهُ ذُو الْعَرْشِ مَالًا حَجَّ وَاعْتَمَرَا فَهَزَّهُ الشَّوْقُ نَحْو الْمُصْطَفَى طَرَبًا … أَتَرَوْنَ الْحَجَّ أَفْضَلَ أَمْ إيثَارَهُ الفُقرا

стр. 2231

أَمْ حَجَّةً عَن أَبِيهِ ذَاكَ أَفْضَلُ أَمْ … مَاذَا الَّذِي يَا سَادَتِي ظَهَرَا فَأَفْتُوا مُحِبًّا لَكُمْ فديتكمو … وَذِكْرُكُمْ دَأَبَهُ إنْ غَابَ أَو حَضَرَا فَأَجَابَ ﵁: نَقولُ فِيهِ بِأَنَّ الْحَجَّ أَفْضَلُ مِن … فِعْل التَّصَدُّقِ وَالْإِعْطَاءِ للفقرا وَالْحَجُّ عَن وَالِدَيْهِ فِيهِ بِرُّهُمَا … وَالْأُمُّ أَسْبَقُ فِي الْبِرِّ الَّذِي ذَكَرَا لَكِنْ إذَا الْفَرْضُ خَصَّ الْأَبَ كَانَ إذًا … هُوَ الْمُقَدَّمَ فِيمَا يَمْنَعُ الضَّرَرَا كَمَا إذَا كَانَ مُحْتَاجًا إلَى صِلَةٍ … وَأُمُّهُ قَد كَفَاهَا مَن بَرَا الْبَشَرَا هَذَا جَوَابُك يَا هَذَا مُوَازَنَةً … وَلَيْسَ مُفْتِيك مَعْدُودًا مِن الشُّعرا [٢٦/ ١٠ - ١١] ٣١٥٠ - وَسُئِلَ: هَل يَجُوزُ أَنْ تَحُجَّ الْمَرْأَةُ بِلَا مَحْرَمٍ؟ فَأَجَابَ: إنْ كَانَت مِن الْقَوَاعِدِ اللَّاتِي لَمْ يَحِضْنَ وَقَد يَئِسَتْ مِن النِّكَاحِ وَلَا مَحْرَمَ لَهَا فَإِنَّهُ يَجُوزُ فِي أَحَدِ قَوْلَيِ الْعُلَمَاءِ أَنْ تَحُجَّ مَعَ مَن تَأْمَنُهُ، وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن أَحْمَد وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ. [٢٦/ ١٣] ٣١٥١ - فَصْلٌ: في الْحَجِّ عَن الْمَيِّتِ أَو الْمَعْضُوبِ (١) بِمَال يَأْخُذُهُ: أ- إمَّا نَفَقَةً فَإِنَّهُ جَائِزٌ بِالِاتِّفَاقِ. ب- أَو بِالْإِجَارَةِ أَو بِالْجَعَالَةِ عَلَى نِزَاعٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ. وَالْمَنْصُوصُ عَن أَحْمَد أنَّه قَالَ: لَا أَعْرِفُ فِي السَّلَفِ مَن كَانَ يَعْمَلُ هَذَا وَعَدَّهُ بِدْعَةً وَكَرِهَهُ. وَلَمْ يَكْرَهْ إلَّا الْإِجَارَةَ وَالْجَعَالَةَ. قُلْت: حَقِيقَةُ الْأَمْرِ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْحَاجَّ يسْتَحَبُّ لَهُ ذَلِكَ إذَا كَانَ مَقْصُودُهُ أَحَدَ شَيْئَيْنِ:

стр. 2232

أ- الْإِحْسَانَ إلَى الْمَحْجُوجِ عَنْهُ. ب- أَو نَفْسَ الْحَجِّ لِنَفْسِهِ. وَذَلِكَ أَنَّ الْحَجَّ عَن الْمَيِّتِ إنْ كَانَ فَرضًا فَذِمَّتُهُ مُتَعَلِّقَةٌ بِهِ، فَالْحَجُّ عَنْهُ إحْسَانٌ إلَيْهِ بِإِبْرَاءِ ذِمَّتِهِ بِمَنْزِلَةِ قَضَاءِ دَيْنهِ. وَعَلَامَةُ ذَلِكَ: أَنْ يَطْلُبَ مِقْدَارَ كِفَايَةِ حَجِّهِ، وَلهَذَا جَوَّزنا نَفَقَةَ الْحَجِّ بِلَا نِزَاعٍ. وَكَذَلِكَ لَو وَصَّى بِحَجَّةٍ مُسْتَحَبَّةٍ وَأَحَبَّ إيصَالَ ثَوَابِهَا إلَيْهِ. وَالْمَوْضِع الثَّانِي: إذَا كَانَ الرَّجُلُ مُؤْثِرًا أَنْ يَحُجَّ مَحَبَّةً لِلْحَجِّ وَشَوْقًا إلَى الْمَشَاعِرِ وَهُوَ عَاجِزٌ فَيَسْتَعِينُ بِالْمَالِ الْمَحْجُوجِ بِهِ عَلَى الْحَجِّ، وَهَذَا قَد يُعْطَى الْمَالَ لِيَحُجَّ بِهِ لَا عَن أَحَدٍ، كَمَا يُعْطَى الْمُجَاهِدُ الْمَالَ لِيَغْزُوَ بِهِ فَلَا شُبْهَةَ فِيهِ؛ فَيَكُونُ لِهَذَا أَجْرُ الْحَجِّ بِبَدَنِهِ، وَلهَذَا أَجْرُ الْحَجِّ بِمَالِهِ، كَمَا فِي الْجِهَادِ فَإِنَّهُ مَن جَهَّزَ غَازِيًا فَقَد غَزَا. وَقَد يُعْطَى الْمَالَ لِيَحُجَّ بِهِ عَن غَيْرِهِ، فَيَكُونُ مَقْصُودُ الْمُعْطِي الْحَجَّ عَن الْمُعْطَى عَنْهُ، وَمَقْصُودُ الْحَاجِّ مَا يَحْصُلُ لَهُ مِن الْأَجْرِ بِنَفْسِ الْحَجِّ، لَا بِنَفْسِ الْإِحْسَانِ إلَى الْغَيْرِ. فَهَاتَانِ صُورَتَانِ مُسْتَحَبَّتَانِ وَهُمَا الْجَائِزَتَانِ مِن أَنْ يَأْخُذَ نَفَقَةَ الْحَجِّ وَيَرُدَّ الْفَضْلَ. وَأَمَّا إذَا كَانَ قَصْدُهُ الِاكْتِسَابَ بِذَلِكَ وَهُوَ أَنْ يَسْتَفْضِلَ مَالًا: فَهَذَا صُورَةُ الْإِجَارَةِ وَالْجَعَالَةِ، وَالصَّوَابُ أَنَّ هَذَا لَا يُسْتَحَبُّ وَإِن قِيلَ بِجَوَازِهِ؛ لِأنَّ الْعَمَلَ الْمَعْمُولَ لِلدُّنْيَا لَيْسَ بِعَمَلٍ صَالِحٍ فِي نَفْسِهِ إذَا لَمْ يُقْصَدْ بِهِ إلَّا الْمَالُ فَيَكُونُ مِن نَوْعِ الْمُبَاحَاتِ، وَمَن أَرَادَ الدُّنْيَا بِعَمَلِ الْآخِرَةِ فَلَيْسَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن خَلَاقٍ. وَنَحْنُ إذَا جَوَّزنى الْإِجَارَةَ وَالْجَعَالَةَ عَلَى أَعْمَالِ الْبِرِّ الَّتِي يَخْتَصُّ أَنْ يَكونَ

