← Фатава

Фатава · id 879

تقريب فتاوى ابن تيمية

أحمد بن ناصر الطيار

Полный текст (3 539 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.

стр. 2241

﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] وَقَد يَكُونُ الْجِدَالُ مُحَرَّمًا فِي الْحَجِّ وَغَيْرِهِ كَالْجِدَالِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَكَالْجِدَالِ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تبَيَّنَ (١). [٢٦/ ١٠٧] ٣١٨٠ - لَو وَضَعَ يَدَهُ عَلَى الشاذروان الَّذِي يُرْبَطُ فِيهِ أَسْتَارُ الْكَعْبَةِ لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ فِي أَصَحِّ قَوْلَي الْعُلَمَاءِ، وَلَيْسَ الشاذروان مِنَ الْبَيْتِ بَل جُعِلَ عِمَادًا لِلْبَيْتِ. [٢٦/ ١٢١] ٣١٨١ - لَو صَلَّى الْمُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ وَالنَّاسُ يَطُوفُونَ أَمَامَهُ لَمْ يُكْرَهْ، سَوَاءٌ مَرَّ أَمَامَهُ رَجُلٌ أَو امْرَأَةٌ، وَهَذَا مِن خَصَائِصِ مَكَّةَ. [٢٦/ ١٢٢] ٣١٨٢ - مَن حَمَلَ شَيْئًا مِن مَاءِ زَمْزَمَ جَاز، فَقَد كَانَ السَّلَفُ يَحْمِلُونَهُ. [٢٦/ ١٥٤] * * * (الأنساك وأفضلها) ٣١٨٣ - تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِي حَجِّ النَّبِيِّ ﷺ هَل تَمَتَّعَ فِيهِ أَو أَفْرَدَ أَو قَرَنَ؟ وَتَنَازَعُوا أَيُّ الثَّلَاثَةِ أَفْضَلُ؟. فَطَائِفَةٌ تَظُنُّ أَنَّهُ تمَتَّعَ تَمَتُّعًا حَلَّ فِيهِ مِن إحْرَامِهِ. وَطَائِفَة أُخْرَى تَظُنُّ أَنَّهُ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ وَلَمْ يُحْرِمْ بِالْحَجِّ حَتَّى طَافَ وَسَعَى لِلْعُمْرَةِ. وَطَائِفَةٌ تَظُنُّ أَنَّهُ أَفْرَدَ الْحَجَّ وَاعْتَمَرَ عَقِيبَ ذَلِكَ. وَطَائِفَةٌ تَظُنُّ أَنَّهُ قَرَنَ قِرَانًا طَافَ فِيهِ طَوَافَيْنِ وَسَعَى فِيهِ سعيين. وَطَائِفَةٌ تَظُنُّ أَنَّهُ أَحْرَمَ مُطْلَقًا. وَكُلُّ ذَلِكَ خَطَأٌ لَمْ تَرْوِهِ الصَّحَابَةُ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ؛ بَل عَامَّةُ رِوَايَاتِ

стр. 2242

الصَّحَابَةِ مُتَّفِقَةٌ، وَمَن نَسَبَهُم إلَى الِاخْتِلَافِ فِي ذَلِكَ فَلِعَدَمِ فَهْمِهِ أحْكَامَهُم؛ فَإِنَّ الصَّحَابَةَ نَقَلُوا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ، هَكَذَا الَّذِي نَقَلَهُ عَامَّةُ الصَّحَابَةِ، وَنَقَلَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِن هَؤُلَاءِ وَغَيْرِهِمْ أَنَّهُ قَرَنَ بَيْنَ الْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ، وَأَنَّهُ أَهَلَّ بِهِمَا جَمِيعًا، كَمَا نَقَلُوا أَنَّهُ اعْتَمَرَ مَعَ حَجَّتِهِ. مَعَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَعْتَمِرْ بَعْدَ الْحَجِّ؛ بَل لَمْ يَعْتَمِرْ مَعَهُ مِن أَصْحَابِهِ بَعْدَ الْحَجِّ إلَّا عَائِشَةُ؛ لِأَجْلِ حَيْضَتِهَا. وَلَفْظُ "الْمُتَمَتِّعِ" فِي الْكتَابِ وَالسُّنَّةِ وَكَلَامِ الصَّحَابَةِ اسْمٌ لِمَن جَمَعَ بَيْنَ الْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، سَوَاءٌ أَحْرَمَ بِهِمَا جَمِيعًا، أَو أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ أَدْخَلَ عَلَيْهَا الْحَجَّ، أَو أَحْرَمَ بِالْحَجِّ بَعْدَ تَحَلُّلِهِ مِن الْعُمْرَةِ -وَهَذَا هُوَ التَّمَتُّعُ الْخَاصُّ فِي عُرْفِ الْمُتَأَخِّرِين-. وَأَحْرَمَ بِالْحَجِّ بَعْدَ قَضَاءِ الْعُمْرَةِ قَبْلَ التَّحَلُّلِ مِنْهَا لِكَوْنِهِ سَاقَ الْهَدْيَ، أَو مَعَ كَوْنِهِ لَمْ يَسُقْهُ، وَهَذَا قَد يُسَمُّونَهُ مُتَمَتِّعًا التَّمَتُّعَ الْخَاصَّ وَقَارِنًا، وَقَد يَقُولُونَ: لَا يَدْخُلُ فِي التَّمَتُّعِ الْخَاصِّ بَل هُوَ قَارِنٌ. وَمَا ذَكَرْتُه مِن أَنَّ الْقِرَآنَ يُسَمُّونَهُ تَمَتُّعًا جَاءَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي أَحَادِيثَ صَحِيحَةِ. وَهَؤلَاءِ الَّذِينَ نَقَلُوا أَنَّهُ تَمَتَّعَ نَقَلَ بَعْضُهُم أَنَّهُ أَفْرَدَ الْحَجَّ؛ فَإِنَّهُ أَفْرَدَ أَعْمَالَ الْحَجِّ وَلَمْ يَحِلَّ مِن إحْرَامِهِ لِأَجْلِ سَوْقِهِ الْهَدْيَ، فَهُوَ لَمْ يَتَمَتَّعْ مُتْعَةً حَلَّ فِيهَا مِن إحْرَامِهِ، فَلِهَذَا صَارَ كَالْمُفْرِدِ مِن هَذَا الْوَجْهِ. وَأَمَّا الْأفْضَل لِمَن قَدِمَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَلَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ: فَالتَّحَلُّلُ مِن إحْرَامِهِ بِعُمْرَةٍ أَفْضَلُ لَهُ كَمَا أمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَصْحَابهُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَإِنَّهُ أَمَرَ كُلَّ مَن لَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ بِالتَّمَتُّعِ. وَمَن سَاقَ الْهَدْيَ فَالْقِرَآنُ لَهُ أَفْضَلُ كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ . وَمَنِ اعْتَمَرَ فِي سَفْرَةٍ وحَجَّ فِي سَفْرَةٍ، أَو اعْتَمَرَ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ وَأَقَامَ حَتَّى يَحُجَّ: فَهَذَا الْإِفْرَادُ لَه أَفْضَلُ مِن التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ. [٢٢/ ٢٩٢ - ٢٩٤]

стр. 2243

٣١٨٤ - اَلَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ السُّنَّةُ أَنَّ مَن لَمْ يَسُق الْهَدْيَ فَالتَّمَتُّعُ أَفْضَلُ لَهُ، وَأنَّ مَن سَاقَ الْهَدْيَ فَالْقِرَآنُ أَفْضَلُ لَهُ، هَذَا إذَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي سُفْرَةٍ وَاحِدَةٍ. وَأَمَّا إذَا سَافَرَ لِلْحَجِّ سُفْرَةً وَللْعُمْرَةِ سُفْرَةٌ فَالْإِفْرَادُ أَفْضَلُ لَهُ، وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ الْأرْبَعَةِ، اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْإِفْرَادَ أَفْضَلُ إذَا سَافَرَ لِكلِّ مِنْهُمَا سُفْرَةً، وَالْقِرَانُ الَّذِي فَعَلَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ كَانَ بِطَوَاف وَاحِدٍ وَبِسَعْيٍ وَاحِدٍ، لَمْ يَقْرِنْ بِطَوَافَيْنِ وسعيين، كَمَا يَظُنُّهُ مَن يَظُنُّهُ مِن أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ، كَمَا أَنَّهُ لَمْ يُفْرِدِ الْحَجَّ كَمَا يَظُنُّهُ مَن ظَنَّهُ مِن أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ، وَلَا اعْتَمَرَ بَعْدَ الْحَجِّ لَا هُوَ وَلَا أَحَدٌ مِن أَصْحَابِهِ إلَّا عَائِشَةُ لِأَجْلِ عُمْرَتِهَا الَّتِي حَاضَتْ فِيهَا. [٢٠/ ٣٧٣ - ٣٧٤] ٣١٨٥ - قَوْلُ الْقَائِلِ: أَيُّمَا أَفْضَلُ (١)؟ التَّحْقِيقُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: أَنَّهُ إذَا أَفْرَدَ الْحَجَّ بِسَفْرَةٍ وَالْعُمْرَةَ بِسَفْرَةٍ فَهُوَ أَفْضَلُ مِن الْقِرَانِ وَالتَّمَتُّعِ الْخَاصِّ بِسَفْرَةٍ وَاحِدَةٍ، وَقَد نَصَّ عَلَى ذَلِكَ أَحْمَد وَأَبُو حَنِيفَةَ مَعَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمْ. وَهَذَا هُوَ الْإِفْرَادُ الَّذِي فَعَلَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَكَانَ عُمَرُ يَخْتَارُهُ لِلنَّاسِ، وَكَذَلِكَ عَلِيٌّ ﵁. وَأَمَّا إذَا أَرَادَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ النُّسُكين بِسَفْرَة وَاحِدَةٍ وَقَدِمَ مَكَّةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَلَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ: فَالتَّمَتُّعُ أَفْضَلُ لَهُ مِن أَنْ يَحُجَّ وَيعْتَمِرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الْحِلِّ (٢)؛ لِأَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ ﷺ الَّذِينَ حَجُّوا مَعَهُ وَلَمْ يَسُوقُوا الْهَدْيَ أَمَرَهُم جَمِيعَهُم أَنْ يَحُجُّوا هَكَذَا، أَمَرَهُم إذَا طَافُوا بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ أَنْ يُحِلُّوا مِن إحْرَامِهِمْ وَيَجْعَلُوهَا مُتْعَةً، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوَيةِ أَمَرَهُم أَنْ يُحْرِمُوا بِالْحَجِّ، وَهَذَا مُتَوَاتِرٌ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ أَمَرَهُم بِذَلِكَ وَحَجُّوا مَعَهُ كَذَلِكَ.

стр. 2244

وَمَعْلُومٌ أَنَّهُم أَفْضَلُ الْأُمَّةِ بَعْدَهُ، وَلَا حَجَّةَ تَكُونُ أَفْضَلَ مِن حَجَّةِ أَفْضَلِ الْأُمَّةِ مَعَ أَفْضَلِ الْخَلْقِ بِأَمْرِهِ. فَكَيْفَ يَكُونُ حَجُّ مَن حَجَّ مُفْرِدًا وَاعْتَمَرَ عَقِبَ ذَلِكَ، أَو قَارِنًا وَلَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ (١): أَفْضَلَ مِن حَجِّ هَؤُلَاءِ مَعَهُ بِأَمْرِهِ، وَكَيْفَ يَنْقُلُهُم عَنِ الْأَفْضَلِ إلَى الْمَفْضُولِ، وَأَمْرُهُ أَبْلَغُ مِن فِعْلِهِ؟ [٢٦/ ٨٥ - ٨٦] ٣١٨٦ - كَلَامُهُ؛ [أي: الإمام أحمد] إنَّمَا كَانَ فِي أَيِّهِمَا أَفْضَلُ: أَنْ يَسُوقَ وَيقْرِنَ، أَو يَتَمَتَّعَ وَلَا يَسُوقَ؟ لِأَنَّهُ إذَا سَاقَ الْهَدْيَ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَتَحَلَّلَ (٢)، فَهَذَا مِمَّا يَخْتَلِفُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ لِأَنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ : "لَو اسْتَقْبَلْت مِن أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْت لَمَا سُقْت الْهَدْيَ وَلَجَعَلْتهَا عُمْرَةً" (٣): هَل كَانَ لِأَنَّ التَّحَلُّلَ بِعُمْرَةٍ أَفْضَلُ مِن الْقِرَانِ أَمْ لَا؟ مُوَافَقَةً لِأَصْحَابِهِ لَمَّا أَمَرَهُم بِالتَّحَلُّلِ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ. فَهَذَا مَوْرِدُ اجْتِهَادٍ. وَلَمْ يَخْتَلِفْ كَلَامُ أَحْمَد أَنَّ مَن لَمْ يَسُق الْهَدْيَ وَقَدِمَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فَالتَّمَتُّعُ أفْضَلُ لَهُ. وَحِيَنئِذٍ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُتَمَتِّعِ وَالْقَارِنِ عِنْدَ أَحْمَد إلَّا فِي شَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْقَارِنَ يَكُونُ قَد أَحْرَمَ بِالْحَجِّ قَبْلَ الطَّوَافِ، سَوَاءٌ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مَعَ الْعُمْرَةِ، أَو أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ أَدْخَلَ عَلَيْهَا الْحَجَّ، بِأَنَّهُ فِي كِلَيْهِمَا قَارِنٌ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ. وَأَمَّا الْمُتَمَتِّعُ التَّمَتُّعَ الْخَاصَّ: فَإِنَّهُ يُؤَخّرُ إحْرَامَهُ بِالْحَجِّ إلَى مَا بَعْدَ قَضَاءِ العُمْرَةِ.

стр. 2245

الثَّانِي: أَنَّ الْقَارِنَ عِنْدَهُ لَا يَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً كَالْمُفْرِدِ، وَأَمَّا الْمُتَمَتِّعُ فَقَد اخْتَارَ لَهُ أَنْ يَسْعَى سَعْيَيْنِ، وَنَصَّ عَلَى أَنَّهُ يُجْزِيهِ سَعْيٌ وَاحِد كَالْمُفْرِدِ وَالْقَارِنِ. وَحِينَئِذٍ فَيَكونُ قَد تَمَيَّزَ بِسَعْيٍ زَائِدٍ مُسْتَحَبِّ، لَكِنْ هُوَ أَيْضًا يَسْتَحِبُّ لِلْمُتَمَتِّعِ أَنْ يَطُوفَ أَوَّلًا بَعْدَ عَرَفَةَ طَوَافَ الْقُدُومِ، فَيَكُونُ الْمُتَمَتِّعُ قَد طَافَ بَعْدَ عَرَفَةَ مَرَّتَيْنِ وَسَعَى سَعْيًا ثَانِيًا، وَأَمَّا الْقَارِنُ فَإِنَّهُ يَعْمَلُ مَا يَعْمَلُه الْمُفْرِدُ. لَكِنْ كُلُّ هَذَا فِيهِ نِزَاعٌ، وَفِي مَذْهَبِهِ قَوْلٌ آخَرُ: أَنَّ السَّعْيَ الثَّانِيَ وَاجِبٌ عَلَى الْمُتَمَتِّعِ. وَقَوْلٌ: أَنَّ الْقَارِنَ يَطُوفُ طَوَافَيْنِ ويسْعَى سعيين كَمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَوْلٌ: أَنَّ الْمُتَمَتِّعَ لَا يسْتَحَبُّ لَهُ طَوَافُ الْقُدُومِ (١)، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ (٢)؛ بَل وَلَا يُسْتَحَبُّ لَهُ سَعْيٌ ثَانٍ، فَإِنَّ الصَّحَابَةَ الَّذِينَ حَجُّوا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ لمْ يَسْعَوْا إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً. وَلَمْ يَخْتَلِفْ كَلَامُ أَحْمَد أَنَّ مَن لَمْ يَسُق الْهَدْيَ وَقَدِمَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فَالتَّمَتُّعُ أَفْضَلُ لَهُ؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ الَّذِينَ حَجُّوا مَعَهُ جَمِيعَهُم أَنْ يَحِلُّوا مِن إحْرَامِهِمْ وَيَجْعَلُوهَا عُمْرَةً إلَّا مَن سَاقَ الْهَدْيَ. وَمَذْهَبُ أَحْمَد أَيْضًا أَنَّهُ إذَا افْرَدَ الْحَجَّ بِسَفْرَةٍ وَالْعُمْرَةَ بِسَفْرَةٍ فَهَذَا الْإِفْرَادُ أَفْضَلُ لَهُ مِن التَّمَتُّعِ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ (٣). [٢٦/ ٣٥ - ٣٧، ٢٦/ ٢٧٦ - ٢٧٧]

