Полный текст (3 539 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.
стр. 2276
٣٢٣٥ - إِذَا أَتَى مِنَى (١) : رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، وَيرْفَعُ يَدَهُ فِي الرَّمْيِ، وَهِيَ الْجَمْرَةُ الَّتِي هِيَ آخِرُ الْجَمَرَاتِ مِن نَاحِيَةِ مِنَى، وَأَقْرَبُهُنَّ مِن مَكَّةَ، وَهِيَ الْجَمْرَةُ الْكُبْرَى، وَلَا يَرْمِي يَوْمَ النَّحْرِ غَيْرَهَا، يَرْمِيهَا مُسْتَقْبِلًا لَهَا يَجْعَلُ الْبَيْتَ عَن يَسَارِهِ وَمِنَى عَن يَمِينِهِ، هَذَا هُوَ الَّذِي صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِيهَا.
وَلَا يَزَالُ يُلَبِّي فِي ذَهَابِهِ مِن مَشْعَرٍ إلَى مَشْعَرٍ مِثْل ذَهَابِهِ إلَى عَرَفَاتٍ، وَذَهَابِهِ مِن عَرَفَاتٍ إلَى مُزْدَلِفَةَ، حَتَّى يَرْمِيَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، فَإِذَا شَرَعَ فِي الرَّمْيِ قَطَعَ التَّلْبِيَةَ فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَشْرَعُ فِي التَّحَلُّلِ.
وَأَمَّا التَّلْبِيَةُ فِي وُقُوفِهِ بِعَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ: فَلَمْ يُنْقَلْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَقَد نُقِلَ عَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَغَيْرِهِمْ أَنَّهُم كَانُوا يُلَبُّونَ بِعَرَفَةَ، فَإِذَا رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ نَحَرَ هَدْيَهُ إنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ. [٢٦/ ١٣٥ - ١٣٦، ١٧٣]
٣٢٣٦ - كلُّ مَا ذُبِحَ بِمِنَى وَقَد سِيقَ مِنَ الْحِلِّ إلَى الْحَرَمِ: فَإِنَّهُ هَدْيٌ، سَوَاءٌ كَانَ مِنَ الْإِبِلِ أَو الْبَقَرِ أَو الْغَنَمِ، ويُسَمَّى أَيْضًا أُضْحِيَّةً (٢) .
بِخِلَافِ مَا يُذْبَحُ يَوْمَ النَّحْرِ بِالْحِلِّ: فَإِنَّهُ أُضْحِيَّةٌ وَلَيْسَ بِهَدْيٍ.
وَلَيْسَ بِمِنَى مَا هُوَ أُضْحِيَّةٌ وَلَيْسَ بِهَدْي كَمَا فِي سَائِرِ الْأَمْصَارِ.
فَإِذَا اشْتَرَى الْهَدْيَ مِن عَرَفَاتٍ وَسَاقَهُ إلَى مِنَى فَهُوَ هَدْيٌ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ (٣) ، وَكَذَلِكَ إنِ اشْتَرَاهُ مِنَ الْحَرَمِ فَذَهَب بِهِ إلَى التَّنْعِيمِ.
وَأَمَّا إذَا اشْتَرَى الْهَدْيَ مِن مِنَى وَذَبَحَهُ فِيهَا: فَفِيهِ نِزَاعٌ: فَذَهَبَ مَالِكٍ أَنَّهُ لَيْسَ بِهَدْيِ وَهُوَ مَنْقُولٌ عَنِ ابْنُ عُمَرَ، وَمَذْهَبُ الثَّلَاثَةِ أَنَّهُ هَدْيٌ وَهُوَ مَنْقُولٌ عَن عَائِشَةَ. [٢٦/ ١٣٧] الحواشي
(١) يوم النحر.(٢) فكل ما سيق من بهيمة الأنعام من الحل إلى الحرم وذُبح هناك أو العكس: بأن سيقت من الحرم إلى الحل فهو هدي.(٣) لأنه ساقه من الحل إلى الحرم وذبحه فيه.стр. 2277
٣٢٣٧ - وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْحَصَى مِن حَيْثُ شَاءَ، لَكِنْ لَا يَرْمِي بِحَصَى قَد رُمِيَ بِهِ، ويُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ فَوْقَ الْحُمّصِ وَدُونَ الْبُنْدُقِ، وَإِن كَسَرَهُ جَازَ، وَالْتِقَاطُ الْحَصَى أَفْضَلُ مِن تَكْسِيرِهِ مِنَ الْجَبَلِ.
ثُمَّ يَحْلِقُ رَأْسَهُ أَو يُقَصِّرُهُ وَالْحَلْقُ أَفْضَلُ مِن التَّقْصِيرِ، وَإِذَا قَصَّرَهُ: جَمَعَ الشَّعْرَ وَقَصَّ مِنْهُ بِقَدْرِ الْأُنْمُلَةِ أَو أَقَلَّ أَو أَكْثَرَ، وَالْمَرْأَةُ لَا تَقُصُّ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ، وَأَمَّا الرَّجُلُ فَلَهُ أَنْ يُقَصِّرَ مَا شَاءَ.
وَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ: فَقَد تَحَلَّلَ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ التَّحَلُّلَ الْأَوَّلَ فَيَلْبَسُ الثِّيَابَ وَيُقَلِّمُ أَظْفَارَهُ، وَكَذَلِكَ لَهُ عَلَى الصَّحِيحِ أَنْ يَتَطَيَّبَ وَيتَزَوَّجَ، وَأَنْ يَصْطَادَ وَلَا يَبْقَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَحْظُورَاتِ إلَّا النِّسَاءُ.
وَبَعْدَ ذَلِكَ يَدْخُلُ مَكَّةَ فَيَطُوفُ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ إنْ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ يَوْمَ النَّحْرِ، وَإِلَّا فَعَلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، فَإِنَّ تَأْخِيرَهُ عَن ذَلِكَ فِيهِ نِزَاعٌ.
ثُمَّ يَسْعَى بَعْدَ ذَلِكَ سَعْيَ الْحَجِّ، وَلَيْسَ عَلَى الْمُفْرِدِ إلَّا سَعْيٌ وَاحِدٌ، وَكَذَلِكَ الْقَارِنُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، وَكَذَلِكَ الْمُتَمَتِّعُ فِي أَصَحِّ أَقْوَالِهِمْ، وَهُوَ أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ عِنْدَ أَحْمَد، وَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا سَعْيٌ وَاحِدٌ، فَإِنَّ الصَّحَابَةَ الَّذِينَ تَمَتَّعُوا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يَطُوفُوا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً قَبْلَ التَّعْرِيفِ.
فَإِذَا اكْتَفَى الْمُتَمَتِّعُ بِالسَّعْيِ الْأَوَّلِ أَجْزَأَهُ ذَلِكَ كَمَا يُجْزِئُ الْمُفْرِدَ وَالْقَارِنَ.
ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: "دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ" (١) ؛ فَالْمُتَمَتِّعُ مِن حِينِ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ دَخَلَ بِالْحَجِّ، لَكِنَّهُ فَصَلَ بِتَحَلُّل لِيَكُونَ أَيْسَرَ عَلَى الْحَاجِّ، وَأَحَبُّ الدِّينِ إلَى اللهِ الْحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ. الحواشي
(١) رواه مسلم(١٢١٨) .стр. 2278
فَإِذَا طَافَ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ فَقَد حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ: النِّسَاءُ وَغَيْرُ النِّسَاءِ. [٢٦/ ١٣٧ - ١٣٩]
٣٢٣٨ - أَخَذَ فُقَهَاءُ الْحَدِيثِ -كَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمَا مَعَ فُقَهَاءِ الْكُوفَةِ- مَا عَلَيْهِ جُمْهُورُ الصَّحَابَةِ وَالسَّلَفِ بِتَلْبِيَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَإِنَّه قَد ثَبَتَ عَنْه أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ.
وَلهَذَا قَالُوا أَيْضًا بِمَا ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ يلَبِّي بِالْعُمْرَةِ إلَى أَنْ يَسْتَلِمَ الْحَجَرَ (١) ، وَإِن كَانَ ابْنُ عُمَرَ وَمَنِ اتَّبَعَهُ مِن أَهْلِ الْمَدِينَةِ -كَمَالِك- قَالُوا: يُلَبِّي إلَى أنْ يَصِلَ إلَى الْحَرَمِ، فَإِنَّهُ وَإِن وَصَلَ إلَيْهِ فَإِنَّهُ مَدْعُوٌّ إلَى الْبَيْتِ. [٢٦/ ١٧٣]
٣٢٣٩ - إِنْ أَحَبَّ أَنْ يَأْتِيَ الْمُلْتَزَمَ، وَهُوَ مَا بَيْنَ الْحَجَرِ الْأسْوَدِ وَالْبَابِ، فَيَضَعُ عَلَيْهِ صَدْرَهُ وَوَجْهَة وَذِرَاعَيْهِ وَكَفَّيْهِ وَيَدْعُوَ وَيسْألَ اللهَ تَعَالَى حَاجَتَهُ فَعَلَ ذَلِكَ، وَلَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ قَبْلَ طَوَافِ الْوَدَاع؛ فَإِنَّ هَذَا الِالْتِزَامُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ حَال الْوَدَاعِ أَو غَيْره، وَالصَّحَابَةُ كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ حِينَ يَدْخُلُونَ مَكَّةَ. [٢٦/ ١٤٢]
٣٢٤٠ - [إذا فَرَغَ من الْوَدَاعِ وَقَفَ في الْمُلْتَزَمِ بين الرُّكْنِ وَالْبَابِ] (٢) ، وذكر أحمد: أنه يأتي الحطيم وهو تحمت الميزاب فيدعو، وذكر شيخنا: ثم يشرب من ماء زمزم ويستلم الحجر الأسود. [المستدرك ٣/ ١٩٦]
٣٢٤١ - [قال شيْخُنَا: هو [أي: يوم الْجُمُعَةِ] أَفْضَلُ أيَّامِ الْأسْبُوعِ إجْمَاعًا، وقال: يَوْمُ النَّحْرِ أَفْضَلُ أَيَّامِ الْعَامِ .. وَظَاهِرُ ما ذَكَرَهُ أبو حَكيم أَنَّ يوم عَرَفَةَ أَفْضَلُ، وَهَذَا أَظْهَرُ] (٣) . الحواشي
(١) عند بداية الطواف، وإن لم يتمكن فمن حين يشرع بالطواف يقطع التلبية.(٢) ما بين المعقوفتين من الإنصاف (٤/ ٥٢)؛ وبه يتبين ويتضح أنّ هذا يكون إذا فَرَغَ من الْوَدَاعِ.(٣) ما بين المعقوفتين من الفروع (٣/ ١٠٧ - ١٠٨)، ولا يُفهم المعنى بدونه، وقد أوقع حذفه في لبس.стр. 2279
وَيَتَوَجَّهُ على اخْتِيَارِ شَيْخِنَا بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ: يَوْم الْقَرِّ الذي يَلِيهِ (١) ؛ لِأنَّهُ احْتَجَّ بِقَوْلِهِ ﵇: "أَعْظَمُ الْأَيَّامِ عِنْدَ اللهِ يَوْمُ النَّحْرِ ثُمَّ يَوْمُ الْقَرِّ" (٢) . [المستدرك ٣/ ١٩٦]
٣٢٤٢ - قال أصحابنا: وإن خرج إنسان غير حاج فظاهر كلام أبي العباس لا يودع. [المستدرك ٣/ ١٩٧]
٣٢٤٣ - ذكر ابن عقيل وابن الزاغوني: لا يودع البيت ظهره حتى يغيب، قال أبو العباس: هذه بدعة منكرة.
٣٢٤٤ - شهر السلاح عند قدوم تبوك بدعة، زاد شيخنا: محرمة.
وما يذكره الجهال من حصار تبوك كذب لا أصل له، فلم يكن بها حصن ولا مقاتلة، وأن مغازي النبي ﷺ كانت بضعًا وعشرين لم يقاتل فيها إلا في تسع، بدر، وأحد، والخندق، وبني المصطلق، والغابة، وفتح خيبر، وفتح مكة، وحنين، والطائف. [المستدرك ٣/ ١٩٧]
* * *
(حكم طواف المحدث والحائض ؟)
٣٢٤٥ - تَعْلِيلُ مَنْعِ طَوَافِ الْحَائِضِ: بِأَنَّهُ لِأَجْلِ حُرْمَةِ الْمَسْجِدِ رَأَيْته يُعَلِّلُ بِهِ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ (٣) ، فَإِنَّ مَذْهَبَ أَبِي حَنِيفَةَ أنَّ الطّهَارَةَ وَاجِبَة لَهُ لَا فَرْضَ فِيهِ الحواشي
(١) أي: أَفْضَلُ أَيَّامِ الْعَامِ: يَوْمُ النَّحْرِ، ثم يَوْمُ الْقَرِّ.(٢) رواه أبو داود(١٧٦٥) ، وأحمد(١٩٠٧٥) ، وصحَّحه الألباني في صحيح أبي داود.(٣) وهو الذي يميل إليه الشيخ ﵀ حيث قال: الْمُعْتَكِفَةُ إذَا حَاضَتْ خَرَجَتْ مِنَ الْمَسْجِدِ وَنَصَبَتْ لَهَا قُبَّةً في فِنَائِهِ.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أنَّ مَنْعَ الْحَائِض مِنَ الطَّوَافِ كَمَنْعِهَا مِنَ الِاعْتِكَافِ فِيهِ لِحُرْمَةِ الْمَسْجِدِ، وَإِلَّا فَالْحَيْضُ لَا يُبْطِلُ اعْتِكافَهَا؛ لِأَنَّهَا مُضْطَرَّةٌ إلَيْهِ، بَل إنَّمَا تُمْنَعُ مِنَ الْمَسْجِدِ لَا مِنَ الِاعْتِكَافِ، فَإِنَّهَا لَيْسَتْ مُضْطَرَّةً إلَى أنْ تُقِيمَ فِي الْمَسْجِدِ.
وَمَّا الطَّوَافُ فَلَا يُمْكنُ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَإِنَّهُ مُخْتَصٌّ بِبُقْعَةٍ مُعَيَّنةٍ. (٢٦/ ٢١٥ - ٢١٦)стр. 2280
وَلَا شَرْطَ لَهُ، وَلَكِنَّ هَذَا التَّعْلِيلَ يُنَاسِبُ الْقَوْلَ بِأَنَّ طَوَافَ الْمُحْدِثِ غَيْرُ مُحَرَّمٍ، وَهَذَا مَذْهَبُ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ رَوَاهُ أَحْمَد عَنْهُمَا.
وَعَلَى قَوْلِ هَؤُلَاءِ: فَلَا يَحْرُمُ طَوَافُ الْجُنُبِ وَالْحَائِض إذَا اُضْطُرَّ إلَى ذَلِكَ، كَمَا لَا يَحْرُمُ عِنْدَهُم الطَّوَافُ عَلَى الْمُحْدِثِ بِحَالٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِمَا دُخُولُ الْمَسْجِدِ حِينَئِذٍ، وَهُمَا إذَا كَانَا مُضْطَرَّيْنِ إلَى ذَلِكَ أَوْلَى بِالْجَوَازِ مِن الْمُحْدِثِ الَّذِي يُجَوِّزُونَ لَهُ الطَّوَافَ مَعَ الْحَدَثِ مِن غَيْرِ عُذْرٍ.
وَإِذَا كَانَت إنَّمَا مُنِعَتْ مِنَ الطَّوَافِ لِأجْلِ الْمَسْجِدِ فَمَعْلُومٌ أَنَّ إبَاحَةَ ذَلِكَ لِلْعُذْرِ أَوْلَى مِن إبَاحَةِ مَسِّ الْمُصْحَفِ لِلْعُذْرِ، وَلَو كَانَ لَهَا مُصْحَفٌ وَلَمْ يُمْكِنْهَا حِفْظُهُ إلَّا بِمَسِّهِ؛ مِثْل أَنْ يُرِيدَ أَنْ يَأْخُذَهُ لِصٌّ أَو كَافِرٌ، أَو يَنْهَبَهُ أَحَدٌ، أَو يَتَّهِبَهُ مِنْهَا، وَلَمْ يُمْكِنْهَا مَنْعُهُ إلَّا بمَسِّهِ لَكَانَ ذَلِكَ جَائِزًا لَهَا، مَعَ أَنَّ الْمُحْدِثَ لَا يَمَسُّ الْمُصْحَفَ، وَيَجُوزُ لَهُ الدُّخولُ فِي الْمَسْجِدِ.
فَعُلِمَ أَنَّ حُرْمَةَ الْمُصْحَفِ أَعْظَمُ مِن حُرْمَةِ الْمَسْجِدِ، وَإِذَا أُبِيحَ لَهَا مسُّ الْمُصْحَفِ لِلْحَاجَةِ فَالْمَسْجِدُ الَّذِي حُرْمَتُهُ دُونَ حُرْمَةِ الْمُصْحَفِ أَوْلَى بِالْإِبَاحَةِ.