стр. 2233

فَاعِلُهَا مِن أَهْلِ الْقُرَبِ لَمْ نَجْعَلْهَا فِي هَذِهِ الْحَالِ إلَّا بِمَنْزِلَةِ الْمُبَاحَاتِ، لَا نَجْعَلُهَا مِن "بَابِ الْقُرَبِ". فَهُنَا تَصِيرُ الأقْسَامُ ثَلَاثَةً: أ- إمَّا أَنْ يَقْصِدَ الْحَجَّ وَالْإِحْسَانَ فَقَطْ. ب- أو يَقْصِدَ النَّفَقَةَ الْمَشْرُوعَةَ لَهُ فَقَطْ. ج- أَو يَقْصِدَ كِلَيْهِمَا. فَمَتَى قَصَدَ الْأَوَّلَ: فَهُوَ حَسَنٌ. وَأَمَّا إنْ لَمْ يَقْصِدْ إلَّا الْكَسْبَ لِنَفَقَتِهِ: فَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ. وَإِن قَصَدَهُمَا مَعًا: فَهُوَ حَسَنٌ إنْ شَاءَ اللهُ؛ لِأَنَّهُمَا مَقْصُودَانِ صَالِحَانِ (١). [٢٦/ ١٤ - ١٧] ٣١٥٢ - الْحَاجُّ عَن الْغَيْرِ لِأَنْ يُوَفِّيَ دَيْنَهُ: قَد اخْتَلَفَ فِيهَا الْعُلَمَاءُ أَيُّهُمَا أَفْضَلُ، وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْأَفْضَلَ التَّرْكُ، فَإِنَّ كَوْنَ الْإِنْسَانِ يَحُجُّ لِأَجْلِ أَنْ يَسْتَفْضِلَ شَيْئًا مِن النَّفَقَةِ لَيْسَ مِن أَعْمَالِ السَّلَفِ. وَهَذَا الْمَدِينُ يَأْخُذُ مِن الزَّكَاةِ مَا يُوَفِّي بِهِ دَيْنَهُ خَيْرٌ لَهُ مِن أَنْ يَقْصِدَ أَنْ يَحُجَّ لِيَأْخُذَ دَرَاهِمَ يُوَفِّي بِهَا دَيْنَهُ. وَلَا يُسْتَحَبُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَأْخُذَ مَالًا يَحُجُّ بِهِ عَن غَيْرِهِ إلَّا لِأَحَدِ رَجُلَيْنِ: أ- إمَّا رَجُل يُحِبُّ الْحَجَّ وَرُؤْيَةَ الْمَشَاعِرِ وَهُوَ عَاجِزٌ؛ فَيَأْخُذُ مَا يَقْضِي بِهِ وَطَرَهُ الصَّالِحَ ويُؤَدِّي بِهِ عَن أَخِيهِ فَرِيضَةَ الْحَجِّ. ب- أَو رَجُلٌ يُحِبُّ أَنْ يُبَرِّئَ ذِمَّةَ الْمَيِّتِ عَن الْحَجِّ إمَّا لِصِلَة بَيْنَهُمَا، أَو لِرَحْمَة عَامَّةٍ بِالْمُؤْمِنِينَ وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ فَيَأْخُذُ مَا يَأْخُذُ ليُؤَدّيَ بِهِ ذَلِكَ.