стр. 2246

٣١٨٧ - هَل يُجْزِيهِ؛ [أي: الْمُتَمَتِّعُ] السَّعْيُ الْأَوَّلُ الَّذِي مَعَ طَوَافِ الْعُمْرَةِ، أَو يَحْتَاجُ إلَى سَعْيٍ ثَانٍ عَقِيبَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ أَو غَيْرِهِ؟ (١) عَلَى. قَوْلَيْنِ عَن أَحْمَد: وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ أَصْحَابِهِ هُوَ الثَّانِي، وَالْأَوَّلُ قَد نَصَّ عَلَيْهِ أَيْضًا، قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أَحْمَد: قُلْت لِأَبِي: الْمُتَمَتّعُ يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوة؟ قَالَ: إنْ طَافَ طَوَافَيْنِ فَهُوَ أَجْوَدُ، وَإِن طَافَ طَوَافًا وَاحِدًا فَلَا بَأْسَ. فَفِي "صَحِيحِ مُسْلِمٍ" عَن جَابِرٍ قَالَ: "لَمْ يَطُفْ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ إلَّا طَوَافًا وَاحِدًا طَوَافَهُ الْأَوَّلَ" (٢). وَهَذَا مَعَ أَنَّهُم كَانُوا مُتَمَتِّعِينَ. [٢٦/ ٣٨ - ٣٩] ٣١٨٨ - الصَّوَابُ أَنَّ مَن سَاقَ الْهَدْيَ فَالْقِرَانُ لَهُ أَفْضَلُ. وَمَن لَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا (٣) فِي سَفَرٍ وَقَدِمَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ: فَالتَّمَتُّعُ الْخَاصُّ أَفْضَلُ لَهُ (٤). وَإن قَدِمَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَقَبْلَهُ بِعُمْرَةٍ: فَهَذَا أَفْضَلُ مِنَ التَّمَتُّعِ. وَكَذَلِكَ لَو أَفْرَدَ الْحَجَّ بِسَفْرَةٍ وَالْعُمْرَةَ بِسَفْرَةٍ: فَهُوَ أَفْضَلُ مِنَ الْمُتْعَةِ الْمُجَرَّدَةِ (٥). بِخِلَافِ مَن أَفْرَدَ الْعُمْرَةَ بِسَفْرَةٍ ثُمَّ قَدِمَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ مُتَمَتِّعًا فَهَذَا لَهُ عُمْرَتَانِ وَحَجَّةٌ: فَهُوَ أَفْضَلُ؛ كَالصَّحَابَةِ الَّذِينَ اعْتَمَرُوا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ عُمْرَةَ

стр. 2247

الْقَضِيَّةِ ثُمَّ تَمَتَّعُوا مَعَهُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ فَهَذَا أَفْضَلُ الْإِتْمَامِ. ثُمَّ إنَّ النَّاسَ كَانُوا فِي عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ لَمَّا رَأَوْا فِي ذَلِكَ مِن السُّهُولَةِ صَارُوا يَقْتَصِرُونَ عَلَى الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ويتْرُكُونَ سَائِرَ الْأَشْهُرِ لَا يَعْتَمِرُونَ فِيهَا مِن أَمْصَارِهِمْ، فَصَارَ الْبَيْت يَعْرَى عَن الْعُمَّارِ مِن أَهْلِ الأمْصَارِ فِي سَائِرِ الْحَوْلِ؛ فَأَمَرَهُم عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بِمَا هُوَ أَكْمَلُ لَهُم بِأَنْ يَعْتَمِرُوا فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَيَصِيرُ الْبَيْتُ مَقْصُودًا مَعْمُورًا فِي أشْهُرِ الْحَجِّ وَغَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَهَذَا الَّذِي اخْتَارَهُ لَهُم عُمَرُ هُوَ الْأَفْضَلُ حَتَّى عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ التَّمَتُّعَ أَفْضَلُ مِنَ الْإِفْرَادِ وَالْقِرَانِ كَالْإِمَام أَحْمَد وَغَيْرِهِ، فَإِنَّ الْإِمَامُ أَحْمَد يَقُولُ: إنَّهُ إذَا اعْتَمَرَ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ كَانَ أفْضَلَ مِن أَنْ يُؤَخِّرَ الْعُمْرَةَ إلَى أَشْهُرِ الْحَجِّ، سَوَاءٌ قَدِمَ مَكَّةَ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ وَاعْتَمَرَ وَأَقَامَ بِمَكَّةَ حَتَّى يَحُجَّ مِن عَامِهِ ذَلِكَ، أَو اعْتَمَرَ ثُمَّ رَجَعَ إلَى مِصْرِهِ أَو مِيقَاتِ بَلَدِهِ وَأَحْرَمَ بِالْحَجِّ، وَهَذَا ظَاهِرٌ، فَإِنَّ الْقَاصِدَ لِمَكَّةَ إذَا قَدِمَ مَثَلًا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فَاعْتَمَرَ فِيهِ حَصَلَ لَهُ مَا ذَكَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ: "عُمْرَةٌ في رَمَضَانَ تَعْدِلُ حَجَّةً" (١). وَإن قَدِمَ قَبْلَ ذَلِكَ مُعْتَمِرًا وَأَقَامَ بِمَكَّةَ: فَذَلِكَ كُلُّهُ أَفْضَلُ لَهُ، فَإِنَّة يَطُوفُ بِمَكَّةَ ويعْتَكِفُ بِهَا تِلْكَ الْمُدَّةَ إلَى حِينِ الْإِهْلَالِ بِالْحَجِّ. وَإِن رَجَعَ إلَى مِصْرِهِ ثُمَّ قَدِمَ وَأَحْرَمَ بِالْحَجِّ فَقَد أَفْرَدَ لِلْعُمْرَةِ سَفَرًا وَللْحَجِّ سَفَرًا وَذَلِكَ أَتَمُّ لَهُمَا. وَأَمَّا مَن اعْتَمَرَ قَبْلَ أشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ رَجَعَ إلَى مِصْرِهِ ثُمَّ قَدِمَ ثَانِيًا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فَتَمَتَّعَ بِعُمْرَةٍ إلَى الْحَجِّ: فَهَذَا أَفْضَلُ مِمَّن اقْتَصَرَ عَلَى مُجَرَّدِ الْحَجِّ فِي سَفْرَتِهِ الثَّانِيَةِ إذَا اعْتَمَرَ مَعَهَا عَقِيبَ الْحَجِّ (٢)؛ لِأَنَّ مَن تَحْصُلُ لَهُ عُمْرَةٌ مُفْرَدَةٌ وَعُمْرَةٌ مَعَ حَجَّةٍ: أَفْضَل مِمَن لَا يَحْصُلُ لَهُ إلَّا عُمْرَةٌ وَحَجَّةٌ.

стр. 2248

وَعُمْرَةُ تَمَتُّعٍ أَفْضَلُ مِن عُمْرَةٍ مَكِّيَّةِ عَقِيبَ الْحَجِّ. فَهَذَا الَّذِي اخْتَارَهُ عُمَرُ لِلنَّاسِ هُوَ الِاخْتِيَارُ عِنْدَ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ: كَالْإِمَامِ أَحْمَد وَمَالِكٍ وَالشافِعِيِّ وَغَيْرِهِمْ، وَكَذَلِكَ ذَكَرَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ عَن مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، وَلَا يُعْرَفُ فِي اخْتِيَارِ ذَلِكَ خِلَافٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ (١). وَقَوِيَ النِّزَاعُ فِي ذَلِكَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَان، حَتَّى ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أنَّ عُثْمَانُ كَانَ يَنْهَى عَن الْمُتْعَةِ، فَلَمَّا رَآهُ عَلِيٌّ اُّهَلَّ بِهِمَا وَقَالَ: لَمْ أَكُنْ لِأَدَعَ سُنَّةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ لِقَوْلِ أَحَدٍ، وَنَهْيُ عُثْمَان كَانَ لِاخْتِيَارِ الْأفْضَلِ لَا نَهْيَ كَرَاهَةٍ. [٢٦/ ٢٧٦ - ٢٧٨] ٣١٨٩ - نَصَّ أَحْمَد عَلَى أَنَّ الْمُتَمَتِّعَ يُجْزِئهُ سَعْيٌ وَاحِدٌ كَمَا يُجْزِئُ الْقَارِنَ (٢)، وَعَلَى هَذَا فَلَا يَخْتَلِفَانِ إلَّا بِالتَّقَدُّمِ وَالتَّأَخُّرِ، وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَمَعْلُومٌ اُّنَّ تَقَدُّمَ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ أَفْضَلُ مِن تَأْخِيرِهِ؛ لِأَنَّهُ أَكْمَلُ، وَهَذَا الَّذِي ثَبَتَ صَحِيحًا صَرِيحًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حَيْثُ قال أَنَسٌ: سَمِعْته يَقُولُ: "لَبَّيْكَ عُمْرَةً وَحَجًّا" (٣). وَأَمَّا قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : "لَو اسْتَقْبَلْت مِن أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْت لَمَا سُقْت الْهَدْيَ وَلَجَعَلْتهَا عُمْرَةً" (٤): فَهَذَا أَيْضا يُبَيِّنُ أَنَّهُ مَعَ سَوْقِ الْهَدْيِ لَمْ يَكُن يَجْعَلُهَا عُمْرَةً، وَأَنَّهُ إنَّمَا كَانَ يَجْعَلُهَا عُمْرَةً إذَا لَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ؛ وَذَلِكَ لِأنَّ أَصْحَابَهُ الَّذِينَ أَمَرَهُم بِالْإِحْلَالِ -وَهُم الَّذِينَ لَمْ يَسُوقُوا الْهَدْيَ- كَرِهُوا أَنْ يُحِلُّوا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ لِأَنَّهُم لَمْ يَكُونوا يَعْتَادُونَ الْحِلَّ فِي وَسَطِ الْإِحْرَامِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لِأَجْلِ تَطْيِيبِ قُلُوبِهِم يُوَافِقُهُم فِي الْفِعْلِ، فَذَكَرَ أَنَّهُ لَو اسْتَقْبَلَ مِن

стр. 2249

أَمْرِهِ مَا اسْتَدْبَرَ؛ أَيْ: لَو كُنْت السَّاعَةَ مُبْتَدِئًا الْإِحْرَامَ لَمْ أَسُق الْهَدْيَ وَلَأَحْرَمْت بِعُمْرَةٍ أَحِلُّ مِنْهَا. وَهُوَ يُبَيِّنُ أَنَّ الْمُخْتَارَ لِمَن قَدِمَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ أَحَدُ أَمْرَيْنِ: أ- إمَّا أَنْ يَسُوقَ الْهَدْيَ و (١) يَتَمَتَّعَ تَمَتُّعَ قَارِنٍ. ب- أَو لَا يَسُوقُ الْهَدْيَ وَيتَمَتَّعُ بِعُمْرَةٍ وَيَحِلُّ مِنْهَا. ثُمَّ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: إنَّ الَّذِي اخْتَارَهُ اللهُ لِنَبِيِّهِ هُوَ أَفْضَلُ الْأَمْرَيْنِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ : "لَو اسْتَقْبَلْت مِن أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْت لَمْ أفعَلْ ذَلِكَ": فَهُوَ حُكْمٌ مُعَلَّقٌ عَلَى شَرْطٍ، وَالْمُعَلَّقُ عَلَى شَرْطٍ عُدِمَ عِنْدَ عَدَمِهِ، فَمَا اسْتَقْبَلَ مِن أَمْرِهِ مَا اسْتَدْبَرَ، وَقَد اخْتَارَ اللهُ تَعَالَى لَهُ مَا فَعَلَ، وَاخْتَارَ لَهُ أَنَّهُ لَمْ يَسْتَقْبِلْ مَا اسْتَدْبَرَ. وَلَا يَلْزَمُ إذَا كَانَ الشَّيْءُ أَفْضَلَ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ أَفْضَلَ مُطْلَقًا. وَلَكِنَّ هَذَا بَيَّنَ أَنَّ الْمُوَافَقَةَ إذَا كَانَ فِي تَنْوِيعِ الْأَعْمَالِ تَفَرُّقٌ وَتَشَتُّتٌ: هُوَ أَوْلَى مِن تَنْوِيعِهَا (٢). فَأَعْدَلُ الْأَقْوَالِ وَهُوَ أَتْبَعُهَا لِلسُّنَّةِ وَأَصَحُّهَا فِي الْأَثَرِ وَالنَّظَرِ مَا ذَكَرْنَاهُ: أَنَّ مَن قَدِمَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ مُرِيدًا لِلْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ فِي تِلْكَ السَّفْرَةِ: فَالسُّنَّةُ لَهُ التَّمَتُّعُ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ (٣)، ئُمَّ إنْ سَاقَ الْهَدْيَ لَمْ يَحِلّ مِن إحْرَامِهِ، وَلَكِنَّ إحْرَامَهُ بِالْحَجِّ مَعَ الْعُمْرَةِ أَوَّلًا قَبْلَ الطَّوَافِ وَالسَّعْي أَفْضَلُ لَهُ مِن أَنْ يُؤَخِّرَ الْإِحْرَامَ بِالْحَجِّ إلَى مَا بَعْدَ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ.

стр. 2250

وَإِن لَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ: حَلَّ، وَهَذَا أَفْضَلُ لَهُ مِن أَنْ يَجِيءَ بِعُمْرَةٍ عَقِبَ الْحَجِّ. وَأَمَّا مَن أَفْرَدَهُمَا فِي سَفْرَةٍ وَاعْتَمَرَ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ وَأَقَامَ إلَى الْحَجِّ: فَهَذَا أَفْضَلُ مِن التَّمَتُّعِ، وَهَذَا قَوْلُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْإِمَامُ أَحْمَد وَغَيْرِهِ. وَاخْتِيَارُ الْمُتْعَةِ هُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ، وَهُوَ قَوْلُ فُقَهَاءِ مَكَّةَ مِن الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَقَوْلُ بَنِي هَاشِمٍ. فَاتَّفَقَ عَلَى اخْتِيَارِهِ: عُلَمَاءُ سُنَّتِهِ، وَأَهْلُ بَلْدَتِهِ، وَأَهْلُ بَيْتِهِ. وَالْغَلَطُ فِي هَذَا الْبَابِ كَثِيرٌ عَلَى السُّنَّةِ وَعَلَى الْأَئِمَّةِ، وَإِلَّا فَكَيْفَ يَشُكُّ مَن لَهُ أَدْنَى مَعْرِفَةٍ فِي السُّنَّةِ أَنَ أَصْحَابَهُ لَمْ يَعْتَمِرْ أَحَدٌ مِنْهُم عَقِيبَ الْحَجِّ! وَكَيْفَ يَشكُّ مُسْلِمٌ أَنَّ مَا فَعَلُوهُ بِأَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ هُوَ الْأَفْضَلُ لَهُم وَلمَن كَانَ حَالُهُ كَحَالِهِمْ! (١) [٢٦/ ٢٨٤ - ٢٨٩] ٣١٩٠ - وَأَمَّا مَن قَالَ مِن الْفُقَهَاءِ: الْإِفْرَادُ أَنْ يَحُجَّ وَيَعْتَمِرَ عَقِبَ ذَلِكَ مِن مَكَّةَ فَهَذَا غالط بِإِجْمَاع الْعُلَمَاءِ، فَإِنَّهُ لَا نِزَاعَ بَيْنَهُم أَنَّ مَن اعْتَمَرَ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ وَرَجَعَ إلَى بَلَدهِ ثُمَّ حَجَّ، أَو أَقَامَ بِمَكَّةَ حَتَّى يَحُجَّ مِن عَامِهِ أَنَّهُ مُفْرِدٌ لِلْحَجِّ (٢)، وَكَذَلِكَ لَو اعْتَمَرَ بَعْدَ الْحَجِّ فِي سَفْرَةٍ أُخْرَى فَإِنَّهُ مُفْرِدٌ بِالِاتِّفَاقِ، وَهَذَا الْإِفْرَادُ هُوَ الَّذِي اسْتَحَبَّهُ الصَّحَابَةُ، وَهُوَ مُسْتَحَبٌّ أَيْضًا عِنْدَ أحْمَد وَغَيْرِهِ؛ فَإِنَّ الِاعْتِمَارَ فِي رَمَضَانَ وَالْإِقَامَةَ إلَى أَنْ يَحُجَّ أَفْضَلُ مِن التَّمَتُّعِ، وَإِن كَانَ الرُّجُوعُ إلَى بَلَدِهِ ثُمَّ السَّفَرُ لِلْحَجِّ أَفْضَلَ مِنْهَا. [٢٦/ ٤٨ - ٤٩] ٣١٩١ - مَن قَالَ مِن أَصْحَابِ أَحْمَد: إنَّهُ تَمَتَّعَ وَلَمْ يَحِلَّ مِن إحْرَامِهِ لِأَجْلِ