وَأَمَّا إنْ كانَ الْمَنْعُ مِنَ الطَّوَافِ لِمَعْنًى فِي نَفْسِ الطَّوَافِ كَمَا مُنِعَ مِن غَيْرِهِ، أَو كَانَ لِذَلِكَ وَللْمَسْجِدِ كُلٌّ مِنْهُمَا عِلَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ؛ فَنَقُولُ: إذَا اُضْطُرَّتْ إلَى ذَلِكَ بِحَيْثُ لَمْ يُمْكِنْهَا الْحَجُّ بِدُونِ طَوَافِهَا وَهِيَ حَائِضٌ لِتَعَذُّرِ الْمُقَامِ عَلَيْهَا إلَى أَنْ تَطْهُرَ فَهُنَا الْأَمْرُ دَائِرٌ بَيْنَ أَنْ تَطُوفَ مَعَ الْحَيْضِ، وَبَيْنَ الضَّرَرِ الَّذِي يُنَافِي الشَّرِيعَةَ، فَإنَّ إلْزَامَهَا بِالْمُقَامِ إذَا كَانَ فِيهِ خَوْفٌ عَلَى نَفْسِهَا وَمَالِهَا وَفِيهِ عَجْزُهَا عَنِ الرُّجُوعِ إلَى أَهْلِهَا، وَإلْزَامُهَا بِالْمُقَامِ بِمَكَّةَ مَعَ عَجْزِهَا عَن ذَلِكَ وَتَضَرُّرِهَا بِهِ لَا تَأْتِي بِهِ الشَّرِيعَةُ.
وَكَثِيرٌ مِنَ النِّسَاءِ إذَا لَمْ تَرْجِعْ مَعَ مَن حَجَّتْ مَعَهُ لَمْ يُمْكِنْهَا بَعْدَ ذَلِكَ الرُّجُوعُ، وَلَو قُدِّرَ أَنَّهُ يُمْكِنُهَا بَعْدَ ذَلِكَ الرُّجُوعُ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهَا أَنْ يَبْقَى وَطْؤُهَا مُحَرَّمًا مَعَ رُجُوعِهَا إلَى أَهْلِهَا، وَلَا تَزَالُ كَذَلِكَ إلَى أَنْ تَعُودَ، فَهَذَا أَيْضًا مِن
стр. 2281
أَعْظَمِ الْحَرَجِ الَّذِي لَا يُوجِبُ اللهُ مِثْلَهُ، إذ هُوَ أَعْظَمُ مِن إيجَابِ حَجَّتَيْنِ، وَاللهُ تَعَالَى لَمْ يُوجِبْ إلَّا حَجَّةً وَاحِدَةً.
وَمَن وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ كَالْمُفْسِدِ فَإِنَّمَا ذَاكَ لِتَفْرِيطِهِ بِإفْسَادِ الْحَجِّ، وَلهَذَا لَمْ يَجِب الْقَضَاءُ عَلَى الْمُحْصَرِ فِي أَظْهَرِ قَوْلي الْعُلَمَاءِ لِعَدَمِ التَّفْرِيطِ، وَمَن أَوْجَبَ الْقَضَاءَ عَلَى مَن فَاتَهُ الْحَجُّ فَإِنَّهُ يُوجِبُهُ لِأنَّهُ مُفَرِّطٌ عِنْدَهُ.
وَإِذَا قِيلَ فِي هَذِهِ الْمَرْأَةِ: بَل تَتَحَلَّلُ كَمَا يَتَحَلَّلُ الْمُحْصَرُ فَهَذَا لَا يُفِيدُ سُقُوطَ الْفَرْضِ عَنْهَا؛ فَتَحْتَاجُ مَعَ ذَلِكَ إلَى حَجَّةٍ ثَانِيَةٍ، ثُمَّ هِيَ فِي الثَّانِيَةِ تَخَافُ مَا خَافَتْهُ فِي الْأُولَى، مَعَ أَنَّ الْمَحْصَرَ لَا يَحِلُّ إلَّا مَعَ الْعَجْزِ الْحِسِّيِّ: إمَّا بِعَدُوٍّ أَو بِمَرَضٍ أَو فَقْرٍ أَو حَبْسٍ، فَأَمَّا مِن جِهَةِ الشَّرْعِ فَلَا يَكُونُ أَحَدٌ مُحْصَرًا، وَكُلُّ مَن قَدَرَ عَلَى الْوُصُولِ إلَى الْبَيْتِ لَمْ يَكُن مَحْصَرًا فِي الشَّرْعِ.
فَهَذِهِ هِيَ التَّقْدِيرَاتُ الَّتِي يُمْكِنُ أَنْ تُفْعَلَ:
أ- إمَّا مُقَامُهَا بِمَكَّةَ.
ب-وَإمَّا رُجُوعُهَا مُحْرِمَةً.
ج- وَاِمَّا تَحَلُّلُهَا.
وَالْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ النَّسَائِي عَن ابْنِ عَبَّاسٍ عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ إلَّا أَنَّ اللهَ أَبَاحَ فِيهِ الْكَلَامَ فَمَن تَكَلَّمَ فِيهِ فَلَا يَتَكَلَّمُ إلَّا بِخَيْرِ" (١) قَد قِيلَ: إنَّهُ مِن كلَام ابْنِ عَبَّاسٍ، وَسَوَاءٌ كَانَ مِن كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ أَو كَلَامِ ابْنِ عَبَّاسٍ لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ نَوْعٌ مِنَ الصَّلَاةِ كَصَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَالِاسْتِسْقَاءِ وَالْكُسُوفِ؛ فَإِنَّ اللهَ قَد فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالطَّوَافِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٥].
وَالْآثَارُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَالصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَسَائِرِ الْعُلَمَاءِ بِالْفَرْقِ بَيْنَ الحواشي
(١) صحَّحه الألباني في مناسك الحج(٢٣) .стр. 2282
مُسَمَّى الصَّلَاةِ وَمُسَمَّى الطَّوَافِ مُتَوَاتِرَةٌ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ نَوْعًا مِنَ الصَّلَاةِ.
ثُمَّ تَدَبَّرْتُ وَتَبَيَّنَ لِي أَنَّ طَهَارَةَ الْحَدَثِ لَا تُشْتَرَطُ فِي الطَّوَافِ وَلَا تَجِبُ فِيهِ بِلَا ريبٍ، وَلَكِنْ تُسْتَحَبُّ فِيهِ الطَّهَارَةُ الصُّغْرَى، فَإِنَّ الْأَدِلَّةَ الشَّرْعِيَّةَ إنَّمَا تَدُلُّ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهَا فِيهِ.
وَحِينَئِذٍ: فَهَذِهِ الْمُحْتَاجَةُ إلَى الطَّوَافِ أَكْثَرُ مَا يُقَالُ: إنَّهُ يَلْزَمُهَا دَمٌ، كَمَا هُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد؛ فَإِنَّ الدَّمَ يَلْزَمُهَا بِدُونِ الْعُذْرِ عَلَى قَوْلِ مَن يَجْعَلُ الطَّهَارَةَ وَاجِبَةً، وَأَمَّا مَعَ الْعَجْزِ فَإذَا قِيلَ بِوُجُوبِ ذَلِكَ فَهَذَا غَايَةُ مَا يُقَالُ فِيهَا، وَالْأَقْيَسُ: أَنَّهُ لَا دَمَ عَلَيْهَا عِنْدَ الضَّرُورَةِ (١) ، وَأَمَّا أَنْ يُجْعَلَ هَذَا وَاجِبًا يَجْبُرُهُ دَمٌ وَيُقَالَ: أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ لِلضَّرُورَةِ فَهَذَا خِلَافُ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ.
وَقَد تَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ الْمُضْطَرَّةَ إلَى الطَّوَافِ مَعَ الْحَيْضِ لَمَّا كَانَ فِي عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ مَن يُفْتِيهَا بِالْإِجْزَاءِ مَعَ الدَّمِ وَإِن لَمْ تَكُنْ مُضْطَرَّةً: لَمْ تَكُنِ الْأُمَّةُ مُجْمِعَةً عَلَى أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهَا إلَّا الطَّوَافُ مَعَ الطُّهْرِ مُطْلَقًا، وَحِينَئِذٍ فَلَيْسَ مَعَ الْمُنَارعِ الْقَائِلِ بِذَلِكَ لَا نَصٌّ وَلَا إجْمَاعٌ وَلَا قِيَاسٌ، وَقَد بَيَّنَّا أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ مُسْتَلْزِمٌ لِجَوَازِ ذَلِكَ عِنْدَ الْحَاجَةِ، وَأَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي طَهَارَةِ الْحَدَثِ هَل هِيَ وَاجِبَةٌ عَلَيْهَا؟ وَأَنَّ قَوْلَ الْنُّفَاةِ لِلْوُجُوبِ أَظْهَرُ، فَلَمْ تُجْمِع الْأُمَّةُ عَلَى وُجُوبِ الطَّهَارَةِ مُطْلَقًا، وَلَا عَلَى أَنَّ شَيْئًا مِن الطَّهَارَةِ شَرْطٌ فِي الطَّوَافِ.
وَأَمَّا الَّذِي لَا أَعْلَمُ فِيهِ نِزَاعًا: أَنَّهُ لَيْسَ لَهَا أَنْ تَطُوفَ مَعَ الْحَيْضِ إذَا كَانَت قَادِرَةً عَلَى الطَّوَافِ مَعَ الطُّهْرِ، فَمَا أَعْلَمُ مُنَازِعًا أنَّ ذَلِكَ يَحْرُمُ عَلَيْهَا وَتَأْثَمُ بِهِ.
وَتَنَازَعُوا فِي إجْزَائِهِ: فَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ يُجْزِئُهَا ذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلٌ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد. الحواشي
(١) وقال في موضع آخر: وَأمَّا هَذ الْعَاجِزَةُ عَنِ الطَّوَافِ وَهِيَ طَاهِرَةٌ فَإِنْ أَخْرَجَتْ دَمًا فَهُوَ أحْوَطُ، وَإِلَّا فَلَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ عَلَيْهَا شَيْئًا، فَإِنَّ اللهَ لَا يُكَلِّفُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا. (٢٦/ ٢٤٤)стр. 2283
وَبِالْجُمْلَةِ: هَل يُشْتَرَطُ لِلطَّوَافِ شُرُوطُ الصَّلَاةِ؟
عَلَى قَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ:
أَحَدُهُمَا: يُشْتَرَطُ؛ كَقَوْلِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمَا.
وَالثَّانِي: لَا يُشْتَرَطُ، وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ السَّلَفِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِ، وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الصَّوَابُ، فَإِنَّ الْمُشْتَرِطِينَ فِي الطَّوَافِ كَشُرُوطِ الصَّلَاةِ لَيْسَ مَعَهُم حُجَّةٌ إلَّا قَوْلَه ﷺ : "الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ"، وَهَذَا لَو ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يَكن لَهُم فِيهِ حُجَّةٌ كَمَا تَقَدَّمَ. [٢٦/ ١٨٢ - ٢١٨]
٣٢٤٦ - إِنْ حَاضَتْ قَبْلَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ فَعَلَيْهَا أَنْ تَحْتَبِسَ حَتَى تَطْهُرَ وَتَطُوفَ إذَا أَمْكَنَ ذَلِكَ، وَعَلَى مَن مَعَهَا أَنْ يَحْتَبِسَ لِأَجْلِهَا إذَا أمْكنَهُ ذَلِكَ (١) ، وَلَمَّا كَانَت الطُّرُقَاتُ آمِنَةً فِي زَمَنِ السَّلَفِ وَالنَّاسُ يَرِدُونَ مَكَّةَ وَيصْدُرُونَ عَنْهَا فِي أَيَّامِ الْعَامِ كَانَت الْمَرْأَةُ يُمْكِنُهَا أَنْ تَحْتَبِسَ هِيَ وَذُو مَحْرَمِهَا وَمُكَارِيهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَطُوفَ، فَكَانَ الْعُلَمَاءُ يَأْمُرُونَ بِذَلِكَ.
وَأَمَّا هَذِهِ الْأَوْقَاتُ: فَكَثِيرٌ مِنَ النِّسَاءِ أَو أَكْثَرُهُنَّ لَا يُمْكنُهَا الِاحْتِبَاسُ بَعْدَ الْوَفْدِ، وَالْوَفْدُ يَنْفِرُ بَعْدَ التَّشْرِيقِ بِيَوْم أَو يَوْمَيْنِ أَو ثَلَاثَةٍ، وَتَكُونُ هِيَ قَد حَاضَتْ لَيْلَةَ النَّحْرِ فَلَا تَطْهُرُ إلَى سَبْعَةَ أَيَّامٍ أَو أَكْثَرَ، وَهِيَ لَا يُمْكِنُهَا أَنْ تُقِيمَ بِمَكَّةَ حَتَّى تَطْهُرَ؛ إمَّا لِعَدَمِ النَّفَقَةِ، أو لِعَدَمِ الرُّفْقَةِ ائَتِي تُقِيمُ مَعَهَا وَتَرْجِعُ مَعَهَا، وَلَا يُمْكِنُهَا الْمُقَامُ بِمَكَّةَ لِعَدَمِ هَذَا أو هَذَا، أَو لِخَوْفِ الضَّرَرِ عَلَى نَفْسِهَا.
فَيَتَوَجَّهُ أنْ يُقَالَ: إنَّمَا تَفْعَلُ مَا تَقْدِرُ عَلَيْهِ مِن الْوَاجِبَاتِ وَيَسْقُطُ عَنْهَا مَا تَعْجِزُ عَنْهُ فَتَطُوفُ، وَينْبَغِي أَنْ تَغْتَسِلَ -وَإِن كَانَت حَائِضًا- كَمَا تَغْتَسِلُ لِلْإِحْرَامِ وَأوْلَى، وَتَسْتَثْفِرُ كَمَا تَسْتَثْفِرُ الْمُسْتَحَاضَةُ وَأَوْلَى.
وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ مُخَالَفَةُ الْأُصُولِ وَالنُّصُوصِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الحواشي
(١) قال الشيخ في موضع آخر: لَو أمْكَنَهَا أنْ تُقِيمَ بِمَكَّةَ حَتَّى تَطْهُرَ وَتَطُوفَ وَجَبَ ذَلِكَ بِلَا رَيْبٍ. اهـ. (٢٦/ ٢٤٦)стр. 2284
الطَّهَارَةِ؛ كَقَوْلِهِ ﷺ : "تَقْضِي الْحَائِضُ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا إلَّا الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ" (١) إنَّمَا تَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ مُطْلَقًا؛ كَقَوْلِهِ: "إذَا أحْدَثَ أَحَدُكُمْ فَلَا يُصَلِّي حَتَّى يَتَوَضَّأَ" (٢) ، وَقَوْلِهِ: "لَا يَقْبَلُ اللهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إلَّا بِخِمَار" (٣) .. وَأَمْثَالِ ذَلِكَ مِن النُّصُوصِ، وَقَد عُلِمَ أَنَّ وُجُوبَ ذَلِكَ جَمِيعِهِ مَشْرُوطٌ بِالْقُدْرَةِ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].
هَذَا هُوَ الَّذِي تَوَجَّهَ عِنْدِي فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاللهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ، وَلَوْلَا ضَرُورَةُ النَّاسِ وَاحْتِيَاجُهُم إلَيْهَا عِلْمًا وَعَمَلًا لَمَا تَجَشَّمْت الْكَلَامَ، حَيْثُ لَمْ أَجِدْ فِيهَا كَلَامًا لِغَيْرِي، فَإِنَّ الِاجْتِهَادَ عِنْدَ الضَّرُورَةِ مِمَّا أَمَرَنَا اللهُ بِهِ، فَإِنْ يَكُن مَا قُلْته صَوَابًا فَهُوَ حُكْمُ اللهِ وَرَسُولِهِ وَالْحَمْدُ للهِ، وَإِن يَكُن مَا قُلْته خَطُا فَمِنِّي وَمِنَ الشَّيْطَانِ، وَاللهُ وَرَسُولُهُ بَرِيئَانِ مِنَ الْخَطَأِ، وَإِن كَانَ الْمُخْطِئُ مَعْفُوًّا عَنْهُ. [٢٦/ ٢٢٤ - ٢٤١]
٣٢٤٧ - لَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ أَمَرَ بِالطَّهَارَةِ لِلطَّوَافِ، وَلَا نَهَى الْمُحْدِثَ أَنْ يَطُوفَ، وَلَكِنَّهُ طَافَ طَاهِرًا. [٢٦/ ١٢٣]
٣٢٤٨ - لَا يَجُوزُ لِحَائضٍ أَنْ تَطُوفَ إلَّا طَاهِرَةً إذَا أَمْكَنَهَا ذَلِكَ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، وَلَو قَدِمَتِ الْمَرْاُّةُ حَائِضًا لَمْ تَطُفْ بِالْبَيْتِ، لَكِنْ تَقِفُ بِعَرَفَةَ وَتَفْعَلُ سَائِرَ الْمَنَاسِكِ كُلِّهَا مَعَ الْحَيْضِ إلَّا الطَّوَافَ فَإِنَّهَا تَنْتَظِرُ حَتى تَطْهُرَ إنْ أَمْكَنَهَا ذَلِكَ ثُمَّ تَطُوفُ، وَإِنِ اضْطُرَّتْ إلَى الطَّوَافِ فَطَافَتْ أَجَزْأهَا ذَلِكَ عَلَى الصَّحِيحِ مِن قَوْلَي الْعُلَمَاءِ. [٢٦/ ١٢٦ - ١٢٧]
٣٢٤٩ - الْمَنَاسِكُ قَبْلَ وَقْتِهَا لَا تُجْزِئُ، وَإِذَا دَارَ الْأَمْرُ بَيْنَ أَنْ تَطُوفَ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ مَعَ الْحَدَثِ وَبَيْنَ أَنْ لَا تَطُوفَهُ: كَانَ أنْ تَطُوفَهُ مَعَ الْحَدَثِ الحواشي
(١) رواه أبو داود(١٧٤٤) ، وصحَّحه الألباني في صحيح أبي داود(١٧٤٤) .(٢) أخرجه البخاري(٦٩٥٤) ، ومسلم(٢٢٥) .(٣) رواه أبو داود(٦٤١) ، وصحَّحه الألباني في صحيح أبي داود(٦٤١) .стр. 2285
أَوْلَى؛ فَإِنَّ فِي اشْتِرَاطِ الطَّهَارَةِ نِزَاعًا مَعْرُوفًا، وَكَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ كَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَد فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ يَقُولُونَ: إنَّهَا فِي حَالِ الْقُدْرَةِ عَلَى الطَّهَارَةِ إذَا طَافَتْ مَعَ الْحَيْضِ أَجْزاهَا وَعَلَيْهَا دَمٌ، مَعَ قَوْلِهِمْ إنَّهَا تَأْثَمُ بِذَلِكَ، وَلَو طَافَتْ قَبْلَ التَّعْرِيفِ لَمْ يُجْزِئهَا، وَهَذَا الْقَوْلُ مَشْهُورٌ مَعْرُوفٌ، فَتَبَيَّنَ لَك أن الطَّوَافَ مَعَ الْحَيْضِ أَوْلَى مِنَ الطَّوَافِ قَبْلَ الْوَقْتِ. [٢٦/ ٢٠٣]
* * *
(الفرق بين قَصْدِ الْعِبَادَةِ وَقَصْدِ الْمَعْبُودِ، وبَيْنَ النِّيَّةِ الْمُشْتَرَطَةِ لِلْحَجِّ وَالنِّيَّةِ الَّتي يَنْعَقِدُ بِهَا الْإِحْرَامُ)
٣٢٥٠ - أما النِّيَّةُ لِلْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ: فلَا خِلَافَ بَيْنَ أصْحَابِنَا وَسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ الْحَجَّ لَا يَصِحُّ إلَّا بِهَا: إمَّا مِن الْحَاجِّ نَفْسِهِ، وَإِمَّا مَن يَحُجُّ بِهِ كَمَا يَحُجُّ وَلِيُّ الصَّبِيِّ.