стр. 2234

وَجِمَاعُ هَذَا: أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ أَنْ يَأْخُذَ لِيَحُجَّ لَا أَنْ يَحُجَّ لِيَأْخُذَ، وَهَذَا فِي جَمِيعِ الْأرْزَاقِ الْمَأْخُوذَةِ عَلَى عَمَلٍ صَالِحٍ، فَمَن ارْتَزَقَ لِيَتَعَلَّمَ أَو لِيُعَلِّمَ أَو لِيُجَاهِدَ فَحَسَنٌ. [٢٦/ ١٩] ٣١٥٣ - يَجُوزُ أَنْ يَحُجَّ الْمَدِينُ الْمُعْسِرُ إذَا حجَّجه غَيْرُهُ، وَلَمْ يَكُن فِي ذَلِكَ إضَاعَةٌ لِحَقِّ الدَّيْنِ: إمَّا لِكَوْنِهِ عَاجِزًا عَن الْكَسْبِ، وَإِمَّا لِكوْنِ الْغَرِيمِ غَائِبًا لَا يُمْكِنُ تَوْفِيَتُهُ مِن الْكَسْبِ. [٢٦/ ٢٠] ٣١٥٤ - إذَا اسْتَطَاعَ الْحَجَّ بِالزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ بِالْإِجْمَاعِ، فَإِنْ حَجَّ عَقِبَ ذَلِكَ بِحَسَب الْإِمْكَانِ وَمَاتَ فِي الطَّرِيقِ وَجَبَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ وَمَاتَ وَهُوَ غَيْرُ عَاصٍ، وَلَهُ أَجْرُ نِيَّتِهِ وَقَصْدِهِ. فَإِنْ كَانَ فَرَّطَ ثُمَّ خَرَجَ بَعْدَ ذَلِكَ وَمَاتَ قَبْلَ أَدَاءِ الْحَجِّ: مَاتَ عَاصِيًا آثِمًا، وَلَهُ أَجْرُ مَا فَعَلَهُ، وَلَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الْفَرْضُ بِذَلِكَ؛ بَل الْحَجُّ بَاقٍ فِي ذِمَّتِهِ (١)، ويُحَجُّ عَنْهُ مِن حَيْثُ بَلَغَ. [٢٦/ ٢١] ٣١٥٥ - يلزم الإنسان طاعة والديه في غير المعصية وإن كانا فاسقين، وهو ظاهر إطلاق أحمد، وهذا فيما فيه منفعة لهما ولا ضرر عليه، فإن شق عليه ولم يضره: وجب وإلا فلا. وتحرم الطاعة في المعصية، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. فحينئذٍ ليس للأبوين منع ولدهما من الحج الواجب، لكن يستطيب أنفسهما فإن أذنا وإلا حج. [المستدرك ٣/ ١٨٤] ٣١٥٦ - ليس للزوج منع زوجته من الحج الواجب مع ذي محرم، وعليها أن تحج وإن لم يأذن في ذلك، حتى إن كثيرًا من العلماء أو أكثرهم يوجبون لها النفقة. [المستدرك ٣/ ١٨٤]

стр. 2235

٣١٥٧ - الحج واجب على الفور عند أكثر العلماء. [المستدرك ٣/ ١٨٤] ٣١٥٨ - من وجب عليه الحج فتوفي قبله وخلف مالًا حُجَّ عنه في أظهر قولي العلماء. [المستدرك ٣/ ١٨٤] ٣١٥٩ - إذا وجب الحج على المحجور عليه: لم يكن لوليه منعه منه على الوجه الشرعي. [المستدرك ٣/ ١٨٤] ٣١٦٠ - التجارة ليست محرمة، لكن ليس للإنسان أن يفعل ما يشغله عن الحج. [المستدرك ٣/ ١٨٤] ٣١٦١ - من أراد سلوك طريق يستوي فيها السلامة والهلاك وجب عليه الكف عن سلوكها، فإن لم يكف فيكون قد أعان على هلاك نفسه فلا يكون شهيدًا. [المستدرك ٣/ ١٨٤] ٣١٦٢ - تجوز الخفارة (١) عند الحاجة إليها في الدفع عن المخفر، ولا يجوز مع عدمها، كما يأخذ السلطان من الرعايا. [المستدرك ٣/ ١٨٥] ٣١٦٣ - تحج كل امرأة آمنة مع عدم محرم، قال أبو العباس: وهذا متوجه في سفر كل طاعة (٢). وصحح أبو العباس في الفتاوى المصرية أن المرأة لا تسافر للحج إلا مع زوج أو ذي محرم (٣). والمحرم: زوج المرأة أو من تحرم عليه على التأبيد بنسب أو سبب، ولو كان النسب وطء شبهة لا زنا، وهو قول أكثر العلماء واختاره ابن عقيل. وأما إماء المرأة فيسافرون معها ولا يفتقرن إلى المحرم؛ لأنه لا محرم لهن في العادة الغالبة.

стр. 2236

وعند شيخنا تحج كل امرأة آمنة مع عدم المحرم، وقال: إن هذا متوجه في كل سفر طاعة، ونقله الكرابيسي عن الشافعي في حجة التطوع، وقاله بعض أصحابه فيه وفي كل سفر غير واجب كزيارة وتجارة، وقاله الباجي المالكي في كبيرة غير مشتهاة، وذكر أبو الخطاب رواية المروذي ثم قال: وظاهره جواز خروجها بغير محرم ذكره شيخنا في مسألة العجوز تحضر الجماعة (١). وذكر صاحب المحرر عن نقل أسماء النَّوى على رأسها للزبير نحو ثلثي فرسخ من المدينة أنه حجة في سفر المرأة السفر القصير بغير محرم، ورعي جارية معاوية بن الحكم في معناه وأولى؛ فيتوجه على هذا الخلاف، وأما كلام شيخنا ومعناه لغيره فيجوز مثل هذا قولًا واحدًا لأنه ليس بسفر شرعًا ولا عرفًا ولا يتأهب له أهبته. [المستدرك ٣/ ١٨٥ - ١٨٦] ٣١٦٤ - يحرم سفره بأخت زوجته ولو معها (٢). [المستدرك ٣/ ١٨٦] ٣١٦٥ - الحج على الوجه المشروع أفضل من الصدقة التي ليست بواجبة، وأما إن كان له أقارب محاويج، أو هناك فقراء تضطرهم الحاجة إلى نفقة فالصدقة عليهم أفضل. أما إذا كان كلاهما تطوعًا فالحج أفضل؛ لأنه عبادة بدنية ومالية، وكذلك الأضحية والعقيقة أفضل من الصدقة بقيمة ذلك؛ لأنه عبادة بدنية ومالية، وكذلك الأضحية والعقيقة أفضل من الصدقة بقيمة ذلك. لكن بشرط أن يقيم الواجب في الطريق، ويترك المحرمات، ويصلي الصلوات ويصدق الحديث ويؤدي الأمانة، ولا يتعدى على أحد، فمن فعل شيئًا من تلك المحرمات فقد يكون إثمه أعظم من أجره، فأي فضيلة في هذا؟ [المستدرك ٣/ ١٨٦]