стр. 2251

سَوْقِ الْهَدْيِ -كَمَا يَخْتَارُهُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَغَيْرُهُ- فَالتَّمَتُّعُ عَلَى الْمَشْهُورِ عِنْدَهُم: السَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ بَعْدَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ لِلْحَجِّ كَمَا سَعَى أوَّلًا لِلْعُمْرَةِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ لَمْ يَسْعَ بَعْدَ الْإِفَاضَةِ، فَكَيْفَ يَكُونُ مُتَمَتِّعًا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ؟ لَكِنْ عَن أحْمَد رِوَايَةٌ أُخْرَى أَنَّ الْمُتَمَتِّعَ لَا يَحْتَاجُ إلَى سَعْي ثَانٍ؛ بَل يَكْفِيهِ السَّعْيُ الْأَوَّلُ كَمَا يَكْفِي الْمُفْرِدَ وَكَمَا يَكْفِي الْقَارِنَ .. لَكِنْ لَا يَبْقَى بَيْنَ الْقَارِنِ وَبَيْنَ الْمُتَمَتِّعِ الَّذِي سَاقَ الْهَدْيَ -فَلَمْ يَحِلَّ لِأَجْلِهِ- فَرْقٌ إلا أَنَّ الْقَارِنَ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ قَبْلَ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ، وَالْمُتَمَتِّعُ أحْرَمَ بِالْحَجِّ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِذَا كَانَ إدْخَالُهُ الْحَجَّ عَلَيْهَا بَعْدَ طَوَافِهِ وَسَعْيِهِ كَإِدْخَالِهِ قَبْلَ طَوَافِهِ وَسَعْيِهِ لَا يُوجِبُ عَلَيْهِ سَعْيًا ثَانِيًا: لَمْ يَكُن بَيْنَ الْقَارِنِ وَالْمُتَمَتِّعِ الَّذِي لَمْ يَحِلَّ فَرْقٌ أَصْلًا. [٢٦/ ٨٤] ٣١٩٢ - لَيْسَ فِي عَمَلِ الْقَارِنِ زَيادَةٌ عَلَى عَمَلِ الْمُفْرِدِ، لَكِنْ عَلَيْهِ وَعَلَى الْمُتَمَتِّعِ هَدْيٌ: بَدَنَةٌ أَو بَقَرَةٌ أو شَاةٌ أَو شِرْكٌ فِي دَمٍ، فَمَن لَمْ يَجِد الْهَدْيَ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ وَسَبْعَةً إذَا رَجَعَ، وَلَهُ أَنْ يَصُومَ الثَّلَاثَةَ مِن حِينِ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ فِي أظْهَرِ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ. [٢٦/ ١٤٣] * * * (باب المواقيت) ٣١٩٣ - الْمَوَاقِيتُ خَمْسَةٌ: ذُو الحليفة وَالْجَحْفَةُ وَقَرْنُ الْمَنَازِلِ ويلملم وَذَاتُ عِرْقٍ. فَذُو الحليفة: هِيَ أبْعَدُ الْمَوَاقِيتِ .. وَفِيهَا بِئْرٌ تُسَمِّيهَا جُهَّالُ الْعَامَّةِ "بِئْرَ عَلِيٍّ" لِظَنِّهِمْ أَنَّ عَلِيًّا قَاتَلَ الْجِنَّ بِهَا وَهُوَ كَذِبٌ، فَإِن الْجِنَّ لَمْ يُقَاتِلْهُم أحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَعَلِيٌّ أَرْفَعُ قَدْرًا مِن أنْ يَثْبُتَ الْجِنُّ لِقِتَالِهِ، وَلَا فَضِيلَةَ لِهَذَا الْبِئْرِ وَلَا مَذَمَّةَ وَلَا يُسْتَحَبُّ أنْ يَرْمِيَ بِهَا حَجَرًا وَلَا غَيْرَهُ. وَأَمَّا الْجَحْفَةُ: فَبَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ نَحْوُ ثَلَاثِ مَرَاحِلَ وَهِيَ قَرْيَةٌ كَانَت قَدِيمَةً مَعْمُورَةً وَكَانَت تُسَمَّى مهيعة وَهِيَ الْيَوْمَ خَرَابٌ؛ وَلهَذَا صَارَ النَّاسُ يُحْرِمُونَ

стр. 2252

قَبْلَهَا مِنَ الْمَكَانِ الَّذِي يُسَمَّى رَابِغًا، وَهَذَا مِيقَاتٌ لِمَن حَجَّ مِن نَاحِيَةِ الْمَغْرِبِ: كَأَهْلِ الشَّامِ وَمِصْرَ وَسَائِرِ الْمَغْرِبِ، لَكِنْ إذَا اجْتَازُوا بِالْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ -كَمَا يَفْعَلُونَهُ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ- أَحْرَمُوا مِن مِيقَاتِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، فَإِنَّ هَذَا هُوَ الْمُسْتَحَبُّ لَهُم بِالِاتِّفَاقِ، فَإِنْ أَخَّرُوا الْإِحْرَامَ إلَى الْجَحْفَةِ فَفِيهِ نِزَاعٌ. وَأَمَّا الْمَوَاقِيتُ الثَّلَاثَةُ فَبَيْنَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ نَحْوُ مَرْحَلَتَيْنِ. وَلَيْسَ لأحَدٍ أَنْ يُجَاوِزَ الْمِيقَاتَ إذَا أَرَادَ الْحَجَّ أَو الْعُمْرَةَ إلَّا بِإِحْرَام. [٢٦/ ٩٩ - ١٠٠] ٣١٩٤ - مَن كَانَ بِمَكَّةَ مِن مُسْتَوْطِنٍ وَمُجَاوِرٍ وَقَادِمٍ وَغَيْرِهِمْ: فَإِنَّ طَوَافَهُ بِالْبَيْتِ أَفْضَلُ لَهُ مِنَ الْعُمْرَةِ، وَسَوَاءٌ خَرَجَ فِي ذَلِكَ إلَى أَدْنَى الْحِلِّ وَهُوَ التَّنْعِيمُ الَّذِي أُحْدِثَ فِيهِ الْمَسَاجِدُ الَّتِي تُسَمَّى "مَسَاجِدَ عَائِشَةَ"، أَو أَقْصَى الْحِلِّ مِن أَيِّ جَوَانِبِ الْحَرَمِ. وَهَذَا الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ بَيْنَ سَلَفِ الْأُمَّةِ، وَمَا أَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا مِن أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ فِي الْعُمْرَةِ الْمَكِّيَّةِ. وَأَمَّا الْعُمْرَةُ مِن الْمِيقَاتِ: بِأَنْ يَذْهَبَ إلَى الْمِيقَاتِ فَيُحْرِمَ مِنْهُ، أَو يَرْجِعَ إلَى بَلَدِهِ ثُمَّ يُنْشِئَ السَّفَرَ مِنْهُ لِلْعُمْرَةِ: فَهَذِهِ لَيْسَتْ عُمْرَة مَكيَّةً؛ بَل هَذِهِ عُمْرَةٌ تَامَّةٌ، وَلَيْسَ الْكَلَامُ هُنَا فِيهَا. وَسَيَأْتِي كَلَامُ بَعْضِ مَن رَجَّحَ الْمُقَامَ بِمَكَّةَ لِلطَّوَافِ عَلَى الرُّجُوعِ لِلْعُمْرَةِ مِنَ الْمِيقَاتِ. وَإِنَّمَا النِّزَاعُ فِي أَنَّهُ هَل يُكْرَهُ لِلْمَكِّيِّ الْخُرُوجُ لِلِاعْتِمَارِ مِن الْحِلِّ أَمْ لَا؟ وَهَل يُكْرَهُ أَنْ يَعْتَمِرَ مَن تُشْرَعُ لَهُ الْعُمْرَةُ كَالْأفُقِيِّ (١) فِي الْعَامِ أَكْثَرَ مِن عُمْرَةٍ أَمْ لَا؟ وَهَل يُسْتَحَبُّ كَثْرَةُ الِاعْتِمَارِ أَمْ لَا؟

стр. 2253

فَأَمَّا كوْنُ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ أَفْضَلَ مِنَ الْعُمْرَةِ لِمَن كَانَ بِمَكَّةَ: فَهَذَا مِمَّا لَا يَسْتَرِيبُ فِيهِ مَن كَانَ عَالِمًا بِسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَسُنَّةِ خُلَفَائِهِ وَآثَارِ الصَّحَابَةِ وَسَلَفِ الْأُمَّةِ وَأئِمَّتِهَا؛ وَذَلِكَ أَنَّ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ مِن أَفْضَلِ الْعِبَادَاتِ وَالْقُرُبَاتِ الَّتِي شَرَعَهَا اللهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ وَعَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ﷺ . وَقَد قَالَ تَعَالَى لِخَلِيلِهِ إمَامِ الْحُنَفَاءِ الَّذِي أَمَرَهُ بِبِنَاءِ الْبَيْتِ وَدَعَا النَّاسَ إلَى حَجِّهِ: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥)﴾ [البقرة: ١٢٥] .. قَدَّمَ الْأَخَصَّ بِالْبِقَاعِ فَالْأَخَصَّ، فَقَدَّمَ الطَّوَافَ لِأنَّهُ يَخْتَصُّ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، ثُمَّ الْعُكُوفَ لِأَنَّهُ يَكونُ فِيهِ وَفِي الْمَسَاجِدِ الَّتِي يُصَلِّي الْمُسْلِمُونَ فِيهَا الصَّلَاةَ الْمَشْرُوعَةَ وَهِيَ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ جَمَاعَةً، ثُمَّ الصَّلَاةَ لِأنَّ مَكَانَهَا أَعَمُّ. وَمِن خَصَائِصِ الطَّوَافِ: أنَّه مَشْرُوعٌ بِنَفْسِهِ مُنْفَرِدًا أَو فِي ضِمْنِ الْعُمْرَةِ وَفِي ضِمْنِ الْحَجِّ، وَلَيْسَ فِي أعْمَالِ الْمَنَاسِكِ مَا يُشْرَعُ مُنْفَرِدًا عَن حَجّ وَعُمْرَةٍ إلَّا الطَّوَافَ. ويُسْتَحَبُّ أَيْضًا الطَّوَافُ فِي أثْنَاءِ الْمُقَامِ بِمِنَى ويُسْتَحَبُّ فِي جَمِيعِ الْحَوْلِ عُمُومًا. وَأَمَّا الِاعْتِمَارُ لِلْمَكِّيِّ بِخُرُوجِهِ إلَى الْحِلِّ: فَهَذَا لَمْ يَفْعَلْهُ أَحَدٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَطُّ إلَّا عَائِشَةَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، مَعَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَأْمُرْهَا بِهِ؛ بَل أَذِنَ فِيهِ بَعْدَ مُرَاجَعَتِهَا إيَّاهُ. فَأَمَّا أَصْحَابُهُ الَّذِينَ حَجُّوا مَعَهُ حَجَّةَ الْوَدَاعِ كُلُّهُم مِن أَوَّلهِمْ إلَى آخِرِهِمْ فَلَمْ يَخْرُجْ أَحَدٌ مِنْهُم لَا قَبْلَ الْحَجَّةِ وَلَا بَعْدَهَا لَا إلَى التَّنْعِيمِ وَلَا إلَى الْحُدَيْبِيَةِ وَلَا إلَى الْجِعْرَانَةِ وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ لِأَجْلِ الْعُمْرَةِ. وَكَذَلِكَ أَهْلُ مَكَّةَ الْمُسْتَوْطِنِينَ لَمْ يَخْرُجْ أَحَدٌ مِنْهُم إلَى الْحِلِّ لِعُمْرَةٍ، وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مَعْلُومٌ لِجَمِيعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ سُنَّتَهَ وَشَرِيعَتَهُ. فَإِذَا كَانَ الْمُسْلِمُونَ حِين كَانُوا بِمَكَّةَ مِن حِينِ بُعِثَ النَّبِيُّ ﷺ إلَى أَنْ تُوُفِّيَ

стр. 2254

-إذَا كَانُوا بِمَكَّةَ- لَمْ يَكُونُوا يَعْتَمِرُونَ مِن مَكَّةَ؛ بَل كَانُوا يَطُوفُونَ وَيحُجُّونَ مِنَ الْعَامِ إلَى الْعَامِ، وَكَانُوا يَطُوفُونَ فِي كُلِّ وَقْتٍ مِن غَيْرِ اعْتِمَارٍ: كَانَ هَذَا مِمَّا يُوجِبُ الْعِلْمَ الضَّرُورِيَّ أَنَّ الْمَشْرُوعَ لِأَهْلِ مَكَّةَ إنَّمَا هُوَ الطَّوَافُ، وَأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْأَفْضَلُ لَهُم مِن الْخُرُوجِ لِلْعُمْرَةِ؛ إذ مِن الْمُمْتَنِعِ أَنْ يَتَّفِقَ النَّبِيُّ ﷺ وَجَمِيعُ أَصْحَابهِ عَلَى عَهْدِهِ عَلَى الْمُدَاوَمَةِ عَلَى الْمَفْضُولِ وَتَرْك الْأَفْضَلِ، فَلَا يَفْعَلُ أَحَدٌ مِنْهُم اَلْأَفْضَلَ وَلَا يُرَغِّبُهُم فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ ، فَهَذَا لَا يَقُولُهُ أَحَدٌ مِن أهْلِ الْإِيمَانِ. وَمِمَّا يُوَضِّحُ ذَلِكَ: أنَّ الْمُسْلِمِينَ قَد تَنَازَعُوا فِي وُجُوبِ الْعُمْرَةِ لِوُجُوبِ الْحَجِّ عَلَى قَوْلَيْنِ مَشْهُورينِ لِلْعُلَمَاءِ. وَمَعَ هَذَا فَالْمَنْقُولُ الصَّرِيحُ عَمَّن أَوْجَبَ الْعُمْرَةَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتابِعِينَ لَمْ يُوجِبْهَا عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ. قَالَ أَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ: كَانَ ابْن عَباسٍ يَرَى الْعُمْرَةَ وَاجِبَةً ويقُولُ: يَا أَهْلَ مَكَّةَ لَيْسَ عَلَيْكُمْ عُمْرَةٌ إنَّمَا عُمْرَتُكُمْ طَوَافُكُمْ بِالْبَيْتِ. وَكَلَامُ هَؤُلَاءِ السَّلَفِ وَغَيْرِهِمْ يَقْتَضِي أَنَّهُم كَانُوا لَمْ يَسْتَحِبُّوهَا لِأَهْلِ مَكَّةَ فَضْلًا عَن أَنْ يُوجِبُوهَا (١). وَلهَذَا لَمْ يَكُن بُدٌّ مِن أَنْ يَجْمَعَ فِي نُسُكِهِ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ حَتَّى يَكُونَ قَاصِدًا لِلْحَرَمِ مِنَ الْحِلِّ؛ فَيَظْهَرُ فِيهِ مَعْنَى الْقَصْدِ إلَى اللهِ وَالتَّوَجُّهِ إلَى بَيْتِهِ وَحَرَمِهِ، فمَن كَانَ بَيْتُهُ خَارجَ الْحَرَمِ فَهُوَ قَاصِدٌ مِنَ الْحِلِّ إلَى الْحَرَمِ إلَى الْبَيْتِ. وَأَمَّا مَن كَانَ بِالْحَرَمِ -كَأَهْلِ مَكَّةَ- فَهُم فِي الْحَجِّ لَا بُدَّ لَهُم مِنَ الْخُرُوجِ إلَى عَرَفَاتٍ، وَعَرَفَاتٌ هِيَ مِنَ الْحِلِّ، فَإِذَا فَاضُوا مِن عَرَفَاتٍ قَصَدُوا حِينَئِذٍ الْبَيْتَ مِنَ الْحِلِّ، وَلهَذَا كَانَ الطَّوَافُ الْمَفْرُوضُ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ التَّعْرِيفِ وَهُوَ