وَسَوَاءٌ قِيلَ: إنَّ الْحَجَّ يَنْعَقِدُ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ، أوْ لَا يَنْعَقِدُ إلَّا بِهَا وَبِشَيْء آخَرَ مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ، مِنْ تَلْبِيَةٍ أَوْ تَقْلِيدِ هَدْيٍ عَلَى الْخِلَافِ الْمَشْهُورِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ.
وَسَوَاءٌ قُلْنَا: إنَّ الْإِحْرَامَ رُكْنٌ أمْ لَيْسَ بِرُكْن، وَهَذَا أمْرٌ لَا يَقْبَلُ الْخِلَافَ؛ فَإِنَ الْعِبَادَاتِ الْمَقْصُودَةَ يَمْتَنِعُ أنْ تَكُونَ هِيَ الْعِبَادَاتِ الْمَأْمُورَ بِهَا بِدُونِ النِّيَّةِ.
وَأمَّا انْعِقَادُ الْإِحْرَامِ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ: فَفِيهِ خِلَافٌ فِي الْمَذْهَبِ وَغَيْرِهِ.
وَفَرْقٌ بَيْنَ النِّيَّةِ الْمُشْتَرَطَةِ لِلْحَجِّ وَالنِّيَّةِ الَّتِي يَنْعَقِدُ بِهَا الْإِحْرَامُ، فَإِنَّ الرَّجُلَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَنْوِيَ الْحَجَّ مِن حِينِ يَخْرُجُ مِن بَيْتِهِ كمَا هُوَ الْوَاقِعُ، وَيقِفَ وَيَطُوفَ مُسْتَصْحِبًا لِهَذِهِ النِّيَّةِ ذِكْرًا وَحُكْمًا، وَإِن لَمْ يَقْصِد الْإِحْرَامَ وَلَا يَخْطُرُ بِقَلْبِهِ (١) . الحواشي
(١) ظاهره: أنه يصح إحرام الرَّجُل بمُجرَّدِ ما في قَلْبهِ منْ قصْدِ الحجِّ ونيّته، ولا يلزمه قَوْل أوْ عَمَل يَصيرُ به مُحْرمًا.
لكن هذا الظاهر يُعارضه قول الشيخ في موضع آخر: وَلَا يَكونُ الرَّجُلُ مُحْرِمًا بِمُجَرَّدِ مَا فِي=стр. 2286
وَأَصْلُ ذَلِكَ: أَنَّ النِّيَّةَ الْمَعْهُودَةَ فِي الْعِبَادَاتِ تَشْتَمِلُ عَلَى أَمْرَيْنِ:
أ- عَلَى قَصْدِ الْعِبَادَةِ.
ب- وَقَصْدِ الْمَعْبُودِ.
وَقَصْدُ الْمَعْبُودِ: هُوَ الْأصْلُ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥].
وَأَمَّا قَصْدُ الْعِبَادَةِ: فَقَصْدُ الْعَمَلِ الْخَاصِّ.
أَمَّا الْأُولَى (١) : فَبِهَا يَتَمَيَّزُ مَن يَعْبُدُ اللهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ مِمَن يَعْبُدُ الطَّاغُوتَ أَو يُشْرِكُ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ، وَمَن يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ مِمَّن يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا.
وَأمَّا النِّيَّةُ الثَّانِيَةُ (٢) : فَبِهَا تَتَمَيَّزُ أَنْوَاعُ الْعِبَادَاتِ، وَأَجْنَاسُ الشَّرَائِعِ، فَيَتَمَيَّزُ الْمُصَلِّي مِن الْحَاجِّ وَالصَّائِمِ، وَيتَمَيَّزُ مَن يُصَلِّي الظُّهْرَ وَيَصُومُ قَضَاءَ رَمَضَانَ مِمَن يُصَلِّي الْعَصْرَ وَيَصُومُ شَيْئًا مِن شَوَّالٍ.
وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ نِيَّةَ نَوْعِ الْعَمَلِ الْوَاجِبِ لَا بُدَّ مِنْهَا فِي الْجُمْلَةِ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَقْصِدَ الصَّلَاةَ أَو الْحَجَّ أَو الصِّيَامَ.
وَاخْتَلَفُوا فِي النِّيَّةِ الْأُولَى: وَهِيَ نِيَّةُ الْإِضَافَةِ إلَى اللهِ تَعَالَى:
مِن أَصْحَابِنَا مَن قَالَ: لَا تَجِبُ نِيَّةُ الْإِضَافَةِ إلَى اللهِ تَعَالَى .. وَكَذَلِكَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ لَمْ يَعْتَبِرُوا نِيَّةَ الْإِضَافَةِ إلَى اللهِ تَعَالَى فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ.
وَذَلِكَ لِأنَّ نَفْسَ نِيَّةِ فِعْلِ الْعِبَادَةِ تَتَضَمَّنُ الْإِضَافَةَ، كَمَا تَتَضَمَّنُ عَدَدَ الرَّكَعَاتِ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ لَا تُشْرَعُ إلَّا للهِ تَعَالَى، كَمَا أَنَ صَلَاةَ الظُّهْرِ فِي الْحَضَرِ لَا تَكُونُ إلَّا أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، فَلِهَذَا لَمْ تَجِبْ نِيَّةُ الْإِضَافَةِ (٣) . الحواشي
(١) وهي نية قَصْد الْمَعْبُوَدِ، وهو الله تعالى.(٢) وهي نية قَصْدِ الْعِبَادَةِ المعيّنة.(٣) ومن قرأ القرآن ابتغاء الأجر، قد لا يخطر بباله استحضار نية الْإِضَافَةِ إلَى اللهِ تَعَالَى.стр. 2287
وَأَيْضًا: النِّيَّة الْحُكْمِيَّةُ تَقُومُ مَقَامَ النِّيَّةِ الْمُسْتَحْضَرَةِ، وَإِن كَانَت النِّيَّةُ الْمُسْتَحْضَرَةُ أَكْمَلَ وَأَفْضَلَ، فَإِذَا نَوَى الْعَبْدُ صَلَاةَ الظُّهْرِ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ أَجْزَأَهُ اسْتِصْحَابُ النِّيَّةِ حُكْمًا، فَكَذَلِكَ الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ الَّذِي دَخَلَ الْإِيمَانُ فِي قَلْبِهِ قَد نَوَى نِيَّةً عَامَّةً أَنَّ عِبَادَاتِهِ هِيَ لَهُ لَا لِغَيْرِهِ، فَإِنَّهُ إنْ لَمْ يَكن كَذَلِكَ كَانَ مُنَافِقًا.
فَإِذَا نَوَى عِبَادَةً مُعَيَّنَةً مِن صَلَاةٍ وَصَوْمِ كَانَ مُسْتَصْحِبًا لِحُكْمِ تِلْكَ النِّيَّةِ الشَّامِلَةِ لِجَمِيعِ أَنْوَاعِ الْعِبَادَاتِ، كَمَا أَنَّهُ فِي الصَّلَاةِ إذَا نَوَى الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ كَانَ مُسْتَصْحِبًا لِحُكْمِ نِيَّةِ الظُّهْرِ أَو الْعَصْرِ الشَّامِلَةِ لِجَمِيعِ أَعْمَالِ الصَّلَاةِ، ثُمَّ إنْ أَتَى بِمَا يَنْقُضُ عِلْمَ تِلْكَ أَفْسَدَهَا، فَإِنَّهُ يَكُونُ فَاسِخًا لَهَا، كَمَا لَو فَسَخَ نِيَّةَ الصَّلَاةِ فِي أَثْنَائِهَا، فَإِذَا قَامَ يُصَلِّي لِئَلَّا يُضْرَبَ أَو يُؤخَذَ مَالُهُ أَو أَدَّى الزَّكَاةَ لِئَلَّا يُضْرَبَ: كَانَ قَد فَسَخَ تِلْكَ النِّيَّةَ الْإِيمَانِيَّةَ.
فَلِهَذَا كَانَ الصَّحِيحُ عِنْدَنَا وَعِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ هَذِهِ الْعِبَادَةَ فَاسِدَةٌ لَا يَسْقُطُ الْفَرْضُ بِهَذِهِ النِّيَّةِ.
فَفَرْقٌ بَيْنَ مَن لَمْ يُرِدِ اللهَ بِعَمَلِهِ لَا جُمْلَةً وَلَا تَفْصِيلًا، وَبَيْنَ مَن أَرَادَهُ جُمْلَةً وَذُهِلَ عَن إرَادَتِهِ بِالْعَمَلِ الْمُعَيَّنِ تَفْصِيلًا.
فَإِنَّ مَن نَوَى الْعَمَلَ الْمُعَيَّنَ فَقَد نَوَى الْعَمَلَ للهِ بِحُكْمِ إيمَانِهِ. [٢٦/ ٢٢ - ٣٢]
* * *
(التفصيل في حكم إدخال الحج على العمرة والعكس، وما الأفضل لمن اعتمر في غير أشهر الحج وأراد الحج: الإفراد أو التمتع ؟)
٣٢٥١ - إِذَا أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ أَدْخَلَ عَلَيْهَا الْحَجَّ: جَازَ ذَلِكَ بِالاِتِّفَاقِ؛ لِأَنَّهُ الْتَزَمَ أَكْثَرَ مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا إذَا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ ثُمَّ أَدْخَلَ عَلَيْهِ الْعُمْرَةَ (١) : لَمْ يَجُزْ عَلَى الصَّحِيحِ؛ الحواشي
(١) صورة المسألة: رجلٌ أهل بالحج وحده ثم أدخل العمرة عليه فصار قارنًا؛ أي: انتقل من الإفراد=стр. 2288
لِأَنَّهُ لَا يَلْتَزِمُ زِيادَةَ شَيْءٍ، وَإِنَّمَا جَوَّزَهُ أَبُو حَنِيفَةَ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ: فِي أَنَّ عَمَلَ الْقَارِنِ فِيهِ زَيادَةٌ عَلَى عَمَلِ الْمُفْرِدِ (١) .
ومَن سَافَرَ سَفْرَةً وَاحِدَةً وَاعْتَمَرَ فِيهَا ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُسَافِرَ أُخْرَى لِلْحَجِّ فَتَمَتُّعُهُ أَيْضًا أَفْضَلُ لَهُ مِن الْحَجِّ؛ فَإِنَّ كَثِيرًا مِن الصَّحَابَةِ الَّذِينَ حَجُّوا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ كَانُوا قَد اعْتَمَرُوا قَبْلَ ذَلِكَ، وَمَعَ هَذَا فَأَمَرَهُم بِالتَّمَتُّعِ، لَمْ يَأْمُرْهُم بِالْإِفْرَادِ؛ وَلأَنَّ هَذَا يَجْمَعُ بَيْنَ عُمْرَتَيْنِ وَحَجَّةٍ وَهَدْيٍ، وَهَذَا أَفْضَلُ مِن عُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ (٢) .
وَكَذَلِكَ لَو تَمَتَّعَ ثُمَّ سَافَرَ مِن دويرة أَهْلِهِ لِلْمُتْعَةِ: فَهَذَا أَفْضَلُ مِن سَفْرَةٍ بِعُمْرَة، وَسَفْرَةٍ بِحَجَّةِ مُفْرَدَةٍ، وَهَذَا الْمُفْرِدُ (٣) أَفْضَلُ مِن سَفْرَةٍ وَاحِدَةٍ يَتَمَتَّعُ فِيهَا.
وَأَمَّا إذَا أَرَادَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ النسكين بِسَفْرَة وَاحِدَةٍ وَيَسُوقَ الْهَدْيَ: فَالْقِرَآنُ أَفْضَلُ؛ اقْتِدَاءً بِرَسُولِ اللهِ ﷺ حَيْثُ قَرَنَ وَسَاقَ الْهَدْيَ. الحواشي
(١) لأنه يُوجب على القارن طوافين وسعيين.(٢) هذا الكلام يردّ على من نسب إلى شيخ الإسلام أن من اعتمر في غير أشهر الحج وأراد الحج أن الأفضل في حقه نسك الإفراد، وكلامه الآتي يُؤكد ردّ هذا الفهم، وسبب هذا الفهم الخاطئ: أن شيخ الإسلام ﵀ ذكر أن من اعتمر قبل أشهر الحج فإن الحج مفردًا أفضل في حقه باتفاق الأئمة.
قال شيخنا سليمان الحربي حفظه الله: ومن الغريب أن ابن عثيمين استشكل هذا الموضع عند تعليقه على الاختيارات حيث نقل البعلي عن ابن تيمية قوله: "وإن اعتمر وحج في سفرتين أو اعتمر قبل أشهر الحج فالإفراد أفضل باتفاق الأئمة الأربعة ومن أفرد العمرة بسفرة ثم قدم فى أشهر الحج فإنه يتمتع".
علَّق الشيخ فقال: "اعلم أن هذه العبارة تنافي ما قبلها إلا أن تحمل على محمل بعيد من ظاهرها .. ولعل صواب العبارة: فإنه لا يتمتع" فزاد الشيخ حرف النفي "لا" وهذا بسبب أن الشيخ فهم أن ابن تيمية يتكلم عن نوع النسك وإنما الشيخ يتكلم عن تفضيل سفرة للعمرة على عمرة تكون مع التمتع وهذا لا إشكال فيه. اهـ.(٣) أي: الذي أفرد سفرةً لحجة، وسفرةً لعمرته.стр. 2289
فَإِنْ قِيلَ: أَيُّمَا أَفْضَلُ أَنْ يَسُوقَ الْهَدْيَ وَيقْرِنَ، أَو أَنْ يَتَمَتَّعَ بِلَا سَوْقِ هَدْيٍ وَيحِلَّ مِن إحْرَامِهِ؟
قِيلَ: هَذَا مَوْضِعُ الِاجْتِهَادِ (١) . [٢٦/ ٨٨ - ٩٢]
* * *
(حكم فَسْخِ الْمُفْرِدِ وَالْقَارِنِ وَانْتِقَالِهِمَا إلَي التَّمَتُّعِ)
٣٢٥٢ - وَأَمَّا تَنَازُعُ الْعُلَمَاءِ فِي جَوَازِ فَسْخِ الْمُفْرِدِ وَالْقَارِنِ وَانْتِقَالِهِمَا إلَى التَمَتُّعِ (٢) : فَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَن قَالَ: إنَّ ذَلِكَ مَنْسُوخٌ وَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ مَخْصُوصًا بِاَلَّذِينَ حَجُّوا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ .
قَالَ بَعْضُهُم: لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَرَادَ أَنْ يُعْلِمَهُم جَوَازَ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ.
وَقَالَ آخَرُونَ: هَذَا قَوْلٌ ضَعِيفٌ جِدًّا، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ غَيْرَ مَرَّةٍ؛ بَل عُمَرُهُ كَانَت فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ.
وَأَيْضًا: فَإِذَا كَانَ الْكُفَّارُ لَمْ يَكُوُنوا يَتَمَتَّعُونَ وَلَا يَعْتَمِرُونَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَالنَّبِيُّ ﷺ قَصَدَ مُخَالَفَةَ الْكُفَّارِ: كَانَ هَذَا مِن سُنَنِ الْحَجِّ، كَمَا فَعَلَ فِي وُقُوفِهِ بِعَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ، فَإِنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا يُعَجِّلُونَ الْإِفَاضَةَ مِن عَرَفَةَ قَبْلَ الحواشي
(١) ذكر الشيخ القولين ولم يرجح، لكنه في ص (٢٦/ ٢٨٤ - ٢٨٦) رجح الأول، وهو أَنْ يَسُوقَ الْهَدْيَ وَيقْرِنَ.(٢) فسخ الحج لمن لم ينو الإتيان به بعد عمرته لا يجوز بلا شك، إلا في حالة الفوات.