стр. 2237

٣١٦٦ - البر: إطعام الطعام، وإفشاء السلام، كذا روي في الحديث، وهو يتضمن الإحسان إلى الناس بالنفس والمال. [المستدرك ٣/ ١٨٨] ٣١٦٧ - إذا حصل من الحاج المشاجرةُ والخصومةُ والسبُّ: فكفارته الاستغفار وفعل الحسنات الماحية إلى من جهل عليه وغيره، فيُحسن إليه ويستغفر له ويدعو له ويداريه ويلاينه. وإن اغتاب غائبًا وهو لم يعلم: دعا له ولا يحتاج إلى إعلامه في أصح قولي العلماء. [المستدرك ٣/ ١٨٨] ٣١٦٨ - قوله ﵇: "من حج فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه" (١) يدخل فيه بإحرام العمرة؛ ولهذا أنكر أحمد على من قال: إن حجة التمتع حجة مكية، نقله الأثرم وهي عند أحمد بعض حجة الكامل بدليل صومها. [المستدرك ٣/ ١٨٨] ٣١٦٩ - وعنه العمرة سُنَّة، اختاره شيخنا. [المستدرك ٣/ ١٨٨] ٣١٧٠ - من جرد مع الحاج أو غيره وجمع له من الجند المقطعين ما يعينه على كلفة الطريق أبيح له أخذه، ولا ينقص أجره، وله أجر الحج والجهاد، وليس في هذا اختلاف. [المستدرك ٣/ ١٨٨ - ١٨٩] ٣١٧١ - من كان قادرًا على الكسب ويأكل من صدقات الناس: فهو مذموم على ذلك، وقد قال ﷺ : "لا تحل الصدقة لغني ولا لقوي مكتسب" (٢). وأما سؤال الناس مع القدرة على الكسب فهو حرام بلا نزاع؛ فمن حج على أن يسأل مع إمكان القعود فهو عاص، فقد جاء بضعة عشر حديثًا في النهي عن المسألة. [المستدرك ٣/ ١٨٩] ٣١٧٢ - من اغتصب إبلًا أو اشتراها بثمن مغصوب أو بعضه وأراد الحج

стр. 2238

وليس له مال يحج به غيره: فإنه يجب عليه أنْ يُعوِّض أربابها إن أمكن معرفتهم، وإلا تصدق بقيمة الثمن عنهم، فإن عجز عن الصدقة تصدق وقت قدرته بعد ذلك، وإن عرفهم في قرية ولا يعرف أعيانهم تصدق على فقراء تلك القرية، وقد طاب له الحج (١). ومن حج بمال حرام: لم يتقبل الله منه حجه، وهل عليه الإعادة؟ على قولين للعلماء (٢). [المستدرك ٣/ ١٨٩] ٣١٧٣ - الْعُمْرَةُ عَقِيبَ الْحَجِّ مِن مَكَّةَ كَمَا يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِن النَّاسِ الْيَوْمَ: لَمْ يُعْرَفْ عَلَى عَهْدِ السَّلَفِ، وَلَا نَقَلَ أَحَدٌ عَن النَّبِيِّ ﷺ وَلَا عَن أحَدٍ مِن الَّذِينَ حَجُّوا مَعَهُ أَنَّهُم فَعَلُوا ذَلِكَ إلَّا عَائِشَةَ ﵂؛ لِأَنَّهَا كَانَت قَدِمَتْ مُتَمَتِّعَةً فَحَاضَتْ، فَأَمَرَهَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تُحْرِمَ بِالْحَجِّ وَتَدَعَ الْعُمْرَةَ. فَمَذْهَبُ أَحْمَد وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ أَنَّهَا صَارَتْ قَارِنَةً وَلَا يَجِبُ عَلَيْهَا قَضَاءُ تِلْكَ الْعُمْرَةِ. وَهَكَذَا يَقُولُونَ فِي كُلِّ مُتَمَتِّعٍ ضَاقَ عَلَيْهِ الْوَقْتُ فَلَمْ يَتَمَكنْ مِن الطَّوَافِ قَبْلَ التَّعْرِيفِ، فَإِنَّهُم يَأْمُرُونَهُ بِإِدْخَالِ الْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ وَيَصِيرُ قَارِنًا؛ كَالْمُفْرِدِ الَّذِي قَدِمَ وَقَد ضَاقَ عَلَيْهِ الْوَقْتُ فَإِنَّهُ يَقِفُ بِعَرَفَةَ أَؤلًا وَلَا يَطُوفُ قَبْلَ التَّعْرِيفِ. وَأَمَّا الْجُمْهُورُ فَبَنَوْهُ عَلَى أُصُولِهِمْ: فِي أنَّ عَمَلَ الْقَارِنِ لَا يَزِيدُ عَلَى عَمَلِ الْمُفْرِدِ، وَقَالُوا: إنَّ النبي ﷺ إنَّمَا أَعْمَرَ عَائِشَةَ تَطْيِيبًا لِنَفْسِهَا. [٢٦/ ٤١ - ٤٣] ٣١٧٤ - الْعُمْرَةُ وَاجِبَةٌ فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ عَن أَحْمَد .. وَمِنْهُم مَن قَالَ: أَهْلُ مَكَّةَ يُسْتَثْنَوْنَ فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِم عُمْرَةٌ رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَهِيَ طَرِيقَةُ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ، وَهِيَ أَصَحُّ. [٢٦/ ٤٥] ٣١٧٥ - أَصَحُّ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِنَا -وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَن أَحْمَد-: أَنَّهُ لَا