стр. 2255

الْقَصْدُ مِن الْحِلِّ إلَى الْكَعْبَةِ الَّذِي هُوَ حَقِيقَةُ الْحَجِّ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "الْحَجُّ عَرَفَةُ" (١). وَلهَذَا لَمْ يَكُن عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ طَوَافُ قُدُومٍ وَلَا طَوَافُ وَدَاعٍ؛ لِانْتِفَاءِ مَعْنَى ذَلِكَ فِي حَقِّهِمْ، فَإِنَّهُم لَيْسُوا بِقَادِمِينَ إلَيْهَا وَلَا مُوَدِّعِينَ لَهَا مَا دَامُوا فِيهَا. فَظَهَرَ أَنَّ الْحَجَّ الَّذِي أَصْلُهُ التَّعْرِيفُ لِلطَّوَافِ بَعْدَ ذَلِكَ: مَشْرُوعٌ لِوُجُودِ حَقِيقَتِهِ فِيهِمْ. وَأَمَّا الْعُمْرَةُ: فَإِنَّ جِمَاعَهَا الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَذَلِكَ مِن نَفْسِ الْحَرَمِ وَهُوَ فِي الْحَرَمِ دَائِمًا. وَهَذَا الَّذِي ذَكرْنَاهُ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أنَّ الطَّوَافَ أَفْضَلُ، فَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أنَّ الِاعْتِمَارَ مِن مَكَّةَ وَتَرْكَ الطَّوَافِ لَيْسَ بِمُسْتَحَبٍّ؛ بَل الْمُسْتَحَبُّ هُوَ الطَّوَافُ دُونَ الِاعْتِمَارِ؛ بَلِ الِاعْتِمَارُ فِيهِ حِينَئِذٍ هُوَ بِدْعَةٌ لَمْ يَفْعَلْهُ السَّلَفُ وَلَمْ يُؤمَرْ بِهَا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَلَا قَامَ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ عَلَى اسْتِحْبَابِهَا، وَمَا كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ مِنَ الْبِدَعِ الْمَكْرُوهَةِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ. وَلهَذَا كَانَ السَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ يَنْهَوْنَ عَن ذَلِكَ. فَصْلٌ وَأَمَّا كَثْرَةُ الِاعْتِمَارِ فِي رَمَضَانَ لِلْمَكِّيِّ وَغَيْرِهِ، فَهُنَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ مُرَتَّبَةٍ: أ- الِاعْتِمَارُ فِي الْعَامِ أَكْثَرَ مِن مَرَّةٍ. ب- ثُمَّ الِاعْتِمَارُ لِغَيْرِ الْمَكِّيِّ. ج- ثُمَّ كَثْرَةُ الِاعْتِمَارِ لِلْمَكِّيِّ. فَأَمَّا كَثْرَةُ الِاعْتِمَارِ الْمَشرُوعِ: كَاَلَّذِي يَقْدَمُ مِن دويرة أَهْلِهِ فَيُحْرِمُ مِنَ

стр. 2256

الْمِيقَاتِ بِعُمْرَة، كَمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ يَفْعَلُونَ، وَهَذِهِ مِنَ الْعُمْرَةِ الْمَشْهُورَةِ عِنْدَهُمْ، فَقَد تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ: هَل يُكْرَهُ أَنْ يَعْتَمِرَ فِي السَّنَةِ أَكْثَرَ مِن عُمْرَةٍ وَاحِدَةٍ؟ فَكَرِهَ ذَلِكَ طَائِفَةٌ: مِنْهم الْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِين وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَقَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِي: مَا كَانُوا يَعْتَمِرُونَ فِي السَّنَةِ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً. وَرَخَّصَ فِي ذَلِكَ آخَرُونَ، مِنْهُم مِن أَهْلِ مَكَّةَ: عَطَاءٌ وطاوس وَعِكْرِمَةُ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد، وَهُوَ الْمَرْوِيُّ عَنِ الصَّحَابَةِ. قَالَ عَلِيٌّ: أَعْتَمِرُ فِي الشَّهْرِ إنْ أَطَقْت مِرَارًا. وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَن سُفْيَانَ عَن ابْنِ أَبِي حُسَيْنٍ عَن بَعْضِ وَلَدِ أَنَسٍ: أَنْ أَنَسًا كَانَ إذَا كَانَ بِمَكَّةَ فَحَمَّمَ رَأسُهُ خَرَجَ إلَى التَّنْعِيمِ وَاعْتَمَرَ. وَهَذِهِ -وَاللهُ أَعْلَمُ- هِيَ عُمْرَةُ الْمُحرمِ، فَإِنَّهُم كَانُوا يُقِيمُونَ بِمَكَّةَ (١) إلَى الْمُحَرَّمِ ثُمَّ يَعْتَمِرُونَ، وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّ الْعُمْرَةَ مِن مَكَّةَ مَشْرُوعَةٌ فِي الْجُمْلَةِ، وَهَذَا مِمَّا لَا نِزَاعَ فِيهِ، وَالْأئِمَّةُ مُتَّفِقُونَ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ. فَصْلٌ الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: فِي الْإِكْثَارِ مِنَ الِاعْتِمَارِ وَالْمُوَالَاةِ بَيْنَهَا: مِثْل أَنْ يَعْتَمِرَ مَن يَكُونُ مَنْزِلُهُ قَرِيبًا مِن الْحَرَمِ كُلَّ يَوْمٍ أَو كُلَّ يَوْمَيْنِ، أَو يَعْتَمِرَ الْقَرِيبُ مِن الْمَوَاقِيتِ الَّتِي بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ يَوْمَانِ: فِي الشَّهْرِ خَمْسَ عُمَرٍ أَو سِتَّ عُمَرٍ وَنَحْو ذَلِكَ، أو يَعْتَمِرَ مَن يَرَى الْعُمْرَةَ مِن مَكَّةَ كُلَّ يَوْمٍ عُمْرَةً أَو عُمْرَتَيْنِ، فَهَذَا مَكْرُوهٌ بِاتِّفَاقِ سَلَفِ الْأُمَّةِ، لَمْ يَفْعَلْهُ أَحَدٌ مِن السَّلَفِ؛ بَل اتَّفَقُوا عَلَى كَرَاهِيَتِهِ. وَاَلَّذِينَ رَخَّصُوا فِي أَكْثَرَ مِن عُمْرَةٍ فِي الْحَوْلِ أَكْثَرُ مَا قَالُوا: يَعْتَمِرُ إذَا أَمْكَنَ الْمُوسَى مِن رَأسِهِ أَو فِي شَهْرٍ مَرَّتَيْنِ وَنَحْوُ ذَلِكَ.

стр. 2257

وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْإِمَامُ أَحْمَد، قَالَ أَحْمَد: إذَا اعْتَمَرَ فَلَا بُدَّ مِن أَنْ يَحْلِقَ أَو يُقَصِّرَ وَفِي عَشَرَةِ أَيَّامٍ يُمْكِنُ حَلْقُ الرَّأْسِ. وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْإِمَامُ أَحْمَد فِعْلُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ الَّذِي رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ: أنَّه كَانَ إذَا حَمَّمَ رَأْسُهُ خَرَجَ فَاعْتَمَرَ. وَهَذَا لِأَنَّ تَمَامَ النُّسُكِ الْحَلْقُ أَو التَّقْصِيرُ وَهُوَ إمَّا وَاجِبٌ فِيهِ أَو مُسْتَحَبٌّ. وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ (١) فَنَقُول: فَإِذَا كَانَ قَد تَبَيَّنَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ مِن السُّنَّةِ وَاتِّفَاقِ سَلَفِ الْأُمَّةِ أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ بَل تُكْرَهُ الْمُوَالَاةُ بَيْنَ الْعُمْرَةِ لِمَن يُحْرِمُ مِن الْمِيقَاتِ، فَمِن الْمَعْلُوم أَنَّ الَّذِي يُوَالِي بَيْنَ الْعُمَرِ مِن مَكَّةَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ أَو غَيْرِهِ أَوْلَى بِالْكَرَاهَةِ، فَإِنَّهُ يَتَّفِقُ فِي ذَلِكَ مَحْذُورَانِ: أَحَدُهُمَا: كَوْنُ الِاعْتِمَارِ مِن مَكَّةَ، وَقَد اتَّفَقُوا عَلَى كَرَاهَةِ اخْتِيَارِ ذَلِكَ بَدَلَ الطَّوَافِ. وَالثَّانِي: الْمُوَالَاةُ بَيْنَ الْعُمَرِ، وَهَذَا اتَّفَقُوا عَلَى عَدَمِ اسْتِحْبَابِهِ؛ بَل يَنْبَغِي كَرَاهَتُهُ مُطْلَقًا فِيمَا أَعْلَمُ لِمَن لَمْ يَعْتَضْ عَنْهُ بِالطَّوَافِ وَهُوَ الْأَقْيَسُ، فَكَيْفَ بِمَن قَدَرَ عَلَى أَنْ يَعْتَاضَ عَنْهُ بِالطَّوَافِ؟ بِخِلَافِ كَثْرَةِ الطَّوَافِ فَإِنَّهُ مُسْتَحَبٌّ مَأْمُورٌ بِهِ لَا سِيَّمَا لِلْقَادِمِينَ، فَإِنَّ جُمْهُورَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ طَوَافَهُم بِالْبَيْتِ أَفْضَلُ لَهُم مِن الصَّلَاةِ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ مَعَ فَضِيلَةِ الصَّلَاةِ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ. وَأَمَّا الِاعْتِمَارُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ: فَفِي "الصَّحِيحَيْنِ وَالسُّنَنِ" عَن ابْن عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِامْرَأَةٍ مِن الْأَنْصَارِ: مَا مَنَعَك أَنْ تَحُجِّي مَعَنَا؟ فَقَالَتْ: لَمْ يَكُن لَنَا إلَّا نَاضِحَانِ فَحَجَّ أَبُو وَلَدِهَا عَلَى نَاضِحٍ وَتَرَكَ لَنَا نَاضِحًا

стр. 2258

نَنْضَحُ عَلَيْهِ، قَالَ: "فَإِذَا جَاءَ شَهْرُ رَمَضَانَ فَاعْتَمِرِي فَإِنَّ عُمْرَةً فِي رَمَضَانَ تَعْدِلُ حَجَّة" (١). وَفي "الصَّحِيحَيْنِ" (٢) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِأمِّ سِنَانٍ امْرَأَةٍ مِنَ الْأَنْصَارِ: "عُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ تَقْضِي حَجَّةً مَعِي". فَهَذِهِ الْأحَادِيثُ تُبَيِّنُ أَنَّهُ ﷺ أَرَادَ بِذَلِكَ الْعُمْرَةَ الَّتِي كَانَ الْمُخَاطَبُونَ يَعْرِفُونَهَا، وَهِيَ قُدُومُ الرَّجُلِ إلَى مَكَّةَ مُعْتَمِرًا، فَأمَّا أَنْ يَخْرُجَ الْمَكِّيُّ فَيَعْتَمِرَ مِنَ الْحِلِّ فَهَذَا أمْرٌ لَمْ يَكُونُوا يَعْرِفُونَهُ وَلَا يَفْعَلُونَهُ وَلَا يَأْمُرُونَ بِهِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُرَادًا مِن الْحَدِيثِ مَعَ أَنَّ هَذِهِ الْمَرْأَةَ كَانَت بِالْمَدِينَةِ النَّبوَّيةِ وَعُمْرَتُهَا لَا تَكُونُ إلَّا عَن الْمِيقَاتِ لَيْسَتْ عُمْرَتُهَا مَكِّيَّةٌ؟ [٢٦/ ٢٤٨ - ٢٩٢] ٣١٩٥ - يكره الخروج من مكة لعمرة تطوع، وذلك بدعة لم يفعلها النبي ﷺ ولا أصحابه على عهده، لا في رمضان ولا في غيره، ولم يأمر عائشة بها؛ بل أذن لها بعد المراجعة تطييبًا لقلبها، وطوافه بالبيت أفضل من الخروج اتفاقًا (٣). [المستدرك ٣/ ١٨٩ - ١٩٠] * * * (باب الإحرام) ٣١٩٦ - يستحب للمحرم الاشتراط إن كان خائفًا وإلا فلا؛ جمعًا بين الأخبار. [المستدرك ٣/ ١٩٠] ٣١٩٧ - إِذَا أَرَادَ الْإِحْرَامَ: فَإِنْ كَانَ قَارِنًا قَالَ: لَبَّيْكَ عُمْرَةً وَحَجًّا، وَإِن كَانَ مُتَمَتِّعًا قَالَ: لَبَّيْكَ عُمْرَةً مُتَمَتِّعًا بِهَا إلَى الْحَجِّ، وَإِن كَانَ مُفْرِدًا قَالَ: لَبَّيْكَ حجَّة.

стр. 2259

أَو قَالَ: اللَهُمَّ إنِّي أَوْجَبْت عُمْرَةً وَحَجًّا، أَو أَوْجَبْت عُمْرَةً أَتَمَتَعُ بِهَا إلَى الْحَجِّ، أَو أَوْجَبْت حَجًّا. أَو أُرِيدُ الْحَجَّ، أَو أُرِيدُهُمَا، أَو أُرِيدُ التَّمَتُّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ، فَمَهْمَا قَالَ مِن ذَلِكَ أَجْزَأَهُ بِاتِّفَاقِ الْأئِمَّةِ، لَيْسَ فِي ذَلِكَ عِبَارَةٌ مَخْصُوصَةٌ، وَلَا يَجِبُ شَيْءٌ مِن هَذِهِ الْعِبَارَاتِ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ، كَمَا لَا يَجِبُ التَّلَفُّظُ بِالنِّيَّةِ فِي الطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ؛ بَل مَتَى لَبَّى قَاصِدًا لِلْإِحْرَامِ انْعَقَدَ إحْرَامُهُ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَتَكَلَّمَ قَبْلَ التَّلْبِيَةِ بِشَيْءٍ. وَلَكِنْ تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ: هَل يُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِذَلِكَ؟ كَمَا تَنَازَعُوا: هَل يُسْتَحَبُّ التَّلَفُّظُ بِالنِّيَّةِ فِي الصَّلَاةِ؟ وَالصَّوَابُ الْمَقْطُوعُ بِهِ أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ؟. [٢٦/ ١٠٤ - ١٠٥] ٣١٩٨ - لَو أَحْرَمَ إحْرَامًا مُطْلَقًا جَازَ، فَلَو أَحْرَمَ بِالْقَصْدِ لِلْحَجِّ مِن حَيْثُ الْجُمْلَةُ وَلَا يُعْرَفُ هَذَا التَّفْصِيلُ جَازَ. ولَو أَهَلَّ وَلَبَّى كَمَا يَفْعَلُ النَّاسُ قَاصِدًا لِلنُّسُكِ، وَلَمْ يُسَمِّ شَيْئًا بِلَفْظِهِ وَلَا قَصَدَ بِقَلْبِهِ لَا تَمَتُّعًا وَلَا إفْرَادًا وَلَا قِرَانًا صَحَّ حَجُّهُ أَيْضًا، وَفَعَلَ وَاحِدًا مِنَ الثَّلَاثَةِ. [٢٦/ ١٠٦] ٣١٩٩ - التَّجَرُّدُ مِنَ اللِّبَاسِ وَاجِبٌ فِي الْإحْرَامِ وَلَيْسَ شَرْطًا فِيهِ، فَلَو أحْرَمَ وَعَلَيْهِ ثِيَابٌ صَحَّ ذَلِكَ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَبِاتِّفَاقِ أئِمَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَعَلَيْهِ أنْ يَنْزعَ اللِّبَاسَ الْمَحْظُورَ. [٢٦/ ١٠٨] ٣٢٠٠ - يُسْتَحَبُّ أَنْ يُحْرِمَ عَقِيبَ صَلَاةٍ: إمَّا فَرْضٍ وَإمَّا تَطَوُّعٍ إنْ كَانَ وَقْتَ تَطَوُّعٍ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، الْآخَرِ: إنْ كَانَ يُصَلِّي فَرضًا أَحْرَمَ عَقِيبَهُ وَإِلَّا فَلَيْسَ لِلْإِحْرَامِ صَلَاةٌ تَخُصُّهُ وَهَذَا أَرْجَحُ. ويُسْتَحَبُّ أنْ يَغْتَسِلَ لِلْإِحْرَامِ وَلَو كَانَت نُفَسَاءَ أَو حَائِضًا. وَإِن احْتَاجَ إلَى التَّنْظِيفِ؛ كَتَقْلِيمِ الْأَظْفَارِ وَنَتْفِ الْإِبِطِ وَحَلْقِ الْعَانَةِ وَنَحْوِ