أما إذا انتقل من إفراد أو قران إلى تمتع: فقد اختلف أهل العلم ﵏ في ذلك على أقوال:
القول الأول: أنه لا يجوز له أن يفسخ الحج لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾. وهو قول جمهور أهل العلم.
القول الثاني: أنه يسن، واستدلوا بأمر النبي ﷺ للصحابة ﵃ الذين أهلُّوا بحج أو حج وعمرة أن يفسخوها إلى عمرة، وهو مذهب الحنابلة، واختيار شيخ الإسلام ﵀.
القول الثالث: أنه يجب الفسخ، وهو مذهب الظاهرية واختيار ابن القيِّم ﵀.стр. 2290
الْغُرُوبِ، ويُؤَخِّرُونَ الْإِفَاضَةَ مِن جَمْعٍ إلَى أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فَخَالَفَهُم النَّبِيُّ ﷺ وَقَالَ: "خَالَفَ هَدْيُنَا هَدْيَ الْمُشْرِكِينَ"، فَأَخَّرَ الْإِفَاضَةَ مِن عَرَفَةَ إلَى أنْ غَرَبَت الشَّمْسُ، وَعَجَّلَ الْاِفَاضَةَ مِن جَمْعٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَهَذَا هُوَ السُّنَّةُ لِلْمُسْلِمِينَ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ.
فَهَكَذَا مَا فَعَلَهُ مِنَ التَّمَتُّعِ وَالْفَسْخِ إنْ كَانَ قَصَدَ بِهِ مُخَالَفَةَ الْمُشْرِكِينَ فَهَذَا هُوَ السُّنَةُ، وَإِن فَعَلَهُ لِأنَّهُ أَفْضَلُ وَهُوَ سُّنَّةٌ، فَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ يَكُونُ الْفَسْخُ أَفْضَلَ؛ اتِّيُاعًا لِمَا أَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ أَصْحَابَهُ. [٢٦/ ٩٥ - ٩٦]
٣٢٥٣ - الْفَسْخُ (١) فِيهِ ثَلَاثَة أَقْوَالٍ مَعْرُوفَةٍ:
قِيلَ: هُوَ وَاجِبٌ كَقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأتْبَاعِهِ وَأَهْلِ الظَّاهِرِ وَالشِّيعَةِ.
وَقِيلَ: هُوَ مُحَرَّمٌ كَقَوْلِ مُعَاوَيةَ وَابْنِ الزُّبَيْرِ وَمَن اتِّبَعَهُمَا كَأَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ.
وَقِيلَ: هُوَ جَائِزٌ مُسْتَحَبٌّ، وَهُوَ مَذْهَبُ فُقَهَاءِ الْحَدِيثِ: أَحْمَد وَغَيْرِهِ (٢) . [٢٦/ ٤٩] الحواشي
(١) أي: فَسْخَ الْحَجِّ إلَى التمَتُّعِ.(٢) وهذا اختيار الشيخ ﵀، وجعل اخْتِصَاص وُجُوبِهِ بِالصَّحَابَةِ، وقال: إِنَّهُم كانُوا قَد فُرِضَ عَلَيْهِمُ الْفَسْخُ لِأَمْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ لَهُم بِهِ وَحَتْمِهِ عَلَيْهِمْ، وَغَضَبِهِ عِنْدَمَا تَوَقَّفُوا فِي الْمُبَادَرةِ إِلَى امْتِثَالِهِ، وَأمَّا الْجَوَازُ وَالِاسْتِحْبَابُ فَلِلْأُمَّةِ الَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. اهـ. زاد المعاد (٢/ ١٨٠).
قال ابن عثيمين ﵀: وما قاله ﵀ وجيه جدًّا، وهو أن وجوب الفسخ إنما هو في ذلك العام الذي واجههم به الرسول ﷺ ، وأما بعد ذلك فليس بواجب، وأظنه لو كان واجبًا لم يخف على أبي بكر وعمر ﵄ وهما من هما بالنسبة لقربهما من الرسول ﷺ ولفهمهما قوله. اهـ. الشرح الممتع (٧/ ٧٩).
وقد خالف ابن القيِّم شيخه في هذا واختار قول ابن عباس والظاهرية، حيث قال: لَكِنْ أبَى ذَلِكَ الْبَحْرُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَجَعَلَ الْوُجُوبَ لِلْأُمَّةِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَأنَّه فَرض عَلَى كُلِّ مُفْرِدٍ وَقَارِنٍ لَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ، أنْ يَحِلَّ وَلَا بُدَّ، بَل قَد حَلَّ وَإِن لَمْ يَشَأْ، وَأَنَا إِلَى قَوْلِهِ أَمْيَلُ مِنِّي إِلَى قَوْلِ شَيْخِنَا. اهـ. زاد المعاد (٢/ ١٨٠).стр. 2291
٣٢٥٤ - فَسْخُ الْحَجِّ إلَى التَّمَتُّعِ: مُوَافِقٌ لِقِيَاسِ الْأصُولِ لَا مُخَالِفٌ لَهُ، فَإِنَّ الْمُحْرِمَ إذَا الْتَزَمَ أَكْثَرَ مِمَا لَزِمَهُ جَازَ بِاتِّفَاقِ الْأئِمَّةِ، فَلَو أَحْرَمَ بِالْغمْرَةِ ثُمَّ أَدْخَلَ عَلَيْهَا الْحَجِّ جَازَ بِلَا نِزَاعٍ.
وَأَمَّا إذَا أحْرَمَ بِالْحَجِّ ثُمَّ أَدْخَلَ عَلَيْهِ الْعُمْرَةَ لَمْ يَجُزْ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَد وَمَالِكٍ وَظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ (١) .
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ: فَالْمُحْرِمُ بِالْحَجِّ لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا الْحَجّ، فَإِذَا صَارَ مُتَمَتِّعًا صَارَ مُلْتَزِمًا لِعُمْرَةٍ وَحَجٍّ، فَكانَ مَا الْتَزَمَهُ بِالْفَسْخِ أكْثَرَ مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ فَجَازَ ذَلِكَ وَهُوَ أَفْضَلُ.
وَإِنَّمَا يشْكلُ هَذَا عَلَى مَن يَظُنُّ أَنَّهُ فَسَخَ حَجًّا إلَى عُمْرَةِ مُجَرَّدَ؛ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّهُ لَو أَرَادَ أنْ يَفْسَخَ الْحَجَّ إلَى الْعُمْرَةِ مُفْرَدَةً لَمْ يَجُزْ بِلَا نِزَاعٍ، وَإِنَّمَا الْفَسْخُ جَائِزٌ لِمَن كَانَ نِيَّتَهُ أنْ يَحُجَّ بَعْدَ الْعُمْرَةِ.
وَقَد قَدَّمْنَا أَنَّ الْمُتَمَتِّعَ مِن حِينِ يُحْرِمُ بِالْعُمْرَةِ دَخَلَ فِي الْحَجِّ، كَمَا قَالَ النَّبِيِّ ﷺ : "دَخَلَت الْعُمْرَةُ في الْحَجِّ" (٢) ، وَلهَذَا يَجُوزُ أنْ يَصومَ الْأيَّامَ الثَّلَاثَةَ (٣) مِن حِينَئذٍ، وَإِنَّمَا إحْرَامُهُ بِالْحَجِّ بَعْدَ ذَلِكَ. [٢٦/ ٥٧ - ٥٨]
٣٢٥٥ - مَذْهَبُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَصْحَابِهِ وَكَثِيرٍ مِن الظَّاهِريَّةِ وَالشِّيعَةِ: يَرَوْنَ أَنَّ الْفَسْخَ وَاجِبٌ (٤) ، وَأَنَهُ لَيْسَ لِأحَد أَنْ يَحُجَّ إلَّا مُتَمَتِّعًا.
وَمَذْهَبُ كَثِيرِ مِن السَّلَفِ وَالْخَلَفِ انَّهُ وَإِن جَازَ التَّمَتُّعُ فَلَيْسَ لِمَن أَحْرَمَ مُفْرِدًا أو قَارِنًا أنْ يَفْسَخَ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ، وَمَذْهَبُ كَثِيرٍ مِن فُقَهَاءِ الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِمْ: كَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَنَ الْفَسْخَ هُوَ الْأَفْضَلُ، وَأنَّهُ إنْ حَجَّ مُفْرِدًا أَو قَارِنًا وَلَمْ يَفْسَخْ جَازَ. الحواشي
(١) وهو الذي رجحه الشيغ كما سيأتي.(٢) أخرجه مسلم(١٢١٨) .(٣) في حقّ من لم يجد الهدي، قال تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾.(٤) وهو اختيار العلَّامة ابن القيِّم ﵀، وقد خالف في ذلك شيخه.стр. 2292
وَأَمَّا مَن سَاقَ الْهَدْيَ فَلَا يَفْسَخُ بِلَا نِزَاعٍ.
وَالْفَسْخُ جَائِز (١) مَا لَمْ يَقِفْ بِعَرَفَةَ، وَسَوَاءٌ كَانَ قَد نَوَى عِنْدَ الطَّوَافِ طَوَافَ الْقُدُومِ أَو غَيْرَ ذَلِكَ، وَسَوَاءٌ كَانَ قَد نَوَى عِنْدَ الْإِحْرَامِ الْقِرَانَ أَو الْإِفْرَادَ أَو أَحْرَمَ مُطْلَقًا.
فَأَمَّا الْفَسْخُ بِعُمْرَةٍ مُجَرَّدَةٍ: فَلَا يُجَوِّزُهُ أَحَدٌ مِن الْعُلَمَاءِ. [٢٦/ ٢٨٠]
* * *
(حكم تقبيل أركان الكعبة والمقام وقبر النبي)
٣٢٥٦ - الرُّكْنُ الْيَمَانِيُّ: لَا يُقَبَّلُ عَلَى الْقَوْلِ الصَّحِيحِ، وَأَمَّا سَائِرُ جَوَانِبِ الْبَيْتِ وَالرُّكْنَانِ الشَّامِيَّانِ وَمَقَامُ إبْرَاهِيمَ فَلَا تُقَبَّلُ وَلَا يُتَمَسَّحُ بِهِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ الْمُتَّبِعِينَ لِلسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، فإذا لَمْ يَكُن التَّمَسُّحُ بِذَلِكَ وَتَقْبِيلُهُ مُسْتَحَبًّا فَأَوْلَى أَلَّا يُقَبَّلَ وَلَا يُتَمَسَّحَ بِمَا هُوَ دُونَ ذَلِكَ.
وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ لِمَن سَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ عِنْدَ قَبْرِهِ أَنْ يُقَبِّلَ الْحُجْرَةَ وَلَا يَتَمَسَّحَ بِهَا؛ لِئَلَّا يُضَاهِيَ بَيْتُ الْمَخْلُوقِ بَيْتَ الْخَالِقِ. [٢٦/ ٩٧]
٣٢٥٧ - الرُّكْنُ الْأَسْوَدُ يُسْتَلَمُ وَيُقَبَّلُ، وَالْيَمَانِيُّ يُسْتَلَمُ وَلَا يُقَبَّلُ، وَالْآخَرَانِ لَا يُسْتَلَمَانِ وَلَا يُقَبَّلَانِ، وَالِاسْتِلَامُ هُوَ مَسْحُهُ بِالْيَدِ، وَأَمَّا سَائِرُ جَوَانِبِ الْبَيْتِ وَمَقَامُ إبْرَاهِيمَ وَسَائِرُ مَا فِي الْأَرْضِ مِنَ الْمَسَاجِدِ وَحِيطَانِهَا وَمَقَابِرِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ .. : فَلَا تُسْتَلَمُ وَلَا تُقَبَّلُ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ.
وَأَمَّا الطَّوَافُ بِذَلِكَ فَهُوَ مِن أَعْظَمِ الْبِدَعِ الْمحَرَّمَةِ، وَمَنِ اتَّخَذَهُ دِينًا يُسْتَتَابُ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ. [٢٦/ ١٢١]
* * * الحواشي
(١) لمن لم يسق الهدي.стр. 2293
(الصلاة في المسجد النبوي والسلام على الرسول والوقوف للدعاء)
٣٢٥٨ - قال ابن عقيل وابن الجوزي: يكره قصد القبور للدعاء، قال شيخنا: ووقوفه عندها له. [المستدرك ٣/ ١٩٧]
٣٢٥٩ - مكة أفضل بقاع الله، وهو قول أبي حنيفة والشافعي، وأنص الروايتين عن أحمد، قال أبو العباس: ولا أعلم أحدًا فضل تربة النبي ﷺ على الكعبة إلا القاضي عياض، ولم يسبقه إليه أحد، ولا وافقه عليه أحد.
والصلاة وغيرها من القرب بمكة أفضل، والمجاورة بمكان يكثر فيه إيمانه وتقواه أفضل حيث كان (١) ، وتضاعف السيئة والحسنة بمكان أو زمان فاضل، ذكره القاضي وابن الجوزي. [المستدرك ٣/ ١٩٨]
٣٢٦٠ - المعاصي في الأيام المفضلة والأمكنة المفضلة تغلظ المعصية، والعقاب عليها على قدر ذلك المكان والزمان. [المستدرك ٣/ ١٩٨]
* * *
(ما هو أول مسجد أُسّس على التقوى ؟)
٣٢٦١ - قَالَ تَعَالَى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (١٠٨) ﴾ [التوبة: ١٠٨]، وَقَد رُوِيَ عَن النَّبِيِّ ﷺ مِن غَيْرِ وَجْهٍ أَنَّهُ سَأَلَ أَهْلَ قُبَاء عَن هَذَا الطَّهُورِ الَّذِي أَثْنَى اللهُ عَلَيْهِم فَذَكَرُوا أَنَّهُم يَسْتَنْجُونَ بِالْمَاءِ.
وَقَد ثَبَتَ فِي "الصَّحِيحِ" (٢) عَن سَعْدٍ أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيِّ ﷺ عَن الْمَسْجِدِ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى وَهُوَ فِي بَيْتِ بَعْضِ نِسَائِهِ فَأَخَذَ كَفًّا مِن حَصًى فَضَرَبَ بِهِ الْأَرْضَ ثُمَّ قَالَ: "هُوَ مَسْجِدُكُمْ هَذَا لِمَسْجِدِ الْمَدِينَة". الحواشي
(١) ولو لم يكن المكان فاضلًا.(٢) مسلم(١٣٩٨) .стр. 2294
فَتَبَيَّنَ أَنَّ كِلَا الْمَسْجِدَيْنِ أُسِّس عَلَى التقْوَى، لَكِنَّ مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ أَكْمَلُ فِي هَذَا النَّعْتِ فَهُوَ أَحَق بِهَذَا الِاسْمِ، وَمَسْجِدُ قُبَاءَ كَانَ سَبَبَ نزُولِ الْآيَةِ؛ لِأنَّهُ مُجَاوِز لِمَسْجِدِ الضِّرَارِ الَّذِي نُهِيَ عَن الْقِيَامِ فِيهِ. [٢٧/ ٤٠٦ - ٤٠٧]
* * *
(باب الفوات والإحصار)
٣٢٦٢ - سُئِلَ ﵀: عَن امْرأةٍ حَجَّتْ وَأَحْرَمَتْ لِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ .. وَعِنْدَمَا حَضَرَتِ الْحَرَمَ حَاضَتْ وَرَجَعَتْ إلَى مِنَى وَكَتَمَتْ وَعَادَتْ إلَى بَلَدِهَا وَبَعْدَ سَنَتَيْنِ اعْتَرَفَتْ بِمَاْ وَقَعَ لَهَا؟
فَأَجَابَ: إنْ كَانَت قَد طَافَتْ طَوَافَ الْاِفَاضَةِ وَهِيَ حَائِضٌ وَالْحَالَةُ هَذِهِ نَاوَيةً (١) : أَجْزَأَهَا الْحَجُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيِ الْعُلَمَاءِ (٢) ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَد فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
وَغَايَةُ مَا يَجِبُ عَلَيْهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ: بَدَنَةٌ، وَعِنْدَ أحْمَد: دَمٌ وَهِيَ شَاةٌ.
وَأَمَّا إنْ كَانَت لَمْ تَطُفْ (٣) : تَحَلَّلَتِ التَّحَلُّلَ الْأوَّلَ (٤) وَجَازَ لَهَا الطّيبُ وَتَغْطِيَةُ الْوَجْهِ وَغَيْرُ ذَلِكَ، لَكِنْ لَا يَطَؤُهَا زَوْجُهَا حَتَّى تَطُوفَ طَوَافَ الْإفَاضَةِ.
فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهَا الْعَوْدُ: فَغَايَةُ مَا يُمْكِنُ أَنْ يُرَخَّصَ لَهَا فِيهِ أَنَّهَا تَكونُ الحواشي
(١) هذا قيد مهم، فمن طافت ولم تنو أنه طوافٌ مُجزئ، بل طافت وهي معتقدة بطلان طوافها، حيث سارت حول الكعبة مجاملة لأهلها، وحياء من اطلاعهم على حيضها، أو خوفًا من تأنيبهم ولومهم: لم يصحّ طوافها.(٢) سواء أمكنها الرجوع لقربها من مكة أو لا، فما دام أنها طافت أجزأها، فإن كانت متعمِّدة عالمة بالحكم أثمت.(٣) أي: لم تطف طَوَافَ الْإِفَاضَةِ، وقد أتت ببقية أركان الحج من الوقوف بعرفة ومزدلفة وغيرها.(٤) لأنها رمت جمرة العقبة وقصرت، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وإذا فعل ذلك (يعني: الرمي والحلق) فقد تحلل باتفاق المسلمين التحلل الأول". اهـ.стр. 2295
كَالْمُحْصَرَةِ، تحلل (١) مِن إحْرَامِهَا بِهَدْي، وَلَكِنَ الْأحْوَطَ أَنْ تَبْعَثَ بِهِ إلَى مَكَّةَ لِيُذْبَحَ مِثْل أنْ يُذْبَحَ يَوْمَ النَّحْرِ، فَإِذَا ذُبِحَ هُنَاكَ حَلَّتْ هُنَا، وَجَازَ لِزَوْجِهَا أَنْ يَطَأهَا وَالْحَالَةُ هَذِهِ.
فَإِذَا وَاعَدَتْ مَن يَذْبَحُهُ هُنَاكَ فِي يَوْمٍ مُعَيَّن حَلَّتْ إلَى ذَلِكَ الْيَوْمِ.
ثُمَّ إذَا أَمْكَنَهَا بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ تَذْهَبَ إلَى مَكَّةَ: فَإِنَّهَا تَدْخُلُ مُهِلَّةً بِعُمْرَةٍ، وَتَطُوفُ هَذَا الطَّوَافَ الْبَاقِيَ عَلَيْهَا، ثُمَّ إنْ شَاءَتْ حَجَّتْ مِن هُنَاكَ (٢) ، وَإِن عَجَزَتْ عَن ذَلِكَ حَتَّى تَمُوتَ (٣) : فَلَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا.
وَإِن أَمْكَنَ أَنْ تَبْعَثَ عَنْهَا بَعْدَ مَوْتِهَا مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ عَنْهَا (٤) : فَعَلَ.
وَإِن كَانَ وَطْؤُهَا قَبْلَ هَذَا الطَّوَافِ (٥) : لَمْ يَفْسُد الْحَجُّ بِذَلِكَ، لَكنْ يَفْسُدُ مَا بَقِيَ، وَعَلَيْهَا طَوَافُ الْإِفَاضَةِ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ كَمَا ذُكِرَ، لَكِنْ عِنْدَ مَالِكِ وَأَحْمَد عَلَيْهَا أَنْ تُحْرِمَ بِعُمْرَةِ كَمَا نُقِلَ عَن ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُمَا يُجْزِئُهَا بِلَا إحْرَامٍ جَدِيدٍ، هَذَا إذَا كَانَت هُنَاكَ.
فَأَمَّا إنْ كَانَت رَجَعَتْ إلَى بَلَدِهَا وَوَطاهَا زَوْجُهَا فَلَا بُدَّ لَهَا إذَا رَجَعَتْ أَنْ تُحْرِمَ بِعُمْرَةٍ مِن الْمِيقَاتِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ أَحَدٌ مَكَّةَ إلا مُحْرِمًا بِحَجٍّ أو عُمْرَةٍ إمَّا وُجُوبًا أَو اسْتِحْبَابًا، إلَّا مَن لَهُ حَاجَةٌ مُتَكَرّرَةٌ وَنَحْوُ ذَلِكَ. [٢٦/ ٢٤٦ - ٢٤٧]
٣٢٦٣ - المحصر بمرض أو ذهاب نفقة كالمحصر بعدو، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، والمحصر يلزمه دم في إحدى الروايتين.
وإذا مُنع في حج عن عرفة (٦) تحلل بعمرة مجانًا. الحواشي
(١) لعل الأصوب: (تتحلل)؛ لأن الضمير يعود لمؤنث.(٢) أي: حجة نفل؛ لأن الفرض سقط عنها بإتيانها بطواف الإفاضة.(٣) أي: إن عجزت عن الذهاب إلَى مَكَّةَ لتطوف طواف الإفاضة الذي تركته.(٤) أي: يطوف طواف الإفاضة.(٥) أي: لو أنها ذات زوج، أو تزوجت بعد رجوعها وهي لم تطف طواف الإفاضة، فوطأها زوجها.(٦) فقط، دون الطواف والسعي.стр. 2296
وإن حصره مرض أو ذهاب نفقة بقي محرمًا حتى يقدر على البيت، فإن فاته الحج تحلل بعمرة نقله الجماعة، ولا ينحر هديًا معه إلا بالحوم، نص على التفرقة، وفي لزوم القضاء والهدي الخلاف، وأوجب الآجري القضاء هنا، وعنه: يتحلل كمحصر بعدو، واختاره شيخنا، وأن مثله حائض تعذر مقامها وحرم طوافها ورجعت ولم تطف لجهلها بوجوب طواف الزيارة، أو لعجزها عنه، أو لذهاب الرفقة، وكذا من ضل الطريق ذكره في المستوعب، وفي التعليق: واحتج شيخنا لاختياره بأن الله لم يوجب على المحصر أن يبقى محرمًا حولًا بغير اختياره، بخلاف بعيدٍ أحرم من بلده ولا يصل إلا في عام، بدليل تحلل النبي ﷺ وأصحابه لما حصروا عن إتمام العمرة مع إمكان رجوعهم محرمين إلى العام القابل. [المستدرك ٣/ ١٩٨ - ١٩٩]
٣٢٦٤ - لَا بُدَّ بَعْدَ الْوُقُوفِ (١) مِن طَوَافِ الْإِفَاضَةِ، وَإِن لَمْ يَطُفْ بِالْبَيْتِ لَمْ يَتمَّ حَجُّهُ بِاتّفَاقِ الْأمَّةِ.
وَإِن أَحْصَرَهُ عَدُوٌّ (٢) عَنِ الْبَيْتِ وَخَافَ فَلَمْ يُمْكِنْهُ الطَّوَافُ: تَحَلَّلَ فَيَذْبَحُ هَدْيًا وَيحِلُّ، وَعَلَيْهِ الطَّوَافُ بَعْدَ ذَلِكَ إنْ كَانَت تِلْكَ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ (٣) ؛ فَيَدْخُلُ مَكَّةَ بِعُمْرَةٍ يَعْتَمِرُهَا تَكُونُ عِوَضًا عَن ذَلِكَ. [٢٦/ ٣٠٢]
* * * الحواشي
(١) بعرفة.(٢) المشهور من المذهب الحنبلي: أن الحصر خاص بمنع العدو، وأما غير العدو فإنه لا إحصار فيه كضياع النفقة والمرض ونحو ذلك.
والقول الثاني: أنه إذا حصر بغير عدو فكما لو حصر بعدو؛ لعموم قول الله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦]؛ أي: عن إتمامهما، ولم يقيد الله تعالى الحصر بعدو. وهذا اختيار العلَّامة ابن عثيمين ﵀. الشرح الممتع (٧/ ٤١٨).(٣) أما إن كانت نفلًا فلا يجب، والشيخ رحمه الله تعالى اختار عدم وجوب القضاء على المحصر إذا كان بغير تفريط منه، حيث قال: مَن وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ كَالْمُفْسِدِ فَإِنَّمَا ذَاكَ لِتَفْرِيطِهِ بِإِفْسَادِ الْحَجِّ، وَلهَذَا لَمْ يَجِب الْقَضَاءُ عَلَى الْمُحْصَر فِي أظْهَرِ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ لِعَدَمِ التَّفْرِيطِ، وَمَن أوْجَبَ الْقَضَاءَ عَلَى مَن فَاتَهُ الْحَجُّ فَإِنَّهُ يُوجِبُهُ لِأنَّهُ مُفَرَّطٌ عِنْدَهُ. اهـ. (١٨٦/ ٢٦)стр. 2297
(باب الْهَدْيِ وَالْأُضْحِيَّةِ وَالْعَقِيقَةِ)
(الهدي والأضحية)
٣٢٦٥ - الْأُضْحِيَّةُ وَالْعَقِيقَة وَالْهَدْيُ: أَفْضَلُ مِن الصَّدَقَةِ بِثَمَنِ ذَلِكَ.
وَالْأَكْلُ مِن الْأضْحِيَّةِ أَفْضَلُ مِن الصَّدَقَةِ، وَالْهَدْيُ بِمَكَّةَ أَفْضَلُ مِن الصَّدَقَةِ بِهَا. [٢٦/ ٣٠٤]
٣٢٦٦ - إذَا اشْتَرَى أُضْحِيَّةً فَتَعَيَّبَتْ قَبْلَ الذَّبْحِ ذَبَحَهَا فِي أَحَدِ قَوْلَيِ الْعُلَمَاءِ، وَإِن تَعَيَّبَتْ عِنْدَ الذَّبْحِ أَجْزَأَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ. [٢٦/ ٣٠٤]
٣٢٦٧ - الْأُضْحِيَّةُ: مِنَ النَّفَقَةِ بِالْمَعْرُوفِ؛ فَيُضَحِّي عَن الْيَتِيمِ مِن مَالِهِ، وَتَأْخُذُ الْمَرْأَةُ مِن مَالِ زَوْجِهَا مَا تُضَحِّي بِهِ عَن أَهْلِ الْبَيْتِ وَإِن لَمْ يَأْذَنْ فِي ذَلِكَ، وَيُضَحِّي الْمَدِينُ إذَا لَمْ يُطَالَبْ بِالْوَفَاءِ، ويَتَدَيَّنُ وُيضَحّي إذَا كَانَ لَهُ وَفَاءٌ .. وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ. [٢٦/ ٣٠٥]
٣٢٦٨ - تَجُوزُ الْأُضْحِيَّةُ عَنِ الْمَيِّتِ كَمَا يَجُوزُ الْحَجُّ عَنْهُ وَالصَّدَقَةُ عَنْهُ، وَلَا يُذْبَحُ عِنْدَ الْقَبْرِ أُضْحِيَّةً وَلَا غَيْرَهَا.
وَكَذَلِكَ الصَّدَقَةُ عِنْدَ الْقَبْرِ كَرِهَهَا الْعُلَمَاءُ، وَشَرْطُ الْوَاقِفِ ذَلِكَ شَرْطٌ فَاسِدٌ.
وَأَنْكَرُ مِن ذَلِكَ: أَنْ يُوضَعَ عَلَى الْقَبْرِ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ لِيَأْخُذَهُ النَّاسُ، فَإِنَّ هَذَا وَنَحْوَهُ مِن عَمَلِ كَفَّارِ التُّرْكِ لَا مِن أَفْعَالِ الْمُسْلِمِينَ. [٢٦/ ٣٠٦ - ٣٠٧]
٣٢٦٩ - الْأُضْحِيَّةُ بِالْحَامِلِ جَائِزَةٌ، فَإِذَا خَرَجَ وَلَدُهَا مَيِّتًا فَذَكَاتُهُ ذَكَاةُ أُمِّهِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمَا، سَوَاءٌ أَشْعَرَ أَو لَمْ يُشْعِرْ، وَإِن خَرَجَ حَيًّا ذُبحَ. [٢٦/ ٣٠٧]
٣٢٧٠ - الْهَتْمَاءُ الَّتِي سَقَطَ بَعْضُ أَسْنَانِهَا: فِيهَا قَوْلَانِ هُمَا وَجْهَانِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد، أَصَحُّهُمَا: أَنَّهَا تُجْزِئ.
وَأَمَّا الَّتِي لَيْسَ لَهَا أَسْنَانٌ فِي أَعْلَاهَا فَهَذِهِ تُجْزِئُ بِاتِّفَاقِ. [٢٦/ ٣٠٨]
стр. 2298
٣٢٧١ - وَأَمَّا الْأُضْحِيةُ فَإِنَّهُ يَسْتَقْبِلُ بِهَا الْقِبْلَةَ فَيُضْجِعَهَا عَلَى الْأَيْسَرِ وَيَقُولُ: بِسْمِ اللهِ وَاللهُ أكْبَرُ اللَّهُمَّ تَقَبَل مِنِّي كَمَا تَقَبَّلْت مِن إبْرَاهِيمَ خَلِيلِك.
وَإِذَا ذَبَحَهَا قَالَ: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩) ﴾ [الأنعام: ٧٩]، ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣) ﴾ [الأنعام: ١٦٢، ١٦٣].
وَيتَصَدَّقُ بِثُلُثِهَا وَيُهْدِي ثُلُثَهَا، وَإِن أَكَلَ أَكْثَرَهَا أَو أَهْدَاهُ أَو أَكَلَهُ أَو طَبَخَهَا وَدَعَا النَّاسَ إلَيْهَا جَازَ.
وَيُعْطِي أُجْرَةَ الْجَزَّارِ مِن عِنْدِهِ، وَجِلْدُهَا إنْ شَاءَ انْتَفَعَ بِهِ وَإِن شَاءَ تَصَدَّقَ بِهِ (١) . [٢٦/ ٣٠٨ - ٣٠٩]
٣٢٧٢ - إِنْ ضَحَّى بِشَاةً وَاحِدَةٍ عَنْهُ وَعَن أَهْلِ بَيْتِهِ أَجْزَأَ ذَلِكَ فِي أظْهَر قَوْلَيِ الْعُلَمَاءِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمَا؛ فَإِنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ. [٢٦/ ٣١٠]
٣٢٧٣ - عن ابن عباس ﵄ قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفرٍ فحضر
النحر فاشتركنا في البعير عن عشرة، وفي البقرة عن سبعة، والذي في الصحيح، أنهم عام الحديبية نحروا البدنة عن سبعة، وهي البعير، وهو مذهب الجمهور، وقال مالك: لا يجزي نفس إلا عن نفس.
وأما ذبح البعير عن عشرة فلم يقل به أحد من الأئمة الأربعة.
وحديث النسائي قيل: إنه في قسم الغنائم، فقسم بينهم فجعل الجزور بعشرة من الغنم، لا في النسك. [المستدرك ٣/ ١٩٩ - ٢٠٠] الحواشي
(١) نصّ أكثر أهل العلم أنه لا يجوز بيع جلد الأضحية ولا غيره من أجزائها للجزار أو غيره، كما لا يجوز إعطاؤه للجزار مقابل أجرته أو بعضها؛ لحديث علي ﵁ أن النبي ﷺ أمَره أن يقوم على بُدْنه وأن يقسِّم بدنه كلها؛ لحومها وجلودها وجلالها ولا يعطي في جزارتها شيئًا. متفق عليه.стр. 2299
٣٢٧٤ - من ضحى بشاة ثمنها أكثر من ثمن البقرة كان أفضل من البقرة؛ فإنه ﷺ سئل أي الصدقات أفضل؟ فقال: "أغلاها ثمنًا وأنفسها عند أهلها" (١) .
والذي دلَّت عليه السُّنَّة أن الضحية صمان كانت واجبة يضحي الرجل بالشاة الواحدة عنه وعن أهل بيته، فقد ضحى النبي ﷺ وقال: "اللَّهُمَّ هذا عن محمدٍ وآل محمد" (٢) ، وقال: " الرجل يضحي بالشاة الواحدة عن أهل بيته" (٣) .
وتعدد أفضل، ومسألة ابن منصور: بدنتان سمينتان بتسعة، وبدنة بعشرة؟
فقال: اثنتان أعجب إلي، ورجح الشيخ تقي الدين البدنة السمينة.
والأضحية من النفقة بالمعروف، فتضحي امرأة من مال زوجها عن أهل البيت بدون إذنه، ومدين لم يطلبه رب الدين.
وتجوز الأضحية بما كان أصغر من الجذع من الضأن لمن ذبح قبل صلاة العيد جاهلًا بالحكم، ولم يكن عنده ما يعتد به في الأضحية غيرها؛ لقصة أبي بردة بن نِيَار (٤) ، ويُحمل قوله ﷺ : "ولن تجزئ عن أحد بعدك"؛ أي: بعد حالك. [المستدرك ٣/ ٢٠٠ - ٢٠١]
٣٢٧٥ - الأجر في الأضحية على قدر القيمة مطلقًا. [المستدرك ٣/ ٢٠١]
٣٢٧٦ - لا يستحب أخذ شعره بعد ذبح الأضحية، وهو إحدى الروايتين عن أحمد (٥) . [المستدرك ٣/ ٢٠١] الحواشي
(١) رواه البخاري(٢٥١٨) .(٢) رواه أحمد(٢٧١٩٠) .(٣) رواه البخاري(٧٢١٠) .(٤) وهو ما ثبت في صحيح البخاري(٩٥٥) ، ومسلم(١٩٦١) ، عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِب ﵄ قَالَ: خَطَبَنَا النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ الأضْحَى بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَقَالَ: "مَن صلَّى صَلَاَتنَا، وَنَسَكَ نُسُكَنَا، فَقَد أصَابَ النُّسُكَ، وَمَن نَسَكَ قَبْلَ الصَّلاةِ فَإِنَّهُ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَلَا نُسُكَ لَهُ"، فَقَالَ أَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ خَالُ البَرَاءِ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَإِنَّي نَسَكْتُ شَاتِي قَبْلَ الصَّلَاةِ، وَعَرَفْتُ أنَ اليَوْمَ يَوْمُ أَكْل وَشُرْب، وَأحْبَبْتُ أَنْ تَكُونَ شَاتِي أَوَّلَ مَا يُذْبَحُ فِي بَيْتِي، فَذَبَحْتُ شَاتِي وَتَغَدَّيْتُ قَبْلَ أنْ آتِيَ الصَّلَاةَ، قَالَ: "شَاتُكَ شَاةُ لَحْم"، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَإِنَّ عِنْدَنَا عَنَاقًا لَنَا جَذَعَةً هِيَ أحَبُّ إِلَيَّ مِن شَاتَيْنِ، أَفتَجْزِي عَنِّي؟ قالَ: "نَعَمْ وَلَنْ تَجْزِيَ عَن أَحَدٍ بَعْدَكَ".(٥) إلا إذا كان طويلًا ومن عادته أنه يحلقه أو يُقصره، لا سيما الشارب.стр. 2300
٣٢٧٧ - التضحية عن الميت أفضل من الصدقة بثمنها. [المستدرك ٣/ ٢٠١]
٣٢٧٨ - آخر وقت ذبح الأضحية: آخر أيام التشريق، وهو مذهب الشافعي وأحد القولين في مذهب أحمد. [المستدرك ٣/ ٢٠١]
٣٢٧٩ - لم ينسخ تحريم الادخار عام مجاعة؛ لأنه سبب التحريم، قاله طائفة من العلماء. [المستدرك ٣/ ٢٠١]
٣٢٨٠ - من عدم ما يضحي به ويعق: اقترض وضحى وعق مع عدم القدرة على الوفاء. [المستدرك ٣/ ٢٠١]
٣٢٨١ - يُنهى عن التضحية في الكنيسة التي فيها صور (١) ، كما ينهى عن ذبحها عند الأصنام.