стр. 2239

يُسْتَحَبُّ الْإِكْثَارُ مِن الْعُمْرَةِ، لَا مِن مَكَّةَ وَلَا غَيْرِهَا؛ بَل يَجْعَلُ بَيْنَ الْعُمْرَتَيْنِ مُدَّةً، وَلَو أَنَّهُ مِقْدَارُ مَا يَنْبُتُ فِيهِ شَعْرُهُ وَيُمْكِنُهُ الْحِلَاقُ، وَهَذَا لِمَن يَخْرُجُ إلَى مِيقَاتِ بَلَدِهِ وَيَعْتَمِرُ. وَأَمَّا الْمُقِيمُ بِمَكَّةَ: فَكثْرَةُ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ أَفْضَلُ لَهُ مِن الْعُمْرَةِ الْمَكِّيَّةِ، كَمَا كَانَ الصَّحَابَةُ يَفْعَلُونَ إذَا كَانُوا مُقِيمِينَ بِمَكَّةَ، كَانُوا يَسْتَكْثِرُونَ مِن الطَّوَافِ وَلَا يَعْتَمِرُونَ عُمْرَةً مَكِّيَّةً، فَالصَّحَابَةُ الَّذِينَ اسْتَحَبُّوا الْإِفْرَادَ كَعُمَر بْنِ الْخَطَّابِ وَغَيْرِهِ إنَّمَا اسْتَحَبُّوا أَنْ يُسَافِرَ سَفَرًا آخَرَ لِلْعُمْرَةِ؛ لِيَكونَ لِلْحَجِّ سَفَرٌ عَلَى حِدَةٍ وَللْعُمْرَةِ سَفَرٌ عَلَى حِدَةٍ. وَأَحْمَد وَأَبُو حَنِيفَةَ وَغَيْرُهُمَا اتَّبَعُوا الصَّحَابَةَ فِي ذَلِكَ وَاسْتَحَبُّوا هَذَا الْإِفْرَادَ عَلَى التَّمَتُّعِ وَالْقِرَآنِ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ: قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللهِ: فَأَيُّ الْعُمْرَةِ عِنْدَك أَفْضَلُ؟ قَالَ: أَفْضَلُ الْعُمْرَةِ عِنْدِي أَنْ تَكُونَ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ كَمَا قَالَ عُمَرُ، فَإِنَّ ذَلِكَ أَتَمُّ لِحَجِّكُمْ وَأَتَمُّ لِعُمْرَتِكُمْ أَنْ تَجْعَلُوهَا فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ. [٢٦/ ٤٥ - ٤٦] ٣١٧٦ - الْإِكْثَارُ مِن الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ مِنَ الْأعْمَالِ الصَّالِحَةِ، فَهُوَ أَفْضَلُ مِن أَنْ يَخْرُجَ الرَّجُلُ مِن الْحَرَمِ وَيَأْتِيَ بِعُمْرَةٍ مَكِّيَّةٍ، فَإِنَّ هَذَا لَمْ يَكُن مِن أَعْمَالِ السَّابِقِينَ الْأَوَّلينَ مِن الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَلَا رَغَّبَ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ لِأُمَّتِهِ بَل كَرِهَهُ السَّلَفُ. [٢٦/ ١٤٥] ٣١٧٧ - يَظُنُّ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ الْكعْبَةَ فِي حَجَّةٍ أو عُمْرَةٍ، وَإِنَّمَا كَانَ دُخُولُهُ الْكَعْبَةَ عَامَ الْفَتْحِ لَمَّا فَتَحَ مَكَّةَ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ إنَّهُ دَخَلَهَا فِي حَجَّةٍ وَلَا عُمْرَةٍ. [٢٦/ ٦٨] ٣١٧٨ - لَمْ يَعْتَمِرْ بَعْدَ الْحَجِّ أَحَدٌ مِمَن كَانَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إلَّا عَائِشَةَ وَحْدَهَا؛ لِأَنَّهَا كَانَت قَد حَاضَتْ فَلَمْ يُمْكِنْهَا الطَّوَافُ؛ لِأَنَّ النَبِيَّ ﷺ قَالَ:

стр. 2240

"تَقْضِي الْحَائِضُ الْمَنَاسِكَ كلَّهَا إلَّا الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ" (١)، فَأَمَرَهَا أَنْ تُهِلَّ بِالْحَجِّ وَتَدَع أَفْعَالَ الْعُمْرَةِ لِأَنَّهَا كَانَت مُتَمَتِّعَةً، ثُمَّ إنَّهَا طَلَبَتْ مِن النَبِيِّ ﷺ أَنْ يُعْمِرَهَا فَأَرْسَلَهَا مَعَ أَخِيهَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَاعْتَمَرَتْ مِنَ التَّنْعِيمِ، وَالتَّنْعِيمُ هُوَ أَقْرَبُ الْحِلِّ إلَى مَكَّةَ وَبِهِ الْيَوْمَ الْمَسَاجِدُ الَّتِي تُسَمَّى "مَسَاجِدَ عَائِشَةَ"، وَلَمْ تَكُنْ هَذِهِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَإِنَّمَا بُنِيَتْ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَامَةً عَلَى الْمَكَانِ الَّذِي أَحْرَمَتْ مِنْهُ عَائِشَةُ، وَلَيْسَ دُخُولُ هَذِهِ الْمَسَاجِدِ وَلَا الصَّلَاةُ فِيهَا -لِمَنِ اجْتَازَ بِهَا مُحْرِمًا- لَا فَرضًا وَلَا سُنَّةً؛ بَل قَصْدُ ذَلِكَ وَاعْتِقَادُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ بِدْعَةٌ مَكْرُوهَةٌ، لَكِنْ مَن خَرَجَ مِن مَكَّةَ لِيَعْتَمِرَ فَإِنَّهُ إذَا دَخَلَ وَاحِدًا مِنْهَا وَصَلَّى فِيهِ لِأَجْلِ الْإِحْرَامِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ. [٢٦/ ١٠٢ - ١٠٣] ٣١٧٩ - ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ فِي "الصَّحِيحَيْنِ" (٢) أَنَّهُ قَالَ: "مَن حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ: فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ خَرَجَ مِن ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أمُّهُ"، وَهَذَا عَلَى قِرَاءَةِ مَن قَرَأَ: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ﴾ [البقرة: ١٩٧] بِالرَّفْعِ (٣)؛ فَالرَّفَثُ: اسْمٌ لِلْجِمَاعِ قَوْلَّا وَعَمَلًا، وَالْفُسُوقُ: اسْمٌ لِلْمَعَاصِي كُلِّهَا، وَالْجِدَالُ: عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ هُوَ الْمِرَاءُ فِي أَمْرِ الْحَجِّ، فَإِنَّ اللهَ قَد أَوْضَحَهُ وَبَيَّنَهُ وَقَطَعَ الْمِرَاءَ فِيهِ كَمَا كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَتَمَارَوْنَ فِي أَحْكَامِهِ. وَعَلَى الْقِرَاءَةِ الْأُخْرَى (٤): قَد يُفَسَّرُ بِهَذَا الْمَعْنَى أَيْضًا، وَقَد فَسَّرُوهَا بِأَنْ لَا يُمَارِي الْحَاجُّ أَحَدًا، وَالتَّفْسِيرُ الْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ فَإِنَّ اللهَ لَمْ يَنْهَ الْمُحْرِمَ وَلَا غَيْرَهُ عَنِ الْجِدَالِ مُطْلَقًا؛ بَلِ الْجِدَالُ قَد يَكُونُ وَاجِبًا أَو مُسْتَحَبًّا كَمَا قَالَ تَعَالَى:

стр. 2241

﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] وَقَد يَكُونُ الْجِدَالُ مُحَرَّمًا فِي الْحَجِّ وَغَيْرِهِ كَالْجِدَالِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَكَالْجِدَالِ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تبَيَّنَ (١). [٢٦/ ١٠٧] ٣١٨٠ - لَو وَضَعَ يَدَهُ عَلَى الشاذروان الَّذِي يُرْبَطُ فِيهِ أَسْتَارُ الْكَعْبَةِ لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ فِي أَصَحِّ قَوْلَي الْعُلَمَاءِ، وَلَيْسَ الشاذروان مِنَ الْبَيْتِ بَل جُعِلَ عِمَادًا لِلْبَيْتِ. [٢٦/ ١٢١] ٣١٨١ - لَو صَلَّى الْمُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ وَالنَّاسُ يَطُوفُونَ أَمَامَهُ لَمْ يُكْرَهْ، سَوَاءٌ مَرَّ أَمَامَهُ رَجُلٌ أَو امْرَأَةٌ، وَهَذَا مِن خَصَائِصِ مَكَّةَ. [٢٦/ ١٢٢] ٣١٨٢ - مَن حَمَلَ شَيْئًا مِن مَاءِ زَمْزَمَ جَاز، فَقَد كَانَ السَّلَفُ يَحْمِلُونَهُ. [٢٦/ ١٥٤] * * * (الأنساك وأفضلها) ٣١٨٣ - تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِي حَجِّ النَّبِيِّ ﷺ هَل تَمَتَّعَ فِيهِ أَو أَفْرَدَ أَو قَرَنَ؟ وَتَنَازَعُوا أَيُّ الثَّلَاثَةِ أَفْضَلُ؟. فَطَائِفَةٌ تَظُنُّ أَنَّهُ تمَتَّعَ تَمَتُّعًا حَلَّ فِيهِ مِن إحْرَامِهِ. وَطَائِفَة أُخْرَى تَظُنُّ أَنَّهُ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ وَلَمْ يُحْرِمْ بِالْحَجِّ حَتَّى طَافَ وَسَعَى لِلْعُمْرَةِ. وَطَائِفَةٌ تَظُنُّ أَنَّهُ أَفْرَدَ الْحَجَّ وَاعْتَمَرَ عَقِيبَ ذَلِكَ. وَطَائِفَةٌ تَظُنُّ أَنَّهُ قَرَنَ قِرَانًا طَافَ فِيهِ طَوَافَيْنِ وَسَعَى فِيهِ سعيين. وَطَائِفَةٌ تَظُنُّ أَنَّهُ أَحْرَمَ مُطْلَقًا. وَكُلُّ ذَلِكَ خَطَأٌ لَمْ تَرْوِهِ الصَّحَابَةُ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ؛ بَل عَامَّةُ رِوَايَاتِ