стр. 2260

ذَلِكَ فَعَلَ ذَلِكَ، وَهَذَا لَيْسَ مِن خَصَائِصِ الْإِحْرَامِ، وَكَذَلِكَ لَمْ يَكُن لَهُ ذِكْرٌ فِيمَا نَقَلَهُ الصَّحَابَةُ، لَكِنَّهُ مَشْروعٌ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ، وَهَكَذَا يُشْرَعُ لِمُصَلِّي الْجُمُعَةِ وَالْعِيدِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ. ويُسْتَحَبُّ أَنْ يُحْرِمَ فِي ثَوْبَيْنِ نَظِيفَيْنِ فَإِنْ كَانَا أَبْيَضَيْنِ فَهُمَا أَفْضَلُ، وَيجُوزُ أَنْ يُحْرِمَ فِي جَمِيعِ أَجْنَاسِ الثيابِ الْمُبَاحَةِ: مِنَ الْقُطْنِ وَالْكَتَّانِ وَالصُّوفِ. وَالسُّنَّة أَنْ يُحْرِمَ فِي إزَارٍ وَرِدَاءٍ سَوَاءٌ كَانَا مَخِيطَيْنِ أَو غَيْرَ مَخِيطَيْنِ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ، وَلَو أَحْرَمَ فِي غَيْرِهِمَا جَازَ إذَا كَانَ مِمَّا يَجُوزُ لُبْسُهُ، وَيَجُوزُ أنْ يُحْرِمَ فِي الْأَبْيَضِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَلْوَانِ الْجَائِزَةِ وَإِن كَانَ مُلَوَّنًا. [٢٦/ ١٠٨ - ١٠٩] ٣٢٠١ - الصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَلْبَسَ مَا دُونَ الْكَعْبَيْنِ؛ مِثْل الْخُفِّ الْمُكَعَّبِ وَالْجُمْجُمِ وَالْمَدَاسِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، سَوَاءٌ كَانَ وَاجِدًا لِلنَّعْلَيْنِ أَو فَاقِدًا لَهُمَا. وَإِذَا لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ وَلَا مَا يَقُومُ مَقَامَهُمَا؛ مِثْلُ الْجُمْجُمِ وَالْمَدَاسِ وَنَحْوُ ذَلِكَ: فَلَهُ أَنْ يَلْبَسَ الْخُفَّ وَلَا يَقْطَعَهُ. وَكَذَلِكَ إذَا لَمْ يَجِدْ إزَارًا فَإِنَّهُ يَلْبَسُ السَّرَاوِيلَ وَلَا يَفْتُقُهُ، هَذَا أَصَحُّ قَوْلَيِ الْعُلَمَاءِ. وَكَذَلِكَ يَجُوزُ أَنْ يَلْبَسَ كُلَّ مَا كَانَ مِن جِنْسِ الْإِزَارِ وَالرِّدَاءِ، فَلَهُ أَنْ يَلْتَحِفَ بِالْقَبَاءِ وَالْجُبَّةِ وَالْقَمِيصِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَيتَغَطَّى بِهِ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ عَرْضًا، ويلْبَسُهُ مَقْلُوبًا: يَجْعَلُ أَسْفَلَهُ أَعْلَاهُ وَيتَغَطَّى بِاللِّحَافِ وَغَيْرِهِ، وَلَكِنْ لَا يُغَطِّي رَأسَهُ إلَّا لِحَاجَةٍ، وَالنَّبِيُّ ﷺ نَهَى الْمُحْرِمَ أَنْ يَلْبَسَ الْقَمِيصَ وَالْبُرْنُسَ وَالسَّرَاوِيلَ وَالْخُفَّ وَالْعِمَامَةَ، وَنَهَاهُم أَنْ يُغَطُّوا رَأسَ الْمُحْرِمِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَأَمَرَ مَن أَحْرَمَ فِي جُبَّةِ أَنْ يَنْزِعَهَا عَنْهُ، فَمَا كَانَ مِن هَذَا الْجِنْسِ فَهُوَ فِي مَعْنَى مَا نَهَى عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ ، فَمَا كَانَ فِي مَعْنَى الْقَمِيصِ فَهُوَ مِثْلُهُ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَلْبَسَ الْقَمِيصَ لَا بِكُمّ وَلَا بِغَيْرِكُمِّ، وَسَوَاءٌ أَدْخَلَ فِيهِ يَدَيْهِ أَو لَمْ يَدْخُلْهُمَا، وَسَوَاء كَانَ سَلِيمًا أَو مَخْرُوقًا.

стр. 2261

وَكَذَلِكَ لَا يَلْبَسُ الْجُبَّةَ وَلَا الْقَبَاءَ الَّذِي يُدْخِلُ يَدَيْهِ فِيهِ .. وَأَمْثَالُ ذَلِكَ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ. وَأمَّا إذَا طَرَحَ الْقَبَاءَ عَلَى كَتِفَيْهِ مِن غَيْرِ إدْخَالِ يَدَيْهِ فَفِيهِ نِزَاعٌ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْفُقَهَاءِ: لَا يُلْبَسُ. وَالْمَخِيطُ: مَا كَانَ مِنَ اللِّبَاسِ عَلَى قَدْرِ الْعُضْوِ، وَكَذَلِكَ لَا يَلْبَسُ مَا كَانَ فِي مَعْنَى الْخُفِّ: كَالْمُوقِ وَالْجَوْرَبِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَلَا يَلْبَسُ مَا كَانَ فِي مَعْنَى السَّرَاوِيلِ؛ كَالتّبَّانِ وَنَحْوِهِ. وَلَهُ أَنْ يَعْقِدَ مَا يَحْتَاج إلَى عَقْدِهِ كَالْإِزَارِ وَهِمْيَانِ النَّفَقَةِ. وَالرِّدَاءُ لَا يَحْتَاجُ إلَى عَقْدِهِ فَلَا يَعْقِدُهُ، فَإِن احْتَاجَ إلَى عَقْدِهِ فَفِيهِ نِزَاعٌ، وَالْأَشْبَهُ جَوَازُهُ حِينَئِذٍ. وَهَل الْمَنْعُ مِن عَقْدِهِ مَنْعُ كَرَاهَةٍ أَو تَحْرِيمٍ؟ فَفِيهِ نِزَاعٌ، وَلَيْسَ عَلَى تَحْرِيمِ ذَلِكَ دَلِيلٌ. وَأَمَّا الرَّأْسُ فَلَا يُغَطِّيهِ لَا بِمَخِيطٍ وَلَا غَيْرِهِ. وَأمَّا الْمَرْأَة فَإِنَّهَا عَوْرَةٌ، فَلِذَلِكَ جَازَ لَهَا أَنْ تَلْبَسَ الثِّيَابَ الَّتِي تَسْتَتِرُ بِهَا وَتَسْتَظِلُّ بِالْمَحْمَلِ، لَكِنْ نَهَاهَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تَنْتَقِبَ أَو تَلْبَسَ الْقُفَّازَيْنِ، وَالْقُفَّازَانِ: غِلَافٌ يُصْنَعُ لِلْيَدِ. وَلَو غَطَّتِ الْمَرْأَةُ وَجْهَهَا بِشَيْءٍ لَا يَمَسُّ الْوَجْهَ جَازَ بِالِاتِّفَاقِ، وَإِن كَانَ يَمَسُّهُ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجُوز أَيْضًا. وَلَا تُكَلَّفُ الْمَرْأَةُ أَنْ تجَافِيَ سُتْرَتَهَا عَنِ الْوَجْهِ لَا بِعُود وَلَا بِيَد وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ. وَلَمْ يَنْقلْ أَحَد مِن أَهْلِ الْعِلْمِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إحْرَامُ الْمَرْأَةِ فِي وَجْهِهَا" (١) وَإِنَّمَا هَذَا قَوْلُ بَعْضِ السَّلَفِ، لَكِنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَاهَا أَنْ تَنْتَقِبَ أَو

стр. 2262

تَلْبَسَ الْقُفَّازينِ، كَمَا نَهَى الْمُحْرِمَ أَنْ يَلْبَسَ الْقَمِيصَ وَالْخُفَّ، مَعَ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْتُرَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ، وَالْبُرْقُعُ أَقْوَى مِن النِّقَابِ؛ فَلِهَذَا يُنْهَى عَنْهُ بِاتِّفَاقِهِمْ، وَلهَذَا كَانَتِ الْمُحْرِمَةُ لَا تَلْبَسُ مَا يُصْنَعُ لِسَتْرِ الْوَجْهِ كَالْبُرْقُعِ وَنَحْوِهِ، فَإِنَّهُ كَالنِّقَابِ. [٢٦/ ١٠٩ - ١١٣] ٣٢٠٢ - لَا يَكُونُ الرَّجُلُ مُحْرِمًا بِمُجَرَّدِ مَا فِي قَلْبِهِ مِن قَصْدِ الْحَجِّ وَنِيَّتِهِ، فَإِنَّ الْقَصْدَ مَا زَالَ فِي الْقَلْبِ مُنْذُ خَرَجَ مِن بَلَدِهِ؛ بَل لَا بُدَّ مِن قَوْلٍ أَو عَمَلٍ يَصِيرُ بِهِ مُحْرِمًا، هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ مِن الْقَوْلَيْنِ. [٢٦/ ١٠٨] ٣٢٠٣ - قَوْلهُ ﷺ لَمَّا سُئِلَ مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِن الثِّيَابِ؟ فَقَالَ: "لَا يَلْبَسُ الْقَمِيصَ وَلَا الْعَمَائِمَ وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ وَلَا الْبَرَانِسَ وَلَا الْخِفَافَ، وَمَن لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُونَا أَسْفَلَ مِن الْكَعْبَيْنِ" (١)، هَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ عُمَرَ، وَذَكَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَطَبَ بِذَلِكَ لَمَّا كَانَ بِالْمَدِينَةِ، وَلَمْ يَكُن حِينَئِذٍ قَد شُرِعَتْ رُخْصَةُ الْبَدَلِ، فَلَمْ يُرَخِّصْ لَهُم لَا فِي لُبْسِ السَّرَاوِيلِ إذَا لَمْ يَجِدُوا الْإِزَارَ وَلَا فِي لُبْسِ الْخُفِّ مُطْلَقًا. ثُمَّ إنَّهُ فِي عَرَفَاتٍ بَعْدَ ذَلِكَ قَالَ: "السَّرَاوِيلُ لِمَن لَمْ يَجِدِ الإِزَارَ وَالْخِفَافُ لِمَن لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ" (٢)، هَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَحَدِيثُهُ فِي "الصَّحِيحَيْنِ"، وَرَوَاهُ جَابِرٌ وَحَدِيثُهُ فِي مُسْلِمٍ. فَأرْخَصَ لَهُم بِعَرَفَات فِي الْبَدَلِ، فَأَجَازَ لَهُم لُبْسَ السَّرَاوِيلِ إذَا لَمْ يَجِدُوا الْإِزَارَ بِلَا فَتْقٍ وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ، فَمَن اشْتَرَطَ فَتْقَهُ خَالَفَ النَّصَّ. وَأَجَازَ لَهُم حِينَئِذٍ لُبْسَ الْخُفَّيْنِ إذَا لَمْ يَجِدُوا النَّعْلَيْنِ بِلَا قَطْع، فَمَن اشْتَرَطَ الْقَطْعَ فَقَد خَالَفَ النَّصَّ، فَإِنَّ السَّرَاوِيلَ الْمَفْتُوقَ وَالْخُفَّ الْمَقْطُوعَ لَا

стр. 2263

يَدْخُلُ فِي مُسَمَّى السَّرَاوِيلِ وَالْخُفِّ عِنْدَ الْاِطْلَاقِ، كَمَا أَنَ الْقَمِيصَ إذَا فُتِقَ وَصَارَ قطعًا لَمْ يُسَمَّ سَرَاوِيلَ. وَدَلَّتْ نُصُوصُهُ الْكَرِيمَةُ وَأَلْفَاظُهُ الشَّرِيفَةُ الَّتِي هِيَ مَصَابِيحُ الْهُدَى عَلَى أُمُورٍ يَحْتَاجُ النَّاسُ إلَى مَعْرِفَتِهَا قَد تَنَازَعَ فِيهَا الْعُلَمَاءُ: مِنْهَا: أَنَّهُ لَمَّا أَذِنَ لِلْمُحْرِمِ إذَا لَمْ يَجِدْ النَّعْلَيْنِ يَلْبَسُ الْخُفَّ: إمَّا مُطْلَقًا وَإِمَّا مَعَ الْقَطْعِ: كَانَ ذَلِكَ إذْنًا فِي كل مَا يُسَمَّى خُفًّا سَوَاءٌ كَانَ سَلِيمًا أَو مَعِيبًا، وَكَذَلِكَ لَمَّا أَذِنَ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ كَانَ ذَلِكَ إذْنًا فِي كُل خُفِّ. الثَّانِي: أَنَّ الْمُحْرِمَ إذَا لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ وَلَا مَا يُشْبِهُ النَّعْلَيْنِ -مِن خُفِّ مَقْطُوعٍ أَو جُمْجُمٍ أَو مَدَاسٍ أَو غَيْرِ ذَلِكَ- فَإِنَّهُ يَلْبَسُ أَيَّ خُفِّ شَاءَ وَلَا يَقْطَعُهُ، هَذَا أَصَحُّ قَوْلَيِ الْعُلَمَاءِ وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَذِنَ بِذَلِكَ فِي عَرَفَات بَعْدَ نَهْيِهِ عَن لُبْسِ الْخُفِّ مُطْلَقًا، وَبَعْدَ أَمْرِهِ مَن لَمْ يَجِدْ أنْ يَقْطَعَ، وَلَمْ يَأْمُرْهُم بِعَرَفَات بِقَطْعٍ، مَعَ أَنَّ الَّذِينَ حَضَرُوا بِعَرَفَات كَانَ كَثيرٌ مِنْهُم أَو أَكْثَرُهُم لَمْ يَشْهَدُوا كَلَامَهُ بِالْمَدِينَةِ؛ بَل حَضَرَ مِن مَكَّةَ وَالْيَمَنِ وَالْبَوَادِي وَغَيْرِهَا خَلْقٌ عَظِيمٌ حَجُّوا مَعَهُ لَمْ يَشْهَدُوا جَوَابَهُ بِالْمَدِينَةِ عَلَى الْمِنْبَرِ؛ بَل أَكْثَرُ الَّذِينَ حَجُّوا مَعَهُ لَمْ يَشْهَدُوا ذَلِكَ الْجَوَابَ. الثَّالِثُ: أَنَّهُ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ يَلْبَسُ سَرَاوِيلَ بِلَا فَتْقٍ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد. الرَّابعُ: أَنَّهُ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمَقْطُوعَ كَالنَّعْلَيْنِ يَجُوزُ لُبْسُهُمَا مُطْلَقًا وَلُبْسُ مَا أَشْبَهَهُمَا مِن جُمْجُمٍ وَمَدَاسٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ. [٢٦/ ١٩٢ - ١٩٦] ٣٢٠٤ - اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْمُحْرِمَ يَعْقِدُ الْإِزَارَ إذَا احْتَاجَ إلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَثْبُتُ بِالْعَقْدِ، وَكَرِهَ ابْنُ عُمَرَ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَعْقِدَ الرِّدَاءَ، كَأَنَّهُ رَأَى أَنَّهُ إذَا عَقَدَ عُقْدَةً صَارَ يُشْبِهُ الْقَمِيصَ الَّذِي لَيْسَ لَهُ يَدَانِ، وَاتَّبَعَهُ عَلَى ذَلِكَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ

стр. 2264

فَكَرِهُوهُ كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ فَيُوجِبُونَ الْفِدْيَةَ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ، وَأَمَّا كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ فَلَا يُوجِبُونَ الْفِدْيَةَ وَهَذَا أَقْرَبُ. وَلَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ مِن الصَّحَابَةِ كَرَاهَةَ عَقْدِ الرِّدَاءِ الصَّغِيرِ الَّذِي لَا يُلْتَحَفُ وَلَا يَثْبُتُ بِالْعَادَةِ إلَّا بِالْعَقْدِ أَو مَا يُشْبِهُة مِثْلُ الْخِلَالِ وَرَبْطِ الطَّرَفَيْنِ عَلَى حَقْوِهِ وَنَحْو ذَلِكَ. فَإِنْ قِيلَ: فَيَنْبَغِي أَنْ يُرَخَّصَ فِي لُبْسِ الْقَمِيصِ وَالْجُبَّةِ وَنَحْوِهِمَا لِمَن لَمْ يَجِدِ الرِّدَاءَ. قِيلَ: الْحَاجَةُ تَنْدَفِعُ بِأَنْ يَلْتَحِفَ بِذَلِكَ عَرضًا مَعَ رَبْطِهِ وَعَقْدِ طَرَفَيْهِ فَيَكُونُ كَالرِّدَاءِ، بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يُمْكِنْهُ الرَّبْطُ فَإنَّ طَرَفَيِ الْقَمِيصِ وَالْجُنَّةِ وَنَحْوِهِمَا لَا يَثْبُتُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ، وَكَذَلِكَ الْأَرْدِيَةُ الصِّغَارُ. فَمَا وَجَدَة الْمُحْرِمُ مِن قَمِيصٍ وَمَا يُشْبِهُهُ كَالْجُبَّةِ وَمِن بُرْنُسٍ وَمَا يُشْبِهُهُ مِن ثِيَابٍ مُقَطَّعَةٍ: أَمْكَنَهُ أَنْ يَرْتَدِيَ بِهَا إذَا رَبَطَهَا فَيَجِبُ أَنْ يُرَخَّصَ لَهُ فِي ذَلِكَ لَو كَانَ الْعَقْدُ فِي الْأَصْلِ مَحْظُورًا، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ مَكْرُوهًا فَعِنْدَ الْحَاجَةِ تَزُولُ الْكَرَاهَةُ، كَمَا رُخِّصَ لَهُ أَنْ يَلْبَسَ الْهِمْيَانَ لِحِفْظِ مَالِهِ وَيعْقِدَ طَرَفَيْهِ إذَا لَمْ يَثْبُتْ إلَّا بِالْعَقْدِ، وَهُوَ إلَى سَتْرِ مَنْكِبَيْهِ أَحْوَجُ؛ فَرُخِّصَ لَهُ عَقْدُ ذَلِكَ عِنْدَ الْحَاجَةِ بِلَا ريبٍ. وَالنَّبِي ﷺ لَمْ يَذْكُرْ فِيمَا يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ وَمَا يُنْهَى عَنْهُ لَفْظًا عَامًّا يَتَنَاوَلُ عَقْدَ الرِّدَاءِ؛ بَل سُئِلَ ﷺ عَمَّا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِن الثيابِ فَقَالَ: "لَا يَلْيَسُ الْقَمِيصَ وَلَا الْبَرَانِسَ وَلَا الْعَمَائِمَ وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ وَلَا الْخِفَافَ إلَّا مَن لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ" الْحَدِيثَ. فَنَهَى عَن خَمْسَةِ أَنْوَاعٍ مِن الثِّيَابِ الَّتِي تُلْبَسُ عَلَى الْبَدَنِ، وَهِيَ الْقَمِيصُ وَفي مَعْنَاهُ الْجُبَّةُ وَأَشْبَاهُهَا؛ فَإِنَّهُ لَمْ يُرِدْ تَحْرِيمَ هَذِهِ الْخَمْسَةِ فَقَطْ؛ بَل أَرَادَ تَحْرِيمَ هَذِهِ الْأَجْنَاس، وَنَبَّهَ عَلَى كُلِّ جِنْسٍ بِنَوْعِ مِنْهَا، وَذَكَرَ مَا احْتَاجَ الْمُخَاطَبُونَ إلَى مَعْرِفَتِهِ، وَهُوَ مَا كَانُوا يَلْبَسُونَة غَالِبًا.