ومن اعتقد أن الذبح عند القبر أفضل أو الصلاة أو الصدقة فهو ضال مخالف لإجماع المسلمين. [المستدرك ٣/ ٢٠١]
٣٢٨٢ - كَانَ مَن كَانَ قَبْلَنَا لَا يَأْكُلُونَ الْقُرْبَانَ؛ بَل تَأْتِي نَارٌ مِنَ السَّمَاءِ فَتَأْكُلُهُ، وَلهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٨٣) ﴾ [آل عمران: ١٨٣]، وَكَذَلِكَ كَانوا إذَا غَنِمُوا الحواشي
(١) وقد ذكر أهل العلم أنه يجوز الصلاة في الكنيسة إذا دعت الحاجة لذلك، قال ابن قدامة ﵀: ولا بأس بالصلاة في الكنيسة النظيفة، رخص في ذلك الحسن، وعمر بن عبد العزيز، والشعبي، والأوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز، وروي أيضًا عن عمر، وأبي موسى، وكره ابن عباس ومالك الصلاة في الكنائس من أجل الصور.
ولنا أن النبي ﷺ صلى في الكعبة وفيها صور، ثم هي داخلة في قوله ﵊: "فأينما أدركتَ الصلاة فصل فإنه مسجد". اهـ. المغني (١/ ٧٢٣).
وبوَّب الإمام البخاري في صحيحه بقوله: باب الصلاة في البيعة، وقال عمر بن الخطاب ﵁: "إنا لا ندخل كنائسكم من أجل التماثيل التي فيها الصور، وكان ابن عباس ﵄ يصلي في البيعة، إلا بيعة فيها تماثيل".стр. 2301
غَنِيمَةً جَمَعُوهَا ثُمَّ جَاءَت النَّارُ فَأَكَلَتْهَا لِيَكُونَ قِتَالُهُم مَحْضًا للهِ لَا لِلْمَغْنَمِ، وَيكُونَ ذَبْحُهُم عِبَادَةً مَحْضَةً للهِ لَا لِأجْلِ أَكْلِهِمْ.
وَأُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ وَسَّعَ اللهُ عَلَيْهِم لِكَمَالِ يَقِينِهِمْ وَإِخْلَاصِهِمْ، وَأَنَّهُم يُقَاتِلُونَ للهِ وَلَو أَكَلُوا الْمَغْنَمَ، وَيذْبَحُونَ للهِ وَلَو أَكَلُوا الْقُرْبَانَ. [١٧/ ٤٨٤]
* * *
العقيقة
٣٢٨٣ - العقيقة سُنَّة، وتنازعوا في وجوبها على قولين في مذهب أحمد وغيره، وإن كان بعض أهل العراق لم يعرفها، وهي أفضل من الصدقة. [المستدرك ٣/ ٢٠٢]
٣٢٨٤ - يعق الكبير عن نفسه إذا لم يعق عنه أبوه، جوزه طائفة، وروى عبد الحق في أحكامه، أن النبي ﷺ عق عن نفسه بعد النبوة، وهذا فيه نظر ونزاع. [المستدرك ٣/ ٢٠٢]
٣٢٨٥ - لا يعتبر التمليك في العقيقة. [المستدرك ٣/ ٢٠٢]
٣٢٨٦ - يكره أن يكنى بأبي يحيى وأبي عيسى ذكره في المستوعب والرعاية وذكره القاضي وابن عقيل ولم يذكر له دليلًا.
قال الشيخ تقي الدين: فإنما كره أبا عيسى دون أبي يحيى، والفرق ظاهر. [المستدرك ٣/ ٢٠٢]
* * *
الزِّيَارَة
٣٢٨٧ - اتَّفَقَ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى اسْتِحْبَابِ السَّفَرِ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ لِلْعِبَادَةِ الْمَشْرُوعَةِ فِيهِ.
وَتَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِيمَن نَذَرَ السَّفَرَ إلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ فِيهِ أَو الِاعْتِكَافِ فِيهِ: هَل يَجِبُ عَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِنَذْرِهِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ:
стр. 2302
أَحَدُهُمَا: يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهَذَا النَذْرِ، وَهُوَ قَوْلُ الْأكْثَرِينَ.
وَالثانِي: لَا يَجِبُ وَهُوَ قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ، فَإِنَّ مِن أَصْلِهِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ بِالنَّذْرِ إلَّا مَا كَانَ جِنْسُهُ وَاجِبًا بِالشَّرْعِ.
وَأَمَّا الْأكْثَرُونَ فَيَحْتَجُّونَ بِمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (١) فِي "صَحِيحِهِ" عَن عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "مَن نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللهَ فَلْيُطِعْهُ وَمَن نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللهَ فَلَا يَعْصِهِ" فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْوَفَاءِ بِالنَّذْرِ لِكلِّ مَن نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللهَ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ أَنْ تكُونَ الطَّاعَةُ مِن جِنْسِ الْوَاجِبِ بِالشَّرْعِ، وَهَذَا الْقَوْلُ أَصَحُّ.
وَهَكَذَا النِّزَاعُ لَو نَذَرَ السَّفَرَ إلَى مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ أَنَّه أَفْضَلُ مِنَ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى.
وَأَمَّا لَو نَذَرَ إتْيَانَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ لِحَجِّ أَو عُمْرَةٍ وَجَبَ عَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِنَذْرِهِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ.
وَالْمَسْجِدُ الْحَرَامُ أَفْضَلُ الْمَسَاجِدِ، وَيلِيهِ مَسْجِدُ النَّبِيِّ ﷺ ، وَيَلِيهِ الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى، وَقَد ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ (٢) عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قَالَ: "صَلاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِن أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْمَسَاجِدِ إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ".
وَاَلَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الصَّلَاةَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْهَا فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ .
وَقَد رَوَى أَحْمَد وَالنّسَائِي وَغَيْرُهُمَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "أَن الصَّلَاةَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِمِائَةِ ألْفِ صَلَاةٍ" (٣) .
وَأمَّا فِي الْمَسْجِدِ الْأقْصَى فَقَد رُوِيَ: "أنَّهَا بِخَمْسِينَ صَلَاةٍ" وَقِيلَ: "بِخَمْسِمِائَةِ صَلَاةٍ" وَهُوَ أَشْبَهُ. الحواشي
(٦٧٠٠) .(٢) البخاري(١١٣٣) ، ومسلم(٢٤٦٥) .(٣) صحَّحه الألباني في الإرواء(١١٢٩) .стр. 2303
وَلَو نَذَرَ السَّفَرَ إلَى "قَبْرِ الْخَلِيلِ ﵇" أَو قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ أو إلَى "الطُّورِ" الَّذِي كَلَّمَ اللهُ عَلَيْهِ مُوسَى عيه السلام أو إلَى "جَبَلِ حِرَاءَ" .. وَغَيْرِ ذَلِكَ مِن الْمَقَابِرِ وَالْمَقَامَاتِ وَالْمَشَاهِدِ الْمُضَافَةِ إلَى بَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمَشَايِخِ أَو إلَى بَعْضِ الْمَغَارَاتِ أَو الْجِبَالِ: لَمْ يَجِبْ الْوَفَاءُ بِهَذَا النَّذْرِ بِاتِّفَاقِ الأئمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، فَإِنَّ السَّفَرَ إلَى هَذِهِ الْمَوَاضِعِ مَنْهِيّ عَنْه؛ لِنَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ : "لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلا إلَى ثَلَاَثةِ مَسَاجِدَ" (١) .
وَالْعِبَادَاتُ الْمَشْرُوعَةُ فِي الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى هِيَ مِن جِنْسِ الْعِبَادَاتِ الْمَشْرُوعَةِ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ وَغَيْرِهِ مِن سَائِرِ الْمَسَاجِدِ إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، فَإِنَّهُ يُشْرَعُ فِيهِ زِيادَةٌ عَلَى سَائِرِ الْمَسَاجِدِ الطَّوَافُ بِالْكَعْبَةِ وَاسْتِلَامُ الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَّيْنِ وَتَقْبِيلُ الْحَجَرِ الْأسْوَدِ. [٢٧/ ٦ - ١٠]
٣٢٨٨ - لَيْسَ فِي الْأرْضِ مَكانٌ يُطَافُ بِهِ كَمَا يُطَافُ بِالْكَعْبَةِ، وَمَنِ اعْتَقَدَ أَنَّ الطَّوَافَ بِغَيْرِهَا مَشْرُوعٌ فَهُوَ شَرٌّ مِمَن يَعْتَقِدُ جَوَازَ الصَّلَاةِ إلَى غَيْرِ الْكَعْبَةِ.
فَمَنِ اتَّخَذَ الصَّخْرَةَ الْيَوْمَ قِبْلَةً يُصَلِّي إلَيْهَا فَهُوَ كَافِرٌ مُرْتَدٌ يُسْتَتَابُ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ، مَعَ أَنَّهَا كَانَت قِبْلَةَ لَكِنْ نُسِخَ ذَلِكَ، فَكَيْفَ بِمَن يَتَخِذُهَا مَكَانًا يُطَافُ بِهِ كَمَا يُطَافُ بِالْكَعْبَةِ؟ وَالطَّوَافُ بِغَيْرِ الْكَعْبَةِ لَمْ يَشْرَعْهُ اللهُ. [٢٧/ ١٠ - ١١]
٣٢٨٩ - إِنَّ الْمَسْجِدَ الْأَقْصَى اسْمٌ لِجَمِيعِ الْمَسْجِدِ الَّذِي بَنَاهُ سُلَيْمَانُ ﵇، وَقَد صَارَ بَعْضُ النَّاسِ يُسَمِّي الْأقْصَى الْمُصَلى الَّذِي بَنَاهُ عُمَرُ بْنُ الْخَظَابِ ﵁ فِي مَقْدَمِهِ (٢) ، وَالصَّلَاةُ فِي هَذَا الْمُصَلَّى الَّذِي بَنَاهُ عُمَرُ لِلْمُسْلِمِينَ أَفْضَلَ مِن الصَّلَاةِ فِي سَائِرِ الْمَسْجِدِ .. وَلهَذَا كَانَ أَئِمَّةُ الْأُمَّةِ إذَا دَخَلُوا الْمَسْجِدَ قَصَدُوا الصَّلَاةَ فِي الْمُصَلَّى الَّذِي بَنَاهُ عُمَرُ. الحواشي
(١) أخرجه البخاري(١١٨٩) ، ومسلم(٢٠٣٣) .(٢) قال الشيخ في موضع آخر: فَبَنَى -أي: عمر- هَذَا الْمُصَلَّى الَّذِي تُسَمِّيهِ الْعَامَّةُ "الْأقْصَى". (٢٧/ ١٣٦)стр. 2304
وَأَمَّا"الصَّخْرَةُ" فَلَمْ يُصَلِّ عِنْدَهَا عُمَرُ ﵁ وَلَا الصَّحَابَةُ، وَلَا كَانَ عَلَى عَهْدِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ عَلَيْهَا قُبَّةٌ؛ بَل كَانَت مَكْشُوفَةً فِي خِلَافَةِ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَمُعَاوِيةَ وَيزِيدَ وَمَرْوَانَ، وَلَكِنْ لَمَّا تَوَلَّى ابْنُهُ عَبْدُ الْمَلِكِ الشَّامَ وَوَقَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ابْنِ الزُّبَيْرِ الْفِتْنَةُ كَانَ النَّاسُ يَحُجُّونَ فَيَجْتَمِعُونَ بِابْنِ الزُّبَيْرِ، فَارَادَ عَبْدُ الْمَلِكِ أَنْ يَصْرِفَ النَّاسَ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ فَبَنَى الْقُبَّةَ عَلَى الصَّخْرَةِ.
وَأَمَّا أَهْلُ الْعِلْمِ مَنَّ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُم بِإِحْسَان فَلَمْ يَكُونُوا يُعَظِّمُونَ الصَّخْرَةَ، فَإِنَّهَا قِبْلَة مَنْسُوخَةٌ، كَمَا أَنَّ يَوْمَ السَّبْتِ كَانَ عِيدًا فِي شَرِيعَةِ مُوسَى ﵇ ثُمَّ نُسِخَ فِي شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بيَوْمِ الْجُمْعَةِ، فَلَيْسَ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَخُصُّوا يَوْمَ السَّبْتِ وَيوْمَ الأحَدِ بِعِبَادَة كَمَا تَفْعَلُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، وَكَذَلِكَ الصَّخْرَةُ إنَّمَا يُعَظِّمُهَا الْيَهُودُ وَبَعْضُ النَّصَارَى.
وَلَيْسَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ مَكان يُقْصَدُ لِلْعِبَادَةِ سِوَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى، لَكِنْ إذَا زَارَ قُبُورَ الْمَوْتَى وَسَلَّمَ عَلَيْهِم وَتَرَحَّمَ عَلَيْهِم كَمَا كَانَ النَّبِي- ﷺ يُعَلِّمُ أَصْحَابَهُ فَحَسَنٌ.
وَلَيْسَ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ مَكَان يُسَمَّى "حَرَمًا" وَلَا بِتُرْبَةِ الْخَلِيلِ. [٢٧/ ١١ - ١٤]
٣٢٩٠ - الْمَسْجِدُ النَّبَوِيُّ -مَسْجِدُ الْمَدِينَةِ- أَسَّسَهُ عَلَى التَّقْوَى خَاتَمُ الْمُرْسَلِينَ، وَمَسْجِدُ إيليا قَد كَانَ مَسْجِدًا قَبْلَ سُلَيْمَانَ، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ (١) عَن أَبِي ذَرٍّ ﵁: قُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ أَيّ مَسْجِدٍ وُضِعَ أَوَّلًا؟ قَالَ: "الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ"، قُلْت: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: "الْمَسْجِدُ الأَقصَى"، قُلْت: كَمْ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: "أَرْبَعُونَ سَنَةً، ثُمَّ حَيْثُ مَا أَدْرَكتْك الصَّلَاةُ فَصَلِّ فَإِنَّهُ لَك مَسْجِدٌ".
وَفِي لَفْظِ الْبُخَارِيِّ: "فَإِنَّ فِيهِ الْفَضْلَ".
وَهَذِهِ سُنَّةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، كَانَ يُصَلِّي حَيْثُ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ (٢) . الحواشي
(١) رواه البخاري(٣٤٢٥) ، ومسلم(٥٢٠) .(٢) قال الشيخ في موضع آخر: فَمَن أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ هُوَ وَأَصْحَابُهُ بِمَكَانٍ فَتَرَكُوا الصَّلَاةَ فِيهِ وَذَهَبُوا إلَى مَكَانٍ آخَرَ لِكَوْنِهِ فِيهِ أَثَرٌ لِبَعْضِ الْأنْبِيَاءِ: فَقَد خَالَفُوا السنَّةَ. (٢٧/ ٤٢٣)стр. 2305
فَالْمَسْجِدُ الْأَقْصَى كَانَ مِن عَهْدِ إبْرَاهِيمَ ﵇، لَكِنَّ سُلَيْمَانَ ﵇ بَنَاهُ بِنَاءً عَظِيمًا، فَكُلٌّ مِن الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ بَنَاهُ نَبِيٌّ كَرِيمٌ لِيُصَلِّيَ فِيهِ هُوَ وَالنَّاسُ.
فَلَمَّا كَانَت الْأَنْبِيَاءُ ﵈ تَقْصِدُ الصَّلَاةَ فِي هَذَيْنِ الْمَسْجِدَيْنِ شرعَ السَّفَرُ إلَيْهِمَا لِلصَّلَاةِ فِيهِمَا وَالْعِبَادَةِ اقْتِدَاءً بِالْأَنْبِيَاءِ ﵈ وَتَأَسّيًا بِهِمْ.
كَمَا أَنَّ إبْرَاهِيمَ الْخَلِيلَ ﵇ لَمَّا بَنَى الْبَيْتَ وَأَمَرَهُ اللهُ تَعَالَى أَنْ يُؤَذِّنَ فِي النَّاسِ بِحَجِّهِ، فَكَانُوا يُسَافِرُونَ إلَيْهِ مِن زَمَنِ إبْرَاهِيمَ ﵇، وَلَمْ يَكُن ذَلِكَ فَرضًا عَلَى النَّاسِ فِي أَصَحّ الْقَوْلَيْنِ، كَمَا لَمْ يَكُن ذَلِكَ مَفْرُوضًا فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، وَإِنَّمَا فَرَضَهُ اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ فِي آخِرِ الْأَمْرِ لَمَّا نَزَلَتْ "سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ".