стр. 2242

الصَّحَابَةِ مُتَّفِقَةٌ، وَمَن نَسَبَهُم إلَى الِاخْتِلَافِ فِي ذَلِكَ فَلِعَدَمِ فَهْمِهِ أحْكَامَهُم؛ فَإِنَّ الصَّحَابَةَ نَقَلُوا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ، هَكَذَا الَّذِي نَقَلَهُ عَامَّةُ الصَّحَابَةِ، وَنَقَلَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِن هَؤُلَاءِ وَغَيْرِهِمْ أَنَّهُ قَرَنَ بَيْنَ الْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ، وَأَنَّهُ أَهَلَّ بِهِمَا جَمِيعًا، كَمَا نَقَلُوا أَنَّهُ اعْتَمَرَ مَعَ حَجَّتِهِ. مَعَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَعْتَمِرْ بَعْدَ الْحَجِّ؛ بَل لَمْ يَعْتَمِرْ مَعَهُ مِن أَصْحَابِهِ بَعْدَ الْحَجِّ إلَّا عَائِشَةُ؛ لِأَجْلِ حَيْضَتِهَا. وَلَفْظُ "الْمُتَمَتِّعِ" فِي الْكتَابِ وَالسُّنَّةِ وَكَلَامِ الصَّحَابَةِ اسْمٌ لِمَن جَمَعَ بَيْنَ الْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، سَوَاءٌ أَحْرَمَ بِهِمَا جَمِيعًا، أَو أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ أَدْخَلَ عَلَيْهَا الْحَجَّ، أَو أَحْرَمَ بِالْحَجِّ بَعْدَ تَحَلُّلِهِ مِن الْعُمْرَةِ -وَهَذَا هُوَ التَّمَتُّعُ الْخَاصُّ فِي عُرْفِ الْمُتَأَخِّرِين-. وَأَحْرَمَ بِالْحَجِّ بَعْدَ قَضَاءِ الْعُمْرَةِ قَبْلَ التَّحَلُّلِ مِنْهَا لِكَوْنِهِ سَاقَ الْهَدْيَ، أَو مَعَ كَوْنِهِ لَمْ يَسُقْهُ، وَهَذَا قَد يُسَمُّونَهُ مُتَمَتِّعًا التَّمَتُّعَ الْخَاصَّ وَقَارِنًا، وَقَد يَقُولُونَ: لَا يَدْخُلُ فِي التَّمَتُّعِ الْخَاصِّ بَل هُوَ قَارِنٌ. وَمَا ذَكَرْتُه مِن أَنَّ الْقِرَآنَ يُسَمُّونَهُ تَمَتُّعًا جَاءَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي أَحَادِيثَ صَحِيحَةِ. وَهَؤلَاءِ الَّذِينَ نَقَلُوا أَنَّهُ تَمَتَّعَ نَقَلَ بَعْضُهُم أَنَّهُ أَفْرَدَ الْحَجَّ؛ فَإِنَّهُ أَفْرَدَ أَعْمَالَ الْحَجِّ وَلَمْ يَحِلَّ مِن إحْرَامِهِ لِأَجْلِ سَوْقِهِ الْهَدْيَ، فَهُوَ لَمْ يَتَمَتَّعْ مُتْعَةً حَلَّ فِيهَا مِن إحْرَامِهِ، فَلِهَذَا صَارَ كَالْمُفْرِدِ مِن هَذَا الْوَجْهِ. وَأَمَّا الْأفْضَل لِمَن قَدِمَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَلَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ: فَالتَّحَلُّلُ مِن إحْرَامِهِ بِعُمْرَةٍ أَفْضَلُ لَهُ كَمَا أمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَصْحَابهُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَإِنَّهُ أَمَرَ كُلَّ مَن لَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ بِالتَّمَتُّعِ. وَمَن سَاقَ الْهَدْيَ فَالْقِرَآنُ لَهُ أَفْضَلُ كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ . وَمَنِ اعْتَمَرَ فِي سَفْرَةٍ وحَجَّ فِي سَفْرَةٍ، أَو اعْتَمَرَ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ وَأَقَامَ حَتَّى يَحُجَّ: فَهَذَا الْإِفْرَادُ لَه أَفْضَلُ مِن التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ. [٢٢/ ٢٩٢ - ٢٩٤]

стр. 2243

٣١٨٤ - اَلَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ السُّنَّةُ أَنَّ مَن لَمْ يَسُق الْهَدْيَ فَالتَّمَتُّعُ أَفْضَلُ لَهُ، وَأنَّ مَن سَاقَ الْهَدْيَ فَالْقِرَآنُ أَفْضَلُ لَهُ، هَذَا إذَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي سُفْرَةٍ وَاحِدَةٍ. وَأَمَّا إذَا سَافَرَ لِلْحَجِّ سُفْرَةً وَللْعُمْرَةِ سُفْرَةٌ فَالْإِفْرَادُ أَفْضَلُ لَهُ، وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ الْأرْبَعَةِ، اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْإِفْرَادَ أَفْضَلُ إذَا سَافَرَ لِكلِّ مِنْهُمَا سُفْرَةً، وَالْقِرَانُ الَّذِي فَعَلَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ كَانَ بِطَوَاف وَاحِدٍ وَبِسَعْيٍ وَاحِدٍ، لَمْ يَقْرِنْ بِطَوَافَيْنِ وسعيين، كَمَا يَظُنُّهُ مَن يَظُنُّهُ مِن أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ، كَمَا أَنَّهُ لَمْ يُفْرِدِ الْحَجَّ كَمَا يَظُنُّهُ مَن ظَنَّهُ مِن أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ، وَلَا اعْتَمَرَ بَعْدَ الْحَجِّ لَا هُوَ وَلَا أَحَدٌ مِن أَصْحَابِهِ إلَّا عَائِشَةُ لِأَجْلِ عُمْرَتِهَا الَّتِي حَاضَتْ فِيهَا. [٢٠/ ٣٧٣ - ٣٧٤] ٣١٨٥ - قَوْلُ الْقَائِلِ: أَيُّمَا أَفْضَلُ (١)؟ التَّحْقِيقُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: أَنَّهُ إذَا أَفْرَدَ الْحَجَّ بِسَفْرَةٍ وَالْعُمْرَةَ بِسَفْرَةٍ فَهُوَ أَفْضَلُ مِن الْقِرَانِ وَالتَّمَتُّعِ الْخَاصِّ بِسَفْرَةٍ وَاحِدَةٍ، وَقَد نَصَّ عَلَى ذَلِكَ أَحْمَد وَأَبُو حَنِيفَةَ مَعَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمْ. وَهَذَا هُوَ الْإِفْرَادُ الَّذِي فَعَلَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَكَانَ عُمَرُ يَخْتَارُهُ لِلنَّاسِ، وَكَذَلِكَ عَلِيٌّ ﵁. وَأَمَّا إذَا أَرَادَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ النُّسُكين بِسَفْرَة وَاحِدَةٍ وَقَدِمَ مَكَّةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَلَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ: فَالتَّمَتُّعُ أَفْضَلُ لَهُ مِن أَنْ يَحُجَّ وَيعْتَمِرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الْحِلِّ (٢)؛ لِأَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ ﷺ الَّذِينَ حَجُّوا مَعَهُ وَلَمْ يَسُوقُوا الْهَدْيَ أَمَرَهُم جَمِيعَهُم أَنْ يَحُجُّوا هَكَذَا، أَمَرَهُم إذَا طَافُوا بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ أَنْ يُحِلُّوا مِن إحْرَامِهِمْ وَيَجْعَلُوهَا مُتْعَةً، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوَيةِ أَمَرَهُم أَنْ يُحْرِمُوا بِالْحَجِّ، وَهَذَا مُتَوَاتِرٌ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ أَمَرَهُم بِذَلِكَ وَحَجُّوا مَعَهُ كَذَلِكَ.