стр. 2265

وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ: مَا ثَبَتَ عَنْهُ فِي "الصَّحِيحَيْنِ" (١) أَنَّهُ سُئِلَ قَبْلَ ذَلِكَ عَمَّن أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ فَقَالَ: "انْزعْ عَنْك الْجُبَّةَ". وَكَانَ هَذَا فِي عُمْرَةِ الْقَضِيَّةِ، فَعُلِمَ أَنَّ تَحْرِيمَ الْجُبَّةِ كَانَ مَشْرُوًعا قَبْلَ هَذَا، وَلَمْ يَذْكُرْهَا بِلَفْظِهَا فِي الْحَدِيثِ. وَأَيْضًا فَقَد ثَبَتَ عَنْهُ فِي "الصَّحِيحَيْنِ" أَنَّهُ قَالَ فِي الْمُحْرِمِ الَّذِي وَقَصَتْهُ نَاقَتُهُ: "وَلَا تُخَمّرُوا رَأْسَهُ" (٢) .. فَنَهَاهُم عَن تَخْمِيرِ رَأْسِهِ لِبَقَاءِ الْإِحْرَامِ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا، كَمَا أَمَرَهُم أَنْ لَا يُقَرِّبُوهُ طِيبًا؛ فَعُلِمَ أَنَّ الْمُحْرِمَ يُنْهَى عَن هَذَا وَهَذَا. وَإِنَّمَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ النَّهْيُ عَن لُبْسِ الْعَمَائِمِ. فَعُلِمَ أَنَّهُ أَرَادَ النَّهْيَ عَن ذَلِكَ وَعَمَّا يُشْبِهُهُ فِي تَخْمِيرِ الرَّأْسِ. فَذَكَرَ: أ- مَا يُخَمِّرُ الرَّأْسَ. ب- وَمَا يُلْبَسُ عَلَى الْبَدَنِ كَالْقَمِيصِ وَالْجُبَّةِ. ج- وَمَا يُلْبَسُ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا وَهُوَ الْبُرْنُسُ. د- وَذَكَرَ مَا يُلْبَسُ فِي النِّصْفِ الْأَسْفَلِ مِن الْبَدَنِ وَهُوَ السَّرَاوِيل وَالثِّيَابُ، وَالتُّبَّانُ فِي مَعْنَاهُ. هـ- وَكَذَلِكَ مَا يُلْبَسُ فِي الرِّجْلَيْنِ وَهُوَ الْخُفُّ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الجرموق وَالْجَوْرَبَ فِي مَعْنَاهُ. وَهَذَا كَمَا أَنَّهُ لَمَّا أَمَرَ بِصَدَقَةِ الْفِطْرِ بِصَاعٍ مِن تَمْرٍ أَو شَعِيرٍ هُوَ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ لِكَوْنِهِ كَانَ قُوتًا لِلنَّاسِ؛ فَأَهْلُ كُلِّ بَلَدٍ يُخْرِجُونَ مِن قُوتِهِمْ وَإِن لَمْ يَكُن

стр. 2266

مِن الْأَصْنَافِ الْخَمْسَةِ؛ كَاَلَّذِينَ يَقْتَاتُونَ الرُّزَّ أَو الذُّرَةَ: يُخْرِجُونَ مِن ذَلِكَ عِنْدَ أكْثَرِ الْعُلَمَاءِ. [٢١/ ٢٠١ - ٢٠٦] * * * (باب محظورات الإحرام) ٣٢٠٥ - مِمَّا يُنْهَى عَنْهُ الْمُحْرِمُ: أَنْ يَتَطَيَّبَ بَعْدَ الْإِحْرَامِ فِي بَدَنِهِ أَو ثِيَابِهِ، أَو يَتَعَمَّدَ شَمَّ الطِّيبِ. وَأمَّا الدُّهْنُ فِي رَأْسِهِ أَو بَدَنِهِ بِالزَّيْتِ وَالسَّمْنِ وَنَحْوِهِ إذَا لَمْ يَكُن فِيهِ طِيبٌ: فَفِيهِ نِزَاعٌ مَشْهُورٌ وَتَرْكُهُ أَوْلَى. وَلَا يُقَلِّمُ أَظْفَارَهُ وَلَا يَقْطَعُ شَعْرَهُ، وَلَهُ أَنْ يَحُكَّ بَدَنَهُ إذَا حَكَّهُ، وَيَحْتَجِمَ فِي رَأْسِهِ وَغَيْرِ رَأْسِهِ، وَإِن احْتَاجَ أَنْ يَحْلِقَ شَعْرًا لِذَلِكَ جَازَ، فَإِنَّهُ قَد ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ "احْتَجَمَ فِي وَسَطِ رَأسِهِ وَهُوَ مُحْرِمٌ" (١) وَلَا يُمْكِنُ ذَلِكَ إلَّا مَعَ حَلْقِ بَعْضِ الشَّعْرِ .. وَيَفْتَصِدُ إذَا احْتَاجَ إلَى ذَلِكَ. وَلَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ وَلَا يُنْكَحُ وَلَا يَخْطِبُ، وَلَا يَصْطَادُ صَيْدًا بَرِّيًّا وَلَا يَتَمَلَّكُهُ بِشِرَاء وَلَا اتِّهَابٍ وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ، وَلَا يُعِينُ عَلَى صَيْدٍ وَلَا يَذْبَحُ صَيْدًا، فَأَمَّا صَيْدُ الْبَحْرِ كَالسَّمَكِ وَنَحْوِهِ فَلَهُ أَنْ يَصْطَادَهُ وَيأْكُلَهُ. وَلَهُ أَنْ يَقْطَعَ الشَّجَرَ لَكِنْ نَفْسُ الْحَرَمِ لَا يَقْطَعُ شَيْئًا مِن شَجَرِهِ وَإِن كَانَ غَيْرَ مُحْرِمٍ، وَلَا مِن نَبَاتِهِ الْمُبَاحِ إلَّا الْإِذْخِرَ، وَأمَّا مَا غَرَسَ النَّاسُ أو زَرَعُوهُ فَهُوَ لَهُمْ، وَكَذَلِكَ مَا يَبِسَ مِنَ النَّبَاتِ يَجُوزُ أَخْذُهُ، وَلَا يَصْطَادُ بِهِ صَيْدًا وَإِن كَانَ مِنَ الْمَاءِ كَالسَّمَكِ عَلَى الصَّحِيحِ؛ بَل وَلَا يُنَفّرُ صَيْدَهُ؛ مِثْل أَنْ يُقِيمَهُ لِيَقْعُدَ مَكَانَهُ. وَكَذَلِكَ حَرَمُ مَدِينَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ .. لَا يُصَادُ صَيْدُهُ وَلَا يُقْطَعُ شَجَرُهُ إلَّا

стр. 2267

لِحَاجَة كَآلَةِ الرُّكُوب وَالْحَرْثِ، ويُؤْخَذُ مِن حَشِيشِهِ مَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ لِلْعَلَفِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَخَّصَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي هَذَا لِحَاجَتِهِمْ إلَى ذَلِكَ، إذ لَيْسَ حَوْلَهم مَا يَسْتَغْنُونَ بِهِ عَنْهُ بِخِلَافِ الْحَرَمِ الْمَكِّيِّ. وَإِذَا أُدْخِلَ عَلَيْهِ صَيْدٌ لَمْ يَكُن عَلَيْهِ إرْسَالُهُ. وَلَيْسَ فِي الدُّنْيَا حَرَمٌ لَا بَيْتُ الْمَقْدِسِ وَلَا غَيْرُهُ إلَّا هَذَانِ الْحَرَمَانِ، وَلَا يُسَمَّى غَيْرُهُمَا حَرَمًا، كَمَا يُسَمِّي الْجُهَّالُ، فَيَقُولونَ: حَرَمُ الْمَقْدِسِ وَحَرَمُ الْخَلِيلِ، فَإِنَّ هَذَيْنِ وَغَيْرَهُمَا لَيْسَا بِحَرَم بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، وَالْحَرَمُ الْمُجْمَعُ عَلَيْهِ: حَرَمُ مَكَّةَ، وَأَمَّا الْمَدِينَةُ فَلَهَا حَرَمٌ أَيْضًا عِنْدَ الْجُمْهُورِ. [٢٦/ ١١٦ - ١١٧] ٣٢٠٦ - لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَقْتُلَ مَا يُؤْذِي بِعَادَتِهِ النَّاسَ؛ كَالْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ وَالْفَأْرَةِ وَالْغُرَابِ وَالْكَلْبِ الْعَقُورِ، وَلَهُ أَنْ يَدْفَعَ مَا يُؤْذِيه مِن الْآدَمِيِّينَ وَالْبَهَائِمِ، حَتَى لَو صَالَ عَلَيْهِ أَحَدٌ وَلَمْ يَنْدَفِعْ إلَّا بِالْقِتَالِ قَاتَلَهُ. وَإِذَا قَرَصَتْهُ الْبَرَاغِيثُ وَالْقَمْلُ فَلَهُ إلْقَاؤُهَا عَنْهُ وَلَهُ قَتْلُهَا وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِلْقَاؤُهَا أَهْوَنُ مِن قَتْلِهَا، وَكَذَلِكَ مَا يَتَعَرَّضُ لَهُ مِن الدَّوَابِّ فَيُنْهَى عَن قَتْلِهِ وَإِن كَانَ فِي نَفْسِهِ مُحَرَّمًا كَالْأَسَدِ وَالْفَهْدِ، فَإِذَا قَتَلَهُ فَلَا جَزَاءَ عَلَيْهِ فِي أَظْهَرِ قَوْلَيِ الْعُلَمَاءِ. [٢٦/ ١١٨] ٣٢٠٧ - إِنَّ هَدْيَ الْجُبْرَانِ -الَّذِي يَكُونُ لِتَرْكِ وَاجِبٍ أَو فِعْلِ مُحَرَّمٍ- لَا يَحِلُّ سَبَبُهُ إلَّا مَعَ الْعُذْرِ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتْرُكَ شَيْئًا مِن وَاجِبَاتِ الْحَجِّ بِلَا عُذرٍ أَو يَفْعَلَ شَيْئًا مِن مَحْظُورَاتِهِ بِلَا عُذْرٍ وَيأْتِي بِدَم. [٢٦/ ٨٧] ٣٢٠٨ - يَقتل النملة إذا عضته، والنحلةَ إذا آذته. واختار شيخنا: لا يجوز قتل نحل ولو بأخذ كل عسله، قال هو وغيره: إن لم يندفع ضرر نمل إلا بقتله جاز، قال أحمد: يدخن للزنابير إذا خشي أذاهم أحب إلي من تحريقه، والنمل إذا آذاه يقتله. [المستدرك ٣/ ١٩٠]

стр. 2268

٣٢٠٩ - نقل ابن منصور والميموني وابن الحكم فيمن وطئ بعد الرمي: ينتقض إحرامه (١)، ويعتمر من التنعيم، فيكون إحرامٌ مكان إحرام، فهذا المذهب: أنه يفسد الإحرام بالوطء بعد رمي جمرة العقبة، ويلزمه أن يحرم من الحل؛ ليجمع بين الحل والحرم ليطوف في إحرام صحيح؛ لأنه ركن الحج كالوقوف، وإذا أحرم طاف للزيارة وسعى ما لم يكن سعى وتحلل؛ لأن الإحرام إنما وجب ليأتي بما بقي من الحج، هذا ظاهر كلام الخرقي واختاره الشيخ وغيره، وقال: ويحتمل أن الإمام أحمد والأئمة أرادوا هذا وسمُّوه عمرة؛ لأن هذه أفعالها، ويحتمل أن يريدوا عمرة حقيقية فيلزمه سعي وتقصير. وقال شيخنا أيضًا: يعتمر مطلقًا، وعليه نصوصُ أحمد. [المستدرك ٣/ ١٩١] ٣٢١٠ - إذا تعدى أحدٌ على الركب في الطريق أو في مكة فدفعهم الركب عن أنفسهم كالصائل: فيجوز الدفع مع الركب، بل يجب دفع هؤلاء عن الركب. وإذا وَجد مع الركب جائعًا أو عطشانًا فعليه أن يبذل ما فضل عن حاجته، فأما ما يحتاج إليه فلا يجب بذله، ولو وجد ميتًا فليس عليه أن يتخلف ليدفنه بحيث يخاف الانقطاع (٢). وقال شيخنا: إنْ تَعَدَّى أَهْلُ مَكَّةَ أو غَيْرُهُم على الرَّكْبِ: دَفَعَ الرَّكْبُ، كما يُدْفَعُ الصَّائِلُ، وَللْإِنْسَانِ أَنْ يَدْفَعَ مع الرَّكْبِ؛ بَل قد يَجِبُ إن اُحْتِيجَ إلَيْهِ (٣). [المستدرك ٣/ ١٩١ - ١٩٢]

стр. 2269

٣٢١١ - لا تعصم الأشهر الحرم؛ للعمومات، ولغزو الطائف، وتردد كلام شيخنا. [المستدرك ٣/ ١٩٢] * * * (باب الفدية) ٣٢١٢ - الْفِدْيَةُ يَجُوزُ أَنْ يُخْرِجَهَا إذَا احْتَاجَ إلَى فِعْلِ الْمَحْظُورِ قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ. وَيجُوزُ أَنْ يَذْبَحَ النُّسُكَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَى مَكَّةَ، ويصُومَ الْأَيَّامَ الثَّلَاثَةَ مُتَتَابِعَةً إنْ شَاءَ وَمُتَفَرِّقَةً إنْ شَاءَ، فَإِنْ كَانَ لَهُ عُذْرٌ أَخَّرَ فِعْلَهَا وَإلَّا عَجَّلَ فِعْلَهَا. وَإِذَا لَبِسَ ثُمَّ لَبِسَ مِرَارًا وَلَمْ يَكن أَدَّى الْفِدْيَةَ أَجْزَأَتْهُ فِدْيَةٌ وَاحِدَةٌ فِي أَظْهَرِ قَوْلَي الْعُلَمَاءِ. [٢٦/ ١١٤] ٣٢١٣ - المحرم إن احتاج وقطع شعره لحجامة أو غسلٍ: لم يضره، والقمل والبعوض والقراد إن قرصه قتله مجانًا، وإلا فلا يقتله. [المستدرك ٣/ ١٩٢] ٣٢١٤ - الْفِدْيَةُ لِلْعُذْرِ: أَنْ يَذْبَحَ شَاةً يُقَسِّمُهَا بَيْنَ الْفُقَرَاءِ، أَو يَصُومُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَو يَتَصَدَّقُ عَلَى سِتَّةِ فُقَرَاءَ، كُلُّ فَقِيرٍ بِنِصْفِ صَاعِ تَمْرٍ، وَإِن تَصَدَّقَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ بِرِطْلِ خُبْزٍ جَازَ. * * * (باب دخول مكة) ٣٢١٥ - يسن أن يستقبل الحجر الأسود في (١) الطواف. [المستدرك ٣/ ١٩٢] ٣٢١٦ - تستحب القراءة فيه (٢)، لا الجهر بها. [المستدرك ٣/ ١٩٣] ٣٢١٧ - لا يشرع الطواف بغير الكعبة من سائر الأرض باتفاق المسلمين، ومن اتخذ ذلك عُرِّف واسْتُتِيب؛ فإنْ أصرّ قُتِلَ بالاتفاق. [المستدرك ٣/ ١٩٣]

стр. 2270

٣٢١٨ - يحرم طوافه بغير البيت اتفاقًا، واتفقوا على أنه لا يُقَبِّله ولا يتمسح به؛ فإنه من الشرك، وقال: الشرك لا يغفره الله ولو كان أصغر (١). [المستدرك ٣/ ١٩٣] ٣٢١٩ - لا يشرع تقبيل المقام ولا مسحه إجماعًا، فسائر المقامات غيره أولى. [المستدرك ٣/ ١٩٣] * * * (باب صفة الحج والعمرة) ٣٢٢٠ - فَصْلٌ فِي"صِفَةِ حَجَّةِ الْوَدَاعِ": لَمْ يَخْتَلِفْ أَحَدٌ مِن أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ أَصْحَابَهُ إذَا طَافُوا بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ أَنْ يَحِلُّوا مِن إحْرَامِهِمْ وَيجْعَلُوهَا عُمْرَةً، وَهَذَا مِمَّا تَوَاتَرَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ. وَلَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّهُ لَمْ يَعْتَمِرْ بَعْدَ الْحَجِّ لَا النَّبِيُّ ﷺ وَلَا أَحَدٌ مِن الصَّحَابَةِ إلا عَائِشَةَ، فَهَذَا كُلُّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ لَمْ يَخْتَلِفْ فِيهِ النَّقْلُ وَلَا خَالَفَ فِيهِ أَحَدٌ مِن أَهْلِ الْعِلْمِ. وَلَكِنْ تَنَازَعُوا: هَل حَجَّ مُتَمَتِّعًا أَو مُفْرِدًا أَو قَارِنًا أَو أَحْرَمَ مُطْلَقًا؟ وَاضْطَرَبَتْ عَلَيْهِم فِيهِ الْأَحَادِيثُ، وَهِيَ بِحَمْدِ اللهِ غَيْرُ مُخْتَلِفَةٍ عِنْدَ مَن فَهِمَ مُرَادَ الصَّحَابَةِ بِهَا (٢). وَالْمَنْصُوصُ عَن الْإِمَامُ أَحْمَد أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ قَارِنًا بَيْنَ الْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ حَتَّى قَالَ: لَا أَشُكُّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ قَارِنًا، وَهَذَا قَوْلُ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ (٣).