وَلَمْ يَبْنِ أَحَدٌ مِن الْأَنْبِيَاءِ ﵇ مَسْجِدًا وَدَعَا النَّاسَ إلَى السَّفَرِ لِلْعِبَادَةِ فِيهِ إلَّا هَذِهِ الْمَسَاجِدَ الثَّلَاثَةَ، وَلَكِنْ كَانَ لَهُم مَسَاجِدُ يُصَلُّونَ فِيهَا وَلَمْ يَدْعُوا النَّاسَ إلَى السَّفَرِ إلَيْهَا كَمَا كَانَ إبْرَاهِيمُ ﵇ يُصَلِّي فِي مَوْضِعِهِ، وَإِنَّمَا دَعَا النَّاسَ إلَى حَجِّ الْبَيْتِ، وَلَا دَعَا نَبِيٌّ مِن الْأَنْبِيَاءِ إلَى السَّفَرِ إلَى قَبْرِهِ وَلَا بَيْتِهِ وَلَا مَقَامِهِ وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ مِن آثَارِهِ.
وَلهَذَا لَا يَجُوزُ تَغْيِيرُ وَاحِدٍ مِن هَذِهِ الْمَسَاجِدِ الثلَاثَةِ عَن مَوْضِعِهِ، وَأَمَّا سَائِرُ الْمَسَاجِدِ فَفَضِيلَتُهَا مِن أَنَّهَا مَسْجِدٌ للهِ، وَبَيْتٌ يُصَلَّى فِيهِ، وَهَذَا قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْمَسَاجِدِ. [٢٧/ ٣٥١ - ٣٥٣]
٣٢٩١ - وأما زِيارَةُ الْمَسَاجِدِ الَّتِي بُنِيَتْ بِمَكَّةَ غَيْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ .. فَلَيْسَ قَصْدُ شَيءٍ مِن ذَلِكَ مِن السُّنَّةِ، وَلَا اسْتَحَبَّهُ أَحَدٌ مِن الْأَئِمَّةِ،. وَكَذَلِكَ قَصْدُ الْجِبَالِ وَالْبِقَاعِ الَّتِي حَوْلَ مَكَّةَ -غَيْرِ الْمَشَاعِرِ عَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ وَمِنَى- مِثْل جَبَلِ حِرَاءَ، وَالْجَبَلِ الَّذِي عِنْدَ مِنَى الَّذِي يُقَالُ إنَّهُ كَانَ فِيهِ قُبَّةُ الْفِدَاءِ وَنَحْو ذَلِكَ: فَإِنَّهُ لَيْسَ مِن سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ زَيارَةُ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ؛ بَل هُوَ بِدْعَةٌ، وَكَذَلِكَ مَا يُوجَدُ فِي الطُّرُقَاتِ مِن الْمَسَاجِدِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى الْآثَارِ وَالْبِقَاعِ الَّتِي يُقَالُ إنَّهَا مِن الْآثَارِ لَمْ يَشْرَعِ النَّبِيُّ ﷺ زيَارَةَ شَيءٍ مِن ذَلِكَ بِخُصُوصِهِ وَلَا زِيارَةَ شَيءٍ مِن ذَلِكَ. [٢٦/ ١٤٤]
стр. 2306
٣٢٩٢ - إِذَا دَخَلَ الْمَدِينَةَ قَبْلَ الْحَجّ أَو بَعْدَهُ: فَإِنَّهُ يَأْتِي مَسْجِدَ النَّبِيِّ ﷺ وَيُصَلِّي فِيهِ، وَالصَّلَاةُ فِيهِ خَيْرٌ مِن أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وَلَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَيْهِ وَإِلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى.
وَمَسْجِدُهُ كَانَ أَصْغَرَ مِمَّا هُوَ الْيَوْمَ، وَكَذَلِكَ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ، لَكِنْ زَادَ فِيهِمَا الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ وَمَن بَعْدَهُمْ، وَحُكْمُ الزِّيَادَةِ حُكْمُ الْمَزِيدِ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ.
ثُمَّ يُسَلِّمُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَصَاحِبَيْهِ فَإِنَّهُ قَد قَالَ: "مَا مِن رَجُلٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إلَّا رَدَّ اللهُ عَلَيَّ رُوحِي حَتَّى أَرُدَّ ﵇" رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (١) وَغَيْرُهُ، وَكَانَ عَبْدُ اللهِ بْن عُمَرَ يَقُولُ إذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ: "السَّلَامُ عَلَيْك يَا رَسُولَ اللهِ، السَّلَامُ عَلَيْك يَا أَبَا بَكرٍ، السَّلَامُ عَلَيْك يَا أَبَتِ" ثُمَّ يَنْصَرِفُ، وَهَكَذَا كَانَ الصَّحَابَةُ يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ.
وَيُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ مُسْتَقْبِلِي الْحُجْرَةِ مُسْتَدْبِرِي الْقِبْلَةِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ كَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد، وَأبُو حَنِيفَةَ قَالَ: يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ.
وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَسْتَلِمُ الْحُجْرَةَ وَلَا يُقَبِّلُهَا وَلَا يَطُوفُ بِهَا وَلَا يُصَلِّي إلَيْهَا.
وَلَا يَدْعُو هُنَاكَ مُسْتَقْبِلَ الْحُجْرَةِ فَإِنَّ هَذَا كُلَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ.
وَلَا يَقِفُ عِنْدَ الْقَبْرِ لِلدُّعَاءِ لِنَفْسِهِ، فَإِنَّ هَذَا بِدْعَةٌ، وَلَمْ يَكُن أَحَدٌ مِن الصَّحَابَةِ يَقِفُ عِنْدَهُ يَدْعُو لِنَفْسِهِ، وَلَكِنْ كَانُوا يَسْتَقْبِلُونَ الْقِبْلَةَ وَيدْعُونَ فِي مَسْجِدِهِ، فإنه ﷺ قَالَ:"اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثنًا يُعْبَدُ" (٢) .
فَدَفَنَتْهُ الصَّحَابَةُ فِي مَوْضِعِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ مِن حُجْرَةِ عَائِشَةَ، وَكَانَت هِيَ وَسَائِرُ الْحُجَرِ خَارجَ الْمَسْجِدِ مِن قِبْلِيِّهِ وَشَرْقِيِّهِ، لَكنْ لَمَّا كَانَ فِي زَمَنِ الْوَلِيدِ بْنِ الحواشي
(٢٠٤١) ، وحسَّنه الألباني في صحيح أبي داود(٢٠٤١) .(٢) صحَّحه الألباني في غاية المرام(١٢٦) .стр. 2307
عَبْدِ الْمَلِكِ عُمِّرَ هَذَا الْمَسْجِدُ وَغَيْرُهُ، وَكَانَ نَائِبُهُ عَلَى الْمَدِينَةِ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَأَمَرَ أنْ تُشْتَرَى الْحُجَرُ ويُزَادَ فِي الْمَسْجِدِ، فَدَخَلَت الْحُجْرَة فِي الْمَسْجِدِ مِن ذَلِكَ الزَّمَانِ، وَبُنِيَتْ مُنْحَرِفَةً عَن الْقِبْلَةِ مُسَنَّمَةً؛ لِئَلَّا يُصَلِّيَ أحَدٌ إلَيْهَا، فَإِنَّهُ قَالَ ﷺ : "لَا تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُورِ وَلَا تُصَلُّوا إلَيْهَا" رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [٢٦/ ١٤٥ - ١٤٨]
٣٢٩٣ - يُسْتَحَبُّ أَنْ يَأْتِيَ مَسْجِدَ قُبَاء وَيُصَلِّيَ فِيهِ. [٢٦/ ١٥٠]
٣٢٩٤ - السَّفَرُ إلَى الْمَسْجِدِ الْأقْصَى وَالصَّلَاةُ فِيهِ وَالدُّعَاءُ وَالذِّكْرُ وَالْقِرَاءَةُ وَالِاعْتِكَافُ مُسْتَدَب فِي أيِّ وَقْتٍ شَاءَ سَوَاءٌ كَانَ عَامَ الْحَجِّ أَو بَعْدَة.
وَلَا يَفْعَلُ فِيهِ وَفِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ إلَّا مَا يَفْعَلُ فِي سَائِرِ الْمَسَاجِدِ، وَلَيْسَ فِيهَا شَيءٌ يُتَمَسَّحُ بِهِ وَلَا يُقَبَّلُ وَلَا يُطَافُ بِهِ، هَذَا كُلُّهُ لَيْسَ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ خَاضَّةً، وَلَا تُسْتَحَبُّ زِيَارَةُ الصَّخْرَةِ؛ بَل الْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُصَلِّيَ فِي قِبْلِيِّ الْمَسْجِدِ الْأقْصَى الَّذِي بَنَاهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِلْمُسْلِمِينَ.
وَلَا يُسَافِرُ أَحَدٌ ليَقِفَ بِغَيْرِ عَرَفَاتٍ، وَلَا يُسَافِرُ لِلْوُقُوفِ بِالْمَسْجِدِ الْأقْصَى وَلَا لِلْوُقوفِ عِنْدَ قَبْرِ أَحَدٍ لَا مِن الْأَنْبِيَاءِ وَلَا الْمَشَايِخِ وَلَا غَيْرِهِمْ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ.
بَل أَظْهَرُ قَوْلَي الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ لَا يُسَافِرُ أَحَدٌ لِزِيَارَةِ قَبْرٍ مِن الْقُبُورِ. [٢٦/ ١٥٠]
٣٢٩٥ - قَوْلهُ ﷺ : "لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاَثةِ مَسَاجِدَ" (١) : يَتَنَاوَلُ الْمَنْعَ مِن السَّفَرِ إلَى كُلِّ بُقْعَةٍ مَقْصُودَةٍ، بِخِلَافِ السَّفَرِ لِلتِّجَارَةِ وَطَلَبِ الْعِلْمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَإِنَّ السَّفَرَ لِطَلَبِ تِلْكَ الْحَاجَةِ حَيْثُ كَانَتْ، وَكَذَلِكَ السَّفَرُ لِزِيَارَةِ الْأخِ فِي اللهِ فَإِنَّهُ هُوَ الْمَقْصُودُ حَيْثُ كَانَ. [٢٧/ ٢١]
٣٢٩٦ - الْمُرَابَطَةُ بِالثُّغُورِ أَفْضَلُ مِنَ الْمُجَاوَرَةِ فِي الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ كَمَا نَصَّ الحواشي
(١) أخرجه البخاري(١١٨٩) ، ومسلم(٢٠٣٣) .стр. 2308
عَلَى ذَلِكَ أَئِمَّةُ الْإِسْلَامِ عَامَّةً؛ بَل قَدِ اخْتَلَفُوا فِي الْمُجَاوَرَةِ: فَكَرِهَهَا أَبُو حَنِيفَةَ وَاسْتَحَبَّهَا مَالِكٌ وَأَحْمَد وَغَيْرُهُمَا؛ وَلَكِنَّ الْمُرَابَطَةَ عِنْدَهُم أفْضَل مِنَ الْمُجَاوَرَةِ وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْن السَّلَف (١) . [٢٧/ ٢٤]
٣٢٩٧ - وَأَمَّا قَوْلُهُ: "مَن زَارَ قَبْرِي فَقَد وَجَبَتْ لَهُ شَفَاعَتِي" وَأَمْثَالُ هَذَا الْحَدِيثِ مِمَّا رُوِيَ فِي زِيارَةِ قَبْرِهِ ﷺ فَلَيْسَ مِنْهَا شَيءٌ صَحِيحٌ، وَلَمْ يَرْوِ أَحَدٌ مِن أَهْلِ الْكُتُبِ الْمُعْتَمَدَةِ مِنْهَا شَيْئًا.
وَقَد كَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلَ: زُرْت قَبْرَ النَّبِيِّ ﷺ .
قَالُوا: لِأنَّ لَفْظَ الزّيَارَةِ قَد صَارَتْ فِي عُرْفِ النَّاسِ تَتَضَمَّنُ مَا نُهِيَ عَنْهُ، فَإِنَّ زَيارَةَ الْقبُورِ عَلَى وَجْهَيْنِ: وَجْهٌ شَرْعِيٌّ وَوَجْهٌ بِدْعِيّ.
فَالزِّيَارَةُ الشَّرْعِيَّةُ: مَقْصُودُهَا السَّلَامُ عَلَى الْمَيِّتِ وَالدُّعَاءُ لَهُ سَوَاءٌ كَانَ نَبِيًّا أَو غَيْرَ نَبِيٍّ، وَلهَذَا كَانَ الصَّحَابَة إذَا زَارُوا النَّبِيَّ ﷺ يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ وَيَدْعُونَ لَهُ ثُمَّ يَنْصَرِفُونَ وَلَمْ يَكُن أَحَدٌ مِنْهُم يَقِفُ عِنْدَ قَبْرِهِ لِيَدْعُوَ لِنَفْسِهِ.
وَلهَذَا اتَّفَقَ السَّلَفُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَسْتَلِئم قَبْرًا. مِن قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَغَيْرِهِمْ وَلَا يَتَمَسَّحُ بِهِ، وَلَا يُسْتَحَبُّ الصَّلَاةُ عِنْدَهُ وَلَا قَصْدُهُ لِلدُّعَاءِ عِنْدَهُ أَو بِهِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ كَانَت مِن أَسْبَابِ الشِّرْكِ وَعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ.
وَهَذِهِ الْأُمُورُ وَنَحْوُهَا هِيَ مِن "الزّيَارَةِ الْبِدْعِيَّةِ" وَهِيَ مِن جِنْسِ دِينِ النَّصَارَى وَالْمُشْرِكِينَ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ قَصْدُ الزَّائِرِ أَنْ يُسْتَجَابَ دُعَاؤُهُ عِنْدَ الْقَبْرِ، أَو أَنْ يَدْعُوَ الْمَيِّتَ ويسْتَغِيثَ بِهِ وَيطْلُبَ مِنْهُ، أَو يُقْسِم بِهِ عَلَى اللهِ فِي طَلَبِ حَاجَاتِهِ وَتَفْرِيجِ كُرُبَاتِهِ.
وَلهَذَا اتَّفَقَ أَئِمَّةُ الدِّينِ عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ لَو نَذَرَ السَّفَرَ إلَى زِيَارَةِ "قَبْرِ الْخَلِيلِ" الحواشي
(١) قال في موضع آخر: كَانَ الصَّالِحُونَ يَتَنَاوَبُونَ الثُّغُورَ لِأجْلِ الْمُرَابَطَةِ فِي سَبِيلِ اللهِ؛ فَإِنَّ الْمُقَامَ بِالثُّغُورِ لِأَجْلِ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ أَفْضَلُ مِن الْمُجَاوَرر بِمَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، مَا أَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا بَيْنَ الْعُلَمَاءِ. (٢٧/ ٥١)стр. 2309
و"الطُّورِ" الَّذِي كَلَّمَ اللهُ عَلَيْهِ مُوسَى ﵇ أَو "جَبَلِ حِرَاءَ" وَنَحْوِ ذَلِكَ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِنَذْرِهِ .. وَالسَّفَرُ إلَى هَذِهِ الْبِقَاعِ مَعْصِيَةٌ فِي أظْهَرِ الْقَوْلَيْنِ. [٢٧/ ٢٩ - ٣٢]
٣٢٩٨ - ثَبَتَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ كَانَ فِي بَعْضِ الْأَسْفَارِ: فَرَأَى قَوْمًا يَتَنَاوَبُونَ مَكَانًا يُصَلُّونَ فِيهِ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: مَكان صَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: أَتُرِيدُونَ أَنْ تَتَّخِذوا أَثَرَ الْأَنْبِيَاءِ لَكُمْ مَسَاجِدَ؟ إنَّمَا هَلَكَ مَن كَانَ قَبْلكُمْ بِهَذَا، مَن أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَل، وَإِلَّا فَلْيَمْضِ.
وَهَذَا لِأَنَّ اللهَ لَمْ يَشْرَعْ لِلْمُسْلِمِينَ مَكَانا يَتَنَاوَبُونَهُ لِلْعِبَادَةِ إلَّا الْمَسَاجِدَ خَاصَّةً، فَمَا لَيْسَ بِمَسْجِد لَمْ يَشْرَعْ قَصْدَهُ لِلْعِبَادَةِ وَإِن كَانَ مَكَانَ نَبِيٍّ أَو قَبْرَ نَبِيٍّ. [٢٧/ ٣٣ - ٣٤]
٣٢٩٩ - أَمَّا التُّرْبَةُ الَّتِي دُفِنَ فِيهَا النَّبِيُّ ﷺ فَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ قَالَ إنَّهَا أَفْضَلُ مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَو الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ أَو الْمَسْجِدِ الْأقْصَى إلَّا الْقَاضِي عِيَاضٌ، فَذَكَرَ ذَلِكَ إجْمَاعًا، وَهُوَ قَوْلٌ لَمْ يَسْبِقْهُ إلَيْهِ أَحَدٌ فِيمَا عَلِمْنَاهُ (١) ، وَلَا حُجَّةَ عَلَيْهِ؛ بَل بَدَنُ النَّبِيِّ ﷺ أَفْضَلُ مِنَ الْمَسَاجِدِ.