стр. 2244

وَمَعْلُومٌ أَنَّهُم أَفْضَلُ الْأُمَّةِ بَعْدَهُ، وَلَا حَجَّةَ تَكُونُ أَفْضَلَ مِن حَجَّةِ أَفْضَلِ الْأُمَّةِ مَعَ أَفْضَلِ الْخَلْقِ بِأَمْرِهِ. فَكَيْفَ يَكُونُ حَجُّ مَن حَجَّ مُفْرِدًا وَاعْتَمَرَ عَقِبَ ذَلِكَ، أَو قَارِنًا وَلَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ (١): أَفْضَلَ مِن حَجِّ هَؤُلَاءِ مَعَهُ بِأَمْرِهِ، وَكَيْفَ يَنْقُلُهُم عَنِ الْأَفْضَلِ إلَى الْمَفْضُولِ، وَأَمْرُهُ أَبْلَغُ مِن فِعْلِهِ؟ [٢٦/ ٨٥ - ٨٦] ٣١٨٦ - كَلَامُهُ؛ [أي: الإمام أحمد] إنَّمَا كَانَ فِي أَيِّهِمَا أَفْضَلُ: أَنْ يَسُوقَ وَيقْرِنَ، أَو يَتَمَتَّعَ وَلَا يَسُوقَ؟ لِأَنَّهُ إذَا سَاقَ الْهَدْيَ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَتَحَلَّلَ (٢)، فَهَذَا مِمَّا يَخْتَلِفُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ لِأَنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ : "لَو اسْتَقْبَلْت مِن أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْت لَمَا سُقْت الْهَدْيَ وَلَجَعَلْتهَا عُمْرَةً" (٣): هَل كَانَ لِأَنَّ التَّحَلُّلَ بِعُمْرَةٍ أَفْضَلُ مِن الْقِرَانِ أَمْ لَا؟ مُوَافَقَةً لِأَصْحَابِهِ لَمَّا أَمَرَهُم بِالتَّحَلُّلِ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ. فَهَذَا مَوْرِدُ اجْتِهَادٍ. وَلَمْ يَخْتَلِفْ كَلَامُ أَحْمَد أَنَّ مَن لَمْ يَسُق الْهَدْيَ وَقَدِمَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فَالتَّمَتُّعُ أفْضَلُ لَهُ. وَحِيَنئِذٍ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُتَمَتِّعِ وَالْقَارِنِ عِنْدَ أَحْمَد إلَّا فِي شَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْقَارِنَ يَكُونُ قَد أَحْرَمَ بِالْحَجِّ قَبْلَ الطَّوَافِ، سَوَاءٌ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مَعَ الْعُمْرَةِ، أَو أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ أَدْخَلَ عَلَيْهَا الْحَجَّ، بِأَنَّهُ فِي كِلَيْهِمَا قَارِنٌ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ. وَأَمَّا الْمُتَمَتِّعُ التَّمَتُّعَ الْخَاصَّ: فَإِنَّهُ يُؤَخّرُ إحْرَامَهُ بِالْحَجِّ إلَى مَا بَعْدَ قَضَاءِ العُمْرَةِ.

стр. 2245

الثَّانِي: أَنَّ الْقَارِنَ عِنْدَهُ لَا يَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً كَالْمُفْرِدِ، وَأَمَّا الْمُتَمَتِّعُ فَقَد اخْتَارَ لَهُ أَنْ يَسْعَى سَعْيَيْنِ، وَنَصَّ عَلَى أَنَّهُ يُجْزِيهِ سَعْيٌ وَاحِد كَالْمُفْرِدِ وَالْقَارِنِ. وَحِينَئِذٍ فَيَكونُ قَد تَمَيَّزَ بِسَعْيٍ زَائِدٍ مُسْتَحَبِّ، لَكِنْ هُوَ أَيْضًا يَسْتَحِبُّ لِلْمُتَمَتِّعِ أَنْ يَطُوفَ أَوَّلًا بَعْدَ عَرَفَةَ طَوَافَ الْقُدُومِ، فَيَكُونُ الْمُتَمَتِّعُ قَد طَافَ بَعْدَ عَرَفَةَ مَرَّتَيْنِ وَسَعَى سَعْيًا ثَانِيًا، وَأَمَّا الْقَارِنُ فَإِنَّهُ يَعْمَلُ مَا يَعْمَلُه الْمُفْرِدُ. لَكِنْ كُلُّ هَذَا فِيهِ نِزَاعٌ، وَفِي مَذْهَبِهِ قَوْلٌ آخَرُ: أَنَّ السَّعْيَ الثَّانِيَ وَاجِبٌ عَلَى الْمُتَمَتِّعِ. وَقَوْلٌ: أَنَّ الْقَارِنَ يَطُوفُ طَوَافَيْنِ ويسْعَى سعيين كَمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَوْلٌ: أَنَّ الْمُتَمَتِّعَ لَا يسْتَحَبُّ لَهُ طَوَافُ الْقُدُومِ (١)، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ (٢)؛ بَل وَلَا يُسْتَحَبُّ لَهُ سَعْيٌ ثَانٍ، فَإِنَّ الصَّحَابَةَ الَّذِينَ حَجُّوا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ لمْ يَسْعَوْا إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً. وَلَمْ يَخْتَلِفْ كَلَامُ أَحْمَد أَنَّ مَن لَمْ يَسُق الْهَدْيَ وَقَدِمَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فَالتَّمَتُّعُ أَفْضَلُ لَهُ؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ الَّذِينَ حَجُّوا مَعَهُ جَمِيعَهُم أَنْ يَحِلُّوا مِن إحْرَامِهِمْ وَيَجْعَلُوهَا عُمْرَةً إلَّا مَن سَاقَ الْهَدْيَ. وَمَذْهَبُ أَحْمَد أَيْضًا أَنَّهُ إذَا افْرَدَ الْحَجَّ بِسَفْرَةٍ وَالْعُمْرَةَ بِسَفْرَةٍ فَهَذَا الْإِفْرَادُ أَفْضَلُ لَهُ مِن التَّمَتُّعِ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ (٣). [٢٦/ ٣٥ - ٣٧، ٢٦/ ٢٧٦ - ٢٧٧]
следующие страницы →