стр. 2271

وَالصَّوَابُ فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّ الْأَحَادِيثَ مُتَّفِقَةٌ لَيْسَتْ مُخْتَلِفَةً إلَّا اخْتِلَافًا يَسِيرًا يَقَعُ مِثْلُهُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ، فَإِنَّ الصَّحَابَةَ ثَبَتَ عَنْهُم أَنَّهُ تَمَتَّعَ، وَالتَّمَتُّعُ عِنْدَهُم يَتَنَاوَلُ الْقِرَانَ، وَاَلَّذِينَ رُوِيَ عَنْهُم أَنَّهُ أَفْرَدَ رُوِيَ عَنْهُم أَنَّهُ تَمَتَّعَ. وَفي "صَحِيحِ مُسْلِمٍ" (١) عن غُنَيْمِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: سَأَلْت سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ عَن الْمُتْعَةِ فِي الْحَجِّ فَقَالَ: "فَعَلْنَاهَا وَهَذَا يَوْمَئِذٍ كَافِرٌ بِالْعَرْشِ -يَعْنِي: مُعَاوِيَةَ-". وَهَذَا إنَّمَا أَرَادَ بِهِ سَعْدٌ عُمْرَةَ الْقَضِيَّةِ، فَإِنَّ مُعَاوِيةَ لَمْ يَكُن أَسْلَمَ إذ ذَاكَ، وَأَمَّا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَكَانَ قَد أَسْلَمَ، فَكَذَلِكَ فِي عُمْرَةِ الْجِعْرَانَةِ. فَسَمَّى سَعْدٌ الِاعْتِمَارَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ مُتْعَةً لِأَنَّ بَعْضَ الشَّامِيِّينَ كَانُوا يَنْهَوْنَ عَن الِاعْتِمَارِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فَصَارَ الصَّحَابَةُ يَرْوُونَ السُّنَّةَ فِي ذَلِكَ رَدًّا عَلَى مَن نَهَى عَن ذَلِكَ؛ فَالْقَارِنُ عِنْدَهُم مُتَمَتِّعٌ، وَلهَذَا وَجَبَ عَلَيْهِ الْهَدْيُ وَدَخَلَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وَقَد ثَبَتَ فِي "الصَّحِيحَيْنِ" (٢) "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اعْتَمَرَ أَرْبَعَ عُمَرٍ، الرَّابِعَة مَعَ حَجَّتِهِ". وَقَد ثَبَتَ بِاتِّفَاقِ النَّاسِ أَنَّهُ لَمْ يَعْتَمِرْ بَعْدَ الْحَجِّ، وَثَبَتَ أَنَ ابْنَ عُمَرَ وَعَائِشَةَ نَقَلَا عَنْهُ أَنَّهُ اعْتَمَرَ مَعَ الْحَجِّ (٣)، وَهَذَا هُوَ التَّمَتُّعُ الْعَام الَّذِي يَدْخُلُ فِيهِ الْقِرَانُ وَهُوَ الْمُوجِبُ لِلْهَدْيِ. [٢٦/ ٦١ - ٧٥] ٣٢٢١ - كَانَ ﷺ فِي الْمَنَاسِكِ وَالْأَعْيَادِ يَذْهَبُ مِن طَرِيقٍ وَيرْجِعُ مِن أُخْرَى. [٢٦/ ١٣٤]

стр. 2272

٣٢٢٢ - إِذَا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيةِ: أَحْرَمَ (١) وَأَهَلَّ بِالْحَجِّ فَيَفْعَلُ كَمَا فَعَلَ عِنْدَ الْمِيقَاتِ (٢)، وَإِن شَاءَ أَحْرَمَ مِن مَكَّةَ وَإن شَاءَ مِن خَارِجِ مَكَّةَ، هَذَا هُوَ الصَّوَابُ، وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ إنَّمَا أَحْرَمُوا كَمَا أَمَرَهُم النَّبِيُّ ﷺ مِن الْبَطْحَاءِ. [٢٦/ ١٢٨ - ١٢٩] وَالسُّنَّةُ أَنْ يُحْرِمَ مِن الْمَوْضِعِ الَّذِي هُوَ نَازِلٌ فِيهِ، وَكَذَلِكَ الْمَكِّيُّ يُحْرِمُ مِن أَهْلِهِ. ٣٢٢٣ - يُسْتَحَبُّ لَهُ فِي الطَّوَافِ أَنْ يَذْكُرَ اللهَ تَعَالَى وَيَدْعُوَهُ بِمَا يُشْرَعُ، وَإِن قَرَأَ الْقُرْآنَ سِرًّا فَلَا بَأْسَ، وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرٌ مَحْدُودٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ لَا بِأَمْرِهِ وَلَا بِقَوْلِهِ وَلَا بِتَعْلِيمِهِ؛ بَل يَدْعُو فِيهِ بِسَائِرِ الْأَدْعِيَةِ الشَّرْعِيَّةِ، وَمَا يَذْكُرُهُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ مِن دُعَاءٍ مُعَيَّنٍ تَحْتَ الْمِيزَابِ وَنَحْو ذَلِكَ فَلَا أَصْلَ لَهُ. وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْتِمُ طَوَافَة بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١]، كَمَا كَانَ يَخْتِمُ سَائِرَ دُعَائِهِ بِذَلِكَ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ ذِكْرٌ وَاجِبٌ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ. [٢٦/ ١٢٢ - ١٢٣] ٣٢٢٤ - مَن طَافَ فِي جَوْرَبٍ وَنَحْوِهِ لِئَلَّا يَطَأَ نَجَاسَةً مِن ذَرْقِ الْحَمَامِ، أَو غَطَّى يَدَيْهِ لِئَلَّا يَمَسَّ امْرَأَةً وَنَحْو ذَلِكَ: فَقَد خَالَفَ السُّنَّةَ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ وَالتَّابِعِينَ مَا زَالُوا يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ وَمَا زَالَ الْحَمَامُ بِمَكَّةَ، لَكِنَّ الِاحْتِيَاطَ حَسَنٌ مَا لَمْ يُخَالِفِ السُّنَّةَ الْمَعْلُومَةَ، فَإِذَا أَفْضَى إلَى ذَلِكَ كَانَ خَطَأً. [٢٦/ ١٢٤] ٣٢٢٥ - إِنَّ الْحَجَّ فِيهِ ثَلَاثَةُ أطوفة: أ- طَوَافٌ عِنْدَ الدُّخُولِ، وَهُوَ يُسَمَّى: طَوَافَ الْقُدُومِ، وَالدُّخُولِ، وَالْوُرُودِ. ب- وَالطَّوَافُ الثَّانِي: هُوَ بَعْدَ التَّعْرِيفِ، ويُقَالُ لَهُ طَوَافُ الْإِفَاضَةِ،

стр. 2273

وَالزِّيَارَةِ، وَهُوَ طَوَافُ الْفَرْضِ الَّذِي لَا بُدَّ مِنْهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]. ج- وَالطَوَافُ الثَّالِثُ: هُوَ لِمَن أَرَادَ الْخُرُوجَ مِن مَكَّةَ، وَهُوَ طَوَافُ الْوَدَاعِ. وَإِذَا سَعَى عَقِيبَ وَاحِدٍ مِنْهَا أَجْزَأَهُ (١). [٢٦/ ١٢٧] ٣٢٢٦ - يوم عرفة يراد به اليوم والليلة التي تليه (٢). [المستدرك ٣/ ١٩٤] ٣٢٢٧ - هل لخائف فوتها (٣) صلاة خائف؟ واختاره شيخنا. [المستدرك ٣/ ١٩٤] ٣٢٢٨ - الاِغْتِسَالُ لِعَرَفَةَ قَد رُوِيَ فِي حَدِيثٍ عَن النَّبِيِّ ﷺ وَرُوِيَ عَن ابْنُ عُمَرَ وَغَيْرِهِ. وَلَمْ يُنْقَلْ عَن النَّبِيِّ ﷺ وَلَا عَن أَصْحَابِهِ فِي الْحَجِّ إلَّا ثَلَاثَةُ أَغْسَالٍ: أ- غُسْلُ الْإِحْرَامِ. ب- وَالْغُسْلُ عِنْدَ دُخُولِ مَكَّةَ. ج- وَالْغُسْلُ يَوْمَ عَرَفَةَ (٤). وَمَا سِوَى ذَلِكَ كَالْغُسْلِ لِرَمْيِ الْجِمَارِ وَللطَّوَافِ وَالْمَبِيتِ بمزدلفة فَلَا أَصْلَ لَهُ لَا عَن النَّبِيِّ ﷺ وَلَا عَن أَصْحَابِهِ وَلَا اسْتَحَبَّهُ جُمْهُورُ الْأَئِمَّةِ .. بَل هُوَ بِدْعَةٌ، إلَّا أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ سَبَبٌ يَقْتَضِي الِاسْتِحْبَابَ، مِثْل أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ رَائِحَةٌ يُؤذِي النَّاسَ بِهَا فَيَغْتَسِلُ لِإِزَالَتِهَا. [٢٦/ ١٣٢ - ١٣٣]

стр. 2274

٣٢٢٩ - عَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ وَلَا يَقِفُ بِبَطْنِ عرنة، وَأَمَّا صُعُودُ الْجَبَلِ الَّذِي هُنَاكَ فَلَيْسَ مِن السُّنَّةِ، ويُسَمَّى جَبَلَ الرَّحْمَةِ، وَيُقَالُ لَهُ إلَال عَلَى وَزْنِ هِلَالٍ، وَكَذَلِكَ الْقُبَّةُ الَّتِي فَوْقَهُ الَّتِي يُقَالُ لَهَا: قُبَّةُ آدَمَ لَا يُسْتَحَبُّ دُخُولُهَا وَلَا الصَّلَاةُ فِيهَا. وَالطَّوَافُ بِهَا مِن الْكَبَائِرِ، وَكَذَلِكَ الْمَسَاجِدُ الَّتِي عِنْدَ الْجَمَرَاتِ لَا يُسْتَحَبُّ دُخُولُ شَيْءٍ مِنْهَا وَلَا الصَّلَاة فِيهَا. وَأمَّا الطَّوَافُ بِهَا أَو بِالصَّخْرَةِ أَو بِحُجْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَمَا كَانَ غَيْرَ الْبَيْتِ الْعَتِيقِ فَهُوَ مِن أَعْظَمِ الْبِدَعِ الْمُحَرَّمَةِ. [٢٦/ ١٣٣] ٣٢٣٠ - لا يشرع صعود جبل الرحمة إجماعًا. [المستدرك ٣/ ١٩٤] ٣٢٣١ - الحلق أو التقصير إما واجب، أو مستحب، ومن حكى عن أحمد أنه مباح فقد غلط. [المستدرك ٣/ ١٩٤] ٣٢٣٢ - وإن قصّر فمن جميعه نص عليه، قال شيخنا: لا من كل شعرةٍ بعينها. [المستدرك ٣/ ١٩٤] ٣٢٣٣ - عن ابن عمر ﵄: "أن النبي ﷺ أفاض يوم النحر ثم صلى الظهر بمنى؛ يعني: راجعًا" (١). قال ابن القيم: هكذا قال ابن عمر، وقال جابر في حديثه الطويل: "ثم أفاض إلى البيت فصلى بمكة الظهر"، رواه مسلم (٢)، وقالت عائشة ﵄: "أفاض رسول الله ﷺ من آخر يومه حين صلى الظهر، ثم رجع إلى منى فمكث بها" (٣). فاختلف الناس في ذلك، فرجحت طائفة منهم ابن حزم وغيره حديث جابر وأنه صلّى الظهر بمكة.

стр. 2275

وقالت طائفة منهم شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره: الذي يرجح أنه إنما صلى بمنى وجوه: أحدها: أنه لو صلى الظهر بمكة لأناب عنه في إمامة الناس بمنى إمامًا يصلي بهم الظهر بمنى نائب له ولا ينقله أحد، فقد نقل الناس نيابة عبد الرحمن بن عوف لما صلى بهم الفجر في السفر، ونيابة الصديق لما خرج رسول الله ﷺ يصلح بين بني عمرو بن عوف، ونيابته في مرضه، ولا يحتاج إلى ذكر من صلى بهم بمكة؛ لأن إمامهم الراتب الذي كان مستمرًّا على الصلاة قبل ذلك وبعده هو الذي كان يصلي بهم. الثاني: أنه لو صلى بهم في مكة لكان أهل مكة مقيمين فكان يتعين عليهم الإتمام، ولم يقل لهم النبي ﷺ : "أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر" (١) كما قاله في غزوة الفتح. الثالث: أنه يمكن اشتباه الظهر المقصورة بركعتي الطواف، ولا سيما والناس يصلونهما معه ويقتدون به فيهما فظنهما الرائي الظهر، وأما صلاته بمنى والناس خلفه فهذه لا يمكن اشتباهها بغيرها أصلًا، لا سيما وهو ﷺ كان إمام الحاج الذي لا يصلي لهم سواه، فكيف يدعهم بلا إمام يصلون أفرادًا ولا يقيم لهم من يصلي بهم؟ هذا في غاية البعد. [المستدرك ٣/ ١٩٥ - ١٩٦] ٣٢٣٤ - مِمَّا قَد يَغْلَطُ فِيهِ النَّاسُ: اعْتِقَادُ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ صَلَاةُ الْعِيدِ بِمِنَى يَوْمَ النَّحْر .. فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَخُلَفَاءَهُ لَمْ يُصَلُّوا بِمِنَى عِيدًا قَطُّ، وَإِنَّمَا صَلَاةُ الْعِيدِ بِمِنَى هِيَ جَمْرَةُ الْعَقَبَةِ، فَرَمْيُ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ لِأَهْلِ الْمَوْسِمِ بِمَنْزِلَةِ صَلَاةِ الْعِيدِ لِغَيْرِهِمْ، وَلِهَذَا اسْتَحَبَّ أَحْمَد أَنْ تَكُونَ صَلَاةُ أَهْلِ الْأَمْصَارِ وَقْتَ النَّحْرِ بِمِنَى، وَلهَذَا خَطَبَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ النَّحْرِ بَعْدَ الْجَمْرَةِ كَمَا كَانَ يَخْطُبُ فِي غَيْرِ مَكَّةَ بَعْدَ صَلَاةِ الْعِيدِ وَرَمْيِ الْجَمْرَةِ تَحِيَّةَ مِنَى كَمَا أَنَّ الطَّوَافَ تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ. [٢٦/ ١٧٠ - ١٧١]