وَلَو كَانَ مَا ذَكَرَهُ حَقًّا لَكَانَ مَدْفِنُ كُلِّ نَبِيٍّ بَل وَكُلّ صَالِحٍ أَفْضَلَ مِنَ الْمَسَاجِدِ الَّتِي هِيَ بُيُوتُ اللهِ، فَيَكونُ بُيُوت الْمَخْلُوقِينَ أَفْضَلَ مِن بُيُوتِ الْخَالِقِ الَّتِي أَذِنَ اللهُ أنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ، وَهَذَا قَوْلٌ مُبْتَدَعٌ فِي الدِّينِ مُخَالِفٌ لِأصُول الْإسْلَامِ. [٢٧/ ٣٧ - ٣٩]
* * *
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
٣٣٠٠ - اسْمُ "الْمُنْكَرِ" يَعُمُّ كُلّ مَا كَرِهَهُ اللهُ وَنَهَى عَنْهُ وَهُوَ الْمُبْغَضُ، وَاسْمُ "الْمَعْرُوفِ" يَعُمُّ كُلَّ مَا يُحِبُّهُ اللهُ وَيرْضَاهُ وَيأْمُرُ بِهِ، فَحَيْثُ أُفْرِدَا بِالذِّكْرِ فَإِنَّهُمَا يَعُمَّانِ كُل مَحْبُوب فِي الدِّينِ وَمَكْرُوهٍ. الحواشي
(١) قال الشيخ: وَلَا وَافَقَهُ أحَدٌ عَلَيْهِ. (٢٧/ ٣٨)стр. 2310
وَإِذَا قُرِنَ الْمُنْكَرُ بِالْفَحْشَاءِ فَإِنَّ الْفَحْشَاءَ مَبْنَاهَا عَلَى الْمَحَبَّةِ وَالشَّهْوَةِ، والْمُنْكَرُ هُوَ الَّذِي تُنْكِرُهُ الْقُلُوبُ. [١٥/ ٣٤٨]
٣٣٠١ - امْتَنَّ اللهُ سُبْحَانَهُ عَلَى زَكَرِيَّا حَيْثُ قَالَ: ﴿وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ [الأنبياء: ٩٠]، قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: يَنْبَغِي لِلرَّجُلِ أَنْ يَجْتَهِدَ إلَى اللهِ فِي إصْلَاحِ زَوْجَتِهِ. [٢٥/ ٣٢٤]
٣٣٠٢ - المعروف: اسمَ جامع لكل ما يحبُّه الله ويرضاه، والمنكر: اسم جامع لكل ما يكرهه وَيَسخَطُه. [المجموعات ١/ ٦٤]
* * *
(فضله ووجوبه)
٣٣٠٣ - الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَن الْمُنْكَرِ فَرْضٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِم؛ لَكِنَهُ مِن فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ؛ فَإِنْ قَامَ بِهِمَا مَن يَسْقُطُ بِهِ الْفَرْضُ مِن وُلَاةِ الْأمْرِ أَو غَيْرِهِمْ، وَالْأَوْجَبُ عَلَى غَيْرِهِمْ أَنْ يَقُومَ مِن ذَلِكَ بِمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ. [١١/ ٩٤]
٣٣٠٤ - مَن لَمْ يَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَينْهَ عَن الْمُنْكرِ لَمْ يَكُن مِن شُيُوخِ الدِّينِ، وَلَا مِمَن يُقْتَدَى بِهِ. [١١/ ٥١٠]
٣٣٠٥ - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على الكفاية باتفاق المسلمين، وكل واحد من الأمة مخاطب بقدر قدرته، وهو من أعظم العبادات.
ومن الناس من يكون ذلك لهواه، لا لله. [مختصر الفتاوى المصرية ٥٨٠]
٣٣٠٦ - يَجِبُ عَلَى أُولي الْأمْرِ وَهُم عُلَمَاءُ كُلِّ طَائِفَةٍ وَأُمَرَاؤُهَا وَمَشَايِخُهَا: أنْ يَقُومُوا عَلَى عَامَّتِهِمْ، وَيأْمُرُوهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْهُم عَن الْمُنْكَرِ، فَيَأْمُرُونَهُم بِمَا أَمَرَ اللهُ بِهِ وَرَسُولُهُ، وَينْهَوْنَهُم عَمَّا نَهَى اللهُ عَنْهُ وَرَسُولُهُ ﷺ . [٣/ ٤٢٣]
٣٣٠٧ - ليس لأحد أن يزيل المنكر بما هو أنكر منه: مثل أن يقوم واحد من الناس يريد أن يقطع يد السارق، ويجلد الشارب، ويقيم الحدود؛ لأنه لو
стр. 2311
فعل ذلك لأفضى إلى الهرج والفساد؛ لأنَّ كلَّ واحد يضرب غيره ويدعي أنه استحق ذلك؛ فهذا مما ينبغي أن يقتصر فيه على ولي الأمر المطاع كالسلطان ونوابه.
وإنما الخلاف فيما إذا غلب على ظن الرجل أن أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر لا يطاع فيه هل يجب عليه حينئذٍ؟ على قولين: أصحهما: أنه يجب وإن لم يقبل منه إذا لم يكن مفسدة الأمر راجحة على مفسدة الترك، كما بقي نوح ﵇ ألف سنة إلا خمسين عامًا ينذر قومه، ولما قالت الأمة من أهل القرية الحاضرة البحر لواعظي الذين يعدون في السبت: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٦٤) ﴾ [الأعراف: ١٦٤] أي: نقيم عذرنا عند ربنا، وليس هداهم علينا، بل الهداية إلى الله. [مختصر الفتاوى المصرية ٥٨٠]
٣٣٠٨ - من لم بحب ما أحبه الله وهو المعروف وببغض ما أبغضه الله تعالى وهو المنكر: لم يكن مؤمنًا، فلهذا لم يكن وراء إنكار المنكر بالقلب حبة خردل من إيمان.
لكن من الناس من ينكر بعض الأمور دون بعض؛ فيكون في قلبه إيمان ونفاق، كما ذكر ذلك من ذكره من السلف حيث قالوا: القلوب أربعة:
أ- قلب أجرد فيه سراج يزهر، فذلك قلب المؤمن.
ب- وقلب أغلف، فهو قلب الكافر.
ت- وقلب منكوس، فذلك قلب المنافق.
ج- وقلب فيه مادتان، مادة تمده بالإيمان، ومادة تمده بالنفاق، فذلك خلط عملًا صالحًا وآخر سيِّئًا. [مختصر الفتاوى المصرية ٥٨٠]
٣٣٠٩ - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية، فإذا غلب على ظنه أن غيره لا يقوم به تعيِّن عليه ووجب عليه ما يقدر عليه من ذلك؛ فانْ تركه
стр. 2312
كان عاصيًا لله ولرسوله، وقد يكون فاسقًا وقد يكون كافرًا. [مختصر الفتاوى المصرية ٥٨١]
٣٣١٠ - ينبغي لمن يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر أن يكون فقيهًا قبل الأمر، رفيقًا عند الأمر، ليسلك أقرب الطرق في تحصيله حليمًا بعد الأمر؛ لأن الغالب أن لا بد أن يصيبه أذى. [مختصر الفتاوى المصرية ٥٨١]
* * *
(مسائل الخلاف هل فيها إنكار ؟)
٣٣١١ - قولهم: ومسائل الخلاف لا إنكار فيها: ليس بصحيح؛ فإن الإنكار:
أ- إما أن يتوجه إلى القول بالحكم.
ب- أو العمل.
أما الأول: فإن كان القول يخالف سُنَّة أو إجماعًا قديمًا: وجب إنكاره وفاقًا، وإن لم يكن كذلك فإنه ينكر بمعنى بيان ضعفه عند من يقول: المصيب واحد، وهم عامة السلف والفقهاء.
وأما العمل: فإن كان على خلاف سُنَّة أو إجماع وجب إنكاره أيضًا بحسب درجات الإنكار، كما ذكرنا من حديث شارب النبيذ المختلف فيه، وكما ينقض حكم الحاكم إذا خالف سُنَّة وإن كلان قد اتبع بعض العلماء.
وأما إذا لم يكن في المسألة سُنَّة ولا إجماع وللاجتهاد فيها مساغ: فلا ينكر على من عمل بها مجتهدًا أو مقلدًا، وإنما دخل هذا اللبس من جهة أن القائل يعتقد أن مسائل الخلاف هي مسائل الاجتهاد كما اعتقد ذلك طوائف من الناس.
والصواب الذي عليه الأئمة أن مسائل الاجتهاد -ما لم يكن فيه دليل يجب العمل به وجوبًا ظاهرًا؛ مثل حديث صحيح لا معارض له من جنسه-:
стр. 2313
فيسوغ إذا عدم ذلك الاجتهادُ؛ لتعارض الأدلة المقاربة أو لخفاء الأدلة فيها.
وليس في ذكر كون المسألة قطعية طعن على من خالفها من المجتهدين. [الآداب الشرعية ١/ ١٦٩]
* * *
(آداب المحتسب)
٣٣١٢ - الصبر على أذى الخلق عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إن لم يستعمل لزم أحد أمرين:
أ- إما تعطيل الأمر والنهي.
ب- وإما حصول فتنة ومفسدة أعظم من مفسدة ترك الأمر والنهي، أو مثلها أو قريب منها.
وكلاهما معصية وفساد، قال تعالى: ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٧) ﴾ [لقمان: ١٧].
فمن أمر ولم يصبر، أو صبر ولم يأمر، أو لم يأمر ولم يصبر: حصل من هذه الأقسام الثلاثة مفسدة، وإنما الصلاح في أن يأمر ويصبر، وفي "الصحيحين" (١) عن عبادة قال: بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في عسرنا ويسرنا، ومنشطنا ومكرهنا وعلى أثرة علينا وأن لا ننازع الأمر أهله وأن نقوم أو نقول بالحق حيث ما كنا لا نخاف في الله لومة لائم، ونهى رسول الله ﷺ عن القتال في الفتنة.
فأهل البدع من الخوارج والمعتزلة والشيعة وغيرهم يرون قتالهم والخروج عليهم إذا فعلوا ما هو ظلم أو ما ظنّوه هم ظلمة ويرون ذلك من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (٢) . الحواشي
(١) البخاري(٧٥٥٦) ، ومسلم(١٧٠٩) .(٢) كما هو حال الخوارج في هذا العصر، حيث خرجوا على ولاة أمر المسلمين للإنكار على الظلم والأمور المحرمة.стр. 2314
وآخرون من المرجئة وأهل الفجور قد يرون ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ظنًّا أن ذلك من باب ترك الفتنة، وهؤلاء يقابلون لأولئك (١) . [الآداب الشرعية ١/ ١٥٧]
٣٣١٣ - إِذَا كَانَ مِن الْمُحَرَّمَاتِ مَا لَو نَهَى عَنْهُ حَصَلَ مَا هُوَ أَشَدُّ تَحْرِيمًا مِنْهُ لَمْ يَنْهَ عَنْه، وَلَمْ يُبِحْهُ أيْضًا.
وَلهَذَا لَا يَجُوزُ إنْكَارُ الْمُنْكَرِ بِمَا هُوَ أَنْكَرُ مِنْهُ؛ وَلهَذَا حُرِّمَ الْخرُوجُ عَلَى وُلَاةِ الْأَمْرِ بِالسَّيْفِ؛ لِأَجْلِ الْأمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَن الْمُنْكَرِ؛ لِأَنَّ مَا يَحْصُلُ بِذَلِكَ مِن فِعْلِ الْمُحَرَّمَاتِ وَتَرْكِ وَاجِبٍ (٢) أَعْظَمُ مِمَّا يَحْصُلُ بِفِعْلِهِمُ الْمُنْكَرَ وَالذُّنُوبَ، وَإِذَا كَانَ قَوْمٌ عَلَى بِدْعَةٍ أَو فُجُورِ وَلَو نُهُوا عَن ذَلِكَ وَقَعَ بِسَبَبِ ذَلِكَ شَرٌّ أَعْظَمُ مِمَّا هُم عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ وَلَمْ يُمْكِنْ مَنْعُهُم مِنْهُ وَلَمْ يَحْصُلْ بِالنَّهْيِ مَصْلَحَةٌ رَاجِحَةٌ: لَمْ يُنْهَوْا عَنْهُ.
بِخِلَافِ مَا أمَرَ اللهُ بِهِ الْأنْبِيَاءَ وَأَتْبَاعَهُم مِن دَعْوَةِ الْخَلْقِ؛ فَإِنَّ دَعْوَتَهم يَحْصُلُ بِهَا مَصْلَحَةٌ رَاجِحَةٌ عَلَى مَفْسَدَتِهَا.
فَالْمَنْهِيُّ عَنْهُ إذَا زَادَ شَرُّهُ بِالنَّهْيِ وَكَانَ النَّهْيُ مَصْلَحَةً رَاجِحَةً: كَانَ حَسَنًا.
وَأَمَّا إذَا زَادَ شَرُّهُ وَعَظُمَ وَلَيْسَ فِي مُقَابَلَتِهِ خَيْرٌ يَفُوتُهُ: لَمْ يُشْرَعْ، إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي مُقَابَلَتِهِ مَصْلَحَةٌ زَائِدَةٌ، فَإِنْ أَدَّى ذَلِكَ إلَى شَرٍّ أعْظَمَ مِنْة لَمْ يُشْرَعْ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ الْآمِرُ لَا صَبْرَ لَهُ فَيُوذَى فَيَجْزَعُ جَزَعًا شَدِيدًا يَصِيرُ بِهِ مُذْنِبًا، وينْتَقِصُ بِهِ إيمَانُهُ وَدِينُهُ، فَهَذَا لَمْ يَحْصُلْ بِهِ خَيْرٌ لَا لَهُ وَلَا لِأولَئِكَ؛ بِخِلَافِ مَا الحواشي
(١) كما هو حال مرجئة الحكام في هذا الزمان، حيث يرون أنّ أي أمرٍ يخرج من الحكام- الذين يهوونهم- لا يجوز إنكازه علانيةً، ولو لم يتعرَّض الْمُنْكِرُ للحاكم، وإنما أنكر الْمُنْكَرَ فحسب، ولا يلتمسون الأعذار إلا لمن هو على منهجهم وطريقهم.
ولقد وصَف شيخ الإسلام رحمه الله تعالى حال الأمة هذا الزمان توصيفا دقيقًا وكأنه بيننا!(٢) لعل الصواب: (الواجبات).стр. 2315
إذَا صَبَرَ وَاتَّقَى اللهَ وَجَاهَدَ وَلَمْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ بَلِ اسْتَعْمَلَ التَّقْوَى وَالصَّبْرَ؛ فَإِنَّ هَذَا تَكُونُ عَاقِبَتُهُ حَمِيدَةً، وَأُولَئِكَ قَد يَتُوبُونَ فَيَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِم بِبَرَكَتِهِ، وَقَد يُهْلِكُهُم بِبَغْيِهِمْ وَيكُونُ ذَلِكَ مَصْلَحَةً، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥) ﴾ [الأنعام: ٤٥]. [١٤/ ٤٧٢ - ٤٧٣]
٣٣١٤ - مررت أنا وبعض أصحابي في زمن التتار بقوم منهم يشربون الخمر فأنكر عليهم من كان معي، فانكرت عليه، وقلت له: إنما حوم الله الخمر لأنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وهؤلاء يصدهم الخمر عن قتل النفوس وسبي الذرية وأخذ الأموال فدعهم (١) . [أعلام الموقعين ٣/ ١٣]
٣٣١٥ - إذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مستلزمًا من الفساد أكثر مما فيه من الصلاح: لم يكن مشروعًا، وقد محره أئمة السُّنَّة القتال في الفتنة التي يسميها كثير من أهل الأهواء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن ذلك إذا كان يوجب فتنة هي أعظم فسادًا مما في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لم يُدفع أدنى الفسادين بأعلاهما، بل يُدفع أعلاهما باحتمال أدناهما. [الاستقامة: ٣٤١]
٣٣١٦ - إِذَا قَوِيَ أهْلُ الْفُجُورِ حَتَّى لَا يَبْقَى لَهُم إصْغَاءٌ إلَى الْبِرِّ؛ بَل يُؤذُونَ النَّاهِيَ لِغَلَبَةِ الشُّحِّ وَالْهَوَى وَالْعُجْبِ سَقَطَ التَّغْيِيرُ بِاللِّسَانِ فِي هَذِهِ الْحَالِ وَبَقِيَ بِالْقَلْبِ. [١٤/ ٤٧٩ - ٤٨٠]
٣٣١٧ - اللهُ سُبْحَانَهُ قَد أَمَرَنَا بِالْأمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَن الْمُنْكَرِ، وَالْأمْرُ بِالشَّيْءِ مَسْبُوقٌ بِمَعْرِفَتِهِ، فَمَن لَا يَعْلَمُ الْمَعْرُوفَ لَا يُمْكِنُهُ الْآمْرُ بِهِ، وَالنَّهْيُ عَن الْمُنْكَرِ مَسْبُوقٌ بِمَعْرِفَتِهِ، فَمَن لَا يَعْلَمُهُ لَا يُمْكِنُهُ النَّهْيُ عَنْه. [١٥/ ٣٣٧]
٣٣١٨ - إِنَّ الْإنْكارَ بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ قَبْلَ الْإِنْكَارِ بِالْيَدِ. [١٥/ ٣٣٨] الحواشي
(١) هذا هو فقه إنكار المنكر.следующие страницы →