стр. 2276

٣٢٣٥ - إِذَا أَتَى مِنَى (١): رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، وَيرْفَعُ يَدَهُ فِي الرَّمْيِ، وَهِيَ الْجَمْرَةُ الَّتِي هِيَ آخِرُ الْجَمَرَاتِ مِن نَاحِيَةِ مِنَى، وَأَقْرَبُهُنَّ مِن مَكَّةَ، وَهِيَ الْجَمْرَةُ الْكُبْرَى، وَلَا يَرْمِي يَوْمَ النَّحْرِ غَيْرَهَا، يَرْمِيهَا مُسْتَقْبِلًا لَهَا يَجْعَلُ الْبَيْتَ عَن يَسَارِهِ وَمِنَى عَن يَمِينِهِ، هَذَا هُوَ الَّذِي صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِيهَا. وَلَا يَزَالُ يُلَبِّي فِي ذَهَابِهِ مِن مَشْعَرٍ إلَى مَشْعَرٍ مِثْل ذَهَابِهِ إلَى عَرَفَاتٍ، وَذَهَابِهِ مِن عَرَفَاتٍ إلَى مُزْدَلِفَةَ، حَتَّى يَرْمِيَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، فَإِذَا شَرَعَ فِي الرَّمْيِ قَطَعَ التَّلْبِيَةَ فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَشْرَعُ فِي التَّحَلُّلِ. وَأَمَّا التَّلْبِيَةُ فِي وُقُوفِهِ بِعَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ: فَلَمْ يُنْقَلْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَقَد نُقِلَ عَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَغَيْرِهِمْ أَنَّهُم كَانُوا يُلَبُّونَ بِعَرَفَةَ، فَإِذَا رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ نَحَرَ هَدْيَهُ إنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ. [٢٦/ ١٣٥ - ١٣٦، ١٧٣] ٣٢٣٦ - كلُّ مَا ذُبِحَ بِمِنَى وَقَد سِيقَ مِنَ الْحِلِّ إلَى الْحَرَمِ: فَإِنَّهُ هَدْيٌ، سَوَاءٌ كَانَ مِنَ الْإِبِلِ أَو الْبَقَرِ أَو الْغَنَمِ، ويُسَمَّى أَيْضًا أُضْحِيَّةً (٢). بِخِلَافِ مَا يُذْبَحُ يَوْمَ النَّحْرِ بِالْحِلِّ: فَإِنَّهُ أُضْحِيَّةٌ وَلَيْسَ بِهَدْيٍ. وَلَيْسَ بِمِنَى مَا هُوَ أُضْحِيَّةٌ وَلَيْسَ بِهَدْي كَمَا فِي سَائِرِ الْأَمْصَارِ. فَإِذَا اشْتَرَى الْهَدْيَ مِن عَرَفَاتٍ وَسَاقَهُ إلَى مِنَى فَهُوَ هَدْيٌ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ (٣)، وَكَذَلِكَ إنِ اشْتَرَاهُ مِنَ الْحَرَمِ فَذَهَب بِهِ إلَى التَّنْعِيمِ. وَأَمَّا إذَا اشْتَرَى الْهَدْيَ مِن مِنَى وَذَبَحَهُ فِيهَا: فَفِيهِ نِزَاعٌ: فَذَهَبَ مَالِكٍ أَنَّهُ لَيْسَ بِهَدْيِ وَهُوَ مَنْقُولٌ عَنِ ابْنُ عُمَرَ، وَمَذْهَبُ الثَّلَاثَةِ أَنَّهُ هَدْيٌ وَهُوَ مَنْقُولٌ عَن عَائِشَةَ. [٢٦/ ١٣٧]

стр. 2277

٣٢٣٧ - وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْحَصَى مِن حَيْثُ شَاءَ، لَكِنْ لَا يَرْمِي بِحَصَى قَد رُمِيَ بِهِ، ويُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ فَوْقَ الْحُمّصِ وَدُونَ الْبُنْدُقِ، وَإِن كَسَرَهُ جَازَ، وَالْتِقَاطُ الْحَصَى أَفْضَلُ مِن تَكْسِيرِهِ مِنَ الْجَبَلِ. ثُمَّ يَحْلِقُ رَأْسَهُ أَو يُقَصِّرُهُ وَالْحَلْقُ أَفْضَلُ مِن التَّقْصِيرِ، وَإِذَا قَصَّرَهُ: جَمَعَ الشَّعْرَ وَقَصَّ مِنْهُ بِقَدْرِ الْأُنْمُلَةِ أَو أَقَلَّ أَو أَكْثَرَ، وَالْمَرْأَةُ لَا تَقُصُّ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ، وَأَمَّا الرَّجُلُ فَلَهُ أَنْ يُقَصِّرَ مَا شَاءَ. وَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ: فَقَد تَحَلَّلَ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ التَّحَلُّلَ الْأَوَّلَ فَيَلْبَسُ الثِّيَابَ وَيُقَلِّمُ أَظْفَارَهُ، وَكَذَلِكَ لَهُ عَلَى الصَّحِيحِ أَنْ يَتَطَيَّبَ وَيتَزَوَّجَ، وَأَنْ يَصْطَادَ وَلَا يَبْقَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَحْظُورَاتِ إلَّا النِّسَاءُ. وَبَعْدَ ذَلِكَ يَدْخُلُ مَكَّةَ فَيَطُوفُ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ إنْ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ يَوْمَ النَّحْرِ، وَإِلَّا فَعَلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، فَإِنَّ تَأْخِيرَهُ عَن ذَلِكَ فِيهِ نِزَاعٌ. ثُمَّ يَسْعَى بَعْدَ ذَلِكَ سَعْيَ الْحَجِّ، وَلَيْسَ عَلَى الْمُفْرِدِ إلَّا سَعْيٌ وَاحِدٌ، وَكَذَلِكَ الْقَارِنُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، وَكَذَلِكَ الْمُتَمَتِّعُ فِي أَصَحِّ أَقْوَالِهِمْ، وَهُوَ أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ عِنْدَ أَحْمَد، وَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا سَعْيٌ وَاحِدٌ، فَإِنَّ الصَّحَابَةَ الَّذِينَ تَمَتَّعُوا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يَطُوفُوا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً قَبْلَ التَّعْرِيفِ. فَإِذَا اكْتَفَى الْمُتَمَتِّعُ بِالسَّعْيِ الْأَوَّلِ أَجْزَأَهُ ذَلِكَ كَمَا يُجْزِئُ الْمُفْرِدَ وَالْقَارِنَ. ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: "دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ" (١)؛ فَالْمُتَمَتِّعُ مِن حِينِ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ دَخَلَ بِالْحَجِّ، لَكِنَّهُ فَصَلَ بِتَحَلُّل لِيَكُونَ أَيْسَرَ عَلَى الْحَاجِّ، وَأَحَبُّ الدِّينِ إلَى اللهِ الْحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ.

стр. 2278

فَإِذَا طَافَ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ فَقَد حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ: النِّسَاءُ وَغَيْرُ النِّسَاءِ. [٢٦/ ١٣٧ - ١٣٩] ٣٢٣٨ - أَخَذَ فُقَهَاءُ الْحَدِيثِ -كَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمَا مَعَ فُقَهَاءِ الْكُوفَةِ- مَا عَلَيْهِ جُمْهُورُ الصَّحَابَةِ وَالسَّلَفِ بِتَلْبِيَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَإِنَّه قَد ثَبَتَ عَنْه أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ. وَلهَذَا قَالُوا أَيْضًا بِمَا ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ يلَبِّي بِالْعُمْرَةِ إلَى أَنْ يَسْتَلِمَ الْحَجَرَ (١)، وَإِن كَانَ ابْنُ عُمَرَ وَمَنِ اتَّبَعَهُ مِن أَهْلِ الْمَدِينَةِ -كَمَالِك- قَالُوا: يُلَبِّي إلَى أنْ يَصِلَ إلَى الْحَرَمِ، فَإِنَّهُ وَإِن وَصَلَ إلَيْهِ فَإِنَّهُ مَدْعُوٌّ إلَى الْبَيْتِ. [٢٦/ ١٧٣] ٣٢٣٩ - إِنْ أَحَبَّ أَنْ يَأْتِيَ الْمُلْتَزَمَ، وَهُوَ مَا بَيْنَ الْحَجَرِ الْأسْوَدِ وَالْبَابِ، فَيَضَعُ عَلَيْهِ صَدْرَهُ وَوَجْهَة وَذِرَاعَيْهِ وَكَفَّيْهِ وَيَدْعُوَ وَيسْألَ اللهَ تَعَالَى حَاجَتَهُ فَعَلَ ذَلِكَ، وَلَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ قَبْلَ طَوَافِ الْوَدَاع؛ فَإِنَّ هَذَا الِالْتِزَامُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ حَال الْوَدَاعِ أَو غَيْره، وَالصَّحَابَةُ كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ حِينَ يَدْخُلُونَ مَكَّةَ. [٢٦/ ١٤٢] ٣٢٤٠ - [إذا فَرَغَ من الْوَدَاعِ وَقَفَ في الْمُلْتَزَمِ بين الرُّكْنِ وَالْبَابِ] (٢)، وذكر أحمد: أنه يأتي الحطيم وهو تحمت الميزاب فيدعو، وذكر شيخنا: ثم يشرب من ماء زمزم ويستلم الحجر الأسود. [المستدرك ٣/ ١٩٦] ٣٢٤١ - [قال شيْخُنَا: هو [أي: يوم الْجُمُعَةِ] أَفْضَلُ أيَّامِ الْأسْبُوعِ إجْمَاعًا، وقال: يَوْمُ النَّحْرِ أَفْضَلُ أَيَّامِ الْعَامِ .. وَظَاهِرُ ما ذَكَرَهُ أبو حَكيم أَنَّ يوم عَرَفَةَ أَفْضَلُ، وَهَذَا أَظْهَرُ] (٣).

стр. 2279

وَيَتَوَجَّهُ على اخْتِيَارِ شَيْخِنَا بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ: يَوْم الْقَرِّ الذي يَلِيهِ (١)؛ لِأنَّهُ احْتَجَّ بِقَوْلِهِ ﵇: "أَعْظَمُ الْأَيَّامِ عِنْدَ اللهِ يَوْمُ النَّحْرِ ثُمَّ يَوْمُ الْقَرِّ" (٢). [المستدرك ٣/ ١٩٦] ٣٢٤٢ - قال أصحابنا: وإن خرج إنسان غير حاج فظاهر كلام أبي العباس لا يودع. [المستدرك ٣/ ١٩٧] ٣٢٤٣ - ذكر ابن عقيل وابن الزاغوني: لا يودع البيت ظهره حتى يغيب، قال أبو العباس: هذه بدعة منكرة. ٣٢٤٤ - شهر السلاح عند قدوم تبوك بدعة، زاد شيخنا: محرمة. وما يذكره الجهال من حصار تبوك كذب لا أصل له، فلم يكن بها حصن ولا مقاتلة، وأن مغازي النبي ﷺ كانت بضعًا وعشرين لم يقاتل فيها إلا في تسع، بدر، وأحد، والخندق، وبني المصطلق، والغابة، وفتح خيبر، وفتح مكة، وحنين، والطائف. [المستدرك ٣/ ١٩٧] * * * (حكم طواف المحدث والحائض ؟) ٣٢٤٥ - تَعْلِيلُ مَنْعِ طَوَافِ الْحَائِضِ: بِأَنَّهُ لِأَجْلِ حُرْمَةِ الْمَسْجِدِ رَأَيْته يُعَلِّلُ بِهِ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ (٣)، فَإِنَّ مَذْهَبَ أَبِي حَنِيفَةَ أنَّ الطّهَارَةَ وَاجِبَة لَهُ لَا فَرْضَ فِيهِ

стр. 2280

وَلَا شَرْطَ لَهُ، وَلَكِنَّ هَذَا التَّعْلِيلَ يُنَاسِبُ الْقَوْلَ بِأَنَّ طَوَافَ الْمُحْدِثِ غَيْرُ مُحَرَّمٍ، وَهَذَا مَذْهَبُ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ رَوَاهُ أَحْمَد عَنْهُمَا. وَعَلَى قَوْلِ هَؤُلَاءِ: فَلَا يَحْرُمُ طَوَافُ الْجُنُبِ وَالْحَائِض إذَا اُضْطُرَّ إلَى ذَلِكَ، كَمَا لَا يَحْرُمُ عِنْدَهُم الطَّوَافُ عَلَى الْمُحْدِثِ بِحَالٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِمَا دُخُولُ الْمَسْجِدِ حِينَئِذٍ، وَهُمَا إذَا كَانَا مُضْطَرَّيْنِ إلَى ذَلِكَ أَوْلَى بِالْجَوَازِ مِن الْمُحْدِثِ الَّذِي يُجَوِّزُونَ لَهُ الطَّوَافَ مَعَ الْحَدَثِ مِن غَيْرِ عُذْرٍ. وَإِذَا كَانَت إنَّمَا مُنِعَتْ مِنَ الطَّوَافِ لِأجْلِ الْمَسْجِدِ فَمَعْلُومٌ أَنَّ إبَاحَةَ ذَلِكَ لِلْعُذْرِ أَوْلَى مِن إبَاحَةِ مَسِّ الْمُصْحَفِ لِلْعُذْرِ، وَلَو كَانَ لَهَا مُصْحَفٌ وَلَمْ يُمْكِنْهَا حِفْظُهُ إلَّا بِمَسِّهِ؛ مِثْل أَنْ يُرِيدَ أَنْ يَأْخُذَهُ لِصٌّ أَو كَافِرٌ، أَو يَنْهَبَهُ أَحَدٌ، أَو يَتَّهِبَهُ مِنْهَا، وَلَمْ يُمْكِنْهَا مَنْعُهُ إلَّا بمَسِّهِ لَكَانَ ذَلِكَ جَائِزًا لَهَا، مَعَ أَنَّ الْمُحْدِثَ لَا يَمَسُّ الْمُصْحَفَ، وَيَجُوزُ لَهُ الدُّخولُ فِي الْمَسْجِدِ. فَعُلِمَ أَنَّ حُرْمَةَ الْمُصْحَفِ أَعْظَمُ مِن حُرْمَةِ الْمَسْجِدِ، وَإِذَا أُبِيحَ لَهَا مسُّ الْمُصْحَفِ لِلْحَاجَةِ فَالْمَسْجِدُ الَّذِي حُرْمَتُهُ دُونَ حُرْمَةِ الْمُصْحَفِ أَوْلَى بِالْإِبَاحَةِ. وَأَمَّا إنْ كانَ الْمَنْعُ مِنَ الطَّوَافِ لِمَعْنًى فِي نَفْسِ الطَّوَافِ كَمَا مُنِعَ مِن غَيْرِهِ، أَو كَانَ لِذَلِكَ وَللْمَسْجِدِ كُلٌّ مِنْهُمَا عِلَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ؛ فَنَقُولُ: إذَا اُضْطُرَّتْ إلَى ذَلِكَ بِحَيْثُ لَمْ يُمْكِنْهَا الْحَجُّ بِدُونِ طَوَافِهَا وَهِيَ حَائِضٌ لِتَعَذُّرِ الْمُقَامِ عَلَيْهَا إلَى أَنْ تَطْهُرَ فَهُنَا الْأَمْرُ دَائِرٌ بَيْنَ أَنْ تَطُوفَ مَعَ الْحَيْضِ، وَبَيْنَ الضَّرَرِ الَّذِي يُنَافِي الشَّرِيعَةَ، فَإنَّ إلْزَامَهَا بِالْمُقَامِ إذَا كَانَ فِيهِ خَوْفٌ عَلَى نَفْسِهَا وَمَالِهَا وَفِيهِ عَجْزُهَا عَنِ الرُّجُوعِ إلَى أَهْلِهَا، وَإلْزَامُهَا بِالْمُقَامِ بِمَكَّةَ مَعَ عَجْزِهَا عَن ذَلِكَ وَتَضَرُّرِهَا بِهِ لَا تَأْتِي بِهِ الشَّرِيعَةُ. وَكَثِيرٌ مِنَ النِّسَاءِ إذَا لَمْ تَرْجِعْ مَعَ مَن حَجَّتْ مَعَهُ لَمْ يُمْكِنْهَا بَعْدَ ذَلِكَ الرُّجُوعُ، وَلَو قُدِّرَ أَنَّهُ يُمْكِنُهَا بَعْدَ ذَلِكَ الرُّجُوعُ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهَا أَنْ يَبْقَى وَطْؤُهَا مُحَرَّمًا مَعَ رُجُوعِهَا إلَى أَهْلِهَا، وَلَا تَزَالُ كَذَلِكَ إلَى أَنْ تَعُودَ، فَهَذَا أَيْضًا مِن
следующие страницы →